Полный текст (3 515 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
الحائض, ولا يضاجعونها, ولا يقربونها, وكانوا إذا أصابت ثوبهم النجاسة قصوه بالمقص, ولا يرون أن الماء يطهره كما ذكر أهل العلم, ولما ذكر أهل العلم أن الأمة الإسلامية وسط بين الأمم في النجاسات قالوا: إن اليهود إذا تنجس الثوب عندهم قصوه ولا يطهرونه بالماء, والنصارى, بالعكس يتلوث بالنجاسة أو لا يتلوث لا يهمهم هذا, المسلمون - والحمد لله - وسط.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الاستمتاع بالحائض في كل شيء إلا الوطء, وعلى هذا فله أن يقبلها ويؤاكلها, ويضمها ويجامعها بين الفخذين, كل شيء يفعل إلا النكاح: إلا الجماع.
وهل يلزم مع ذلك أن تأتزر إذا أراد أن يباشرها أو لا يلزم؟ لا يلزم؛ لأن النبي ﷺ أطلق فله أن يباشرها وإن لم تأتزر, لكن اتزارها أفضل وأكمل لوجهين:
الوجه الأول: أنه ربما يعجز عن كبح نفسه إذا كانت غير مئتزرة فيجامع في الفرج.
وثانيًا: لئلا يرى منها ما يكره من الدم, فإذا كانت مئتزرة فليباشرها ما شاء لكن لئلا يرى هذا؛ ولهذا قال:
١٣٦ - وعن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يأمرني فأتزر, فيباشرني وأنا حائض». متفق عليه.
«يأمرني فأتزر» أي: ألبس الإزار, «فيباشرني» المباشرة أبلغ من التقبيل, «وأنا حائض» الجملة هذه حالية, يعني: والحال أني حائض.
ففي هذا الحديث فوائد, منها: أن الإنسان إذا أراد أن يتمتع بامرأته وهي حائض فليأمرها بالاتزار.
ومن فوائد الحديث: جواز استمتاع الرجل بزوجته بدون إزار إذا كانت طاهرة, وهذا واضح, فإنه يجوز للزوجين أن يباشر أحدهما الآخر وهما عاريان ولا حرج في هذا, لكن ينبغي أن يكونا عليهما رداء أو نحوه يغطيهم في هذه الحال.
من فوائد الحديث: أنه يشرع للمرأة إذا كانت حائضًا وأراد زوجها أن يستمتع بها أن يأمرها بالاتزار اقتداء بالرسول ﷺ .
ومن فوائد الحديث: صراحة نساء الصحابة في الأمر الذي يستحيا حائضًا بكل شيء إلا النكاح - أي: الجماع -.
ثانيًا: أنه ينبغي إذا أراد أن يباشر أن تتزر لوجهين:
стр. 352
الأول: لئلا يرى منها ما يكره.
والثاني: لئلا تغلبه نفسه فيجامعها.
كفارة وطء الحائض:
١٣٧ - وعن ابن عباس ﵄, عن رسول ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: «يتصدق بدينارٍ, أو بنصف دينارٍ». رواه الخمسة, وصححه الحاكم وابن القطان, ورجح غيرهما وقفه.
هذه المسألة - مسألة وطء الحائض - فوطء الحائض لا شك أنه حرام بنص القرآن, قال الله تعالى: ﴿ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ [البقرة: ٢٢٢]. ومتى يرتفع هذا التحريم؟ قيل: إنه يرتفع بانقطاع الدم, وقيل: إنه يرتفع بالاغتسال, فالذين قالوا إنه يرتفع بانقطاع الدم, قالوا: إن الله قال: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ والطهر: هو انقطاع الحيض, وقوله: ﴿فإذا تطهرن﴾ أي: من الحيض, والمراد بذلك: أن تغسل محل الدم والفرج فتحل بعد ذلك, وليس المراد: الاغتسال, وأن المرأة إذا طهرت من الحيض وغسلت الفرج وما أصاب الدم فإنه يجوز للزوج أن يجامعها, وهذا رأي ابن حزم ﵀, ولكنه ضعيف.
والصواب: أن المراد بالتطهر: الاغتسال لقول الله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ [المائدة: ٦]. فسمى الاغتسال تطهرًا, وهذا أحوط وأبرأ للذمة, ولعله أصح للمرأة؛ لأن المرأة بعد الاغتسال سوف يكون لها نشاط وتعود عليها قوتها وتكون متهيئة للجماع.
ولكن إذا فعل الإنسان فجامع في الحيض فهو آثم بلا شك, إلا أن يكون جاهلًا فالجهل عذر, لكن إذا كان عالمًا فهو آثم, ثم هل يلزمه مع التوبة إلى الله أن يتصدق بشيء؟ في هذا خلاف بين العلماء:
فمنهم من قال: لا شيء عليه, عليه أن يتوب فقط, ولا يلزمه أكثر من ذلك, والأصل براءة الذمة, فلا تلزم المسلمين بشيء إلا بيقين؛ لأنك إذا ألزمته شيئًا فقد استبحت بعض ماله بقدر ما تلزمه, ومن الذي أحل لك ماله حتى يخرجه من ملكه إلى الفقير, والأصل احترام الأموال ولا نلزم الناس يبذلها إلا بدليل, فصار عندنا أصلان:
стр. 353
الأول: براءة الذمة.
والثاني: عصمة المال, واحترام المال.
فكيف نقول لهذا الرجل: عليك الكفارة ونخرج شيئًا من ماله بدون دليل شرعي؟ !
وقال بعض أهل العلم: بل عليه الكفارة لحديث ابن عباس الذي ساقه المؤلف ﵀, والكفارة إما دينار أو نصف دينار, والدينار الإسلامي مثقال من الذهب, يعني: ما يزن مثقالًا من الذهب, أو نصف مثقال, وقيمته معروفة عند أهل الصرف.
ولكن الحديث - كما تشاهدون - اختلف العلماء في رفعه إلى النبي ﷺ فأكثر المحدثين بأنه موقوف على عبد الله بن عباس ﵄ ثم الحديث فيه اضطراب في إسناده, وفيه أيضًا شيء من الاضطراب في موجبه ومقتضاه ديار أو نصف دينار, ولم يرد مثل هذا التخيير في جنس واحد, في أي كفارة من الكفارات, التخيير الذي يكون في الكفارات يكون بين جنسين طعام, أو كسوة, أو عتق مثلًا في كفارة الأيمان, أما أن يكون دينار أو نصفه فهذا لا يستقيم.
ثم هل الحديث صريح في الوجوب؟
الحديث يقول: «يتصدق» فيحتمل أن يكون على سبيل الاستحباب, ويحتمل أن يكون على سبيل الوجوب, واحتمال كونه على سبيل الوجوب أقرب؛ لأنه في مقابلة ذنب, والذنب لا يرفع إلا بواجب, لكن يبقى النظر في كونه مخيرًا بين الدينار أو النصف دينار, فهل هذا مستقيم؟ ثم يبقى النظر أن الحديث مختلف فيه, هل هو مرفوع إلى النبي ﷺ أو من قول ابن عباس, ثم الحديث أيضًا فيه اضطراب في سنده ولذلك عدل عنه الإمام الشافعي ﵀ وقال: «إن وطء الحائض ليس فيه كفارة, ولو صح الحديث لقلت به».
ولكن لا شك أن الإنسان إذا احتاط وكان الله قد أعطاه سعة من المال وكفر فإن هذا يكون سببًا لردعه عن العودة إليه, فإخراج الكفارة بلا شك أولى من التبعة.
فإذا قلنا: التخيير فيه إشكال وهو كيف يخير بين شيئين من جنس واحد أحدهما أقل من الآخر؟ فيقال: هذا من فضل الله أن الله تعالى أوجب الدينار وهذا على الكمال, أو نصفه وهذا على الإجزاء, فالكمال دينار, والإجزاء نصف دينار, على أن بعض العلماء قال: إن هذا التخيير ليس تخييرًا تشهيًا ولكنه تنويع, وأنه إذا كان الجماع في فور الحيض فدينار, وإن كان في آخره فنصف دينار؛ لأن الحيض في فور الدم أشد ضررًا وأكثر إثما, ولكن الذي يظهر - والله أعلم - أنه على التخيير مطلقًا.
***
стр. 354
أحكام تترتب على الحيض:
١٣٨ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أليس إذا حاضت المرأة لم تصل ولم تصم؟ ». متفق عليه في حديث طويل.
هذا جواب من الرسول ﵊ لسؤال ورد عليه, فإن النبي ﷺ وعظ النساء بعد أن وعظ الرجال في خطبة صلاة العيد, وذكرهن وقال: «ما رأيت من ناقصات عقلٍ ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن». و «لبه» يعني: عقله, فقال: «ما رأيت من ناقصات عقلٍ ودين» فانتبهت النساء لهذا, وقالوا: يا رسول الله, ما نقصان عقلنا, وما نقصان ديننا؟ فبين أن نقصان العقل المراد بالعقل: عقل الأشياء وضبطها, وليس العقل الذي هو ضد الجنون, وبين أن نقصان عقلها أن شهادة الرجل بشهادة امرأتين لقوله تعالى: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وبين الله السبب قال: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ﴿تضل﴾ , بمعنى: تجهل, أو بمعنى: تنسى, و ﴿فتذكر﴾ بمعنى: تنبه إن كانت جاهلة فبالتعليم, وإن كانت ناسية فبالتذكير, فبين الله الحكمة أن المرأة قليلة العقل ما تعقل الأشياء ولا تحفظها كما يفعل الرجل.
أما الصلاة فقال: «أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلت: بلى يا رسول الله, قال: «هذا نقصان دين» , فمثلًا إذا حاضت المرأة سبعة أيام لا تصلي والرجل يصلي صار أكمل منها دينًا, وأكثر منها عملًا فهذا نقصان دينها.
ولكن هل تلام على هذا النقص؟ الجواب: لا؛ لأن نقص الإيمان ينقسم إلى قسمين: إن كان لترك واجب أو فعل معصية النقص؟ الجواب: لا, لأن نقص الإيمان ينقسم إلى قسمين: إن كان لترك واجب أو فعل معصية فهو نقصان يلام عليه العبد, وإن كان لترك مستحب أو لترك معذور فيه الإنسان فهو نقص لا يلام عليه.
فإن قال قائل: المرأة الآن لا تصوم بإذن الله وبأمر الله ولو صامت لأثمت, فكيف تجعلونها ناقصة؟ نقول: نجعلها ناقصة كما جعل النبي ﷺ الفقراء ناقصين عن الأغنياء الذين ينفقون أموالهم فيما يرضي الله, وأرشدهم إلى أن يسبحوا الله ويحمدوه ويكبروه دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين, فلما علم الأغنياء بذلك فعلوا مثله, فجاء الفقراء يشتكون, قالوا: يا رسول الله, إن إخواننا الأغنياء فعلوا مثل ما فعلنا, فال: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء». فإذا احتجت المرأة وقالت: إنها لم تترك الصلاة إلا بأمر الله, ولم تترك الصوم إلا بأمر الله, قلنا: هذا فضل الله وليس لك حجة على الله, والله تعالى يؤتي ملكه من يشاء, أليس الله تعالى يفضل بعض الناس على
стр. 355
بعض في العلم, في العبادة, في الرسالة, في النبوة, في الولاية, في كل شيء, فضل الله يؤتيه من يشاء.
استفدنا من هذا الحديث: أولًا: حسن خلق الرسول ﵊, وأنه أحسن الناس خلقًا وأرحب الناس صدرًا, وأنه ﵊ يقبل أن يناقشهن ولا يأنف عن ذلك ولا ينهر ولا يكفهر ﵊.
ومنها: أنه ينبغي للعالم إذا طلب منه الإرشاد إلى معرفة الحكمة أن يبين ذلك بصدر منشرح إن تبينت له الحكمة وإلا يقول: الله أعلم.
ومنها: أنه قد تقرر في الدين الإسلامي أن المرأة إذا حاضت لا تصلي ولا تصوم؛ لأن النبي ﷺ قال ذلك مقررًا: «أليس إذا حاضت» , والاستفهام هنا للتقرير.
ومنها: أن الحائض لا تصلي نفلا ولا فرضًا, ولا تصوم نفلًا ولا فرضًا, وجه ذلك:
الإطلاق, والشيء إذا أطلق لا يمكن أن يقيد.
أسئلة:
- لماذا كان النبي ﷺ يأمر عائشة أن تتزر فيباشرها؟
- من أتى امرأته وهي حائض ماذا عليه؟
- ما هو الدينار؟
- هل قول ابن عباس «يتصدق» على سبيل الوجوب؟
- هل قوله: «أليس إذا حاضت» استفهام أم ماذا؟
- لماذا ساقه المؤلف في باب الحيض؟
- إذا قال قائل: كيف تكون ناقصة وهي ممتثلة؟
١٣٩ - وعن عائشة ﵂ قالت: «لما جئنا سرف حضت, فقال النبي ﷺ : افعلي ما يفعل الحاج, غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري». متفق عليه في حديث طويل.
«لما جئنا» الضمير هنا يعود على الرهط الذين كانوا مع النبي ﷺ في حجة الوداع, وكان النبي ﷺ في حجة الوداع قد خرج بزوجاته كلهن, وأحرمن بعمرة متمتعات بها إلى الحج, ومنهن عائشة, فلما بلغوا «سرف» وهو مكان في طريق المدينة إلى مكة حاضت, فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي وسألها لماذا؟ فأخبرته بأنها حاضت, فقال: «إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم» , قال تسلية لها حتى تتأسى؛ لأن الإنسان إذا تأسى بغير هانت عليه المصيبة, ويشير
стр. 356
إلى هذا قوله تعالى: ﴿ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون﴾ [الزخرف: ٣٩]. لكن في الدنيا إذا اشترك المجرمون في العذاب هان عليهم, وقالت الخنساء ترثي أخاها صخر: [الوافر]
وما يبكون مثل أخي ولكن ... أسلي النفس عنه بالتأسي
فأخبرها النبي ﷺ أن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم, وليس خاصًا بك, وليس الأمر بيديك, فقال لها: «افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت» , «افعلي» الأمر هنا للإرشاد, ويبقى إذا كان للإرشاد ما كان مأمورًا به في الحج على سبيل الوجوب واجبًا, وما أمر به على سبيل الاستحباب يكون مستحبا.
ويحتمل أن يكون الأمر هنا للإباحة, يعني: لك أن تفعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت, وقوله: «الحاج» المراد به: الجنس؛ فيشمل الذكر والأنثى, «غير» هذا استثناء من عموم الأحوال أو من قوله «ما» في: «ما يفعله الحاج غير ألا تطوفي بالبيت» , يعني: طواف القدوم؛ لأنها ستقدم وهي حائض, ولم يذكر النبي ﷺ السعي, لكنه ذكره مالك ﵀ في موطئه بإسناد صحيح, وكذلك البخاري ذكر أنها لما طهرت طافت وسعت؛ ولهذا يكون عدم ذكره في بعض الروايات لا ينافي ذكره في الروايات الأخرى, وقوله: «حتى تطهري» حتى للغاية, يعني: حتى تطهري من الحيض, والطهارة من الحيض هو انقطاع الدم متى انقطع الدم فهي الطهارة, وما بعد انقطاع من الحيض, والطهارة من الحيض هو انقطاع الدم متى انقطع الدم فهي الطهارة, وما بعد انقطاع الدم ليس بشيء سواء كان أبيض أو أصفر أو كدرة, متى انقطع الدم - دم الحيض المعروف - فإنها تكون طاهرة.
فيستفاد من هذا الحديث فوائد: أولًا: جاء به المؤلف في كتاب الحيض ليبين أن الحائض لا تطوف بالبيت, وهذا أمر مجمع عليه.
ويستفاد من هذا الحديث فوائد منها: جواز إدخال الحج على العمرة عند تعذر إتمامها؛ لأن عائشة أرشدها النبي ﷺ إلى جواز إدخال الحج على العمرة؛ لأنه قال لها ﵊: «اجعليها عمرة».
ولكن إذا لم يكن هناك حاجة فهل يجوز أو لا يجوز؟
من العلماء من قال: أنه لا يجوز؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦]. وهذا لم يتم العمرة؛ ولأنه لم ينتقل إلى نسك أفضل بل إلى نسك مفضول؛ لأن الإنسان سينتقل من التمتع إلى القران, والتمتع أفضل, وليس كالذي يحول الإفراد أو الإقران إلى تمتع؛ لأن هذا
стр. 357
ثبتت به السنة, لكن هذا قد تحول من نسك مفضول إلى نسك أفضل ولا إشكال فيه؛ لأن تحول القارن إلى متمتع أو المفرد إلى متمع لا إشكال فيه, وهذا هو الذي أمر به النبي ﷺ من لم يسق الهدي.
لكن الإشكال أن ينتقل من تمتع إلى قران, فنقول: عند الضرورة لا شك في جوازه, وذلك فيما إذا حاضت المرأة وتعرف أنها لن تطهر قبل الوقوف بعرفة, ومن ذلك لو خاف الإنسان فوت الوقوف بأن جاء متأخرًا وأحرم بالعمرة ثم خاف أن يفوته الحج فإنه هنا يدخل الحج على العمرة, فيكون قارنًا.
لكن السؤال هل يجوز ذلك في حال السعة؛ بمعنى: أن الإنسان يدخل الحج على العمرة مع سعة الوقت؟ هذا محل نظر, ولولا أن بعضهم حكى الإجماع في الجواز لقلنا بعدم الجواز, فإن كان أحد من العلماء يقول بأنه لا يجوز إدخال الحج على العمرة إلا عند الضرورة الشرعية أو الحسية؛ فهذا القول أقرب للصواب بلا شك, ووجه ذلك: أنه انتقال من فاضل إلى مفضول, والأعمال الشرعية إذا كانت واجبة لا يمكن أن ينتقل من فاضل إلى مفضول أبدًا, بخلاف الانتقال من المفضول إلى الفاضل.
ومن فوائد الحديث: أن القارن فعله كفعله المفرد؛ لأن النبي ﷺ لم يأمرها أن تطوف مرتين, وأن تسعى مرتين, بل قال: «افعلي ما يفعل الحاج» , وهذا القول هو الراجح, بمعنى: أن القارن كالمفرد سواء في أفعال الحج, فلا يلزمه طوافان وسعيان, لماذا؟ لقول النبي ﷺ : «دخلت العمرة في الحج» , ولقوله لعائشة: «طوافك بالبيت وبالصفا والمروة يسعك» أي: يكفيك لحجك وعمرتك. فالقارن والمفرد سواء في الأفعال, لكنهما يختلفان من جهة أن القارن يحصل له نسكان, والمفرد لا يحصل له إلا نسك, وأن القارن عليه هدي, والمفرد ليس عليه هدي.
وهل يجوز إدخال العمرة على الحج ليصير قارنًا بمعنى: أن الرجل أحرم بالرجل, ثم أدخل العمرة عليه؟ هذا فيه خلاف, فمن العلماء من يقول: لا بأس بإدخال العمرة على الحج, ومنهم من قال: لا يجوز. والصحيح جوازه؛ لأن هذا هو ظاهر ما ورد عن النبي ﷺ حيث أحرم بالحج أولًا, ولقول عائشة ﵂ وهي تقسم الناس لإحرامهم وأهل رسول الله ﷺ بالحج, ثم قيل له: قل عمرة في حجة. وهذا يعني: أنه أدخل العمرة على الحج, وهو من ناحية القياس أن يقال: أي فرق بين أن تدخل الحج على العمرة, أو العمرة على الحج.
стр. 358
وأما من قال: لا يستفيد بإدخال العمرة على الحج لأنه لن يزيد على أفعاله. فنقول: وكذلك إدخال الحج على العمرة لا يزيد على أفعاله, ثم نقول: القول بأنه لم يستفد ممنوع؛ لأنه استفاد نسكين فهو مستفيد.
عرفنا أن عائشة ﵂ أدخلت الحج على العمرة قبل أن تطوف لا شك فهل يجوز إدخال الحج على العمرة بعد الطواف؟ يرى بعض العلماء أنه لا بأس به, حتى بعد السعي ما دامت العمرة لم تتم فله إدخال الحج على العمرة ويصير قارنًا, أما مذهبنا فإنه لا يصح أن يدخل الحج على العمرة بعد الشروع في الطواف, وهذا فيه شيء من الإشكال فيما لو أن المحرم طاف وسعى ولم يقصر إما ناسيًا أو جاهلًا, ثم أدخل الحج على العمرة؛ فعلى المذهب - مذهبنا - يكون حجه فاسدًا لا يصح؛ لأنه أدخل على العمرة بعد الطواف وهذا لا يصح, والإفتاء بهذا فيه صعوبة أن يأتي الإنسان من مسافة بعيدة وينفق كل ما جمعه من مال, ثم يقال له: رجعت بلا حج, وليس هناك دليل واضح في هذه المسألة إلا أن يقال: إذا لم يبق إلا الحلق أو التقصير فقد تم النسك فكيف يصح إدخال الحج عليه؟ في مثل هذا نحن نفتي بأن يفدي الإنسان عن ترك الحلق ونجعله كأنه تركه ولما تحلل من العمرة ثم شرع في النسك, فشروعه في نسك الحج صحيح, وعليه فدية بناء على القول بأن تارك الواجب تلزمه فدية, وأما أن نقول: لا يصح, ففيه نظر؛ المذهب يصح إدخال الحج على العمرة فيما إذا ساق الهدي وإلا فلا, لكن الصواب أنه لا فرق بين من ساق الهدي ومن لم يسق الهدي.
ومن فوائد هذا الحديث: أن جميع المناسك لا تشترط لها الطهارة السعي, الوقوف, المبيت, الرمي, لكن الأفضل أن يفعلها على طهارة.
فإن قال قائل: كيف تقولون السعي, وقد قال النبي ﵊: «ولا بين الصفا والمروة»؟
قلنا: إن العلة في عدم صحة السعي هي أنه لم يسبقه طواف؛ ولذلك أنبه هنا على مسألة يفعلها بعض أهل مكة, وهي أنهم يحرمون بالحج من بيوتهم ثم يذهبون إلى البيت ويطوفون, ثم يسعون سعي الحج, وهذا لا يصح, يعني: السعي: هنا لا يصح؛ لأنه وقع بعد طواف وليس بنسك فإن السعي إنما يكون بعد طواف النسك, إما طواف الإفاضة, وإما طواف القدوم, وهؤلاء ما قدموا, هؤلاء هم أهل مكة, وهؤلاء يقال لهم: أعيدوا السعي؛ لأن سعيكم الأول لم يصح.
فإن قال قائل: في أن الحائض لا تطوف بالبيت؟
стр. 359
فالجواب: أن العلماء اختلفوا في ذلك, فمنهم من قال: إنه لا يصح طواف الحائض؛ لأن من شرط الطواف الطهارة, وهذه لم تكن طاهرة, فلا يصح طوافها, وعلى هذا القول لا يصح طوافها بأي حال من الأحوال حتى عند الضرورة لا يصح أن تطوف؛ لأن من شرط الطواف الطهارة, وهذه يمكنها أن تأتي بالشرط إذا طهرت.
وبناء على هذا القول لو حاضت امرأة قبل طواف الإفاضة وكان رفقتها لا يمكن أن ينتظروها ولا محرمها, وإذا عادت إلى بلدها لا يمكنها أن ترجع إما لمنع الحكومات, وإما لمشقة الرجوع لئلا تجد محرمًا, وإما لمشقة الرجوع بألا تجد مالًا حكم هذه بين أمرين: إما أن تبقى على إحرامها دائمًا وهو المذهب؛ بمعنى: أنها تبقى على ما بقي من إحرامها, وهو التحلل الثاني تبقى إن كانت ذات زوج فهي حرام على زوجها, وإن لم تكن ذات زوج فحرام عليها أن تتزوج, بناء على أن عقد النكاح بعد التحلل الأول حرام, وإن كان في هذا خلاف وفيه نظر, لكن الكلام على المعروف ولا يمكنها أن تتحلل بالحصر؛ لأن الحصر عندهم خاص بحصر العدو, وتبقى المسألة مشكلة - حرج لا نظير له - أو يقال على قول آخر على القول بأن الحصر يكون حصر عدو, وحصر مرض, وحصر ضياع نفقة, أو حصر كسر, المهم الحصر يكون لكل عذر يمتنع معه إتمام النسك, على هذا القول يقولون: تكون محصرة, وكيف تعمل؟ تذبح هديًا في مكان الإحصار بمكة وتتحلل, لكنها لم تؤد الحج, لماذا؟ لأنه فاتها منه ركن فيكون الحج غير تام, فتبقى المسكينة خصوصًا إذا كان حجها فريضة فتبقى لم تؤد الفريضة, لكن شيخ الإسلام ﵀ قال: ليست العلة اشتراط الطهارة؛ لأن اشتراط الطهارة في الطواف ضعيف؛ إذ إن هذا مستنده ما روي عن ابن عباس ﵂: «الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام».
وهذا الحديث لا يمكن أن يصح مرفوعًا عن النبي ﷺ لأنه لا يصح - معناه غير صحيح - إذا قلنا: الطواف بالبيت صلاة إلا الكلام؛ فيقال: هذا غير صحيح, هناك أشياء كثيرة مستثناة مثل التكبير في أوله قراءة الفاتحة, عدم الاتجاه للقبلة, الحركة الكثيرة, وأشياء كثيرة مستثناة, فالحديث لا يصح عن الرسول - عليه الصلاة والسالم -, ثم إن قوله: «الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام» يمكن أن يحمل على أنه بمثابة الصلاة في الأجر وأخص منها؛ لأنه خاص بالكعبة.
стр. 360
فعلى كل حال: القول بأن الطهارة في الطواف شرط لا يصح؛ لأن هذا يحتاج إلى دليل واضح تبطل به عبادات خلق الله, لكن لا شك أن الطهارة في الطواف أفضل وأولى:
أولًا: لأنه سيأتي بعد الطواف مباشرة صلاة ركعتين, وهذه يشترط لها الطهارة بالاتفاق.
وثانيًا: احتياطًا لأن أكثر العلماء على وجوب الطهارة, فيقول شيخ الإسلام: لا دليل على اشتراط الطهارة في الطواف, وذكر له أدلة كثيرة في كتاب المناسك من أحب أن يراجعها فليفعل, لكنه قال: إن العلة هو مكثها في المسجد؛ لأن مكثها في المسجد حرام, وإذا كانت العلة هي مكثها في المسجد واضطرت المرأة للمكث في المسجد صار مكثها حلالًا, كما لو خافت على نفسها لو بقيت خارج المسجد ودخلت احتماءً بالمسجد هذا جائز ولا إشكال فيه, لكن يلزمها أن تستنثر بثوب؛ يعني: تحتشي به وتتحفظ لئلا يسيل دمها مع الحركة فيلوث المسجد, ودم الحيض نجس قليله وكثيره, وما ذهب إليه شيخ الإسلام ﵀ هو الأولى.
وبناء على رأيه ﵀ نقول: المرأة التي حاضت قبل طواف الإفاضة ولا يمكنها أن ترجع, نقول: استفثري بثوب وطوفي, فإن أتاها الحيض بعد الطواف وقبل السعي هل فيه إشكال؟ لا, حتى مع البنايات الأخيرة الآن واتصال المسعى بالمسجد فإنه لا حرج عليها؛ لأن المسعى الآن ليس من المسجد, يعني: لم يدخل في المسجد أولًا من حيث شكل البناء, الطابق الأعلى تميزه بين؛ لأنه محجوز بشباك ولا تدخل إلا من درج معينة أسفل أيضًا محجوز, ففيه العتبة الكبيرة التي بين المسجد وبين المسعى, ثم على فرض أنه أدخل هل يسوغ أن يدخل في المسجد ويجعله له أحكامه وهومشعر مستقل لقوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البقرة: ١٥٨]؟ وإذا أدخلناه المسجد لزم من ذلك أن تمنع الحائض منه, أن تمنع الحائض من السعي, وأن يصح الاعتكاف فيه, وأن يترتب عليه جميع أحكام المسجد فكيف نضمه إلى مسجد؟
وعلى كل حال: المجمع الفقهي حسب ما سمعنا عنهم إنهم أجمعوا إلا اثنين على أنه ليس من المسجد, وعلى هذا يجوز للحائض إذا حاضت بعد الطواف أن تسعى؛ ويحرم على المعتكف أن يخرج إلى المسعى, اللهم إلا إذا كان على وجه المرور لقضاء الحاجة أو ما أشبه ذلك؛ لأنه كالشارع تمامًا بالنسبة للمسجد.
ومن فوائد هذا الحديث: فيما أشرنا إليه من قول الرسول ﷺ : «إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم».
ومن فوائده: أنه ينبغي للإنسان أن يسلي المصاب بذكر ما كان مثل مصيبته أو أشد؛ لأن هذا لا شك أن يسلي, فلو أصيب شخص في حادث وحزن له أخوه وكان قد أصيب مثله في
стр. 361
حادث آخر مثل هذا الحادث أو أشد؛ فهنا يحسن أن نقول: ولقد جرى مثل هذا أو أشد قبل أيام أو ما أشبه ذلك على شخص صار له كذا وكذا؛ لأن هذا يبرد حرارة المصيبة ويهونها على الإنسان, والإنسان بشر والطبيعة واحدة, نأخذه من قول الرسول ﷺ لعائشة: «إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم».
ويستفاد أيضًا من هذه الجملة: أن هذا الحيض دم طبيعة وليس دم عقوبة كما قال بعض العلماء أنه عوقبت به نساء بني إسرائيل, فإن هذا الحديث يدل على أنه دم طبيعة مكتوب على بنات آدم كلهن.
خلاصة ما سبق: سبق لنا أن العلماء ﵏ اختلفوا في اشتراط الطهارة للطواف, وأن منهم من قال: إنها شرط في صحته, ومنهم من قال: إنها ليست بشرط في صحته, والقول الراجح: أنها ليست بشرط, وأنه يجوز للإنسان أن يطوف وهي على حدث أصغر, وذكرنا دليل من قال بالوجوب, والاشتراط؛ وأجبنا عنه؛ لأنه لا يمكن أن يصح عن النبي ﷺ لا طردًا ولا عكسًا, لا طردًا يجب فيه ما يجب في الصلاة من التكبير, والقراءة, واستقبال القبلة وغير ذلك؛ ولا عكسًا لأنه يجوز فيه ما لا يجوز في الصلاة من التكبير, والقراءة, واستقبال القبلة وغير ذلك؛ ولا عكسًا لأنه يجوز فيه ما لا يجوز في الصلاة من غير الكلام, فيجوز فيه الأكل والشرب ولا يبطله الضحك, وجميع مكروهات الصلاة لا تكره فيه, فالصواب: أنه لا يشترط فيه - أي: في الطواف - الطهارة, ولكن لا شك أن الأولى ألا يطوف الإنسان إلا على طهارة, [وذلك للآتي]:
أولًا: مراعاة لأكثر العلماء.
ثانيًا: أنه بعد الطواف سيصلي ركعتين, لابد أن يكون طاهرًا إذا صلى ركعتين.
ومن فوائد الحديث: وقد سبق في الحديث الذي قبله أن الإيمان يزيد وينقص, وأظن أننا لم نتكلم عليه كثيرًا, والقول الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص, وأنه يزيد من وجوه ثلاثة: من جهة اليقين, ومن جهة القول, ومن جهة الفعل:
من جهة اليقين: فإن الإنسان يزداد يقينه كلما قويت عنده الأدلة؛ ولهذا قال إبراهيم ﵊: ﴿رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ [البقرة: ٢٦٠]. ولأن الإنسان نفسه أحيانًا يكون عنده من اليقين ما يجعله كأنما يشاهد يوم القيامة, وأحيانًا تستولي عليه الغفلة ولا يكون عنده مثل هذا اليقين, والصحابة ﵃ أخبروا النبي ﷺ أنهم إذا كانوا عنده كأنما يرون الشيء عينًا, وإذا عاسفوا الأهل والأولاد لم يكونوا على هذه الحال, فأخبرهم بأنهم لو كانوا مثل ما كانوا عنده لصافحتهم الملائكة في الأسواق.
стр. 362
يزيد أيضًا من جهة القول: فمن يسبح الله مائة مرة أزيد إيمانًا ممن لا يسبحه إلا خمسين مرة.
ويزيد أيضًا بالفعل: فكلما كثرت الخطا إلى المسجد كان أعظم أجرًا وهكذا الزيادة, فالمهم أن أهل السنة والجماعة يرون أن الإيمان يزيد وينقص من وجوه ثلاثة: اليقين, والقول, والفعل, وخالفهم في هذا طائفتان: المرجئة, والوعيدية.
المرجئة الذين يقولون: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص, لا يزيد بالطاعة, ولا ينقص بالمعصية, وأن أفسق الناس وأقوم الناس على حد سواء في الإيمان, وغالى بعضهم وقال: إن الإيمان مجرد المعرفة كما هو مذهب الجهمية مجرد أن يعرف الإنسان ربه فهو مؤمن ولا شك أن هذا قول باطل, فإنه ينتقض عليهم بإبليس, فإنه كان يعرف ربه ويدعو ربه, ومع ذلك فهو كافر ليس عنده إيمان.
والطائفة الثانية: الوعيدية من المعتزلة والخوارج قالوا: لا يمكن أن يزيد وينقص, فمن فعل معصية من الكبائر فهو كافر, ومن فعل دون الكبائر فهو مؤمن كامل الإيمان, لا ينقص إيمانه, فجعلوا الإيمان إما كاملًا مطلقًا, وإما كفرًا, ففاعل الكبيرة عندهم غير مؤمن, لكن الخوارج أشجع من المعتزلة, الخوارج قالوا: كافر ولا يبالون.
والمعتزلة قالوا: بمنزلة بين منزلتين, أما أهل السنة والجماعة فأخذوا بالأدلة كلها من جميع الجوانب وقالوا: الإيمان يزيد وينقص؛ لكن نقص الإيمان - كما سبق - ينقسم إلى قسمين: قسم يلام عليه العبد, وقسم لا يلام عليه, فما كان بغير إرادة أو كان غير واجب فإنه لا يلام عليه, وما كان واجبًا ونقصه بإرادته واختياره فإنه يلام عليه, قال:
١٤٠ - وعن معاذ بن جبل ﵁: «أنه سأل النبي ﷺ ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقال: ما فوق الإزار». رواه أبو داود وضعفه.
قوله: «ما يحل» يعني: أي شيء يحل للرجل أن يستمتع من زوجته حال الحيض؟ فقال: «ما فوق الإزار» يعني: أن ما بين السرة والركبة هذا لا يحل له, وأما ما فوق ذلك أو ما دونه فلا بأس, وهذا الحديث - كما ترون - لا يقاوم حديث مسلم الثابت, قال: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح». وعلى هذا فالراجح أن الإنسان له أن يصنع كل شيء إلا النكاح لوجهين:
أولًا: أن ذاك أصح. والثاني: أن فيه زيادة فيما يحل, والزيادة من الثقة مقبولة, فيكون الصواب: أنه يحل له كل شيء, لكن إذا كان الإنسان قوي الشهوة ولا يملك نفسه نقول: لا تقرب المحل فيكون من الإزار فما فوق.
стр. 363
النفاس:
١٤١ - وعن أم سلمة ﵄ قالت: «كانت النفساء تقعد على عهد النبي ﷺ بعد نفاسها أربعين يومًا». رواه الخمسة إلا النسائي, واللفظ لأبي داود.
- وفي لفظه له: «ولم يأمرها النبي ﷺ بقضاء صلاة النفاس». وصححه الحاكم.
قوله: «كانت النفساء» النفساء: هي الأنثى التي تلد, مأخوذ من قولهم: نفث الله كربتها؛ لأن المرأة الحامل عند الطلق يكون عندها كربات عظيمة كما قال الله تعالى: ﴿حملته أمه وهنًا على وهن﴾ [لقمان: ١٤]. وقال: ﴿حملته أمه كرهًا ووضعته كرهًا﴾ [الأحقاق: ١٥]. فإذا ولدت نفث الله عنها الكربة, والنفاس: هو الدم الذي يخرج عند الولادة أو قبلها بيومين أو ثلاثة مع الأمارة وهي الطلق هذا هو النفاس, وأما الماء الذي يخرج فليس بنفاس, وكذلك ما خرج قبل الولادة بدون طلق فإنه ليس بنفاس, فالدم الذي يخرج قبل الولادة ليس بنفاس إلا إذا كان قبل الولادة بيومين أو ثلاثة ومعه طلق, والماء الذي يخرج قبل الولادة ولو مع الطلق ليس بنفاس.
وقوله: «تقعد على عهد النبي صلى الله وعليه وسلم» هذا له حكم الرفع, وإن كان لم يصرح بأن النبي ﷺ علمه, لو صرحت بأن الرسول علمه لكان ذلك مرفوعًا صريحًا, ويكون من باب الإقرار, لكنها لم تصرح بأن الرسول ﷺ علمه, قال العلماء: هذا له حكم الرفع, وليس مرفوعًا صريحًا, ووجه ذلك: أن كونه في عهد الرسول ﷺ ولم ينكره الله يدل على أنه إن كان من العبادات فهو عبادة, وإن كان من المباحات فهو مباح, إذ لو كان حرامًا لنبه الله عليه كما في قوله تعالى: ﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول﴾ [النساء: ١٠٨]. فأطلع الله تعالى المؤمنين على هؤلاء الذين يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله ويبيتون ما لا يرضى من القول, وعلى هذا فلو استدللت على شخص بأن هذا فعل في عهد الرسول ﷺ , وقال لك معارضًا: أين الدليل على أن الرسول علمه؟ فالجواب: إذا لم يعلمه الرسول فقد علمه الله , ولو كان مما لا يرضاه لأنكره - سبحانه تعالى -, وهذا استدلال فقيه؛ لأن بعض الناس يعارض فيقول: أين الدليل على أن الرسول علم هذا ولم ينكره؟ فنقول: هب أن الرسول ﷺ لم يعلم, لكن علمه الله وأقره, وهذا دليل على أنه عبادة إن كان من العبادات, وأنه مباح إذا كان من المباحات.
стр. 364
وقولها: «بعد نفاسها أربعين يومًا» المراد «بعد نفاسها» يعني: بعد خروج الولد, وأما الدم الذي يسبق الولادة مع الطلق فهذا لا يحسب, وقولها: «تقعد أربعين يومًا» من المعلوم أنها لو طهرت قبل ذلك وجبت عليها الصلاة, فيكون معنى الحديث: أن أقصى مدة للنفاس هي: أربعون يومًا وليس أدنى مدة؛ لأنه لا حد لأقله, إذ إنه قد تبقى المرأة عشرة أيام أو عشرين يومًا أو خمسة أيام أو لا يخرج معها دم إطلاقًا يخرج معها مياه دون الدماء, فالذي يخرج منها مياه دون الدماء فليس عليها نفاس, والذي يخرج منها الدم ويبقى يومًا أو يومين نقول: مدة نفاسها هذه المدة قلت أو كثرت, وهذا هو الذي عليه فقهاء الحنابلة ﵏ أن أكثر مدة النفاس أربعون يومًا.
ولكن القول الثاني في هذه المسألة: أن أكثره ستون يومًا, وهذا مذهب الشافعي صرح به الشافعية في كتبهم, وقالوا: إن هذا موجود كثيرًا وليس بنادر حتى نقول: إن النادر لا حكم له, وهذا هو الراجح عندي يعني: أن أكثره ستون يومًا إذا كان مستمرًا على طريقة واحدة, وعبر شيخ الإسلام ﵀ في الاختيارات أنه ربما يكون ستين أو سبعين يومًا أيضًا ما دام الدم مطردًا لم يتغير بوصف ولا رائحة ولا غيرهما, فإنه وإن بقي سبعين يومًا لكن نقول: لعل الستين أقرب الأقوال.
فإن زاد على الستين فماذا نصنع؟
نقول: إذا زاد على الستين فما وافق العادة فهو حيض, وما لم يوافق العادة فهو دم فساد تغتسل وتصلي وتحل للزوج, وقولها: «لم يأمرها النبي ﷺ بقضاء صلاة النفاس»؛ لأن النفاس كالحيض إلا أنه يخالفه في أشياء:
أولًا: أنه لا يحصل به البلوغ, والحيض يحصل به البلوغ.
فإن قلتم: كيف لا يحصل به البلوغ وهي قد حملت؟ قلنا: لأن بلوغها حصل بالإنزال السابق للحمل؛ إذ لا تحمل إلا بإنزال, فيكون النفاس علامة على بلوغ سابق بخلاف الحيض.
ثانيًا: أنه لا يحتسب به مدة الإيلاء, بمعنى: أن الرجل لو آلى من امرأته ألا يجامعها أكثر من أربعة أشهر فإن مدة النفاس لا تحسب ومدة الحياض تحسب, والفرق أن الحيض معتاد كل شهر, فهو داخل في المدة أربعة أشهر, والنفاس لا يتكرر كل شهر, بل هو نادر بالنسبة لأربعة أشهر.
ثالثًا: العدة فإنه لا يحسب به - أي: بالنفاس -؛ لأنه إن كانت المفارقة قبل الوضع انتهت العدة بالوضع, وإن كانت بعده فلابد من ثلاث حيض ولا يحسب النفاس.
وبناء على هذا نقول: إن القول الصحيح الذي لا تدل السنة على خلافه أنه يجوز للرجل
стр. 365
أن يطلق زوجته وهي نفساء بخلاف الحيض, فالحيض لا يجوز أن يطلق زوجته وهي حائض, وإذا طلق ففي ذلك خلاف هل يقع أو لا يقع؟ أكثر العلماء - ومنهم الأئمة الأربعة - على أنه يقع ويحسب على الزوج, واختار شيخ الإسلام ﵀ أنه لا يقع؛ لأنه خلاف ما أمر الله به ورسوله, وكل أمر ليس عليه أمر الله ورسوله فهو رد - أي: مردود -, وقول الشيخ ﵀ أصح, فإذا طلق الإنسان امرأته وهي حائض قلنا له: الطلاق غير واقع, لكن إذا طلقها وهي حائض متعمدًا وقوع الطلاق, ثم جاء بعد مدة وبعد أن ضاقت عليه الحيل يريد أن يبطل هذا الطلاق, قلنا له: لا.
مثاله: رجل طلق زوجته وهي حائض, ثم راجعها لا على أن الطلاق لم يقع, بل على أن الطلاق واقع, ثم بعد مدة طلقها وراجعها, طلقها طلاقًا شرعيًا وراجعها, ثم طلقها الثالثة, وأراد أن يراجع فماذا نقول له؟ نقول: لا رجوع؛ لأنك طلقت ثلاثًا.
فإذا قال: الطلقة الأولى كانت غير شرعية لأنها في الحيض.
قلنا: الآن صارت عندك غير شرعية, وأنت حين طلقتها تعتبر أنها شرعية, ولذلك راجعتها مراجعة المطلق, ثم إننا نعلم علم اليقين أنه لو انقضت عدتها ثم تزوجت لم تمنعها ولم تقل للرجل الذي تقدم إليها: إنها امرأتي, لكن حينما ضاقت بك الحيل ذهبت تقول: الطلاق الأول غير واقع, ولا نطيعك في هذا, إذن الصحيح: أن النفاس يجوز فيه الطلاق, وليس ببدعي.
فإن قال قائل: أليس النبي ﷺ قال: «مره فليراجعها, ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا»؟
قلنا: هذا ليس فيه دليل على تحريم الطلاق في النفاس, بل هو إن لم يكن عليهم فليس لهم؛ لأن قوله: «أو حاملًا» يدل على أن المراد بقوله: «طاهرًا» من الحيض كما هي القصة الواقعة أيضًا وليس في جميع الأحوال, «فليطلقها طاهرًا» أي: من الحيضة التي طلقها فيها, «أو حاملًا» وهذا يدل على أن المراد: الطهر من الحيض, وهذا من الفروق بين الحيض والنفاس.
رابعًا: من الفروق أيضًا أن الحيض لأقله حد وهو يوم وليلة على المذهب, والنفاس ليس لأقله حد لو لم يكن نفاسها يومًا واحدًا وتطهر وجب عليها أن تصلي.
خامسًا: ومن الفروق أيضًا أنهم قالوا في الحيض: إذا انقطع الحيض في مدة الحيض, ثم عاد في المدة فالعائد حيض؛ يعني: مثل أن تكون عادتها ستة أيام فتحيض يومين, ثم تطهر يومين, ثم يعود الدم في اليومين الأخيرين, فالدم العائد حيض, لكن في النفاس لا, إذا طهرت في الأربعين طهرت في العشرين لمدة خمسة أيام ثم عاد الدم فهذا مشكوك فيه في مدة الأربعين وكيف يكون مشكوكًا فيه, نأمرها بالصلاة ونأمرها بالصوم, ثم إذا طهرت أمرناها
стр. 366
بإعادة الصوم, أما الصلاة فلا نأمرها بالإعادة لماذا؟ لأنه إن كان طهرًا فقد صلت وإن كان حيضًا فالصلاة لا تقصى في الحيض بخلاف الصوم, وهذا القول ضعيف جدًا؛ أي: أن نلزمها بالصوم ثم نلزمها بقضائه, بأي دليل نوجب على عباد الله العبادة مرتين؟ هذا لا أصل له, لكن الفقهاء يرون أن هذا فرق بين الحيض والنفاس.
أسئلة:
- ما هو الحيض؟
- ما هو الدليل من السنة على أنه دم طبيعة؟
- المرأة إذا استحيضت ماذا تصنع؟
- إذا لم يكن لها عادة ولا تمييز فماذا تفعل؟
- ذكرت أنها تغتسل لكل صلاة وجوبًا أو استحبابًا؟
- وما هو الغسل الواجب في حقها؟
- إذا تعارضت العادة والتمييز؟
- ماذا يجوز للرجل من امرأته وهي حائض؟
- وما المراد بالنكاح هنا؟
- هل لهذا الحديث شاهد من القرآن؟
- بين الرسول ﷺ أن من نقصان دين المرأة أنها إذا حاضت لم تصم ولم تصل, كيف نقول: إنه نقصان دين وهو امتثال لأمر الله؟
- هل في الحديث دليل لأهل السنة من أن الإيمان يزيد وينقص؟
- هل يصح وقوف الحائض بعرفة والدليل؟ نعم, والدليل قول النبي ﷺ : «افعلي ما يفعل الحاج».
стр. 367
كتاب الصلاة
ثم قال المؤلف ﵀: (كتاب الصلاة).
العلماء ﵏ يذكرون أن يجعلون ترجمة «كتاب» فيما يشمل أنواعًا, «وباب» فيما يشمل نوعًا واحدًا, «وفصل» فيما يشمل مسائل, «كتاب» هنا يشمل أنواعًا: يشمل الفرائض الخمس, وصلاة التطوع, وصلاة الكسوف, وصلاة الاستسقاء. فهو يشمل أنواعًا. ثم قال:
***
١ - باب المواقيت
ولنتكلم أولًا عن الصلاة: لا شك أنها أفضل وأوكد أركان الإسلام بعد شهادة «أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله» , ويدل لفضلها أمور:
أولًا: أن الله تعالى فرضها على النبي ﷺ بدون واسطة, ولا نعلم شيئًا فرض على الرسول ﷺ بلا واسطة إلا الصلوات.
ثانيًا: أن الله فرضها في أعلى مكان وصل إليه البشر, والرسول ﷺ كان في السموات السبع في السماء السابعة.
ثالثًا: أنه فرضها على رسوله ﷺ في أفضل ليلة؛ وهي ليلة المعراج, فنالت شرف المكان, وشرف الزمان.
رابعًا: أن الله فرضها خمسين صلاة, وهذا يدل على محبته لها ﵎, وأنه يحب من عباده أن يكونوا دائمًا في صلاة؛ لأننا لو صلينا خمسين صلاة لاستوعبت كثيرًا من الوقت, وهذا يدل على محبة الله لها وعنايته بها.
خامسًا: أنه لا شيء من أعمال الإسلام تركه كفرًا إلا الصلاة كما ذكر ذلك عبد الله بن شقيق ﵀ قال: كان أصحاب النبي ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة».
سادسًا: أنها فرضت كل يوم, والفرائض - سوى التوحيد وهو أصل الرسالة - لا تكون كل يوم,
стр. 368
فالصوم سنوي, والحج عمري, والزكاة سنوية, وهذا أيضًا يدل على محبة الله لها وعنايته بها .
سابعًا: أنه لا يوجد عبادة يكون الإنسان فيها مناجيًا لله إلا الصلاة, الصلاة مناجاة بينك وبين ربك, تقول: الحمد لله رب العالمين, يقول الله: «حمدني عبدي» , إلى آخر ما تعلمون, وهذا يدل على فضيلتها.
ثامنًا: أن الصلاة لا تسقط بأي حال من الأحوال حتى لو فات بعض الشروط, لو فرضنا أن رجلًا لا يستطيع أن يتوضأ, ولا أن يتجنب النجاسة, ولا أن يتجه إلى القبلة, وجاء وقت الصلاة, يجب أن يصلي على أي حال كان.
تاسعًا: أنه لا يشرع الاجتماع إلا فيها وفي الحج, أما الصوم فالناس مجتمعون ضرورة أن الشهر واحد, والزكاة كل يؤدي زكاته في وقتها.
ثم قال: «باب المواقيت». المواقيت: جمع ميقات, من الوقت وهو الزمن, يعني: باب الأزمنة التي حدد الشرع إيقاع الصلاة فيها, وقد دل على اعتبار المواقيت قول الله ﵎: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]. فبين أنها فرض, وأن هذا - الفرض موقوت - أي: محدد بوقت معين -؛ لأنها لو جاءت في وقت واحد لكان فيها شيء من المشقة؛ إذ إن الإنسان سيصلي سبع عشرة ركعة في آنٍ واحد, ولو جاءت في آن واحد في وقت واحد لكان يحصل غفلة من الإنسان في بقية الوقت؛ لأنه إذا قدرنا أنه سينتهي من سبع عشر ركعة, سينتهي في ساعة ونصف, يبقى بقية الزمن ليس بينه وبين ربه صلة, فكان من الحكمة أن جعل الله تعالى لها مواقيت, هذه المواقيت كل واحد منها مقيد بتغير الشمس: الفجر, الظهر, العصر, المغرب, العشاء, كلها مرتبطة بتغير الأفق حسب جريان الشمس. وسنشرحه إن شاء الله تعالى.
المواقيت: هي أوكد شروط الصلاة, ولذلك يجب مراعاتها وإن فاتت بعض الشروط, أو الأركان, أو الواجبات, حتى لو فرض أن الإنسان لا يعرف الفاتحة ولا يستطيع أن يقوم, ولكنه يستطيع أن يقوم بعد الوقت؛ يعني: إنسان يصب مثلًا بعلة, آفة تأتيه في وقت معين من اليوم والليلة, وتأتيه في وقت الفجر مثلًا, لا يستطيع أن يقوم, ويقعد, ويسجد, ويركع.
نقول: صل على حسب حالك, لا تقل: إني أؤخر إلى طلوع الشمس وأستطيع أن أركع وأقوم وأقعد, ليس عنده ماء يتطهر به من الحدث, ويظهر به ثوبه وبدنه من النجاسة.
стр. 369
نقول: صل على حسب حالك, تيمم إن استطعت, والأفضل على حسب حالك.
لا يستطيع استقبال القبلة.
نقول: صل على حسب حالك, المهم أن الوقت هو أوكد شروط وتجب مراعاته, وإن تخلفت بعض الشروط. قال:
١٤٢ - عن عبد الله بن عمرو ﵄, أن النبي ﷺ قال: «وقت الظهر إذا زالت الشمس, وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر وقت العصر, ووقت العصر ما لم تصفر الشمس, ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس». رواه مسلم.
«إذا زالت»: أي: مالت إلى جهة الغرب, وذلك أن الشمس تطلع من الأفق الشرقي, وتغرب في الأفق الغربي, إذا انتصفت بينهما فهذا هو الزوال, واعلم أنه لابد أن يكون في الشمال بالنسبة لأرضنا, لابد أن يكون في الشمال ظل يطول في الشتاء ويقصر في الصيف, هذا الظل لا يحتسب, الذي يحتسب من حين يبدأ الظل في الزيادة, إذا بدأ في الزيادة ولو شعرة فقد زالت الشمس.
قال: «وكان ظل الرجل كطوله» يعني: لو وقف الرجل عند زوال الشمس وحد حدًا ثم امتدا لظل حتى صار من هذا الحد إلى منتهى الظل على طول الرجل, فهنا يكون انتهى وقت الظهر, بعد ذلك يقول: «ما لم يحضر وقت العصر» يعني: إلى أن يحضر وقت العصر, أي: أنه يحضر وقت العصر من حين خروج وقت الظهر, إلى متى؟
يقول: «وقت العصر ما لم تصفر الشمس» , يعني: ما لم تكن صفراء؛ لأن المعلوم أن الشمس بيضاء لا تدركها العين, فإذا قربت من الغروب صارت صفراء, إذا اصفرت خرج وقت العصر, لكن قد دلت السنة في حديث آخر: «أن من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر».
وعلى هذا يكون للعصر وقتان: وقت اختيار, إلى متى؟ إلى أن تصفر الشمس, ووقت ضرورة إلى أن تغرب الشمس.
«ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق» من أين؟ من غروب الشمس على اسمه المغرب, يعني: الذي يحل عند غروب الشمس وقته ما لم يغب الشفق, والمراد بالشفق هنا: الشفق
стр. 370
الأحمر, وهو الخط المعترض الذي يتبع الشمس, يكون أحمر, ما دام أحمر فوقت المغرب باقٍ, وإذا اضمحلت الحمرة ولو بقي البياض قد خرج وقت المغرب, ودخل وقت العشاء.
قال: «ووقت العشاء إلى نصف الليل» من أين؟ من مغيب الشفق؛ لأن النبي ﷺ لم يذكر الابتداء, علم أن هذا مبني على ما سبق على انتهاء الصلاة التي قبلها إلى نصف الليل الأوسط.
قوله: «الأوسط» هنا صفة كاشفة ليست مقيدة لأن نصف الليل هو وسط إلى نصف الليل الأوسط, ووقت صلاة الصبح.
قال: «من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس» , قال: «من طلوع» , ولم يقل: وقت الفجر ما لم تطلع؛ وذلك لأن بين وقت العشاء ووقت الفجر مدة ليست وقتًا للعشاء ولا للفجر. هذه هي الأوقات.
الأوقات إذن خمسة: وقد أشار الله ﵎ إليها في الكتاب العزيز؛ فقال - جل وعلا -: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل﴾ [الإسراء: ٧٨]. جعل الله ﵎ هذا وقتا واحدًا, دلوك الشمس - يعني: زوالها - إلى غسق الليل؛ أي: ظلمته, ومن المعلوم أن الله لم يرد ابتداء الظلمة, بل انتهاء الظلمة, وانتهاء الظلمة يكون عند منتصف الليل؛ لأن هذا أبعد ما تكون الشمس عن الأرض, ثم قال: ﴿وقرآن الفجر﴾ [الإسراء: ٧٨]. ففصل؛ لأن ما بين نصف الليل إلى طلوع الفجر ليس وقتًا, هذا الذي يدل عليه القرآن, وتدل عليه السنة كما سمعتم في حديث عبد الله بن عمرو.
وأما قول بعض العلماء: إن العشاء لها وقتان: وقت ضرورة, ووقت اختيار, وأن وقت الاختيار إلى نصف الليل, ووقت الضرورة إلى طلوع الفجر, فلا دليل عليه, وينبني على هذا الخلاف: لو أن امرأة حائضًا طهرت بعد منتصف الليل فإنها على القول الراجح لا تجب عليها صلاة العشاء؛ لأنه خرج وقتها, وعلى القول بأنها تمتد إلى طلوع الفجر تلزمها, ثم إذا لزمتها صلاة العشاء فهل تلزمها صلاة المغرب؟ فيه خلاف, والصواب: أنها لا تلزمها, يعني: الصواب أن المرأة إذا طهرت في وقت الصلاة الثانية لم تلزمها الصلاة التي قبلها؛ إذ لا دليل على هذا.
مرة ثانية نقول: الأوقات هذه دل عليها القرآن إجمالًا, والسنة تفصيلًا, وعرفتم كيف قدرها النبي ﷺ , وفي ذلك الوقت ليس هناك ساعات, الآن تقدر بالساعات, فمثلًا من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس الغالب أنه تسعون دقيقة, وقد يزيد وقد ينقص, ومن غروب الشمس إلى مغيب الشفق كذلك الغالب أنه تسعون دقيقة, وقد يزيد وقد ينقص, ولكن ليست الزيادة
والنقص في صلاة الفجر تابعة للزيادة والنقص في صلاة المغرب, يقول شيخ الإسلام ﵀: «من ظن أن حصتيهما واحدة فقد أخطأ خطأ بينا»؛ لأنه يختلف, قد نقول الحصة: ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس, وتنقص ما بين غروب الشمس إلى مغيب الشفق, وقد تتساويان, وقد يزيد هذا على هذا بالنسبة للظهر والعصر.
بعض الناس يقول: إنك تقسم ما بين الزوال إلى الغروب نصفين بالساعات, وتضيف إليه نصف ساعة فحينئذ يدخل وقت العصر, لكن تتبعته كثيرًا فوجدته لا ينضبط؛ لأن الشمس يختلف سيرها باعتبار الصيف والشتاء, لكن
стр. 371
الآن درست هذه من جهة الفلكيين دراسة كبيرة وبينوها - والحمد لله - في التقاويم, لكن التقويم في الفجر متقدم, بعضهم يقول: متقدم بربع ساعة, وبعضهم يقول: عشر دقائق, وبعضهم يقول: خمس دقائق, وبعضهم يبالغ مبالغة كبيرة في تقدمه, لكن الظاهر لي أن خمس دقائق مؤكدة أن التقويم الموجود الآن في طلوع الفجر متقدم خمس دقائق؛ فليراع هذا, ولا يبادر الإنسان من حين أن ينظر إلى التقويم فيصلي عليه, بل يتأخر خمس دقائق, وإذا تأخر عشر دقائق ولابد أن يتأخر من أجل راتبة الفجر, هذه هي الأوقات.
* فائدة التوقيت:
ما فائدة التوقيت؟ التوقيت له فائدتان:
الفائدة الأولى: أن الإنسان لو صلى قبل الوقت لم تصح صلاته؛ يعني: لم تجزئ عن الفريضة, فإن كان يعلم أن الوقت لم يدخل فهو متلاعب, وصلاته باطلة, وإن كان لا يعلم فصلاته نافلة, ولا تجزئه عن الفريضة.
الفائدة الثانية: لو صلى بعد الوقت فإن كان لعذر فلا شيء عليه كالنوم والنسيان, وإن كان لغير عذر؛ فقال أكثر العلماء: إن صلاته صحيحة لكنه آثم.
والصحيح: أنها غير صحيحة, وأنه آثم, وليست بصحيحة بل مردودة لقول النبي ﷺ : «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد».
أسئلة ومراجعة:
سبق لنا أن الصلاة لها زية على غيرها من العبادات, منها: أنها فرضت في سبع سموات, وفي ليلة المعراج, وتختص بأن تركها كفر بخلاف غيرها, وثوابها ثواب خمسين صلاة في
стр. 372
الفعل, ووجوبها في كل يوم, بخلاف بقية الأركان بعضها شهري وبعضها سنوي, وبعضها عمري, وأن النبي ﷺ تلقاها بدون واسطة, وأنها لا تسقط بأي حال من الأحوال, وهذا هو القول الراجح, واختار شيخ الإسلام رحمه لله أنه إذا لم يستطع الإيماء فإنها تسقط حتى إنه ﵀ لا يرى أن الإنسان يصلي بعينه كما قال الفقهاء, لكن الراجح خلاف هذا؛ لأن الصلاة تشتمل على أعمال قلبية وأعمال بدنية ظاهرة, فإذا عجز عن الأعمال البدنية الظاهرة لزم العمل الباطن القلبي, فالصواب: أنها لا تسقط ما دام العقل ثابتًا, فهي غير ساقطة, ولا تكون العبادة مناجاة بين العبد وربه إلا الصلاة, وأنه يشرع لها الاجتماع.
- لماذا بدأ بالمواقيت وبدأ بالطهارة؟
- المواقيت إن شئنا قلنا: خمسة, وإن شئنا قلنا: ثلاثة, كيف ذلك؟
- هل الأوقات متصل بعضها ببعض إلا صلاة الفجر, وما الدليل؟
- ذكرنا أن بعض العلماء قال: إن العشاء يمتد وقتها من نصف الليل إلى الفجر, وقت ضرورة, فما دليلهم؟
امرأة طهرت من الحيض في الثلث الأخير من الليل هل تلزمها صلاة العشاء على القولين؟
وهل تلزمها صلاة المغرب؟
- ما معنى زوال الشمس؟
- ما معنى قوله ﷺ : «كان ظل الرجل كطوله»؟
- هل يصح أن نحسب الظل من أصل الشيء الشاخص؟
- ما هو انتهاء وقت صلاة العصر؟
- وقت المغرب ما لم يغب الشفق فما هو الشفق؟
- إذا أخر الصلاة عن وقتها بغير عذر ثم صلاها ما الحكم؟ وإذا كان بعذر؟
استحباب التعجيل بالعصر وتأخير العشاء:
١٤٣ - وله من حديث بريدة في العصر: «والشمس بيضاء نقية».
«وله» أي: لمسلم «من حديث بريدة في العصر» , أي: وهو يصف صلاة النبي ﷺ «والشمس بيضاء نقية» , يعني: أن النبي ﷺ ينصرف من صلاة العصر والشمس بيضاء نقية, يعني: لم تتأثر بشيء, وهذا يدل على أنها رفيعة.
стр. 373
فيستفاد منه: أنه ينبغي المبادرة بصلاة العصر حتى ينصرف منها وهي بيضاء نقية.
١٤٤ - ومن حديث أبي موسى: «والشمس مرتفعة».
ولا فرق بين الحديثين في المعنى, لكن الأول ذكرها بالوصف ذكر الشمس بالوصف, والثاني ذكرها بالمكان, فلماذا قال: «مرتفعة» , وهناك قال: «بيضاء نقية»؟
١٤٥ - وعن أبي برزة الأسلمي - رضي الله تعالى عنه - قال: «كان رسول الله ﷺ يصلي العصر, ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية ...
قوله: «حية» يعني: ليس فيها تأثر, فهي بمعنى: نقية, وبمعنى: مرتفعة مما يدل على أنه ﷺ يبادر بها.
«وكان يستحب أن يؤخر من العشاء» «كان» أي: النبي ﷺ «يستحب» محبة دينية لا محبة نفسية, لكن محبة دينية أن يؤخر من العشاء, ولكنه ﵊ كما يراعي الناس إذا رآهم اجتمعوا عجل, وإذا رآهم أبطئوا أخر, وهكذا ينبغي للإمام أن يراعي المأمومين.
«وكان يكره النوم قبلها» أي: قبل العشاء؛ لأن الإنسان إذا نام فإما أن يكون نومه عميقًا فلا يقوم إلى العشاء, وإما ألا يتعمق في النوم فيتنكد إذا قيل له: قم إلى الصلاة, ويتفرق عليه نومه ولا يطمئن فيه, ثم إذا قام فسوق يقوم وهو كسلان لا يعي ما يقول في صلاته؛ فلذلك كان النبي صلى الله عليه ومسلم يكره النوم قبلها, وهل هذه الكراهة كراهة شرعية أو كراهة نفسية؟ يحتمل أن تكون هذه أو هذه, لكن إذا نظرنا إلى العلل ترجح عندنا أنها كراهة شرعية.
ولهذا قال العلماء ﵏: يكره النوم قبل صلاة العشاء, ولكن قد يكون الإنسان مرهقًا في يوم, وإذا نام ولو ساعة بين المغرب والعشاء صار نشيطًا؛ فهذا نقول: إن النوم هنا لا يكره؛ لأنه نوم يراد به التقوي على العبادة والإقبال عليها بنشاط, وهذا يقع دائمًا, كثير من الناس يكون مرهقًا جدًا جدًا, ولو كان يصلي لم يستفد الفائدة المرجوة, فينام لمدة ساعة أو نصف ساعة حتى يزول عنه التعب, فنقول: هذا النوم الآن مطلوب؛ لماذا؟ لأنه يقوي على العبادة حتى يقبل الإنسان على صلاته وهو يعرف ماذا يقول؛ ولهذا أمر النبي ﵊ الإنسان إذا قام يصلي وأتاه النوم أن ينصرف, وألا يمضي في صلاته مكرهًا نفسه على ذلك.
стр. 374
«والحديث بعدها» لماذا؟ لأسباب صحية, وأسباب شرعية, أما الأسباب الصحية: فقد اتفق الأطباء - قديمًا وحديثًا - على أن نوم أول الليل أفضل وأصح من نوم آخره, وهذا شيء يعرفه الناس حينما كانوا ينامون من أول الليل.
ثانيًا: أن فيه إعانة على أن يقوم الإنسان للتهجد؛ لأنه إذا نام من أول الليل بعد صلاة العشاء قام إلى التهجد نشيطًا.
ثالثًا: أنه إذا تأخر في النوم حرم التهجد, وإن قام قام على كسل, وربما يحرم صلاة الفجر؛ لهذا كان النبي ﷺ يكره الحديث بعد العشاء.
لكن وردت أحاديث تدل على أن الرسول ﵊ ربما تحدث بعد العشاء؟ .
فيقال في الجواب عن هذه الأحاديث: إن الأمر فيها سهل وهو أنه إذا اقتضت المصلحة أو الحاجة أن يتحدث فلا بأس.
ولهذا قال العلماء ﵏: إلا الحديث اليسير, أو الحديث لشغل, أو الحديث مع الأهل فهذا لا بأس به, وأما أن يبقى دائمًا يتحدث بعد العشاء ولاسيما في أحاديث إما أن تكون لغوًا, وإما أن تكون حرامًا ومعصية, فهذا لا ينبغي, بل إذا كانت معصية صارت حرامًا.
«وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه» «ينفتل» , يعني: ينتهي منها, «وصلاة الغداة» هي الفجر, «حين يعرف الرجل جليسه» يعني: من يجالسه, وهذه التقديرات - كما تعلمون - حدثت في وقت لا توجد ساعات, ولا توجد سرج في المساجد, فكانوا يقدرون هذا بما سمعتم, ولا شك أن هذا على سبيل التقدير؛ لأن معرفة الرجل جليسه تختلف؛ بماذا؟ بقوة البصر, وطبائع الجو, وعدم السقف, وغير ذلك من الأسباب, لكن الصحابة ﵃ أمرهم كله يسير ليس فيه تعمق, يذكرون الأشياء على سبيل التقريب, ومع ذلك: «وكان يقرأ بالستين إلى المائة». متفق عليه. ومعلوم أن القراءات تختلف, والآيات تختلف أيضًا, القراءة تختلف؛ لأن بعض الناس يقرأ بسرعة, ومن الناس من يقرأ ترتيلًا, وربما يكون بين قراءتيهما للجزء الواحد عشر دقائق, وأيضًا الآيات تختلف؛ فمن الآيات: ﴿الرحمن (١) علم القرآن﴾ [الرحمن: ١, ٢]. قصيرة, آيات «المرسلات» قصيرة, آيات «اقتربت الساعة» قصيرة, آيات «البقرة» طويلة, فبأي شيء نعتبر؟
نقول: إذا جاءت مثل هذه الأشياء فنعتبر الوسط, وكذلك نعتبر في أداء القراءة الوسط, لا الذي يسرع ولا الذي يبطئ, ونذكر الآن فوائد حديث عبد الله بن عمرو:
стр. 375
«وقت الظهر» ... إلخ فيه فوائد:
منها: أن السنة تأتي مفصلة للقرآن, وعلى هذا فيكون قوله تعالى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء﴾ [النحل: ٨٩]. يشمل السنة, لأن السنة تبين القرآن, فإنك لو نظرت إلى القرآن لن تجد هذا الحد في أوقات الصلاة, إنما تجده إجمالًا مثل قوله: ﴿فسبحن الله حين تمسون وحين تصبحون (١٧) وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون﴾ [الروم: ١٧, ١٨]. على القول بأن هذه إشارة إلى أوقات الصلاة.
ومثل قوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر﴾ [الإسراء: ٧٨]. إذن تكون السنة المبينة للقرآن من القرآن.
ومن فوائد هذا الحديث: تعيين أوقات الصلاة على حسب ما جاء في هذا الحديث, وأن وقت الظهر من الزوال إلى أن يصير ظل كل شيء مثله زائدًا عن فيء الزوال؛ لأن فيء الزوال الذي زالت عليه الشمس لا يحسب.
ومن فوائده: أنه ليس بين وقت الظهر والعصر زمن؛ لقوله: «إذا زالت الشمس ما لم يحضر وقت العصر».
ومن فوائد هذا الحديث: أن وقت العصر يدخل بانتهاء وقت الظهر مباشرة, وينتهي باصفرار الشمس؛ لقوله: «ما لم تصفر الشمس».
ومن فوائدها هذا الحديث: أن وقت المغرب ليس كما يتوهم كثير من الناس ضيقًا, بل يمتد من غروب الشمس إلى مغيب الشفق, وبذلك يدخل وقت العشاء.
ومن فوائد هذا الحديث: أن وقت العشاء إلى نصف الليل, ونصف الليل داخل أو خارج؟
نصف الليل خارج على القاعدة المشهورة أن ابتداء الغاية داخل, وانتهاؤها خارج.
ومن فوائد هذا الحديث: أن وقت الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس, وهذا تفصيل صريح واضح.
ومن فوائد هذا الحديث: أن من صلى قبل هذه الأوقات فلا صلاة له, لكن إن صلى متعمدًا فهو متلاعب آثم, وربما يصل فعله إلى حد الكفر؛ لأنه من اتخاذ آيات الله هزوًا, ومن صلاها بعد الوقت متعمدًا فالجمهور يرون أنه يقضيها مع الإثم, والصواب أنه لا يقضيها؛ وذلك لأنه أخرها بلا عذر, فيكون متعديًا لحدود الله, ومن يعد حدود الله فأولئك هم الظالمون, والظالم لا يفلح ﴿إنه لا يفلح الظالمون﴾ [الأنعام: ٢١]. ولو شغل لكان مفلحًا, ويؤيد هذا - يعني: هذا استدلال من القرآن - من السنة قول النبي ﷺ : «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد».
стр. 376
فإن قال قائل: إذا صلى قبل الوقت يظن أن الوقت قد دخل؟
فإننا نقول: يرتفع عنه الإثم؛ لأنه جاهل, لكن يؤمر بإعادتها في الوقت؛ لأن ذمته لم تبرأ, وإذا أخرها عن وقتها جهلًا يظن أن الوقت لم يدخل, أو نائمًا أو ناسيًا, فلا إثم عليه, وهل تجزئه؟ نعم تجزئه, ودليله من السنة قول النبي ﷺ : «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها».
فإن قال قائل: هل يجوز أن يصلي الصلاة مع الشك في دخول وقتها؟
الجواب: لا؛ لأن الأصل عدم دخوله, فإن قيل: مع الظن؟ قلنا: نعم, يجوز أن يصلي مع غلبة ظنه لدخول وقتها, ودليل ذلك قول النبي ﷺ فيمن أشكل عليه عدد الركعات: «فليتحر الصواب ثم ليبن عليه». هذا دليل قولي, دليل إقراري: وهو أنهم أفطروا في عهد النبي ﷺ قبل أن تغرب الشمس ثم طلعت الشمس, ولا شك أنهم مفطرون على غلبة ظن لا على يقين؛ لأنهم لو أفطروا على يقين ما طلعت الشمس لكن على ظن, إذن له أن يصلي إذا غلب على ظنه دخول الوقت, فإن تبين أنه قبل الوقت وجبت عليه الإعادة؛ لأنه تبين أن ذمته لم تبرأ.
ومن فوائد الحديث: الحكمة في توقيت الصلوات؛ بحيث لم يجعلها الله في وقت واحد, فهي حكمة ورحمة, وجه ذلك: أنها إذا تفرقت في الزمن صار الإنسان دائمًا مع الله لا يغفل؛ لأنه لو غفل فإّا الوقت قد جاء, ومن الحكمة: ألا يتعب الإنسان؛ لأنه لو أمرنا أن نقوم بسبع عشرة ركعة في آنٍ واحد لكان في ذلك تعب ومشقة؛ لا سيما إذا كان الإنسان قد ضعفت قواه لتعب أو ملل, أو ما أشبه ذلك, ومن الحكمة في توزيع الأوقات: قوة الصلة بالله ؛ لأن كثرة التردد توجب قوة الصلة, إذا كان لك صديق أو حبيب, كنت تتردد إليه دائمًا فهذا يقوي الصلة بلا شك, ولها حكم أخرى تظهر للمتأمل في الحديث الذي بعده.
ومن فوائده: أن النبي ﷺ يبادر لصلاة العصر, وكذلك في الحديث الثاني الذي بعده: «والشمس مرتفعة» دليل على أن يبادر لصلاة العصر, وهذا هو السنة, إذن نستفيد منه: مشروعية المبادرة بصلاة العصر, وهل مثلها غيرها؟ الجواب: نعم, دلت السنة على أن مثلها غيرها, ويؤيده حديث أبي برزة الأسلمي؛ لأنه لما قال: «كان يستحب أن يؤخر من العشاء» دل على أن غيرها لا يستحب أن يؤخر منه, وقد دلت السنة بالتتبع على أن إيقاع الصلاة في الوقت له أحكام.
الأصل استحباب التقديم في جميع الصلوات إلا واحدة, ما هي؟ العشاء, هذه واحدة, فلا
стр. 377
تقتضي التأخير, وقد يجب التقديم لكل الصلوات, وذلك مثل ما إذا كان الإنسان يخشى مانعًا من الصلاة في آخر الوقت, فإنه يجب عليه أن يقدم.
مثال هذا: امرأة كان من عادتها أن يأتيها الحيض في أثناء وقت صلاة الظهر, فنقول: يجب عليها التقديم في أول الوقت لئلا يأتيها المانع.
- رجل آخر له عمل [يؤديه] في أثناء الوقت, هذا العمل لا يمكن أن يتخلف عنه, فهذا نقول: يجب عليه أن يبادر ويصلي في أول الوقت, وقد يكون العكس يجب التأخير لآخر الوقت, وذلك فيما إذا كان على الإنسان واجب في الصلاة لا يتحقق إلا في آخر الوقت, كرجل يتعلم قراءة الفاتحة هو يعرف أنه في أول الوقت لا يستطيع أن يقرأ, لكن في آخر الوقت إذا تعلم يستطيع, نقول: هنا يجب التأخير.
ومثل ذلك: إذا كان شاكا في القبلة وكان يعلم أنه في آخر الوقت سيأتي الرجل الذي يدله على الاتجاه الصحيح, فهنا نقول: يجب أن ينتظر حتى يحضر من يدله على القبلة, المهم أنه إذا ترتب على التقديم ترك واجب كان التأخير واجبًا.
وهل يجب التأخير لصلاة الجماعة؟ نعم يجب. فإذا علمنا أن هذا الرجل إذا صلى في أول الوقت لم يجد جماعة, وإذا صلى في آخره وجد الجماعة, نقول: يجب عليه أن يتأخر لتحصيل الجماعة.
فإن قال قائل: ما تقولون في رجل عدم الماء في أول الوقت, وهو يرجو أن يجده في آخره, هل يجب عليه التأخير؟
في هذا قولان للعلماء:
منهم من قال: إذا غلب على ظنه أنه يجد الماء وجب عليه أن يؤخر ولا يصلي بالتيمم.
ومنهم من قال: لا يجب, ويفرق بينه وبين تعلم الفاتحة: بأن هذا له بدل وهو التيمم, والتيمم يقوم مقام الماء, لكن الفرق: هذا قد يشكل عليه أن الفاتحة أيضًا لها بدل وهو التسبيح, والتكبير, والتهليل, فحينئذ نقول: لا يجب عليه أن يؤخر لتعلم الفاتحة؛ لأن لها بدلًا, هذا هو القياس, إذا قلنا: إن الفرق هو أن طهارة الماء لها بدل بخلاف قراءة الفاتحة, فيجاب بأنه لها بدلًا.
وعليه: فيكون المثال السالم من الاعتراض هو التأخير للقبلة أو لصلاة الجماعة, وما أشبه ذلك لو أمره أبوه أن يؤخر قال: يا ولدي, تأخر حتى تصلي بي جماعة هل يلزمه؟ لا يلزمه, نقول: اذهب صل مع الناس وارجع, وصل بأبيك, ولا حرج.
في حديث أبي برزة من فوائده: أن النبي ﷺ كان يكره النوم قبل العشاء, وسبق لنا أن أهل
стр. 378
هذا كراهة نفسية أو كراهة شرعية؟ بينا فيها احتمالين, ولكن تكون شرعية إذا خاف إذا نام ألا يستيقظ, أو أن يقوم في الثانية؛ فهنا نقول: الكراهة شرعية لا شك.
ومن فوائد الحديث - حديث أبي برزة -: كراهة الحديث بعد العشاء, لكنه وردا لتخصيص فيما إذا كان لحاجة أو مصلحة, فلو نزل بالإنسان ضيوف بعد صلاة العشاء فهل يجلس عندهم ويسكت ولا يتكلم بكلمة, أو يباسطهم الحديث؟ الثاني: لأن هذا فيه مصلحة وهو إكرام الضيف, كذلك لو تحدث الإنسان بعد العشاء لقراءة العلم وما أضبهه, هذا لا بأس به لأنه مصلحة, لو تحدث الإنسان بعد العشاء لإنقاذ غريق, أو لإعانة محتاج فهذا أيضًا جائز, وقد يجب في إنقاذ الغريق المهم أن له مخصصات.
ومن فوائد هذا الحديث - حديث أبي برزة -: المبادرة بصلاة الغداة لقوله: «كان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه» مع أنه يطيل القراءة بالستين إلى المائة.
ومن فوائده: إطالة القراءة في صلاة الفجر, ولذلك عبر الله عن صلاة الفجر بالقرآن فقال: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].
ولذلك لم تقصر صلاة الفجر؛ لأنها تطول فيها القراءة كما قالت عائشة ﵂.
١٤٦ - وعندهما من حديث جابر: «والعشاء أحيانًا يقدمها وأحيانًا يؤخرها: إذا رآهم اجتمعوا عجل, وإذا رآهم أبطئوا أخر, والصبح: كان النبي ﷺ يصليها بغلس».
«وعندهما» أي: البخاري ومسلم «والعشاء أحيانًا وأحيانًا» , يعني: ويصلي العشاء أحيانًا يعجلها, وأحيانًا يؤخرها, كيف هذا التفصيل؟ يقول: «إذا رآهم اجتمعوا عجل, وإذا رآهم أبطئوا أخره» , «اجتمعوا» , أي: الجماعة الذين يحضرون إلى المسجد, «عجل»؛ أي: قدمها في أول الوقت مراعاة لهم.
«وإذا رآهم أبطئوا أخر» لوجهين: مراعاة لفضيلة الوقت, ولأحوال الجماعة.
«والصبح: كان النبي ﷺ يصليها بغلس» «الصبح» هذه مشغول عنها, الفعل الذي سلط عليها مشغول عنها, لكن هل الاختيار أن ننصبها, أو الاختيار أن نرفعها؟
الاختيار: أن ننصبها؛ لأنه سبقها أفعال تعطف على الجملة الفعلية؛ فيكون الاختيار النصب, ولذلك باب الاشتغال تجري فيه الأحكام الخمسة بالنسبة للإعراب, تارة يجب الرفع, وتارة يجب النصب, وتارة يستحب الرفع, وتارة يستحب النصب, وتارة يجوز الوجهان على التساوي حسب ما هو معروف في كتب النحو.
стр. 379
وقوله: «كان يصليها بغلس». الغلس: هو اختلاط ظلمة الليل بنور الفجر بحيث لا يغلب أحدهما الآخر؛ لأنه إن غلب نور الفجر فهو إسفار, وإن غلب ظلمة الليل لم يكن إسفارًا ولا غلسًا, بل هو الاختلاط.
* ففي هذا الحديث فوائد:
أولًا: أنه ينبغي للإمام مراعاة الناس في التقديم والتأخير في صلاة العشاء خاصة, وهل نقيس عليها غيرها؛ بمعنى: لو رأينا الناس يتأخرون فيما يُسن تقديمه هل نؤخره؟
الجواب: نعم؛ لأن النبي ﷺ إذا عجل ما يسن تأخيره مراعاة للناس فلنؤخر ما يسن تعجيله مراعاة لهم, ولا فرق, فمثلًا إذا كانت هذه الدائرة فيها مسجد والموظفون مشغولون بالأعمال [ولا ينتهون] كلهم إلا في آخر الوقت, فهل نقول: إن الأفضل هنا التأخير من أجل مراعاة اجتماعهم؟ الجواب: نعم, إذا كان هذا هو الأرفق بهم, أما إذا كان هذا هو الأرفق بالكسالى, وأن النشيطين يحبون التقديم فلا عبرة بالكسالى.
ومن فوائد هذا الحديث: حسن رعاية النبي ﷺ لأمته وأصحابه؛ حيث يراعيهم في العبادات إذا لم تتضمن هذه المراعاة وقوعًا في محرم, أو تركًا لواجب.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الإنسان يعذر للتأخر عن الصلاة إذا كان لا يخشى الفوات؛ لأن الصحابة يتعجلون في الوقت ويتأخرون فيه حسب الظروف: قد تكون أمطار, قد تكون ظلمة, قد تكون رياح توجب أن يتأخروا.
ومن فوائد هذا الحديث: أن السنة تقديم صلاة الصبح لقوله: «والصبح كان النبي ﷺ يصيلها بغلس» , وهل يفرق بين الشتاء والصيف بالنسبة لتقديم صلاة الفجر؟ يرى بعضهم أن يفرق, فيقول: أسفر في صلاة الفجر إذا كان في الصيف؛ لأن الناس لا ينامون من الليل إلا قليلًا, وعجل في صلاة الفجر إذا كانت في الشتاء؛ لأن الناس ينامون كثيرًا, ويأتون إلى المسجد وهم على نشاطهم, فإن راعى الإمام المصلحة في ذلك فليفعل.
١٤٧ - ولمسلم من حديث أبي موسى: «فأقام الفجر حين انشق الفجر, والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضًا».
«أقام الفجر» أي: صلاة الفجر, والمراد بالإقامة هنا: الفعل, وليس الذكر المعروف. قلنا ذلك لنحمل «أقام» على معناه الحقيقي, وقد يراد بقوله: «أقام»؛ أي: أمر من يقيم, وحينئذ فيراد بالإقامة: الذكر المخصوص.
стр. 380
وقوله: «حين انشق الفجر» جعل ذلك انشقاقًا؛ لأن الفجر إذا سطع على الظلمة فكأنما شقها؛ لأنها تتمايز الظلمة في مكان النور, فيكون هذا انشقاقًا, ولا يحدث ذلك إلا في الفجر الصادق؛ لأنه يمتدمن الشمال إلى الجنوب ويتصل بالأفق ولا ظلمة بعده؛ هذا هو الفجر الصادق.
يوجد الفجر الكاذب, ويختلف عن الفجر الصادق بثلاثة أمور:
أولًا: أن الفجر الكاذب مستطيل, يعني: يصعد في السماء طولًا.
والثاني: أنه لا يتصل بالأفق؛ لأن ما بينه وبين الأفق ظلمة.
والثالث: أنه يضمحل ويزول.
أما الصادق - فكما عرفتم بالأول - لا يتأتى في هذه الأشياء الثلاثة.
وقوله: «والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضًا». أي: لا تقرب معرفة بعضهم بعضًا؛ وذلك لشدة الظلمة وعدم الإضاءة بالسروج.
١٤٨ - وعن رافع بن خديج ﵁ قال: «كنا نصلي المغرب مع النبي ﷺ فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله». متفق عليه.
قوله: «كنا نصلي» هذه كان واسمها, والمعروف أن «كان» تفيد الدوام غالبا إذا كان خبرها فعلًا مضارعًا «كان يقرأ» , «كان يفعل» وما أشبه ذلك.
وقوله: «نصلي المغرب مع النبي ﷺ فينصرف أحدنا» يعني: من الصلاة, وهم لا ينصرفون إلا بعد انصراف النبي ﷺ لأنه نهى أن يسبقوه بالانصراف, وكان ﷺ يبقى مستقبل القبلة بقدر ما يقول: أستغفر الله ثلاثًا, اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام, ثم ينصرف فينصرف الناس, فقوله: «فينصرف أحدنا» يعني: بعد أن ينصرف النبي ﷺ , و «إنه» الجملة هذه حالية حال من الفاعل في قوله: «ينصرف»؛ أي: من أحدنا, والحال: «وإنه ليبصر مواقع نبله» , وكسرت «إن»؛ لأن الجملة الحالية تكون مستأنفة, ويضاف إلى ذلك في هذا التعبير أنها قرنت اللام في خبرها, وإذا قرن خبر إن باللام وجب كسرها. «ليبصر مواقع نبله» أي: المكان الذي يقع فيه النبل, يعني: نبل السهم, يعني: السهم إذا أطلقه من القوس وهو بعيد.
ففي هذا الحديث دليل على أن النبي ﷺ كان يبكر بصلاة المغرب؛ لأنهم إذا كانوا ينصرفون منها والضياء باق إلى هذا الحد؛ دل ذلك على أنه ﷺ كان يبادر بصلاة المغرب, ولكن لابد من أن يكون هناك فاصل بين الأذان والإقامة لقوله ﷺ : «صلوا قبل المغرب, صلوا
стр. 381
قبل المغرب, صلوا قبل المغرب» , ثم قال في الثالثة: «لمن شاء». وهذا يقتضي أن يكون بين غروب الشمس وبين صلاة المغرب وقت يتسع للصلاة, وهل يجوز أن تؤخر؟
الجواب: نعم يجوز؛ لأن وقتها موسع, إلى متى؟ إلى أن يبقى بينه وبين دخول وقت العشاء مقدار الصلاة؛ فحينئذ يجب أن يصلي لأنه لا يجوز أن يؤخر الصلاة عن وقتها ولا بعض الصلاة عن وقتها.
١٤٩ - وعن عائشة ﵂ قالت: «أغتم النبي ﷺ ذات ليلة بالعشاء حتى ذهب عامة الليل, ثم خرج فصلى, وقال: إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي». رواه مسلم.
«أعتم»؛ أي: دخلت العتمة, والعتمة: اشتداد ظلمة الليل, وكان الرعاة يعتمون بالإبل, أي: يؤخرون حلبها إلى أن تظلم الأرض, فأعتم - إذن - بمعنى: أخر, «حتى ذهب عامة الليل» أي: حتى ذهب كثير من الليل, ولا يمكن أن نفسر «عامة» هنا بأكثر؛ لأننا لو فسرناها بأكثر لزم أن يكون النبي ﷺ صلاها بعد منتصف الليل, وهذا لا يمكن, بل «عامة» بمعنى: كثير, «حتى ذهب عامة الليل, ثم خرج فصلى, وقال إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي». وقال: «إنه»؛ أي: هذا الوقت الذي صلى فيه «لوقتها»؛ أي: لوقتها المختار «لولا أن أشق على أمتي».
ففي هذا الحديث دليل على جواز تأخير الصلاة للإمام عن الوقت المعتاد لقولها: «ذات ليلة» , و «ذات» هنا من حيث المعنى زائدة, وهي ترد بمعنى «صاحبة» مثل قوله ﷺ : «ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال». وترد زائدة كثيرًا, مثل قوله تعالى: ﴿وأصلحوا ذات بينكم﴾ [الأنفال: ١]. أي: أصلحوا بينكم.
ومثله هذا الحديث أيضًا: «ذات ليلة» وتطلق في اصطلاح المتأخرين على النفس فيقال: الذات والصفة يعني: النفس, لكنها ليست من لغة العرب الأصيلة كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلا أن الناس يستعملونها كثيرًا بمعنى: النفس, «جاء زيد ذاته» بدل أن يقولوا: «جاء زيد نفسه».
وفي هذا دليل على احترام الصحابة للنبي ﷺ , حيث لم يتقدم أحد منهم فيصلي بالناس؛ لأنه تأخر إلى أن ذهب جزء كبير من الليل.
ومن فوائد الحديث: أن الأفضل في صلاة العشاء التأخير لقوله ﷺ : «إنه لوقتها».
стр. 382
وفيه دليل أيضًا على أن [الشارع يراعي المشقة] , وأنه مع المشقة تيسر الأمور؛ ولهذا كان من الضوابط عند العلماء: «المشقة تجلب التيسير».
ومنها: أن النبي ﷺ يستقل بالتشريع لقوله: «إنه لوقتها, لولا أن أشق على أمتي» , ولكن اعلم أن تشريع النبي ﷺ يكون من شرع الله إذا أقره الله عليه أما إذا اجتهد ولم يقره الله عليه فالأمر واضح؛ مثل إذنه ﷺ لمن استأذنه من المنافقين قبل أن يتبين الأمر, فقد قال الله تعالى فيه: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين﴾ [التوبة: ٤٣].
ومن فوائد هذا الحديث: رأفة النبي ﷺ بأمته, وأنه يحب لهم الأيسر والأسهل؛ ولهذا كان ﵊ إذا بعث البعوث للدعوة إلى الله قال لهم: «يسروا ولا تعسروا, وبشروا ولا تنفروا, فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين». «وما خير ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا» , والمراد بالأمة هنا: أمة الإجابة؛ وذلك لأن أمة الدعوة لا يصلون حتى يرفق بهم أو لا يرفق, لكن المراد بذلك: أمة الإجابة.
إذن لو سألنا سائل: ما هي الصلاة التي يسن تأخيرها بكل حال؟ هي العشاء, وغيرها من الصلوات لا يسن تأخيرها إلا بسبب.
حكم الإبراد في صلاة الظهر:
١٥٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة, فإن شدة الحر من فيح جهنم». متفق عليه.
قوله: «إذا اشتد الحر» هل المراد: إذا اشتد الحر في الفصول, أو إذا اشتد الحر في النهار؟
الأول؛ يعني: إذا اشتد الحر في الفصول؛ لأن فصول السنة أربعة: فصل الشتاء: وهو بارد, وفصل الربيع: وهو بين البرودة والحرارة, وفصل الصيف - أو القيظ -: وهو حار, وفصل الخريف: وهو بين الحرارة والبرودة, فيكون المعنى: «إذا اشتد الحر» أي: إذا أتت الفصول الحارة, وهو فصل الحر الذي يسميه بعض الناس فصل الصيف.
стр. 383
وقوله: «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة» أبردوا؛ أي: أخروها حتى يبرد الجو, والمراد بالصلاة هنا: صلاة الظهر؛ لأنها هي التي تقع في شدة الحر.
ثم قال: «إن شدة الحر من فيح جهنم»؛ أي: من سمومها وحرارتها, ووجه ذلك: «أن النار اشتكت إلى الله فأذن الله تعالى لها بنفسين نفس في الصيف, ونفس في الشتاء, فأشد ما نجد من الحرارة هذا من نفس الصيف, وأشد ما نجد من البرودة هذا من نفس الشتاء» , وهذا العلم الذي أخبر به النبي ﵊ لا يدركه علماء الفلك بعلومهم وعقولهم, لأنه شيء فوق ما يعرفونه, ولكننا نحن نؤمن بأن ما قاله النبي ﷺ حق لا مرية فيه, «وجهن» اسم من أسماء النار أعاذنا الله وإياكم منها.
في هذا الحديث: الأمر بالإبراد بالصلاة إذا اشتد الحر, وهل الأمر هنا أمر إباحة ورخصة, أو هو أمر ندب, أو أمر واجب؟ كل هذا محتمل: يحتمل أنه للرخصة؛ لأن الأصل الأمر بتقديم الصلاة فيكون الأمر بعد ذلك - أي: بالتأخير - يكون رخصة, وإذا كان رخصة فإنه ينظر بما يكون أرفق بالناس, وقيل: إنه أمر تشريع, ثم هل هو واجب, أو ليس بواجب؟ في هذا تفصيل, المهم هذه الفائدة مشروعية الإبراد بالظهر إذا اشتد الحر هذا هو الصواب أنه مشروع, ثم هل يجب أو لا يجب؟ ينظر إذا كان في الحضور إلى الصلاة في وقت الحر مشقة تذهب الخشوع فإن الإبراد واجب.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الإبراد عام سواء كان في الحضر أو في السفر, وقد جاء ذلك صريحًا في السفر؛ فقد كان النبي ﷺ في سفر فقام بلال ليؤذن فقال له: «أبرد» , ثم قام ليؤذن, فقال: «أبرد» , ثم قام ليؤذن, فقال: «أبرد» , حتى رأوا فيء التلول. وهذا يعني: أن الشمس تجاوزت الزوال بكثير, وهذا الذي يحصل به الإبراد, أما ما كان الناس يفعلونه فيما سبق يتأخرون عن زوال الشمس بساعة إلا ربع - أي: ٤٥ دقيقة -, أو بساعة - أي: بـ «٦٠» دقيقة - فهذا لا يغني شيئًا؛ لأنه لم يحصل الإبراد, بل ربما يكون هذا أشد ما يكون حرًا, فالإبراد بمعنى: أن يقرب فعل الصلاة من دخول وقت العصر.
ومن فوائد هذا الحديث: الإشارة إلى طلب الخشوع في الصلاة؛ لأن الإنسان إذا كان في شدة الحر فإنه سوف يقل خشوعه؛ لأن الحر مزعج يوجب انشغال القلب, فهل نقول مثل ذلك في التدفئة؟ يعني مثلًا: لو الإنسان قام إلى صلاة الفجر, وصار عليه غسل فاغتسل, هل نقول: لا يصلي ما دام ينتفض من البرد, فليتدفأ أولًا ثم يصلي؟
الجواب: نعم؛ لأن العلة واحدة, وهي ذهاب الخشوع.
стр. 384
ومن فوائد هذا الحديث: حسن تعاليم الرسول ﷺ وما أحسنه, وما أجمله, وأوضحه, وأبينه - وذلك حيث قرن الحكم بعلته, قال: «أبردوا للصلاة, فإن شدة الحر من فيح جهنم».
ومن فوائد هذا الحديث: وجود النار الآن, وقد دل على ذلك القرآن والسنة.
أما القرآن: فقال الله تعالى: ﴿واتقوا النار التي أعدت للكافرين﴾ [آل عمران: ١٣١]. و «أعد» فعل ماضٍ, والإعداد بمعنى: التهيئة.
وأما السنة: فإن النبي ﷺ عرضت عليه النار وهي يصلي صلاة الكسوف, وشاهدها بعينه, ورأى فيها المعذبين.
فإذا قال قائل: أين موضع النار؟
قلنا: الظاهر أن موضعها في أسفل السافلين؛ لأن النبي ﷺ أخبر أن روح الكافر يأمر الله تعالى أن تكتب في سجين في الأرض السابعة السفلى.
فإذا قال قائل: نحن لا نشاهدها الآن, ربما نحفر إلى مدى بعيد ولا نشاهدها؟
قلنا: لا يلزم أن نشاهدها, الأمور الغيبية محجوبة عنا ليس فيها إلا مجرد التسليم, وما لم يظهر اليوم ربما يظهر بعد حين.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الله قد يخرج من النار الحرارة حتى تصل إلى الأرض لقوله: «فإن شدة الحر من فيح جهنم».
فإن قال قائل: إذا كان في الطرف الشمالي من الأرض, أو في الطرف الجنوبي الأقصى من الأرض وليس عندهم البرودة, فهل نقول: إذا دخل فصل الصيف الذي يكون حارًا في المناطق الأخرى فإنهم يبردون بالصلاة؟
الجواب: لأا؛ لأن قوله: «أبردوا» يعني: أخروها إلى أن يبرد الجو, وهؤلاء جوهم بارد لا يحتاج إلى تأخير الصلاة.
١٥١ - وعن رافع بن خديج ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أصبحوا بالصبح فإنه أعظم لأجوركم». رواه الخمسة, وصححه الترمذي وابن حبان.
«أصبحوا بالصبح» يعني: لا تصلوا حتى تتيقنوا الصبح خوفًا من أن يتعجل الإنسان ويصلي وهو شاك في طلوع الفجر؛ لأن طلوع الفجر أمر خفي, وهو - كما تعلمون - يظهر شيئًا فشيئًا, فربما يتعجل الإنسان بمجرد ما يرى إضاءة يظنها الصبح فيصلي. فمعنى «أصبحوا»؛
стр. 385
أي: تيقنوا الصبح لا تصلوا مع الشك, وقيل: معنى «أصبحوا بالصبح»؛ أي: أطيلوا قراءة الصلاة حتى يكون الإصباح واضحًا جليًا, ويسفر جدًا لقوله: «فإنه أعظم لأجوركم»؛ لأننا لو فسرناها بالمعنى الأول لكان فعلها قبل الإصباح ليس فيه أجر أصلًا, ولم يكن التعليل أنه أعظم للأجر, وهذا المعنى قوي جدًا.
أن المعنى «أصبحوا بها»؛ أي: أطيلوا الصلاة فيها حتى يظهر الصباح جليًا, وهو بمعنى الحديث الثاني: «أسفروا بالصبح».
من فوائد هذا الحديث: إن قلنا بالمعنى الأول: وجوب الانتظار حتى نتيقن الصبح, وإن قلنا بالثاني فمشروعية إطالة القراءة.
ومن فوائده: أن الأجور تختلف في عظمها وصغرها؛ لقوله: «فإنه أعظم» , و «أعظم» اسم تفضل يدل على وجود مفضل, ومفضل عليه.
ومن فوائد هذا الحديث: نعمة الله ﵎ على عباده؛ حيث سمى الثواب أجرًا مع أنه هو الموفق للعمل الصالح, ومع ذلك يسمي ثوابه على العمل الصالح أجرًا؛ أي: بمنزلة الأجرة التي يستحقها العامل على من استأجره, ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ [الرحمن: ٦٠]. يعني: هل جزاء العمل الصالح الذي أحسن فيه صاحبه إلا الإحسان بالثواب فيقال: اللهم لك الحمد أن تحسن أولًا ثم تحسن ثانيًا؛ لأن الذي وفقك للإحسان أولًا هو الله ومع ذلك أثابك على الإحسان الذي هو فضله عليك.
١٥٢ - وعن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن النبي ﷺ قال: «من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس؛ فقد أدرك الصبح, ومن أدرك ركعةً من العصر قبل أن تغرب الشمس؛ فقد أدرك العصر». متفق عليه.
قوله ﷺ : «من أدرك ركعة من الصبح» يعني: أنه صلى ركعة ثم طلعت الشمس, فتكون الركعة الأولى في الوقت, والركعة الثانية بعد الوقت, وقوله: «قبل أن تطلع الشمس» المراد: يتبين قرنها الأعلى؛ لأن وقت الفجر يخرج بتبين قرن الشمس الأعلى, يعني: ليس بلازم أن تخرج كلها, وقوله: «فقد أدرك الصبح» أي: أدرك وقتها, أي: كأنه صلاها كلها في الوقت, «ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس» , أي: قبل أن يغرب قرنها الأعلى أو الأسفل؟ الأعلى لأنه لا يصدق أنها غربت إلا إذا اختلفت نهائيًا, «فقد أدرك العصر».
وقوله: «ركعة» في الموضعين يعني: بسجدتيها, وليس المراد: الركوع, المراد: الركعة
стр. 386
كاملة بسجدتيها, ويدل لذلك قوله في الحديث الثاني: «سجدة» إشارة إلى أنه لابد من إدراك السجود الأول والثاني حتى يتم بذلك إدراك الركعة.
في هذا الحديث فوائد منها: أن الوقت يدرك بإدراك الركعة لقوله: «من أدرك ركعة» وهذا القول هو القول الراجح أنه لا يدرك إلا بركعة, وأن جميع الإدراكات لا تكون إلا بركعة, فإدراك الجمعة لا يكون إلا بركعة, وإدراك الجماعة لا يكون إلا بركعة, وإدراك الوقت لا يكون إلا بركعة, جميع الإدراكات لا تكون إلا بركعة, وهذا القول هو الذي تدل عليه السنة كما في هذا الحديث, وذهب بعض العلماء ﵏ إلى أن الإدراك يحصل بإدراك تكبيرة الإحرام, فمن أدرك تكبيرة الإحرام قبل أن تطلع الشمس في الفجر على كلامهم فقد أدرك الفجر, ومن أدرك مع الإمام قبل تكبيرة الإحرام قبل السلام فقد أدرك الجماعة, لكن أصحاب هذا القول استثنوا إدراك الجمعة, يعني: إدراك المسبوق للجمعة, قالوا: لا يدركها إلا بركعة كاملة, وهذا تناقض, والصواب: أن جميع الإدراكات لا تكون إلا بركعة كاملة لا بركوع.
إذن نقول: إدراك الوقت يكون بركعة, ينبني على هذا مسائل:
منها: لو أن المرأة أدركت مقدار ركعة, ثم طهرت من الحيض فهل تلزمها الصلاة؟
الجواب: نعم, إذا أدركت المرأة من وقت الصلاة قدر ركعة وجبت عليها لقول النبي ﷺ : «فقد أدرك العصر» في العصر, «وقد أدرك الصبح» في الفجر, فإن أدركت أقل من ذلك؛ يعني: حاضت قبل أن تغرب الشمس بدقيقتين أو ثلاث فليس عليها صلاة, وعلى القول بأنها تدرك بتكبيرة إحرام فيلزمها الصلاة, لكن الصحيح لا.
المسألة الثانية: بالعكس لو أن المرأة حاضت بعد دخول وقت الصلاة بمقدار ركعة تلزمها الصلاة إذا طهرت؟
نعم, وعلى القول الثاني: إذا حاضت بعد دخول الوقت بتكبيرة الإحرام لزمتها الصلاة وهذه المسألة - أعني: إدراك الوقت من أوله - فيه خلاف؛ فمن العلماء من يقول: إن المرأة إذا أدركت مقدار ركعة من الوقت ثم حاضت لا تلزمها الصلاة؛ لأنه قد أذن لها أن تؤخر الصلاة إلى آخر الوقت, فإذا حاضت قبل آخر الوقت فلا صلاة عليها, وهذا القول قوي جدًا؛ لأن المرأة لم تفرط حتى نلزمها بالقضاء, وإذا كانت لم تفرط وقد أذن لها أن تؤخر فكيف نلزمها بشيء لم يلزمها, لكن القضاء أحوط.
стр. 387
من فوائد هذا الحديث: أن من أدرك ركعة من العصر لم تلزمه الظهر, يعني: لو أن المرأة طهرت من الحيض قبل غروب الشمس بركعة, أو ركعتين, أو ثلاث لزمتها صلاة العصر, ولا تلزمها - على القول الراجح - صلاة الظهر؛ لأن صلاة الظهر أتت عليها وهي ليست من أهل الصلاة, ولو كان يجب عليها أن تقضيها لكان هذا بين في كتاب الله, أو سنة رسول الله ﷺ , أما إذا كان هذا من أقوال العلماء, فأقوال العلماء تكون خطأ وتكون صوابًا؛ ولهذا كان القول الراجح: أن المرأة إذا طهرت قبل أن تغرب الشمس لم يلزمها إلا صلاة العصر وإذا طهرت قبل خروج وقت العشاء الآخرة لم يلزمها إلا صلاة العشاء الآخرة.
* استدراك:
كنا قد نبهنا على الكلام في الأماكن التي ليس فيها أوقات صلاة, وفات الأوان ولكن يمكننا لآن أن نتكلم عليها, توجد أماكن ليس فيها نهار ولا ليل, بمعنى: يمضي (٢٤) ساعة كلها نهار, أو (٢٤) ساعة كلها ليل, أو أكثر من ذلك, فما موقفنا نحو هذا؟
موقفنا بينه الرسول ﵊ حين تحدث عن الدجال, وأن يومًا من أيامه كسنة يعني: (١٢) شهرًا فألهم الله الصحابة أن يقولوا: يا رسول الله, هذا اليوم الذي كسنة تكفينا فيه صلاة واحدة؟ قال: «لا, اقدروا له قدره». وعلى هذا فنقول لمن كانوا في مكان ليس فيه ليل ونهار في خلال (٢٤) ساعة اقدروا له قدره, ولكن هذا القدر هل يعتبر أقرب البلاد إليهم مما فيه ليل ونهار, أو يعتبر الوسط؛ يعني: تساوي الليل والنهار, أو تعتبر مكة لأنها أم القرى؟ هذه فيها ثلاثة أقوال:
منهم من يقول: يعتبر أقرب البلاد إليهم فيما فيه ليل ونهار, وهذا من حيث الفلك أقرب الأقوال.
ومنهم من يقول: يعتبر الوسط؛ يعني: يجعلون (١٢) ساعة ليلًا, و (١٢) ساعة نهارًا ويمشون على هذا.
ودليل هذا: أنهم يقولون: لما سقط اعتبار البلد بنفسه وجب الرجوع إلى الوسط.
والقول الثالث: يقول المعتبر توقيت مكة؛ لأنها أم القرى, كما جاء في القرآن الكريم ﴿وكذلك أوحينا إليك قرآنًا عربيًا لتنذر أم القرى ومن حولها﴾ [الشورى: ٧]. وعلى هذا فيجب على أولئك أن يكون لهم اتصال بمكة, ويعطون جدول مواقيت على حسب توقيت مكة, فهذه أقوال ثلاثة أقر بها من حيث العلم الفلكي.
стр. 388
الأول: يعتبر أقرب بلد إليهم فيه ليل ونهار مضطرد في خلال (٢٤) ساعة.
ثانيًا: يقولون إن في بعض البلاد يطول وقت المغرب بحيث يبقى الشفق إلى قرب الفجر, فمتى يصلون؟
نقول: ما دام الشفق يغيب ويظهر فالمعتبر مغيبه, ولو طالت المدة؛ لأن الشرع علقه بهذا, وليس لنا أن نتعدى الحدود, أما إذا كان لا يغيب إلا إذا طلع الفجر من الجهة الشرقية فحينئذٍ نقول: اقدروا له قدره.
أسألكم: هذا الذي ليلهم ستة أشهر ونهارهم ستة أشهر كيف تتصورون الشمس؟ يعني: وقوع الواقع بعيد عن التصور, كنا نظن أن الشمس تكون من جانب واحد لكنها لا تغيب, تبقى ستة أشهر مثلًا في الجانب الشرقي, أو الشمالي, أو الجنوبي, أو الغربي, لكنهم يقولون: لا تكون في نفس المكان - يعني المنطقة - لكنها تدور, يعني مثلًا: تدور هكذا ... وهذا شيء ما نتصوره, لكن الذين شاهدوه يقولون: هذا هو الواقع, هل تصورتموها الآن؟ لا, تعرفون الدوران حلقة تدور عليها يعني: تدور من الأفق تمشي هكذا في الأفق حتى ترجع إلى مكانها دائمًا.
أسئلة:
- حديث رافع بن خديج, قال: «فينصرف أحدنا ويبصر مواقع نبله» ما معنى هذا؟
- في حديث عائشة أن النبي ﷺ أخر صلاة العشاء, ما يدل على أن النبي يشرع من عند نفسه, من أين يؤخذ؟
- إذا كان يشرع ﵊ فهل نقول: إنه يشرع ويكون إقرار الله له كالوحي؟
- هل قوله: «إنه لوقتها» مطابق لأصل التشريع الإسلامي؟
- بماذا يكون الإبراد لصلاة الظهر؟ وكيف الإبراد؟
- هات مثالًا يكون التعليل فيه دال على القياس على مشاركة الحكم للعلة؟
- هل يمكن أن نعكس القاعدة ونقول: كل حرام نجس؟
- ما تقول في رجل بلغ قبل طلوع الشمس بمقدار ركعة ولم يصل الفجر, أتجب عليه صلاة الفجر؟ وإذا كان قد صلاها هل تلزمه الإعادة؟
١٥٣ - ولمسلم عن عائشة ﵂ نحوه, وقال: سجدة بدل ركعةٍ - ثم قال: - والسجدة إنما هي الركعة.
قوله: «وقال: سجدة بدل ركعة» , يحتمل أن الذي قاله الرسول ﷺ , ويحتمل أنه الراوي, ولكنه فسر هذا بقوله: «والسجدة إنما هي الركعة»؛ لأن السجود يطلق على الصلاة كلها كما
стр. 389
في قوله تعالى: ﴿فاسجدوا لله واعبدوا﴾ [النجم: ٦٢]. وعليه فيكون معناه معنى حديث أبي هريرة الذي قبله.
الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها:
١٥٤ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس, ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس». متفق عليه.
- ولفظ مسلم: «لا صلاة بعد صلاة الفجر».
يقول: «لا صلاة بعد الصبح» «لا» نافية للجنس, و «صلاة» تعني: بناء على هذا الفرض والنفل, وتشمل الصلاة ذات الركوع والسجود, وما ليس بذات ركوع وسجود كصلاة الجنازة, وقوله: «بعد الصبح» يحتمل أن المراد: بعد صلاة الصبح, ويحتمل أن المراد: بعد طلوع الشمس, لكن رواية مسلم تبين أن المراد: بعد صلاة الصبح, ولذلك لا صلاة بعد صلاة الفجر, وكذلك أيضًا ورد في أحاديث أخرى غير حديث أبي سعيد التصريح بأن المراد: الصلاة؛ حيث قال الراوي: «نهى عن الصلاة بعد صلاتين: صلاة الفجر, وصلاة العصر».
وقوله: «حتى تطلع الشمس» المراد: حتى تطلع كاملة, أو حتى يطلع قرنها الأول والثاني, ولكن مع ذلك سيتبين فيما يأتي - إن شاء الله - في حديث عقبة أن النهي يمتد إلى أن ترتفع الشمس قيد رمح, «ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس». «بعد العصر» , أي: بعد صلاة العصر, «حتى تغيب الشمس» أي: يغيب قرنها الأعلى, يعني: تغيب كلها.
فإذا قال قائل: ما هي الحكمة في ذلك؟
قلنا: الحكمة في هذا أشار إليها النبي ﷺ «أن الشمس تطلع بين قرني شيطان» , فإذا رآها المشركون سجدوا لها, وكذلك في الغروب تغرب بين قرني الشيطان, ولعلهم يسجدون لها وداعًا, فهم يسجدون لها استقبالًا عند طلوعها ووداعًا عند خروجها, فنهينا عن الصلاة في هذين الوقتين؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى التشبه بهم.
فلنأخذ الفوائد:
قوله: «لا صلاة» ذكرنا أن المراد: العموم, أي صلاة تكون, لكن نستثني من ذلك شيئًا, ثم هل المراد نفي الصلاة, أو نفي صلاتها, أو نفي كمالها؟
стр. 390
هذه ثلاثة احتمالات, والقاعدة: أن النفي نفي للوجود, فإن لم يمكن فهو نفي للصحة, ونفي الصحة نفي لوجودها شرعًا, أو لوجود المنفي شرعًا, فإن لم يكن بأن دل الدليل على أن المنفي صحيح وجب أن يحمل على نفي الكمال, فهنا هل المراد أن الصلاة منفية وقوعًا بمعنى لا يمكن أن تقع؟ الجواب: لا؛ لأنه ربما يصلي الإنسان في هذا الوقت.
إذن هل هو نفي للصحة أو الكمال؟ نقول: المرتبة الثانية بعد نفي الوجود أن تكون نفيًا للصحة ولابد, فنقول: «لا صلاة»؛ أي: لا تصح, وليس نفيًا للكمال.
إذن يستفاد من هذا الحديث: أنه لا تصح الصلاة في هذين الوقتين: لا الفريضة ولا النافلة, لا المقضية ولا المؤداة, ولكن هذا الحديث مرادًا, أي: لا يراد العموم, فقد دلت السنة على استثناء أشياء من ذلك, منها: الفريضة, فالفريضة لا نهي عنها, فمتى ذكر الإنسان أن عليه فريضة صلاها ولو في هذين الوقتين.
مثال ذلك: رجل لما صلى الفجر تذكر أنه صلى العشاء بغير وضوء, فهنا يصلي العشاء قبل طلوع الشمس أو لا؟
يصليها حين ذكرها, دليل ذلك قول النبي ﷺ : «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها».
فإن قال قائل: هذا الحديث بينه وبين حديث أبي سعيد عموم وخصوص من وجه, فكيف رجحتم عموم حديث قضاء الصلاة, على عموم حديث النهي عن الصلاة في هذين الوقتين؟ فالجواب: أن قضاء الصلاة الواجبة واجب والأصل في الأمر «فليصلها إذا ذكرها» أنه على الفور, فيقتضي أن تصلى الفريضة من حين أن يعلم بها الإنسان, هذا واحد.
ثانيًا: حديث: «لا صلاة بعد الصبح» قد يستثنى منه أشياء بالنفي وبالإجماع, وقد ذكر العلماء أن العموم إذا خص فإن دلالته على العموم تكون ضعيفة, بل إن بعضهم يقول: إذا خص العموم فإن دلالته على العموم تبطل, لكن الراجح أنها لا تبطل, وأنه لا يخرج من العموم إلا ما استثني بالتخصيص, إذن يستثنى من ذلك قضاء الفريضة, لا يستثنى من ذلك إعادة الصلاة, يعني: إذا جاء إنسان بعد أن صلى الفجر, ودخل المسجد, وصلى الناس؛ فإنه يصلي معهم ولو كان بعد صلاة الفجر, دليل ذلك أن النبي ﷺ حين انصرف من صلاة الصبح
следующие страницы →