← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

احتبس تجشيه لمرض أصابه، ثم تجشأ يومًا من الأيام فهذا يعتبر تجدد نعمة، وإذا كان تجدد نعمة فإن النعم يشرع الحمد لها أما التجشأ العادي فلا يشرع الحمد فيه. ومن فوائد الحديث: أنه لا يشمت غير المسلم؛ لقوله: "فليقل له أخوه" وكان اليهود يتعاطسون عند الرسول ﷺ لأجل أن يقول لهم: يرحمكم الله، ولكنه لا يقول لهم ذلك. إذن ماذا نقول لو أن الكافر عطس فحمد الله؟ ندعو له بالهداية فنقول: هداك الله. ومن فوائد الحديث: أنه يجب على من سمعه يقول: الحمد الله أن يشتمه فيقول: يرحمك الله. وجه الدلالة من الحديث: أن هذا مكافأة على معروف ما هو المعروف؟ كونه دعا لك بالرحمة، هذا يدل على أن الدعاء له بالرحمة واجب، وذلك مكافأة له على حمده لله ، فيؤخذ منه فائدة أخرى وهي أن من قام بشيء من العبادة، فإنه ينبغي أن يشجع عليه بكل وسيلة. ومن فوائد الحديث: أنه يجب على من سمعه يحمد الله أن يقول له: يرحمك الله، وقد يقال: إنه فرض كفاية؛ لأن قوله: "فليقل له أخوه" إذا قال واحد من الناس. فقد قال له أخوه لكن هنا حديث يقول كان حقًا على كل من سمعه أن يقول له: يرحمك الله، ومن ثم قال بعض العلماء: إن تشميت العاطس فرض عين. ومن فوائد الحديث: أن العاطس يجيب بما قال النبي ﷺ وهو يهديكم الله ويصلح بالكم وهل الواجب أن يقول الكلمتين أو تكفي إحداهما؟ ظاهر الحديث أن الواجب أن يقول الكلمتين: يهديكم الله ويصلح بالكم. في هذا الحديث لم يقل النبي ﷺ شيئًا حول ما يفعل العاطس لكن ورد حديث أنه ينبغي أن يضع يديه على وجهه؛ لئلا يرى، وبغض العلماء ذكر ما هو أعم فقال: ينبغي أن يغطي وجهه لأنه ربما خرج من أنفه شيء مستقذر تقزز النفوس منه.

стр. 3257

حكم الشرب قائمًا: ١٣٨٩ - وعنه رضيه الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يشربن أحدكم قائمًا». أخرجه مسلم. قوله: "لا يشربن" هذا نهي مؤكد بنون التوكيد، وقوله: "قائمًا" حال من فاعل "يشرب"، يعني: حال كونه قائمًا، إذن فليشرب قاعدًا ومضطجعًا لا بأس، لكن الإنسان له ثلاثة أحوال: إما قائم أو قاعد أو مضطجع، نهى النبي ﷺ عن الشرب قائمًا وورد في حديث جابر عند مسلم، زجر أن يشرب الرجل قائمًا، وهذا يدل على التحريم، ولكن قد وردت أحاديث تدل على أن النهي ليس للتحريم، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه شرب من ماء زمزم قائمًا، وثبت عنه أنه قام في الليل إلى شن معلق فشرب منه، قائمًا ومعلوم أن المحرم لا يستباح بمثل هذا الأمر السهل إذ إن المحرم لا تبيحه إلا الضرورة؛ لقوله تعالى: ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه﴾ ولهذا كان الصحيح أن الشرب قائمًا مكروه لكن كراهته شديدة وليس محرمًا بمعنى أن يأثم الإنسان به. فيستفاد من هذا الحديث: النهي عن الشرب قائمًا وقد علمتم الآن أن النهي هنا للكراهة فإن كان ثم حاجة فلا بأس مثل أن تكون الرادة مثلاً رفيعة وليس هناك إناء تتمكن من الشرب به وأنت قاعد فهنا لا بأس أن تشرب قائمًا للحاجة، ومثل ذلك إذا كان المكان ضيقًا وفيه زحام، كما يوجد في مواسم الحج، والجلوس ربما يؤذيك أو يؤذي غيرك فلا بأس أيضًا أن تشرب قائمًا، وهذا موجود بكثرة في المسجد الحرام. ومن فوائد الحديث: أن الشريعة الإسلامية ليست مقتصرة على العبادات كما زعمه بعضهم وقال: إن الشريعة الإسلامية تنظم الصلة بين الله والعبد، ولا تنظم الصلة بين العبد وبين الناس ولا تنظم حال الإنسان في أكله وشربه، فنقول: إن الشريعة الإسلامية شاملة لكل شيء، كل شيء يحتاج إليه الناس لمعاشهم ومعادهم فإن الشريعة بينته وفصلته، قال الله تعالى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء﴾ [النحل: ٨٩]. وهل بينت الشريعة آداب اللبس والخلع وغير ذلك؟ نقول: نعم، بينت هذا وسيأتي ذلك في الحديث القادم إن شاء الله - تعالى -.

стр. 3258

استحباب التيامن في التنعل: ١٣٩٠ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين، وإذا نزع فليبدأ بالشمال، ولتكن اليمنى أولهما تنعل، وآخرهما تنزع». أخرجه مسلم إلى قوله: «بالشمال» وأخرج باقيه مالك والترمذي وأبو داود. هذا من الآداب الشرعية في اللباس «إذا انتعل أحدكم» أي: لبس نعله "فليبدأ باليمين" "وإذا نزع فليبدأ باليسار"، والحكمة من ذلك أن الأصل هو البداءة باليمين إلا فيما هو نقص لها، فليبدأ باليسار، ولهذا أخذ العلماء من هذا قاعدة، فقالوا: تقدم اليسرى للأذى واليمنى لما سواه وقلنا: يقدم اليمين لما في ذلك من إكرامها بتقديمها باللباس تؤخر عند الخلع لما في ذلك أيضًا من إكرامها بإبقاء اللباس عليها، ويبدأ بالشمال من أجل تعريتها من اللباس قبل أن تتعرى اليمين وقوله ﷺ : «ولتكن اليمنى أولهما تنعل» قد يقول قائل: هل هذه الجملة مؤكدة لما سبق أو تفيد معنى آخر؟ والجواب: أن نأخذ بقاعدة معروفة، وهي إذا دار الكلام بين أن يكون توكيدًا أو تأسيسًا فالأصل أنه تأسيس؛ لأن التوكيد لا يفيد معنى جديدًا إذ هو المعنى الأول، لكنه مؤكدًا أما التأسيس فيفيد معنى جديدًا؛ إذن نقول: ولتكن اليمنى أولهما في النعل آخرهما تنزع فيه فائدة غير الأول وهو أنه يشير إلى أنه يلبس اليمنى لبسًا كاملا حتى وإن احتاجت إلى علاج كالربط ونحوه، فإن بعض النعال تحتاج إلى ربط لها سيور تربط بها، وإلا تسقط من الرجل، فإذا قدر أن هذه النعال تحتاج إلى عقد وربط نقول: لا تلبس اليسرى حتى تربط اليمنى، ولذلك نهى النبي ﷺ أن ينتعل الرجل قائمًا أرأيتم لما؟ لأن النعال في عهد الرسول ﷺ غالبها تحتاج إلى ربط، فإذا كان قائمًا انتعل قائمًا وأرد وأن يربطها إذا رفع رجله ربما يسقط على قفاه وإن خفض رأسه فكذلك أيضًا يكون على وجه غير مستطاع لذلك نهى ﵊ أن ينتعل الرجل قائمًا أما مثل نعالنا اليوم التي لا تحتاج إلى المعالجة فليس فيه نهي، المهم أن قوله: «ولتكن اليمنى أولهما تنعل وأخراهما تنزع» فيه معنى جديد غير الأول وهو: أنك لا تلبس اليسرى حتى (تلبس) اليمنى نهائيًا ثم البس اليسرى، إن احتاجت إلى عمل، قلنا: كمل العمل مثل ذلك الجوارب مثلاً لا تلبس جورب اليسرى حتى تكمل جورب اليمنى بأن تشده حتى يصل إلى منتهاه في الساق ولا يكفي أن تلبسه حتى تغطي القدم.

стр. 3259

ففي الحديث فوائد: أولاً: شمول الشريعة الإسلامية، حتى علم النبي ﷺ أمته كل شيء، وقد شهد الأعداء بذلك، قال رجل من المشركين لسلمان الفارسي: علمكم نبيكم حتى الخراءة قال: أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول وأن تستنجي باليمين وأن تستنجي بأقل من ثلاثة أحجار وأن تستنجي برجيع أو عظم، انظر إلى المشرك يقول: علمكم كل شيء وصدقه سلمان. ومن فوائد الحديث: تكريم اليمين بالتقديم، وانظر إلى الحكم الشرعي كيف وافق الحكم القدري فجعل الله تعالى اليمنى أقوى من اليسرى، هذا في غالب الناس وإن كان يوجد بعض الناس تكون يسراه أقوى، لكن هذا نادر بالنسبة للأكثر، فقدم الله اليمين قدرا وقدمها شرعًا. ومن فوائد الحديث: جواز ترك النعل لقوله: "إذا انتعل" ولكن هذه الفائدة فيها شيء من الخلفاء وقد تكون غير مقبولة؛ لأن قوله: إذا انتعل لا يدل على أن النعل واجب أو غير واجب إنما هو إذا فعل هذا الشيء، فهل الأفضل أن ينتعل الإنسان دائمًا أو الأفضل أن يحتفي دائمًا أو الأفضل أن يفعل ما هو الأرفق أو الأفضل أن يفعل هذا مرة وهذا مرة؟ الرابع والثاني يعني: مثلاً ينبغي للإنسان أن يحتفي أحيانًا، وينتعل أحيانًا لما رواه أبو داود أن النبي ﷺ كان ينهى عن كثرة الإرفاه، ويأمرهم بالاحتفاء أحيانًا، لكن أيضًا يلاحظ الأرفق لو قال الإنسان: أحتفي وأمامه أرض بها شوك فيها حجر حاد، هل نقول: الأفضل أن تحتفي هنا؟ لا، لأن لنفسك عليك حقًا والله يقول: ﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وءامنتم﴾ [النساء: ١٤٧]. فلا تعذب نفسك، لا تقل: والله أنا متعود على الخشونة وتمشي على أرض كلها شوك ما تخرج إلا وقدمك كلها مملوءة بالشوك، هذا غلط، لكن إذا كان لا يوجد ضرر، فالأفضل أن تحتفي أحيانًا وتنتعل أحيانًا. ومن فوائد الحديث: أن الإنسان ينبغي له إحكام الشيء؛ لقوله: "أولهما تنعل" لأن معنى "تنعل" تصلح حتى تكون نعلاً مستقيمًا، وهذا شامل لكل اللباس، كل اللباس ينبغي للإنسان أن يتقنه إذا تلبس به، وهل من إتقانه أن يزر الإنسان إزراره؟ نعم، هذا من الإتقان، ولكن قد روي عن النبي ﷺ أنه كان ذات يوم قد فتح إزاره، فهل نقول: إن هذا من السنة؟ الجواب: لا.

стр. 3260

ظن بعض الناس أن هذا من السنة وصار يرى من التقرب إلى الله والتعبد له أن يفك إزاره، ولكن هذا من سوء الفهم، وهذا من أكبر ما يكون ضررًا على الإنسان، يعني: أن يسوء فهمه للنصوص، فمثلاً هل من المعقول أن الرسول ﷺ يصنع أزارير لا يزرها؟ لأن الرسول ما وضع أزارير في قميصه إلا ليزرها وإلا فما الفائدة؟ فإذا رآه أحد في يوم من الأيام أنه فك إزراره فيغلب على الظن جدًا أن ذلك لسبب إما أن يكون من شدة الحرارة أو لحرارة في صورة يحتاج إلى ترويح وتبريد أو لنسيان، أو لغير ذلك من الاحتمالات الكثيرة وإذا وجد احتمال واحد سقط الاستدلال، فكيف إذا وجد احتمالات كثيرة، ونحن يغلب على ظننا أن الرسول وضع أزارير لمجرد النظر أن ينظر أن له أزارير بل يشدها، ولكن كما قلنا: إن بعض الناس يفهم النصوص على وجه ليس بصواب، إذن نقول: ينبغي للإنسان أن يتقن ما يلبس. من أين أخذناه؟ من قوله: "تنعل" يعني معناه أنها تنعل تمامًا هل يقاس على النعال ما سواها في مسألة البداءة باليمين عند اللبس وباليسار عند الخلع؟ الجواب نعم؛ لأن القياس هنا ظاهر جلي، البدء باليمين إكرامًا لها، وعند الخلع باليسار إكرامًا لليمين لتكون هي الآخرة في إزالة اللباس عنها مثل: ذلك، إذن لو أراد الإنسان أن يلبس القميص فبأي الأكمام يبدأ؟ باليمين وإذا أراد خلعه فليبدأ باليسار، والسؤال أهمس به في كل أذن واحد منكم هل أنت تفعل هذا؟ على كل حال الشيطان ينسي الإنسان كثيرًا، لكن من الآن - إن شاء الله - تفطن لهذا، إذا أردت أن تلبس ابدأ باليمين وإذا أردت أن تخلع اخلع اليسار، أنا أشاهد كثيرًا من الناس الآن عندما يريد أن يخلع نعليه لا يبالي يخلع اليمين يخلع اليسار، فكن منتبهًا عندما تريد خلع النعل ابدأ بالشمال وعندما تريد أن تلبس فابدأ باليمين، لكن هنا سؤال وهو إذا كان الإنسان يريد أن ينتقل من نعل إلى نعل، يعني: يريد أن يخلع نعل الوضوء ويلبس النعل الذي يخرج به إلى السوق، ماذا يصنع؟ هل نقول: ابدأ بالخلع باليسار حينئذ يدخل اليسار في النعل الأخرى قبل اليمين أو نقول بالعكس؟ إذا قلنا: ابدأ باليمين أخلع اليمين أولاً من أجل أن تلبسها أولاً في النعل الأخرى صار الآن فعل خلاف السنة لتحصيل السنة، لكن إذا قلنا: اخلع اليسرى أولاً فعل سنة مقصودة بذاتها ثم يكون عدم فعلة للسنة الثانية من أجل العجز فيبدأ أولاً بالسنة الأولى، وهي خلع الشمال ثم إن تيسر له أن يبدأ باليمين في لبس النعل الثانية كذلك، وإلا سقط عنه للعجز.

стр. 3261

النهي عن المشي في نعل واحد: ١٣٩١ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يمش أحدكم في نعلٍ واحدةٍ، ولينعلهما جميعًا، أو ليخلعهما جميعًا». متفق عليه. قال: "لا يمش .... " الخ هذا أيضًا من الآداب لا تمش في نعل واحدة ولكن إما أن تلبسها جميعا وإما أن تخلعهما جميعًا، وظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن يكون مشيه في نعل واحدة عن قرب أو عن بعد، أحيانًا تكون النعل قد ضعفت قليلاً عن الأخرى، فيلبس النعل ويمشي خطوة أو خطوتين ليلبس الأخرى، ولكن الحديث يدل على أنه لا يفعل هذا. ففي الحديث فوائد: أولاً: النهي عن لبس النعل في رجل واحدة لقوله: «لا يمش أحدكم في نعل واحدة» ويستثنى من ذلك ما إذا كانت هناك ضرورة، مثل: أن تكون إحدى الرجلين فيها جروح لا يتمكن معها من لبس النعل، فهنا نقول: لا بأس أن تمشي في نعل واحدة؛ من أجل الضرورة؛ أو تكون الرجل الأخرى فيها جبس لا يمكن أن ينتعل نقول: هذا أيضًا للضرورة، فإن قال قائل: ما الحكمة من ذلك؟ نقول: ذهب بعض أهل العلم إلى أن الحكمة من ذلك هو العدل بين أعضاء البدن، فلا يمكن أن تجعل بعض البدن منتعلاً وبعضه حافيًا. ومن فوائد الحديث: جواز الانتعال وعدمه تؤخذ من قوله: «ولينعلهما جميعًا أو ليخلعهما جميعًا» وهذه للتخيير فيجوز للإنسان أن ينتعل، ويجوز أن يمشي حافيًا فإن قال قائل: مشي الإنسان اليوم حافيًا يكون محل انتقاد، نقول: نعم هو يكون محل انتقاد من المترفين لكنه محل إعجاب من الحريصين على اتباع السنة، والمترف سوف ينظر إلى من يمشي حافيًا نظرة استنكار، لكن الذي يريد السنة ينظر إليه نظر إعجاب حيث طبق مما كان من سنة الرسول ﷺ وهل مثل ذلك أن يلبس نظارة واحدة في عين الأخرى؟ قد يحتاج الإنسان لذلك، فقد تكون العين مريضة بحيث تحتاج إلى ما يحفظها من الهواء والشمس، والأخرى ليست كذلك، لكن إنسان يلبس نظارة مفتوحة من إحدى عينيه وثابتة من الثانية أنا عندي أنه أشد من الرجل؛ لأنك إذا مشيت بين الناس في هذه الحال فسوف ينتقدونك ويقولون هذا الرجل ما الذي بلاه؟ فلذلك لا يلبس نظارة واحدة في عين دون الأخرى وهل مثل ذلك سماعة إحدى الأذنين دون الأخرى؟ الظاهر لا، وإن كنا نميل إلى أنه ينبغي أن يساويهما، لكن ليس منهيًا عنه، وهل مثل ذلك ما تصنعه بعض النساء اليوم تجد إحدى اليدين مملوءة بالحلي والأخرى ليس فيها شيء أو ليس فيها إلا الساعة فقط؟

стр. 3262

الجواب: الظاهر نعم؛ لأن العادة منذ عهد الرسول ﷺ وإلى الآن فيما نعلم أن الحلي يكون في البدين جميعًا أو في الرجلين جميعًا ﴿ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن﴾ [النور: ٣١]. لكن الآن اتخذ بعض النساء ما يسمونه بالموضة الجديدة فصار بعضهن مملوءة يدها بالحلي والأخرى ليس فيها شيء أو فيها الساعة، تكون الأخرى غنية جدًا، والثانية فقيرة معدومة، ولهذا لو أن هذا جرى في زمن سابق لقال الناس: إن هذه المرأة ليس عندها شيء فقيرة لم تقدر إلا على يد واحدة. حكم إسبال الثياب: ١٣٩٢ - وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء». متفق عليه. "لا ينظر": يعني نظرة رحمة وعطف، وإن كان النظر العام شامل لكل أحد، لكن النظر الخاص - نظر الرحمة - ينتفي عن مثل هذا، "لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء" والثواب يطلق على كل ملبوس من إزار وسراويل وقميص وغيرها، وقوله: "خيلاء" أي: بطرًا وإعجابًا وفخرًا، وهذا النفي وعيد على من جر ثوبه خيلاء. فيؤخذ منه فوائد: أولاً: إثبات النظر لله ؛ لأن نفيه عمن اتصف بصفة يدل على ثبوته في خلاف ذلك كما استدل العلماء بقوله تعالى: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ [المطففين: ١٥]. على ثبوت النظر إلى الله لأنه لما حجب هؤلاء في حال الغضب فإنه لن يحجب الآخرين في حال الرضا. ومن فوائد الحديث: أن جر الثوب خيلاء من كبائر الذنوب، وجهه: الوعيد؛ لأن كل ذنب ختم بوعيد فهو من كبائر الذنوب. ومن فوائده: أن من جره لغير خيلاء فإنه لا يستحق هذا الوعيد؛ لأن تقييد الحكم بوصف يستلزم انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف، وهذه قاعدة مفيدة لطالب العلم، إذا علق الحكم بوصف فإنه يستلزم انتفاء الحكم لإنتفاء ذلك الوصف، الحكم الموجود ما هو؟ نفي النظر عمن جر ثوبه خيلاء، والوصف أن يكون الجر خيلاء فإذا كان لغير خيلاء فإنه لا يستحق هذا الوعيد، ولكن وكما يبقى أن ننظر هل الإسبال حرام أو ليس بحرام؟ نقول: إذا كان من غير قصد وتعاهده الإنسان ورفعه فإنه ليس بحرام، دليل ذلك أن أبا بكر الصديق ﵁ قال يا رسول الله إن أحد شقي إزاري يرتخي علي إلا أن أتعاهده، فقال:

стр. 3263

«إنك لست مما يفعل ذلك خيلاء»، وإن كان عن قصد وليس خيلاء فعليه عقوبة لكنها دون انتفاء النظر وهي قوله ﷺ : «ما أسفل من الكعبين ففي النار»، وهذه عقوبة ليست كعقوبة انتفاء النظر بل هي أقل وأهون لأن هذا يقتضي أن يكون عذابه على ما حصل فيه المخالفة وهو ما كان أسفل الكعبين. إذن لدينا ثلاث حالات: الحال الأولى: أن يكون فوق الكعبين وهذا جائز، وأكمله أن يكون إلى نصف الساق، الثانية: أن يكون أنزل من الكعبين لغير خيلاء فهذا حرام بل من الكبائر، لكن العقوبة عليه أخف من العقوبة على من جر ثوبه خيلاء؛ لأنه يعذب قدر ما حصل من المخالفة، الثالثة: أن يجره خيلاء فهذا هو الذي عليه هذا الوعيد الشديد أن الله تعالى لا ينظر إليه، وفي حديث أبي ذر الذي رواه مسلم: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم» فذكر ثلاث عقوبات أن لا يكلمهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم إضافة أنه لا ينظر إليهم، قالوا: من هم يا رسول الله خابوا وخسروا، قال: «المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب»، فإن قال قائل: ألا يمكن أن نقيد حديث «ما أسفل من الكعبين ففي النار» بحديث لا ينظر الله على من جر ثوبه خيلاء فالجواب لا يمكن؛ لأن المسألة هذه فيها اختلاف العملين واختلاف الحكمين وإذا اختلف العملان والحكمان فلا تقييد لأحدهما بالآخر؛ لأنه لو قيد لزم تكذيب أحدهما بالآخر وإنما يقيد إذا كان الحكم واحدًا وإن اختلفا في السبب، وعلى هذا فنقول: لا تقييد وأن ما أسفل من الكعبين ففي النار سواء كان خيلاء أو غير خيلاء؛ لأنك لو قيدته بأنه ما كان أسفل من الكعبين ففي النار إذا كان خيلاء تناقض الحديثان، كيف ذلك؟ هذا يقول: لا ينظر الله إليه، وهذا يقول: ما أسفل من الكعبين ففي النار، وإذا كان يختلف الحكم تعذر أن نحمل أحدهما على الآخر، إذ إنه يلزم منه التناقض بين الخبرين، ووجه ذلك ما ذكرت، لكن الآن ما أسفل من الكعبين ففي النار، العمل نزول الثوب عن الكعبين لغير خيلاء، ثانيا: الحكم في النار، من جره خيلاء هذا عمل غير الأول هذا جره خيلاء، الحكم: لا ينظر الله إليه: لو قلت: ما أسفل من الكعبين المراد إذا كان خيلاء معناه أن أحد الخبرين صار غير صحيح مناقض للآخر؛ لأن جزاء ما كان أسفل من الكعبين النار فقط ولم ينتف عنه النظر، وجزاء من جره خيلاء انتفاء النظر وهذا أشد، وعلى هذا فلا يمكن أن يقيد أحدهما بالآخر، بل كل واحد منهما عمل مستقل وعقابه مستقل، يستثنى

стр. 3264

من قوله: «من جر ثوبه خيلاء» النساء فقد رخص لهن بأن تجر المرأة ثوبها إلى زراع لئلا تتكشف أقدامهن، فإن النبي ﷺ روجع في ذلك فأذن إلى ذراع وكنا نعهد أن النساء يرخين أذيال ثيابهن إلى نحو ذراع، تجد المرأة ذيل ثيابها وراءها، أما الآن فالمرأة في بعض البلاد الإسلامية إلى نصف الساق ينكشف القدم ونصف الساق وربما ارتفع فوق ذلك أيضًا فصارت المسألة بالعكس مع أن بعض الرجال يجر ثوبه على شبر تقريبًا فصار لباس الرجال للنساء ولباس النساء للرجال، هل يقاس على الثوب ما سواه؟ مثلاً يكون خيلاء في العمامة؟ الجواب نعم، يقاس عليه وقد جاء فيه حديث عن النبي ﷺ ، فالعمامة ممكن أن يكون فيها خيلاء بتكبيرها بحيث يجعلها عشر ليات أو عشرين لية، ثانيًا بتطويل الذؤابة، حتى تصل قريبًا من الأرض هذه خيلاء، وقد نص على ذلك أهل العلم، وهل يقاس على ذلك الأكمام؟ الجواب: نعم، فإن بعض الناس يكون عنده خيلاء في الأكمام نجد كمه واسعًا جدًا على سعة قميصه هذا خيلاء، إذن ما هو الضابط؟ الضابط ما خرج عن العادة فهو خيلاء سرف وخيلاء سواء في العمامة، أو في المشلح أو في الثوب أو في الإزار أو في القميص؛ لأن النبي ﷺ إذا ذكر الإزار مثلا ليس معناه الاقتصار عليه بل هذا كالمثل، أو لأنه في عهده غالب الناس يلبس الإزار. النهي عن الأكل والشرب بالشمال: ١٣٩٣ - وعنه ﵁، أن رسول الله عليه وسلم قال: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله». أخرجه مسلم. قوله: "إذا أكل" الأكل هل الإنسان يتناوله بمقتضى الطبيعة؟ نعم، إذن فليس هناك سنة في نفس الأكل؛ لأن الإنسان يتناوله بمقتضى الطبيعة، لكن لو فرض أنه أضرب عن الطعام صار الأكل في حقه حينئذٍ واجبًا لإنقاذ نفس، وإذا مات في حال إضرابه فقد قتل نفسه، فيكون في النار خالدًا فيها مخلدًا، الأكل يكون بمقتضى الطبيعة ومقتضى الطبيعة ليس فيه تأس كما عرف ذلك من أفعال الرسول ﷺ ، لكن قد يكون هذا الشيء الذي هو مقتضى الطبيعة والجبلة يكون له صفات مشروعة منها الأكل

стр. 3265

باليمين؛ ولهذا قال: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه»، الشرب باليمين هذا سنة كونك تتناول الأكل باليمين والشرب باليمين، هذا من السنة المأمور بها، وسيأتي في الفوائد ثم علل النبي ﷺ الأمر بذلك لأن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله، ونحن منهيون عن إتباع خطوات الشيطان ﴿يأيها الذين ءامنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر﴾ [النور: ٢١]. ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين﴾ [البقرة: ١٦٨]. وإذا كان كذلك فلن يقدونا إلا إلى الشر. في هذا الحديث فوائد: أولاً: إكرام اليمين؛ لأننا أمرنا أن نأكل بها، ومعلوم أن الأكل غذاء للبدن، فيكون المتفضل بالغذاء هي اليد اليمنى، ثانيًا: وجوب الأكل باليمين، إذا قال قائلك من أين أخذت ذلك؟ قلنا: من كون الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله، نقول: الأمر هنا للوجوب، ويؤيد ذلك أنه ورد بصيغة أخرى "لا يأكل بشماله ولا يشرب بشماله"، فاجتمع فيه الأمر بالأكل باليمين والنهي عن الأكل بالشمال، إذن الأكل باليمين واجب، الشرب باليمين واجب القاعدة الشرعية أن الواجب يسقط مع العجز فإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يرفع يده اليمنى لشلل، أو مرض جاز له أن يأكل بالشمال للضرورة. ومن فوائد الحديث: تحريم الشرب بالشمال، وإذا كان كذلك فإن المحرم لا يرتفع التحريم فيه إلا للضرورة؛ لقوله تعالى: ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه﴾ [الأنعام: ١١٩]. وعلى هذا يتبين خطأ أولئك القوم الذين إذا احتاجوا إلى الماء على الطعام أخذوه بشمالهم، هذا لا يجوز، يدعي أنه يلوث الكأس أو الإناء، جوابنا على هذا أن نقول: أولاً: يمكن أن تمسك باليمين بدون تلويث فالكأس مثلاً ممكن أن تجعله بين الإبهام والسبابة وتمسكه من أسفل، هذه واحدة، ثانيا في الوقت الحاضر كثير من الناس يشربون من كئوس لا يشرب منها غيرهم، وهي البلاستيك يشرب بها وترمى، وإذا لوثها يلوثها على من؟ لا أحد، ثالثًا: لو قدرنا أنك لوثتها فهل تتلوث بنجاسة؟

стр. 3266

تتلوث بطعام، وليس في ذلك أكثر من المرأة أو الخادم تغسل الإناء، وهل تلوث الإناء بالطعام يضطر الإنسان إلى أن يشرب بالشمال؟ لا لكن التهاون تهاون الناس وتقليد بعضهم بعضًا هو الذي جعلهم يقدمون على هذا العمل المحرم. ومن فوائد الحديث: أن الشيطان يأكل ويشرب؛ لقوله: «فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله»: وهذا له أدلة كثيرة منها: أن الإنسان إذا لم يسم الله على الأكل والشرب شاركه الشيطان في ذلك، كما ثبت عن النبي ﷺ ، ومنها قصة أبي هريرة مع الشيطان حين جاء وأكل من الطعام وقال: إنه ذو حاجة عيال، وينبي على هذه الفائدة أن الشيطان له جرم، وهو كذلك، فيشكل على هذا كيف يكون له جرم والنبي ﷺ يقول: إنه يجري من ابن آدم مجرى الدم كيف ذلك؟ والإنسان لا يشعر بأن الجرم يجخل في عروقه، أجاب بعض العلماء الذين ينحون إلى تحيكم العقل قالوا: إنه لا يجري حقيقة في العروق، ولكنه يجري في الوساوس، يعني: يوسوس للإنسان، وأن قول الرسول ﷺ «يجري من ابن آدم مجرى الدم» يعني: يوسوس له حتى يصل إلى قلبه الذي يصل إليه الدم، ولكن هذا خلاف ظاهر اللفظ، ونحن نقول: يجري حقيقة أليس في الدم كريات تجري في الدم ألا يمكن أن الشيطان يتصاغر حتى يكون مثل هذه الكريات ويدخل؟ ممكن، فهذا غير مستحيل عقلاً، وعلى هذا فالشيطان يمكن أن يتلبس ويكون بصورة الآدمي، ويكون بصورة أخرى، ويكون صغيرًا بحيث يجري من العروق من غير أن يشعر به الإنسان. ومن فوائد الحديث: النهي عن التشبه بالكفار لأننا نهينا عن التشبه بالشيطان والشيطان رأس الكفر وهذا نقوله من باب تعدد الأدلة على النهي عن التشبه بالكفار، وإلا فقد وردت الأدلة صريحة في أن الرسول نهى عن التشبه بالكفار، وقال: «من تشبه بقوم فهو منهم». ومن فوائد الحديث: نصح النبي ﷺ للأمة حين أرشدهم إلى هذا الأمر الذي يخفى عليهم وهو أنه أمرهم أن يأكلوا باليمين ويشربوا باليمين، وأخبرهم أن الشيطان يأكل بالشمال ويشرب بالشمال، ونحن لا علم لنا في هذه الأمور إلا عن طريق الوحي.

стр. 3267

النهي عن الإسراف في كل شيء: ١٣٩٤ - وعن عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «كل، واشرب، والبس، وتصدق في غير سرفٍ ولا مخيلةٍ». أخرجه أبو داود، وأحمد، وعقله البخاري. "السرف" تجاوز الحد و"المخيلة" يعني: الخيلاء، وهي الإعجاب والبطر والأشر وما أشبه ذلك، قوله: «كل واشرب والبس وتصدق» محط الفائدة إلى الآن لم يأت، يقول: «في غير سرف ولا مخلية»، هذه محط الفائدة، لكن يمكن أن يكون فيه إسراف، وهل هو في زيادة المعروض أو زيادة المأكول أو فيهما جميعًا؟ فيهما جميعًا، قد يكون السرف في زيادة المعروض بحيث يدعو شخصين أو ثلاثة ويعرض ما يكفي لعشرين، هذا إسراف، وما أحسن ما وقع لي مع بعض الناس، كان عندنا أناس من علماء الباكستان فقدمنا الغداء على عادتنا، هم ثلاثة ونحن اثنان خمسة قدمنا ثلاثة (أطباق) رز فلما دنونا من السفرة أخذوا اثنين ووضعوهما في الخارج، لماذا؟ قالوا: إذا انتهينا من هذا أحضرناه، فتعجبنا، أناس من غير العرب يقتصدون هذا الاقتصاد، وهذا حقيقة، لماذا نحضر أطباقًا ثلاثة لخمسة نفر؟ ! لكن لا أدري لو أنا دعونا خمسة أنفار وأعطيناهم ثلاثة (أطباق) ماذا يكون؟ على كل حال الأكل من غير إسراف، الإسراف هنا مجاوزة الحد في المعروض أو في المأكول، في المأكول، أن الإنسان يأكل حتى يملأ بطنه ملأ شديدًا فإن بعض الناس يأكل حتى يملاً بطنه يكاد تنفجر، ثم إذا انتهى ماذا يعمل يقول: ابحث عن مهضم فيتعب في إدخاله ويتعب في إخراجه، والرسول ﷺ يقول: «حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه» وشيخ الإسلام رحمه لله يقول: إن الأكل إذا خاف الإنسان أن يتأذى به صار حرامًا، وكذلك إذا خاف التخمة يعني: تغير المعدة برائحة كريهة من أجل إدخال الطعام بعضه على بعض فإنه يكون حرامًا، مع أنه من الطيبات لكن هذا يكون حرامًا لأنه إسراف وأذى، أيضًا، إلبس من غير إسراف في اللباس إما في سرعة اللبس يعني: أن الإنسان في الصباح له ثوب جديد وفي المساء له ثوب جديد هذا إسراف أو الزيادة في الثمن أو الزيادة في العدد هذا إسراف. ولكن لاحظوا أيضًا، لأن الإسراف في المأكول والمشروب والملبوس يختلف

стр. 3268

باختلاف الناس والأوقات، ولهذا قد يكون الأكل إسرافًا في حق قوم وغير إسراف في حق آخرين، كذلك في الثياب قد يكون هذا الثوب، إذا لبسه شخص يكون إسرافًا وإذا لبسه آخر لم يكن إسرافًا، أيضًا يدخل في اللبس الإسراف في العدد مثلاً إنسان - وهذا أكثر ما يكون في النساء - يمكن أن يكفيها سوار أو سواران يحصل به التجمل، فتأتي بعشرة أسوار! ! هذا إسراف، وفيه أيضًا قلوب الآخريات الآتي لا يجدن من الذهب، وقوله: «تصدق في غير مخيلة» لأن الإنسان قد يتصرف خيلاء وإعجابا ورياء، لكن في غير سرف هل الصدقة إسراف؟ نعم كيف ذلك؟ أن يقصر في الواجب ويتصدق بالمندوب، نقول: هذا حق ولا نقول هذا إسراف نقول: هذا قدم النفل على الواجب، ولا بأس أيضًا أحيانًا أن يتصدق الإنسان بكل ما يملك إذا وثق بنفسه أنه لن يسأل الناس، كما فعل أبو بكر ﵁ لكن عندي - والله أعلم - أن يقال: إما أن المعنى أنه يزيد على حاجة المعطي هذا يكفيه، أو يقال أن قوله: "من غير سرف" عائدة على الأكل والشرب واللبس، أما الصدقة فيعود عليها قوله: "ولا مخيلة"، فتكون من غير سرف ولا مخيلة يعود على الأكل والشرب واللبس وأما الصدقة فتختص بالمخيلة أن يتصدق خيلاء وإلا فلاشك أن الإنسان ينبغي له أن يبذل من الصدقة، وكل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة. في هذا الحديث قاعدة مهمة جدًا في الاقتصاد، يعني: أن الإنسان يأكل ويشرب ويلبس ويتصدق لكن على وجه لا إسراف فيه ولا مخيله، ففيه إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يكون مقتصدًا في إنفاقه وهو كذلك، ولهذا يقال في المثل ما عال من اقتصد يعني ما افتقر من اقتصد، ويقال: الاقتصاد نصف المعيشة، وكثير من الناس لا يهتم بالإنفاق، متى وقع في يده قرش أنفقه، وهذا غلط؛ لأن الإنسان ينبغي أن يكون معتدلاً، ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يفتروا﴾، وفيه أيضًا الإشارة إلى الضروريات الدينية والدنيوية، الأكل والشرب واللبس من الضرورات الدنيوية والصدقة مما يحتاج إليه الإنسان في الآخرة لقول النبي ﷺ : «كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة». والإنسان محتاج يوم القيامة إلى ظل. ومن فوائد الحديث: وجوب اجتناب الإسراف والخيلاء لقوله: «من غير سرف ولا مخيلة».

стр. 3269

٢ - باب البر والصلة البر للوالدين والصلة للأقارب والبر: كثرة العطاء، والصلة: مجرد وصول العطاء، إذن فالبر أعمق وأكثر؛ ولهذا خص بالوالدين، أما الصلة فهي ألا يكون هناك انقطاع وهي دون البر فصارت بالأقارب ثم من الأقارب الذين تطلب صلتهم؟ الأقارب هم من شاركك في الجد الرابع فما تحته، وهؤلاء هم قرابة الرسول ﷺ الذين لا تحل لهم الصدقة، وأما من قال: إن الأقارب هم فروع جدك أو فروع أبيك ففيه نظر؛ لأن هذا يجعل الأقارب قليلين جدًا، ومن قال: هم كل من ينتسب إليك فقد وسع الأمر، فأقرب شيء في هذا أن يقال: الأقارب من التقوا بك في الجد الرابع فما أدون. البركة في العمر والرزق بصلة الرحم: ١٣٩٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أحب أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأله في أثره، فليصل رحمه». أخرجه البخاري. "من": شرطية، وفعل الشرط "أحب" وجوابه: "فليصل رحمه". من "أحب أن يبسط"، يعني: من أحب أن يوسع، كما قال الله تعالى: ﴿الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر﴾ [الرعد: ٢٦]. "في رزقه" أي في عطائه، والمتبادر أنه زرق ما يقوم به البدن من طعام وشراب ولباس ومسكن ونحو ذلك، وربما يقال: إنه يشمل ما يقوم به البدن وما يقوم به الدين من علم نافع وإيمان وعمل صالح "وأن ينسأ له في أثره ينسأ" أي: يؤخر ومنه قوله تعالى: ﴿إنما النسئ زيادة في الكفر﴾ [التوبة: ٣٧]. يعني: التأخير، "في أثره" أي: في أجله؛ لأن الأثر هو الأجل؛ لكونه يكون بعد موت الإنسان "فليصل رحمه"، وصلة الرحم أن يوصل إليها الخير، لكن لا على وجه السعة والتوسع، لأنه إذا كان كذلك صار برًا، هذا الحديث حث عظيم على صلة الرحم؛ لأن كل واحد من الناس بطبيعته وفطرته يحب أن يبسط له في الرزق وكل إنسان بطبيعته وفطرته يجب أن يؤخر موته ويمد له في الأجل، فهذا من أبلغ الترغيب والحث على صلة الرحم فيستفاد منه الترغيب في صلة الرحم. ومن فوائده أيضًا: أن صلة الرحم سبب لكثرة الرزق وطول الحياة؛ لقوله: «أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره». ومن فوائد الحديث: إثبات الأسباب؛ لأن الرسول ﷺ جعل سببا ومسببًا، السبب صلة الرحم والمسبب بسط الرزق وطول الأجل أو طول البقاء، فإن قال قائل: ما الجمع بين هذا

стр. 3270

الحديث وبين قوله تعالى: ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ [الأعراف: ٣٤]؟ قلنا: أصلاً لا معارضة، ومراد النبي ﷺ بهذا الحث على صلة الرحم، ثم إن وصل الإنسان رحمه علمنا أنه قد كتب أنه واصل وأن أجله إلى الأمد الذي قدره الله له بسبب صلة الرحم، وليس في هذا إشكال، والعجب أن كثيرا من العلماء أشكل عليهم هذا الحديث إشكالاً عظيمًا حتى أدى بعضهم إلى أن يقول: إن الأجل أجلان أجل للقاطع وأجل للواصل، وهذا غير صحيح بل نقول: أليس الرسول قد قال: «من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه» فجعل للجنة سببًا وحث الناس عليه مع أن من كان من أهل الجنة فهو من أهل الجنة، لكن بهذا السبب، كذلك أيضًا الأجل إذا وفق الله هذا الرجل للصلة علمنا أن أجله قد امتد بسبب الصلة فمثلاً على فرض أن إنسانًا لم يصل رحمه وكان عمره خمسين سنة، إذا وصل رحمه يكون عمره أكثر مثلاً خمس وخمسين، هل في هذا معارضة في كون الإنسان إذا جاء أجله لا يتقدم ولا يتأخر؛ لأن أصل الأجل الذي هو خمس وخمسون أصله مكتوب من أول على أن هذا الرجل سوف يصل الرحم، ولا إشكال كذلك أيضًا يقال في الرزق: «ومن أحب أن يسبط له في رزقه فليصل رحمه» إذا قال: الرزق مكتوب يكتب على الجنين رزقه وأجله وعمله وشقي وسعيد وهو في بطن أمه قلنا: نعم، لكن قد كتب له هذا الرزق المعين وصلة الرحم كلاهما مكتوب لكن كون الإنسان قد كتب رزقه وأجله وكتب صلته هو لا يعلم بذلك إذن فمقصود الرسول ﷺ بهذا الحث على صلة الرحم، كذلك لو قلت من أحب أن يولد له فليتزوج، من يولد له بلا زوجة هل نقول مثلاً: إن كان الله قد قدر أنه يولد له فإنه سيولد له، نقول: لا، لا يولد له إلا أن يتزوج فالمسألة لا إشكال فيها إطلاقًا صحيح في أول وهلة قد يظن الظان أن الأجل يمتد وهو قدر أن الرزق يتوسع وهو قد قدر له رزق طيب نقول: لا هذا مرتبط بما في علم الله ، المهم: أن هذا في حث على صلة الرحم وأنها سبب لكثرة الرزق وطول الأجل.

стр. 3271

النهي عن قطع الرحم: ١٣٩٦ - وعن جبير بن مطعم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل الجنة قاطع» يعني: قاطع رحمٍ. متفق عليه. المؤلف ﵀ بدأ بالترغيب ثم بالترهيب وأيهما أولى: أن نبدأ بالترهيب ثم الترغيب أو العكس؟ الترغيب في الواقع البداءة به ينشط الإنسان ينشط على العمل؛ لأنه يرجو هذا الذي حصل من الثواب ثم يقال: احذر أن تخالف فيحصل لك العقوبة، لكن لو بدأته من أول بالعقوبة ربما يكون عنده شيء من النفور فيرغب أولا ثم يحذر من التقصير، يقول ﷺ : «لا يدخل الجنة قاطع» أي: قاطع رحم، وهذا تحذير شديد من قطيعة الرحم، وأنه سبب لعدم دخول الجنة كما أنه سبب للعنة والطرد والإبعاد عن رحمة الله، قال الله تعالى: ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم﴾ [محمد: ٢٢، ٢٣]. وقال تعالى: ﴿والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار﴾ [الرعد: ٢٥]. ففي الحديث إذن الترهيب من قطيعة الرحم، وما هي قطيعة الرحم؟ ألا يصل إليهم خير منه، فيشمل ما إذا لم يصل الخير، وما إذا وصل الشر، فالإنسان بالنسبة لأرحامه أي: لقرابته له ثلاث حالات إما أن يصل، وإما أن يقطع بلا إساءة، وإما أن يسيء أيهما أشد؟ المسيء والقاطع محروم من دخول الجنة، والواصل قد تكفل الله تعالى بصلته؛ لأنه تكفل للرحم أن يصل من وصلها. فإن قال قائل: ما هو الواصل وما هو القاطع؟ قلنا: قد بينه الرسول ﷺ أتم بيان فقال: «ليس الواصل بالمكافئ إنما الواصل هو الذي إذا قطعت رحمه وصلها»: أما الذي يقول إن وصلوني وصلتهم وإن قطعتموني قطعتهم فهذا ليس بواصل إنما هو مكافئ؛ لأن كل إنسان بمروءته وطبيعته السليمة إذا وصله أحد من الناس ولو كان بعيدًا فإنه سوف يصله مكافأة، فإذا كان الرجل يقول: إذا لم يزرني لا أزوره وإذا لم يهد إلي لا أهدي إليه، وإذا لم يعدني وأنا مريض لن أعوده، وهو قريبه، نقول: أنت الآن غير واصل، إذا كنت واصلاً فصل الرحم سواء وصلوك أو قطعوك، فإن قال قائل: الحديث يدل على أن القاطع لا يدخل الجنة، والمعروف أن الخلود في النار لمن كان كافرًا، فهل القاطع كافر؟

стр. 3272

لا، إذن كيف يستقيم الكلام؟ يستقيم الكلام بأن نقول: دخول الجنة على وجهين: الوجه الأول: الدخول المطلق الكامل الذي لم يسبق بعذاب، والدخول الثاني: مطلق دخول، يعني: قد يسبق بعذاب إلى أجل، الله أعلم به فأيهما المراد هنا؟ الثاني، فالانتفاء هنا يعني: أنه لا يدخل الدخول المطلق الذي لم يسبق بعذاب، بل لابد أن يكون هناك عذاب على قطيعة الرحم، ثم ماله إلى الجنة، فإذا قال قائل: هل هذا الإطلاق مقيد؟ قلنا: نعم، مقيد بقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ١١٦]. وعلى هذا فمن الممكن أن يغفر لقاطع الرحم ويدخل الجنة، فإن قال قائل: إذا قلتم هذا بهذا الترتيب عدمت الفائدة من هذا الوعيد؛ لأنك إذا قلت: لا يدخل الدخول المطلق بل دخوله مقيد مسبوق بعذاب وهو مطلق الدخول ثم قلت: إن هذا الوعيد يمكن أن يرتفع بمغفرة الله لقوله: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ... ﴾ الآية، إذن ما الفائدة؟ قلنا: الفائدة هي أن كون الذنوب التي دون الشرك تحت مشيئة الله فيها خطر على الإنسان، من الذي يضمن أن الله شاء أن يغفر له؟ لا أحد، إذن فالوعيد محقق والخطر محقق، لكن قد يعفو الله - تعالى - عن الإنسان بفضله وكرمه. في هذا الحديث: دليل على أن قطيعة الرحم من كبائر الذنوب؛ لأنه رتب عليها عقوبة في الآخرة. النهي عن عقوق الوالدين: ١٣٩٧ - وعن المغيرة بن شعبة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعًا وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال» متفق عليه. ثلاث وثلاث، ثلاث عبر عنهن النبي ﷺ بأن الله حرمها وثلاث بأن الله كرهها فهل هناك فرق في الحكم بين هذه وهذه؟ أو هو اختلاف في التعبير؟ الجواب: الثاني، اختلاف في التعبير؛ لأن الله إذا كره شيئًا فهو حرام، كما قال تعالى - حين ذكر كثيرًا من المحرمات: ﴿كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروهًا﴾ [الإسراء: ٣٨]. نقول: الحديث

стр. 3273

يقول: «حرم عليكم عقوق الأمهات» فما عقوق الأمهات؟ نقول: هو عدم القيام ببرهن تجب لها النفقة فلا ينفق، تجب مساعدتها في حاجتها فلا يساعدها، يجب تمريضها فلا يمرضها، المهم: أن العقوق قطع الصلة وهو عدم القيام بمصالحهن. "الأمهات" جمع أم ويقال: في بني آدم أمهات، وفي غيرهم: أمات، وهذا من الفروق، وقد يقال: أمهات في غير بني آدم، فإن قال قائل: لماذا نص على الأمهات؟ نقول: لأن الغالب أن القطيعة تكون بالنسبة لهن؛ لأن الوالد رجل يأخذ حقه بيده لكن المرأة مسكينة فيكون العق بالنسبة لها، وعقوق الآباء حرام، ولا فرق لكن نص على الأمهات لما ذكرنا. كذلك أيضًا "وأد البنات": دفنهن وهن أحياء، وهذا يقع بل قد وقع من الجاهليين، كان الواحد منهم إذا بشر بالأنثى ظل وجهه مسودًا وهو كظيم، يسود وجهه - والعياذ بالله - ويغتم، فتظهر عليه علامة الاستياء في وجهه وفي قلبه ثم في فعله ﴿يتوارى من القوم من سوء ما بشر به﴾ يتوارى بمعنى: يختفي يقوم من المجالس من سوء ما بشر به ثم يتردد: أيمسكه على هون فيهينه ويدله يعني: المرأة يذلها ويهينها أم يدسه في التراب: يعني: الوأد، وكانوا يفعلون ذلك - والعياذ بالله - حتى قيل: إن بعضهم يذهب بابنته ليئدها فإذا قام يحفر لها وأصاب لحيته شيء من التراب جعلت تنفض التراب عن لحيته وهو يريد أن يدفنها، يعني قلوب أقصى من الحجارة، حرم الله وأد البنات لأن وأد البنات قطيعة وعقوق من أشد ما يكون، إذا كان قتل الأجنبي محرمًا فقتل القريب من باب أولى، وهل وأد الأبناء كذلك؟ نعم، لأن التقييد هنا باعتبار العادة فلا مفهوم له، فوأد الأبناء مثله فلو أن الإنسان قتل أبناءه خوفًا من ضيق المعيشة فهو مثل وأد البنات تمامًا. "ومنعًا وهات" يعني: لا يخرج شيئًا من ماله وبالنسبة لأموال الناس هات، مثل النار، كل من وجد يقول له: بارك الله فيك الصدقة محبوبة إلى الله وأنا رجل قليل ذات اليد وليس بيدي شيء، يعني: يده التي أمامه الآن لا يوجد فيها شيء، يستجدي الناس بمثل هذا، وربما يكذب يقول: لي أولاد ولي عائلة، وإذا أردنا أن نأخذ منه شيئًا لا يخرج بل تجده يقول: هذا ممنوع فهو - والعياذ بالله - جموع منوع. "وكره لكم قيل وقال" يعني: قيل كذا وقال فلان كذا هل المعنى: كثرة الخوض في الناس وماذا قيل في فلان وماذا قال الناس أو المعنى أن ينقل الشيء بدون تثبت؟ كلاهما؛ الإنسان كره الله له أن يكون ليس له هم إلا قيل وقال، ولاسيما إذا كان في أمور

стр. 3274

العقائد فإنه أشد وأقبح، كما يوجد الآن في كتب أهل الكلام والفلاسفة؛ ولهذا قال بعضهم: [الطويل] (نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال) (وأرواحنا في وحشةٍ من جسومنا ... وغاية دنيانا أذى ووبال) (ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقال) هذا من كبرائهم ويقول هذا الكلام: ما استفدنا إلا قيل وقال! تأتي مثلاً كتب كثيرة كلها قال فلان، وقيل عن فلان، مع أنه يغني عنها قليل من القول. قال: "وكثرة السؤال" يعني وكره لكم كثرة السؤال، يدخل في هذا سؤال المال وسؤال العلم كما يدخل ذلك في قوله تعالى: ﴿وأما السائل فلا تنهر﴾ [الضحى: ١٠]. فكثرة السؤال حتى فيما يحل لك لا ينبغي مكروهة، أما ما لا يحل فظاهر أنه حرام حتى وإن قل السؤال، لكن كثرة السؤال فيما يحل، كثرة السؤال في العلم أيضًا، لكن كثرة السؤال في العلم فيها تفصيل، أما إذا قصد الإنسان الاستزادة من العلم فهذا مطلوب، والحديث لا يدل على النهي عنه، وأما إذا كان المقصود بذلك الأغلوطات، وإحراج المسئول وإظهار أنه بحاثة فلا شك أنه داخل في الحديث، وأنه من أسباب الخطأ؛ لأن من كثر كلامه كثر خطؤه، ثم إن كثرة السؤال أيضًا تضجر المسئول، وتوجب أن يكون منه نفور من السائل، وهذا ضرر على الطرفين: على السائل والمسئول. التشديد في إضاعة المال: أما الثالث قال: "وإضاعة المال" وهو صرفه في غير فائدة لا دينية ولا دنيوية وذلك لأن الله تعالى جعل المال قيامًا للناس فقال تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا﴾ [النساء: ٥]. قيامًا أي: تقوم به مصالح الدين ومصالح الدنيا، فإذا أضاعه الإنسان فقد صرفه في غير ما جعله الله للناس، وكم من إنسان أغناه الله فأسرف في الإنفاق الكثير وأضاع المال، وإذا هو

стр. 3275

يصبح فقيرًا معدمًا، فيتمنى أن لم يكن أنفق ولكن هيهات، إذن يحرم إضاعة المال، لكن لاحظوا أن إضاعة المال قريبة من معنى الإسراف؛ لأن الإسراف محرم فبذل المال فيه محرم، لكن الإسراف يختلف قد يعد إسرافا لشخص وغير إسراف لشخص آخر، لو أن الفقير اشترى سيارة فخمة لا يشتريها إلا أكابر الناس وأغنى الناس عد ذلك إسرافًا، ولو أن الغني اشتراها لم يعد إسرافًا كل شيء يحسبه؛ لأن الإسراف تعريفه مجاوزة الحد؛ فإذا قيل: هذا إنسان مجاوز الحد فهو مسرف، صرف المال فيما لا فائدة فيه، لكن فيه تسلية وانشراح للصدر، ولكن ليس لشيء محرمٍ والإنسان مثلاً يسأم من الأعمال الجدية، ويحب أن يرفه عن نفسه بعض الشيء هل يعد هذا إضاعة؟ الجواب: لا، صحيح أن هذا الشيء في حد ذاته ليس مقيدًا لكنه مقصود لغيره من أجل أن يذهب الإنسان عنه السآمة والملل؛ لأن النفس تمل وتتعب تحتاج إلى شيء ينشطها ومن ذلك المنتزهات حيث يخرج كثير من الناس إلى المنتزهات، ومعلوم أن الإنفاق في المنتزهات فيه زيادة إنفاق، لكن فيها راحة وتسلية للنفس وإزالة للمل فيكون هذا من المقصود لغيره، ولا يعد هذا إضاعة للمال، وإن كان هو في حد ذاته ليس مفيدًا لكنه مفيد لغيره. في هذا الحديث فوائد: منها: أن التحليل والتحريم لله لقوله: "إن الله حرم" وإن كانت الدلالة على حصر التحريم في حق الله ليست بذاك في هذا الحديث، لكن الرسول ﷺ حكى ذلك مقررًا له فيكون في هذا دليل على أن ما حرم الله فهو حرام، لكن هناك أصرح من هذا قوله تعالى: ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب﴾ [النحل: ١١٦]. يتفزع على هذا مسألة أعظم منها أن التكفير والإدخال في الإسلام ليس إلى الخلق، ولكن إلى الله فالخلق عبيد الله إذا حكم على أحد بأنه كافر فهو كافر ولو كان أباءنا أو إخواننا أو أبناءنا أو عشيرتنا، إذا لم يحكم على إنسان بأنه كافر فلن نكفره ولو عمل ما عمل، فكون الإنسان يجعل مسألة التكفير حسب العاطفة والمزاج غلط عظيم، ومسألة التكفير أعظم من مسألة التحليل والتحريم؛ لأنه متوقف عليها أحكام عظيمة تذكر في أحكام الردة، ويترتب على ذلك أيضًا أن من أحل ما حرم الله أو حرم ما أحل الله فقد ضاد الله في أمره؛ لأن التحريم والتحليل لله وحده، فمن قال عن شيء حلال إنه حرام فهو مضاد لله ومن قال عن شيء حرام إنه حلال فهو مضاد لله لكن ما صدر عن اجتهاد بعد البحث وطلب التدليل وأداة اجتهاده إلى شيء ما من هذا فهو معذور؛ لأن النبي ﷺ قال: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر». ومن فوائد الحديث: تحريم عقوق الأمهات وهو من كبائر الذنوب؛ لأن النبي ﷺ قال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قالوا: بلى يا رسول الله قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين» فعقوق

стр. 3276

الأمهات والآباء أيضًا من أكبر الكبائر، وبرهما من أفضل الأعمال، والإنسان مع والديه له ثلاث حالات بر، وقطيعة، ولا بر ولا طيعة، أما القطيعة فهي كبائر الذنوب، وأما البر فهو من أفضل الأعمال وأما ما لا بر ولا قطيعة فهذا محرم، لكن لا يصل إلى حد الكبيرة محرم لأنه ترك للواجب الذي أمر الله بهن وهو البر والإحسان، لكن لا يصل إلى حد الكبيرة؛ لأن الكبائر إنما هي في العقوق، فصارت معاملة الإنسان لوالديه على ثلاثة أحوال بر، وعقوق ولا بر ولا عقوق، فالبر واجب وإحسان وفضل وأجر، والعقوق كبيرة من كبائر الذنوب، وإساءة، وما لا هذا ولا هذا فهو حرام، لكنه لا يصل إلى حد الكبيرة، وإنما حرم الله العقوق لما فيه من جحد النعمة وإذا كان النبي ﷺ يقول: «من صنع إليكم معروفًا فكافئوه» فأي معروف من الآدميين غير النبي ﷺ أكبر من معروف الوالدين؟ لا شيء؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤]. والكاف هنا للتعليل يعني: لأنهما ربياني صغيرا فلا نعمة من العباد بعد إنعام النبي ﷺ أكبر من نعمة الوالدين على الولد، وكان من الأمثال العامية إن البر أسلاف، يعني: إذا بررت بوالديك بر بك أولادك. ومن فوائد الحديث: تحريم وأد البنات، لقوله: "إن الله حرم"، ثم قال: "وأد البنات"، والأولاد من باب أولى، وهل وأد البنات والبنين من كبائر الذنوب؟ نعم؛ لأنها قطيعة رحم أم عقوق؟ قطيعة رحم؛ لأن العقوق خاص بالوالدين، إذن هي قطيعة رحم ولأنها قتل للنفس وقتل النفس ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها ... ﴾ [النساء: ٩٣] الآية. وبما أن التحريم لله صار قتل الولد في بعض الأحيان قربة من قربات؛ لأن التحريم والتحليل لله. وذلك في قصة إبراهيم وإسماعيل فإن الله تعالى أمر إبراهيم بأن يقتل ولده إسماعيل، وولده إسماعيل هو أول أولاده ﴿فأما بلغ معه السعي﴾ وتعلقت به نفسه تعلقًا شديدًا لأن أكبر ما يتعلق الإنسان بولده إذا كان قد بلغ معه السعي، الصغير لا يلتفت إليه غالبًا والكبير الذي انفصل أيضًا لا يلتفت إليه لكن الصغير الذي يذهب معه ويرجع معه تتعلق به النفس أكثر، ومع ذلك أمر بأن يذبحه ﴿إني أرى في المنام أني أذبحك﴾ فتأمل الآن قتل الأولاد من كبائر الذنوب، وإذا أمر الله به صار قربة وطاعة، السجود لغير الله شرك وإذا أمر الله به صار قربة وطاعة: ﴿وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لآدم فسجدوا﴾ [البقرة: ٣٤]. ومن فوائد الحديث: تحريم طلب ما لا يستحقه الإنسان؛ لقوله: "هات"، وتحريم منع ما يجب من قوله: "منعًا وهات"، هذه الحال كما قلنا تدل على أن الإنسان مجبول على البخل يمنعه وعلى الشح بطلبه.

стр. 3277

ومن فوائد الحديث: أن من الأساليب العربية التي توجب الانتباه أن يختلف التعبير في أشياء حكمها واحد؛ لقوله: "حرم وكره"؛ لأن ما كرهه الله فهو حرام، لكن النبي ﷺ إذا كان التعبير من عند الرسول ﷺ وهو الأصل وإنما قلت ذلك لأنه من الجائز أن يكون من تصرف الرواة لكن الأصل أنه كلام النبي ﷺ لكن الرسول عبر بهذا، وهذا من أجل أن ينتبه الإنسان، ومعلوم لنا جميعًا أن الكلام إذا كان على وتيرة واحدة فإن الإنسان المستمع لا ينسجم معه انسجامًا كثيرًا، بل المستمع يكون بارد الذهن، ولهذا بعض القراء الآن يستعملون التنبيه باختلاف الصوت، لا باختلاف التعبير، فتجده مثلاً قراءته واحدة على طريق واحد، ثم يرفع صوته أو يخفض صوتهن فيوجب لذلك الانتباه. ومن فوائد الحديث: أن الله يكره قيل وقال؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت». من كمال إيمانك ألا تقول إلا خيرًا والعجب أن من كان هذا منهجه فإنه يسلم من شرور كثيرة، ومن كثر كلامه كثر سقطه لكن من قل كلامه وكان لا يتكلم غلا بخير فهذا هو المؤمن وهذا هو السالم، لكن إذا قال قائل: إذا كنا لا نتكلم إلا بالخير لزم أن نكون دائما في سكوت ندخل محلاً مثلا السلام عليكم كيف أصبحت ثم نسكت نقول الخير نوعان: خير مقصود لذاته وخير مقصود لغيره، والأول لاشك أنه أشرف لأنه غاية والثاني دونه لكنه خير، فإذا تكلم الإنسان بكلام هو في حد ذاته لغو لكن يريد أن يدخل الأنس والسرور على الحاضرين فهذا يعتبر خيرًا؛ لأن إدخال الأنس والسرور على مجالسك من الخير لاشك، لكن إذا حصل الأول وهو الخير لذاته فهو أفضل لاشك، ومن الخير لذاته تعليم العلم، أنا أظن أن الإنسان لو قام يحدث في مجلس غير معد للحديث ربما يكون ذلك ثقيلاً على النفس، لكن من الممكن أن يذكر مسائل فقهية طريفة توجب أن ينتبه الناس وتشتد أفكارهم إليه، مثل: أن يطرح مسألة غريبة، أو يتكلم في قصة مما ورد في الأحاديث من القصص، كأن يقول الرسول قص علينا كذا وكذا قص علينا قصة ثلاثة أبرص وأعمى وأقرع، أو ثلاثة انطبقت عليهم صخرة في غار، المهم أن الإنسان اللبيب يستطيع أن يدخل العلم على الناس بلا ملل بما أعطاه الله من حكمة. ومن فوائد الحديث: كراهة الله لكثرة السؤال، لكن هل المراد كثرة السؤال من واحد أو من متعدد؟ من واحد، فلو فرضنا أن إنسانًا عنده مائة طالب كل واحد حضر سؤالاً فتكون الأسئلة مائة، هل: نقول هذه كثيرة تكره؟ لا؛ لكن يأتي واحد يتصدر للأسئلة وكل ما أجاب المسئول عن السؤال، وإذا بالثاني على

стр. 3278

إثره هذا منهي عنه، ولاسيما إذا كان هذا السائل يستأثر بالمسئول فهذا منهي عنه، وقد بينا أن كثرة السؤال تشمل كثرة سؤال المال وسؤال العلم، والمراد بسؤال المال ما يستحقه الإنسان، أما ما لا يستحقه فهو منهي سواء كان كثيرًا أو قليلاً. ومن فوائد الحديث: النهي عن إضاعة المال وهذه كلمة عظيمة جامعة كل ما يبذله فيما لا ينفع لا في دين ولا في دنيا فهو إضاعة، ومن هنا نأخذ تحريم الدخان أو لا؟ نعم، نأخذ ولو قلنا لنا صاحبه: يحدث لي انبساط وأنا أتناوله وغير ذلك نقول: نعم، ولكن آثاره الضارة تربو على منافعه والله حرم علينا الخمر والميسر لأن إثمهما أكبر من نفعهما، فنقول: أنت إذا تلذذت به أو انشرح صدرك له لأنك اعتدته حتى الذين يشربون الشاهي إذا فقده يحتاج للشاهي سريعًا، وأظن أيضًا حتى إنك لو تأخرت في الغداء وأنت تشتهيه يضيق صدرك، فعلى كل حال نقول لهذا الذي يقول: إن الدخان يتلذذ به ويشرح صدره نقول: لا عبرة به لأن مضاره أكثر من منافعه وما كان مضاره أكثر من منافعه، فإنه محرم؛ لأن القاعدة الشرعية أنه إذا ربت المفاسد على المصالح صار الشيء حرامًا، هل من إضاعة المال أن تعطيه للسفهاء؟ نعم، لقوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا﴾ [النساء: ٥]. ولا شك أن هذا من إضاعة المال يعطي الصبي يشتري مفرقعات يؤذي الناس هذا حرام. بر الوالدين وضوابطه: ١٣٩٨ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، عن النبي ﷺ قال: «رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين». أخرجه الترمذي، وصححه ابن حبان والحاكم. الظاهر أن "في" في قوله: "في رضا الوالدين" للسببية، بمعنى: أن رضا الوالدين سبب رضا الله، وسخط الوالدين سبب لسخط الله، والرضا معروف أن يكون الإنسان مطمئنًا بالشيء منشرحًا به صدره وغير ذلك فإذا أطعت والدك أو والدتك تطمئن به نفسه ويشرح له صدره فهذا هو سبب الرضا، والمراد بالوالدين الأم والأب وهما أحق الناس بالبر. في هذا الحديث فوائد: أولاً: الحث على إرضاء الوالدين وجه ذلك أنه سبب لرضا الله ولكن هذا ليس على إطلاقه فإن من الوالدين من يرضى بالفسوق ويسخط الصلاح فهل يكون

стр. 3279

رضاهما في رضا الله؟ لا، إذن المراد رضا الوالدين إلا فيما يسخط الله، فإن رضا الله مقدم على رضا الوالدين. ومن فوائد الحديث: إثبات الرضا لله ، وأنه صفة حقيقية وهي غير رضانا، وهذا الذي عليه السلف الصالح وأهل السنة والجماعة، أي: أن الله تعالى يرضى ويغضب ويكره ويحب وأن هذه صفات كلها حقيقة، لكن من المعلوم أنها لا تشبه رضا المخلوقين أو محبة المخلوقين؛ لأنهما أكمل، وقد قال الله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١]. ومن فوائد الحديث: التحذير من سخط الوالدين؛ لأن ذلك سبب لسخط الله، فإن قال قائل: إذا سخطا شيئًا فيه مصلحة للابن، وليس فيه مضرة عليهما، فهل المرتضى هنا اتقاء سخطهما ولو خسر الولد هذه المنفعة أو بالعكس؟ يعني لو سخطا شيئًا فيه منفعة للولد في دينه أو دنياه، قالا: لا تفعله، مثل ما يفعله الآن بعض الناس يقول لولده: لا تطلب العلم، لا تتبع الشباب المتدين، إن فعلت سنغضب عليك هل يطيعهما في هذا؟ لا يطيعهما، وإن كان تركه ليس سخطًا مسخطًا لله، ولكنه ترك كمال وفي مصلحة للابن، وليس فيه مضرة على الوالدين، فإن قال قائل: أليس النبي ﷺ قال ففيهما فجاهد، وأمر أن يدع الجهاد وهو فرض كفاية أو سنة كفاية أمره أن يدعه من أجل أن يبقى في شئون والديه؟ قلنا: بلى قاله الرسول ﷺ وما قاله الرسول فهو حق والرسول حاكم وليس محكومًا عليه لكن إذا كان الوالدان محتاجين للولد والجهاد في حقه نفل فأيهما يقدم؟ يقدم حاجة الوالدين؛ لأن دفع حاجة الوالدين واجبة، وجهاد النفل ليس بواجب، ثم الجهاد أيضًا ليس كطلب علم أو مصاحبة الأخبار، الجهاد فيه عرضه للموت والقتل وقد يشق ذلك على الأب والأم فبينهما فرق، إذن رضا الله في رضا الوالدين ليس على إطلاقه وسخط الله في سخط الوالدين ليس على إطلاقه، لو أن الأب أو الأم طلبا من ولدهما أن يتزوج بنت عمه وقالا إن لم تفعل فسوف نسخط عليك ونغضب منك، وقال: لا، لا أريدها، نفسي لا تريدها فهل نجبره على أن يتزوجها؟ لا؛ لأن عدم زواجه بها لا ضرر على الوالدين فيه وتزوجه بها ربما يكون فيه ضرر عليه ربما تكون النتيجة عكسية ثم يطلقها بعد أن يدخل بها وتكون النفرة بينه وبين عمه أشد مما لو عدل عن تزوجه بابنة عمه إلى بنت غيره، فالمهم: أنه كما قال شيخ الإسلام: لا تجب طاعة الوالدين إلا فيما فيه نفع لهما ولا ضرر على الابن فيه، وإلا لكان بعض الوالدين يأمر ولده بما يضره ولاسيما الأمهات، الأم إذا رأت من ابنها أنه يجب الزوجة صارت الزوجة كأنها ضرة لها بعضهن يصرح يقول: إما أنا

стр. 3280

أو الزوجة، تضيق عليه هل يلزمه أن يطلق زوجته؟ لا، ما دامت الأم لم تذكر سببًا شرعيًا يوجب أن يفارقها فلا يلزمه أن يطلقها، وقد سئل الإمام أحمد ﵀ عن رجل أمره أبوه أن يطلق زوجته، قال له: لا تطلقها قال: كيف يا أبا عبد الله أليس النبي ﷺ أمر عبد الله بن عمر أن يطلق امرأته لأن عمر أمره بذلك؟ قال: بلى ولكن هل أبوك عمر؟ الجواب: لا، عمر لا يمكن أن يأمر ابنه أن يفارق زوجته إلا لسبب شرعي لا يمكن تحمله؛ لأن من أكبر المحرمات أن يفرق الإنسان بين رجل وزوجته، ولاسيما إذا كان بينهما أولاد، لكن أبو هذا الرجل ربما يكون لهوى في نفسه، لا لمصلحة الزوج ولا لمصلحة الزوجة. حقوق الجار: ١٣٩٩ - وعن أنس ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره ما يحب لنفسه». متفق عليه. هذا القسم بهذه الصيغة كان النبي ﷺ يقسم به كثيرًا، ومضمونه: أنني أقسم قسمًا إن كنت غير مصيب فيه فإني أهلك وأموت، يعني: قوله: "والذي نفسي بيد الله" كأنه يقول: إن كنت كاذبًا فليأخذ الله نفسي؛ لأن النفس بيد الله فيكون هذا من أعظم القسم، والذي نفسي بيده وهو الله : "لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره"، أو قال: "لأخيه ما يحب لنفسه"، "جاره" يعني: القريب منه في البيت والسكن سواء كان البيت والسكن من الحجر أو المدر أو الشعر، المهم أنه مسكنه قريب من جاره، ثم هل الجار كما جاء في بعض الأحاديث أنه أربعون دارًا أو أقل؟ الصحيح أن الجار ما عد جارًا في العرف وأربعون دارًا اليوم بعيدة جدًا، تسع مساحة كبيرة، لكبر المنازل، ربما كانت في العهد الأول، فقد كان النبي ﷺ حجرته التي هو ساكن فيها مع زوجته عائشة تسع ثلاثة قبور في ذلك العهد، وعليه نقول: يمكن أن يكون أربعون دارًا، يمكن أن يكونوا جيرانًا، لكن في الوقت الحاضر لا، إذن فيرجع فيه إلى العرف كما أن الطريق فيما سبق إذا تنازع فيه الجيران يجعل سبعة أذرع الآن سبعة أذرع تأخذ السيارة لكن مع الضيق على كل حال هذه مسائل يذكرها الشرع مقدرة بحسب العرف والحال التي كانوا عليها وليست محددة شرعًا، كمائة جلدة للزاني فإنها محددة لا تزيد ولا تنقص، لكن مثل هذه الأمور المقدرة التي يكون مرجعها العرف تبقى للعرف، إذن الجار كل من عده الناس جارًا، "حتى يحب لجاره"، وفي لفظ: "لأخيه المؤمن"، لا تؤمن حتى تحب لأخيك ما تحب لنفسك، أنت تحب لنفسك الخير وتكره لها الشر، فلو أحببت الشر لأخيك فلست بمؤمن، ولو أحببت منع

стр. 3281

الخير عن أخيك فلست بمؤمن، فلابد أن تحب الخير لأخيك كما تحبه لنفسك، إن أحببت له الشر أو لم تحب الخير له فأنت لست بمؤمن، هذا الحديث يدل على الحث والترغيب في محبة الخير لإخوانك؛ لأن الرسول ﷺ إنما أخبرنا أن الإيمان ينتفي لا لنعلم أنه ينتفي، لكن من أجل أن نحافظ على إيماننا، ونحب لإخواننا ما نحبه لأنفسنا. في هذا الحديث فوائد: أولاً: جواز القسم بهذه الصيغة وجه ذلك أن النبي ﷺ أقسم به. ومن فوائده: جواز الإقسام بغير استقسام، يعني: بجواز أن يقسم الإنسان بغير ما يطلب منه؛ لأن النبي ﷺ لم يطلب منه ذلك، إذا قال قائل: أليس هذا مخالف لقوله تعالى: ﴿واحفظوا أيمانكم﴾ [المائدة: ٨٩]. يعني: لا تحلفوا إلا بسبب؟ فيقال: نعم نحفظ أيماننا، وهذا لا يعارض الآية؛ لأن هذا مهم جدًا أقسم النبي ﷺ بذلك م أجل قوة الحث على أن يحب لجاره ما يحب لنفسه فلأهمية الموضوع أقسم النبي ﷺ عليه، أليس الله تعالى أمر نبيه أن يقسم؟ بلى في ثلاث آيات: الأولى: الحلف على أن الناس يبعثون: ﴿قل بلى وربي لنبعثن﴾ [التغابن: ٧]. الثانية: الحلف على أن القرآن حق: ﴿ويتنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق﴾ [يونس: ٣٥]. الثالثة: ﴿وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب﴾ [سبأ: ٣]. والنبي ﷺ أقسم في أكثر من ستين موضعًا لكنه لا يقسم إلا والمقام يقتضي القسم ﷺ . ومن فوائد الحديث: انتفاء الإيمان عمن لا حب لجاره أو لأخيه ما يحب لنفسه. وهل هذا يعني الكفر؟ لا، لكنه ينتفي عنه كمال الإيمان، لأن أهل السنة أجمعوا على أن مالا يحب لأخيه ما يحبه لنفسه ليس بكافر لكن انتفى عنه كمال الإيمان. ومن فوائده: أنه يجوز نفي الشيء لنفي كماله كما قال النبي ﷺ : «لا صلاة بحضرة طعام»، هذا نفي للكمال، الصلاة لا تكون كاملة بحضرة الطعام ولا وهو يدافعه الأخبثان لكن لا ينفي شيء إلا لانتفاء واجب فيه، ومن ثم نأخذ أنه يجب علينا أن نحب لإخواننا ما نحبه لأنفسنا. ومن فوائد الحديث: أنه يصح أن ينفى الإيمان المطلق عمن عنده مطلق إيمان؛ لأن هذا الحديث نفى الإيمان المطلق الذي هو الكمال واستمع إلى قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم ءاياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلوة ومما رزقناهم ينفقون﴾ [الأنفال: ٢، ٣]. إنما المؤمنون يعني: ما المؤمنون إلا هؤلاء لو قلنا:

стр. 3282

إن المراد بهذه الآية مطلق الإيمان لا نتفى الإيمان عن كثير من الناس اليوم من الذين إذا ذكر الله توجل قلوبهم؟ قليل، قليل، قليل؛ وإذا تليت عليهم آياته زادهم إيمانًا هذه أيضًا قليل لكن المراد هنا المؤمنون الكمل الذين كمل إيمانهم، أما قوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾، فالمراد: مطلق الإيمان؛ ولهذا يصح أن يعتق الإنسان عبدًا فاسقًا ليس بكافر؛ إذن نفي الإيمان هنا الإيمان المطلق يعني الكامل. أعظم الذنوب عند الله: ١٤٠٠ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ : «أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندًا وهو خلقك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك». متفق عليه. ابن مسعود ﵁ من طلبة العلم حقيقة يماثله أو يزيد عليه، أو هريرة ﵁ من أكثر الصحابة سؤالاً للنبي ﷺ ، ولهذا لما سأله، أي: سأل أبو هريرة النبي ﷺ قال: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: «لقد ظننت ألا يسألني أحد غيرك - أو كلمة نحوها - لما أرى من حبك للعلم». ابن مسعود سأل مرة: "أي الذنب أعظم"، ومرة سأله: "أي العمل أحب إلى الله"، والصحابة يسألون عن ذلك لا لأجل أن يعرفوا أن هذا أحب إلى الله وهذا أعظم، لا، ولكن من أجل أن يجتنبوه إن كان ذنبًا، وأن يفعلوه إن كان طاعة، قال: "أن تجعل لله ندًا وهو خلقك"، هذا أعظم الذنوب وأشد الجنايات الذي خلقك أوجدك وأمدك وأعدك ورزقك في بطن أمك وهيأ لك الأبوين، ويسر لك الأمور، وأخرجك من بطن أمك لا تعلم شيئًا، وجعل لك السمع والأبصار والأفئدة ومع ذلك تجعل له ندًا؛ أي: نظيرًا ومشابهًا، هذا أعظم الذنب، الذين يعبدون اللات والعزى ومناة من هذا النوع؛ لأنهم جعلوا الله ندًا، الذين يقولون: إن أولياءهم يديرون الكون من هذا النوع، الأولون أشركوا بالألوهية وهؤلاء أشركوا بالربوبية، الذين يقولون: إن وجه الله ويدي الله كوجوهنا وأيدينا من هذا النوع، "أن تجعل لله ندًا"؛ أي: نظيرًا ومشابهًا، "وهو خلقك" يعني: ولم يخلقك غيره، فإذا لم يشركه أحد في خلقك فلا تجعل له شريكًا. الثاني قال: "ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك" الصغير أو الكبير الذكر أو الأنثى كلاهما، وهل الولد يشمل الأنثى؟ نعم، الدليل قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء: ١١]. وقوله: "حشية" أي: مخافة أن يأكل معك؛ إذن قتله لا كراهة له، لكن خاف أن يضيق رزقه عليه به.

стр. 3283

قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك"، من حلية الجار؟ زوجته أو سريته، لكن الغالب أنها تطلق على الزوجة كما قال تعالى: ﴿وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾ [النساء: ٢٣]. "حلائلهم" يعني: زوجاتهم، يقول: "أن تزاني بحليلة جارك" قد يتوقع الإنسان أن يقول لفظًا آخر وهو: "أن تزني"، فلماذا قال: "تزاني"؟ لأن "تزاني" فيه نوع معالجة، وهذه المعالجة يحتمل أن تكون معالجة على الفعل أو معالجة على الترك، أما المعالجة على الفعل فيعني أن الحليلة توافق على هذا وتنقاد، وأما المعالجة على الترك فيعني: أن الحليلة - حليلة الجار - تأبى، ولكن يكرهها أو يخدعها أو غير ذلك، وعلى كل حال فالمفاعلة تدل على اشتراك اثنين فأكثر فيها، والجار: ما عده الناس جارًا. في هذا الحديث فوائد: أولاً: حرص الصحابة ﵁ على السؤال من أجل أن يقوموا بما يلزم، ليس من أجل أن يفهموا أن هذا حلال وهذا حرام، بل ليعملوا بما هو واجب ويدعوا ما هو محرم. ومن فوائد الحديث: حرص ابن مسعود ﵁ على معرفة أكمل الأعمال وأكمل الآثام، ففي أكل الأعمال قال: "أي الأعمال أحب إلى الله"، وفي أكمل الآثام قال: "أي الذنب أعظم". ومن فوائد الحديث: أن الذنوب تتفاوت في العظم كما أن الأعمال الصالحة تتفاوت أيضًا في الفضل، يلزم من ذلك تفاوت العمال، فإذا تفاوت العمل لزم أن يتفاوت أيضًا في الفضل، يلزم من ذلك تفاوت العمال، فإذا تفاوت العمل لزم أن يتفاوت العامل، وعلى هذا فيمكن أن يكون في الإنسان خصال كبيرة من الذنوب وخصال صغيرة من الذنوب. ومن فوائد الحديث: أن الشرك أعظم الذنوب لقول النبي ﷺ : «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك». ومن فوائد الحديث: سفاهة أولئك القوم الذين أشركوا بالله في عبادته؛ حيث أشركوا به في عبادته ولم يشركوا به في خلقه، ولهذا قال: "وهو خلقك"، المشركون في عهد الرسول ﷺ إذا سئلوا من خلقهم قالوا: الله، ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله﴾ [الزخرف: ٨٧]. قال الله تعالى: ﴿فأنى يؤفكون﴾ أي: كيف يصرفون عن الحق وهم مقرون بما يقتضيه؟ ! ومن فوائد الحديث: أن الخالق هو الله وحده، فعلى الإنسان أن يتذكر من أوجده من العدم؟ الجواب: الله لا الأبوان ولا غيرهما، لكن الأبوان سبب لاشك، وأما الذي خلقك فهو الله ، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله: ﴿لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إنثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانًا وإناثًا ويجعل من يشاء عقيمًا﴾ [الشورى: ٤٩، ٥٠]. فالأقسام أربعة، كل هذا يعود إلى الله ، لا الأب يستطيع أن يجعل الجنين ذكرًا ولا الأم تستطيع أن تجعله أنثى.

стр. 3284

ومن فوائد الحديث: عظم قتل الولد سواء كان ذكرًا أو أنثى؛ لأنه يلي الشرك بالله . ومن فوائد الحديث: أن من قتل ولده لا لخوف أن يأكل معه فذنبه أهون، أو يقال: إن هذا القيد بناء على الغالب أن الذين يقتلون أولادهم في الجاهلية منهم من يقتل ابنته يئدها خوفًا من العار، ومنهم من يقتل الأولاد الذكور والإناث خوفًا من الإملاق، قال الله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]. إذن فيكون قول النبي ﷺ : «خشية أن يأكل معه» قيدًا أغلبيًا، والقيد الأغلبي ليس له مفهوم. إذن نقول: إن قتل الولد من أعظم الذنوب، وهو يلي الشرك بالله ، سواء قتله خوفًا أن يأكل معه أو لعداوة بينه وبينه أو لغير ذلك؛ لأنه في الواقع جمع بين العدوان بالقتل والعدوان بالقطيعة. الآن نسأل في القرآن الكريم يقول الله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم من إملاقٍ نحن نرزقكم وإياهم﴾ [الأنعام: ١٥١]. والآية الأخرى ﴿خشية إملاقٍ نحن نرزقهم وإياكم﴾ [الإسراء: ٣٣]. فهل هذا يدل على أن قتلهم يكون إما من الفقر وإما من توقع الفقر؟ نعم، الآية التي تدل على المعنى الأول، قوله: ﴿من إملاقٍ﴾، ولهذا قدم رزق القاتلين على رزق المقتولين، فقال: ﴿من إملاقٍ نحن نرزقكم وإياهم﴾، وفي الآية الثانية قال: ﴿خشية إملاقٍ﴾ يعني: خشية الفقر المتوقع، فقدم رزق المقتولين على رزق القاتلين؛ لأن القاتلين لم يكونوا فقراء، لكن يخشون الفقر، فقال: ﴿نحن نرزقهم وإياكم﴾. ومن فوائد الحديث: أن الزنا بحليلة الجار أعظم من الزنا بالأجنبية؛ لأنه جعله ﷺ بعد قتل الولد خشية الفقر، وجه ذلك: أن الجار في الحقيقة يرى أنه لائذ بجاره، وأن جاره سوف يدافع عن عرضه، فإذا خانه في موضع الائتمان كان أشد وأعظم، ولكن هل إذا ثبت الزنا بحليلة الجار هل يكون حده مخالفًا لحد الزنا بالأجنبية البعيدة أم لا؟ الجواب: لا. لكن لو زنى أحد بذات محرم منه، يعني: بامرأة يحرم عليه أن يتزوجها، فهل يحد كحد الزنا بالمرأة الأجنبية أو يختلف؟ هذه المسألة فيها خلاف؛ من العلماء من يقول: إن الزنا بذات المحارم كالزنا بغيرهن؛ يعني: البكر يجلد مائة جلدة ويغرب سنة، والثيب يرجم، ولكن القول الراجح: أن الزاني بذات محرم يجب أن يرجم ولو كان غير ثيب، أولا: ما هو الدليل في ذلك؟ حديثه أخرجه أهل السنن وهو صحيح، والثاني: التعليل؛ لأن فرج ذات المحرم لا يحل بأي حال، وفرج غير المحرم يحل بالعقد الصحيح، قالوا: فلما كان فرجًا لا يحل بحال صار كدبر الذكر؛ أي: كاللواط، واللائط يجب أن يقتل بكل حال، فصار هذا الحكم - أعني: وجوب قتل من زنى بذات المحرم - مؤيدًا بالدليل السمعي والنظري.

стр. 3285

من الكبائر سب الرجل أبا الرجل: ١٤٠١ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: «من الكبائر: شتم الرجل والديه. قيل: وهل يسب الرجل والديه؟ قال: نعم. يسب أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه، فيسب أمه». متفق عليه. "من" للتبعيض، وعلامة "من" التبعيضية: أن يحل محلها "بعض"، هنا لو قال بعض الكبائر شتم الرجل والديه لاستقام، و"من" تأتي في اللغة العربية لمعان كثيرة ليس هذا الموضع ذكرها، لكن أضرب مثلاً قوله تعالى: ﴿ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون﴾ [الزخرف: ٦٠]. من هنا بدلية أي: ولو نشأ لجعلنا بدلكم ولا يمكن أن تكون للتبعيض لأنه لا يريد الله أن يبين أنه لو شاء لجعل منا ملائكة، من الكبائر الكبائر جمع كبيرة فما هي الكبيرة؟ اختلف العلماء ﵏ فيها؛ فمنهم من عدها، ومنهم من حدها، والمحددون أيضًا اختلفوا؛ منهم من عدها وقالوا: الكبائر كذا وكذا وعددوها، فتكون هنا معينة بالعد، ومنهم من عينها بالحد، وقال: كل ذنب رتب عليه عقوبة في الدنيا كالحد أو في الآخرة كالوعيد بالنار أو حرمان الجنة أو لعنة أو غضب أو نفي إيمان فهو كبيرة، وحد شيخ الإسلام في بعض كتبه الكبيرة بأنها ما رتب عليه عقوبة خاصة؛ يعني: أنه ليس فيه: لا تفعلوا كذا، أو حرم عليكم كذا، بل فيه عقوبة خاصة سواء لعنة أو حرمان من دخول الجنة أو غير ذلك، وهذا لا شك أنه أقرب ضابط، ومن المعلوم أن الكبائر نفسها تختلف لحديث أبي بكر أن النبي ﷺ قال: «أكبر الكبائر»، فالكبائر بعضها قريب من الصغائر، وبعضها قريب من الشرك. هنا قال: «من الكبائر شتم الرجل والديه» أي: أباه أو أمه، "قيل: وهل بسبب الرجل والديه؟ ". يعني: الصحابة تستبعد أن الرجل يشتم والديه، وهو كذلك بعيد أن الرجل يقول لأبيه أو أمه سبًا وشتمًا هذا من أبعد ما يكون، ولكن النبي ﷺ قال: "نعم"، إلا أنه من طريق غير مباشر، قال: "نعم، يسب أبا الرجل فيسب الرجل أباه، ويسب أمه فيسب أمه"، وهذا غير مباشر، أما أن يسبه سبًا مباشرًا فهذا بعيد، لكن في وقتنا الحاضر هل يسب أباه سبًا مباشرًا؟ نعم كثير، وكذلك يسب أمه، لكن في عهد الصحابة وفي عهد شيم العرب لا يمكن أن الرجل يسب أباه أو أمه. في هذا الحديث فوائد: منها: أن الذنوب قسمان: صغائر وكبائر. ومنها: أن شتم الرجل أباه أو أمه من كبائر الذنوب؛ لأنه عقوق.

стр. 3286

ومنها: مراجعة الصحابة لرسول الله ﷺ وأن صدره ﷺ يتسع لذلك ويرحب به، وهكذا ينبغي للإنسان أن يكون صدره رحبًا في المراجعة، لكن بشرط أن يعلم حسن القصد من المراجع، أما إذا علم أنه تعنت أو إحراج فله الحق أن يغضب وله الحق أن يمنع الجواب؛ لأن الله قال للرسول ﷺ : ﴿فإن جاءوك فأحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ [المائدة: ٤٢]. لأن اليهود يسألون الرسول ﷺ أسئلة تعنتٍ، فخيره الله بين أن يجيبهم أو لا، وكذلك الأئمة كانوا يغضبون على من سأل سؤالاً في غير محله، ماذا صنع مالك لما سئل السؤال عن العرش، وقيل له: كيف استوى؟ أطلق برأسه حتى علاه العرق، وقال للرجل: ما أراك إلا مبتدعًا وهذا سب له بالقول، ثم أمر به أن يخرج ويطرد من مسجد الرسول ﷺ ، لكن من علمنا منه حسن القصد وأنه يسأل الفائدة أو هو مستفيد لكن يريد أن يفيد غيره من الحاضرين فليكن صدرك رحبًا، والحمد لله فإن الحق قد يكون مع أصغر القوم، وإذا كان هكذا فالواجب أن يكون صدر الإنسان رحبًا، الصحابة ﵃ يسألون الرسول ﷺ أشياء ليتبين لهم الأمر، قالوا: وهل يسب الرجل والديه؟ قال: نعم. ومن فوائد الحديث: حسن تعليم الرسول ﷺ وكشفه للمسال الغامضة لقوله: "يسب أبا الرجل" بين وجهه ذلك بقوله: "يسب أبا الرجل ... الخ". ومن فوائد الحديث: أن الجواب بـ"نعم" جواب صحيح، والجواب بـ"إي" هل يكفي؟ نعم؛ لأنه في القرآن: ﴿ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي﴾ [يونس: ٥٣]. فـ"إي" هنا هي هي، ولكننا ردنا عليها هاء السكت. ومن فوائد الحديث: أن الوسائل لها أحكام المقاصد، يؤخذ من كونه يسب أبا الرجل فيسب الرجل أباه ويسب أمه فيسب أمه. ومنها: سد الذرائع، يعني: ما كان ذريعة لمحرم فهو محرم، ويدل على سد الذرائع قوله تعالى: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم﴾ [الأنعام: ١٠٨]. إذن نأخذ من هذا سد الذرائع، وقاعدة ثانية: الوسائل لها أحكام المقاصد، لكن هنا إشكال نرجوا الله تعالى أن يبين لنا وجهه، كيف يسوغ للإنسان إذا سب الرجل أبه أن يسب أبا الرجل؟ ! ولا تزر وازرة وزر أخرى. والرسول ﷺ ذكر هذا هل هو على سبيل الإقرار أو على سبيل بيان الواقع؟ الثاني، مثلاً: رجل جعل يسب أبا الرجل، والرجل الساب أبوه رجل صالح، فهل يليق بالذي سب أبوه أن

стр. 3287

يسب أباه أبا الرجل؟ مشكل هذا، لا تزر وازرة وزر أخرى، فالظاهر لي - والله أعلم - أن النبي ﷺ لم يقل ذلك إقرارًا للحكم الشرعي، ولكنه ذكر ذلك اعتبارًا بالواقع، أما الشرع فلا يجوز ذلكن نظير هذا أن الرسول ﷺ قال: «لتركبن سنن من كان قبلكم»، يعني: اليهود والنصارى، هل هذا إقرار شرعي أو إقرار بالواقع؟ الثاني لاشك، وأخبر أن الظعينة ترتحل من كذا إلى كذا ليس معها أحد، وهذا ليس إقرارًا شرعيًا، لأن المعروف في الشرع أن المرأة لا تسافر إلا مع ذي محرم. بماذا يزول التهاجر بين الأخوين ؟ ١٤٠٢ - وعن أبي أيوب ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ، يلتقيان فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام». متفق عليه. إذا قال الرسول ﷺ : "لا يحل" فالمعنى: أنها حرام، قال الله تعالى: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما ءاتيتموهن شيئًا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وقال تعالى: ﴿ولا يحل لهن أن يكتم ما خلق الله في أرحامهن﴾ [البقرة: ٢٢٨]. يعني حرام وهنا قال النبي ﷺ : «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه المسلم»، قال: المسلم، والظاهر - والله أعلم - أن مراد النبي ﷺ : المسلم الذي هو مؤمن، بخلا المنافق الذي هو مستتر ظاهرًا، ويحتمل أن يكون المراد بذلك: المسلم ولو ظاهرًا، ولكن قوله: "أخاه" يمنع ذلك؛ أي: يمنع دخول المنافق فيه؛ وذلك لأن المنافق ليس أخًا للمسلمين. "أن يهجر أخاه" لم يقل: أن يهجر المسلم من أجل الاستعطاف؛ يعني: أخوك كيف تهجره، لو قال: يهجر المسلم المعنى صحيح، لكن إذا قال: أن يهجر أخاه فهو استعطاف له، لأن أخاه لا يمكن أن يهجره، والهجر هنا معناه الترك، وهو أقسام كثيرة، فسره النبي ﷺ بقوله: «يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا» يعني: يلتقيان في الشارع أو المسجد، فيعرض كل واحد منهما عن الآخر، قال: «وخيرهما الذي يبدأ بالسلام»، "خيرهما" الضمير يعود على الملتقيين، خير الملتقيين من يبدأ بالسلام. فهذا الحديث فيه فوائد كثيرة: منها: أنه يجب على المسلمين أن يقوموا بما يجلب المودة والمحبة وهو إفشاء السلام؛ لأن النبي ﷺ قال: «والله لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أخبركم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشو السلام بينكم»، وضد السلام: عدم الإفشاء، ومنه الهجر.

стр. 3288

ومن فوائد الحديث: تحريم هجران أهل المعاصي؛ لأن العاصي لا تنتفي بمعصيته الأخوة، أرأيتم قتل الإنسان عمدًا هذا من كبائر الذنوب العظيمة ومع ذلك قال الله : ﴿فمن عفى له من أخيه شيء﴾ [البقرة: ١٧٨]. فجعل القاتل أخًا للمقتول، وكذلك قتال المؤمن سماه الرسول: كفرًا قال: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»، ومع ذلك قال الله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت أحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغى حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم﴾ [الحجرات: ١٠]. وهذه ذنوب عظيمة يكون بها الإنسان فاسقًا ومع ذلك لم يخرج عن الأخوة؛ إذن يحرم هجران أهل المعاصي، لكن يستثنى من ذلك إذا كان في هجرهم مصلحة بحيث يرتدعون عن المعصية فهنا يكون الهجر واجبًا؛ لأنه سبب لإزالة المنكر فيكون من باب النهي عن المنكر، أما إذا كان هجر أهل المعصية لا يستفيدون به شيئًا بل ربما يزدادون فرقه ونفورًا وكراهية للحق ولأهل الحق كما هو الواقع في كثير من الناس، كثير من أهل المعاصي إذا هجره أهل الخير كره الخير وأهله وازداد في إرغام أنوفنا؛ إذن نقول: الهجر دواء إن نفع فافعله وإن لم ينفع فلا نفعله، فإن ترددت فما الأصل؟ عدم الهجر. ومن فوائد الحديث: جواز هجر المسلم لأخيه في ثلاثة أيام فأقل؛ لقوله: "فوق ثلاث"، فدل ذلك بمفهومه على أنه يجوز هجره من ثلاث فأقلن كيف ذلك؟ لأن الإنسان قد يقع في نفسه على أخيه شيء: سوء تفاهم أو مخاصمة، فيحمل في نفسه عليه شيئًا، ويرى أن تبريد الأمر أن يهجره، وعندنا في اللغة العامية يغضب عليه ما يكلمه ويكون أول يوم من الغضب هجرًا، ثاني يوم يسكت الأمر ويبرد غضبه، ثالث يوم يقول: لا فائدة من الهجر، في الرابع يزول ذلك بالكلية، ولا يجوز أن يستمر أكثر من ثلاثة أيام، وهذه من حكمة الشرع أنه جعل الهجر الجائز ثلاثة أيام، فأول يوم لشدة الغضب، وثاني يوم للتأمل والتروي، وثالث يوم يزول الغضب، فلذلك جعلت ثلاثة أيام. ومن فوائد الحديث: أن الذي يبدأ بالسلام ولو كان الكبير على الصغير والكثير على القليل وهو خير الملتقيين لقوله: «خيرهما الذي يبدأ بالسلام». ومن فوائد الحديث: أن الهجر يزول بالسلام ووجه واضح لأنك ستقول: السلام عليك، فتخاطبه، فيزول بذلك الهجر، لكن ليعلم أن الناس يختلفون، من الناس من يكفيه أن تقول: السلام عليك، وتقول: عليك السلام ويذهب، ومن الناس من يحتاج إلى زيادة سؤال عن حاله:

стр. 3289

كيف أنت، أرأيت الرجل العادي الذي يمر بك يكفي أن تقول: السلام عليك، ويقول: عليك السلام، لكن إذا كان من أصدقائك أو من أقاربك ما يكفي السلام عليك، وهو يقول: عليكم السلام، ولذلك لو أنك سلمت عليه ورد عليك وسكت لقلت إن الرجل في قلبه شيء، فهذه أيضًا مسألة يتفطن لها وإلا فالأصل أن السلام يزول به الهجر. قوله: "فيعرض هذا ويعرض هذا" شرط أنه لابد من الإعراض أو أن المراد بالإعراض: ترك السلام؟ الظاهر - والله أعلم - الثاني، لكن الإعراض زيادة على ترك السلام، إذا لاقاه صد عنه؛ لأن الغالب أن المقابلة تفرض على الإنسان أن يسلم؛ لأنه يخجل أن يقابله وجهًا بوجه ولا يسلم عليه، لكن الإعراض دليل على الهجر. كل معروف صدقة: ١٤٠٣ - وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كل معروفٍ صدقة». أخرجه البخاري. هذه من الكلمات الجامعة: "كل معروف فهو صدقة"، إن قابلت صاحبك بوجه طلقٍ فهو صدقة؛ لأنه معروف، كل يثني على ذلك إن أعطيته شيئًا ولو قليلاً فهو معروف، إن عفوت عنه فهو معروف، إن أنفقت على أهلك، إن أعرت صاحبك فهو معروف؛ إذن كل معروف فإنه صدقة، وكل منكر فإنه ليس بصدقة؛ لأنه منكر ويجب إنكاره. الغرض من هذا الحديث: هو أن النبي صلى لله عليه وسلم أراد من أمته أن يتعاملون بالمعروف، وكل معروف فإنه صدقة. ١٤٠٤ - وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طلقٍ». "لا تحقرن من المعروف" يعني: لا تستصغروه وتستهن به، وقوله: "شيئًا" نكرة في سياق النهي فيعم كل شيء، ثم قال مبينًا أقل شيء في ذلك: "أن تلقى أخاك بوجه طلق"، ومن أخوك؟ المسلم. ففي هذا الحديث فوائد: أولاً: ألا يحقر الإنسان من المعروف شيئًا، حتى لو أعطيت أخاك قلمًا يكتب به؛ لأنه ليس معه قلم فهذا من المعروف لا تحقرنه، حتى لو أمسكت بيده حينما رأيته يقع في الحفرة أو يصطدم بحجر فهذا من المعروف، لا تحقر شيئًا، حتى لو أعطيته

стр. 3290

شيئًا يكتب به رقم تليفونك مثلاً لا تحقرنه، لا تحقر شيئًا أبدًا، حتى لو رأيت أنه يحب أن يطلع على شيء مما ينفعه وقد خفي عليه وأخبرته فإن ذلك من الصدقة؛ إذن تحرص على ألا تحقر شيئًا من المعروف، كل معروف فهو صدقة ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق، وإن لقيت أخاك بوجه عبوس فلا ينبغي لك هذا، اللهم إذا اقتضت المصلحة ذلك لسبب من الأسباب، فلكل مقام مقال. الإحسان إلى الجار ولو بالقليل: ١٤٠٥ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا طبخت مرقة، فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك». أخرجهما مسلم. "إذا طبخت مرقة" وقدرت أنها لاك ولأهل البيت، "فأكثر ماءها" وإن كان إذا كثر ماؤها سوف يقل طعمها، لكن المصلحة التي تترتب على كثرة الماء أنفع لك في الدنيا والآخرة، "تعاهد جيرانك" وظاهر الحديث ولو كانوا أغنياء؛ لأن هذا من باب الصلة، ليس من باب دفع الضرورة بل من باب التواصل. ففي هذا الحديث دليل على فوائد: منها: أن الإنسان ينبغي له أن يراعي جيرانه بالإحسان إليهم، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره». ومنها: أن خلط الشيء بما يضعف قيمته إذا كان لمصلحة فهو جائر، أما إن كان غشًا فإنه حرام، ولهذا لو كان عندك إناء من لبن إن صببت عليه الماء شرب منه الكثير وإلا لم يشرب منه إلا قليل، فما الأولى؟ الأولى: أن تصب عليه الماء حتى يتسع لعدد أكبر، لكن إذا كان للغش فهو حرام؛ يعني: لو كان يريد بيع هذا اللبن وصب عليه الماء فإنه غش، والغش حرام، ولهذا ورد أن ثلاثا فيهن البركة وذكر منهن خلط البر بالشعير للبيت لا للبيع؛ لأنه إذا كان للبيع ففيه غش. ومن فوائد الحديث: عناية الإسلام بالجار، حتى إن النبي ﷺ أرشد إلى أن يكون [شريكك] في أكلك إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يكون دائمًا ذا حزم وفطنه لقوله: "وتعاهد"، وهذا التعاقد معناه: أن يكون الإنسان متأملاً في أحوالهم ينظر ماذا يحتاجون فيقضي حاجتهم. ومن فوائد الحديث: عظم حق الجار، ولنسأل هل الناس الآن ينفذون مثل ذلك؟ قليل جدا جدًا، أكثر الناس تجده متخمًا من الطعام واللحم وكل شيء، وجاره يبيت طاويًا، وهذا لا

стр. 3291

شك أنه ليس من خلق الإسلام، من خلق الإسلام هو أن الإنسان يحسن إلى جاره ويكرم جاره بكل ما يستطيع. الترغيب في التفريج عن المسلم والتيسير عليه: ١٤٠٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من نفس عن مؤمن كربةً من كرب الدنيا؛ نفس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر؛ يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا، ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». أخرجه مسلم. يقول الرسول ﷺ : «من نفس عن مؤمن كربة»، "نفس" بمعنى: وسع، والكربة: الضيقة من كرب الدنيا، "فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة"، وكرب يوم القيامة أشد من كرب الدنيا، والجزاء من جنس العمل، بل وأعظم "ومن يسر على معسر"، في أي شيء كان، سواء بالمال أو بالعمل أو بأي شيء من أنواع الإعسار، "يسر الله عليه في الدنيا، والجزاء من جنس العمل، بل وأعظم "ومن يسر على معسر"، في أي شيء كان، سواء بالمال أو بالعمل أو بأي شيء من أنواع الإعسار، "يسر الله عليه في الدنيا والآخرة"، ومن ذلك: إنظار المعسر وهو أن يكون لرجل على آخر دين، والمدين معسر فييسر عليه فإن الله ييسر عليه في الدنيا والآخرة، وكذلك من يسر عليه بمساعدته ومعاونته ونحو ذلك فهو داخل في الحديث. "ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة"، هذا أيضًا الجزاء من جنس العمل، إذا سترت المسلم أي: سترت عيوبه وآثامه ونقصه؛ فإن الله تعالى يستر عليك في الدنيا والآخرة"، وهذه قاعدة عامة، ويرويه بعض العوام ما دام العبد في عون أخيه وهذا غلط، والصواب "ما كان العبد" فهو لفظ الحديث وهو المطابق أيضًا؛ لأن "ما كان العبد" تدل على أن الله في عون الإنسان حسب عوه لأخيه، وأما "ما دام" فلا تدل على ذلك، وإنما تدل على أن الإنسان ما دام معينا أخاه فالله معينه، ولكن لا تدل على أن إعانة الله له من جنس إعانته لأخيه بخلاف اللفظ النبوي: "ما كان العبد في عون أخيه". من فوائد الحديث: الحث على تفريج كربات المسلمين. ومن فوائده: أن الجزاء من جنس العمل، بل أكبر من العمل؛ لأن من نفس على مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة. ومن فوائد الحديث أيضًا: التيسير على المعسر، وأن الجزاء من جنس العمل، وأن الله يستر عليه في الدنيا والآخرة بل هو أكثر؛ لأن الله ييسر عليه في الدنيا والآخرة، والتيسير على المعسر

стр. 3292

قسمان: قسم في طلب ما لا يستطيع من حقك فهذا حرام عليك أن تعسره بل يجب التيسير، كرجل له مال عند شخص والمدين لا يستطيع الوفاء، فهنا يجب أن تيسر عليه وجوبًا؛ لقول الله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرةٍ فنظرةً إلى ميسرةٍ﴾. ولا يحل لك طلبه ولا مطالبته، بل الواجب الإنظار، وهناك تيسير ليس بواجب فهذا يندب إليه. فإن قال قائل: هل هذا الجزاء يشمل الواجب والمستحب؟ قلنا: نعم، يشمل هذا وهذا، بل التيسير الواجب أفضل من التيسير المستحب. ومن فوائد الحديث: أن من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، ففيه الحث على ستر المسلم، ولكن هذا ليس على إطلاقه، فالستر على حسب المصلحة، إن كان في ستره مصلحة عبارة عن شيء حصل ولن يعود إليه فيما نعلم من حاله فهنا الستر أفضل، وإذا كان العيب من شخص معروف بالشر والفساد فالواجب كشفه وبيانه حتى ينكف شره عن عباد الله، فهذا الحديث ليس على إطلاقه بل تقيده النصوص الأخرى، وهو أن الله لا يحب الفساد، وستر من عرف بالفساد سبب [لنشر] الفساد. ومن فوائد هذا الحديث: إثبات الآخرة والجزاء فيها، وهو ظاهر. ومن فوائد الحديث: القاعدة العامة: "أن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه"، والمراد بذلك: عونه على ما لا ضرر فيه، وأما عونه على ما فيه ضرر في الدين وفي الدنيا فليس الله في عون صاحبه؛ لأن هذا فساد والله لا يحب الفساد، ولا يمكن أن يعين الله تعالى من أراد الفساد؛ إذن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه على الخير أو على ما لا مضرة فيه وهذا أدق وأما ما فيه مضرة دينية أو دنيوية فإن الله تعالى لا يأذن به ولا يعين فاعله. الدال على الخير كفاعله: ١٤٠٧ - وعن ابن مسعودٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من دل على خيرٍ؛ فله مثل أجر فاعله». أخرجه مسلم. هذا أيضًا من الأحاديث العظيمة المهمة: "من دل على خير" أي خير كان، لكن لما قال: "فله مثل أجر فاعله" علمنا أن المراد بذلك: ما كان خيرًا في الدين بحيث يثاب عليه العبد، فمن دل على خير فله مثل أجر فاعله، والدلالة نوعان: إما أن يدله بنفسه على الخير فيقول مثلاً: يسن لك أن تصلي ركعتين في الضحى، يسن لك أن تختم صلاة الليل بالوتر وما أشبه ذلك،

стр. 3293

هذه دلالة مباشرة، أو دلالة غير مباشرة بحيث يدله على من يدله على الخير مثل: أن يسألك إنسان عن مسألة دينية وأنت لا تعرفها فتقول: أسأل فلانًا من العلماء، هذا يكون قد دل على من يدل على الخير، ثم إن الدلالة على الخير تنقسم إلى قسمين: دلالة بالقول، ودلالة بالفعل، والناس يقتدون بالقول ويقتدون بالفعل، وربما كان اقتداؤهم بالفعل أكثر، فمثلاً: إذا اقتدى بك إنسان في التهجد في الليل أو في إعانة الضعيف أو في الصدقة على فقير اقتدى بك وأنت لم تقل له ذلك، فهذا يعتبر دلالة لكن دلالة فعلية، وكذلك أيضًا من دل على ترك المحذور وترك الشر بنية صالحة وتركه غيره بهذه النية فله مثل أجر فاعله. فمن فوائد الحديث: الحث على الدلالة على الخير إما بالقول وإما بالفعل، ومن الدلالة على الخير دلالة الخطباء في مساجدهم يوجهون الناس، ودلالة الوعاظ في أماكن الوعظ يدلون الناس، ودلالة المعلمين في فصول الدراسة يعلمون الناس، ويدلونهم على الخير وأبواب هذا كثيرة جدًا. ومن فوائد الحديث: أن الأسباب لها أحكام المقاصد، فالدلالة على الخير سبب للخير، فإذا فعل الإنسان الخير كان للدال مثل أجره، فدل على أن الوسائل لها أحكام المقاصد. ومن فوائد الحديث: أن الأجر الحاصل للدال لا ينقص أجر المدلول لقوله: "فله مثل أجر فاعله"، ولم يقل: فالأجر بينهما؛ أي: بين الدال والمدلول، بل قال: "مثل أجر فاعله"، وعلى هذا فإن أجر المدلول لا ينقص بإعطاء الدال مثل أجره، وفضل الله واسع. المكافأة على المعروف: ١٤٠٨ - وعن ابن عمر ﵂، عن النبي ﷺ قال: «من استعاذكم بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن أتى إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له». أخرجه البيهقي. قوله: "من استعاذكم"، الاستعاذة معناها: الاعتصام بالشيء، والمعنى: من اعتصم بالله منكم فاعصموه، مثال ذلك: قال: أعوذ بالله منك فأعيذوه؛ لأنه استعاذ بمعاذ عظيم فيجب أن تعيذوه، وليس هذا من باب الاستشفاع بالله على خلقه؛ لأن الاستشفاع بالله على خلقه حرام. لو قال قائل: أتوجه بالله إليك أو أستشفع بالله إليك لكان هذا حرامًا؛ لأن منزلة الشافع أدنى من منزلة المشفوع إليه، فإذا جعلت الله شافعًا إلى مخلوق، جعلت الله في مرتبة دون المطلوب، فلا يجوز أن تقول: أشفع بالله إليك، ولا أتوجه بالله إليك؛ لأنك حينئذٍ جعلت مقام

стр. 3294

الرب دون مقام هذا البشر، لكن الاستعاذة بالله التجاء واعتصام بمن هو أقوى ممن يريدك بسوء فلذلك جاز، ولم يجز الاستشفاع بالله على خلقه. وقوله: "من استعاذكم بالله فأعيذوه" هذا مطلق، ظاهره حتى لو استعاذ منا بالله من شيء واجب عليه مثل أن آتي إلى شخص أطلبه فأقول: يا فلان، أعطني حقي وهو قادر، قال: أعوذ بالله من: هل يجب أن نعيذه؟ لا؛ لأني أعلم أن الله لا يجيبه؛ لأن استعاذته بالله عن حق واجب عليه، يعني: إقرار الله الظلم وهذا مستحيل، فعلى هذا إذا استعاذ بالله تعالى من شيء واجب عليه فإننا لا نجيبه؛ لأننا نعلم أن الله لا يعيذه ، إذ إن الله يقول: ﴿إنه لا يفلح الظالمون﴾ [الأنعام: ٢١]. ويقول: ﴿والله لا يحب الظالمين﴾ [آل عمران: ٥٧]. إذا استعاذ بالله من شخص في أمر مباح هل أعيذه أو لا؛ يعني: طلبت منه أن يعيرني شيئًا؟ فقال: أعوذ بالله منك، أعيذه لأنه استعاذ من شيء له أن يستعيذ بالله منه، فإن بعض الناس يلجئك ويضيق عليك في طلب إعارة شيء أو إعطاء مال أو غير ذلك فيريد أن يستعيذ بالله منك فأعذه، وقد وقع شيء فيه إشكال وهو أن الرسول ﷺ لما دخل عليه ابنة ابن الجون فقالت: أعوذ بالله منك! فقال لها: «لقد عذت بعظيم الحقي بأهلك»، وتركها مع أنها استعاذت من أمر كان واجبًا عليها وهو تمكين زوجها منها، لكن لكرم النبي ﷺ وحسن خلقه أسقط حقه عليها وأعاذها، وإلا فلو أن أحدًا قالت له زوجته حين دعاها إلى فراشه: أعوذ بالله منك ماذا يعمل؟ كلما دنا منها قالت: أعوذ بالله منك؟ بماذا يجيبها؟ يقول: إن الله لا يعيذ الظالمين، ولا يلزمه أن يعيذها؛ لأنها استعاذت من حق واجب عليها، نعم لو كان مفرطًا هو في حقها ولا يعطيها حقها فلها أن نستعيذ بالله منه، وعليه أن يعيذها. "ومن سألكم بالله فأعطوه"، أختلف المفسرون - الشرح - في معناها هل المعنى: من سألكم بشرع الله؛ أي: من سأل سؤالاً يستحقه في الشرع فأعطوه، أو من قال: أسألك بالله أن تعطيني كذا؟ فيها قولان، والقاعدة أن النص القرآني أو النبوي إذا احتمل معنيين لا ينافي أحدهما الآخر فإن الواجب حمله عليهما، فنقول: من سأل بالله؛ أي: من سأل بدين الله؛ أي: سأل سؤالاً مشروعًا فأعطوه، مثال ذلك رجل فقير أتى إلي وقال: أسألك أن تعطيني من الزكاة فأعطيه هذا أحق من فقير لم يسألني، لأن هذا سأل فصار مستحقًا للإعطاء بحاله وسؤاله، أما إذا علمنا أنه سال ما لا يستحق فلا أعطيه بناء على تفسير من سال بالله؛ أي: بشرع الله، فإذا جاء يسألني من الزكاة وأنا أعرف أنه غني لكنه سأل تكثرًا فلا أعطيه، هذا وجه، الوجه الثاني: "من سألكم بالله" أي: من قال: أسألك بالله أن تعطيني، فهل تعطيه؟ هذا أيضًا يحتاج إلى تفصيل، إذا سأل ما لا يحل له فلا تعطه، مثال ذلك: جاءك إنسان وقال: أسألك بالله أن تشتري لي دخان فهل تعطيه؟ هذا

стр. 3295

إنسان يشرب الدخان وليس معه نقود وضاقت عليه الأرض بما رحبت، فقال: الحمد لله عندي حديث عن الرسول ﷺ يقول: «من سألكم بالله فأعطوه»، فذهب إلى رجل وقال: أسألك الله أن تعطيني مائة ريال أشتري بها دخانا، فهل يجوز؟ لا، لا يجوز، لأن الله يقول: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. ولا أعطيه، لكن أعطيه ما هو خير من ذلك وهو النصيحة، وأقول: اتق الله، انظر ماذا حدث لك من الدخان؟ صرت تتكفف الناس، فأعطيه ما هو خير من المال. إذا سألني شيئاً مباحاً لكن تتعلق حاجتي به، مثل أن رأى معي ساعة أعجبته تماماً وهي تتعلق بها حاجتي فقال: أسألك بالله أن تعطيني الساعة هل يلزمك؟ لا يلزمك؛ لأننا لو فتحنا هذا الباب وقلنا: يلزم لا نكب الناس علينا، وكلما رأوا معنا شيئاً يعجبهم سألونا بالله أن نعطيهم إياه، وهذا لا تأتي به الشريعة، إذن هذه الإطلاقات تكون مقيدة بما علم من قواعد الشريعة وهي إتباع المصالح واجتناب المفاسد. «ومن أتى إليكم معروفاً فكافئوه» يعني: إذا أحسن إليك إنسان بصدقة أو هدية أو هبة أو كلمة طيبة أو غير ذلك فكافئوه؛ أي: أعطوه ما يكافئه، مثلا: أثنى عليك في مجلس كافئه، أثنى عليه بما هو فيه في مجلس آخر، أهدى إليك هدية قبل الهدية وكافئه، كذلك أيضا سعى لك في خير كافئه، فإن لم تجد ما تكافئه، فادع الله له، مثل رجل أهدى إليك هدية ضخمة ولا تستطيع أن تكافئه فادع الله له، وهذا الدعاء يقابل المعروف الذي أتى إليك، وكذلك أيضا إذا كان هذا الذي أتى إليك معروفاً تجري العادة بمكافأته مثل السلطان والأمير والابن وغير ذلك، هذا لم تجر العادة بمكافأته فماذا أصنع؟ أكافئه بالدعاء، فقول الرسول: «لم تجدوا» نقول: وكذلك إذا لم تجر العادة بمكافأته ورأى هو أنك إن كافأته لكان هذا يعني رد معروفه، فهنا أرشد النبي ﷺ أن ندعو له. في هذا الحديث فوائد: منها: وجوب تعظيم الله لقوله: «من استعاذكم بالله فأعيذوه». ومنها: جواز الاستعاذة بالله تعالى من كيد الأعداء؛ لقوله: «من استعاذكم بالله فأعيذوه»، وأما من استعاذ بالله لدفع واجب عليه فهذا لا يعاذ. ومنها: أن من سأل بالله على الوجهين [اللذين ذكرناهما] فإنه يعطى، ومن سأل على غير هذا الوجه فإنه لا يعطى. ومنها: مكافأة من أتى إليك معروفاً، وهل المكافأة واجبة؟ تقول: ظاهر الحديث الوجوب. ومنها: أن من عجز عن شيء فإنه قد يكون له بدل، وقد يكون ليس له بدل ومسألتنا هذه لها بدل، وهو الدعاء. ومنها: حسن الشريعة الإسلامية، حيث جعلت لمن صنع المعروف مكافأة لينشط فاعل المعروف على بذل المعروف.
следующие страницы →