← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

شك أنه ليس من خلق الإسلام، من خلق الإسلام هو أن الإنسان يحسن إلى جاره ويكرم جاره بكل ما يستطيع. الترغيب في التفريج عن المسلم والتيسير عليه: ١٤٠٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من نفس عن مؤمن كربةً من كرب الدنيا؛ نفس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر؛ يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا، ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». أخرجه مسلم. يقول الرسول ﷺ : «من نفس عن مؤمن كربة»، "نفس" بمعنى: وسع، والكربة: الضيقة من كرب الدنيا، "فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة"، وكرب يوم القيامة أشد من كرب الدنيا، والجزاء من جنس العمل، بل وأعظم "ومن يسر على معسر"، في أي شيء كان، سواء بالمال أو بالعمل أو بأي شيء من أنواع الإعسار، "يسر الله عليه في الدنيا، والجزاء من جنس العمل، بل وأعظم "ومن يسر على معسر"، في أي شيء كان، سواء بالمال أو بالعمل أو بأي شيء من أنواع الإعسار، "يسر الله عليه في الدنيا والآخرة"، ومن ذلك: إنظار المعسر وهو أن يكون لرجل على آخر دين، والمدين معسر فييسر عليه فإن الله ييسر عليه في الدنيا والآخرة، وكذلك من يسر عليه بمساعدته ومعاونته ونحو ذلك فهو داخل في الحديث. "ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة"، هذا أيضًا الجزاء من جنس العمل، إذا سترت المسلم أي: سترت عيوبه وآثامه ونقصه؛ فإن الله تعالى يستر عليك في الدنيا والآخرة"، وهذه قاعدة عامة، ويرويه بعض العوام ما دام العبد في عون أخيه وهذا غلط، والصواب "ما كان العبد" فهو لفظ الحديث وهو المطابق أيضًا؛ لأن "ما كان العبد" تدل على أن الله في عون الإنسان حسب عوه لأخيه، وأما "ما دام" فلا تدل على ذلك، وإنما تدل على أن الإنسان ما دام معينا أخاه فالله معينه، ولكن لا تدل على أن إعانة الله له من جنس إعانته لأخيه بخلاف اللفظ النبوي: "ما كان العبد في عون أخيه". من فوائد الحديث: الحث على تفريج كربات المسلمين. ومن فوائده: أن الجزاء من جنس العمل، بل أكبر من العمل؛ لأن من نفس على مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة. ومن فوائد الحديث أيضًا: التيسير على المعسر، وأن الجزاء من جنس العمل، وأن الله يستر عليه في الدنيا والآخرة بل هو أكثر؛ لأن الله ييسر عليه في الدنيا والآخرة، والتيسير على المعسر

стр. 3292

قسمان: قسم في طلب ما لا يستطيع من حقك فهذا حرام عليك أن تعسره بل يجب التيسير، كرجل له مال عند شخص والمدين لا يستطيع الوفاء، فهنا يجب أن تيسر عليه وجوبًا؛ لقول الله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرةٍ فنظرةً إلى ميسرةٍ﴾. ولا يحل لك طلبه ولا مطالبته، بل الواجب الإنظار، وهناك تيسير ليس بواجب فهذا يندب إليه. فإن قال قائل: هل هذا الجزاء يشمل الواجب والمستحب؟ قلنا: نعم، يشمل هذا وهذا، بل التيسير الواجب أفضل من التيسير المستحب. ومن فوائد الحديث: أن من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، ففيه الحث على ستر المسلم، ولكن هذا ليس على إطلاقه، فالستر على حسب المصلحة، إن كان في ستره مصلحة عبارة عن شيء حصل ولن يعود إليه فيما نعلم من حاله فهنا الستر أفضل، وإذا كان العيب من شخص معروف بالشر والفساد فالواجب كشفه وبيانه حتى ينكف شره عن عباد الله، فهذا الحديث ليس على إطلاقه بل تقيده النصوص الأخرى، وهو أن الله لا يحب الفساد، وستر من عرف بالفساد سبب [لنشر] الفساد. ومن فوائد هذا الحديث: إثبات الآخرة والجزاء فيها، وهو ظاهر. ومن فوائد الحديث: القاعدة العامة: "أن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه"، والمراد بذلك: عونه على ما لا ضرر فيه، وأما عونه على ما فيه ضرر في الدين وفي الدنيا فليس الله في عون صاحبه؛ لأن هذا فساد والله لا يحب الفساد، ولا يمكن أن يعين الله تعالى من أراد الفساد؛ إذن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه على الخير أو على ما لا مضرة فيه وهذا أدق وأما ما فيه مضرة دينية أو دنيوية فإن الله تعالى لا يأذن به ولا يعين فاعله. الدال على الخير كفاعله: ١٤٠٧ - وعن ابن مسعودٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من دل على خيرٍ؛ فله مثل أجر فاعله». أخرجه مسلم. هذا أيضًا من الأحاديث العظيمة المهمة: "من دل على خير" أي خير كان، لكن لما قال: "فله مثل أجر فاعله" علمنا أن المراد بذلك: ما كان خيرًا في الدين بحيث يثاب عليه العبد، فمن دل على خير فله مثل أجر فاعله، والدلالة نوعان: إما أن يدله بنفسه على الخير فيقول مثلاً: يسن لك أن تصلي ركعتين في الضحى، يسن لك أن تختم صلاة الليل بالوتر وما أشبه ذلك،

стр. 3293

هذه دلالة مباشرة، أو دلالة غير مباشرة بحيث يدله على من يدله على الخير مثل: أن يسألك إنسان عن مسألة دينية وأنت لا تعرفها فتقول: أسأل فلانًا من العلماء، هذا يكون قد دل على من يدل على الخير، ثم إن الدلالة على الخير تنقسم إلى قسمين: دلالة بالقول، ودلالة بالفعل، والناس يقتدون بالقول ويقتدون بالفعل، وربما كان اقتداؤهم بالفعل أكثر، فمثلاً: إذا اقتدى بك إنسان في التهجد في الليل أو في إعانة الضعيف أو في الصدقة على فقير اقتدى بك وأنت لم تقل له ذلك، فهذا يعتبر دلالة لكن دلالة فعلية، وكذلك أيضًا من دل على ترك المحذور وترك الشر بنية صالحة وتركه غيره بهذه النية فله مثل أجر فاعله. فمن فوائد الحديث: الحث على الدلالة على الخير إما بالقول وإما بالفعل، ومن الدلالة على الخير دلالة الخطباء في مساجدهم يوجهون الناس، ودلالة الوعاظ في أماكن الوعظ يدلون الناس، ودلالة المعلمين في فصول الدراسة يعلمون الناس، ويدلونهم على الخير وأبواب هذا كثيرة جدًا. ومن فوائد الحديث: أن الأسباب لها أحكام المقاصد، فالدلالة على الخير سبب للخير، فإذا فعل الإنسان الخير كان للدال مثل أجره، فدل على أن الوسائل لها أحكام المقاصد. ومن فوائد الحديث: أن الأجر الحاصل للدال لا ينقص أجر المدلول لقوله: "فله مثل أجر فاعله"، ولم يقل: فالأجر بينهما؛ أي: بين الدال والمدلول، بل قال: "مثل أجر فاعله"، وعلى هذا فإن أجر المدلول لا ينقص بإعطاء الدال مثل أجره، وفضل الله واسع. المكافأة على المعروف: ١٤٠٨ - وعن ابن عمر ﵂، عن النبي ﷺ قال: «من استعاذكم بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن أتى إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له». أخرجه البيهقي. قوله: "من استعاذكم"، الاستعاذة معناها: الاعتصام بالشيء، والمعنى: من اعتصم بالله منكم فاعصموه، مثال ذلك: قال: أعوذ بالله منك فأعيذوه؛ لأنه استعاذ بمعاذ عظيم فيجب أن تعيذوه، وليس هذا من باب الاستشفاع بالله على خلقه؛ لأن الاستشفاع بالله على خلقه حرام. لو قال قائل: أتوجه بالله إليك أو أستشفع بالله إليك لكان هذا حرامًا؛ لأن منزلة الشافع أدنى من منزلة المشفوع إليه، فإذا جعلت الله شافعًا إلى مخلوق، جعلت الله في مرتبة دون المطلوب، فلا يجوز أن تقول: أشفع بالله إليك، ولا أتوجه بالله إليك؛ لأنك حينئذٍ جعلت مقام

стр. 3294

الرب دون مقام هذا البشر، لكن الاستعاذة بالله التجاء واعتصام بمن هو أقوى ممن يريدك بسوء فلذلك جاز، ولم يجز الاستشفاع بالله على خلقه. وقوله: "من استعاذكم بالله فأعيذوه" هذا مطلق، ظاهره حتى لو استعاذ منا بالله من شيء واجب عليه مثل أن آتي إلى شخص أطلبه فأقول: يا فلان، أعطني حقي وهو قادر، قال: أعوذ بالله من: هل يجب أن نعيذه؟ لا؛ لأني أعلم أن الله لا يجيبه؛ لأن استعاذته بالله عن حق واجب عليه، يعني: إقرار الله الظلم وهذا مستحيل، فعلى هذا إذا استعاذ بالله تعالى من شيء واجب عليه فإننا لا نجيبه؛ لأننا نعلم أن الله لا يعيذه ، إذ إن الله يقول: ﴿إنه لا يفلح الظالمون﴾ [الأنعام: ٢١]. ويقول: ﴿والله لا يحب الظالمين﴾ [آل عمران: ٥٧]. إذا استعاذ بالله من شخص في أمر مباح هل أعيذه أو لا؛ يعني: طلبت منه أن يعيرني شيئًا؟ فقال: أعوذ بالله منك، أعيذه لأنه استعاذ من شيء له أن يستعيذ بالله منه، فإن بعض الناس يلجئك ويضيق عليك في طلب إعارة شيء أو إعطاء مال أو غير ذلك فيريد أن يستعيذ بالله منك فأعذه، وقد وقع شيء فيه إشكال وهو أن الرسول ﷺ لما دخل عليه ابنة ابن الجون فقالت: أعوذ بالله منك! فقال لها: «لقد عذت بعظيم الحقي بأهلك»، وتركها مع أنها استعاذت من أمر كان واجبًا عليها وهو تمكين زوجها منها، لكن لكرم النبي ﷺ وحسن خلقه أسقط حقه عليها وأعاذها، وإلا فلو أن أحدًا قالت له زوجته حين دعاها إلى فراشه: أعوذ بالله منك ماذا يعمل؟ كلما دنا منها قالت: أعوذ بالله منك؟ بماذا يجيبها؟ يقول: إن الله لا يعيذ الظالمين، ولا يلزمه أن يعيذها؛ لأنها استعاذت من حق واجب عليها، نعم لو كان مفرطًا هو في حقها ولا يعطيها حقها فلها أن نستعيذ بالله منه، وعليه أن يعيذها. "ومن سألكم بالله فأعطوه"، أختلف المفسرون - الشرح - في معناها هل المعنى: من سألكم بشرع الله؛ أي: من سأل سؤالاً يستحقه في الشرع فأعطوه، أو من قال: أسألك بالله أن تعطيني كذا؟ فيها قولان، والقاعدة أن النص القرآني أو النبوي إذا احتمل معنيين لا ينافي أحدهما الآخر فإن الواجب حمله عليهما، فنقول: من سأل بالله؛ أي: من سأل بدين الله؛ أي: سأل سؤالاً مشروعًا فأعطوه، مثال ذلك رجل فقير أتى إلي وقال: أسألك أن تعطيني من الزكاة فأعطيه هذا أحق من فقير لم يسألني، لأن هذا سأل فصار مستحقًا للإعطاء بحاله وسؤاله، أما إذا علمنا أنه سال ما لا يستحق فلا أعطيه بناء على تفسير من سال بالله؛ أي: بشرع الله، فإذا جاء يسألني من الزكاة وأنا أعرف أنه غني لكنه سأل تكثرًا فلا أعطيه، هذا وجه، الوجه الثاني: "من سألكم بالله" أي: من قال: أسألك بالله أن تعطيني، فهل تعطيه؟ هذا أيضًا يحتاج إلى تفصيل، إذا سأل ما لا يحل له فلا تعطه، مثال ذلك: جاءك إنسان وقال: أسألك بالله أن تشتري لي دخان فهل تعطيه؟ هذا

стр. 3295

إنسان يشرب الدخان وليس معه نقود وضاقت عليه الأرض بما رحبت، فقال: الحمد لله عندي حديث عن الرسول ﷺ يقول: «من سألكم بالله فأعطوه»، فذهب إلى رجل وقال: أسألك الله أن تعطيني مائة ريال أشتري بها دخانا، فهل يجوز؟ لا، لا يجوز، لأن الله يقول: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. ولا أعطيه، لكن أعطيه ما هو خير من ذلك وهو النصيحة، وأقول: اتق الله، انظر ماذا حدث لك من الدخان؟ صرت تتكفف الناس، فأعطيه ما هو خير من المال. إذا سألني شيئاً مباحاً لكن تتعلق حاجتي به، مثل أن رأى معي ساعة أعجبته تماماً وهي تتعلق بها حاجتي فقال: أسألك بالله أن تعطيني الساعة هل يلزمك؟ لا يلزمك؛ لأننا لو فتحنا هذا الباب وقلنا: يلزم لا نكب الناس علينا، وكلما رأوا معنا شيئاً يعجبهم سألونا بالله أن نعطيهم إياه، وهذا لا تأتي به الشريعة، إذن هذه الإطلاقات تكون مقيدة بما علم من قواعد الشريعة وهي إتباع المصالح واجتناب المفاسد. «ومن أتى إليكم معروفاً فكافئوه» يعني: إذا أحسن إليك إنسان بصدقة أو هدية أو هبة أو كلمة طيبة أو غير ذلك فكافئوه؛ أي: أعطوه ما يكافئه، مثلا: أثنى عليك في مجلس كافئه، أثنى عليه بما هو فيه في مجلس آخر، أهدى إليك هدية قبل الهدية وكافئه، كذلك أيضا سعى لك في خير كافئه، فإن لم تجد ما تكافئه، فادع الله له، مثل رجل أهدى إليك هدية ضخمة ولا تستطيع أن تكافئه فادع الله له، وهذا الدعاء يقابل المعروف الذي أتى إليك، وكذلك أيضا إذا كان هذا الذي أتى إليك معروفاً تجري العادة بمكافأته مثل السلطان والأمير والابن وغير ذلك، هذا لم تجر العادة بمكافأته فماذا أصنع؟ أكافئه بالدعاء، فقول الرسول: «لم تجدوا» نقول: وكذلك إذا لم تجر العادة بمكافأته ورأى هو أنك إن كافأته لكان هذا يعني رد معروفه، فهنا أرشد النبي ﷺ أن ندعو له. في هذا الحديث فوائد: منها: وجوب تعظيم الله لقوله: «من استعاذكم بالله فأعيذوه». ومنها: جواز الاستعاذة بالله تعالى من كيد الأعداء؛ لقوله: «من استعاذكم بالله فأعيذوه»، وأما من استعاذ بالله لدفع واجب عليه فهذا لا يعاذ. ومنها: أن من سأل بالله على الوجهين [اللذين ذكرناهما] فإنه يعطى، ومن سأل على غير هذا الوجه فإنه لا يعطى. ومنها: مكافأة من أتى إليك معروفاً، وهل المكافأة واجبة؟ تقول: ظاهر الحديث الوجوب. ومنها: أن من عجز عن شيء فإنه قد يكون له بدل، وقد يكون ليس له بدل ومسألتنا هذه لها بدل، وهو الدعاء. ومنها: حسن الشريعة الإسلامية، حيث جعلت لمن صنع المعروف مكافأة لينشط فاعل المعروف على بذل المعروف.

стр. 3296

٣ - باب الزهد والورع لابد أن نعرف الفرق بينهما؛ لأن عطف أحدهما على الآخر يدل على المغايرة، والفرق بينهما: أن الزهد: ترك ما لا ينفع في الآخرة؛ يعني: يزهد في الدنيا ولا يأتي من الدنيا إلا ما ينفعه في الآخرة فقط، هذا لاشك أنه زهد في الدنيا؛ لأنه لا يريد أن يأتي إلا ما ينفعه في الآخرة، أما الدنيا فلا يريدها إطلاقاً، والورع: ترك ما يضر في الآخرة، أيهما أكمل؟ الزهد، لأن بين الذي لا ينفع والذي يضر واضح وهو ما لا نفع فيه ولا ضرر، فالزاهد يترك والورع لا يترك، ثم ذكر المؤلف حديث النعمان فقال: الحلال والحرام والمشتبهات: ١٤٠٩ - عن النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول -وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه: «إن الحلال بين، وإن الحرام بَين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات؛ فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». متفق عليه. قوله: «وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه» تحقيقاً للسماع، وإصبع هذه من الكلمات التي لا يمكن الخطأ فيها من حيث الحركات؛ لان فيه عشر لغات يشير إليها قول الشاعر: (وهمز أنملة ثلث وثالثه ... التسع في إصبع واختم بأصبوع) فتكون اللغات تسع من ضرب ثلاثة في ثلاثة، و «التسع في إصبع» هو محل الشاهد، «واختم بأصبوع» فتكون اللغات في إصبع عشرة، أما «أنملة» ففيها تسع لغات، شرح هذا وإن كان ليس في الحديث لكن لا بأس أنه ينفع إن شاء الله؛ فنقول: لنأخذ الهمزة في أصبع على أنها مفتوحة والباء مثلثة نقول: أصُبع أصَبع أصِبع، لنأخذ الهمزة مضمومة والباء مثلثة أصُبع أصَبع أصبِع، لنأخذ الهمزة مكسورة والباء مثلثة إصبَع إصبُع إصبِع، كم هذه؟ هذه تسع، العاشر أصُبوع، أما أنملة فيقال فيها كما قلنا في أصبع، يقال: أنملة أنمُلة أَنملة، أنمُلة أنمَلة أُنملة، إنمَلة إنمُلة إنمِلة، الجميع تسع، الآن في بيت واحد حصلنا على تسع عشرة لغة، عشر في «إصبع» وتسع في «أنملة». «أهوى النعمان ﵁ بأصبعيه إلى أذنيه» تحقيقاً للسمع، قال ﷺ : «إن الحلال بين والحرام بين

стр. 3297

وبينهما مشتبهات ... إلخ» فقسم الرسول ﷺ الحرام والحلال إلى قسمين: قسم بين ظاهر لا يخفى على أحد، وقسم مشتبه، والاشتباه إما أن يكون في الدليل أو في الاستدلال أو في المدلول، هذه ثلاثة أقسام، وأما البين فبين فمثلا حل الطيبات بين، تحريم الخبائث بين، الميتة تحريمها بين، الخنزير تحريمه بين، الزنا تحريمه بين، وأشياء كثيرة، والحلال أيضا بين، هناك أمور مشتبهات لم يذكر الرسول ﷺ الواجب؛ لأن الحديث موضوعه عن الأمور التي يتغذى بها الإنسان ويأكلها، وإلا فالواجب لاشك منه بين ما هو مشتبه. «بينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس»، و «يعلمهن كثير من الناس» يعني: الناس يختلفون فيه، الرسول لم يقل: لا يعلمهن أكثر الناس، بل قال «كثير»، أي: كثير من الناس يعلمهن، والكثير تطلق على هذا وهذا كما قال الله تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨]. من الذي يعلمهن؟ يعلمهن أهل العلم الراسخون فيه الذين يعلمون نصوص الشارع، ويعرفون كيف يستدلون بها ويعرفون المدلول، مثلا: العلم بالدليل لابد أن يكون الإنسان يعرف الدليل؛ هذا حلال هذا حرام من القرآن أو من السنة أو منهما أو من إجماع السلف، الاستدلال يعرف العام الذي يتناول جميع الأفراد، يعرف الخاص الذي لا يتناول إلا شيئاً معيناً، يعرف المطلق من المقيد وما أشبه ذلك، يعرف المدلول؛ أي: يعرف أن الدليل أنطبق على هذا الشيء بعينه، مثال ذلك: إذا اختلط الخمر بشراب حلال ولكنه لم يؤثر فيه إسكاراً هل هو حلال أو حرام؟ حلال، اشتبه على بعض الناس فظن أنه حرام بحجة: «ما أسكر كثيرة فقليله حرام»، هنا الخطأ في الاستدلال، الدليل واضح صريح: «ما أسكر كثيرة فقليله حرام»، هؤلاء اشتبه عليهم الأمر فظنوا أن معنى قول ﷺ : «ما أسكر كثيرة فقليله حرام» ظنوا أن معناه: ما كان فيه شيء قليل من مسكر فهو حرام وليس كذلك؛ لأن معنى الحديث: أن هذا الشراب لو أكثرت منه لحصل الإسكار، ولو أقللت منه لم يحصل الإسكار، فهل يجوز القليل منه الذي لا يحصل به الإسكار؟ الجواب: لا، هذا معنى الحديث: وليس معنى الحديث ما كان فيه جزء يسير من الخمر فهو حرام، لأننا نقول: لو أن عندك ماء سقط فيه نجاسة يسيرة لم تؤثر فيه شيء ما حكمه؟ طهور تشرب منه وتتوضأ منه وتطهر منه الثوب والبدن مع أن فيه جزءاً يسيراً من النجاسة، لكن هل النجاسة انحلت فيه [وغيرته]؟ لا، فلم يبق لها حكم، كذلك الخمر لو سقطت نقطة في كأس لكنها لا تؤثر فيه إطلاقا، لو تشرب عشرين كأسا ما حصل الإسكار، إذن الدليل واضح، الاستدلال غير صحيح، ولهذا يحصل الاشتباه عند بعض الناس. كذلك أيضا قال النبي ﷺ : «إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام»، فقالوا: يا

стр. 3298

رسول الله، أرأيت شحوم الميتة فإنه تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: «لا، هو حرام»، الضمير هنا يعود على البيع الذي هو موضع الحديث، أو يعود على الانتفاع بذلك بالاستصباح ودهن الجلود وطلي السفن؟ هذا أيضاً مما يشتبه في دلالة الحديث عليه؛ فمن العلماء من قال: يعود على البيع؛ لأن الصحابة أوردوا ذلك لعل النبي ﷺ يجيز بيعها لهذا الغرض، ومن الناس من قال: إنه يعود على الانتفاع وأن شحوم الميتة لا تطلى بها السفن ولا تدهن بها الجلود ولا يستصبح بها الناس، والراجح: أنه يعود إلى البيع؛ لأنه هو محل الحديث، والرسول ﷺ ما تحدث عن هذه المنافع، المهم: أنواع الاشتباه كثيرة. يقول: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه»، «استبرأ»؛ أي: ابتغى البراءة لدينه ولعرضه، أما الدين فبينه الرسول ﷺ كما سيأتي، وأما العرض؛ فلأن الإنسان إذا أتى المشتبهات فإن الناس يأكلون لحمه ويعرض نفسه للغيبة والسب وما أشبه ذلك. «ومن وقع في الشبهات وقع في الرحرام»، هل المحرم نفس المشتبه، أو أنه وقع في الحرام؟ يعني: صار وقوعه في المشتبه سبباً لوقوعه في الحرام؛ يعني: أنه إذا وقع في الشبهات فإنه يتوقع أن يقع في الحرام، هذا هو المراد، وليس المعنى: أن المشتبهات حرام، ولكن المشتبهات لاشك أن الورع تركها، أما اللزوم فلا يلزم إلا ما كان يقيناً، إذن من وقع في الشبهات أوشك أن يقع في الحرام، هذا معنى قوله: «وقع في الحرام»، مثل الرسول لذلك بقوله: «كالراعي يرعى حول الحمى»، «الراعي» أي: راعي الإبل، راعي الغنم، راعي البقر، راعي الظباء؛ أي راعٍ، «يرعى حول الحمى»، «الحمى» المكان الذي منع من الرعي فيه، وهذا يقع كثيراً من الأمراء أو الخلفاء، إما للمصالح العامة، وإما للمصالح الخاصة، مثلاً: هذه أرض مخصبة فيها العشب الكثير حماها أحد من الناس، بمعنى: أنه منع من الرعي فيها، ماذا تكون هذه الأرض؟ سيكون نباتها كثيراً؛ لأنه لا يرعى، وسيكون نضراً؛ لأنه ليس حوله غبار، إذا رعى الراعي حول هذا الحمى يوشك أن يقع فيه؛ لأن الغنم أو البقر أو الإبل إذا رأت هذا المكان النضر سوف ترتع فيه، إما أن تستغفل الراعي وإما أن تتمرد عليه ويعجز عنها، ولهذا قال: «كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه». ثم ضرب النبي ﷺ مثلا تقريبياً فقال: «ألا وإن لكل ملك حمى»، وهذا إخبار عن الواقع وليس عن الشرع، إلا أن العلماء (سيأتي في الفوائد) ذكروا أنه يجوز لإمام المسلمين أن يحمى أرضاً لدواب المسلمين، كخيل الجهاد، وإبل الصدقة.

стр. 3299

«ألا وإن لكل ملك حمى»، وهل ملك الملوك له حمى؟ نعم، ولهذا قال: «ألا وإن حمى الله محارمه»، كأنه يقول: ولله حمى، وحماه محارمه التي حرمها على العباد، فهي حمى تدعو النفوس إليها كالراعي الذي يرعى حول الحمى، لكن من اتقى ذلك سلم، مثال هذا: الربا، ونحن الآن نتكلم على هذا الحديث بناء على أنه يتعلق بالغذاء واللباس والطعام وغير ذلك، فالربا حرام، لكن إذا رأى هذا التاجر أن المرابين يكسبون كسباً عظيماً فإنه ربما ينجر إلى ذلك كالمواشي تنجر إلى حمى الملوك، كذلك أيضا في القمار فهو حرام، نجد بعض المقامرين يكون أغنى العالم في ليلة واحدة، هذا المحرم إذا رأى الإنسان أنه قد يكون سبباً للكسب الكبير البالغ في ليلة واحدة سوف ينجز إليه هذه محارم الله، الزنا -أعاذنا الله وإياكم منه- إذا رأى الإنسان أنه ستحصل له متعة بدراهم قليلة والمهور كثيرة ربما تجره نفسه إلى ذلك، فحمى الله محارمه، والمحارم يزينها الشيطان لنفس الإنسان فينتهكها. ثم قال: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب»، كلمة «ألا» يكررها الرسول ﷺ ، لأنها تفيد التنبيه، «ألا وإن في الجسد» أي: جسد الإنسان، فـ «أل» هنا للعهد الذهني؛ لأن العهود ثلاثة: ذكري. وحضوري، وذهني، ففي قول الله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦، ١٥]. هذا ذكرى كأنه قال: فعصى فرعون هذا الرسول الذي أرسلناه، وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]. هذا حضوري، ﴿اَليَوْمَ﴾ يعني: هذا اليوم، وقوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣]. أيضا حضوري، قال النحويون: وكل ما حلى بـ «أل» إذا أتى بعد اسم إشارة فهو حضوري؛ لأن اسم الإشارة يدل على القرب، فإذا جاء بعد المحلى بـ «أل» فهو حضوري، الذهني: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٠]. هذا ذهني، ﴿جَاءَكُمُ الرَّسُولُ﴾ لو سئل أي إنسان من الرسول؟ لقال: محمد ﷺ ، ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [التغابن: ٨]. من النور؟ القرآن؛ لأن الله أنزله، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤]. «ألا وإن في الجسد» أي: جسد الإنسان، «مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ... إلخ»، لو شاء الرسول ﷺ لقال. ألا وإن القلب في الجسد، إذا صلح صلح الجسد لحصل المقصود، لكن أتى به بهذه الصيغة من أجل الاهتمام به والعناية به وبيان أهميته، «ألا وهي القلب»، ومعنى المضغة: أي قطعة من اللحم بقدر ما يمضغه الإنسان، والإنسان ما قدر ما يمضغه من اللحم؟ من أشداقه واسعة فستكون مضغته كبيرة، ومن أشداقه ضيقة فستكون صغيرة، والوسط وسط.

стр. 3300

على كل حال: كلما صغرت المضغة فهو أحسن، لأن الإنسان يستطيع أن يعالجها تماماً ويهضمها تماماً، لكن الغالب أن المضغة من البضة فأقل، ولا أعني بذلك: البيضة الكبيرة، ولكن بيضة الدجاج المعروف فأقل، هذه إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، فتبارك الله أحسن الخالقين، مضغة في الجسد إذا صلحت صلح الجسد كله، وهل المراد هنا بالصلاح: الصلاح الديني، أو الصلاح الجسدي؟ الديني، قد يقول قائل: كلاهما، لكن هذا لا يختص بالقلب، إذا صلح الدماغ أيضاً صلح الجسد كله، إذا صلحت القدمان صلح الجسد كله، المراد: الصلاح الديني. ففي هذا الحديث من الورع: أن النبي ﷺ قال: «من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه». أما فوائده ففيه أولاً: أنه ينبغي لحامل الخبر أن يؤكده بالمؤكدات التي تقنع السامع، يؤخذ ذلك من قوله: «أهوى النعمان بأصبعيه إلى أذنيه»، ومثل ذلك: حديث أبي شريح الخزاعي حيث قال: إن النبي ﷺ قام فينا خطيباً غداة فتح مكة فحدثنا حديثاً سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به، كل هذا تأكيد للسماع، فينبغي للإنسان أن يؤكد خبره بما يفيد تأكده، لاسيما عند الشك فيه إما لغرابته أو لكون المخبر غير ثقة عند السائل فيؤكده بأنواع المؤكدات. ومن فوائد الحديث: أن المحرمات والمحللات تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم حله بين، وقسم تحريمه بين، وقسم مشتبه، أما ما حله بين وتحريمه بين فأمره واضح، الحلال حلال، والحرام حرام، وأما المشتبه فما موقف الإنسان منه؟ موقفه: أن يتقيه، لأنه إن فعله فهو بين الإثم والسلامة، وإن تركه سقط عنه احتمال الإثم وتأكد السلامة، ومعلوم أنه إذا تأكد الإنسان السلامة من الإثم فهو خير له. ومن فوائد الحديث: أن الناس يختلفون في العلم لقوله: «لا يعلمهن كثير من الناس»، وهل يختلفون في الفهم؟ نعم، يختلفون في الفهم اختلافاً عظيماً، أما العلم فمعناه الاطلاع على الأدلة الشرعية وعلى أقوال العلماء، وأما الفهم فهو غريزة يجعلها الله في الإنسان، وقد تكون مكتسبة فتزيد من التمرن وهذا أمر مشاهد، الإنسان كلما تمرن على تدبر النصوص وتفهمها؛ ازداد فهماً، وكم من إنسان أخذ من نص واحد عدة مسائل، وآخر لم يأخذ منه إلا مسألة واحدة، ففضل الله يؤتيه من يشاء، وقد سئل علي بن أبي طالب هل عهد إليكم النبي ﷺ بشيء؟ قال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهماً يؤتيه الله تعالى أحداً في كتابه، فقال: «إلا فهماً» دل ذلك على أن الإنسان قد يدرك بفهمه ما لا يدركه غيره.

стр. 3301

ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يحرص على معرفة المشتبه حتى يكون على يقين من أمره، فإن دام الاشتباه ولم يصل إلى نتيجة فالورع ترك المشتبه. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يستبرئ لدينه وعرضه، فلا يقع في المشتبهات، ولا يصاحب من يشتبه فيه، ولا يتعرض لما يدنس عرضه؛ لقوله: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه»، لا يتكل الإنسان على ثقة الناس به، فإن الأعداء كثيرون، قد يكون الإنسان يحس بنفسه أنه محل ثقة عند الناس في دينه وعلمه وخلقه، لكن كل إنسان له أعداء، ربما يشيع عنه الأعداء ما كان كذباَ فينحط قدره عند الناس، ولهذا يجب على الإنسان أن يستبرئ لدينه وعرضه حتى يسلم من الشر، لا يقول: الناس لا يظنون بي إلا خيراً، وكلن يجب أن يبين، ولقد رأى رجلان من الأنصار رسول الله ﷺ في الليل ومعه صفية، فأسرعا خجلاً من الرسول ﷺ ، فقال: «على رسلكما إنها صفية بنت حبي» فقالا: سبحان الله! قال لهما: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً أو قال شيئاً»، مع أننا نعلم علم اليقين أن الصحابيين لا يخطر ببالهما شيء مما يظن، لكن الإنسان يدرأ عن نفسه ما يبرئ به دينه وعرضه. ومن فوائد الحديث: سد الذرائع، لقوله: «ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام»، فكل ذريعة توصل إلى محرم فالواجب اجتنابها. ومن فوائد الحديث: حسن تعليم الرسول ﷺ بضرب الأمثال المحسوسة ليتوصل بها إلى فهم المعاني المعقولة، بأن شبه النبي ﷺ من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام بالراعي، الراعي كلنا يعرف أنه إذا رعى حول الحمى فإنه يوشك أن يقع فيه. وهل من فوائد الحديث: جواز الحمى في البر، أن يحمي الإنسان لنفسه مكاناً يرعى فيه إبله وغنمه وبقره وما أشبه ذلك؟ لا؛ لأن الرسول ﷺ مثل بأمر واقع، أما هل يجوز أو لا يجوز فهذا شيء آخر يؤخذ من نصوص أخرى، لكن النبي ﷺ يذكر الأمور الواقعة أحياناً لا لإقرارها ولكن لبيان أنها ستقع، إذن هل يجوز أن يتخذ الإنسان له مكاناً يحميه من المراعي الطيبة؟ نقول: أما إذا كان ذلك لخاصة نفسه فإنه لا يجوز، لأن الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار، وأما إذا كان لمصالح المسلمين العامة فلا بأس، لأنه لم يتخذه لنفسه، فإذا قدر أن هذا الأمير حمى أرضا مخصبة جيدة لإبل الصدقة مثلا أو لغنم الصدقة أو لبقر الصدقة فهذا جائز،

стр. 3302

ولكن أيضا بشرط ألا يضر المسلمين الآخرين يعني: بأن تكون المراعي واسعة، أما إذا كان يضرهم مثل ألا يوجد في مراعي البلد إلا هذه القطعة؛ فإنه لا يجوز أن يحميها ولو لمصالح المسلمين؛ وذلك لأن المصالح العامة لا يمكن أن تقضي قضاء مبرماً على المصالح الخاصة؛ لأننا لو قلنا: لك أن تحمي إبل الصدقة، بقيت إبل الناس تموت جوعاً، فإذا كان يضرهم فهو ممنوع حتى وإن كان للمصالح العامة. ومن فوائد الحديث: أن حمى الله محارمه؛ يعني: أن المحارم جعلها الله تعالى بمنزلة الحمى لا تقرب، ولهذا قال العلماء: إذا قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]. فالمراد بالحدود: المحرمات، وإذا قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوها﴾ [البقرة: ٢٢٩]. فالمراد بها: الواجبات، لأن الله جعل حدوداً لحفظ النفوس، وحدودا واجبات لتزكية النفوس، لأن النفوس محتاجة إلى تزكية وحماية. ومن فوائد الحديث: أن القلب هو المدبر للجسد لقوله: «إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله إلا وهي القلب». ومن فوائده: الرد على من قال: إن المراد بالقلب هو العقل الذي محله في الدماغ على زعمه، فنقول: إن الرسول قال: «في الجسد مضغة» وهي القلب، وهذا ليس معقولا، بل هو شيء محسوس، ومن ثم وقع النزاع بين علماء الشريعة وعلماء الطبيعة والفلسفة هل العقل في الدماغ أو العقل في القلب؟ وطال النزاع من قديم الزمان، قال الإمام أحمد: العقل في القلب وله اتصال في الدماغ، وهذا هو ما دل عليه القرآن، قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ وأين القلوب؟ في الصدور، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. فالقرآن والسنة كلاهما يدل على أن محل العقل وتدبير البدن هو القلب وهذا هو الذي دلت عليه النصوص. فإن قال قائل: أليس الرجل إذا اختل دماغه اختل عقله؟ قلنا: بلى، لكن لا مانع أن يكون أصل العقل في القلب، ثم يصدر الأوامر إلى المخ من أجل أن تدير هذه المملكة العظيمة، لأن جسد الإنسان مملكة عظيمة فيها من جميع الآلات، وأظن بعضكم يعرف أن في بدنه حديداً، كل المواد موجودة في البدن، وكل المعادن موجودة في البدن، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١، ٢٠]. هذا الجسد هو دولة في الواقع، فلابد للملك الذي يدير من جنود، فالمدبر الملك وهو القلب، والجنود الدماغ والأعضاء، فأقرب ما يقال في تصوير المسألة أن أصل التدبير في القلب والمخ مساعد.

стр. 3303

فإذا قال قائل: التصور الآن المعروف أن التصور يكون في الرأس يكاد الإنسان يلمسه لمساً. فيقال: نعم، سكرتير الملك يعمل المعاملات ويمحصها ويدققها، ثم يبعث بها إلى الملك من أجل التوقيع فيوقع، ومن ينفذ؟ الجنود، فالمسألة تصورها في المحسوس أمر ظاهر، ونحن وإن لم ندرك الشيء بتصويره في الأمر الظاهر المحسوس يكفينا قول الله ورسوله: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. حدثنا شيخنا عبد الرحمن السعدي أنه في معركة الخلاف بين الناس كان يوجد أحد المعتزلة قال: إن العقل في القلب، وخصومه يقولون: العقل في الدماغ، المهم: أنه قضي عليه بالإعدام، فقال: إذا قصصتم رأسي إن كان عقلي في قلبي فأنا سأشير بأصبعي، وإن كان في رأسي فلا أستطيع أن أشير، فلما قطع رأسه أشار بأصبعه مما يدل على أن العقل في القلب. مبحث حديث الحلال والحرام من جامع العلوم والحكم: -عن النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: - وأهوى النعمان بأصبعيه إلى أذنيه-: «إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات؛ فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». متفق عليه. هذا الحديث صحيح متفق على صحته من رواية الشعبي عن النعمان بن بشير، وفي ألفاظه بعض الزيادة والنقص، والمعنى واحد أو متقارب. وقد روي عن النبي ﷺ من حديث ابن عمر، وعمار بن ياسر، وجابر، وابن مسعود، وابن عباس، وحديث النعمان أصح أحاديث الباب.

стр. 3304

*تعليق الشيخ: -قول العلماء أصح هذا الباب يريدون المسألة، وقد تكون جزءاً من باب، لكن لم يصح في هذا الباب شيء؛ يعني: في هذه المسألة. *قال ابن رجب: فقوله ﷺ : «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس» معناه: أن الحلال المحض بين لا اشتباه فيه، وكذلك الحرام المحض، ولكن بين الأمرين أمور تشتبه على كثير من الناس، هل هي من الحلال أم من الحرام؟ وأما الراسخون في العلم، فلا يشتبه عليهم ذلك، ويعلمون من أي القسمين هي. فأما الحلال المحض: فمثل أكل الطيبات من الزروع، والثمار، وبهيمة الأنعام، وشرب الأشربة الطيبة، ولباس ما يحتاج إليه من القطن والكتان، أو الصوف أو الشعر، وكالنكاح، والتسري، وغير ذلك إذا كان اكتسابه بعقد صحيح كالبيع، أو بميراث، أو هبة، أو غنيمة. والحرام المحض: مثل أكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وشرب الخمر، ونكاح المحارم، ولباس الحرير للرجال، ومثل الأكساب المحرمة كالربا والميسر، وثمن ما لا يحل بيعه، وأخذ الأموال المغصوبة بسرقة أو غصب أو تدليس أو نحو ذلك. وأما المشتبه: فمثل أكل بعض ما اختلف في حله أو تحريمه، إما من الأعيان كالخيل، والبغال، والحمير، والضب. *تعليق الشيخ: -المؤلف (رحمة الله) قرن بين أشياء بعضها واضح وأن الخلاف فيه ضعيف، فمراده (رحمة الله) مجرد الاختلاف، الخيل الخلاف في حلها أو تحريمها ضعيف والصواب أنها حلال؛ لأنه ثبت في صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر أنهم نحروا في المدينة فرساً على عهد النبي ﷺ وأكلوا منه، وأما البغال فالخلاف في حلها ضعيف؛ أي: أنها حلال، أي: القول بأنها حلال ضعيف؛ لأنها متولدة من محرم، فإن البغل: ولد الحمار من الفرس، وأما الحمير فالخلاف في حلها أضعف؛ لأن القول بحلها شاذ، فإن النبي ﷺ أعلن أنه حرمها ولم تحل بعد ذلك، وأما الضب فالخلاف في تحريمه ضعيف، فقد ثبت أنه أكل بحضرته وسئل أحرام هو؟ قال: «لا، ولكنه ليس في أرض قومي فأجدني أعافه»؛ إذن المؤلف (رحمة الله) لم يرد تساوي هذه الأشياء في الحل والحرمة، إنما أراد مجرد الاختلاف فيها.

стр. 3305

*قال ابن رجب: وشرب ما اختلف في تحريمه من الأنبذة التي يسكر كثيرها، ولبس ما اختلف في إباحة لبسه من جلود السباع ونحوها، وإما من المكاسب المختلف فيها كمسائل العينة. *تعليق الشيخ: -مسائل العينة ليست مسألة واحدة، حدها بعضهم بأنها كل ما يتوصل به إلى الربا عن طريق الحيلة، وعلى هذا فالتورق من العينة، وقد نص على ذلك الإمام أحمد، مسألة العينة المسألة المشهورة أن يبيع شيئاً بثمن مؤجل ويشتريه بأقل منه نقداً، مثاله: باع علي سيارة بخمسين ألفاً إلى سنة ثم اشتراها منه بأربعين ألفاً نقداً، وأخذ السيارة وأعطاه أربعين ألفاً، حقيقة الأمر أنه أعطاه أربعين ألفاً بخمسين ألفاً إلى سنة، ولهذا قال ابن عباس: إنها دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة. *قال ابن رجب: والتورق ونحو ذلك، وبنحو هذا المعنى فسر المشتبهات أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة. *تعليق الشيخ: مسألة التورق أن يبيع عليه سلعة بثمن مؤجل أكثر من ثمنها نقداً، وقصد المشتري الدراهم ليس قصده السلعة، وسميت بذلك؛ لأن الإنسان احتاج فيها إلى الورق وليس عنده ورق، فاحتال إلى التوصل للورق بهذه الحيلة، وهي عند شيخ الإسلام محرمة مقطوع بتحريمها عنده، حتى نقل عنه ابن القيم في «إعلام الموقعين» أنه كان يسأل فيها مراراً فيأبى إلا أن تكون حراماً، وهي الآن شائعة بين الناس بكثرة، وأما إذا اشتراها بثمن أكثر لقصده عين السيارة لا يقصد قيمتها فهذا لا بأس به بالإجماع، وكذلك لو اشتراها يريد بها التكسب مثل: أن اشتراها بخمسين ألفاً مؤجلة إلى سنة يريد أن يبيعها في بلد آخر نقداً لا من أجل الدراهم لكن من أجل التجارة؛ هذا أيضا لا بأس به، وهل من ذلك أن يقول: أبيعها عليك بعشرة نقداً وعشرين نسيئة؟ لا، هذه جائزة ولا إشكال فيها، فليس هذا من باب بيعتين في بيعة كما توهمه بعض العلماء. قوله: «والمشتبهات».

стр. 3306

-قاعدة المشتبه هي ما اختلف العلماء فيه هذا تفسير الإمام أحمد، فما كان بينا في حله أو تحريمه وما اختلف فيه العلماء فهو من المشتبه، لكنكم تعلمون أن الخلاف يكون ضعيفاً فيكون الاشتباه ضعيفاً، وقد يكون قوياً فيكون الاشتباه قوياً. *قال ابن رجب: وحاصل الأمر: أن الله تعالى أنزل على نبيه الكتاب، وبين فيه للأمة ما يحتاج إليه من حلال وحرام، كما قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]. *تعليق الشيخ: -هذا هو الصحيح: أي: أن القرآن ما ترك شيئاً إلا بينه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾. ﴿تِبْيَاناً﴾ إما أن تكون مفعولاً لأجله وعاملها ﴿وَنَزَّلْنَا﴾، وإما أن تكون مصدراً في موضع الحال من ﴿الْكِتَابَ﴾ أي: ميناً، وأيا كان فهذا هو الاستدلال على أن القرآن فيه بيان كل شيء، أما ما يستدل به كثير من الناس وهو قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. فهذا خطأ وتنزيل للآية على غير مراد الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨]. فالمراد بالكتاب هنا: اللوح المحفوظ وليس الكتاب العزيز. *قال ابن رجب: قال مجاهد وغيره: لكل شيء أمروا به أو نهوا عنه. *قال الشيخ: -وعلى هذا يكون من باب العام الذي أريد به الخاص على رأي مجاهد وغيره، والصواب من العام الذي مر على عمومه، لكن بيان القرآن إما أن يكون الشيء عينه، وإما أن يكون بجنسه، وإما أن يكون بقاعدة عامة يدخل فيها ما لا يحصى من المسائل، وإما أن يكون بالإشارة والدلائل، حتى ذكر أن بعض النصارى كان جالساً مع أحد العلماء المشهورين المذكورين العقلاء، فأتى إليه قال: أيها الشيخ، إن كتابكم تبيان لكل شيء، وبين أيدينا الآن خبز ولحم وما شاء الله، أين في القرآن كلمة سندوتش واللحم وغير ذلك، أين هو؟ كأن هذا النصراني يريد أن يكون القرآن دليل مطبخ! فقال له الرجل: هذا موجود في القرآن، قال: كيف موجود أين هو؟ فنادى صاحب المطعم فقال: تعال كيف تصنع هذا؟ قال: بكذا وكذا وبين، قال: هكذا جاء في القرآن، فاندهش الرجل كيف جاء أين هو؟ قال: إن الله يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. فأرشدنا أن نسأل عن كل شيء يعلمه غيرنا إذا كنا لا نعلمه، فذلك كيف تصل إلى العلم، فالذي نرى أن الآية عامة: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ وليست خاصة فيما أمرنا به أو نهينا عنه.

стр. 3307

*قال ابن رجب: وقال تعالى في آخر سورة النساء التي بين الله فيها كثيراً من أحكام الأموال والأبضاع: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦]. *تعليق الشيخ: -سورة النساء كما قال المؤلف بين الله فيها كثيرا من أحكام الأموال والأبضاع فيه آية التحريم والتحليل لما يحل من الأبضاع: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، والأموال حدث ولا حرج: أموال الأحياء، وأموال الأموات، وأموال العقلاء، وأموال السفهاء كلها موجودة في النساء، وهذا من فقه التفسير الذي لا يعلمه كثير من الناس، كثير من الناس يفسر السورة ولا يعرف مغزى السورة ومعناها ومجمعها وما الذي جمع فيها، وهذا فقه عظيم في التفسير ينبغي للإنسان ألا يهمله. *قال ابن رجب: وقال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٥]. ووكل بيان ما أشكل من التنزيل إلى الرسول ﷺ كما قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]. وما قبض ﷺ حتى أكمل له ولأمته الدين، ولهذا أنزل عليه بعرفة قبل موته بمدة يسيرة: ﴿لْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وقال ﷺ : «تركتكم على البيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك». وقال أبو ذر: توفى رسول الله ﷺ وما طائر يحرك جناحيه في السماء إلا وقد ذكر لنا منه علماً. *تعليق الشيخ: - «ذكر منه علماً» هل هو حلال أو حرام الذي يهمنا هو هذا، أما نوعه ما الذي قاله لنا؟ قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. ونهى عن كل ذي مخلب من الطير، ونهى عن قتل النملة والنحلة والهدهد والصرد، فأنت تجد أن الحلال بين والحرام بين.

стр. 3308

*قال ابن رجب: ولما شك الناس في موته ﷺ ، قال عمه العباس ﵁: والله ما مات رسول الله ﷺ حتى ترك السبيل نهجاً واضحاً، وأحل الحلال وحرم الحرام، ونكح وطلق، وحارب وسالم، وما كان راعي غنم يتبع بها رؤوس الجبال يخبط عليها العضاة بمخطبه، ويندر حوضها بيده بأنصب ولا أدأب من رسول الله ﷺ كان فيكم. وفي الجملة فما ترك الله ورسوله حلالاً إلا مبيناً، لكن بعضه كان أظهر بياناً من بعض، فما ظهر بياه، واشتهر وعلم من الدين بالضرورة من ذلك لم يبق فيه شك، ولا يعذر أحد بجهله في بلد يظهر فيه الإسلام، وما كان بيانه دون ذلك، فمنه ما اشتهر بين حملة الشريعة خاصة، فأجمع العلماء على حله أو حرمته، وقد يخفى على بعض من ليس منهم، ومنه ما لم يشتهر بين حملة الشريعة أيضا، فاختلفوا في تحليله وتحريمه وذلك لأسباب. *تعليق الشيخ: -الآن بين (رحمة الله) أن ما علم بالضرورة من دين الإسلام، فهذا لا يعذر أحد بجهله، لابد أن يكون عالماً به في بلد يظهر فيه أحكام الإسلام، والثاني ما اشتهر بين حملة الشرع، ولكنه يخفى على غيرهم إلا أنه واضح عندهم، وهذا أيضا مما أجمعوا عليه، والثالث: ما كان خفياً على بعض حملة الشرع وهو الذي وقع فيه الخلاف فصارت الأحوال ثلاثة. *قال ابن رجب: منها: أنه قد يكون النص عليه خفياً لم ينقله إلا قليل من الناس، فلم يبلغ جميع حملة العلم. *قال الشيخ: -هذا نقص في العلم، لأن الذي يخفى عليه هذا معناه أن علمه قاصر لم يحط علماً بنصوص الشريعة. *قال ابن رجب: ومنها: أنه قد ينقل فيه نصان: أحدهما بالتحليل، والآخر بالتحريم، فيبلغ طائفة أحد النصين دون الآخرين، فيتمسكون بما بلغهم، أو يبلغ النصان معاً من لم يبلغه التاريخ، فيقف لعدم معرفته بالناسخ. *قال الشيخ: وهذا أيضا مثل الأول سببه نقص العلم.

стр. 3309

*قال ابن رجب: ومنها: ما ليس فيه نص صريح، وإنما يؤخذ من عموم أو مفهوم أو قياس، فتختلف أفهام العلماء في هذا كثيراً. *قال الشيخ: وهذا لقصور في الفهم. *قال ابن رجب: ومنها: ما يكون فيه أمر، أو نهي، فيختلف العلماء في حمل الأمر على الوجوب أو الندب، وفي حمل النهي على التحريم أو التنزيه، وأسباب الاختلاف أكثر مما ذكرنا. *تعليق الشيخ: -هذا الاختلاف في المنهج هل كلنا يريد التحريم، هل كل أمر للوجوب؟ اختلف العلماء والأسباب كثيرة، وقد ذكر شيخ الإسلام (رحمة الله) في كتابه «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» أسباباً كثيرة لاختلاف العلماء ﵏ ولخصناه في رسالة، فمن راجع الأصل والملخص يكون ذلك طيباً. *قال ابن رجب: ومع هذا فلابد في الأمة من عالم يوافق قوله الحق، فيكون هو العالم بهذا الحكم، وغيره يكون الأمر مشتبهاً عليه ولا يكون عالماً بهذا، فإن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولا يظهر أهل باطلها على أهل حقها، فلا يكون الحق مهجوراً غير معمول به في جميع الأمصار والأعصار، ولهذا قال رسول الله ﷺ في المشتبهات: «لا يعلمهن كثير من الناس»، فدل على أن من الناس من يعلمها، وإنما هي مشتبهة على من لم يعلمها، وليست مشتبهة في نفس الأمر، فهذا هو السبب المقتضى لاشتباه بعض الأشياء على كثير من العلماء. *تعليق الشيخ: -ملخص كلامه هنا انه لا يمكن أن يكون الحق مشتبهاً على جميع الأمة، بل لابد أن يكون في الأمة من هو عالم بالحق ولو واحداً، أما أن يشتبه الحق على جميع الأمة فهذا مستحيل؛ لأن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولو اشتبه الحق على جميع الأمة لم يكن القرآن بياناً ولا السنة بياناً. *قال ابن رجب: وقد يقع الاشتباه في الحلال والحرام بالنسبة إلى العلماء وغيرهم من وجه آخر، وهو أن من الأشياء ما يعلم سبب حله وهو الملك المتيقن، ومنها: ما يعلم سبب تحريمه وهو ثبوت

стр. 3310

ملك الغير عليه، فالأول لا تزول إباحته إلا بيقين زوال الملك عنه، اللهم إلا في الأبضاع عند من يوقع الطلاق بالشك فيه كمالك، أو إذا غلب على الظن وقوعه كإسحاق بن راهويه. والثاني: لا يزول تحريمه إلا بيقين العلم بانتقال الملك فيه. *تعليق الشيخ: -والصحيح في هذه المسألة: أن نلزم الأصل، فإذا شككنا في وقوع الطلاق فمن العلماء من قال: نوقعه؛ لأنه أحوط وأورع، ومنهم من قال: لا، لا نوقعه؛ لأن الأورع أن ينفى النكاح؛ إذ إننا لو أوقعناه في ورطتين: الأولى: تحريمها على الزوج، والثانية: إباحتها لغيره، فإذا قلنا: الأصل بقاء النكاح بنينا على أصل ولم نتورط إن قدر أن هناك تورطا إلا في الإحلال لزوجها التي لا تحل له على التقدير، فالصواب في هذا: أنه لا يزول الشك ولو بغلبة الظن، فمثلا: لو قال لزوجته: إن كان هذا الطائر حماما فأنت طالق، وذهب الطير ولم ندر ما هو هل تطلق؟ الصحيح: أنها لا تطلق، هناك احتمال أن يكون حماماً ولكن الأصل بقاء النكاح حتى لو غلب على ظنه أن هذا الطائر حمام فإنه لا يقع على القول الراجح. *قال ابن رجب: وأما ما لا يعلم له أصل ملك كما يجده الإنسان في بيته ولا يدري: هل هو له أو لغيره فهذا مشتبه، ولا يحرم عليه تناوله؛ لأن الظاهر أن ما في بيته ملكه لثبوت يده عليه، والورع اجتنابه، فقد قال النبي ﷺ : «إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها» خرجاه في الصحيحين. فإن كان هناك من جنس المحظور، وشك هل هو منه أم لا؟ قويت الشبهة. وفي حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ أصابه أرق من الليل، فقال له بعض نسائه: يا رسول الله! أرقت الليلة. فقال: «إني كنت أصبت تمرة تحت جنبي، فأكلتها وكان عندنا تمر من تمر الصدقة، فخشيت أن تكون منه». *قال الشيخ: -هذا من تمام الورع ولاشك فيه، الإنسان يبتعد عن المشتبهات خصوصاً في الأكل والشرب. *قال ابن رجب: ومن هذا أيضاً ما أصله الإباحة كطهارة الماء والثوب والأرض، إذا لم يتيقن زوال أصله فيجوز استعماله.

стр. 3311

*قال الشيخ: -حتى لو غلب على ظنه النجاسة؛ لأن الأصل الطهارة، لكن إذا قوي الظن في النجاسة فالورع تركه، وعلى هذا فإذا تعارض ورع وواجب، مثل ألا يكون عندهم إلا هذا الماء المشتبه الذي يغلب على ظنه أنه تغير بنجاسة، فنقول: لدينا الآن اجتناب تورعاً، ولدينا استعمال وجوباً فأيهما نقدم؟ الثاني: أي: الاستعمال وجوباً، أما مع وجود غيره فلاشك أن الورع تجنبه، وعليه أن يتوضأ من الماء الذي لا إشكال فيه. *قال ابن رجب: وما أصله الحظر كالأبضاع ولحوم الحيوان، فلا يحل إلا بيقين حله من التذكية والعقد. *تعليق الشيخ: -ما أصله الحظر في الأبضاع؟ مثلا هذا الرجل إذا شك في المرأة هل عقد عليها عقداً صحيحاً أو لا فما الأصل؟ المنع حتى نتيقن أنه استباح هذا الفرج بعقد صحيح، كذلك اللحم، الأصل فيه التحريم ليس الحيوان، الحيوان الأصل فيه الحل، لكن اللحم الأصل فيه التحريم حتى نعلم أنه ذكي على وجه شرعي، لكن إذا علمنا أنه ذكي فهل الأصل أن المذكي سمى أو لا؟ نقول: الأصل أنه سمي؛ لما رواه البخاري عن عائشة ﵂ أن قوماً أتوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله: إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال: «سموا أنتم وكلوا» قالت وكانوا حديث عهد بكفر؛ لأن الأصل أن الفعل إذا صدر من أهله فهو صحيح حتى يقوم دليل الفساد. *قال ابن رجب: فإن تردد في شيء من ذلك لظهور سبب آخر رجع إلى الأصل فبني عليه، فيبني فيما أصله الحرمة على التحريم، ولهذا نهى النبي ﷺ عن أكل الصيد الذي يجد فيه الصائد أثر سهم غير سهمه، أو كلب غير كلبه، أو يجده قد وقع في ماء، وعلل بأنه لا يدري: هل مات من السبب المبيح له أو من غيره؟ *تعليق الشيخ: -فإن علم أنه مات من السبب المبيح حل يعني: مثلا لو أن هذا الطائر رماه وهو على غصن شجرة تحتها ماء فسقط الطائر، وقد تمزق بدنه من الرصاص ثم أدركه ميتاً فهنا يحل أو لا؟ يحل، لأنني أدري أنه مات بالرمي، أما لو كان بالرصاصة في جانب من بدنه ثم وجدته ميتاً، فهذا لا يحل، لأني لا أدري أمات بالرمي أو مات بالماء؟

стр. 3312

*قال ابن رجب: ويرجع فيما أصله الحل إلى الحل، فلا ينجس الماء والأرض والثوب بمجرد ظن النجاسة، وكذلك البدن إذا تحقق طهارته وشك: هل انتقضت بالحدث عند جمهور العلماء، خلافاً لمالك (رحمة الله)، إذا لم يكن قد دخل في الصلاة. *تعليق الشيخ: -مالك (رحمة الله) يفرق بين ما إذا شككت هل أحدثت وأنت تصلى، أو إذا شككت هل أحدثت وأنت لا تصلي، والصواب أنه لا فرق بين الحالين لأننا إذا أعملنا هذا الشك فلا فرق بين أن تكون في الصلاة أو خارج الصلاة؛ لأننا لو قلنا: إن هذا الشك يوجب الوضوء فلا فرق بين أن تكون في صلاة أو في غير صلاة فالصواب مع الجمهور، بمعنى: أن الإنسان إذا شك هل أحدث أم لا فبنى على الأصل وهو الطهارة حتى ولو حس بدبيب في ذكره، أو بريح في دبره مثلاً، ولم يتيقن فالأصل الطهارة. *قال ابن رجب: وقد صح عن النبي ﷺ : أنه شكي إليه الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً» وفي بعض الروايات: «في المسجد» بدل الصلاة. وهذا يعم حال الصلاة وغيرها، فإن وجد سبب قوي يغلب معه على الظن نجاسة ما أصله الطهارة مثل: أن يكون الثوب يلبسه كافر لا يتحرز من النجاسات، فهذا محل اشتباه، فمن العلماء من رخص فيه أخذا بالأصل، ومنهم من كرهه تنزيها، ومنهم من حرمه إذا قوى ظن النجاسة مثل: أن يكون الكافر ممن لا تباح ذبيحته أو يكون ملاقياً لعورته كالسراويل والقميص، وترجع هذه المسائل وشبهها إلى قاعدة تعارض الأصل والظاهر، فإن الأصل الطهارة والظاهر النجاسة. وقد تعارضت الأدلة في ذلك. فالقائلون بالطهارة يستدلون بأن الله أحل طعام أهل الكتاب، وطعامهم إنما يصنعونه بأيديهم في أوانيهم، وقد أجاب النبي ﷺ دعوة يهودي، وكان هو وأصحابه يلبسون ويستعملون ما يجلب إليهم مما نسجه الكفار من الثياب والأواني، وكانوا في المغازي يقتسمون ما وقع لهم من الأوعية والثياب، ويستعملونها، وصح عنهم أنهم استعملوا الماء من مزادة مشركة.

стр. 3313

والقائلون بالنجاسة يستدلون بأنه صح عن النبي ﷺ أنه سئل عن آنية أهل الكتاب الذين يأكلون الخنزير، ويشربون الخمر، فقال: إن لم تجدوا غيرها، فاغسلوها بالماء ثم كلوا فيها. وقد فسر الإمام أحمد الشبهة بأنها منزلة بين الحلال والحرام: يعني الحلال المحض والحرام المحض، وقال: من اتقاها، فقد استبرأ لدينه، وفسرها تارة باختلاط الحلال والحرام. ويتفرع على هذا معاملة من في ماله حلال وحرام مختلط، فإن كان أكثر ماله الحرام، فقال أحمد: ينبغي أن يجتنبه إلا أن يكون شيئا يسيرا، أو شيئا لا يعرف، واختلف أصحابنا: هل هو مكروه أو محرم؟ على وجهين. وإن كان أكثر ماله الحلال، جازت معاملته والأكل من ماله. وقد روى الحارث عن علي أنه قال في جوائز السلطان: لا بأس بها، ما يعطيكم من الحلال أكثر مما يعطيكم من الحرام. *تعليق الشيخ: -بمعنى: إذا أعطاكم عشرة مثلاً وكان أكثر ماله الحلال كم أعطاكم من الحلال؟ ثمانية، ومن الحرام اثنان وأربعة أو ستة. *قال ابن رجب: وكان النبي ﷺ وأصحابه يعاملون المشركين وأهل الكتاب مع علمهم بأنهم لا يجتنبون الحرام كله. وإن اشتبه الأمر فهو شبهة، والورع تركه. قال سفيان: لا يعجبني ذلك، وتركه أعجب إلي. وقال الزهري ومكحول: لا بأس أن يؤكل منه ما لم يعرف أنه حرام بعينه، فإن لم يعلم في ماله حرام بعينه، ولكنه علم أن فيه شبهة، فلا بأس بالأكل منه، نص عليه أحمد في رواية حنبل. وذهب إسحاق بن راهويه إلى ما روي عن ابن مسعود وسلمان وغيرهما من الرخصة، وإلى ما روي عن الحسن وابن سيرين في إباحة الأخذ مما يقضي من الربا والقمار، نقله عنه ابن منصور. وقال الإمام أحمد في المال المشتبه حلاله بحرامه: إن كان المال كثيراً، أخرج منه قدر الحرام، وتصرف في الباقي، وإن كان المال قليلاً، اجتنبه كله. وهذا لأن القليل إذا تناول منه شيئاً، فإنه تبعد معه السلامة من الحرام بخلاف الكثير، ومن أصحابنا من حمل ذلك على الورع دون التحريم، وأباح التصرف في القليل والكثير بعد إخراج قدر الحرام منه، وهو قول الحنفية وغيرهم، وأخذ به قوم من أهل الورع منهم بشر الحافي.

стр. 3314

ورخص قوم من السلف في الأكل ممن يعلم في ماله حرام ما لم يعلم أنه من الحرام بعينه، كما تقدم عن مكحول والزهري، وروي مثله عن الفضيل بن عياض. وروي في ذلك آثار عن السلف، فصح عن ابن مسعود أنه سئل عمن له جار يأكل الربا علانية ولا يتحرج من مال خبيث يأخذه ويدعوه إلى طعامه، قال: أجيبوه، فإنما المهنأ لكم والوزر عليه. وفي رواية أنه قال: لا أعلم له شيئاً إلا خبيثاً أو حراماً، فقال: أجيبوه. وقد صحح الإمام أحمد هذا عن ابن مسعود، ولكنه عارضه بما روي عنه أنه قال: الإثم حواز القلوب. *تعليق الشيخ: -فصار فيها لابن مسعود روايتان: الأولى: كل منه ولا نبالي مادمت أخذته بطريق مباح، وإن كان هو بنفسه كسبه عن طريق محرم، وهذا هو الذي لا يسع الناس غيره الآن؛ إذ إن الناس كثر فيهم الربا والعينة وكثر فيهم التحيل على الربا، فلو قلنا: إنك تتجنب دعواهم أو لا تجيبهم حصل في ذلك ضرر، وربما يحصل عداوة وبغضاء، فالناس الآن لا يسعهم العمل إلا بهذا القول الذي روي عن ابن مسعود بل صح عنه ﵁. *قال ابن رجب: وروي عن سلمان مثل قول ابن مسعود الأول، وعن سعيد بن جبير، والحسن البصري، ومورق العجلي، وإبراهيم النخعي، وابن سيرين وغيرهم، والآثار بذلك موجودة في كتاب «الأدب» لحميد بن زنجويه، وبعضها في كتاب «الجامع» للخلال، وفي مصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة وغيرهم. ومتى علم أن عين الشيء حرام، أخذ بوجه محرم، فإنه يحرم تناوله، وقد حكي الإجماع على ذلك ابن عبد البر وغيره، وقد روي عن ابن سيرين في الرجل يقضي من الربا، قال: لا بأس به، وعن الرجل يقضي من القمار، قال: لا بأس به، خرجه الخلال بإسناد صحيح، وروي عن الحسن خلاف هذا، وأنه قال: إن هذه المكاسب قد فسدت، فخذوا منها شبه المضطر. وعارض المروي عن ابن مسعود وسلما، ما روي عن أبي بكر الصديق أنه أكل طعاماً ثم أخبر أنه من حرام، فاستقاءه.

стр. 3315

وقد يقع الاشتباه في الحكم، لكون الفرع متردداً بين أصول تجتذبه، كتحريم الرجل زوجته، فإن هذا متردد بين تحريم الظهار الذي ترفعه الكفارة الكبرى، وبين تحريم الطلقة الواحدة بانقضاء عدتها الذي تباح معه الزوجة بعقد جديد، وبين تحريم الطلاق الثلاث الذي لا تباح معه الزوجة بدون زوج وإصابة، وبين تحريم الرجل عليه ما أحله الله له من الطعام والشراب الذي لا يحرمه، وإنما يوجب الكفارة الصغرى، أولاً: يوجب شيئاً على الاختلاف في ذلك فمن هاهنا كثر الاختلاف في هذه المسألة من زمن الصحابة فمن بعدهم. *تعليق الشيخ: -ذكر فيها أكثر من عشرة أقوال هذه المسألة إذا حرم الرجل زوجته، هل هو ظهار هل هو طلاق بائن، هل هو طلاق رجعي، هل هو يمين هل هو لغو؟ هذا فيه خلاف عن العلماء، والصواب أن الأصل أنه يمين إذا حرم زوجته فقال: زوجتي على حرام أو قال: أنت علي حرام فالأصل أنه يمين، لقوله الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ٢، ١]. ولاشك أن الزوجة مما أحل الله له، فتدخل في العموم فإن أراد الطلاق صار طلاقاً وإن أراد أنها حرام في حكم الله وشرعه كان كاذباً؛ لأن الله ما حرمها، فعلى كل حال نأخذ بالأصل، والأصل أن قول الرجل لزوجته: أنت على حرام، الأصل أنه يمين ودليله ما سمعتم [آية التحريم]. *قال ابن رجب: وبكل حال، فالأمور المشتبهة التي لا يتبين أنها حلال ولا حرام لكثير من الناس، كما أخبر به النبي ﷺ ، قد يتبين لبعض الناس أنها حلال أو حرام، لما عنده من ذلك من مزيد علم. *قال الشيخ: ونضيف أيضا أو نزيد فهماً. *قال ابن رجب: وكلام النبي ﷺ يدل على أن هذه المشتبهات من الناس من يعلمها، وكثير منهم لا يعلمها، فدخل فيمن لا يعلمها نوعان: أحدهما: من يتوقف فيها، لاشتباهها عليه. الثاني: من يعتقدها على غير ما هي عليه، ودل كلامه على أن غير هؤلاء يعلمها، ومراده أنه يعلمها على ما هي عليه في نفس الأمر من تحليل أو تحريم، وهذا من أظهر الأدلة على أن المصيب عند الله في مسائل الحلال والحرام المشتبهة المختلف فيها واحد عند الله ، وغيره ليس بعالم بها، بمعنى: أنه غير مصيب لحكم الله فيها في نفس الأمر، وإن كان يعتقد فيها اعتقاداً يستند فيه إلى شبهة يظنها دليلاً، ويكون مأجوراً على اجتهاده، ومغفوراً له خطؤه لعدم تعمده.

стр. 3316

*تعليق الشيخ: -اعتماده بمعنى: تعمده وهذا لاشك فيه أن المصيب واحد، ولا يمكن أن يكون المصيب اثنين أبداً، والدليل على هذا أن الرسول ﷺ قسم المجتهد إلى مخطئ ومصيب، وكيف يمكن أن يكون أحدهما يقول: هذا حرام باجتهاده، والثاني يقول: حلال باجتهاده، نقول: كلاهما مصيب! لأن هذا جمع بين النقيضين، وأما من قال: المجتهد مصيب ولو أخطأ في مسائل الفروع ومخطئ إذا أخطأ في مسائل الأصول، فهذا لا دليل عليه، فالمجتهد مصيب في اجتهاده، وقد يصيب حكم الله وقد لا يصيبه. *قال ابن رجب: وقوله ﷺ : «فمن اتقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات، وقع في الحرام»، قسم الناس في الأمور المشتبهة إلى قسمين، وهذا إنما هو بالنسبة إلى من هي مشتبهة عليه، وهو من لا يعلمها، فأما من كان عالماً بها، واتبع ما دله علمه عليها، فذلك قسم ثالث، لم يذكره لظهور حكمه، فإن هذا القسم أفضل الأقسام الثلاثة؛ لأنه علم حكم الله في هذه الأمور المشتبهة على الناس، واتبع علمه في ذلك. وأما من لم يعلم حكم الله فيه، فهم قسمان: أحدهما من يتقي هذه الشبهات، لاشتباهها عليه، فهذا قد استبرأ لدينه وعرضه. ومعنى «استبرأ»: طلب البراءة لدينه وعرضه من النقص والشين، والعرض: هو موضع المدح والذم من الإنسان، وما يحصل له بذكره بالجميل مدح، وبذكره بالقبيح قدح، وقد يكون ذلك تارة في نفس الإنسان، وتارة في سلفه، أو في أهله، فمن اتقى الأمور المشتبهة واجتنبها، فقد حصن عرضه من القدح والشين الداخل على من لا يجتنبها، وفي هذا دليل على أن من ارتكب الشبهات، فقد عرض نفسه للقدح فيه والطعن، كما قال بعض السلف: من عرض نفسه للتهم، فلا يلو منَّ من أساء به الظن. وفي روية للترمذي في هذا الحديث: «». والمعنى: أنه يتركها بهذا القصد وهو براءة دينه وعرضه من النقص، لا لغرض آخر فاسد من رياء ونحوه. وفيه دليل على أن طلب البراءة للعرض ممدوح كطلب البراءة للدين، ولهذا ورد: «أن ما وقى به المرء عرضه، فهو صدقة».

стр. 3317

وفي رواية في الصحيحين في هذا الحديث: «فمن ترك ما يشتبه عليه من الإثم، كان لما استبان أترك» يعني: أن من ترك الإثم مع اشتباهه عليه، وعدم تحققه، فهو أولى بتركه إذا استبان له أنه إثم، وهذا إذا كان تركه تحرزاً من الإثم، فأما من يقصد التصنع للناس، فإنه لا يترك إلا ما يظن أنه ممدوح عندهم تركه. القسم الثاني: من يقع في الشبهات مع كونها مشتبهة عنده، فأما من أتى شيئاً مما يظنه الناس شبهة، لعلمه بأنه حلال في نفس الأمر، فلا حرج عليه من الله في ذلك، لكن إذا خشي من طعن الناس عليه بذلك، كان تركها حينئذ لستبراء لعرضه، فيكون حسناً، وهذا كما قال النبي ﷺ لمن رأياه واقفاً مع صفية: «إنها صفية بنت حيي». وخرج أنس إلى الجمعة، فرأى الناس قد وصلوا ورجعوا، فاستحيى، ودخل موضعاً لا يراه الناس فيه، وقال: «من لا يستحيي من الناس، لا يستحيي من الله». وخرجه الطبراني مرفوعاً، ولا يصح. وإن أتى ذلك لاعتقاده أنه حلال، إما باجتهاد سائغ، أو تقليد سائغ، وكان مخطئاً في اعتقاده، فحكمه حكم الذي قبله، فإن كان الاجتهاد ضعيفاً، أو التقليد غير سائغ، وإنما حمل عليه مجرد إتباع الهوى، فحكمه حكم من أتاه مع اشتباهه عليه، والذي يأتي الشبهات مع اشتباهها عليه، فقد أخبر عنه النبي ﷺ أنه وقع في الحرام. *تعليق الشيخ: -القسم الأول من يأتي مسألة مشتبهة عند الناس، لكنه يعلم أنها حلال فهذا جائز عند الله ولا حرج عليه في ذلك، لكن إذا خاف من ألسن الناس فينبغي تجنب ذلك، والثاني من يعتقد أنه حلال لكن لا يعلم ذلك، فهو يعتقد أنه حلال إما باجتهاد سائغ وإما بتقليد عالم والمجتهد -كما تعلمون- يمكن أن يخطئ أو يصيب، بخلاف الذي يعلم أنها حلال، فهذا حكمه حكم الذي قبله بمعنى: أنه يجوز له عند الله ولا إثم عليه لكن إذا خاف من ألسن الناس فالأولى تجنب ذلك أو يختفي وأما إذا كان الاجتهاد ضعيفاً أو التقليد غير سائغ، ولكن قلد إتباعه لهواه؛ لأنه وجد أن هذا القول أهون فهذا لا يحل له ذلك، لأنه يقع في الحرام؛ لقوله: «من وقع في الشبهات وقع في الحرام» وما أكثر الذين يسلكون هذا المسلك اليوم تجده إذا استفتى عالماً ولم تعجبه فتواه ذهب إلى عالم آخر وهو كان يعتقد أن العالم الأول هو عمدته

стр. 3318

وهذا حرام عليه، ولهذا قال العلماء ﵏: من استفتى عالماً ملتزماً بفتواه لاعتقاده صحتها فإنه يحرم عليه أن يستفتي عالماً آخر لكن في هذه الحال لو أنه صادف مجلساً لعالم آخر تكلم في المسألة وبين أنها على خلاف ما أفتى به هذا المستفتي وذكر الأدلة واقتنع فهذا لا بأس أن يعدل عما أفتاه به الأول إلى ما سمع من الثاني، لكن في هذه الحال ينبغي أن يتكلم أو يناقش العالم الثاني إذا كان العالم الأول قد ذكر له الدليل فيقول له: أنت قلت أنه حلال فما تقول في هذا الدليل لأجل أن يكون على طمأنينة. *قال ابن رجب: وهذا يفسر بمعنيين: أحدهما: أنه يكون ارتكابه للشبهة مع اعتقاده أنها شبهة ذريعة إلى ارتكابه الحرام الذي يعتقد أنه حرام بالتدريج والتسامح. وفي رواية في الصحيحين لهذا الحديث: «ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم، أوشك أن يواقع ما استبان». وفي رواية: «ومن يخالط الريبة، يوشك أن يجسر»؛ أي: يقرب أن يقدم على الحرام المحض، والجسور: المقدام الذي لا يهاب شيئاً، ولا يراقب أحداً، ورواه بعضهم: «يجشر» بالشين المعجمة، أي: يرتع، والجشر: الرعي، وجشرت الدابة: إذا رعيتها. وفي مراسيل أبي المتوكل الناجي عن النبي ﷺ : «من يرعى بجنبات الحرام، يوشك أن يخالطه، ومن تهاون بالمحقرات، يوشك أن يخالط الكبائر». والمعنى الثاني: أن من أقدم على ما هو مشتبه عنده، لا يدري: أهو حلال أو حرام، فإنه لا يأمن أن يكون حراماً في نفس الأمر، فيصادف الحرام وهو لا يدري أنه حرام. وقد روي من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات، فمن اتقاها، كان أنزه لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات أوشك أن يقع في الحرام، كالمرتع حول الحمى، يوشك أن يواقع الحمى وهو لا يشعر». خرجه الطبراني وغيره. واختلف العلماء: هل يطيع والديه في الدول في شيء من الشبهة أم لا يطيعهما؟ فروي عن بشر بن الحارث، قال: لا طاعة لهما في الشبهة، وعن محمد بن مقاتل العباداني قال: يطيعهما، وتوقف أحمد في هذه المسألة، وقال: يداريهما، وأبي أن يجيب فيها.

стр. 3319

وقال أحمد: لا يشبع الرجل من الشبهة، ولا يشتري الثوب للتجمل من الشبهة. *قال الشيخ: لا يشبع بمعنى: أنه يقتصر على أدنى شيء في المال المشتبه فيه. *قال ابن رجب: وتوقف في حد ما يؤكل وما يلبس منها، وقال: في التمرة. *تعليق الشيخ: -هل خوفاً من أن يكون الطير أخذها بغير إذن صاحبها؟ أرى إن كان محتاجاً للأكل أخذها، وكذلك إذا سقطت في طريق تسلكه الأقدام فإنه يأخذها يأكلها أو يضعها. *قال ابن رجب: وقال الثوري في الرجل يجد في بيته الأفلس أو الدراهم: أحب إلى أن يتنزه عنها. يعني: إذا لم يدر من أين هي؟ وكان بعض السلف لا يأكل إلا شيئاً يعلم من أين هو، ويسأل عنه حتى يقف على أصله. وقد روي في ذلك حديث مرفوع، إلا أن فيه ضعفاً. *تعليق الشيخ: -الحمد لله أنه ضعيف فإن الناي لو كلفوا أن يبحثوا في هذا لشق عليهم كثيراً لكن تقول: مثلا هذا الذي باعه عليك من أين أتى به هل هو مغصوب، هل هو مسروق، هل هو مبيع على وجه الجهالة؟ فلو بحثنا في ذلك فسنجد أن فيه مشقة عظيمة، بل لو قيل: إن هذا من باب التنطع في دين الله الذي نهى عنه الرسول ﷺ وأخبر بهلاك أهله لو قيل بذلك لم يكن بعيداً، وما علمنا أن أحداً من الصحابة يفعل بل الأصل أن ما بيد الإنسان فهو ملكه اللهم إلا من علم بسرقات أو غصب، فهذا قد يتوقف الإنسان فيه، وأما عامة الناس فالأصل أن ما في أيديهم ملكهم، ولا يحتاج إلى بحث. *قال ابن رجب: وقوله ﷺ : «كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، وإن حمى الله محارمه»: هذا مثل ضربه النبي ﷺ لمن وقع في الشبهات، وأنه يقرب وقوعه في الحرام المحض، وفي بعض الروايات أن النبي ﷺ قال: «وسأضرب لذلك مثلاً»، ثم ذكر هذا الكلام، فجعل النبي ﷺ مثل المحرمات كالحمى الذي تحميه الملوك، ويمنعون غيرهم من قربانه،

стр. 3320

وقد جعل النبي ﷺ حول مدينته اثنى عشر ميلاً حمى محرماً لا يقطع شجره ولا يصاد صيده، وحمى عمر وعثمان أماكن ينبت فيها الكلأ؛ لأجل إبل الصدقة. والله حمى هذه المحرمات، ومنع عبادة من قربانها وسماها حدوده، فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ُ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وهذا فيه بيان أنه حد لهم ما أحل لهم وما حرم عليهم، فلا يقربوا الحرام، ولا يتعدوا الحلال، ولذلك قال في آية أخرى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. *تعليق الشيخ: -وإذا قال الله : فلا تقربوها، فيعني: بالحدود المحرمات، وإذا قال: لا تعتدوها فيعني بها الواجبات، لأن الواجبات لا تتعدى ولا تتخطى، أما المحرمات فلا تقرب، وهذا ضابط جيد. *قال ابن رجب: حول الحمى وقريبا منه جديراً بأن يدخل الحمى ويرتع فيه، فكذلك من تعدى الحلال، ووقع في الشبهات، فإنه قد قارب الحرام غاية المقاربة، فما أخلقه بأن يخالط الحرام المحض، ويقع فيه، وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي التباعد عن المحرمات، وأن يجعل الإنسان بينه وبينها حاجزاً. وقد خرج الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الله بن يزيد عن النبي ﷺ ، قال: «لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس». وقال أبو الدرداء: تمام التقوى أن يتقي الله العبد، حتى يتقيه من مثقال ذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال، خشية أن يكون حراماً، حجاباً بينه وبين الحرام. وقال الحسن: مازالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيراً من الحلال مخافة الحرام. وقال الثوري: إنما سموا المتقين لأنهم اتقوا ما لا يتقى. وروي عن ابن عمر قال: إني لأحب أن أدع بيني وبين الحرام سترة من الحلال لا أخرقها. وقال ميمون بن مهران: لا يسلم للرجل الحلال حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزاً من الحلال.

стр. 3321

وقال سفيان بن عيينة: لا يصيب عبد حقيقة الإيمان حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزاً من الحلال، وحتى يدع الإثم وما تشابه منه. *تعليق الشيخ: -هذا يريد بذلك المشتبهات وأن الحلال مبين فلاشك أن الإنسان يبلغ أن يكون من المتقين، وإن لم يدعه، ولكن يريد بذلك المشتبهات، وما روي من آثار السلف فهذا من باب الزهد، وهو تارك مالا ينفع في الآخرة. *قال ابن رجب: ويستدل بهذا الحديث من يذهب إلى سد الذرائع إلى المحرمات وتحريم الوسائل إليها، ويدل على ذلك أيضا من قواعد الشريعة تحريم قليل ما يسكر كثيرة، وتحريم الخلوة بالأجنبية، وتحريم الصلاة بعد الصبح وبعد العصر سداً لذريعة الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، ومنع الصائم من المباشرة إذا كانت تحرك شهوته، ومنع كثير من العلماء مباشرة الحائض فيما بين سرتها وركبتيها إلا من وراء حائل، كما كان النبي ﷺ يأمر امرأته إذا كانت حائضاً أن تتزر، فيباشرها من فوق الإزار. *تعليق الشيخ: -وسد الذرائع لابد أنه ثابت بالقاعدة الشرعية لأن الوسائل لها أحكام المقاصد ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]. فنهى عن سب آلهة المشركين لأنها ذريعة لسب الله فدل ذلك على أن سد الذرائع أمر معتبر شرعاً. *قال ابن رجب: ومن أمثلة ذلك وهو شبيه بالمثل الذي ضربه النبي ﷺ : «من سيب دابته ترعى بقرب زرع غيره، فإنه ضامن لما أفسدته من الزرع، ولو كان ذلك نهاراً»، هذا هو الصحيح، لأنه مفرط بإرسالها في هذه الحال. وكذا الخلاف لو أرسل كلب الصيد قريباً من الحرم، فدخل الحرم فصاد فيه، ففي ضمانه روايتان عن أحمد، وقيل: يضمنه بكل حال.

стр. 3322

*تعليق الشيخ: -ما ذكره من ضمان الزروع إذا أتلفته البهائم صحيح يعني: إذا أرسل بهيمته بقرب الزرع فإنه ضامن، لأنه أرسلها بقربه، ومعروف أن البهيمة إذا أرسلت بقرب الزرع سوف ترعى وتذهب إليه، سواء في الليل أو في النهار، لكن لو أرسلها بعيداً عن المزارع ثم هي مشت إلى المزارع وأكلت في النهار، فإنه ليس على صاحبها ضمان؛ لأن المزارع بالنهار على أصحابها أن يحفظوها ويحموها، والليل بالعكس، ووجه ذلك ظاهر؛ لأن الناس يطلقون مواشيهم في النهار توعى وتجول يميناً وشمالاً وأهل المزارع أيضا يقظون يشتغلون في مزارعهم يحمونها، أما في الليل فالأمر بالعكس ما أتلفت البهيمة من الزرع في الليل فهو على صاحبها ولو كان أرسلها بعيداً عن الزرع وذلك لأن أهل المزارع نائمون لا يستطيعون حمايتها، وأهل المواشي جرت العادة أنهم في الليل يحفظون مواشيهم. *قال ابن رجب: وقوله ﷺ : «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب»، فيه إشارة إلى أن صلاح حركات العبد بجوارحه، واجتنابه للمحرمات واتقاء للشبهات بحسب صلاح حركة قلبه. فإن كان قلبه سليماً، ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يحبه الله، وخشية الله وخشية الوقوع فيما يكرهه، صلحت حركات الجوارح كلها، ونشأ عن ذلك اجتناب المحرمات كلها، وتوقى الشبهات حذراً من الوقوع في المحرمات. وإن كان القلب فاسداً، قد استولى عليه إتباع هواه، وطلب ما يحبه، ولو كرهه الله، فسدت حركات الجوارح كلها، وانبعثت إلى كل المعاصي والمشتبهات بحسب إتباع هوى القلب. ولهذا يقال: القلب ملك الأعضاء، وبقية الأعضاء جنوده، وهم مع هذا جنود طائعون له، منبعثون في طاعته، وتنفيذ أوامره، لا يخالفونه في شيء من ذلك، فإن كان الملك صالحاً كانت هذه الجنود صالحة، وإن كان فاسداً كانت جنوده بهذه المثابة فاسدة، ولا ينفع عند الله إلا القلب السليم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٩) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩، ٨٨]. وكان النبي ﷺ يقول في دعائه: «أسألك قلباً سليماً». فالقلب السليم: هو السالم من الآفات والمكروهات كلها، وهو القلب الذي ليس فيه سوى محبة الله وما يحبه الله، وخشية الله، وخشية ما يباعد منه.

стр. 3323

وفي «مسند» الإمام أحمد، عن أنس، عن النبي ﷺ ، قال: «لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه». والمراد باستقامته إيمانه: استقامة أعمال جوارحه، فإن أعمال الجوارح لا تستقيم إلا باستقامة القلب، ومعنى استقامة القلب: أن يكون ممتلئاً من محبة الله، ومحبة طاعته، وكراهة معصيته. قال الحسن لرجل: داو قلبك؛ فإن حاجة الله إلى العباد صلاح قلوبهم. يعني: أن مراده منهم ومطلوبه صلاح قلوبهم، فلا صلاح للقلوب حتى تستقر فيها معرفة الله وعظمته ومحبته وخشيته ومهابته ورجاؤه والتوكل عليه، وتمتلئ من ذلك، وهذا هو حقيقة التوحيد، وهو معنى «لا إله إلا الله»، فلا صلاح للقلوب حتى يكون إلهها الذي تألهه وتعرفه وتحبه وتخشاه هو الله وحده لا شريك له، ولو كان في السماوات والأرض إله يؤله سوى الله، لفسدت بذلك السماوات والأرض، كما قال الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]. فعلم بذلك أنه لا صلاح للعالم العلوي والسفلي معاً حتى تكون حركات أهلها كلها لله، وحركات الجسد تابعة لحركة القلب وإرادته، فإن كانت حركته، وإرادته لله وحده، فقد صلح وصلحت حركات الجسد كله، وإن كانت حركة القلب وإرادته لغير الله تعالى، فسد وفسدت حركات الجسد بحسب حركة القلب. وروى الليث عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١]. قال: لا تحبوا غيري. *تعليق الشيخ: -ومعلوم أن الإرادة والحركة تتبع المحبة، حتى إن ابن القيم في كتابه «روضة المحبين» قال: إن كل شيء يدل على المحبة لا يمكن للإنسان أن يفعل ما يؤمر ولا يجتنب ما ينهى إلا بمحبة الله ، فكل الإرادات تابعة للمحبة، وإذا كانت كذلك فإننا نقول: إذا حرك القلب نحو الله وأحب الله فلابد أن تصلح إرادته، ولو صلحت إرادته، صلحت جوارحه، وأما تمثيل المؤلف بأن القلب كالملك، فقد سبق لنا في شرح الحديث أن هذا أنقص مما قال الرسول ﷺ ، لأن الرسول ﷺ قال: «إذا صلحت، صلح الجسد» وصلاح الملك قد لا يستلزم صلاح الرعية.

стр. 3324

*قال ابن رجب: وفي صحيح الحاكم عن عائشة عن النبي ﷺ قال: «الشرك أخفى من دبيب الذر على الصفا في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على شيء من الجور، وأن تبغض على شيء من العدل، وهل الدين إلا الحب والبغض؟ قال الله : ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. فهذا يدل على أن محبة ما يكرهه الله، وبغض ما يحبه متابعة للهوى، والمولاة على ذلك والمعاداة عليه من الشرك الخفي، ويدل على ذلك قوله: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ فجعل الله علامة الصدق في محبته إتباع رسوله، فدل على أن المحبة لا تتم بدون الطاعة والموافقة. قال الحسن: قال أصحاب النبي ﷺ : يا رسول الله، إنا نحب ربنا حباً شديداً. فأحب الله أن يجعل لحبه علما، فأنزل الله هذه الآية: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. ومن هنا قال الحسن: اعلم أنك لن تحب الله حتى تحب طاعته. وسئل ذو النون: متى أحب ربي؟ قال: إذا كان ما يبغضه عندك أمر من الصبر. وقال بشر بن السري: ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغضه حبيبك. *تعليق الشيخ: -ولذلك قال ابن القيم (رحمة الله): (أتحب أعداء الحبيب وتدعي ... حبا له ما ذاك في الإمكان) فلا يمكن أن يدعي الإنسان حب الله وهو يحب أعداء الله هذا مستحيل. *قال ابن رجب: وقال أبو يعقوب النهر جوري: كل من ادعى محبة الله ، ولم يوافق الله، في أمره، فدعواه باطلة. وقال رويم: المحبة: الموافقة في كل الأحوال، وقال يحيى بن معاذ: ليس بصادق من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده، وعن بعض السلف قال: قرأت في بعض الكتب السالفة: من أحب الله لم يكن عنده شيء آثر من رضاه، ومن أحب الدنيا لم يكن عنده شيء آثر من هوى نفسه.

стр. 3325

وفي «السنن» عن النبي ﷺ قال: «من أعطى لله، ومنع لله، وأحب لله، وأبغض لله، فقد استكمل الإيمان». ومعنى هذا أن حركات القلب والجوارح إذا كانت لله فقد كمل إيمان العبد بذلك، ظاهراً وباطناً، ويلزم من صلاح حركات القلب صلاح حركات الجوارح، فإذا كان القلب صالحاً ليس فيه إلا إرادة الله وإرادة ما يريده لم تنبعث الجوارح إلا فيما يريده الله، فسارعت إلى ما فيه رضاه، وكفت عما يكرهه، وعما يخشى أن يكون مما يكرهه وإن لم يتيقن ذلك. قال الحسن: ما نظرت ببصري، ولا نطقت بلساني، ولا بطشت بيدي، ولا نهضت على قدمي حتى أنظر على طاعة أو على معصية؟ فإن كانت طاعة تقدمت، وإن كانت معصية تأخرت. وقال محمد بن الفضل البلخي: ما خطوت منذ أربعين سنة خطوة لغير الله . *تعليق الشيخ: -مثل هؤلاء يقولون عن أنفسهم ذلك قد يقول قائل: أليس في هذا تزكية للنفس؟ فيقال: الأعمال بالنيات، والقوم لم يريدوا أن يزكوا أنفسهم عند الناس أهم شيء أن تكون أنفسهم زكية عند الله، لكن يقولون مثل هذا ليقتدي الناس بهم هذا قصدهم وليس قصدهم أن يمتدحوا عند الناس وأن يزكوا أنفسهم، لأن هذا لا يمكن أن يقع من مثل هؤلاء الأتقياء. *قال ابن رجب: وقيل لدواد الطائي: لو تنحيت من الظل إلى الشمس، فقال: هذه خطأ لا أدري كيف تكتب؟ ! *تعليق الشيخ: -نقول: إنه لو تنحى من الظل إلى الشمس في أيام الشتاء لعلم أنها تكتب ماذا تكتب؟ تكتب حسنة؛ لأنه أراد بذلك الرفق بنفسه، والرفق بالنفس لاشك أنه خير وأنه جاءت به الشريعة، إن لنفسك عليك حقاً فهو -يرحمه الله- لا يفعل حتى الشيء المعلوم حسنة لا يفعله حتى يعرف كيف يكتب؟ ! *قال ابن رجب: فهولاء القوم لما صلحت قلوبهم، فلم يبق فيها إرادة لغير الله صلحت جوارحهم، فلم تتحرك إلا لله وبما فيه رضاه والله تعالى أعلم.

стр. 3326

*تعليق الشيخ: -أعلم أن هذا الحديث يرد على أولئك الأقوام الذين إذا نهيتهم عن معصية قالوا التقوى هاهنا وأشاروا إلى صدورهم، لأن النبي ﷺ فعل ذلك وأشار إلى صدره فنقول لهم: لو كان ما ها هنا متقيا لاتقى الظاهر لأن النبي ﷺ إذ يقول: «إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله» فساد الظاهر يدل على فساد الباطن، وأما صلاح الظاهر فلا يدل على صلاح الباطن لأنه قد يقع هذا من المنافق يصلح ظاهره ولكن باطنه خبيث. التحذير من حب الدنيا: ١٤١٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تعس عبد الدينار، والدرهم، والقطيفة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط لم يرض». أخرجه البخاري. «تعس» أي: هلك وخاب وخسر، عبد الدينار، الدينار: هو السكة المضروبة من الذهب، والدرهم: السكة المضروربة من الفضة، «والقطيفة»: الفراش، ومعنى عبدها فسره النبي ﷺ باللازم فقال: «إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض» فلهذا صار عبداً لها لأن هذه الأشياء ملكته يرضى بحصولها ويغضب بفواتها، فصار عبداً ذليلاً لها، هذا من وجه، من وجه آخر أن هذه الأشياء ثلاثة، وقد جاء في حديث آخر أربعة هذه الأشياء ملكت قلبه واستولت عليه حتى كانت هي فكره وعقله وإرادته، وهذا هو حقيقة العبودية من وجهين: الوجه الأول: أنه قد ذل لها بحيث يكون رضاه وغضبه تبعاً لحصولها أو عدمه، ثانيا: أنها ملكت قلبه بحيث تكون هي فكرة وتفكيره وعقله وحركاته، لا يسعى إلا لها ولا يتوقف عن السعي إلا لها، وليس المعنى: أن الرجل ينصب الدينار ويسجد لها، لا، إن النبي ﷺ لم يرد هذا. ففي هذا الحديث: دليل على أن من كانت همته الدنيا يرضى لحصولها ويغضب لفواتها فإنه خاسر ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]. يظن أن رابح إذا ربح ديناراً أو درهماً ألهاه عن ذكر الله، ولكنه في الحقيقة خاسر ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. وفي هذا الحديث: دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يخرج الدنيا من قلبه قبل أن تفجأه منيته، حتى لا يكون عبداً ذليلاً لها.

стр. 3327

ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى أن من تعلق بشيء تعلقاً تاماً صار له مثل العبد، ولذلك نجد العشاق يفخرون بأن يوصفوا بأنهم عبيد لمن عشقوهم، كما قال الشاعر: (لا تدعني إلا بيا عبدها ... فإنه أشرف أسمائي) لماذا؟ لأنه يتلذذ بكونه رقيقاً لها -والعياذ بالله-. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يكون رضاه فيما يرضي الله وسخطه فيما يسخط الله، لا أن يكون ذلك تبعاً للدنيا؛ لأن الدنيا فانية. إذن فالحديث هنا من باب الزهد والورع معاً؛ لأن ترك ما يضر ورع، وترك ما لا ينفع زهد. كن في الدنيا كالغريب: ١٤١١ - وعن ابن عمر ﵂ قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي، فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». -وكان ابن عمر ﵂ يقول: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك». أخرجه البخاري. «المنكب»: طرف الكتف، ولكل إنسان منكبان، أخذ بمنكبيه من أجل أن ينتبه لما يلقي إليه فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»، أوصاه بهذه الوصية أن يكون في الدنيا كالغريب، الغريب: هو من أقام في غير وطنه، ومعلوم أن من أقام في غير وطنه لا تتم له الراحة، بل هو في قلق، لأنه يخرج إلى المسجد لا يرى أحداً يعرفه لأنه غريب، أو عابر سبيل وهذا أشد، عابر السبيل ليس له إقامة فهكذا تكون في الدنيا، وهو إشارة إلى أن الإنسان ينبغي أن يبتعد عن أهل الدنيا وأن يكون بينهم كالغريب أو كرجل عابر سبيل لا يريد المكث، ومما يذكر عن الشافعي: (ومن يذق الدنيا فإني طعمتها ... وسيق إلينا عذبها وعذابها) (فلم أراها إلا غروراً وباطلاً ... كما لاح في ظهر الفلاة سرابها) (فإن تجتنبها كنت سلماً لأهلها ... وإن تجتذبها نازعتك كلابها) وهذا الأخير محط الشاهد، وهو حق، ألا ترى أنك إن اجتنبت الدنيا اجتنبك الناس، وليس

стр. 3328

بينك وبينهم علاقة، وإن تجتذبها هل ستأتيك سهلة؟ لا، يقول: نازعتك كلا بها! فوصية النبي ﷺ -في الحديث السابق- من أحسن الوصايا. فمن فوائد الحديث: حرص النبي ﷺ يستعمل ما فيه تأكيد الخبر، والالتفات إليه إما بالقول وإما بالفعل، ففي حديث النعمان بن بشير استعمل القول «ألا»، وأما هنا فقد استعمل الفعل، والنبي ﷺ يستعمل ما يحصل به الانتباه إما يمثل بهذا وإما بأن يمسك بيدي الرجل بين كفيه، كما فعل مع عبد الله بن مسعود حين علمه التشهد، أمسك بيده ووضعها بين كفيه، وجعل يعلمه، فإذا استعلمت الأساليب التي توجب أن يرعى الإنسان انتباهك فإن هذا من الهدي النبوي. ومن فوائد الحديث: ألا يركن إلى الدنيا وألا يتخذها محل إقامة، لقوله: «كن في الدنيا كأنك غريب»، يعني: قلقاً لست مستأنساً أو عابر سبيل. ومن فوائد الحديث: أن النبي ﷺ لم يأمرنا أن نجتنب الدنيا كلها وإنما أمر أن نكون منها بمنزلة الغريب الذي لا يأكل إلا ما اضطر إليه أو عابر سبيل، وهكذا ينبغي لنا ألا نجعل الدنيا أكبر همنا؛ لأننا إذا جعلناها أكبر همنا فإنها تفوتنا هي والأخرى، وإن جعلناها عوناً على الطاعة صارت هي لنا والأخرى أيضا، ولقد سمعت كلاماً لبعض العلماء يقول: اجعل المال لك كالحمار الذي تركبه، أو كالخلاء الذي تقضي فيه حاجتك، يعني: معناه لا يهمك منها إلا ما تقضي به حاجتك فقط. قال: وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، أخذه من وصية النبي ﷺ إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح: يعني أعمل عمل الجاد الذي يستحضر أن أجله قد حضر؛ ليكون مستعداً غاية الاستعداد، لا تقل: أفعل هذا غداً ربما لا تدرك غداً، وفي الصباح لا تؤخر إلى المساء؛ لأنك ربما لا تدرك المساء، وهذا أمر مشاهد، فالإنسان الحازم هو الذي ينتهز الفرص ويأخذ بالجد، ويقول: «خذ من صحتك لمرضك» كلمة حكمية، الإنسان الصحيح يسهل عليه العمل، وصدره منشرح، ونفسه طيبة، والمريض بالعكس، يصعب عليه العمل؛ ولهذا قال النبي ﷺ لعمران بن حصين: «صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطيع فعلى جنب»، وكذلك أيضاً تضيق نفسك، ولا ينشرح صدرك ولا ينبسط؛ ولهذا تجد أحياناً أن لو أصابك مرض تود ألا يكلمك أحد من الناس، ولو أقرب الناس إليك، فخذ من الصحة للمرض حتى إذا أتاك المرض تكون قد سبق أن أخذت بحظ وافر من العمل الصالح في حال الصحة، قال: «ومن حياتك لموتك»، الإنسان ما دام حياً فإنه يمكن أن يعمل،

стр. 3329

لكن إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، فخذ من حياتك الآن -مادمت حيا- لموتك؛ لأنك سوف تبقى أزماناً طويلة بعد الموت لا تستطيع أن تعمل، لكن ما دمت حيا فاعمل. وفي هذا الحديث فوائد: أولاً: الزهد في الدنيا، وأن الإنسان لا يتخذها موطناً بل معبراً، أو دار وحشة لقوله: «كأنك غريب أو عابر سبيل». ومن فوائد الحديث بالنسبة للموقوف -كلام ابن عمر-: الاعتبار بهذه الوصية إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء. ومن فوائده: أن الإنسان الحازم هو الذي يغتنم الفرص يأخذ من الصحة للمرض ومن الحياة للموت، وكذلك أيضا كما جاء في الحديث: اغتنم خمساً قبل خمس ومنها الفراغ قبل الشغل الإنسان ما دام متفرغاً فلينهز الفرصة وليتخذ الفراغ مملوء بالعمل الصالح قبل أن ينشغل، ولهذا يروى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: تفقهوا قبل أن تسودوا أي: قبل أن تتخذوا سادة لأن الإنسان إذا كان من السادات وسود وصار معروفاً بين الناس انشغل، وسمعت أحد الإخوة يقول: أنت لنفسك ما لم تعرف فإذا عرفت كنت لغيرك، هذا صحيح ولهذا تجد الإنسان في أول حياته وفي غفلة الناس عنه عنده أوقات يستطيع أن يراجع يستطيع أن يزور قريباً أو يعود مريضاً لكن إذا عرفه الناس انكبت الحوائج عليه وحينئذ ينشغل عما كان قادراً عليه بالأمس. الترغيب في المتشبه بالصالحين: ١٤١٢ - وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم». أخرجه أبو داود، وصححه ابن حبان. قوله: «من تشبه» أي: أتى ما يكون به متشابهاً لهم، وذلك بأن يفعل شيئاً من خصائصهم. والتشبه يكون بالعقيدة ويكون بالعبادة، ويكون باللباس ويكون بالعادات، الحديث عام وإذا كان عاماً فينزل قوله ﷺ : «فهو منهم» على ما تقتضيه الأدلة الأخرى فمثلا من تشبه بقوم في العقيدة فهو منهم، اعتقد ما يعتقدون سواء فيما يتعلق بالعبادة أو بالربوبية أو بالأسماء والصفات هو

стр. 3330

منهم حتى لو نفى أن يكون منهم، نقول: أنت منهم، من تشبه بهم في العبادة فهو منهم لو أن إنساناً تشبه بأصحاب الطرق في عباداتهم، وقال: أنا من أهل السنة نعوذ بالله من البدعة وهو يفعل في العبادة ما يفعله أهل الطرق هل يقبل؟ لا هو منهم، من تشبه بهم في العادات فهو منهم، ولاسيما إن نهى الشرع عن ذلك بعينه، إنسان تشبه بالكفار في الأكل باليسار لأنه يوجد الآن أناس يرون أن الأكل باليسار تقدم وحضارة؛ لأن الذي يفعله الأمم المتحضرة على زعمهم فهو حضارة وتقدم فيكون منهم، تشبه بهم في اللباس صار يلبس مثل لباس الكفار نقول: هو منهم، المهم إذا تشبه بهم والتشبه أن يفعل ما كان مختصاً بالمتشبه به، أما ما كان مشتركاً فلا تشبه ثم قول ﷺ «فهو منهم» هل المعنى أنه يكون كافر؟ نقول: هو على حسب الشبه أي: حسب ما تشبه به، إذا قلنا: تشبه بهم في لباسهم هل يكون مثلهم في الكفر أو هو مثلهم فيما تشبه بهم فيه؟ الثاني لكن قد يقال: إن قوله «فهو منهم» يعني يوشك أن يكون منهم، لأن التشبه بهم في الظاهر يؤدي إلى التشبه بهم في الباطن وعلى هذا فيكون منهم باعتبار المال لا باعتبار الحال. وإذا قلنا: إنه منهم في هذه الخصلة التي تشبه بها فهو باعتبار الحال أما إذا قلنا: فهو منهم أي: أن التشبه بالظاهر يؤدي إلى التشبه بالباطن فهذا يفسر قوله: «فهو منهم» في المال ولاشك أن التشبه بالقول يؤدي إلى محبتهم وتعظيمهم والركون إليهم وهذا قد يجر المرء إلى أن يتشبه بهم حتى في العبادة. ففي هذا الحديث فوائد: منها الحث على التشبه بالصالحين لقوله: «من تشبه بقوم فهو منهم» ويتفرع على هذه الفائدة الحث على إتباع السلف الصالح في العبادة وفي العقيدة وفي المنهج وفي كل شيء، ليكون الإنسان منهم، وهل يتشبه الإنسان بهم في ما لا يفعلونه على
следующие страницы →