Полный текст (3 515 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.
стр. 3326
*تعليق الشيخ:
-أعلم أن هذا الحديث يرد على أولئك الأقوام الذين إذا نهيتهم عن معصية قالوا التقوى هاهنا وأشاروا إلى صدورهم، لأن النبي ﷺ فعل ذلك وأشار إلى صدره فنقول لهم: لو كان ما ها هنا متقيا لاتقى الظاهر لأن النبي ﷺ إذ يقول: «إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله» فساد الظاهر يدل على فساد الباطن، وأما صلاح الظاهر فلا يدل على صلاح الباطن لأنه قد يقع هذا من المنافق يصلح ظاهره ولكن باطنه خبيث.
التحذير من حب الدنيا:
١٤١٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تعس عبد الدينار، والدرهم، والقطيفة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط لم يرض». أخرجه البخاري. «تعس» أي: هلك وخاب وخسر، عبد الدينار، الدينار: هو السكة المضروبة من الذهب، والدرهم: السكة المضروربة من الفضة، «والقطيفة»: الفراش، ومعنى عبدها فسره النبي ﷺ باللازم فقال: «إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض» فلهذا صار عبداً لها لأن هذه الأشياء ملكته يرضى بحصولها ويغضب بفواتها، فصار عبداً ذليلاً لها، هذا من وجه، من وجه آخر أن هذه الأشياء ثلاثة، وقد جاء في حديث آخر أربعة هذه الأشياء ملكت قلبه واستولت عليه حتى كانت هي فكره وعقله وإرادته، وهذا هو حقيقة العبودية من وجهين: الوجه الأول: أنه قد ذل لها بحيث يكون رضاه وغضبه تبعاً لحصولها أو عدمه، ثانيا: أنها ملكت قلبه بحيث تكون هي فكرة وتفكيره وعقله وحركاته، لا يسعى إلا لها ولا يتوقف عن السعي إلا لها، وليس المعنى: أن الرجل ينصب الدينار ويسجد لها، لا، إن النبي ﷺ لم يرد هذا. ففي هذا الحديث: دليل على أن من كانت همته الدنيا يرضى لحصولها ويغضب لفواتها فإنه خاسر ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]. يظن أن رابح إذا ربح ديناراً أو درهماً ألهاه عن ذكر الله، ولكنه في الحقيقة خاسر ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. وفي هذا الحديث: دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يخرج الدنيا من قلبه قبل أن تفجأه منيته، حتى لا يكون عبداً ذليلاً لها.
стр. 3327
ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى أن من تعلق بشيء تعلقاً تاماً صار له مثل العبد، ولذلك نجد العشاق يفخرون بأن يوصفوا بأنهم عبيد لمن عشقوهم، كما قال الشاعر:
(لا تدعني إلا بيا عبدها ... فإنه أشرف أسمائي)
لماذا؟ لأنه يتلذذ بكونه رقيقاً لها -والعياذ بالله-. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يكون رضاه فيما يرضي الله وسخطه فيما يسخط الله، لا أن يكون ذلك تبعاً للدنيا؛ لأن الدنيا فانية. إذن فالحديث هنا من باب الزهد والورع معاً؛ لأن ترك ما يضر ورع، وترك ما لا ينفع زهد.
كن في الدنيا كالغريب:
١٤١١ - وعن ابن عمر ﵂ قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي، فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل».
-وكان ابن عمر ﵂ يقول: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك». أخرجه البخاري. «المنكب»: طرف الكتف، ولكل إنسان منكبان، أخذ بمنكبيه من أجل أن ينتبه لما يلقي إليه فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»، أوصاه بهذه الوصية أن يكون في الدنيا كالغريب، الغريب: هو من أقام في غير وطنه، ومعلوم أن من أقام في غير وطنه لا تتم له الراحة، بل هو في قلق، لأنه يخرج إلى المسجد لا يرى أحداً يعرفه لأنه غريب، أو عابر سبيل وهذا أشد، عابر السبيل ليس له إقامة فهكذا تكون في الدنيا، وهو إشارة إلى أن الإنسان ينبغي أن يبتعد عن أهل الدنيا وأن يكون بينهم كالغريب أو كرجل عابر سبيل لا يريد المكث، ومما يذكر عن الشافعي:
(ومن يذق الدنيا فإني طعمتها ... وسيق إلينا عذبها وعذابها)
(فلم أراها إلا غروراً وباطلاً ... كما لاح في ظهر الفلاة سرابها)
(فإن تجتنبها كنت سلماً لأهلها ... وإن تجتذبها نازعتك كلابها)
وهذا الأخير محط الشاهد، وهو حق، ألا ترى أنك إن اجتنبت الدنيا اجتنبك الناس، وليس
стр. 3328
بينك وبينهم علاقة، وإن تجتذبها هل ستأتيك سهلة؟ لا، يقول: نازعتك كلا بها! فوصية النبي ﷺ -في الحديث السابق- من أحسن الوصايا. فمن فوائد الحديث: حرص النبي ﷺ يستعمل ما فيه تأكيد الخبر، والالتفات إليه إما بالقول وإما بالفعل، ففي حديث النعمان بن بشير استعمل القول «ألا»، وأما هنا فقد استعمل الفعل، والنبي ﷺ يستعمل ما يحصل به الانتباه إما يمثل بهذا وإما بأن يمسك بيدي الرجل بين كفيه، كما فعل مع عبد الله بن مسعود حين علمه التشهد، أمسك بيده ووضعها بين كفيه، وجعل يعلمه، فإذا استعلمت الأساليب التي توجب أن يرعى الإنسان انتباهك فإن هذا من الهدي النبوي. ومن فوائد الحديث: ألا يركن إلى الدنيا وألا يتخذها محل إقامة، لقوله: «كن في الدنيا كأنك غريب»، يعني: قلقاً لست مستأنساً أو عابر سبيل. ومن فوائد الحديث: أن النبي ﷺ لم يأمرنا أن نجتنب الدنيا كلها وإنما أمر أن نكون منها بمنزلة الغريب الذي لا يأكل إلا ما اضطر إليه أو عابر سبيل، وهكذا ينبغي لنا ألا نجعل الدنيا أكبر همنا؛ لأننا إذا جعلناها أكبر همنا فإنها تفوتنا هي والأخرى، وإن جعلناها عوناً على الطاعة صارت هي لنا والأخرى أيضا، ولقد سمعت كلاماً لبعض العلماء يقول: اجعل المال لك كالحمار الذي تركبه، أو كالخلاء الذي تقضي فيه حاجتك، يعني: معناه لا يهمك منها إلا ما تقضي به حاجتك فقط. قال: وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، أخذه من وصية النبي ﷺ إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح: يعني أعمل عمل الجاد الذي يستحضر أن أجله قد حضر؛ ليكون مستعداً غاية الاستعداد، لا تقل: أفعل هذا غداً ربما لا تدرك غداً، وفي الصباح لا تؤخر إلى المساء؛ لأنك ربما لا تدرك المساء، وهذا أمر مشاهد، فالإنسان الحازم هو الذي ينتهز الفرص ويأخذ بالجد، ويقول: «خذ من صحتك لمرضك» كلمة حكمية، الإنسان الصحيح يسهل عليه العمل، وصدره منشرح، ونفسه طيبة، والمريض بالعكس، يصعب عليه العمل؛ ولهذا قال النبي ﷺ لعمران بن حصين: «صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطيع فعلى جنب»، وكذلك أيضاً تضيق نفسك، ولا ينشرح صدرك ولا ينبسط؛ ولهذا تجد أحياناً أن لو أصابك مرض تود ألا يكلمك أحد من الناس، ولو أقرب الناس إليك، فخذ من الصحة للمرض حتى إذا أتاك المرض تكون قد سبق أن أخذت بحظ وافر من العمل الصالح في حال الصحة، قال: «ومن حياتك لموتك»، الإنسان ما دام حياً فإنه يمكن أن يعمل،
стр. 3329
لكن إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، فخذ من حياتك الآن -مادمت حيا- لموتك؛ لأنك سوف تبقى أزماناً طويلة بعد الموت لا تستطيع أن تعمل، لكن ما دمت حيا فاعمل. وفي هذا الحديث فوائد: أولاً: الزهد في الدنيا، وأن الإنسان لا يتخذها موطناً بل معبراً، أو دار وحشة لقوله: «كأنك غريب أو عابر سبيل». ومن فوائد الحديث بالنسبة للموقوف -كلام ابن عمر-: الاعتبار بهذه الوصية إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء. ومن فوائده: أن الإنسان الحازم هو الذي يغتنم الفرص يأخذ من الصحة للمرض ومن الحياة للموت، وكذلك أيضا كما جاء في الحديث: اغتنم خمساً قبل خمس ومنها الفراغ قبل الشغل الإنسان ما دام متفرغاً فلينهز الفرصة وليتخذ الفراغ مملوء بالعمل الصالح قبل أن ينشغل، ولهذا يروى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: تفقهوا قبل أن تسودوا أي: قبل أن تتخذوا سادة لأن الإنسان إذا كان من السادات وسود وصار معروفاً بين الناس انشغل، وسمعت أحد الإخوة يقول: أنت لنفسك ما لم تعرف فإذا عرفت كنت لغيرك، هذا صحيح ولهذا تجد الإنسان في أول حياته وفي غفلة الناس عنه عنده أوقات يستطيع أن يراجع يستطيع أن يزور قريباً أو يعود مريضاً لكن إذا عرفه الناس انكبت الحوائج عليه وحينئذ ينشغل عما كان قادراً عليه بالأمس.
الترغيب في المتشبه بالصالحين:
١٤١٢ - وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم». أخرجه أبو داود، وصححه ابن حبان. قوله: «من تشبه» أي: أتى ما يكون به متشابهاً لهم، وذلك بأن يفعل شيئاً من خصائصهم. والتشبه يكون بالعقيدة ويكون بالعبادة، ويكون باللباس ويكون بالعادات، الحديث عام وإذا كان عاماً فينزل قوله ﷺ : «فهو منهم» على ما تقتضيه الأدلة الأخرى فمثلا من تشبه بقوم في العقيدة فهو منهم، اعتقد ما يعتقدون سواء فيما يتعلق بالعبادة أو بالربوبية أو بالأسماء والصفات هو
стр. 3330
منهم حتى لو نفى أن يكون منهم، نقول: أنت منهم، من تشبه بهم في العبادة فهو منهم لو أن إنساناً تشبه بأصحاب الطرق في عباداتهم، وقال: أنا من أهل السنة نعوذ بالله من البدعة وهو يفعل في العبادة ما يفعله أهل الطرق هل يقبل؟ لا هو منهم، من تشبه بهم في العادات فهو منهم، ولاسيما إن نهى الشرع عن ذلك بعينه، إنسان تشبه بالكفار في الأكل باليسار لأنه يوجد الآن أناس يرون أن الأكل باليسار تقدم وحضارة؛ لأن الذي يفعله الأمم المتحضرة على زعمهم فهو حضارة وتقدم فيكون منهم، تشبه بهم في اللباس صار يلبس مثل لباس الكفار نقول: هو منهم، المهم إذا تشبه بهم والتشبه أن يفعل ما كان مختصاً بالمتشبه به، أما ما كان مشتركاً فلا تشبه ثم قول ﷺ «فهو منهم» هل المعنى أنه يكون كافر؟ نقول: هو على حسب الشبه أي: حسب ما تشبه به، إذا قلنا: تشبه بهم في لباسهم هل يكون مثلهم في الكفر أو هو مثلهم فيما تشبه بهم فيه؟ الثاني لكن قد يقال: إن قوله «فهو منهم» يعني يوشك أن يكون منهم، لأن التشبه بهم في الظاهر يؤدي إلى التشبه بهم في الباطن وعلى هذا فيكون منهم باعتبار المال لا باعتبار الحال. وإذا قلنا: إنه منهم في هذه الخصلة التي تشبه بها فهو باعتبار الحال أما إذا قلنا: فهو منهم أي: أن التشبه بالظاهر يؤدي إلى التشبه بالباطن فهذا يفسر قوله: «فهو منهم» في المال ولاشك أن التشبه بالقول يؤدي إلى محبتهم وتعظيمهم والركون إليهم وهذا قد يجر المرء إلى أن يتشبه بهم حتى في العبادة. ففي هذا الحديث فوائد: منها الحث على التشبه بالصالحين لقوله: «من تشبه بقوم فهو منهم» ويتفرع على هذه الفائدة الحث على إتباع السلف الصالح في العبادة وفي العقيدة وفي المنهج وفي كل شيء، ليكون الإنسان منهم، وهل يتشبه الإنسان بهم في ما لا يفعلونه على
стр. 3331
وجه التعبد كهيئة المشي هيئة اللباس وغير ذلك، أو يقال: إن التشبه بهم في اللباس أنه يلبس الإنسان ما اعتاده أهل بلده ما لم يكن محرماً؟ الجواب الثاني، ولهذا نقول: إن إتباع العادة في اللباس هو السنة ما لم يكن ذلك حراماً. ومن فوائد الحديث: التحذير من التشبه بالكفار لقوله: «فهو منهم» وهل هذا على سبيل الكراهة أو على سبيل التحريم؟ الصواب: أنه على سبيل التحريم وأنه يحرم على الإنسان أن يتشبه بالكفار، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم: أقل أحوال هذا الحديث التحريم وإن كان ظاهراً يقتضي كفر المتشبه بهم. ومن فوائد الحديث: أنه متى حصل الشبه ثبت الحكم سواء كان بإرادة أم بغير إرادة. فلو قال قائل: إنه ليس ثياب الكفار لكن لم يقصد التشبه، قلنا: ولكن حصل الشبه والنية محلها القلب فننكر عليه ما أظهره من المشابهة، وأما فيما بينه وبين ربه فهذا ليس إلينا لأن بعضهم تنهاه عن شيء ويقول ما قصدت التشبه، تجده مثلاً يجعل شعره على صفة معينة معروفة أنها من حلى الكفار فإذا قلت له قال: أنا ما أردت شيئاً ماذا نقول له؟ نقول: التشبه حاصل والنية أمر خفي لا يطلع عليه، والنبي ﷺ قال: «من تشبه بقوم فهو منهم» فعلق الحكم على المشابهة. من فوائد الحديث: الحذر من متابعة أهل البدع لأنه إذا تابعهم فقد تشيه بهم فيكون منهم، وقد قال النبي ﷺ : «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار».
حفظ الله بحفظ حدوده:
١٤١٣ - وعن ابن عباس ﵁ قال: كنت خلف النبي ﷺ يوماً، فقال: «يا غلام، أحفظ الله يحفظك، أحفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله». رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح. يقول: «كنت خلف النبي ﷺ »، هل هو خلفه يمشي أو راكباً؟ ليس فيه بيان اللهم إلا إذا كان في رواية لم نطلع عليها، ولكن الذي يظهر أنه كان راكباً فقال: «يا غلام» ناداه بهذا الوصف، لأنه كان صغير السن، «أحفظ الله يحفظك» أي: أحفظ دينه
стр. 3332
فهو كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] وليس المراد أن تحفظ الله نفسه، لأن الله غني عن العالمين، لكن المراد حفظ دينه أي: القيام بشرائعه الواجبة والمستحبة وترك نواهيه المحرمة والمكروهة، «يحفظك» هذا هو جواب الأمر وهو الجزاء والثواب، يحفظك في دينك ودنياك في أهلك في مالك في بدنك في جميع أحوالك، لأن النبي ﷺ أطلق ولم يقيد، «أحفظ الله تجده تجاهك»، هذا أيضا فائدة عظيمة، «أحفظ الله» يحفظ دينه، «تجده تجاهك» أي: أمامك، وهذا يعني: أنه يدلك على كل خير فإذا أحفظت دين الله دلك على كل خير؛ لأن الذي أمامك هو قائدك فيدلك على كل خير، «وإذا سألت فاسأل الله» لا تسأل الناس مهما كان اللهم إلا عند الضرورة القصوى فهذا حال آخر، لكن اسأل الله وحده وأنت إذا سألت الله بصدق ويقين فإن الله تعالى سوف يجيبك لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. وقال تعالى في آية أخرى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. وقد تستبعد أن يجيب لك مسألة لكن لا تستبعد هذا إن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣، ٢]. «وإذا استعنت فاستعن بالله» يعني: إذا طلبت معونة فلا تلجأ إلى الخلق استعن بالله فإنك إذا استعنت بالله استعانة حقيقية بإيمان وصدق أعانك. ففي هذا الحديث من الفوائد: أولاً: جواز الإرداف على الدابة بناء على قوله: «خلف النبي» ولكن هذا مشروط بأمرين. الأمر الأول: ألا يشق على الدابة فإن شق على الدابة فلا يجوز الإرداف. الأمر الثاني: ألا يخاف سقوطاً فإن خلف سقوطاً فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ كيف يخاف السقوط؟ أحيانا يكون ردف البعير منزلقاً فإذا ركبه الإنسان فربما يسقط على ظهره، فهنا نقول: لا تردف وهذا مراعاة لحال الراكب والأول لحال المركوب. ومن فوائد الحديث: تواضع النبي ﷺ بإرداف الصغار وهذا أمر لا يحتاج إلى إقامة البينة عليه أن النبي ﷺ عنده من التواضع الجم للحق وللخلق ما ليس عندنا، وإن شئتم دليلاً على ذلك فمن الذي أردفه النبي ﷺ في رجوعه من عرفة؟ أسامة بن زيد مولى من الموالي وصغير السن أيضاً، ومن الذي أردفه حين ذهابه من مزدلفة إلى منى؟ الفضل بن العباس صغير لكنه من أقاربه فراعى النبي ﷺ هذا، وهذا الفضل بن العباس من أشرف الناس نسباً وأسامة مولى من الموالي ولكن كل منهما صغير، فالمهم أن الرسول ﷺ لا حاجة إلى إقامة البينة على تواضعه لأن هذا أمر متواتر.
стр. 3333
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي في الحديث الهام أن تنادي الإنسان ولو كان أقرب قريب إليك، أن الرسول يكلم ابن عباس وهو رديفه على الدابة قريباً جدا لكن الحديث مهم. ومن فوائد الحديث: هذه الوصايا العظيمة من رسول الله ﷺ أحفظ الله ... إلخ. ومن فوائد الحديث: أن من حفظ حدود الله وشرائع الله حفظه الله في دينه وبدنه وماله وأهله وعرضه أيضا ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨]. ومن فوائد الحديث: أن الجزاء من جنس العمل وأن الإنسان لما حفظ ربه حفظه الله. ومن فوائد الحديث: أنه من الحزم أن يحفظ الإنسان ربه ولا يبالي بأحد يعني: يعبد الله لا يبالي بالناس يتجنب الحرام وإن انتهكه الناس لا يبالي «أحفظ الله يحفظك». ومن فوائد الحديث: أن أهم من يوجه إليه هذا ولاة الأمور الصغير والكبير كل منهم يحب أن يحفظ في ماله وبدنه وعرضه، نقول: إذا كنت تريد ذلك فهناك مفتاح واحد وهو أن تحفظ الله. ومن فوائد الحديث: أن من حفظ الله كان الله دليله ومن كان الله دليله فهو مهتد لقوله: «أحفظ الله تجده اتجاهك» هنا إشكال تجده تجاهك إذا قال قائل: ألا يدل ذلك على ما ذهبت إليه الجهمية الحلولية من أن الله تعالى في كل مكان لأنه قال: «تجاهك» أي: مقابل وجهك يدلك، فهل تقول: إن هذا يدل على ما ذهب إليه هؤلاء الملحدون الذين يقولون إن الله في كل مكان؟ الجواب: لا، لأن الرسول ﷺ قال: «تجده تجاهك» وقال في المصلى: إن الله قبل وجهك ونهى عن التمخط والإنسان يصلي قبل وجهه، وهذا لا يلزم منه أن الله تعالى في الأرض، قد يكون الشيء أمامك وهو عال جداً عنك، أرأيت نجماً قارب الغروب هو أمامك وأين هو؟ في السماء بعيداً عنك فلا يلزم من كون الله تجاه الإنسان أن يكون الله تعالى في مكانك، ولكن الله جعل في أدلة شريعته ما هو مشتبه امتحاناً واختباراً للعباد بأن هذه الأدلة المشتبهة يميز الله بها الخبيث من الطيب ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ وأما الراسخون في العلم فيقولون: آمنا به. إذن الجواب عن الإشكال أنه لا يلزم من كون الشيء تجاه الإنسان أن يكون في مكانك بل يكون تجاهك وهو فوق. ثانيا: أننا لو قلنا بذلك لأبطلنا النصوص الصريحة الواضحة بأن الله فوق كل شيء. ثالثا: أنه لو قدر أن بين كون الشيء تجاهك وكونه في السماء تعارضاً بالنسبة للمخلوق فلا يلزم ذلك بالنسبة للخالق لأن الله -تعالى- ليس كمثله شيء.
стр. 3334
فائدة: الاستعانة والسؤال لله وحده. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يعلق حاجاته بربه لقوله: «إذا سألت فأسأل الله»، وهل اسأله في كل شيء؟ نعم، لكن السؤال يكون بلسان المقال، ويكون بلسان الحال، أما بلسان الحال فهو أن يفوض الإنسان أمره إلى ربه وأما بلسان المقال كقوله الإنسان: اللهم ارزقني. ومن فوائد الحديث: أن الإنسان ينبغي له إذا استعان أن يستعين بالله، وأن من الحزم أنك مهما استغنيت عن الناس فافعل، ولو شق عليك ذلك لو كبر عليك فافعل، لئلا يكون لأحد عليك منه فاجعل المنن لله هذه وصايا نافعة من الرسول ﷺ لمن هو أقرب الناس إليه وهو ابن عباس.
كيف يكون العبد محبوباً عند الناس ؟
١٤١٤ - وعن سهل بن سعد ﵁ قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس. فقال: أزهد في الدنيا يحبك الله، وأزهد فيما عند الناس يحبك الناس». رواه ابن ماجه، وسنده حسن. «دلني على عمل»، «دلني»: مأخوذ من الدلالة وهي الإرشاد إلى الشيء، على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس يعني: حصل به محبة الله لي ومحبة الناس، فيحصل له محبة من جانب الخالق وجانب المخلوق، كل إنسان يحب ذلك، كل إنسان يحب أن يحبه الله وكل إنسان يجب أن يحبه الناس، أما الأول فخاص بالمؤمنين، والثاني عام يعني حتى الكفار يحبون أن يحبهم الناس، وهذا سؤال عظيم فقال له الرسول ﷺ : «أزهد في الدنيا» يعني: اتركها لا تتعلق بها إن جاءتك فقد أتت وإن فاتتك فلا تعلق نفسك بها، أزهد في الدنيا يحبك الله؛ لأنه من لازم الزهادة في الدنيا الرغبة في الآخرة، وإذا رغب الإنسان في الآخرة فسوف يعمل ما يرضي الله ويكون سبباً لمحبته فصارت محبة الله للإنسان في الدنيا من باب اللزوم لأنه متى زهد في الدنيا لابد أن يرغب الآخرة، وحينئذ يحبه الله : «وأزهد فيما عند الناس يحبك الناس» هذه أيضا من الوصايا العظيمة، لا تنظر إلى ما في أيدي الناس أزهد فيه لأنه ليس ملكك ولا ينفعك فأزهد فيه من أجل أن يحبك الناس.
стр. 3335
في هذا الحديث فوائد: أولاً: حرص الصحابة ﵃ على الاستقامة والسؤال عن سبلها لأن الرجل سأل عن شيء يكون فيه محبة الله ومحبة الخلق.
ومن فوائد الحديث: أن كلمات النبي ﷺ كلمات جامعة "ازهد في الدنيا" هذه كلمة موجزة ازهد في الدنيا يشمل الزهادة المال والزهادة في الجاه، والزهادة في المركوبات، الزهادة في المسكن، والزهادة في كل شيء، ولو أردت أن تعدد ما يتعلق بالدنيا لتعبت لكن الرسول ﷺ جمعها في كلمة واحدة.
ومن فوائد الحديث: إثبات محبة الله لقوله: "يحبك الله"، وأهل السنة والجماعة يثبتون أن الله يحب محبة حقيقية، وأهل التعطيل يقولون إن الله لا يحب وأن محبته كناية عن ثوابه فيفسرون الشيء بلازمه مع إنكاره.
ومن فوائد الحديث: أن من لم يزهد في الدنيا وتعلق بها وصارت أكبر همه، فإن ذلك من أسباب انتفاء محبة الله عنه وهذا من المفهوم.
ومن فوائد الحديث: الحث على الزهد في الدنيا لأنها إذا كانت سبباً لمحبة الله فلا ينبغي للعاقل أن يفوت هذا.
ومن الفوائد الحديث: الحث على الزهد فيما أيدي الناس لماذا؟
لأجل أن ينال محبة الناس، أما الإنسان لو لم يزهد فيما في أيديهم فإن الناس سوف يستقلونه ولا يحبونه، مثلاً إنسان كلما رأى شخصاً ما يعجبه يقول: هذا جيد، ويرده يقول هذا لعل صاحبه يقول: تفضل، إذا لم يقل هذا ترقى إلى درجة أخرى يقول: هذا زين أعطني إياه وهكذا حتى يعطيه إياه ولا شك أن كثيراً من الناس إذا رأى من شخص أنه يحب ما في يده يعطيه إياه إذا لم يكن لضروراته لكنه سوف يستثقل هذا الرجل، وربما يكرهه حتى لو كان ذا عبادة وأحبه لله فستنقص محبته، كذلك ايضاً بعض الناس لا يطلب أموالهم على سبيل التملك لكن على سبيل الاستعارة يستعير، ربما وهو في غير حاجة لكن مرض في القلب أنه يطمع فيما في أيدي الناس، هذا لا شك أن الناس تقل محبتهم له.
من فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يسعى فيما يكون سبباً لمحبة الناس له دليل هذا أن الرسول ﷺ أقر الرجل على قوله بحب الناس وإلا لقال له: ما يهمك من حب الناس أحبوك أم كرهوك، لكن ينبغي للإنسان أن يفعل بكل ما يستطيع كل وسيلة توجب أن يحبه الناس وفضل الله يؤتيه من يشاء، أحياناً لا يملك الإنسان حتى يفعل ذلك لكن ينبغي للإنسان إذا لم يكن ذلك من طبيعته أن يتطبع به.
стр. 3336
كيف يكون العبد محبوباً من الله ؟
١٤١٥ - وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يحب العبد التقي، الغني، الخفي". أخرجه مسلمٌ.
"إن الله يحب": هذه جملة مؤكدة بـ "إن" والمحبة صفة حقيقة ثابتة لله فهو يحب من شاء من الأشخاص والأعمال والأزمان والأماكن، محبة الله تتعلق بهذا كله، "أحب البلاد إلى الله مساجدها" هذه متعلقة بالأماكن، في الأزمان "أحب العمل إلى الله تعالى الصلاة على وقتها" هذا يتعلق بالأعمال والأزمان؛ لأن أول الزمن محبوب إلى الله الأشخاص إن الله يحب المتقين هذا عموم هناك خصوص "لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله وبحبه الله ورسوله"، هذه مقيدة بشخص، وقال النبي ﷺ في الرجل الذي كان يقرأ ويختم "بقل هو الله أحد" لأنها صفة الرحمن، قال: "اخبروه بأن الله يحبه"، هنا يقول: إن الله يحب العبد هل العبودية الكونية أو الشرعية؟
العبد بالعبودية الشرعية؛ لأن العبد بالعبودية الكونية دون الشرعية لا يحب الله، كالكافر عبد الله -تعالى- بالعبودة الكونية؛ لأن الله تعالى يفعل فيه ما شاء. إذن العبد بالعبودية الشرعية، الصفة الثانية التقي يعني: متق لله والتقوى: هي فعل ما يقي من عذاب الله بطاعة الله -تعالى- بأوامره واجتناب نواهيه، هذا أجمل ما قيل في التقوى، "الغ ني" يعني: الغني عن غير الله هو غني بنفسه قانع بما أعطاه الله لا يسأل الناس ولا يلحف في المسألة، والوصف الرابع: "الخفي" إنسان خفي لا يحب الظهور، ولأن أهم ما عنده هو محبة الله له ورضا الناس عنه؛ ولهذا قال النبي ﷺ : "رُب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره" هذا الأشعث الأغبر المدفوع بالأبواب خفي ما يُعرف ولا يؤذن له فيدخل، وقال ﷺ : "طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله إن كان في الساقة كان في الساقة وإن كان الحراسة كان في الحراسة ولا يبالي بنفسه -أي مكان يوضع فيه- إن شفع لم يشفع وإن سأل لم يعط" فالإنسان الخفي الذي لا يحب أن يتظاهر أمام الناس هذا هو الذي يحبه الله، أما الذي يحب أن يظهر وتجده إذا جلس في المجلس قام يتحدث وكأن لم يكن في المجلس سواه أو إذا جلس في مجلس قام يلحف في المسألة إذا
стр. 3337
كان حوله طالب علم ما تقول كذا ثم كيف تجمع بين هذا وبين هذا وكأنه يفصل ويبين أنه من أكبر العلماء، كن خفياً تكن عند الله تعالى عظيماً رفيعاً
في هذا الحديث فوائد: منها: إثبات محبة الله لقوله: "إن الله يحب" ومنها الحث على هذه الأوصاف الأربعة وهي تحقيق العبودية لله ، والثاني التقوى والثالث الغني عما في أيدي الناس، والرابع الخفاء، هذه الصفات يحبها الله، ورسول الله ﷺ لم يخبرنا بها إلا حثاً عليها.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يستغني عما في أيدي الناس بل ويستغني عن الناس فلا يطلبنّ من أحد شيئاً إلا عند الضرورة لا يطلب مالاً ولا يطلب مساعدة ولا يطلب شفاعة ولا يطلب أي شيء إلى عند الضرورة؛ لأنه لا يتحقق كونه غنياً إلا بهذا.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يكون خفياً لكن هل يلزم من ذلك أن نأمره بالعزلة؟
الجواب: لا، لا نقول: اعتزل الناس، لكن نقول: لا تحرص على إبراز نفسك، ثم اعلم أنك إذا أخفيت نفسك وكنت أهلاً لأن تظهر وتبرز فإن الله سوف يظهرك ويبرزك ويعلم الناس بك، أما العزلة فأصح الأقوال فيها أنها إذا كانت دفاعاً عن الدين فهي خير، وإلا فالمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم.
إذن خالط الناس واصبر على أذاهم، وقول الرسول: "ويصبر على أذاهم" يدل على أن هذا الرجل كان يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر؛ لأن الذي لا يتعرض للناس لا يؤذونه، لكن الذي يتعرض هو الذي يؤذى، وقد قال لقمان لابنه: ﴿يابني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك﴾ [لقمان: ١٧].
من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه:
١٤١٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه". رواه الترمذي، وقال حسنٌ.
"من" هنا للتبعيض، وهي خبر مقدم، وتركه مبتدأ مؤخر، "ترك ما لا يعنيه" أي: ما لا يهمه ولا تتعلق به حاجته ولا ضرورته بل لا شأن له به، فإذا رأيت الرجل يترك هذا الشيء ولا يتعرض للسؤال عما لا يعنيه فاعلم أنه حسن الإسلام لقول الرسول ﷺ : "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
стр. 3338
ففي الحديث فوائد: أولاً: أن الإسلام منه حسن ومنه ما ليس بحسن، وأن لحسن الإسلام علامات منها هذه العلامة.
ومن فوائد الحديث: الحث على ترك الإنسان ما لا يعنيه، وجه ذلك أن الرسول ﷺ جعل ذلك من حسن إسلام المرء، وبه نعرف أن أولئك القوم الذي يسألون الناس إذا رأوهم يتكلمون بكلام سر ماذا قال لك؟ وماذا أجبت؟ هل هذا يعنيك؟ أو يتحسسون على الناس ليسمعوا ما قالوا هل هذا يعنيك لا يعنيك، فالذي يعنيك ابحث عنه والذي لا يعنيك اتركه وأنت إذا سلكت هذا المسلك فإنك سوف تستريح؛ لأن الإنسان إذا بحث عن الأشياء التي لا تعنيه فقد يسمع ما لا يسره بل قد يسمع ما يسوءه.
ومن فوائد الحديث: أن ما يعني المرء فإن عليه أن يبحث عنه، ويؤيد ذلك قول النبي ﷺ : "احرص على ما ينفعك واستعن بالله" وهل من ذلك أي: من ترك ما لا يعني ألا يتكلم إلا بخير؟
الجواب: نعم، إذا كان لا يتكلم إلا بخبر فقد تركت ما لا يعنيك، وقد قال النبي ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت". فإذا جمعت هذا الحديث مع الحديث الذي معنا صار في ذلك انضباط الأقوال وانضباط الأفعال.
النهي عن الإسراف في الأكل:
١٤١٧ - وعن المِقدام بن معد يكرب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه". أخرجه الترمذي وحسنه.
"يكرب" مجرورة بالفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه مركب تركيباً مزجياً، يعني: مزج أحد الاسمين بالآخر مثل حضرموت مركباً تركيباً مزجياً، وهناك تركيب يسمى تركيباً إسنادياً، مثل الشنفري وأصله: الشن فري، ومثل رجل يسمى شاب قرناها جاء شاب قرناها هذا مركب تركيباً إسنادياً، هناك تركيب إضافي مركب من مضاف ومضاف إليه مثل كتاب محمد، وهناك تركيب عددي يعني: يركب أحد العددين مع الآخر مثل ثلاثة عشر إلى تسعة عشر، على كل حال هذه الأنواع تختلف من حيث الإعراب، المركب تركيباً مزجياً يرفع بالضمة وينصب بالفتحة ويجر بالفتحة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما ملأ" ما: نافية وملأ فعل ماضي ووعاء مفعول ملأ، وشراً صفة ومن بطن واضح.
يقول الرسول ﷺ : "أن يملأ الإنسان الآنية حليباً" بملأ الإنسان حليباً ليشربه الناس هذا طيب،
стр. 3339
يملأه طعاماً يأكله الناس هذا طيب لكن هذا الوعاء الذي ذكر الرسول -وهو البطن- هذا لا يملأه فما ملأت وعاء شراً منه، والبطن وعاء لأنه مقر الطعام والشراب، ويسمى المعدة يقول الرسول: "ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه" أي: من معدته؛ لأن ملأ البطن سبب للغفلة وكثرة النوم وسبب لأمراض تأتي من تركيب الغذاء وكثرته، والمعدة ليست كيساً يمتلأ طعاماً ثم يفرغ، المعدة معمل يعني: يشتغل بالطعام الذي يوضع فيه هذا المعمل إذا أثقلت عليه فلابد أن يتعب؛ ولهذا قال بعض الناس: لا تأكل طعاماً على طعام فإن إدخال الطعام على الطعام من المهلكات، ومثل لذلك قال: لو أعطيت رجالاً يعملون عملاً وقلت لهم: اعملوا هذا وهو عمل مؤلم ثم أتيت لهم بعمل آخر قلت لهم اعملوه ماذا يكون؟
سيتعبون إما أن يدعو العمل الأول على عَجِرَه وإما أن يتعبوا تعباً عظيماً، هكذا المعدة ولهذا نقول: لا تملأ المعدة، وما الأمراض الحديثة الأخيرة كمرض السكر ونحوه إلا بأسباب الكثرة - كثرة الأكل، وقد ذكر ابن القيم ﵀ في زاد المعاد أن الأمراض المركبة من الغذاء المركب الآن كم يقدم على الغداء من نوع؟
بعض الناس يقدم ثمانية أو تسعة أصنافاً هذه الأغذية تختلط ويختلط الغذاء بالدم جسم مركب من عدة أغذية ويطلب علاجاً، ولهذا قال ابن القيم ﵀ وهو حق: ولذلك كانت البادية أقل الناس أمراضاً مركبة وأسهلهم معالجة؛ لأن معالجتهم لا تحتاج إلى تعب.
هذا الحديث في آخره: "فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه"، وهذا هو العدل، الطعام يحتاج إلى شراب، ولهذا يقول الله: ﴿وكلوا واشربوا﴾ [الأعراب: ١٨٧]. اجعل الطعام له الثلث والشراب الثلث وثلث للنفس لتتنفس ويتسع نفسك، وهذا لو أننا مشينا عليه ما أصبنا بالأمراض إلا أن يشاء الله، لكن هذا من أسباب الوقاية ويذكر أن بعض الأوروبيين لا يشبعون في الأكل، لكن يكثرون عدد الوجبات، نحن نأكل ثلاث مرات هم يأكلون خمس مرات، لكنهم لا يكثرون الأكل وهذا هو الترتيب الصحي كُل قليلاً وإذا جعت فكل.
في هذا الحديث فوائد: منها أن الشريعة الإسلامية جاءت بدواء القلوب، ودواء الأبدان.
وجه ذلك: أن هذا القدر من الغذاء هو المناسب للطلب تماماً.
ومنها: أن الشريعة الإسلامية جاءت بتوقي الأسباب الموجبة للأذى تؤخذ من النهي على ملء البطن لأنه موجب للأذى، ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀: لا يحل للإنسان أن يأكل أكلاً يتأذى به، بعض الناس الآن ما شاء الله يأكل كثيراً ويملأ بطنه حتى إنه لا يكاد يستطيع القيام من ملأ البطن ثم بعد ذلك يطلب أشربة تهضم، الواحد يلطخ بدنه بالنجاسة ثم يبحث ما يطهرها به؟ من الأصل لا تفعل.
стр. 3340
فإن قال قائل: اليس أبو هريرة ﵁ قد شرب لبناً حتى لم يجد له مكاناً؟
قلنا: بلى لكن النادر لا حكم له، وهذا شيء نادر والرسول ﷺ عذره من أجل أنه كان جائعاً من قبل حتى يعرف قدر نعمة الله، وهذا من حكمة الرسول ﷺ أنه أحياناً يجعل للمرء ما يقابل حاله التي كان عليها حتى يعرف حكمة الله ونعمته كما فعل مع جابر في جمله.
جابر كان معه جمل قد أغيا وأراد جابر أ، يتركه فلحقه النبي ﷺ فضرب الجمل ودعا له فانطلق الجمل يمشي حتى كان في أوائل القوم، وكان في الأول في أخريات القوم، وكان جابر سيسيبه، ولكن الرسول ﷺ ببركة دعائه صار الجمل على هذا الوجه ثم قال: بعنيه بأوقية فقال: لا، كان في الأول يريد أن يسيبه والآن امتنع أن يبيعه على أشرف الخلق، والرسول هو السبب أيضاً في أنه صار يمشي قوياً ومع ذلك أبى، لكنه قال: بعنيه فلما رأى النبي صلى الله وسلم متمسكاً به يعني لما رأى جابر النبي ﷺ متمسكاً به باعه عليه، لما وصلا المدينة أعطاه الثمن، وقال له: "أتراني ماسكتك لآخذ جملك خذ جملك ودراهمك فهو لك" هذا الكرم وهذا الامتحان أراد أن يمتحن هذا الرجل، كان بالأول كارهاً لهذا الجمل ثم صار راضياً به ثم باعه ثم جاءه الجمل والثمن، وأصل شراء النبي ﷺ له من أجل الاختبار والامتحان إذن نقول: مما ينبغي للإنسان أن يأكل ثلثاً ويشرب ثلثاً ويتنفس في ثلث، هذا الذي ينبغي أن يكون عليه غذاؤك دائماً لكن النادر لا حكم له يعني: لو جاز لك الطعام أو الشراب وملأت بطنك منه أحياناً فلا بأس أما أن تجعل هذا ديدنك فلا.
التوبة فضلها وشروطها:
١٤١٨ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كل بني آدم خطاءٌ، وخير الخطائين التوابين". أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وسنده قويٌّ.
"كل" مبتدأ و"خطَّاء" خبره، أي: كثير الخطأ، لأنه لم يقل: كل بني آدم يخطء، قال: "خطاء" أي كثير الخطأ وما أكثر خطأنا، والخطأ يدور على شيئين: إما ترك واجب وإما فعل محرم، وأينا سلم من ترك الواجب؟ نسأل الله العفو، أينا يسلم من ترك المحرم كذلك "وخير الخطائين التوابين" أي: الرجَّاعون عن خطئهم إلى الله حتى لو تكرر؛ لأن كلمة خطاء تدل على الكثرة وخير الخطائين التوابون كلما أخطأ تاب، وشيء الخطائين هو الذي لا يتوب ولا يبالي ولا يهتم، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون
стр. 3341
ويستغفرون الله فيغفر لهم"، أنت وإن كثر خطؤك لا تيأس تُب إلى الله ويمحى الخطأ حتى ولو تكرر، واعلم أن التوبة هي: الرجوع إلى الله من معصيته إلى طاعته وشروط قبولها خمسة:
الأول: إخلاص النية لله، والثاني: الندم على ما وقع، والثالث: الإقلاع عنه في الحال والرابع: العزم على ألا تعود، والخامس: أن يكون هبل رد التوبة.
الأول: الإخلاص لله وهذا أساس كل عمل صالح لابد فيه من الإخلاص لله وإلا كان مردوداً كما قال الله -تعالى- في الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه".
الثاني: الندم بحيث يتحسر ويتأسى، والا يكون فعله للذنب وعدمه سواء.
والثالث: الإقلاع عن الذنب.
والرابع: العزم على ألا يعود.
والخامس: أن يكون قبل وقت رد التوبة، لو تاب الإنسان إرضاءً لوالده لا تقرباً إلى الله تعالى أتقبل التوبة؟
لا، لابد من الإخلاص لله لو تاب بلا ندم وأقلع عن الذنب لكن كأن الذنب لم يمر عليه ولا نَدِمَ ولا تأثر هذا أيضاً لا تقبل توبته؛ لأنه لابد من أن يشعر الإنسان بأنه مذنب.
والثالث: لو تاب الإنسان من السرقة، إنسان سرق وتاب من السرقة، ولكن المال المسروق لم يرده إلى صاحبه أيقبل؟ لا، لأنه لم يقلع.
إذا قال قائل: الإقلاع بالنسبة للأموال واضح أن الإنسان يرد الأموال إلى أهلها، لكن إذا كان الإنسان لا يعلم أهلها بأن كان قد أخذ دراهم من إنسان وتاب ولكن لا يدري وهذا يقع أحياناً، مثلاً يأخذ من صاحب الدكان حاجة وينتقل صاحب الدكان ولا يدري أين ذهب ماذا يصنع؟
يتصدق بها تخلصاً منها لصاحبها، فإن تصدق بها تقرباً إلى الله لم تنفعه ولم تنفع صاحبها، لأنها لا تقبل حيث إنها حرام، ولن تنفع صاحبها لأنه لم ينوها له فيطالبه صاحبها بها يوم القيامة، إذا كانت المظلمة غير مال، مثلاً إنسان اغتاب شخصاً فكيف يتخلص؟
قال العلماء: يذهب إلى هذا الرجل الذي اغتابه ويقول: سامحني حللني، وإذا قال سامحني حللني هل من المستحسن أن يقول: ما الذي قلت فيَّ؟ لا.
إذن يسامحه عن حق مجهول ولا يضر ولا يسأل لأنه ربما لو سأله وأخبره كان ذلك عظيماً في نفسه ثم لا يسامحه، لكن إذا قال: أنت مسامح فهذا طيب ولو كان مجهولاً.
стр. 3342
وقيد بعض العلماء ذلك بأن كان صاحبه الذي اغتابه قد علم بالغيبة فليتحلل منه وإن لم يعلم ووثق أنها لم تبلغه فالأولى الا يتحلل منه؛ لأنه ربما لو تحلل منه لأبى ولكن يستغفر الله كما جاء في الحديث كفارة من اغتبته "فاستغفر له" ويثني عليه بالخير في المجالس التي كان يغتابه فيها، لكن لا شك أن الذي تطمئن إليه النفس هو أن يذهب ويصارحه فإن هداه الله فهذا المطلوب وإن لم يسمح له فإذا علم الله من نية هذا التائب صدق فإن الله جل وعلا يتحمل عنه.
الرابع: وأن يعزم على ألا يعود أو الشرط ألا يعود؟
أن يعزم على ألا يعود؛ لأنك لو قلت: شرط ألا يعود ثم عاد مرة ثانية بطلت نوبته الأولى لكن إذا قلت: العزم على ألا يعود صحت التوبة، ثم إن عاد مرة ثانية احتاج إلى تجديد توبة للذنب الثاني، إذن إذا عزم على ألا يعود صحت التوبة وإن كان متردداً هل تقبل توبته؟
لا، لأنه لم يعزم على ألا يعود ولا بد أن يعزم على ألا يعود.
الخامس: وهو أمهما بعد الإخلاص أن تكون التوبة في وقت لا ترد فيه التوبة، والوقت الذي ترد فيه التوبة نوعان: خاص وعام، فالخاص حضور أجل كل إنسان كل من حضر أجله وتاب بعد حضور الأجل لم يقبل منه لقوله تعالى: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن﴾ [النساء: ١٨] وانظر إلى كلام الرسول ﷺ لعمه أبي طالب قال: "قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله"، قد تنفع وقد لا تنفع ولقد غرق فرعون وأحسن بالهلاك ماذا قال لما أدركه الغرق قال: ﴿آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين﴾ [يونس: ٩٠]. فقيل له: ﴿ءآلآن﴾ يعني: الآن تسلم ﴿وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين * فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية﴾ [يونس: ٩١، ٩٢]. يعني: بدنك يظهر ويبرز لأن فرعون قد أرعب بني إسرائيل، وربما إذا لم يروه ويشاهدوه ربما يكون في نفوسهم أنه لعله نجا، أو لعله ينجو لكن إذا راوه ميتاً طابت نفوسهم؛ ولهذا قال: لتكون لمن خلفك آية، أما النوع الثاني من الوقت الذي ترد فيه التوبة فهو العام وذلك عند طلوع الشمس من مغربها هذه الشمس العظيمة تشرق من المشرق فتغرب من المغرب فإذا أذن الله تعالى في انقطاع التوبة خرجت من المغرب وحينئذٍ يؤمن كل إنسان ويتوب كل إنسان لكن يقول الله : ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك﴾ وهو طلوع الشمس من مغربها ﴿لا ينفع نفساً إيماناً لم تكن آمن من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً﴾ [الأنعام: ١٥٨]. إذن خير الخطائين التوابون أي: كثيروا الخطأ كثيروا التوبة، والتوبة عرفتم شروطها.
стр. 3343
فضل الصمت وقلة الكلام:
١٤١٩ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الصمت حكمةٌ، وقليلٌ فاعله". أخرجه البيهقي في الشعب بسندٍ ضعيفٍ، وصحح أنه موقوفٌ من قول لقمان الحكيم.
"الصمت" يعني: السكوت، "حكمة" يعني: وضع للشيء في موضعه، "وقليل فاعله" قليل خير مقدم، و"وفاعله" مبتدأ مؤخر يعز أن قليل، ولا شك أن الصمت أسلم من الكلام المتكلم به أمرين إما مفيد وإما باطل، وهذا هو الغالب، لكن الصامت سالم فالصمت حكمة ولكن هذا كما قال المؤلف ليس من قول الرسول ﷺ إنما هي من قول لقمان الحكيم أو غيره ما ندري هل تصح عن لقمان أو لا؛ لأن لقمان الحكيم ذكر الله عنه أشياء من سورة لقمان.
واعلم ان كل ما ينقل عن الأمم السابقة إذا لم يكن في القرآن أو في صحيح السنة فإنه لا يقبل لأن الله ﵎ قال: ﴿ألم يأتكم نبؤا الذين من قبلكم قوم نوحٍ وعادٍ وثمود والذين من بعده لا يعلمهم إلا الله﴾ [إبراهيم: ٩]. إذن علم الأمور السابقة لابد أن يكون في القرآن أوفي السنة الصحيحة عن رسول الله ﷺ لكن لننظر في هذا الكلام هل الصمت حكمة في كل حال؟
لا، قد يكون الصمت سفهاً إذا رأى الإنسان منكراً هل نقول: اسكت؟
لا، نقول: السكوت هنا سفه وحرام أيضاً؛ لأن من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار وعلى هذا فليس هذا القول على إطلاقه بل فيه تفصيل أما قليل فاعله يعني: قليل من يسلك هذا السبيل وهو السكوت هذا صحيح أكثر الناس يحبون الكلام ويتكلمون حتى إنك تجد المسألة توضع أو تطرح ويتكلم عنها من ليس من أهل الكلام فيها ربما يأتي الإنسان بقول ماذا نقول في رجل صلى وهو آكل لحم إبل جاهلاً ويوجد طلبة علم ويوجد عوام قال لك العامي: ما يضر هذا ما يخالف، الله يقول في محكم كتابه: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. هذا نقول: الصمت في حقه حكمة والكلام سفه، لكن قليل من يفعل هذا أي: أن كثيراً من الناس يتكلمون في موضع لا ينبغي أن يتكلموا فيه.
* * *
стр. 3344
٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق
لما كانت الأمور لا تتم إلا بإثبات ونفي جعل العلماء ﵏ باباً للترغيب وباباً للترهيب ليكمل سير الإنسان وأخلاق الإنسان؛ لأن الأخلاق قسمان: أخلاق مطلوبة يرغب فيها، وأخلاق غير مطلوبة يرهب منها، ولهذا قال: باب الترهيب من مساوئ الأخلاق، والأخلاق جمع خلق وهي الصورة الباطنة أي: ما يتخلق به الإنسان، لأننا نقول: خَلق وخُلُق، الخَلق الصورة الظاهرة والخُلُق الصورة الباطنة أي: ما يتخلق به الإنسان، الأخلاق منها سيئ ومنها حسن ومنها ما لا يوصف بسوء ولا حسن.
النهي عن الحسد:
١٤٢٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات، كما تأكل الناء الحطب". أخرجه أبو داود.
- ولابن ماجه: من حديث أنسٍ نحوه.
قوله: "إياكم والحسد" الجملة هذه جملة تحذيرية أي: أحذركم الحسد، لكن قدم الضمير اهتماماً بالأمر.
تعريف الحسد وأقسامه:
والحسد هو: تمني زوار نعمة الله من غيرك، بأن يتمنى الإنسان أن يزل الله النعمة عن غيره سواء تمنى أن تزول النعمة إليه أو أن تزول النعمة عن غيره لا إليه، أو ان تزول النعمة عن غيره إلى غيره بالأقسام ثلاثة، كل هذا من الحسد هذا هو المعروف عند جمهور العلماء في تعريف الحسد، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الحسد كراهة نعمة الله على الغير أن يكره أن ينعم الله على غيره وهذا أعم، فإذا رأيت نفسك تكره أن ينعم الله على غيرك بعلم أو مال أو خُلُق أو صحة أو ما أشبه ذلك فاعلم أن فيك شيئاً من الحسد حاول أن تقضي عليه؛ ولهذا قال الله : ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيبٌ مما اكتسبوا وللنساء نصيبٌ مما اكتسبن وسئلوا الله من فضله﴾ [النساء: ٣٢]. لكن لا تتمن أن نعمة الله على فلان تأتي إليك بل اسال الله من فضله فالذي أعطاه قادر على أن يعطيك، وقوله ﷺ : "فإنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب" أي: الحسد يأكل حسنات الحاسد كما تأكل النار الحطب، والنار وإذا أوقدت على الحطب أكلته، وهذا تعليل بالحكم فذكر النبي ﷺ أن في الحسد ذهاب الحسنات كيف تذهب الحسنات؟
стр. 3345
نعم، للمفاسد العظيمة التي تحصل بالحسد فمنها اعتراض الحاسد على حكمة الله لأنك إذا كرهت ما أنعم الله به على غيرك فهذا اعتراض، كأنك تقول: هذا الرجل لا يستحق هذه النعمة، ففيه اعتراض على القدر، كذلك أيضاً الحسد لا يخلو غالباً من البغي على المحسود فنجد الحاسد يبغي على المحسود إما بلسانه أو بفعاله من أجل أن تزول هذه النعمة ومنها أيضاً أن الحاسد دائماً يكون قلياً ضيق الصدر حتى إنه ربما لا يطيب له الأكل ولا النوم وكلما ازدادت نعمة الله على المحسود ازداد نكداً وهمًّا وغمًّا، ومعلوم أن النكد والهم والغم يوجب انقباض النفس وعدم انشراح الصدر بالطاعات وغيرها، حتى إنه ربما يكون يصلي وقلبه يفكر فيما أنعم الله به على المحسود فيقل ثواب الحسنات.
ومنها: أن الحاسد ينحسر أن يسبق المحسود بما أنعم الله به عليه فمثلاً إذا رأى طالب علم قد فضله في العلم تجده يقول: ليس لي حاجة أن أتعب لأنني لن أصل إلى درجة فلان فيتوقف عن الخير بسبب الحسد، وأول من حسد فيما نعلم إبليس، فيكون الحسد إذن من اتباع خطوات الشيطان والتأسي بالشيطان وهذا من مفاسده، وله مفاسد كثيرة لكن هذا الذي يحضرني منها الآن، فالحسد فيه شر كثير.
فإذا قال قائل: الحسد في الواقع غريزة كل إنسان يعرف نعمة الله على أحد يتمنى أن يكون له مثلها.
قلنا: هذا ليس الحسد المذموم هذا الحسد يسمى حسد غبطة ولا بأس به، ولكن احمل نفسك على أن تصل إلى ما وصل إليه هذا الإنسان إن كنت تحسده على علم فاحمل نفسك على طلب العلم حتى تصل إلى ما وصل إليه، إن كنت تحسده على جاه فاحمل نفسك على أن تكون حسن الأخلاق سليم الصدر محسناً إلى الناس باذلاً نفسك لهم وحينئذٍ يكون لك عندهم جاه وهلم جرا، وهذا ليس الحسد المذموم هذا يسمى حسد الغبطة، وقد أقره النبي ﷺ في قوله: "لا حسد إلا في اثنتين".
ذم الغضب:
١٤٢١ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب". متفقٌ عليه.
"ليس الشديد" يعني: ليس القوي بالذي يصرع الناس، والصرعة في صيغ المبالغة أي كثير الصرع قوي الصرع، مثل: همزة لمزة يعني: كثير الهمز واللمز فالصرعة هو كثير الصرع قوي
стр. 3346
الصرع، والمصارعة المغالبة أيهما يصرع صاحبه ويضرب به على الأرض، وهذه المصارعة لها أساليب ليست مبنية على قوة الشخص، قد يكون الشخص قوياً فيصرعه من هو دونه، فلها أساليب معينة وهي عند الناس الآن فن من فنون الرياضة ولها عشاق لكنهم في الواقع يضيعون أوقاتهم في غير فائدة، فهل الشديد القوي هو الذي يغلب الناس إذا صرعهم؟
لا، ويذكر أن ركانة بن يزيد كان قوياً شديداً لا يصرعه أحد حتى إنه من قوته قالوا: إنهم يضعون جلد الثور تحت قدميه ويأتي أقوى الرجال ويجر الجلد من تحت قدمه فيعجز ويتقطع الجلد دون أن تزول قدماه، وهذا يدل على أنه قويٌّ جداً، جاء إلى النبي ﷺ ليسم وطلب من الرسول أن يصارعه قال: إن صرعتني يا محمد عرفت أنك نبي وأسلمت فصارع النبي ﷺ فصرعه النبي ﷺ فلما صرعه آمن، وهذا لا شك انه من فوائد قوة الجسم وحنكته، وقوله: "وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"، القوي الذي يملك نفسه عند الغضب، والغضب هو جمرة كما قال النبي ﷺ : "جمرة يلقيها الشيطان في قلب الإنسان" ولهذا تجده يحتمي ويظهر دمه على جسمه يحمر وجهه وعيناه وترتعد أطرافه وينتفش شعره من قوة ما يجري، "الشديد هو الذي يملك نفسه إذا غضب" ولا ينفذ مقتضى غضبه.
ولهذا جاء رجل إلى الرسول ﷺ قال أوصني قال: "لا تغضب" قال أوصني، قال: "لا تغضب" قال أوصني، قال: "لا تغضب".
* والغضب ثلاثة أقسام:
القسم الأول: مبتدأ الغضب وهذا يعتري كل إنسان ولا يمنع تصرف الإنسان في نفسه.
والثاني: منتهى الغضب وهذا هو الذي يستولي على الإنسان حتى لا يدري ماذا يقول ولا ماذا يفعل ولا هل هو في الأرض أو في السماء وهذا يقع.
والثالث: وسط بين هذا وهذا وهذا الغضب شديد لكنه يحس بنفسه ولكن الغضب يضغط عليه، فأما الأول وهو الغضب في ابتدائه فحكم تصرف من اتصف به النفوذ، تصرفه نافذ في كل شيء إن حكم بين الناس فحكمه نافذ إن طلق زوجته فطلاقه نافذ إن أعتق عبده فعتقه نافذ كل تصرفاته نافذة هذا متى؟
مبتدأ الغضب، وهذا بإجماع العلماء ولم يختلف فيه أحد وقد قضى النبي ﷺ القضاء وهو غضبان في قصة الزبير وصاحبه الأنصاري.
الثاني: الغضب الذي يصل بصاحبه إلى حد لا يشعر بنفسه فهذا لا عبرة بتصرفه باتفاق العلماء لأنه ذهب عن وعيه ولذلك تجده ربما يضرب أولاده بعضهم ببعض يأخذ الولد الصغير يجعله عصاً يضرب به الكبير، أشياء عجيبة تذكر عن بعض الغاضبين أشد من المجنون هذا
стр. 3347
حكمه لا ينفذ، إن قال قولاً لم يعتبر وإن فعل فعلاً لم يعتبر إلا فيما لا يشترط فيه العقل كالجناية على الآدمي، هذا لو جنى لابد أن يؤخذ منه حق الآدمي.
الثالث: الوسط وسط بينهما فهذا اختلف العلماء فيه ﵏ هل يعتبر بقوله أو لا؟ والصحيح أن قوله غير معتبر؛ لأنه يقول القول وهو غير مريد له، ومن ذلك إذا طلق زوجته وهو غضبان بهذا الغضب فإن الصحيح أن طلاقه لا يقع، وكذلك لاو أعتق عبده فإن العتق لا يقع ولو أوقف أملاكه فإنه لا ينفذ ولو باع شيئاً لم ينفذ، المهم القاعدة أن من كان هذا غضبه فإنه لا ينفذ تصرفه، هذه أقسام الغصب وقد تبين هذه الأقسام ابن القيم ﵀ في كتابه إغاثة اللهفان -غير الكتاب الكبير المعروف- في عدم وقوع طلاق السكران.
من فوائد الحديث: الثناء على من يملك نفسه عند الغضب لقوله: "إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب".
ومن فوائده: الحث على ضبط النفس عند وجوب ما يثيرها لأن الإنسان عندما يحصل له ما يثير نفسه ربما يتكلم بكلام لا يجوز، أو يفعل أفعالاً غير جائزة.
ومن فوائد الحديث: أن من يملك نفسه عند الغضب أشد ممن يصارع فيصرع لقوله ﷺ ليس الشديد بهذا ولكن كذا وكذا مع أن المصارع الذي يصرع الناس شديد قوي لكن حقيقة الأمر أن الذي يضبط نفسه عند الغضب هو أشد منه وأقوى.
ومن فوائد الحديث: حسن تعليم الرسول ﷺ حيث بين للناس الحكم أو الحال بأشياء محسوسة لأن كل واحد من الناس يعرف أن الذي يصارع الناس فيصرعهم يعرف أنه قوي شديد فبين الرسول ﷺ من هو أحق منه بأن يوصف بالشدة، وهو الذي يملك نفسه عند الغضب.
النهي عن الظلم والشح:
١٤٢٢ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "الظلم ظلماتٌ يوم القيامة". متفقٌ عليه.
١٤٢٣ - وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلماتٌ يوم القيامة، واتقوا الشح، فإنه أهلك من كان قبلكم". أخرجه مسلمٌ.
في هذين الحديثين: التحذير من الظلم فما الظلم؟
стр. 3348
تعريف الظلم لغة وشرعاً:
الظلم: في الأصل هو النقص، ومنه قوله تعالى: ﴿كلتا الجنتين آتت أُكلها ولم تظلم منه شيئاً﴾ [الكهف: ٣٣]. أي: لم تنقص منه شيئاً بل أتت به كاملاً، أما في الشرع فهو العدوان على الغير وعلى النفس أيضاً إما بالتفريط فيما يجب، وإما بالتعدي فيما يحرم عليه يدور الظلم ويكون في المال والنفس والعرض لقول النبي ﷺ : "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرم كحرمة يومكم هذا" الحديث، فمثال الظلم في المال أن يدعي الإنسان على شخص ما ليس له أو أن ينكر ما كان واجباً عليه، الأول ادعى على شخص أنه يطلبه كذا وكذا ثم اقام بينة زور وأخذه هذا تعدٍّ في أخذ ما ليس له، والثاني الذي أنكر ما يجب عليه تعدي فيما عليه وكلاهما ظلم، كذلك أيضاً لو أن إنساناً أخذ مال شخص سرقةً أو غصباً فهذا ظلم؛ لأنه عدوان على الغير، الظلم في النفس أن يعتدي على نفسه إما بقطع عضو أو جرح أو إهانة كرامة بزنا أو لواط أو ما أشبه ذل، وأما العرض فأن ينتهك عرضه فيغتابه أو يقذفه أو غير ذلك، المهم أن الظلم له ثلاثة أشياء المال، والنفس، والعرض، يقول الرسول ﷺ : "ظلمات يوم القيامة"، يكون عقوبة الظالم أن يسلب منه النور فلا يكون له نور، فيكون بمنزلة الكفار والمنافقين؛ لأن المؤمنين يسعى نورهم بين أيديهم وأيمانهم أما الكافر فليس له نور وأما المنافق فيعطى نوراً ثم ينزع منه هذا الذي يظلم يكون ظلمه ظلمات عليه يوم القيامة.
في الحديث: التحذير من الظلم لأن النبي ﷺ إذا ذكر الوعيد على عمل فإنه يكون أشد مما لو نهى عنه فقط؛ لأن النهي عن الشيء بدون ذكر الوعيد يجعله من صغائر الذنوب، وذكر الوعيد يجعله من كبائر الذنوب.
وعلى هذا فنقول في هذا الحديث: تحريم الظلم.
وفيه أيضاً: أن الجزاء من جنس العمل لما ظلم الناس في الدنيا أظلم الله عليه يوم القيامة.
وفي الحديث أيضاً: إثبات يوم القيامة وهو اليوم الذي يبعث فيه الناس لله وسمي يوم القيامة لأمور ثلاثة: الأول أن الناس يقومون فيه من قبورهم لله دليل قوله تعالى: ﴿ليومٍ عظيمٍ * يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ [المنافقون: ٥ - ٦].
الثاني: أنه تقام فيه الأشهاد كما قال تعالى: ﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد﴾ [غافر: ٥١].
الثالث: انه يقام فيه العدل: لقوله تعالى: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً﴾ [الأنبياء: ٤٧].
стр. 3349
ويستفاد من حديث جابر: وجوب اتقاء الظلم؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب لا سيما وأنه علله بقوله: "فإن الظلم ظلمات يوم القيامة". فيكون حينئذ من الكبائر.
ومن فوائد حديث جابر: أن التقوى ليست خاصة بالله بل تكون لله وللمخلوقات فهنا اتقوا الظلم وجهت إلى الظلم، وهو عمل من أعمال الإنسان وفي قوله: ﴿واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله﴾ [البقرة: ٢٨١]. أضيفت إلى زمن، وفي قوله تعالى: ﴿واتقوا النار التي أعدت للكافرين﴾ [آل عمران: ١٣١]. أضيفت إلى مكان، وفي قوله تعالى: ﴿واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون﴾ [الممتحنة: ١١]. أضيفت إلى الله لماذا؟
لأن أصل التقوى اتخاذ وقاية والإنسان يتخذ وقاية من الرب ومن عقوباته وعذابه.
ومن فوائد الحديث: أن الظلم من كبائر الذنوب كما سبق وقوله: "واتقوا الشح فإنه أهلك من كان قبلكم" الشح: الطمع فيما عند الغير، فهو محاولة اخذ ما ليس له، والبخل منع ما يجب عليه بذله وتارة نسمع الشح والبخل فنقول: الشح الطمع فيما عند الغير والبخل منع ما يجب بذلك من علم أو مال أو عمل.
وفي الحديث: "البخيل من إذا ذكرت عنده لم يصل عليّ" فهذا بخل بعمل، وإذا قلت: سألت فلاناً من العلماء ولم يجبني، فهذا بخل بالعلم وإذا قلت: سألت فلاناً مالاً ولم يعطني فهذا بخل بالمال، أما الشح فهو الطمع فيما عند الغير وأيهما أشد؟
الشح، لأن منع ما عندك أهون من طلب ما ليس عندك، قال: "فإنه أهلك من كان قبلكم" أهلكهم إهلاكاً حسياً لأنهم بذلك سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم.
ففي هذا الحديث أيضاً: تحريم الشح لقوله: "اتقوا الشح".
فإن قال قائل: إن الله -تعالى- جعل الشح في كتابه من طبائع النفوس فقال تعالى: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح﴾ [النساء: ١٢٨]. فكيف ندفع ما كان من طبيعة النفوس؟
قلنا: هو كسبيٌ، الشح أمر كسبي والأمر الكسبي يمكن للإنسان أن يحترز منه ويتخلى عنه وإن كانت النفوذ مجبولة على محبة المال لكن الإنسان يغلبه دينه حتى يطفئ عنه حرارة الشح.
ومن فوائد الحديث: الاعتبار بمن خلال من الأمم لقوله: "فإنه أهلك من كان قبلكم".
ومن فوائده: أن ما كان سبباً للعقوبة في الأمم الماضية فإنه يكون سبباً للعقوبة في هذه الأمة، بل لو قال قائل: إنه يكون في هذه الأمة أعظم لأنها أكرم الأمم عند الله، وإذا كانت أكرم
стр. 3350
وجب عليها من الشكر لله ما لا يجب على غيرها، وانظر إلى نساء النبي ﷺ : ﴿من يأت منكن بفاحشة مبينةٍ يضاعف لها العذاب ضعفين﴾ [الأحزاب: ٣٠]. ﴿* ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صلحاً نؤتها أجرها مرتين﴾ فلكرمهن عند الله ضوعف لهن في الثواب وضوعف عليهن في العقاب وهذا هو الموافق للفطرة؛ لأننا لو فرضنا أن رجلاً صديقاً لك يظهر المودة في قلبه ولسانه فأساء إليك أدنى إساءة تجد أن هذه الإساءة في حقه عظيمة جداً، لكن لو أساء إليك بها أو بما هو أعظم منها شخص آخر لكان ذلك عندك أهون؛ فلهذا نقول: إذا كان الشح سبباً لإهلاك من قبلنا فإنه سيكون سبباً لإهلاكنا والنبي ﷺ لم يقل: فإنه أهلك من كان قبلكم عبر الخاطر، بل قال ذلك تحذيراً.
إذن يستفاد منه: أن ما جرى على من سبقنا بعمل فإنه يوشك أن يجري علينا بعمل آخر، إلا أنه يستثنى من ذلك مسألة واحدة وهي أن الله -تعالى- أجاب دعوة النبي ﷺ حين سأل الله ألا يهلك أمته بسنة عامة، فهذه الأمة لن تهلك على سبيل العموم كما هلك من هلك من الأمم السابقة.
الرياء:
١٤٢٤ - وعن محمود بن لبيدٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أخوف ما أخاف عليكم: الشرك الأصغر: الرياء". أخرجه أحمد بسندٍ حسنٍ.
لماذا لم يقل: الشرك؟ لأن الشرك خبر إن، وأما قوله: "ما أخاف" هذه صلة الموصول يقول ﷺ : "أخوف ما أخاف عليكم من الأعمال الباطنة هو الشرك الأصغر" المؤلف ﵀ اختصره فقال: الرياء والحديث بطوله فسئل عنه فقال: الرياء، قال الرياء: هو أخوف ما يخاف علينا من الشرك الأصغر".
تعريف الرياء لغة وشرعاً:
والرياء: مصدر راءى يرائي يرياءً كجاهد يجاهد جهاداً، هل هناك مصدر آخر لراءى؟
نعم مراءاة كما أن جاهد له مصدر آخر وهو مجاهدة فما هو الرياء؟
الرياء: أن يحسن الإنسان عبادته ليراه الناس فيتقرب إليهم بذلك، وإن شئت فقل: أن يظهر الإنسان عبادته ليراه الناس فيمدحوه بذلك سواء أظهرها على وجه حسن أو على وجه عادي وسمي رياء؛ لأن الإنسان يراعي فيه رؤية الناس، وهل إذا كان يقول قولاً فيظهره للناس من أجل أن يمدحوه عليه هل يدخل في هذا؟ نعم يدخل لأن النبي ﷺ قال: "من سمع سمع الله به ومن راءى راءى الله به".
стр. 3351
في هذا الحديث: شفة النبي ﷺ على أمته لقوله: "أخوف ما أخاف عليكم".
وفي أيضاً: أن السيئات تختلف بعضها أشد خطراً من بعض لقوله: "أخوف ما أخاف" لأن أخوف اسم تفضيل واسم التفضيل لابد فيه من مفضل ومفضل عليه فالرسول ﷺ يخاف منا أن نعمل عملاً سيئاً لكن يختلف خوفه بعضه أشد من بعض.
ومن فوائد الحديث: انقسام الشرك إلى قسمين أصغر وأكبر فهل هناك ضابط؟
نقول: الضابط إن أردت ضابطاً حكمياً فهناك ضابط وإن أردت ضابطاً ذاتياً يعني حداً فهناك أيضاً ضابط، أما الضابط الحكمي فيقال: الشرك الأكبر ما يخرج به الإنسان من الملة وهذا يسمى تعريفاً بالحكم، والتعريف بالحكم عند أهل الكلام معيب ومردود كما قال الناظم:
(وعندهم من جملة المردود ... أن تدخل الأحكام في الحدود)
وأما التعريف بالحد الذاتي فيقال: الشرك الأصغر ما كان وسيلة لأكبر غالباً، الرياء وسيلة للشرك الأكبر؛ لأنه يتدرج بالإنسان حتى يصل إلى عبادة الناس، هو الآن يعبد الله لكن يزين العبادة ليمدحه الناس عليها فيتقرب بالعبادة إلى الناس، لكنه يجره الأمر إلى أن يعبد الناس، فلهذا نقول: هو شرك أصغر، ورأيت ابن القيم ﵀ يعبر عن الشرك الأصغر بما يتعلق بالرياء فيقول: يسير الرياء؛ لأن الرياء الكثير الأكبر هذا يحبط العمل، فإذا كان الإنسان يرائي في كل عبادة لم يبق عنده عبادة.
إذن نأخذ من هذا الحديث: انقسام الشرك إلى أكبر وأصغر، والضابط في الحكم أن الشرك الأصغر ما لا يخرج به من الملة، والأكبر ما يخرج به من الملة، في الحد الذاتي نقول: الشرك الأصغر ما كان وسيلة وذريعة إلى الشرك الأكبر، من الشرك الأصغر تعليق التمائم لماذا؟
لأنه وسيلة إلى الإشراك في الربوبية حيث يعتقد أن التمائم سبب لمنع الضر أو الشفاء من المرض فيتعلق قلبه بها وربما يتدرج حتى يعتقد أن السبب نفسه هو الذي يكشف الضر فيكون شركاً أكبر.
ومن فوائد الحديث: تحريم الرياء؛ لأنه من الشرك الأصغر، ولكن هل يدخل في الذنوب التي هي تحت المشيئة أو نقول لابد من المجازاة عليه ما لم يتب منه؟
فيه خلاف فمن العلماء من يقول: إن قول الله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨]. يراد به الشرك الأكبر لقوله تعالى: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾ [المائدة: ٧٢]. وأما الشرك الأصغر فإنه داخل
стр. 3352
في المشيئة، فتكون كل الذنوب وإن عظمت ما عدا الكفر والشرك داخلة تحت المشيئة، ومنهم من يقول: الشرك أعظم من الكبائر قال ابن مسعود ﵁: لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقاً، مع أن الحلف بالله كاذباً من كبائر الذنوب فتكون سيئة الشرك سيئة قبيحة لا يمكن أن تدخل تحت المشيئة، ويؤيد هؤلاء قولهم بنفس الآية ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ قالوا: إن "أن" هنا مصدرية يؤول ما بعدها بالمصدر فيصير تقدير الآية إن الله لا يغفر شركاً به، ويكون شركاً هنا نكرة في سياق النفي فتعم، وعلى كل حال الشرك ولو كان أصغر صاحبه في خطر يجب عليه أن يتوب منه ومن جميع الذنوب، لكنه يتأكد في حقه لأنه ليس داخلاً تحت المشيئة على رأي بعض العلماء، هذا بالنسبة لحكم الرياء لكن ما حكم العبادة إذا اقترن بها الرياء وهذا مهم جداً؟
نقول: إن اقترن الرياء بالعبادة من أصلها فهي باطلة لا تقبل من الإنسان لا فريضة ولا نافلة لقول الله -تعالى- في الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" حتى لو كانت صدقة، إنسان رأى الناس يتصدقون فقام يتصدق مراءاة نقول: هذا غير مقبول، أو صلاة رأى الناس ينظرون إليه فقام يصلي هذا لا تقبل صلاته فإن رآءي في وسط العبادة بأن زين صلاته ولكن أصل العبادة لله فهل تبطل العبادة أو يبطل الثواب الحاصل بتحسينها؟
الثاني هذا مقتضى عدل الله أن يحفظ العمل الذي حل فيه الرياء، وأما الأصل فلا يحبط عمله لأنه فعله لله، الآن إذا كان الرياء مشاركاً للعبادة من أصلها فهي باطلة، إذا طرأ عليها يعني أن الرجل قام يصلي لله لكن لما رأى الناس حوله شعر بأنه طرأ عليه الرياء في أثناء العبادة فهل تبطل العبادة؟
نقول: في ذلك تفصيل إن كانت العبادة يتعلق آخرها بأولها بطلت، وإن كان لا يتعلق آخرها بأولها لم تبطل، مثال الأول: الصلاة طرأ الرياء عليه في أثناء الصلاة يبطلها كما لو أحدث في أثناء الصلاة فإنه يبطلها، فهنا وجد المبطل في أثناء الصلاة والصلاة آخرها يتبع أولها فنقول: إن الصلاة كلها باطلة، أما إذا كان لا ينبني آخرها على أولها فإنه يبطل ما حصل
стр. 3353
فيه الرياء فقط كرجل أعد ألف ريال للصدقة وتصدق بخمسمائة بنية خالصة ثم طرأ عليه الرياء حين الصدقة فيما بقي فما الذي يبطل؟ الثاني الأخير أما الأول فلا يبطل لأنه وقع بإخلاص.
خصال النفاق:
١٤٢٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذبن وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان". متفق عليه.
"آية" أي: علامة، لكن الآية لا تطلق إلا على العلامة الدالة دلالة لا إشكال فيها؛ وذلك لأن الدليل قد يكون دالاً على المدلول دلالة ظنية، لكن الآية تكون دلالتها قطعية لا يتخلف مدلولها، "أية المنافق" المنافق: هو الذي يبطن الشر ويظهر الخير.
من أين أخذ؟ قالوا: إنه مأخوذ من نافقاء اليربوع، اليربوع دويبة أكبر من الفأر قليلاً، ولكن أرجلها طويلة وأيديها قصيرة هذه الدويبة أعطاها الله -تعالى- ذكاء تحفر لها بيتاً في الأرض جحراً وتجعل له باباً ثم إذا انتهت إلى ما تريد حفرته صاعدة إلى ظهر الأرض حتى إذا لم يبق إلا قشرة رقيقة توقفت لفائدة وهي أنه إذا هاجمها أحد من باب الجحر خرجت من عند هذه القشرة الرقيقة هكذا المنافق ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم﴾ [البقرة: ١٤]. فلهم بابان لهم وجه مع المؤمنين ووجه مع الكافرين، إذن المنافق بالمعنى العام: كل من أبطن شراً وأظهر خيراً، أما بالمعنى الخاص: الذي هو النفاق الذي صاحبه في الدرك الأسفل من النار فهو إبطان الكفر وإظهار الإسلام، ولم يكن معروفاً إلا بعد أن ظهر الإسلام واعتز المسلمون في بدر وصار الغلبة، بزغ نجم النفاق فصار الواحد إذا لقي المؤمنين يقول: آمنا وصدقنا بأن محمداً رسول الله، ويأتون للرسول ويقولون: نشهد إنك لرسول الله ويذكرون الله لكن لا يذكرون الله إلا قليلاً.
"آية المنافق" أي: علامته، "ثلاث إذا حدث كذب" حدث أي: أخبر عن أمر واقع أو أمر سيقع كذب أي: أخبر بالشيء على خلاف وجهه، هذا هو الكذب الإخبار بالشيء على خلاف وجهه، "وإذا وعد أخلف" يعني: إذا وعد إنساناً بشيء أو على شيء أخلف ولم يف، "وإذا ائتمن خان" سواء ائتمن على النفس أو على المال أو العرض فإنه يخون، والخيانة هي أن يتوصل إلى الشيء على وجه خفي فإن كان بحق فهو مكر وليس بخيانة، وإن كان بغير حق فهو
стр. 3354
خيانة ولهذا المكر ليس مذموماً ولا ممدوحاً، والخيانة مذمومة على كل حال، المكر إذا كان في موضعه فهو مدح، ولهذا أثبته الله لنفسه ولم يثبت الخيانة فقال: ﴿ويمكرون ويمكر الله﴾ [الأنفال: ٣٠]، وقال: ﴿فقد خانوا الله من قبل فأمكن منه﴾ [الأنفال: ٧١]. ولم يقل: فخانهم لأن الله لا يوصف بالخيانة، إذ إن الخيانة هي الخديعة في موضع الائتمان، والمكر هو الخديعة في غير موضع الائتمان.
ولهذا صار المكر في محله كمالاً، هذه علامات المنافق فيه علامة رابعة لم تذكر في هذا الحديث وهي: "إذا خاصم فجر" في هذا الحديث التحذير من هذه الخصال الثلاث الكذب في الحديث، وجه ذلك أن النبي ﷺ جعل ذلك من علامات النفاق محذراً أمته من ذلك، وظاهر الحديث أن الكذب محرم على أي صورة كانت فهو كذب، وقسم بعض العلماء الكذب إلى قسمين: كذب أبيض وكذب أسود ولا شك أن هذا التقسيم باطل، والصواب أن الكذب كله أسود، لكن ما يظن أنه كذب وليس بكذب هذا لا يكون كذباً كالتورية مثلاً التي حصلت لإبراهيم ﵊ فإن هذا ليس بكذب في الواقع لكنه كذب صورة فيما يظنه السامع، وهو حقيقة ليس كذباً، يشمل الكذب هنا الكذب في الخصومة بأن يدعي الإنسان ما ليس له أو ينفي ما عليه، فإن هذا كذب، يشمل الكذب ليضحك به الناس، وما أكثر هذا بين الناس يأتي بقصة كذب ما لها أصل لكن من أجل أن يضحك الناس وقد جاء في الحديث "ويل لمن حدث فكذب ليضحك به القوم ويل له ثم ويل له"، واعلم أن الكذب يطلق في اللغة العربية على الخطأ، وإن لم يتعمده الإنسان، ومنه قول النبي ﷺ : "كذب أبو السنابل"، أبو السنابل ابن بعكك مر على سبيعة الأسلمية وقد مات زوجها ونفست بعد موت زوجها بليال قصيرة، يعني: وضعت حملها فجعلت تتجمل للخطاب فمر بها أبو السنابل فنهاها عن ذلك
стр. 3355
وقال: إنه لا يمكن أن تتزوجي حتى يمضي عليك أربعة أشهر وعشر، فلفت عليها ثيابها وذهبت إلى النبي ﷺ تسأله، وأخبرته بما قال أبو السنابل بن بعكك فقال: "كذب أبو السنابل" أي أخطأ لأن أبا السنابل ما تعمد الكذب ولكنه أخطأ في كونه أخبرها بحكم ليس شرعياً.
ومن فوائد الحديث: تحريم إخلاف الوعد، وجهه أنه من آيات النفاق، وظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن يكون بإخلاف الوعد ضرر على الغير أو لا يكون، وهذا هو الصواب أن الوفاء بالوعد واجب سواء تضمن ضرراً أم لم يتضمن، أما إذا تضمن ضرراً فلا شك في تحريمه مثل أن يأتينا رجل يستقرض مني مالاً ليشتري به حاجة سيارة أو بيتاً أو غير ذلك فيقول لي: أنا الآن ليس عندي شيء، أقول: لا توفيني إلا بعد سنة فالآن وعدته أنني لا أطالبه إلا بعد سنة، ولما مر أشهر طالبته، قلت: أعطني قرضي، هذا إخلاف فيكون حراماً، ولهذا كان القول الراجح أن القرض إذا أجل يتأجل وأنه لا يجوز للمقرض أن يطالب به حتى يتم الأجل، وذهب كثير من العلماء إلى أن الوفاء بالوعد سنة، لكن لا وجه لما قالوا، وكيف نقول: إن الكذب حرام والإخلاف ليس بحرام مع أن الحديث واحد وهو آية النفاق.
ومن فوائد الحديث: الرد على أولئك الذين يتبجحون بالغربيين ويقولون: هم أهل الوفاء بالوعد وإذا أراد أحدهم أن يؤكد الوفاء قال: وعد إنجليزي يعني: الإنجليز هم أهل الوفاء والمسلمون ليسوا أهل الوفاء، وهذا واقع من بعض المسلمين -نسأل الله لنا ولهم الهداية- واقع أن بعض المسلمين لا يهمه أن يوفي بالوعد أو لا سواء وقع ضرر بأخيه أو لم يقع، لكن كوننا نقول: الوعد إنجليزي هذه غفلة وهضم للإسلام، الوعد الذي لا يخلف هو وعد المؤمن والشريعة التي جاءت بالوفاء هي الدين الإسلامي، كل الشرائع جاءت بالوعد، لأن هذا من الأمور العامة، إذن الإخلاف بالوعد حرام سواء تضمن ضرراً وصورته في القرض التي ذكرناها، أو لم يتضمن ضرراً كما لو أخلفه في موعد على أنهم يسيروا في أطراف البلد فأخلفه هذا قد لا يتضرر به صاحبه ولكنه حرام لابد أن يفي بالوعد.
الخصلة الثالثة: وهي أشدها وأعظمها إذا ائتمن خان ولم يؤد الأمانة، وهذا يشمل الائتمان على العرض وعلى المال وعلى القول أي شيء يؤتمن عليه فإنه إذا خان فهو من المنافقين أو فقد اتصف بصفات المنافقين، مثال ذلك: رجل وضع عند آخر دراهم وديعة فاحتاج المودع إلى هذه الدراهم وأنفقها بناء على أنه سوف يردها على صاحبها هذه خيانة، لو قال: إن صاحبها يأذن لي قلنا: إن كنت صادقاً استأذن منه إنسان ائتمنك على حديث وقال: هذا بيني وبينك، ثم إن هذا المخاطب أفشى الحديث وأظهره، هذا اتصف بصفة من صفات المنافقين هذا ائتمن
стр. 3356
فخان، لكن لو قال: أنا لم أخن؛ لأن الرجل قال: هذا بيني وبينك وهو كذلك وحدثني وليس عندنا أحد، لكن لم يقل لي: لا تحدث به أحداً ماذا نقول؟
نقول: كل إنسان يعرف أن المحدث إذا قال: بيني وبينك فيعني لا تخبر أحداً، ومن ذلك أيضاً ما ذكره بعض العلماء أن الإنسان إذا صار يحدثك ويلتفت هل حولنا أحد فقد ائتمنك فلا يجوز أن تفشي سره.
ومن الخيانة أن يكون الإنسان عنده أجير استعمله لمدة شهر أو أكثر أو أقل ثم عند المحاسبة خانه ولم يبين له أنه لا يستحق الأجرة سواء أيام العطل أو غير أيام العطل فهذه أيضاً خيانة، والمهم أن الخيانة هي الغدر في موضع الائتمان.
النهي عن السباب:
١٤٢٦ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر". متفق عليه.
"سباب": مصدر سب يسب سباً وسباباً، و"المسلم": هو من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والتزم بأحكام الإسلام، والفسوق: هو الخروج عن الطاعة مأخوذ من قولهم فسقت الثمرة إذا خرجت من قشرها، "وقتاله" أي: قتال المسلم كفر، والكفر هو: الردة أو ما يقاربها، يخبر النبي ﷺ أن من سب المسلم فهو فاسق، سباب المسلم فسوق أي: إذا سب أحد من المسلمين أخاه فقد فسق أي: انتقل من وصف العدالة إلى وصف الفسق، وإن قاتله فقد كفر أي: فَعَل فِعل الكافرين؛ لأنه لا يمكن أن يحمل السلاح على أخيه من كان مسلماً حقاً، ولهذا قال النبي ﷺ : "من حمل علينا السلاح فليس منا".
في هذا الحديث فوائد: منها: وجوب احترام عرض المسلم وجه الدلالة أن سبه فسوق ويستثنى من ذلك ما إذا سبه رداً على سبه فإنه ليس فسقاً، لقوله تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ [النحل: ١٢٦]. ولقول النبي ﷺ : "المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما ما لم يعتد المظلوم".
ومن فوائد الحديث: أن الفسق دون الكفر، وجه ذلك أن الفسق صار جزاء للسب والسب أهون من القتال وعظم العقوبة يدل على عظم العمل والذنب.
ومن فوائد الحديث: أن قتال المسلم كفر، ولكن هل هو الكفر المخرج عن الملة؟
نقول: لا ليس الكفر عن الملة، والدليل على هذا قول الله ﵎: ﴿وإن طائفتان من
стр. 3357
المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين * إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم﴾ [الحجرات: ٩، ١٠]. وهذا صريح فسمى الله تعالى الطائفتين المقتتلتين إخوة للطائفة التي تصلح بينهما فدل هذا على أن القتال كفر لا يخرج عن الملة، ولهذا لم يقل: قتاله كفر قال: كفر أي: من خصال كفر؛ لأنه لا يمكن أن يحمل السلاح على المسلم إلا من كان كافراً.
فإن قال قائل: فما تقولون في قتله؟
قلنا: كذلك القتل أشد من القتال ومع ذلك لا يخرج به الإنسان من الإيمان، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عُفي له من أخيه شيء﴾ [البقرة: ١٧٨]. فجعل الله المقتول أخاً للقاتل وهذا يدل على أنه لا يخرج بذلك من الإيمان، ذكرنا الآن أن القتل أشد من القتال، وأن القتال أهون، لأن القتال يجوز فيما لا يجوز فيه القتل، ذكر العلماء ﵏ أنه لو اتفق أهل بلد على ترك الأذان أو على ترك صلاة العيد فإنهم يقاتلون ولكنهم لا يقتلون، ولو امتنعوا عن الزكاة فإنهم يقاتلون ولكن لا يقتلون، ولو بغوا على الإمام وخرجوا عليه فإنهم يقاتلون ولكن لا يقتلون، بمعنى: أننا نقاتلهم حتى نكف شرهم ولكن لا نقتلهم، الكفار إذا قتلناهم ثم صارت لنا الغلبة عليهم فلنا أن نقتل مقاتلتهم لكن هؤلاء الذين يقاتلون من المسلمين لا يجوز أن نقتلهم إذا قدرنا عليهم، بل ولا يجوز أن نلحق من ولى منهم وأدبر، ولا يجوز أن نجهز على جريحهم؛ لأنهم معصومون وقتالنا إياهم قتال مدافعة ليس قتالاً نريد منهم شيئاً آخر سوى المدافعة.
ومن فوائد الحديث: تحريم سب المسلم وتحريم قتاله، والقتال أعظم، إذا كان كذلك فإن الفائدة المنهجية في هذا الحديث أن يتجنب بعضنا سب بعض سواء كانت المقابلة وجهاً لوجه، وهذا سب، أو في غيبته وهذا غيبة فكلاهما حرام كبيرة من كبائر الذنوب، وإذا كان كذلك فإنه لا يحل لنا أن يسب بعضنا بعضاً لا في مقابلة ولا في غيبة، ولاسيما إذا كانوا طلبة علم، فإن الواجب على أهل العلم في هذه الأمور أكثر من الواجب على غيرهم، وإذا كنا نقول لعامة الناس: إن الغيبة من كبائر الذنوب فإننا نقول لطلبة العلم الذين يغتاب بعضهم بعضاً: إنها من كبائر الذنوب وزيادة.
التحذير من سوء الظن:
١٤٢٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث". متفق عليه.
стр. 3358
"إياكم والظن": هذا من باب التحذير، والظن: هو اعتقاد شيء ليس له أصل، أن تظن في نفسك شيئاً لا أصل له وهو حديث النفس، ولهذا قال النبي ﷺ : "إن الظن أكذب الحديث" وظاهر الحديث العموم أنه يجب علينا أن نحذر الظن، لكن الآية الكريمة بينت أنه لا يجب علينا أن نحذر جميع الظن حيث قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم﴾ [الحجرات: ١٢]. وعلى هذا فتكون هذا الآية مقيدة الحديث بأن المراد: الظن الذي يكون إثماً، أما الظن الذي ليس بإثم فلا يجب علينا أن نتجنبه، والظن الذي ليس بإثم وهو أن نقوي القرينة جداً جداً حتى كأن الإنسان يشاهد الشيء ويتيقنه، فهذا لا يحرم لأن هذا أمر يفرضه الواقع، الأمر الذي يفرضه الواقع يشق التحرز منه ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
ومن فوائد الحديث: التحذير من الظن والمراد: الظن الذي ليس عليه قرائن فأما ما عليه قرائن فإنه لا يحرم، ولهذا قال العلماء ﵏: يحرم ظن السوء في مسلم ظاهره العدالة قيدوا ذلك أما إذا كان ظاهره خلاف العدالة فلا بأس أن تظن به ما يليق بحاله.
ومن فوائد الحديث: أن حديث النفس يطلق عليه الحديث لقوله: "فإن الظن أكذب الحديث" وهو كذلك، ولهذا قال النبي ﷺ : "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم" وهذا الحديث من أعظم الحديث -الذي سقته الآن- استشهاداً لحديث الباب، ما أكثر الأحاديث التي تحدثنا به أنفسنا فيما يتعلق بالله أو يتعلق بعباد الله أو يتعلق بخاصة النفس! أحاديث كثيرة لكنها-والحمد لله- لا أثر لها لأنها مما عفي عنه، يأتي الشيطان إلى بني آدم ويحدثهم في ذات الله بما لا يليق بالله فهل يأثم؟
لا يأثم ما لم يركن إلى هذا الحديث ويصدق به، فإن ركن إليه وصدق به حكم عليه بما يقتضيه ذلك، وأما إذا كان مجرد طارئ على النفس ولكنه دافعه أو أعرض عنه فإنه لا (يأثم به).
ومن فوائد الحديث: حسن تعليم الرسول ﷺ وذلك لأنه لما ذكر الحكم، ذكر العلة. ذكر العلة يقتضي تنشيط النفس على قبول الحكم، لأن الإنسان يطمئن إلى ما يعرف علته أكثر مما يطمئن إلى ما لا يعرف علته، وإن كان تمام العبودية لا يكون إلا إذا استسلم الإنسان لما يعلم علته وما لا يعلمه، لكن لا شك أنه إذا ذكرت العلة، ازداد الإنسان طمأنينة ولا حرج على الإنسان أن يزداد طمأنينة فيما يكون فيه ذلك فها هو إبراهيم ﵊ قال لله تعالى: ﴿رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ [البقرة: ٢٦٠].
стр. 3359
التحذير من الغش للرعية:
١٤٢٨ - وعن معقل بن يسار ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من عبد يسترعيه الله رعيته، يموت يوم يموت، وهو غاشٌ لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة﴾. متفق عليه.
هذا حديث عظيم يجب على الإنسان أن يكون نصب عينيه دائماً وأبداً "ما من عبد يسترعيه الله رعية" هل هذا يختص بالإمام الأعظم أو بمن هو نائب عنه كالوزراء والأمراء أو هو عامٌ؟
هو عامٌ، الدليل: قول النبي ﷺ : "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته". الرجل راع في أهله استرعاه الله عليهم إذا مات وهو غاشٌ لهؤلاء الأهل فإن النبي ﷺ : "يقول حرم الله عليه الجنة". ومن الغش في رعية الناس اليوم نصب هذه الدشوش التي أفسدت العقائد والأخلاق ودمرت الأمة فإن الذي ينصبها ستكون عليه وبالا وهو في قبره -والعياذ بالله- ويكون ميتاً وهو غاشٌ لأهله ولرعيته؛ ولهذا يجب الحذر من أن يخلف الإنسان في أهله شيئاً محرماً عليهم.
فإن قال قائل: وهل يدخل في ذلك مدير المدرسة؟
نعم، يدخل في ذلك فإذا مات وهو غاش لمن تحت يده فإن الله يحرم عليه الجنة، يدخل في ذلك المدرس؟
نعم، إذن عام وهو في الحقيقة عام حتى المرأة في بيت زوجها تدخل في ذلك إذا غشت الزوج وصارت تنفق ما لا يحتاج إيه وتعطي مما لم يأذن لها فيه فهذا غش إن ماتت على هذا فإن الله يحرم عليها الجنة.
ففي هذا الحديث فوائد: الفائدة الأولى: أن الأمور كلها بيد الله، وأنه لا يمكن لأحد أن يصل إلى سلطة قليلة كانت أو كثيرة إلا بإذن الله، دليل ذلك "ما من عبد يسترعيه الله رعية".
ومن فوائد الحديث: أنه لو تاب هذا الغاش ومات وهو ناصح فإنه لا يلحقه هذا الوعيد وعلى هذا فالحمد لله لكل داء دواء.
ومن فوائد الحديث: وجوب النصح على الولي إذا ولاه الله تعالى على رعيته وجه ذلك الوعيد الشديد على هذا.
ومن فوائد الحديث: أن غش من استرعاك الله عليه من كبائر الذنوب، وجهة الوعيد وكل ذنب فيه وعيد في الآخرة فإنه من كبائر الذنوب.
وهل من فوائد الحديث: أن هذا الغش كفر؛ لأنه يحرم عليه الجنة، إذا حرمت عليه الجنة أين يكون؟
стр. 3360
في النار، هل يكون فيها أبداً؟
ظاهر الحديث أنه يخلد في النار ولا نعلم أحداً يخلد في النار دائماً إلا إذا كان كافراً لكن مذهب أهل السنة والجماعة أن مثل هذه النصوص الوعيدية يحملونها على النصوص الأخرى ولذلك انقسم أهل القبلة في أحاديث الوعد والوعيد فمنهم من غلب جانب الوعد ونسي جانب الوعيد وقال: كل نص ورد في الوعيد إنما هو في الكافرين، وأما المسلمون فإنه لا يلحقهم، فالمسلم عندهم مهما عمل من المعصية فإنه لا يلحقه إثم هذه المعصية ولو من كبائر الذنوب وهؤلاء هم المرجئة، وهذا لا شك أنه فتح بابٍ بل كسر بابٍ للعصاة، العاصي إذا اعتقد هذه العقيدة سيعمل أي معصية دون الكفر ويقول: الحمد لله الإيمان كامل، والإثم مرفوع ولا شك أن هذا باطل.
على العكس من ذلك قوم أخذوا بنصوص الوعيد وقالوا: إن نصوص الوعيد مطبقة على إطلاقها وليس فيها تقييد ولا رد للنصوص الأخرى وهؤلاء هم المعتزلة والخوارج فقالوا: كل نص وعيد فإنه نافذ، وإذا اقتضى الخلود في النار، فمن عوقب به فهو في النار لا يخرج منها أبداً وعلى هذا ينزل ظاهر الحديث الذي معنا الآن: أن من مات وهو غاشٌ لرعيته فهو مخلد في النار، لأنه ليس هناك إلا داران: إما الجنة وإما النار، فإذا حرمت الجنة لزم أن يخلد في النار وهذان طرفان كلاهما على غير الصواب، والصواب أن هذه النصوص الوعيدية مطلقة تقيد بالنصوص الأخرى الدالة على أن من في قلبه أدنى مثقال حبة خردل من إيمان فإنه لا يخلد، وبذلك نعمل بين النصوص.
واعلم أن هذا هو شأن كل خلاف يقع في الأمة على طرفي نقيض فإن سببه أن الناظر ينظر من جانب واحد أي: ينظر أعور فينظر من جانب واحد ويحمل النصوص على هذا الجانب.
فإذا قال قائل: على مذهب أهل السنة كيف نخرج هذا الحديث وأمثاله؟
نقول: إن دخول الجنة دخولان: دخول مطلق لم يُسبق بعذاب، ودخول مقيد نسميه: مطلق الدخول وهو الذي يسبقه العذاب، فما المراد بالدخول هنا؟ يعني: أن الله يحرم عليه أن يدخل الجنة دخولاً مطلقاً لم يسبق بعذاب. إذن لابد أن يعذب ثم يدخل فيكون إلا حرم الله عليه الجنة يعني: إلا حرم الله عليه الجنة حتى يعاقبه.
فإذا قال قائل: إذا قلتم هكذا فهل تكون مثل هذه النصوص مخصصة لعموم قول الله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨]؟ وأن يقال لمن يشاء إلا من ورد أنه لابد أن يعذب ولو لم يكن مشركاً فإنه لا يغفر له؟ نقول: هذا الاحتمال وارد وأننا نقول: إن النصوص الدالة على تعذيب فاعل شيء من الأعمال تخصص قوله: ﴿ويغفر ما دون
стр. 3361
ذلك لمن يشاء﴾ فيكون المعنى: ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء إلا إذا ورد أنه لابد أن يعاقب عليه كما في هذا الحديث وهذا وجه قوي.
وقال بعضهم: إن هذا الحديث يخصص بالآية فيكون هذا مطلقاً ويخصص بالآية ويقال: إن فاعله داخل تحت المشيئة وعلى هذا التقدير -يعني لو أننا تنزلنا جدلاً لهذا الاحتمال وهو خلاف الظاهر- فإننا نقول: وفاعل المعصية التي لا تغفر في الحسنات مخاطر من يضمن أنه يدخل في قوله تعالى: ﴿لمن يشاء﴾؟ لا أحد يضمن. إذن الإنسان مخاطر على كل حال.
ومن فوائد الحديث: إثبات الجنة ولا يقال هذا كقول القائل: السماء فوقنا والأرض تحتنا أو قول الآخر: كأننا والماء من حولنا قوم جلوس حولهم الماء؛ لأن هذا أمر معلوم بالضرورة فيقال: إن زيادة الأدلة يزداد بها اليقين لكن نحن عندنا علم يقيني بوجود الجنة والنار.
أمر الوالي بالرفق برعيته:
١٤٢٩ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً، فشق عليهم، فاشقق عليه". أخرجه مسلمٌ.
قد يكون هذا الحديث ضد الأول "من ولي من أمر أمتي شيئاً" شيئاً نكرة في سياق الشرط فيعم أي شيء يكون، "فشق عليهم" أي: حملهم ما يشق عليهم فاشقق عليه وهذا الذي دعا بهذا الدعاء من؟ الرسول ﷺ وهو دعاء بما تقتضيه حكمة الله فإن الجزاء من جنس العمل فكما أن الإنسان شق على عباد الله فإن الله تعالى يشق عليه، ومن جملة المشقة عليه أن يتمادى فيما شق على المسلمين فإن الله يشق عليه فيكون ذلك من عقوبته -والعياذ بالله-، وقوله: "فشق عليهم" هذا مستثنى منه المشقة التي أمر بها فمثلاً قال النبي ﷺ : "مروا أبنائكم بالصلاة لسبعٍ واضربوهم عليها لعشر". والضرب قد يشق على الإنسان لكن هذا أمر مما أذن فيه وقال تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدةٍ ولا تأخذكم بهما رأفةٌ في دين الله﴾ [النور: ٢]. وهذه مشقة لكنها مشقة مأمور بها وثبت عن النبي ﷺ : "أن الزاني المحصن يرجم"، وهذه مشقة لكنها مأمور بها، فالمهم أن قوله: "فشق عليهم" أي: مشقة لم يؤمر بها أما إذا أُمر بها فإن الله يقول في الزاني والزانية: ﴿ولا تأخذكم بهما رأفةٌ في دين الله﴾.
стр. 3362
من فوائد الحديث: أنه يجب على من تولى شيئاً من أمور المسلمين أن يرفق بهم من استطاع لأنه إذا رفق بهم، رفق الله به وإذا شق عليهم، شق الله عليه.
ومن فوائد الحديث: حرص النبي ﷺ وشفقته على أمته وجه الدلالة أنه دعا على من ولي من أمر أمته شيئاً فشق عليهم.
ومن فوائده: أن الجزاء من جنس العمل، لأن النبي ﷺ لم يطلب شيئاً أكثر مما عمل هذا الرجل.
ومن فوائده: أنه يجوز للإنسان أن يأخذ بحقه ممن اعتدى عليه، وجهه أن النبي ﷺ دعا على من شق على الأمة بأن الله يشق عليه وذلك لأن المشقوق عليه من المولى عليه لا يستطيع الدفاع عن نفسه، لأنه مأمور تحت أمير، ولكن الرسول ﷺ كفاه المؤونة بدعوة الله تعالى أن يشق عليه.
فإن قال قائل: أفلا يحتمل أن الله لا يجيب دعوته؟
ذكرنا قبل قليل أن هذا مقتضى حكمة الله، فإذا كان الرسول دعا بما تقتضيه الحكمة فإننا نعلم أنه سيجاب لأن هذا مقتضى حكمة الله وإلا فمن المعلوم أن كل شيء دعا به الرسول يحتمل أن يجاب ويحتمل ألا يجاب لكن أولاً: أن الأصل هو أن الرسول مجاب الدعوة، وثانياً: إذا كان هذا الدعاء تقتضيه حكمة الله فإنه سيجاب بناء على اقتضاء الحكمة.
النهي عن ضرب الوجه:
١٤٣٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قاتل أحدكم، فليجتنب الوجه". متفق عليه.
"إذا قاتل": يشمل القتال الأعظم المؤدي إلى الموت والهلاك، ويشمل القتال الذي دون ذلك، مثال الذي دون ذلك قوله ﷺ : "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه فإن أبي فليقاتله". -ليس هذا هو القتال الذي يؤدي إلى الهلاك- فإنما هو شيطان، المهم إذا قاتل قتالاً يؤدي إلى الهلاك وقد أذن له به أو قتالاً دون ذلك فإنه يجب عليه
стр. 3363
أن يتقي الوجه، لأن الوجه مجمع المحاسن وفيه ما هو أرق الأشياء كالعينين فيكون ضربه أشد من ضرب الظهر أو ضرب الصدر أو ضرب العضد أو ضرب الفخذ، وقوله: "فليتق الوجه" ورد في أحاديث أخرى غير هذا أن الله تعالى خلق آدم على صورته، يعني على صورة الوجه؟
لا، لا يستقيم لأنه لو كان كذلك لكن كل المخلوقات خلقت على صورة وجهه، ولكن على صورة الرحمن وقد أنكر بعضهم حديث الصورة وقال: إنه لا يصح وإنه منكر؛ لأنه لو كان كذلك، لزم أن يكون الله تعالى مماثلاً للخلق! خلق آدم على صورته وإذا كان هذا اللازم باطلاً فالملزوم باطل. وذهب بعضهم إلى تأويله بتأويلات مستنكرة بعيدة.
وقال بعض العلماء: إما أن يبقى الحديث على ظاهره ويقال: إن الله خلق آدم على صورته، لكن لا يلزم من كونه على صورته أن يكون مماثلاً له بدليل أن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ومع ذلك فليست مماثلة له، وقال آخرون: على صورته كقوله: ناقة الله وبيت الله وما أشبه ذلك أي: على صورته التي اختارها لهذا البشر الذين منهم الأنبياء والأولياء والأتقياء فاعتنى بهذا الوجه أو بهذا الإنسان فأضافه إلى نفسه ويكون هذا من باب إضافة التشريف وهذان القولان هما اللذان يتوجهان في الحديث، أما ما سواهما فهو باطل.
في هذا الحديث دليل على فوائد: منها: وجوب اتقاء الوجه عند المقاتلة، ويتفرع على هذا جواب سؤال، سألني عنه بعض الإخوة اليوم وهو ما يسمى بالملاكمة والمصارعة سألني عن الملاكمة والمصارعة هل تجوز؟
فقلت: أما المصارعة فهي جائزة بشرط ألا تكون على عِوض يعني: بشرط ألا يقول أحدهما للآخر: إن غلبتك فعليك كذا وكذا والعكس، أما الملاكمة فلا تجوز، لأنها خطيرة وأخبرني هو أن الملاكمة من قواعدها: أن يكون الضرب على الوجه خاصة.
إذن لا تجوز فهي محرمة من وجهين: أولاً: أنه يقصد بها الوجه قصداً أولياً وقد نهي عن ذلك، والثاني: أن فيها خطر لو ضرب هذا الملاكم أخاه على صدره أو على كبده أهلكه لاسيما وأنهم كما وصف يضربون بشدة وكأنهم يريدون أن يقفز بعضهم على بعض إذن فهي خطيرة.
ومن فوائد الحديث: أن الوجه هو جمال الإنسان، ولهذا أمر باتقائه عند المقاتلة، يتفرع من
стр. 3364
هذا مسألة الحجاب، الحجاب الآن لا شك أنه يجب على المرأة أن تغطي وجهها عن الرجال الأجانب الذين ليسوا من محارمها، وأن هذا مقتضى الحكمة، وأنه ليس من مقتضى الحكمة إطلاقاً أن يقال للمرأة: يجب عليك أن تستري قدميك ولا يجب أن تستري وجهك أيهما أشد فتنة؟
الوجه أشد فتنة، وأولى بالستر، والإنسان إذا خطب امرأة لا يقول للغير: ابحث لي عن قدمها وإنما يقول: عن وجهها، أما القدم فهو أمر ثان، صحيح أنه يقصد أن يكون جميلاً لكنه ليس هو الأولى، فكيف يقال: إن الوجه الذي هو محل الرغبة ومحط الفتنة لا بأس من كشفه وأما القدم يجب أن تستر كيف تأتي الشريعة بهذا؟ فإذا قالوا: جاءت الشيعة بهذا من أجل أن تهتدي المرأة إلى طريقها قلنا: هذه علة عليلة، لأنه ممكن أن تهتدي إلى طريقها بالنقاب أو بالخمار تضعه على نصف الوجه مثلاً، وأما أن تكشف هذا الوجه هذا حرام، ثم إن المرأة في الحقيقة قاصرة إذا أذن لها في كشف الوجه أتظنون أنها ستقتصر على الوجه بطبيعتها؟
أبداً، هي تريد أن تكون زهرة تدخل على الوجه تحسينات تحمر الشفاة وتشجير الحواجب ومكاييج وهلم جراً وهذا شيء مجرب تسمع عنه كثيراً فلو لم يكن من القول بوجوب ستر الوجه إلا أنه سد للذريعة لكان كافياً.
النهي عن الغضب:
١٤٣١ - وعنه ﵁، أن رجلاً قال: "يا رسول الله، أوصني. قال: لا تغضب، فردد مراراً وقال: لا تغضب". أخرجه البخاري.
هذا الحديث كان ينبغي أن يجعله المؤلف بعد قوله: "ليس الشديد بالصرعة" أوصاه الرسول قال: لا تغضب، والنبي ﷺ يوصي كل إنسان بما يناسب حاله وهذا الرجل يظهر -والله أعلم- أن النبي ﷺ كان يعرف أنه يغضب، سريع الغضب، فلهذا لم يوصيه بتقوى الله ولم يوصه بترك الكذب ولم يوصه بكثرة الطاعة بل أوصاه قال: "لا تغضب" مما يدل على أن النبي ﷺ كان يعلم أن هذا الرجل كان غضوباً فقال له: "لا تغضب" ومعنى لا تغضب: ليس المعنى ألا تغضب، الغضب الطبيعي الذي لابد لكل إنسان منه فإن النبي ﷺ لا يمكن أن ينهي عن هذا وينزه كلامه ﷺ عن هذا الإيراد! لكن يريد أحد أمرين إما أن المعنى لا تسترسل مع الغضب بل اكتمه بقدر الإمكان، وإما أن المعنى لا تنفذ مقتضى الغضب الأول واضح أن الإنسان يسترسل ويزداد غضباً وشيطة، وأما الثاني فينفذ مقتضى الغضب، وأما مجرد الغضب فلابد لكل إنسان حيي القلب أن يغضب عند وجود السبب ولا يمكن أن يتخلف غضبه.
стр. 3365
فإن قال قائل: ما دواء الغضب؟
قلنا: له أدوية أولاً: أن يكون الإنسان قوياً يغلب نفسه ولا تغلبه؛ دليل هذا إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.
ثانياً: أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لأن النبي ﷺ قال للرجل الذي رآه غاضباً قال: "إني أعلم كلمة لو قالها، لذهب عنه ما يجد لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم".
ومناسبة الاستعاذة عند الغضب ظاهرة جداً، لأن الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم.
ثالثاًً: أن يتوضأ فإن النبي ﷺ أمر الغاضب أن يتوضأ ووجه ذلك أن الوضوء فيه تبريد الأعضاء وفيه أن الإنسان يشتغل عن الغضب بعمل وهو الوضوء ربما يكون محتاجاً إلى أن يأتي بالماء ويقرب الإناء وغير ذلك، وهذا الاشتغال يبرد عليه الغضب فصار الوضوء يبرد الغضب من وجهين: الوجه الأول: ببرودته فيبرد الأطراف والأعضاء التي تكاد تنفجر من الغضب، والوجه الثاني: أنه يوجب اشتغال النفس بهذه الأعمال فيهدأ الغضب.
رابعاً: إذا كان قائماً فليجلس وإذا كان جالساً فليضطجع هكذا أمر النبي ﷺ لأنه إذا تغير حاله هدأ غضبه، وأحياناً ترى الإنسان إذا غضب وهو جالس من شدة الغضب يقوم فيقال: إذا غضبت وأنت واقف فاجلس إن هدأ الغضب فذاك وإلا اضطجع، ولا شك أن الإنسان إذا فعل ذلك سوف يزول الغضب، لأن هذه الحركات توجب اشتغال النفس عن تنفيذ الغضب هذه أشياء جاءت بها السنة.
هناك شيء آخر وهو مغادرة المكان، يعني: إذا غضبت على أهلك فاخرج من البيت حتى يهدأ الغضب، وكم من إنسان إذا بقي في مكانه يخاصم ويضاد فإنه لا يزداد بذلك إلا غضباً لكن إذا انصرف وترك المكان هدأ غضبه.
من فوائد الحديث: حكمة النبي ﷺ حيث يوصي كل إنسان بما يليق بحاله.
ومن فوائده: أنه ينبغي للمجيب أن ينظر إلى حال السائل فيخاطبه بما يليق بحاله، الإنسان العامي تخاطبه بماذا؟ بلغة عامية واضحة ليس فيها تعقيد لو سألك سائل عامي قال: ما تقول فيمن أكل لحم إبل أيصلي بلا وضوء أم لابد أن يتوضأ؟ فقلت لا، لابد أن يتوضأ هل من المستحسن أن نقول: لابد أن يتوضأ لقول النبي ﷺ : "توضؤوا من لحوم الإبل" وقد اختلف
следующие страницы →