← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

ذلك لمن يشاء﴾ فيكون المعنى: ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء إلا إذا ورد أنه لابد أن يعاقب عليه كما في هذا الحديث وهذا وجه قوي. وقال بعضهم: إن هذا الحديث يخصص بالآية فيكون هذا مطلقاً ويخصص بالآية ويقال: إن فاعله داخل تحت المشيئة وعلى هذا التقدير -يعني لو أننا تنزلنا جدلاً لهذا الاحتمال وهو خلاف الظاهر- فإننا نقول: وفاعل المعصية التي لا تغفر في الحسنات مخاطر من يضمن أنه يدخل في قوله تعالى: ﴿لمن يشاء﴾؟ لا أحد يضمن. إذن الإنسان مخاطر على كل حال. ومن فوائد الحديث: إثبات الجنة ولا يقال هذا كقول القائل: السماء فوقنا والأرض تحتنا أو قول الآخر: كأننا والماء من حولنا قوم جلوس حولهم الماء؛ لأن هذا أمر معلوم بالضرورة فيقال: إن زيادة الأدلة يزداد بها اليقين لكن نحن عندنا علم يقيني بوجود الجنة والنار. أمر الوالي بالرفق برعيته: ١٤٢٩ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً، فشق عليهم، فاشقق عليه". أخرجه مسلمٌ. قد يكون هذا الحديث ضد الأول "من ولي من أمر أمتي شيئاً" شيئاً نكرة في سياق الشرط فيعم أي شيء يكون، "فشق عليهم" أي: حملهم ما يشق عليهم فاشقق عليه وهذا الذي دعا بهذا الدعاء من؟ الرسول ﷺ وهو دعاء بما تقتضيه حكمة الله فإن الجزاء من جنس العمل فكما أن الإنسان شق على عباد الله فإن الله تعالى يشق عليه، ومن جملة المشقة عليه أن يتمادى فيما شق على المسلمين فإن الله يشق عليه فيكون ذلك من عقوبته -والعياذ بالله-، وقوله: "فشق عليهم" هذا مستثنى منه المشقة التي أمر بها فمثلاً قال النبي ﷺ : "مروا أبنائكم بالصلاة لسبعٍ واضربوهم عليها لعشر". والضرب قد يشق على الإنسان لكن هذا أمر مما أذن فيه وقال تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدةٍ ولا تأخذكم بهما رأفةٌ في دين الله﴾ [النور: ٢]. وهذه مشقة لكنها مشقة مأمور بها وثبت عن النبي ﷺ : "أن الزاني المحصن يرجم"، وهذه مشقة لكنها مأمور بها، فالمهم أن قوله: "فشق عليهم" أي: مشقة لم يؤمر بها أما إذا أُمر بها فإن الله يقول في الزاني والزانية: ﴿ولا تأخذكم بهما رأفةٌ في دين الله﴾.

стр. 3362

من فوائد الحديث: أنه يجب على من تولى شيئاً من أمور المسلمين أن يرفق بهم من استطاع لأنه إذا رفق بهم، رفق الله به وإذا شق عليهم، شق الله عليه. ومن فوائد الحديث: حرص النبي ﷺ وشفقته على أمته وجه الدلالة أنه دعا على من ولي من أمر أمته شيئاً فشق عليهم. ومن فوائده: أن الجزاء من جنس العمل، لأن النبي ﷺ لم يطلب شيئاً أكثر مما عمل هذا الرجل. ومن فوائده: أنه يجوز للإنسان أن يأخذ بحقه ممن اعتدى عليه، وجهه أن النبي ﷺ دعا على من شق على الأمة بأن الله يشق عليه وذلك لأن المشقوق عليه من المولى عليه لا يستطيع الدفاع عن نفسه، لأنه مأمور تحت أمير، ولكن الرسول ﷺ كفاه المؤونة بدعوة الله تعالى أن يشق عليه. فإن قال قائل: أفلا يحتمل أن الله لا يجيب دعوته؟ ذكرنا قبل قليل أن هذا مقتضى حكمة الله، فإذا كان الرسول دعا بما تقتضيه الحكمة فإننا نعلم أنه سيجاب لأن هذا مقتضى حكمة الله وإلا فمن المعلوم أن كل شيء دعا به الرسول يحتمل أن يجاب ويحتمل ألا يجاب لكن أولاً: أن الأصل هو أن الرسول مجاب الدعوة، وثانياً: إذا كان هذا الدعاء تقتضيه حكمة الله فإنه سيجاب بناء على اقتضاء الحكمة. النهي عن ضرب الوجه: ١٤٣٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قاتل أحدكم، فليجتنب الوجه". متفق عليه. "إذا قاتل": يشمل القتال الأعظم المؤدي إلى الموت والهلاك، ويشمل القتال الذي دون ذلك، مثال الذي دون ذلك قوله ﷺ : "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه فإن أبي فليقاتله". -ليس هذا هو القتال الذي يؤدي إلى الهلاك- فإنما هو شيطان، المهم إذا قاتل قتالاً يؤدي إلى الهلاك وقد أذن له به أو قتالاً دون ذلك فإنه يجب عليه

стр. 3363

أن يتقي الوجه، لأن الوجه مجمع المحاسن وفيه ما هو أرق الأشياء كالعينين فيكون ضربه أشد من ضرب الظهر أو ضرب الصدر أو ضرب العضد أو ضرب الفخذ، وقوله: "فليتق الوجه" ورد في أحاديث أخرى غير هذا أن الله تعالى خلق آدم على صورته، يعني على صورة الوجه؟ لا، لا يستقيم لأنه لو كان كذلك لكن كل المخلوقات خلقت على صورة وجهه، ولكن على صورة الرحمن وقد أنكر بعضهم حديث الصورة وقال: إنه لا يصح وإنه منكر؛ لأنه لو كان كذلك، لزم أن يكون الله تعالى مماثلاً للخلق! خلق آدم على صورته وإذا كان هذا اللازم باطلاً فالملزوم باطل. وذهب بعضهم إلى تأويله بتأويلات مستنكرة بعيدة. وقال بعض العلماء: إما أن يبقى الحديث على ظاهره ويقال: إن الله خلق آدم على صورته، لكن لا يلزم من كونه على صورته أن يكون مماثلاً له بدليل أن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ومع ذلك فليست مماثلة له، وقال آخرون: على صورته كقوله: ناقة الله وبيت الله وما أشبه ذلك أي: على صورته التي اختارها لهذا البشر الذين منهم الأنبياء والأولياء والأتقياء فاعتنى بهذا الوجه أو بهذا الإنسان فأضافه إلى نفسه ويكون هذا من باب إضافة التشريف وهذان القولان هما اللذان يتوجهان في الحديث، أما ما سواهما فهو باطل. في هذا الحديث دليل على فوائد: منها: وجوب اتقاء الوجه عند المقاتلة، ويتفرع على هذا جواب سؤال، سألني عنه بعض الإخوة اليوم وهو ما يسمى بالملاكمة والمصارعة سألني عن الملاكمة والمصارعة هل تجوز؟ فقلت: أما المصارعة فهي جائزة بشرط ألا تكون على عِوض يعني: بشرط ألا يقول أحدهما للآخر: إن غلبتك فعليك كذا وكذا والعكس، أما الملاكمة فلا تجوز، لأنها خطيرة وأخبرني هو أن الملاكمة من قواعدها: أن يكون الضرب على الوجه خاصة. إذن لا تجوز فهي محرمة من وجهين: أولاً: أنه يقصد بها الوجه قصداً أولياً وقد نهي عن ذلك، والثاني: أن فيها خطر لو ضرب هذا الملاكم أخاه على صدره أو على كبده أهلكه لاسيما وأنهم كما وصف يضربون بشدة وكأنهم يريدون أن يقفز بعضهم على بعض إذن فهي خطيرة. ومن فوائد الحديث: أن الوجه هو جمال الإنسان، ولهذا أمر باتقائه عند المقاتلة، يتفرع من

стр. 3364

هذا مسألة الحجاب، الحجاب الآن لا شك أنه يجب على المرأة أن تغطي وجهها عن الرجال الأجانب الذين ليسوا من محارمها، وأن هذا مقتضى الحكمة، وأنه ليس من مقتضى الحكمة إطلاقاً أن يقال للمرأة: يجب عليك أن تستري قدميك ولا يجب أن تستري وجهك أيهما أشد فتنة؟ الوجه أشد فتنة، وأولى بالستر، والإنسان إذا خطب امرأة لا يقول للغير: ابحث لي عن قدمها وإنما يقول: عن وجهها، أما القدم فهو أمر ثان، صحيح أنه يقصد أن يكون جميلاً لكنه ليس هو الأولى، فكيف يقال: إن الوجه الذي هو محل الرغبة ومحط الفتنة لا بأس من كشفه وأما القدم يجب أن تستر كيف تأتي الشريعة بهذا؟ فإذا قالوا: جاءت الشيعة بهذا من أجل أن تهتدي المرأة إلى طريقها قلنا: هذه علة عليلة، لأنه ممكن أن تهتدي إلى طريقها بالنقاب أو بالخمار تضعه على نصف الوجه مثلاً، وأما أن تكشف هذا الوجه هذا حرام، ثم إن المرأة في الحقيقة قاصرة إذا أذن لها في كشف الوجه أتظنون أنها ستقتصر على الوجه بطبيعتها؟ أبداً، هي تريد أن تكون زهرة تدخل على الوجه تحسينات تحمر الشفاة وتشجير الحواجب ومكاييج وهلم جراً وهذا شيء مجرب تسمع عنه كثيراً فلو لم يكن من القول بوجوب ستر الوجه إلا أنه سد للذريعة لكان كافياً. النهي عن الغضب: ١٤٣١ - وعنه ﵁، أن رجلاً قال: "يا رسول الله، أوصني. قال: لا تغضب، فردد مراراً وقال: لا تغضب". أخرجه البخاري. هذا الحديث كان ينبغي أن يجعله المؤلف بعد قوله: "ليس الشديد بالصرعة" أوصاه الرسول قال: لا تغضب، والنبي ﷺ يوصي كل إنسان بما يناسب حاله وهذا الرجل يظهر -والله أعلم- أن النبي ﷺ كان يعرف أنه يغضب، سريع الغضب، فلهذا لم يوصيه بتقوى الله ولم يوصه بترك الكذب ولم يوصه بكثرة الطاعة بل أوصاه قال: "لا تغضب" مما يدل على أن النبي ﷺ كان يعلم أن هذا الرجل كان غضوباً فقال له: "لا تغضب" ومعنى لا تغضب: ليس المعنى ألا تغضب، الغضب الطبيعي الذي لابد لكل إنسان منه فإن النبي ﷺ لا يمكن أن ينهي عن هذا وينزه كلامه ﷺ عن هذا الإيراد! لكن يريد أحد أمرين إما أن المعنى لا تسترسل مع الغضب بل اكتمه بقدر الإمكان، وإما أن المعنى لا تنفذ مقتضى الغضب الأول واضح أن الإنسان يسترسل ويزداد غضباً وشيطة، وأما الثاني فينفذ مقتضى الغضب، وأما مجرد الغضب فلابد لكل إنسان حيي القلب أن يغضب عند وجود السبب ولا يمكن أن يتخلف غضبه.

стр. 3365

فإن قال قائل: ما دواء الغضب؟ قلنا: له أدوية أولاً: أن يكون الإنسان قوياً يغلب نفسه ولا تغلبه؛ دليل هذا إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب. ثانياً: أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لأن النبي ﷺ قال للرجل الذي رآه غاضباً قال: "إني أعلم كلمة لو قالها، لذهب عنه ما يجد لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم". ومناسبة الاستعاذة عند الغضب ظاهرة جداً، لأن الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم. ثالثاًً: أن يتوضأ فإن النبي ﷺ أمر الغاضب أن يتوضأ ووجه ذلك أن الوضوء فيه تبريد الأعضاء وفيه أن الإنسان يشتغل عن الغضب بعمل وهو الوضوء ربما يكون محتاجاً إلى أن يأتي بالماء ويقرب الإناء وغير ذلك، وهذا الاشتغال يبرد عليه الغضب فصار الوضوء يبرد الغضب من وجهين: الوجه الأول: ببرودته فيبرد الأطراف والأعضاء التي تكاد تنفجر من الغضب، والوجه الثاني: أنه يوجب اشتغال النفس بهذه الأعمال فيهدأ الغضب. رابعاً: إذا كان قائماً فليجلس وإذا كان جالساً فليضطجع هكذا أمر النبي ﷺ لأنه إذا تغير حاله هدأ غضبه، وأحياناً ترى الإنسان إذا غضب وهو جالس من شدة الغضب يقوم فيقال: إذا غضبت وأنت واقف فاجلس إن هدأ الغضب فذاك وإلا اضطجع، ولا شك أن الإنسان إذا فعل ذلك سوف يزول الغضب، لأن هذه الحركات توجب اشتغال النفس عن تنفيذ الغضب هذه أشياء جاءت بها السنة. هناك شيء آخر وهو مغادرة المكان، يعني: إذا غضبت على أهلك فاخرج من البيت حتى يهدأ الغضب، وكم من إنسان إذا بقي في مكانه يخاصم ويضاد فإنه لا يزداد بذلك إلا غضباً لكن إذا انصرف وترك المكان هدأ غضبه. من فوائد الحديث: حكمة النبي ﷺ حيث يوصي كل إنسان بما يليق بحاله. ومن فوائده: أنه ينبغي للمجيب أن ينظر إلى حال السائل فيخاطبه بما يليق بحاله، الإنسان العامي تخاطبه بماذا؟ بلغة عامية واضحة ليس فيها تعقيد لو سألك سائل عامي قال: ما تقول فيمن أكل لحم إبل أيصلي بلا وضوء أم لابد أن يتوضأ؟ فقلت لا، لابد أن يتوضأ هل من المستحسن أن نقول: لابد أن يتوضأ لقول النبي ﷺ : "توضؤوا من لحوم الإبل" وقد اختلف

стр. 3366

العلماء ﵏ في هذا أله حكمة أم لا؟ فقال بعض العلماء: إنه تعبدي لأن كل حكم شرعي لا نعقل معناه فهو تعبدي، وقال بعض العلماء: بل فيها حكمة، والحكمة أن الرسول أمر بذلك وامتثال أمر النبي ﷺ حكمة، وقال آخرون: بل الحكمة أن الإبل خلقت من الشياطين كما جاء في الحديث، وقال آخرون: بل الحكمة إن لحم الإبل يثير الأعصاب ولهذا نهى الأطباء عن كثرة أكل لحم الإبل لمن كان عصبياً أنتهى الجواب ماذا يعمل؟ الجواب الأول الذي هو محط الفائدة يضيع عليه، فأنت كلم كل سائل بما يتحمله عقله وبما يناسب حاله. مسألة مهمة: لكن هنا مسألة مهمة وهي: أن الإنسان إذا جاءك يسأل ورأيت عليه معصية ولنفرض أنها حلق اللحية أو إسبال الثوب فمن المستحسن أن تعرض عليه النصيحة لأنه جاء إليك كالمضطر، ولأن هذه طريق الرسل، يوسف لما جاءه صاحبي السجن ماذا قال لهما عند استفتاءهما قال: ﴿يا صاحبي السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار﴾ [يوسف: ٣٩]. وهذه تفوت كثيراً من طلبة العلم تجد السائل يسأل ويتصرف لكن إذا حصل لك فرصة أن تمسك هذا الرجل إن كان عندك أحد اهمس في أذنه وانصحه ففي هذا خير كثير وتأثير بليغ. ومن فوائد الحديث: أنه يجوز للسائل أن يردد السؤال استثباتاً للأمر لا اعتراضاً عليه؛ لأن هذا الرجل كان يقول: أوصني يقول: لا تغضب، أوصني لا تغضب، وكأن هذا الرجل استهان بهذه الوصية العظيمة كأنه يريد شيئاً آخر، لكن وصاه الرسول ﷺ بهذه الوصية، فعلى هذا نقول: يجوز أن يكرر السائل السؤال إذا كان يترقب جواباً آخر، أما إذا كان لا يترقب جواباً آخر فلا حاجة للتكرار. ومنها: أن من الآداب ألا يغضب الإنسان وأن يكتم غضبه ويكظم غيظه بقدر المستطاع، وكم من إنسان غضب ونفذ غضبه وندم، ما أكثر الذين يسألون الآن عن الطلاق ويقولون: نحن طلقنا على غضب. النهي عن التخوض في أموال الناس بالباطل: ١٤٣٢ - وعن خولة الأنصارية ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق؛ فلهم النار يوم القيامة". أخرجه البخاري. خولة امرأة فكيف قبلنا خبرها وهي امرأة والله يقول: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجلٌ وامرأتان﴾ [البقرة: ٢٨٢]. والنبي ﷺ جعل شهادة المرأتين بشهادة رجل؟

стр. 3367

الجواب: أن هذا من باب الإخبار الديني، والإخبار الديني يستوي فيه المرأة والرجل، حتى لو أن المرأة شهدت بغروب الشمس فإن للصائم أن يفطر، ولو شهدت برؤية الهلال فإن على الناس أن يصوموا وهي امرأة، قالوا: لأن هذا خبر ديني فقبلت فيه المرأة يقول ﷺ : "إن رجالاً" ورجال هذه نكرة في سياق الإثبات والنكرة في سياق الإثبات تدل على الإطلاق لا تدل على العموم، فكأنه قال: إن من الرجال، لأن النكرة في سياق الإثبات تدل على الإطلاق إلا في موضع واحد إذا كانت في سياق الإثبات على وجه الامتناع فإنها تكون للعموم، "إن رجالاً بتخوضون" هذه من الخوض، والخوض هو: الشيء الباطل الذي يتصرف فيه الإنسان تصرفاً أهوج كما قال الله تعالى: ﴿الذين هم في خوضٍ يلعبون﴾ [الطور: ١٢]. والتخوض في المال نوعان: سابق ولاحق فأما التخوض السابق فمعناه: أن يكتسب الإنسان المال من أي وجه كان حلالاً أو حراماً، المهم أن يجمع المال هذا تخوض، نقول: إنه تخوض سابق على كسب المال، والتخوض اللاحق هو الذي يكون بعد كسب المال لا يحسن التصرف فيه يتخوض فيه يميناً وشمالاً بالملاهي والملذات وغيرها من الأشياء التي لا تنفع بل هي إضاعة للمال، وقوله: "بغير حق" الظاهر أنها صفة كاشفة وليست صفة مقيدة أي: تبين أن كل خوض في المال فإنه بغير حق وليست صفة مقيدة لأنها لو كانت صفة مقيدة لكان الخوض ينقسم إلى قسمين: حق وباطل وهذا ليس بوارد، التخوض كله باطل، فعلى هذا يكون قوله: "بغير حق" صفة كاشفة والصفة الكاشفة لا تفيد التقييد وإنما تفيد التعليل، مثال ذلك ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم﴾ [البقرة: ٢١]. لو جعنا الذي خلقكم والذين من قبلكم صفة مقيدة لكان لنا ربان: أحدهما الذي خلقنا والذي من قبلنا، والثاني لا، ولكنها صفة كاشفة أي: مبنية للواقع وتفيد التعليل أي: من أجل كونه هو الخالق يجب أن تتقوه، قوله: "في مال الله". قد يقول قائل: إن المراد به التخوض في الأموال الشرعية كالزكاة والغنيمة والفيء والخراج وما كان في بيت المال، نقول: هذا احتمال وارد لا شك، والتخوض في هذه الأموال أشد من التخوض في مال الفرد الحر، لأن التخوض في مال الفرد الحر، يمكن للإنسان أن يبدأ منه يطلب المسامحة أو المعاوضة أو ما أشبه ذلك، لكن المشكل أن يتخوض في مال عام كأموال الزكاة والغنيمة والفيء، اقول: إن هذا وارد أن يكون قوله: "في مال الله" أي: الأموال الشرعية ويحتمل أنه عام كما في قوله تعالى: ﴿وءاتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ [النور: ٣٣]. وهذا ليس المراد به الأموال الشرعية، وعلى هذا فيكون قوله: في مال الله: يشمل جميع الأموال الشرعية والمكتسبة، وقوله: "فلهم النار يوم القيامة" وهذا وعيدٌ والجملة هنا مربوطة بالفاء. في هذا الحديث فوائد: أولاً: تحريم التخوض في المال وأن ذلك من الكبائر وجه الدلالة

стр. 3368

أنه توعد عليه بالنار، يتفرع من هذه الفائدة: أنه يجب على الإنسان حماية ماله من التخوض فيه وهذا بمعنى النهي عن إضاعة المال. ومن فوائده: أنه يحرم على الإنسان أن يكتسب المال إلا من وجه حلال بحق بناء على ما قلنا التخوض يكون سابقاً ولاحقاً وهو كذلك، فالواجب على الإنسان أن يحتاط احتياطاً تاماً فيما يكتسبه من المال وألا يأخذ كل ما هب ودب بل يتقي الشبهات. ومن فوائد الحديث: إضافة ما بأيدينا إلى ربنا لقوله: "من مال الله". فإذا قال قائل: أليست الأموال لنا؟ فالجواب: بلى، أضافها الله إلينا: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً﴾ [النساء: ٥]. ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾، لكن إضافتها إلينا إضافة تصرف لا إضافة خلق وإيجاد، يعني: الذي أوجدها وخلقها هو الله ، ثم إن تصرفنا فيه مقيد بما أذن الله فيه فليس لنا أن نعمل كما شئنا، إذن وجه الإضافة ظاهر أن الله هو الذي خلقها وهو الذي رزقنا إياها وهو الذي شرع لنا أن نتصرف فيها كما شاء. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان إذا ذكر الحكم أن يذكر العلة لاطمئنان النفس لقوله: بغير حق. ومن فوائد الحديث: إثبات النار وإثبات يوم القيامة لقوله: "فلهم النار يوم القيامة". حرم الله الظلم على نفسه وعلى عباده: ١٤٣٣ - وعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه قال: "يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا". أخرجه مسلم. اقتصر المؤلف ﵀ على الشاهد منه، وهنا نبحث هل يجوز للراوي أن يختصر الحديث؟ وأما الراوي الناقل كالمصنف نقله من الاصل -صحيح مسلم- وصحيح مسلم موجود لمن أراد الرجوع إليه، لكن إنسان يروي الحديث عن شيخه يريد أن ينقله للأمة فهذا لابد أن يتمه لكن يجوز حذف شيء منه بشرط ألا يتعلق به ما قبله فإن تعلق به ما قبله فالحذف حرام ومع قولنا بأنه يجوز حذف الحديث فإن الأولى عدم الحذف حتى لو طال الحديث لو كان صفحة أو صفحتين. في هذا الحديث يقول: فيما يرويه عن ربه، من الذي يرويه؟ الرسول ﷺ عن ربه هذا منتهى السند وهو الله ، وهذا الحديث الذي يرويه النبي ﷺ عن ربه يقول: قال الله تعالى، مثل حديث زيد بن خالد الجهني أن النبي ﷺ صلى بهم ذات يوم صلاة الصبح في الحديبية

стр. 3369

على إثر سماء كان في الليل فقال: هل تدرون ما قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "أصبح من عبادي مؤمن وكافر" نسمي هذا الحديث من رواية النبي ﷺ عن ربه ويسمى عند العلماء حديثاً قدسياً، وهو في مرتبة بين الحديث النبوي والقرآن الكريم وفيه أي: في الحديث القدسي فيه الصحيح وفيه الحسن وفيه الضعيف وفيه الموضوع، أما القرآن فكله صحيح متواتر ليس فيه كلمة ولا حرف إلا وهو متواتر، وهذا من الفروق العظيمة بين الحديث القدسي والقرآن الكريم، يقول جل وعلا: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي" حرمت: أي منعت الظلم على نفسي ولله تعالى أن يحرم على نفسه ما شاء وله أن يوجب على نفسه ما شاء فقد حرم الله على نفسه أشياء وأوجب على نفسه أشياء قال الله تعالى: ﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم﴾ [الأنعام: ٥٤]. قال: "كتب على نفسه الرحمة" وهنا نقول: هل هناك شيء واجب على الله؟ نعم، لكن هو الذي أوجبه على نفسه إذا أوجب على نفسه شيئاً نقول هو ربنا يفعل ما يشاء فعلى الله واجبات أوجبها على نفسه، ولهذا قال ابن القيم ﵀ في النونية: (ما للعباد عليه حق واجب ... هو أوجب الأجر العظيم الشان) (كلا ولا عملٌ لديه ضائعٌ ... إن كان بالإخلاص والإحسان) يعني: لا يمكن أن يضيع عند الله عمل إطلاقاً بهذين الشرطين إن كان بالإخلاص، والإحسان يعني المتابعة، المهم، أن الله يوجب على نفسه ما شاء، ويحرم على نفسه ما شاء، ولهذا قال: "حرمت الظلم على نفسي"، والظلم يدور على شيئين: إما عُدوان، وإما نقص حق، فمن سطا على مالك وأخذه فهذا من العدوان، ومن جحد حقك فهذا من النقص، فالرب لا يمكن أن ينقص إنساناً حسنة عملها أبداً، ولا يمكن أن يضيف إليه عقوبة سيئة لم يعملها قال الله تعالى: ﴿ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً﴾ [طه: ١١٢]. "وجعلته بينكم محرماً" هذا الشاهد بينكم أي: بين الناس محرماً حتى بين المسلمين والكافرين نعم الظلم حرام، ألسنا نقول للكافر: إما أن تسلم وإلا قاتلناك أو تبذل الجزية أليس هذا ظلماً؟ لا، لأننا نفعل ذلك لحق الله لا لحقنا أما فيما بيننا وبينهم من الحقوق فلا نظلمهم، ولهذا يجب أن توفي بعقد البيع بينك وبينه، وبعقد الإجارة بينك وبينه وبحق الشفعة إلى هذا الحد على رأي بعض العلماء الذي يقول: إن حق الشفعة حق ملك لا مالك، فيقول: إنه لو كان شريكك كافراً، وبعت نصيبك على مسلم فللكافر أن يأخذه بالشفعة؛ لأن هذا حق ملك لا مالك، والشاهد أن الظلم محرم بين العباد حتى بين المسلم والكافر.

стр. 3370

فإذا وأورد علينا الكافر فقال: أنتم ظلمتوني، أنا حر في الدين حرية الأديان فهل نقول: دعوه يكون يهودياً نصرانياً ليس لكم شأن ماذا نقول؟ هذا حق لله لازم علينا وعليك نحن ما ظلمناك في حقك الخاص إنما عاملناك بما أمرنا الله به وهو ربك وهذا ليس بظلم، "فلا تظالموا" تأكيد لقوله: "وجعلته بينكم محرماً"، فقال: "لا تظالموا" أي: لا يظلم بعضكم بعضاً حتى الأب مع ابنه، هذا هو الأصل يعني: فإذا كان أنت ومالك لأبيك وأخذ أبوك من مالك ما لا ترضى بأخذه فليس هذا بظلم لأنه أخذه بأمر الله فوجب عليه هو أيضاً أن يستسلم لأمر الله المهم أن الظلم حرام بين العباد حتى بين الأب وابنه والأم وولدها. في هذا الحديث فوائد: منها: رواية النبي ﷺ عن الله فيكون النبي ﷺ بالنسبة للحديث القدسي كرجل من الإسناد بالنسبة للحديث النبوي. ومن فوائد الحديث: إثبات الكلام لله أن الله يتكلم لقوله: إن الله قال "يا عبادي"، وكلام الله تعالى صفة من صفاته يتكلم -جل وعلا- حقيقة لا مجازاً وكلامه صفة من صفاته وهل هو من الصفات اللازمة كالعلم والقدرة أو من الصفات اللازم أصلها دون آحادها؟ الثاني لأن الله يتكلم كما قال أهل السنة يتكلم متى شاء بما شاء كيف شاء يتكلم كلاماً حقيقياً مسموعاً بحرف وصوت ليس كلام الله هو المعنى القائم بالنفس، من قال: إن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه فإنه لم يثبت كلام الله وإنما أثبت علم الله، والعجب أن مذهب الأشاعرة في هذا الباب مذهب غير معقول حيث يقولون: إن الله يتكلم وكلامه هو المعنى القائم بنفسه فإذا قيل لهم: هل سمعه جبريل من الله؟ قالوا: هذا صوت خلقه الله في الجو فسمعه جبريل، وقالت المعتزلة: كلام الله مخلوق لكنه صفة من صفاته فأي فرق بين المذهبين؟ لا فرق، ولهذا قال بعض المحققين: الواقع أنه لا فرق بيننا وبين المعتزلة فكلنا متفقون على أن ما بين أيدينا من المصحف مخلوق كلنا متفقون على أن ما سمعه جبريل من الله مخلوق، نقول: هذا قول باطل أعني: القول بأن كلام الله هو المعني القائم بنفسه فإذا قيل لهم: هل سمعه جبريل من الله؟ قالوا: هذا صوت خلقه الله في الجو فسمعه جبريل، وقالت المعتزلة: كلام الله مخلوق لكنه صفة من صفاته فأي فرق بين المذهبين؟ لا فرق، ولهذا قال بعض المحققين: الواقع أنه لا فرق بيننا وبين المعتزلة فكلنا متفقون على أن ما بين أيدينا من المصحف مخلوق كلنا متفقون على أن ما سمعه جبريل من اله مخلوق، نقول: هذا قول باطل أعني: القول بأن كلام الله هو المعني القائم بنفسه وأن ما سمعه جبريل ﵇ أو موسى ﵊ أو محمد ﷺ فإنه مخلوق للتعبير عما في نفس الله، إذن فيه إثبات كلام الله وكلام الله إذا أردنا أن نقوله على سبيل الإجمال صفة من صفاته يتعلق بمشيئته متى شاء تكلم ويتكلم بما شاء وكيف شاء. ومن فوائد الحديث: إثبات أن جميع الخلق عباد الله لقوله: "يا عبادي" ولا شك أن الأمر كذلك ﴿إن كل ما في السماوات والأرض إلا ءاتى الرحمن عبداً﴾ [مريم: ٩٣]، كل شيء، ﴿ألم تر أن

стр. 3371

الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب﴾ [الحج: ١٨]. كلها تسجد لله تعبداً له ﴿تسبح له السماوات والأرض ومن فيهن وإن من شيءٍ﴾ يعني: ما من شيء ﴿إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ [الإسراء: ٤٤]. كل الخلق عباد لله ، لكنه يخاطب من هو مكلف ومن تحمل الأمانة وهو الإنسان وكذلك الجن هم مخاطبون بالشريعة كالإنس. ومن فوائد الحديث: أن الظلم في حق الله تعالى ممكن لكن الكمال عدله حرمه على نفسه وجهه أنه قال: إني حرمت الظلم على نفسي ولو كان من الأمور المستحيلة لم يتمدح الله به أن حرمه على نفسه وهذه مسألة مهمة يجب أن نعرف الفرق بين هذا وبين ما قالته الجهمية من أن الله لا يمكن أن يظلم، الظلم عنده المحال لذاته نحن نقول: بإمكان الله تعالى أن يهدر حسنة عملها الإنسان ولا يثيبه عليها وبإمكانه أن يضع عليه وزراً دون أن يعمل سيئة، هذا ممكن لكن لكمال عدله صار ممتنعاً عليه ، لأنه كامل العدل، أرأيت مثلاً عليه -والله المثل الأعلى- رجل ملك يأخذ من أموال الناس ظلماً بغير حق ثم من الله عليه بالتوبة فترك ذلك يحمد أو لا يحمد؟ يحمد، الرب يحمد حيث حرم الظلم على نفسه ولو كان غير ممكن ما كان هناك حمد وثناء على الله تعالى بذلك. ومن فوائد الحديث: أن لله تعالى أن يحرم على نفسه ما شاء، أما نحن فلا نحرم على الله فإن قال قائل: هل أنتم تجيزون الظلم على الله أو تمنعونه؟ قلنا: نمنعه بمقتضى الرحمة والحكمة لكن نظراً إلى أننا نمنعه بمقتضى صفاته التي اتصف بها أما من حيث العموم فإنه لا شك أنه يمكنه أن يظلم لكنه حرمه على نفسه لكمال عدله وحكمته ورحمته. ومن فوائد الحديث: إثبات النفس لله وهذا ثابت لله أثبته هو فقال تعالى: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ وكذلك أنبياؤه أثبتت ذلك فقال عيسى ﵊: ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾ [المائدة: ١١٦]. وهنا وصف الله نفسه بذلك فقال: "حرمت الظلم على نفسي" فهل النفس شيء زائد على الذات أو هي الذات؟ الجواب: هي الذات، "على نفسي" أي: علي "يحذركم الله نفسه" أي: يحذركم الله ذاته، "تعلم ما في نفسي" أي: ما في ذاتي "ولا أعلم ما في نفسك" وليس هو صفة زائدة على الذات بل هو بمعنى الذات تماماً وهذا هو مقتضى اللغة العربية ولا يمنعه الشرع. ومن فوائد الحديث: تحريم التظالم بين الناس؛ لقوله: "وجعلته بينكم محرماً".

стр. 3372

ومن فوائد الحديث: تحريم ظلم الكفار لأنهم داخلون في عباد الله في العبادة الكونية فظلمهم حرام. إذا قال قائل: ومن اعتدى عليك فاعتديت عليه أتكون ظالماً؟ نقول: هو ظالم أما أنت فلست بظالم، إذا لم تعتد، ولهذا قال النبي ﷺ : "المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما" أي: على البادئ منهما إثمه ما لم يعتد المظلوم فإن اعتدى صار عدوانه على نفسه. الغيبة وتغليظ النهي عنها: ١٤٣٤ - وعن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذكرك أخاك بما يكره. قال: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته". أخرجه مسلم. "أتدرون" أي: أتعلمون، والاستفهام هنا استفهام استعلام يعني: يسألهم لكن المراد به أن ينتبهوا وإلا فالرسول ﷺ يعلم أنه لا علم لهم بمثل هذه الأمور الشرعية، أو يعلم أنهم يعلمونها لكن أراد التقرير، ما الغيبة؟ "الغيبة": فِعلة من الغيب وليست كما ينطقه بعض الناس الغيبة بالفتح هذا لحن مخل للمعنى والمراد: الغيبة يعني: الفعلة من الغيب وهي الهيئة، قالوا الله ورسوله أعلم، قال: "ذكرك أخاك بما يكره" هذه كلمات جامعة مانعة، يقول الصحابة: الله ورسوله أعلم: يعني: أعلم منا وهذا الواجب على كل من لا يعلم أن يقول: الله ورسوله أعلم وهنا إشكال في قوله الله ورسوله مع أن النبي ﷺ قال للرجل الذي قال: ما شاء الله وشئت قال: "أجعلتني لله نداً". حيث أتى بالواو، فالجواب أن يقال: الأمور القدرية لابد أن تأتي بما يدل على الترتيب والأمور الشرعية لا تحتاج إلى أن تأتي بما يدل على الترتيب؛ لأن ما شرعه الرسول فهو ما شرعه الله من يطع الرسول فقد أطاع الله، ولهذا قال تعالى في الإثبات الشرعي: ﴿ولو أنهم رضوا ماءتاهم الله ورسوله﴾ [التوبة: ٥٩]. هذا إثبات شرعي لا بأس لكن أمر كوني لا يمكن أن يشرك الله مع غيره بالواو مثل ما شاء الله وشئت وقوله: "الله ورسوله أعلم"، أعلم هل هي اسم تفضيل أو اسم فاعل؟ اسم تفضيل، وهل هي على بابها أو بمعنى عالم؟ نقول: هي على بابها والعجب أن بعض العلماء -عفا الله عنا وعنهم- يفسرون أعلم المضاف إلى الله بعالم، فيقولون في قوله تعالى: ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ [الأنعام: ١٢٤].

стр. 3373

يقولون معناها: الله عالم حيث يجعل رسالته قالوا: لئلا يكون بين الخالق والمخلوق مفاضلة، فنقول: إذا قلت الله عالم صار بينه وبين المخلوق مساواة ولو قلت: الله أعلم صار بينهما مفاضلة أيهما أولى؟ لا شك أن أعلم أولى، فانظر إلى من حكم العقل ورجع إليه في باب الصفات كيف ينغمس فيما قررناه فيقال: الله ورسوله أعلم على بابها أنها اسم تفضيل قال: "ذكرك أخاك بما يكره" الرسول ﷺ يميل في كلماته الجامعة إلى الاختصار ذكرك أخاك هذه مختصرة، وأصلها هي ذكرك أخاك، لأن ذكر هذه خبر لمبتدأ محذوف، لكن الرسول ﷺ عبر بهام مراعاة للاختصار ذكرك أخاك بما يكره وهنا نسأل عن قوله: "أخاك" ما الذي جعلها بالألف أهي على اللغة المعروفة التي تلزم الأسماء الخمسة الألف مطلقاً أم بسبب؟ أخاك مفعول به للمصدر "ذكر" فالمصدر هنا مضاف للفاعل وأخاك مفعولٌ به ويدلك لهذا أنك لو قلت: هي أن تذكر أخاك تنصبها، تقول: ضربك زيداً تأديب له، زيداً ما الذي نصبها؟ ظرف مصدر مضاف للفاعل، والدليل أنك تقول: أن تضرب زيداً تأديباً له، ذكرك أخاك وهو المسلم بما يكره، "بما" أي بالذي يكرهه، من خلقه أو خلق أو عمل، خلقة مثل أن تقول: هو قصير هو ضخم هو بطين وما أشبه ذلك مما يكره أن يوصف به، أو خلق بأن تقول: هذا الرجل سيئ الأخلاق غضوب انفعالي هذا يكرهه من ناحية التخلق به، أو عمل بأن تقول فلان فاسق يتعامل بالربا ويترك صلاة الجماعة، فهي إذن ذكرك أخاك بما يكره كلمة عامة بما تقتضي من خلقة أو خلق أو عمل، فقيل له: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول يعني: أنا وصفته بما هو متصف به، قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته" يعني: إن كان فيه ما تقول فهذه غيبة وإن لم يكن فيه ما تقول فهو بهتان وغيبة، مثال ذلك: رجل قال: فلان عصبي يغضب لكل شيء وهو غير حاضر، هذه غيبة وهو حاضر هذه سب وهو بريء من ذلك هذه بهتان وغيبة إذا كان في غيبته، فإن قيل: هل جرى من الرسول ﷺ مثل هذا التعبير بأن يذكر الأهم ويحذف ما دونه؟ قلنا: نعم، وذلك فيما صح عنه أنه قال: "ليت أنا نرى إخواننا قالوا: يا رسول الله ألسنا إخوانك؟ قال: أنتم أصحابي، وإخواني قوم آمنوا بي ولم يروني". فقال: أنتم أصحابي هل معناه: ولستم إخواني؟ المعنى: أن صحبتكم أخص من الأخوة؛ لأن الصحابي من اجتمع بالرسول ﷺ مؤمناً به

стр. 3374

فكأنه قال: أنتم أصحابي وإخواني أيضاً لكن الذين آمنوا بي ولم يروني هم إخواني وليسوا بأصحابي، هنا فقد بهته لأن البهت أعظم من الغيبة، فيكون المعنى فقد بهته مع الغيبة. من فوائد هذا الحديث: أولاً حسن تعليم الرسول ﷺ حيث يلقي المسائل الخبرية بصيغة الاستفهام من أجل استرعاء الانتباه يؤخذ من قوله: "أتدرون" وهذا من حسن التعليم أن يلقي الإنسان الكلام على وجه يسترعي الانتباه. ومن فوائد الحديث: حسن أدب الصحابة ﵃ حيث قالوا: الله ورسوله أعلم، وهذا واجب على كل من لا يعلم أن يقول: الله ورسوله أعلم، يجب وجوباً؛ لأنه لو اقتحم وأجاب بشيء لا يعلمه صار من القائلين على الله بلا علم، ولهذا قال العلماء: من العلم أن يقول الإنسان: لا أعلم فيما لا يعلم. ومن فوائد الحديث: جواز التشريك بالواو بين الله ورسوله فيما كان من الأمور الشرعية بخلاف القدر؛ لأن الربوبية لا دخل للإنسان فيها، ولذلك كان الناس باعتبار عبودية الربوبية كانوا كلهم سواء الكافر والمؤمن باعتبار عبودية الربوبية التي نسميها: العبودية الكونية. فإن قال قائل: هل تعدون ذلك إلى أن يقول الناس: الله والعالم الفلاني أعلم؟ الجواب لا؛ لأن هذا العالم ليس مشرعاً، الرسول ﷺ يشرع ويقول عن الله والعالم ليس بمعصوم، ولهذا لا يجوز إذا سألك سائل عن مسألة دينية أن تقول: الله والشيخ أعلم لا يجوز؛ لأن الشيخ غير مشرع بخلاف الرسول ﷺ . فإن قال قائل: وهل نقول: مثل هذه العبارة بعد موت الرسول؟ نقول: مادام الأمر شرعياً فالله ورسوله ولو كان الرسول ﷺ ميتاً أعلم منا بلا شك، وإن كان الآن لا يمكن أن نعرف ما عند الرسول لكن هو أعلم منا بشريعة الله بلا شك. ومن فوائد الحديث: مراعاة الاختصار في الكلام؛ حيث حصر المبتدأ؛ لأن الاختصار أقرب إلى الحفظ والجمل المختصرة تشتمل على معان كثيرة يكون لها رونقاً في النفس وبقاء في النفس. ومن فوائد الحديث: الاستعطاف يعني: استعمال الاستعطاف في الكلام لقوله: "أخاك لأنك" إذا شعرت بأنه أخاك فلن تغتابه، فهذه من الأساليب الاستعطافية انظر إلى قوله ﵎: ﴿والنجم إذا هوى* ما ضل صاحبكم وما غوى﴾ [النجم: ١، ٢]. يعني: الذي تعرفونه فهذه من الأساليب التي تستعطف المخاطب حتى يستقيم. ومن فوائد الحديث: جواز غيبة الكافر لقوله: "ذكرك أخاك" لكننا إذا قلنا بهذا صار معارضاً لما قررناه في الحديث الأول "وجعلته -أي الظلم- بينكم محرماً فلا تظالموا" نقول لا

стр. 3375

شك أن غيبة الكافر ليست كغيبة المسلم وحرمة الكافر ليست كحرمة المسلم، لكن متى كانت غيبته ظلماً فهو داخل في الأول أي: تحريم الظلم ووجه ذلك أن دلالة الحديث الأول بالمنطوق ودلالة هذا بالمفهوم، والمعروف عند العلماء في أصول الفقه أن دلالة المنطوق مقدمة على دلالة المفهوم. ومن فوائد الحديث: أن الغيبة أن تذكر أخاك بما يكره ولو كان غيره لا يكره، هل نعتبر العرف العام أو الخاص؟ الخاص مادام الرسول ﷺ قال: "ذكرك أخاك بما يكره"، بعض الناس يقول العجوز أبي عجوز أنا أقول هذا تناقض قل: وأمي عجوز وأبي شيخ ﴿وأبونا شيخٌ كبيرٌ﴾ [القصص: ٢٣]. وقال: ﴿ياويلتي ءألد وأنا عجوزٌ﴾ [هود: ٧٢]. إذا كان يكره أن تقول له: يا عجوز لا تقل له حتى إذا كان الناس متعارفين بينهم بإطلاق العجوز وهو يكره فلا تغتابه بهذا، ذكرك أخاك بما يكره. إن قال قائل: نجد في علماء الحديث من يسمى الأعرج والأعمى والأحول وما أشبه ذلك وهذه يكرهونها؟ نقول: الجواب أن هذا من باب التعريف الذي لا تمكن معرفة المذكور إلا به فإذا كان من باب التعريف الذي لا يمكن معرفة المذكور إلا به صارت هذه المصلحة راجحة على مفسدة الغيبة على أن الذي يقول ذلك لا يقصد غيبه وإنما يقصد التعريف به والنية لها آثر في ذلك. ومن فوائد الحديث: سعة صدر النبي ﷺ للمناقشة، تؤخذ من قول الصحابة "أفرأيت إن كان في أخي ما أقول" وهذا من خلق النبي ﷺ أنه يتحمل المناقشة لأن المناقشة في الحقيقة تزول بها إشكالات كثيرة، لكن إذا علمت أن المناقش متعنت فهل تستمر معه؟ لا إذا عرفت أنه متعنت فامنعه؛ لأن الله قال للرسول ﷺ في الذين يستفتونه من أهل الكتاب متعنتين قال: ﴿فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ [المائدة: ٤٢]. ومن فوائد الحديث: أن الغيبة محرمة ولو كان في المغتاب -وأريد اسم المفعول- ما يذكره المغتاب- وأريد اسم الفاعل- لأن كلمة المغتاب تصلح لهذا ولهذا فلابد من أن تبين مثل المختار تصلح لهذا وهذا، كيف نقدر المغتاب إذا كانت اسم فاعل؟ نقول المغتيب والمختار إذا كانت اسم مفعول المغتيب وفي المختار المختير هذا هو الأصل، لكن اللغة العربية تأبى عليك هذا نقول: إذا تحركت الياء وانفتح ما قبلها أقبلها ألفاً المختير قل: المختار، المختير قل المختار، أقول: إذا كان في المغتاب اسم مفعول ما قاله المغتاب اسم فاعل فهل تكون غيبة؟ نعم تكون غيبة، وإذا لم يكن فيه ما يقوله يكون بهتاناً.

стр. 3376

ومن فوائد الحديث: أن أوصاف الذم إذا تعددت فإن الإنسان يعاقب عليها جميعها ولا تتداخل لقوله: "فقد بهته" ولو تداخلت لاكتفى بعقوبة ذنب واحد. ومن فوائد الحديث: التعبير بالأخص وطي ذكر الأعم، لقوله: "فقد بهته" وطوى ذكر الأعم وهو الغيبة، لكن للعلم به لأنه ليس من المعقول أنك إذا ذكرت شخصاً بما يكرهه وهو موجود فيه أن يكون غيبة، وإذا ذكرته بشيء غير موجود فيه لا يكون غيبة، هذا غير معقول. فإن قال قائل: ماذا تقولون في الغيبة أكبيرة هي أم من الصغائر؟ قلنا استمع إلى قول ابن عبد القوي ﵀ قال: (وقد قيل صغري غيبةٌ ونميمةٌ ... وكلتاهما كبرى على نص أحمد) والصواب أن الغيبة من كبائر الذنوب، وأن النميمة من كبائر الذنوب أما النميمة فجاء فيها "حديث لا يدخل الجنة قتات" أي: نمام وأما الغيبة فيدل على أنها من كبائر الذنوب أن الله تعالى قال في كتابه: ﴿ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم﴾ [الحجرات: ١٢]. هل أحد من الناس يقدم له أخوه ميتاً ليأكله هل يمكن أن يأكله؟ لا وهذا يدل على أن هذا من أقبح الأعمال حتى قال بعض العلماء: إن معنى الآية أن هذا الذي اغتيب يقدم ميتاً يوم القيامة ويوجب هذا الذي اغتابه على أن يأكله تعذيباً له كما يكلف الذي يكذب في الرؤية أن يعقد بين شعيرتين كل من يقول: رأيت كذا وكذا كذباً يوم القيامة يعطي شعيرتين ويقاول: اعقد بينهما هل يمكن العقد بينهم؟ ! ! النهي عن أسباب البغض بين المسلمين: ١٤٣٥ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعضٍ، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا- ويشير إلى صدره ثلاث مرات- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرامٌ دمه، وماله، وعرضه". أخرجه مسلمٌ. هذه كلها آداب عالية حث عليها النبي ﷺ بما سمعتم قال: "لا تحاسدوا" المعنى: لا يحسد بعضكم بعضاً، وليس المعنى لا تحاسدوا من الطرفين بل الحسد مذموم ولو من طرف

стр. 3377

واحد، وليس بشرط أن يكون بين اثنين، وسبق لنا أن الحسد عرفه بعض العلماء بأنه أن يتمنى زوال نعمة الله على غيره، وعرفه شيخ الإسلام ﵀ بأنه كراهة ما أنعم الله به على غيره وهذا أعم وأقرب، "ولا تناجشوا" أي: لا ينجش بعضكم على بعض في البيع، والشراء والمناجشة فسرها العلماء بأنها: أن يزيد في السلعة -أي: في ثمنها- وهو لا يريد شراءها وإنما يريد مضرة المشتري أو منفعة البائع أو الأمرين جميعاً، أما الأول: فأن ينظر إلى الذي سامها فإذا هو من أعدائه سامها بمائة فقال هذا الرجل: أنا أشتريها بمائة وعشرة هذا نجش الإضرار بالمشتري، الصورة الثانية: صاحبه يريد أن يبيع شيئاً فعرضه في المزايدة فزاد في ثمنه وهو لا يريد شراءه لكن يريد منفعة البائع. الصورة الثالثة: مركبة من الأمرين أن يكون السائم عدواً له والبائع صديقاً له فينجش من أجل الأمرين منفعة البائع، ومضرة المشتري، هناك شيء رابع ولكنه قليل الوقوع وهو أن يزيد في السلعة ليزداد الثمن له وذلك فيما إذا كان هو صاحب السلعة أو هو شريك فيها فتعرض للبيع في المزايدة ويزيد وهو صاحب السلعة من أجل منفعة نفسه، وإذا قيل: لماذا تزيد والسلعة لك؟ قال: إني موكل، ومعلوم أن الوكيل له أن يزيد وهو في قوله موكل كاذب، أو تكون السلعة مشتركة بينه وبين غيره له نصفها وللآخر نصفها، فيزيد من أجل زيادة سهمه أما لو كان يزيد في السلعة المشتركة لأنه يريد شراءها حقيقة فهذا لا بأس به، "ولا تباغضوا" أي لا يبغض بعضكم بعضاً، والغالب أن البغضاء متبادلة كالمحبة بمعنى أنك إذا كنت تبغض شخصاً فهو يبغضك، ولهذا من الأمثال المضروبة السائرة القلوب (شواهد) ويروى عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال في رجز: (وللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه) ولهذا قال النبي ﷺ في قصة مغيث وبريرة قال لأصحابه: "ألا تعجبون من حب مغيث لبريرة وبغض بريرة لمغيث" بريرة أمة عتقت فصارت حرة فقال لها النبي ﷺ : "أنت الآن بالخيار إن شئت أن تبقي مع زوجك فهو زوجك وإن شئت أن تفسخي النكاح فالأمر إليك" فقالت: أريد فسخ النكاح ففسخ النبي ﷺ النكاح فتأثر بذلك زوجها تأثراً شديداً حتى جعل يلحقها في أسواق المدينة يبكي من شدة محبته لها وهي ﵂ تبغضه بغضاً شديداً ولم ترحمه وهو يلاحقها، فطلب من النبي ﷺ أن يشفع إليها وكان النبي ﷺ سمحاً حسن الأخلاق فشفع لهذا الرجل إلى امرأته قال: "ارجعي إليه" قالت: يا رسول الله: إن كنت تأمرني فسمعاً وطاعةً تقدم أمر الله ورسوله، وإن كانت تشير فلا حاجة لي فيه فقال: "بل أنا مشير" فقالت: لا حاجة لي فيه [المقصود من سياق هذا أن الرسول ﷺ قال: ألا تعجبون من حب مغيث لبريرة وبغض

стр. 3378

بريرة لمغيث، والغالب أن القلوب تتبادل البغضاء والمحبة، "ولا تدابروا" أي: لا يولي أحدكم أخاه دبره وهذا يشمل التدابر المعنوي والتدابر الحسي، التدابر المعنوي: أن تختلف وجهات النظر وأن يبتعد كل وا حد منهما عن الآخر وأن يفسقه ويضلله ويبدعه هذا تدابر، والذي ينبغي من المسلمين أن تكون وجهتهم واحدة وأنه إذا خالف أحد في الرأي حاولوا أن يجذبوه إليهم فإن أبى فإنه لا يضر يجب ألا يؤثر اتجاه بعضهم إلى بعض، أما التدابر الحسي فمعناه أن كل واحد يولي الآخر دبره، ولهذا وصف الله أهل الجنة بأنهم على سرر متقابلين، فالتدابر منهي عنه، وعندي وإن كنت لا أجزم به كثيراً أن منه ما يفعله بعض الناس الآن إذا انتهى من الصلاة وسلم تقدم على الصف فاستدبر إخوانه، ثم إنك تشعر بأن هذا الذي تقدم يشعر بأنه يرى في نفسه شيئاً من الزهو، هذه الجلسة تدل على أن الإنسان عنده شيء من الغرور، وإن كنا لا نتهم أحداً بما في قلبه، القلوب لا يعلمها إلا علام الغيوب، لكن لماذا بعض الناس يقول: تعبت والصف متراص؟ نقول: الأمر واسع قم إلى مؤخر المسجد أو مقدم المسجد واجلس كيف شئت أما أن تتقدم شبراً أو نحوه وتولي إخوانك ظهرك فهذا ثقيل عليهم، ولهذا بعض الناس شكا إليّ هذا الأمر قال: أنا أتضايق من هذا إذا صلى جنبي وتقدم عليَّ أتضايق، إذن التدابر ينقسم إلى حسي ومعنوي. "ولا يبع بعضكم على بيع بعض" هذا أيضاً من الآداب ألا يبيع الإنسان على بيع أخيه بأن يقول لمن اشترى شيئاً بعشرة: أنا أعطيك مثله بتسعة، إنسان اشترى هذه بعشرة فذهب واحد من الناس فقال: أنا أعطيك مثلها بتسعة أو أعطيك أحسن منها بعشرة، فإن قلت: أنا أعطيك مثلها بعشرة هل هو بيع على بيعه؟ لا لأن الأول لا يردها على صاحبها هذا زيادة تكلف، لكنه لا يكون بيعاً على بيع إلا إذا كان أنقص ثمناً أو كانت السلعة أجود صفة هذا حرام وظاهر الحديث أنه لا يبيع على بيع أخيه سواء كان بعد لزوم البيع أو قبل لزوم البيع، بمعنى أنه لا فرق بين أن يكون في مدة الخيار أو بعد لزوم البيع، أما إذا كان في مدة الخيار فالتحريم ظاهر. مثل ذلك اشترى سلعة بمائة ريال وجعل الخيار له لمدة يومين فذهب إنسان إلى المشتري وقال: أنا أعطيك مثلها بتسعة أو خيراً منها بعشرة هذا واضح أنه حرام لماذا؟ لأن المشتري سوف يسرق البيع مباشرة يذهب إلى البائع ويقول: رجعت، لكن إذا كان بعد زمن الخيار يعني: بعد لزوم البيع حيث لا خيار فهل يحرم البيع على بيع أخيه؟ قال بعض العلماء إنه لا يحرم لأنه لو أراد أن يفسخ البيع لم يتمكن ولكن الصحيح أنه عام، والضرر من البيع على بيع أخيه بعد لزوم البيع هو أن يقع في قلب المشتري حسرة وندم، وهذا قد يولد في قلبه بغضاً للبائع، ويقول: غلبني خدعني ثم ربما يحاول أن يجد عيباً في السلعة ليردها على صاحبها؛

стр. 3379

لذلك القول الراجح في هذه المسألة أنه يحرم البيع على بيعه سواء كان بعد لزوم البيع أو قبل لزوم البيع، وهل الشراء على شرائه مثله؟ نعم مثل أن يذهب إلى شخص باع سلعة بعشرة ويقول: بعتها بعشرة؟ قال: نعم، قال مغلوب: أنا أعطيك خمسة عشر هذا حرام، لأن هذا البائع إن كان قبل لزوم البيع سيذهب فوراً ويفسخ البيع، وإن كان بعد لزوم فسيقع في قلبه شيء على المشتري ويقول: خدعني غلبني، ويحاول أن يردها، هل مثله الإجارة على إجارته؟ نعم، وهل مثله الخطبة على خطبته؟ نعم وهذا أيضاً جاء في الحديث "لا يخطب على خطبة أخيه" مثاله سمع أن فلاناً خطب امرأة فذهب إلى ولي المرأة وخطبها، منه، وهو يعلم أنه إذا خطب سوف يزوجونه دون الأول فهنا حرام، فإن خطب وهو دون الأول مقاماً وشباناً ومالاً فهل يحرم؟ يحرم حتى وإن كنا نعلم أنهم لن يقبلوه. والمسألة إن أخذنا بالظاهر قلنا: حرام اصبر أنت حتى ترى وإن أخذنا بالمعنى قلنا خطبة هذا الرجل لا تؤثر شيئاً على الأول إلا إذا علمنا أنها قد تؤثر يعني غلب على ظننا أن الخطبة تؤثر؛ لأن بعض النساء ترغب في الرجل الكبير أو الرجل المعوق ابتغاء وجه الله تتزوج إنساناً معوقاً تقول: لأنني أعرف أنه لو خطب لا يريده أحد وأنا أريد أن أتزوجه رحمة به هذا ممكن، على كل حال نقول: السلامة أسلم ألا تخطب على خطبة أخيك. ومتى تجوز الخطبة؟ نقول: تجوز إذا رد الخاطب الأول، هذه واحدة يعني: علم أن فلاناً خطب وردوه فله أن يخطب فلا يقال: لا تخطب؛ لأنه ربما أعاد الخطبة مرة ثانية لأن بعض الناس إذا خطب ورد يمر شهر أو شهران ثم يرجع ويخطب مرة ثانية، فإذا علمت أنه رد فلا بأس أن تخطب، كذلك إذا أذن الخاطب الأول بمعنى أنك علمت أن فلاناً خطب المرأة فذهبت إليه فقلت: أريد منك أن تتنازل لأني أريدها فتنازل فيجوز ما لم تعلم أنه تنازل حياء أو خجلاً، فإن علمت ذلك فلا تقدم على الخطبة؛ لأن هذا الإذن ليس عن رضا، يقول: "وكونوا عباد الله إخواناً" "كونوا" فعل أمر عباد هل هي خبر كان أو هي منادى؟ تحتمل أن تكون منادى وتكون جملة معترضة بين اسم كان وخبرها وتكون إخواناً هي الخبر أي: كونوا يا عباد الله إخواناً ويحتمل أن تكون عباد خبر لكان وإخواناً خبراً ثانياً أي: كونوا عباداً لله أي: متعبدون لله على عبادة واحدة، إخواناً أي: متآخين يحتمل هذا وهذا وكل منهما صحيح، وقوله "لا" يخذله" أي: هو أن يذله في موضع يحب الانتصار فيه ترى مثلاً شخصاً متسلطاً

стр. 3380

على آخر والثاني المتسلط عليه يحتاج إلى نصر (فيتركه) فهذا خذلان ولاسيما إذا كان الثاني يحتاج إلى نصر كأن يكون رجلاً من أهل الحسبة الذي يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فترى شخصاً يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وقد سلط عليه رجل من الفساق سبه أو ضربه أو غير ذلك فتعين هذا الفاسق على خذلان هذا الآمر الناهي يكون هذا أشد، ومن ذلك أيضاً أن تكتم الشهادة في موضع يحتاج أخوك إلى أن تقيمها فإن هذا خذلان له، "ولا يحقره" يحقره: يعني يراه حقيراً سواء رأى ذلك في قلبه أو في كلامه، فإنه لا يحل للإنسان أن يحقر أخاه بل الواجب عليه أن يعليه لكن لا يرفعه فوق منزلته، ثم قال ﷺ : "التقوى ها هنا ويشير إلى صدره، التقوى ها هنا ثلاث مرات"، وها هنا: إشارة لكنها إشارة للمكان قال ابن مالك ﵀: (وبهنا أوها هنا أشر إلي ... داني المكان وبه الكاف صلا) ونقول: هناك للبعيد، هنا للقريب ها هنا للقريب؛ لأن ها هنا هي هنا، لكن دخلت عليها هاء التنبيه كما دخلت هاء التنبيه على ذا في قولك "هذا فلان" وأقلها ذا فلان، يقول: التقوى ها هنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات ثم قال: "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" بحسب أي: كافٍ والباء هنا حرف جر زائد لتحسين اللفظ وهو خبر مقدم والتقدير: حقران الأخ المسلم كافٍ في الشر، وإن شئت فاجعل حسب مبتدأ، وأن يحقر خبره يعني: لك أن تجعل حسب مبتدأ، وأن يحقر خبره، وأن تجعله خبراً مقدماً وهذا هو الأصل لأن الزيادة -زيادة الحرف- في الخبر أكثر من زيادتها في المبتدأ، لا بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، وإن لم يتكلم حتى لو اعتقد بقلبه أن هذا الرجل المسلم حقير، فإن هذا يكفيه من الشر- والعياذ بالله- فكيف إذا أضاف إلى ذلك أن يتكلم بما يحقره مثل أن يقول مثلاً: أنت لا تعرف؟ أمثلك يتكلم؟ ومثل ذلك من الكلمات التي يحقر بها أخاه يقول: "كل المسلم على المسلم حرام" ثم فسر هذه الكلية بقوله: "دمه وماله وعرضه" دمه يعني: أن يعتدي عليه بالقتل أو الجرح، وماله أن يعتدي على ماله بالسرقة أو بدعوة باطلة، وعرضه أن ينتهك عرضه أمام الناس بالغيبة، ويشمل أيضاً العِرض يعني: ما يتمتع به الإنسان من الأخلاق فيأتي ويعيبه في هذا، وأعظم شيء في العرض أن يقذفه بالزنا واللواط، فإن هذا من أعظم ما يكون من انتهاك العرض. في هذا الحديث فوائد عظيمة وآداب جليلة منها: النهي عن الحسد لقوله ﷺ : "لا تحاسدوا"، وهل الحسد من المحرمات الصغائر أو من الكبائر؟ هو من الكبائر لأن النبي ﷺ أخبر بأنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، والعقوبة قد تكون لحصول العقوبة أو بحصول مكروه وقد تكون بفوات محبوب يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب هذا فوات

стр. 3381

محبوب، من أقتنى كلباً إلا كلب ماشية أو حرث أو صيد انتقص كل يوم من أجره قيراط هذا أيضاً فوات محبوب، أو حصول مكروه كتوعد بالعذاب أو باللعن أو غير ذلك. ومن فوائد الحديث: تحريم المناجشة وقد سبق معناها في الشرح ولكنها ليست من الكبائر لأنه لم يرد فيها عقوبة خاصة. ومن فوائده: النهي عن التباغض وهذا يعني الأمر بالتحابب ولا يمكن أن تقوم الأمة وتتحد كلمتها إلا بالمحبة ولا يمكن لأي إنسان أن يدعي أنه مع أخيه وأنه ولي له إلا إذا كان يحبه. ومن فوائد الحديث: النهي عن التدابر لقوله: "ولا تدابروا" وهذا يقتضي أن نكون متجهين اتجاهاً واحداً وأن نتأدب في الجلوس بحيث لا يكون أحدنا مولياً ظهره لأخيه. ومن فوائد الحديث: أن هذا الدين الإسلامي أكمل الأديان في المعاملة حيث نهى عن هذه الأخلاق التي توجب الافتراق. ومن فوائد الحديث: تحريم بيع المسلم على بيع أخيه لقوله: "ولا بيع بعضكم على بيع بعض". فإن قال قائل: إذا ثبت ذلك فهل يفسخ البيع الثاني وتعاد السلعة للأول؟ الجواب نعم إذا علمنا أن هذا إنسان معتدٍّ ة وأنه باع على بيع أخيه قلنا: نفسخ البيع ونرد الصفقة إلى الأول ولكن إذا سمح من بيع على بيعه فهل يسقط الإثم ويمتنع الفسخ؟ الجواب: أما امتناع الفسخ فلا شك فيه أنه إذا سمح الذي بيع على بيعه وقال: أنا لا يهمني اشتري سلعة أخرى من مكان آخر فلا شك أن العقد يبقى، وأما الإثم، فإن قلنا: لحق الآدمي المحض فإنه يسقط الإثم وإن قلنا إنه لحق الآدمي لكنه تعلق به حق الله لكون الرسول ﷺ نهى عنه وقد ارتكب النهي وثبت الوزر. قلنا: إنه لا يسقط الإثم فالله أعلم. ومن فوائد الحديث: أن الواجب علينا أن نكون عباداً لله وهذا يقتضي أن نتوحد في العبادة وألا نختلف، وأن الواجب أيضاً أن نكون إخواناً وعلى هذا فلا يحل لنا أن نفرط في دين الله وعبادة الله بحيث يضلل بعضنا بعضاً ويبدع بعضنا بعضاً، بل إذا رأينا من أخينا مخالفة لنا في العقيدة أو في العمل القولي أو الفعلي فإن الواجب أن ننصحه إن كان دوننا ونناقشه إن كان مثلنا لا أن نذهب ونتكلم فيه عند الناس فيبقى هو في ضلاله وتحصل التفرقة بين الأمة، ونحن نأسف كثيراً مما حدث بين بعض الشباب حيث نرى أن بعضهم يحمل على الآخر حملاً عظيماً بدون أي مبرر لاختلاف في رأي اختلاف الرأي لا يستلزم اختلاف القلب بل يجب إذا خالفهم في رأي متبعاً للدليل يجب أن أشعر بأنه لم يخالفني السبب؟ لأنه عمل كعملي

стр. 3382

بالضبط ولو أنني شعرت في هذه الحال أنه على باطل لكنت قد ادعيت لنفسي مقام الرسالة والنبوة، وأنه يجب عليه أن يتبع ما أقول. ومن فوائد الحديث: استعمال ما يحصل به الألفة حتى في الألفاظ وذلك بأن تستعمل الألفاظ والتي فيها الاستعطاف والحنو ولقوله ﷺ : "المسلم أخو المسلم". فائدة: هل يجوز أن تقول للكافر: يا أخي؟ لا تجوز المؤاخاة بين المسلم والكافر فلا يجوز أن تقول للكافر إنه أخوك، اللهم إلا في أخوة النسب فالأمر ظاهر لكن في غير أخوة النسب لا يجوز أن تقول: إنه أخي. فإن قال قائل: إن الله تعالى قال في الرسل -عليهم الصلاة والسلام- ﴿وإلى عاد أخاهم هوداً﴾، ﴿وإلى ثمود أخاهم صالحاً﴾، ﴿وإلى مدين أخاهم شعيباً﴾ قلنا الجواب: إن المراد بذلك أخوة النسب لأنه منهم ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿كذب أصحاب الأيكة المرسلين * إذ قال لهم شعيبٌ ألا تتقون﴾ [الشعراء: ١٧٦، ١٧٧]. ولم يقل أخوهم لأن أصحاب الأيكة قوم آخرون غير أصحاب مدين، ولهذا لم يقل أخاهم. فإذا قال قائل: وهل يجوز أن أصف الكافر بأنه صديق؟ نقول: أما إذا كانت كلمتك تعني مدلولها فلا يجوز؛ لأن الله تعالى قال في القرآن: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾ [الممتحنة: ١]. وإن كان مجرد مجاملة ولا تعني: أن القلب يعطفهم عليه ويتولاهم، فالأمر في هذا واسع، ومن ذلك الآن ما يستعمله كثير من الناس، يجد العامل البوذي الكافر أو النصراني ويقول له: صديق، لكن هذه الكلمة قد انتزع معناها، لكن الناس يستعملونها كثيراً. ومن فوائد الحديث: أن مقتضى الأخوة انتفاء هذه الأمور الثلاثة وهي الظلم والخذلان والاحتقار، وأن وجودها ينافي الأخوة الإسلامية. ومن فوائد الحديث: أن احتقار المسلم من كبائر الذنوب، لأن النبي ﷺ توعد عليه وقال "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم"، وهذا يتفرع عليه مسألة أخرى وهي أن الواجب للمسلم على أخيه أن يراه في منزلة معظمة لا محقرة بدون مغالاة. ومن فوائد الحديث: أن مدار العمل على القلب، وأن التقوى مصدرها من القلب لقوله: "التقوى هاهنا" ويشير إلى صدره الذي فيه القلب. ومن فوائده: ما أشرنا إليه سابقاً أنه يدل على أن العقل في القلب.

стр. 3383

ومن فوائده: تكرار الحديث سواء كان جملة أو كلمة أو أكثر إذا دعت الحاجة إلى ذلك؛ لأنه كرر التقوى هاهنا ولم يكرر غيرها من الألفاظ ليبين أهمية كون القلب متقياً. ومن فوائد الحديث: تحريم المسلم على أخيه من ماله ودمه وعرضه، وغير المسلم ينقسم إلى أربعة أقسام: معاهد وذمي ومستأمن ومحارب، فالثلاثة الأصناف الأولى هؤلاء محترمون معصومون وهم المعاهد والذمي والمستأمن، وأما المحارب فليس معصوماً لا في دمه ولا في ماله. ومن فوائد الحديث: تحريم هذه الأمور الثلاثة من المسلم على أخيه المسلم وأما على الكافر فكما عرفتم. استعاذة الرسول ﷺ من سوء الأخلاق والأعمال والأهواء: ١٤٣٦ - وعن قُطبة بن مالكٍ ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم جنبني منكرات الأخلاق، والأعمال، والأهواء، والأدواء". أخرجه الترمذي، وصححه الحاكم واللفظ له. "اللهم" أصلها: يا الله، فحذفت ياء النداء منها؛ لكثرة الاستعمال، وعوض عنها الميم؛ لأنها دالة على الجمع، فكأن الداعي يجمع قلبه على أن الله ، وأُخرت الميم تيمناً بالبداءة بذكر الله ، وهذه الكلمة "اللهم" تغني عما نسمعه من أفواه المطوفين: يا الله يا ألله، اللهم إني أسألك يا الله، اللهم ارحمني يا أله، اللهم اغفر لي يا الله، وكأن الله تعالى لا يسمعهم حتى يكرروا هذا النداء الذي لم تسمع منه في السنة أن الرسول دعا بمثل ذلك وإنما يدعو بقوله: "اللهم جنبني منكرات الأخلاق" أي: اجعلني في جانب وهي في جانب، والمراد: المباعدة؛ أي: باعد عني منكرات الأخلاق؛ أي: ما ينكر منها، وعلى هذا فتكون منكرات من باب إضافة الصفة إلى موصوفها؛ أي: الأخلاق المنكرات، والأخلاق جمع: خُلق، وهي صورة الإنسان الطبيعية لا الجسمية؛ لأن الخَلق هو الصورة الجسمية الظاهرة، والخُلُق: الصورة الباطنة المعنوية، وهي - أي: الأخلاق - جمع خُلُق، والأعمال يعني: ما يفعله الإنسان بجوارحه كالضرب والقتل والنهب وما أشبه ذلك، وكذلك الأعمال السيئة كالمعاصي والأهواء، والمراد بها: الأهواء المتصلة لأن الهوى هو الإرادة يقال: هويت كذا بمعنى: أردته، وهي - أي: الأهواء - منها ما هو منكر، ومنها ما ليس بمنكر، والذي سأل النبي ﷺ ربه -إن صح الحديث- هو أن يجنبه المنكرات من الأهواء؛ لأن كل إنسان لابد له من هوى والأدواء جمع داءٍ وهو الأمراض، والأمراض بمقتضى هذا الحديث إما أمراض منكرة وهي ما خرج عن العادة سواء كانت أدواء قلبية أو أدواءً جسدية، وأما ما تجري بالعادة ويحصل للناس جميعاً من الأمراض الجسدية فهذا ليس من

стр. 3384

المنكرات، يقول: أخرجه الترمذي وصححه الحاكم، والترمذي ﵀ دائماً يعتني بأحاديث الأخلاق والآداب حتى إنه ينفرد بكثير منها وكذلك أيضاً الرقائق واليوم الآخر وما أشبه ذلك. من فوائد هذا الحديث: أن الرسول ﷺ بشرٌ مفتقرٌ إلى ربه لا يستطيع أن يكمل نفسه، ولا أن يدفع عنها ما ينقصها، وجه الدلالة دعاء النبي ﷺ ربه ولو كان يملك ذلك ما احتاج إلى الدعاء. ومنها: أن الأخلاق تنقسم إلى منكر ومعروف، فما كان محموداً عند الله وعند عباد الله فهو معروف، وما كان مذموماً عند الله وعند الناس فهو مذموم؛ ولهذا يروى عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: ما عده المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما عدوه قبيحاً فهو عند الله قبيح. ومنها حرص النبي ﷺ على البعد عن منكرات الأخلاق وإذا أثبتنا الضد صار معناه حرص النبي ﷺ على التزام محاسن الأخلاق، وكذلك ينبغي لكل مسلم أن يكون حسن الأخلاق يعامل الناس بخُلق حسن. ومن فوائد الحديث: أيضاً سؤال الله أن يجنب العبد منكرات الأعمال سواء كانت من الأعمال التعبدية أو من الأعمال الاجتماعية المنكرات، التعبدية كالشرك بجميع أنواعه صغيرة وكبيرة جلية وخفية كالزنا واللواط والسرقة والسحر وشرب الخمر إلى غير ذلك، ومن الأعمال غير التعبدية ما يعده الناس فحشاً ومنكراً غير معروف بينهم فإن اللائق بالمؤمن أن يبتعد عن ذلك، ولا يقول: هذا أمر ليس بمحرم ولا أبالي بالناس؛ لأن النبي ﷺ قال محذراً من مثل هذا المنهج: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت"؛ فالإنسان لابد أن يكون له صلة بالله وهذا في العبادة ولابد أن يكون له صلة مع الناس؛ لأنه مدني بالطبع فلا يفعل ما ينكر عند الناس وإن كان لا ينكر عند الله. ومن فوائد الحديث: أن الأهواء نوعان: منكر، ومعروف، فمن كان هواه تبعاً لما جاء به الرسول ﷺ فهواه مع الله، وما كان مخالفاً لما جاء به الرسول ﷺ فهواه منكر، وقد جعل الله تعالى المتبع لهواه جعله عابداً لهواه فقال تعالى: ﴿أفرءيت الذي اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوةً فمن يهديه من بعد الله﴾ [الجاثية: ٢٣]. ومن فوائد الحديث: جواز سؤال المرء ألا يصيبه الله تعالى بمرض منكر، وهذا نوع من الدفع، فإذا نزل المرض وسألت الله أن يشفيك فهذا نوع من الرفع، والإنسان مأمور بدفع الأذى عن نفسه ورفعه عن نفسه.

стр. 3385

فإذا دعاء الإنسان ألا يصيبه الله تعالى بمرض منكر ليس مخالفاً للسنة ولا مخالفاً للقدر بل هو من القدر لأن الإنسان إذا مرض فاته شيء كثير من الأعمال الجلية النافعة وضاقت عليه نفسه، وصار لا ينشرح صدره لعبادة ولا لخلق فإذا رزقه الله تعالى الصحة صار نشيطاً منشرح الصدر مطمئن القلب، المهم أنه ينبغي أن ندعو الله تعالى بهذا الدعاء تأسياً بالرسول ﷺ . المزاح بين المسلمين وضوابطه: ١٤٣٧ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تمار أخاك، ولا تمازحه، ولا تعده موعداً فتخلفه". أخرجه الترمذي بسندٍ فيه ضعفٌ. الفرق بين المجادلة والمماراة: "المماراة" المجادلة انتصاراً للنفس، أما المجادلة: انتصار للحق فهذا ليس من المماراة المذمومة، وقوله: "أخاك" يعني: المسلم، وقوله: "ولا تمازحه" أي: لا تكثر معه المزاح وربما يقال: ولا تمازحه حين يتأذى بالمزاح، وذلك لأن المزاح مذموم في حالين: الأولى إذا كان كثيراً فإن بعض الناس لا يكاد يتكلم بكلمة إلا مازحاً وهذا غلط لأنه يذهب ويميت هيبة العبد، والثاني: المزاح المؤذي لأن بعض الناس لا يحب أن تمازحه ولو مرة واحدة بل يريد أن يكون كلامك معه على سبيل الجد، فالنهي إذا صح الحديث محمول على أحد الأمرين: الأول: إذا كان كثيراً لأن من كثر مزاحه، قل قدره في أعين الناس، أو إذا كان يؤذي صاحبه ولو مرة واحدة فلا تمازحه، وذلك حسب التجارب أن من الناس من لا يحب أن تمزح معه ولو مرة واحدة أو أن الإنسان يكون كثير المزاح كلما تكلم إنسان حوّله إلى مزح أو كلما كلم إنساناً كلمه يمزح فهذا غلط، وقد قيل: المزاح في الكلام كالملح في الطعام إن خلا الطعام عن الملح فهو فاسد وإن كثر فيه الملح فسد، "ولا تعده موعداً فتخلفه" موعداً: هنا نكرة في سياق النهي فتعم أي موعد لا تواعد أي موعد فتخلفه سواء كان يتضرر بالإخلاف أو لا يتضرر وقوله فتخلفه منصوبة بأن مضمرة بعد فاء السببية أي: فأن تخلفه. هذا الحديث يقول المؤلف: سنده ضعيف ومعلوم أن السند إذا كان ضعيفاً لزم من ذلك ضعف المتن لأن المتن صحة وضعفاً مبني على السند. وعلى هذا فتقول: السند ضعيف ويلزم من ضعف السند ضعف المتن ولكن لننظر المتن جملة جملة هل معناه صحيح؟ قوله: "لا تمار أخاك" معناه: صحيح المماراة من أجل الانتصار للنفس هذه منهي عنها؛ لأن المماراة تتطور حتى تكون ملاحاة، والملاحاة تترتب عليها العداوة

стр. 3386

والبغضاء والكراهة حتى إن الإنسان إذا نظر إلى صاحبه أو صادفه يجد نفسه مشمئز منه وأنت في غنى عن هذا. إذن الجملة الأولى صحيحة المعنى فنأخذ بها، لا على أنه ثابتة عن الرسول بلفظها، ولكن لأن معناها تشهد له الأدلة العامة، الثاني "لا تمازحه" هذا على إطلاقه غير صحيح؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يمزح ولا يقول إلا حقاً فقد جاءه رجل يطلب منه بعيراً يحمله فقال النبي ﷺ : "إنا حاملوك على ولد الناقة"، ولد الناقة: الفصيل الصغير يعني: الذي يرضع هل هذا يحمل عليه؟ ! الرجل استنكر قال: كيف يا رسول الله؟ قال: وهل تلد الإبل إلا النوق؟ ! الإبل: الجمال الكبار الشديدة القوية ما هو ولدها؟ الناقة فيكون الرسول ﷺ ولد الناقة صحيح أو لا؟ صحيح لكن على سبيل المزح قال: حاملوك على ولد الناقة، وولد الناقة لو حمل عليه الإنسان يبرك لا يستطيع المشي، لكن الرسول لم يرد هذا بل أراد أن يمازح الرجل. كذلك امرأة جاءت للنبي ﷺ نسيت ماذا تسأله لكنه قال: "لا تدخل الجنة عجوز" إن صح الحديث فهي كلمة عظيمة توجب للمرأة أن تتأثر تأثراً عظيماً هي عجوز لا تدخل الجنة عجوز فقال لها النبي ﷺ : ﴿إنا أنشأناهن إنشاءً * فجعلناهن أبكاراً﴾ والبكر: صغيرة، المهم أن النهي عن المزح على سبيل الإطلاق لا يصح، فالحديث في هذا اللفظ لا يصح لكن هل المزح ممدوح مطلقاً أو مذموم مطلقاً؟ نقول: في ذلك تفصيل إذا كثر فهو مذموم من حيث كونه خُلُقاً سيئاً، كثير المزاح لا قيمة له ويضجر الناس ويسقط من أعينهم، وإن قل نظرنا إن خوطب به منيكره ذلك ويتأذى به فإنه منهي عنه؛ لأن إيذاء المؤمن حرام. وبقي عندنا قسم ثالث: ألا يكون كثيراً وألا يتأذى به من خوطب به، ولكن يقوله الإنسان من أجل أن يذهب الهيبة من قلوب الحاضرين ويدخل السرور عليهم؛ لأن الإنسان إذا كان يمزح زالت الهيبة الشديدة التي تحول بينه وبين الناس وصار الناس يحبونه. الثالث: "لا تعده موعداً فتخلفه" هذه جملة مطلقة؛ لأن النبي ﷺ قال في آية المنافق: "إذا وعد أخلق" نحن درجنا في هذا الحديث على ما سمعتم وهكذا ندرج في كل حديث سنده ضعيف على ما سمعتم بمعنى أن توصله جملة جملة وننظر ما الذي تدل عليه الأدلة من هذه الجمل فنقبله لكن لا يحل لك أن تنسبه إلى الرسول ﷺ لأن سنده ضعيف. * * *

стр. 3387

ذم البخل وسوء الخلق: ١٤٣٨ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خصلتان لا يجتمعان في مؤمن: البخل، وسوء الخلق". أخرجه الترمذي، وفي سنده ضعفٌ. "خلصتان" أي: خُلقان، لا يجتمعان في مؤمن هما: البخل وسوء الخلق والبخل: منع ما يجب بذله من مال أو جاه أو عمل، وهو في الأصل منع ما يجب بذله من المال لكن يتعدى إلى ما يجب بذله من العمل ومنه "البخير من إذا ذكرت عنده فلم يصلِّ عليّ" أو من "من إذا ذُكرت عنده لم يصلِّ عليّ" فهنا ليس بُخلاً بالمال ولكن في العمل، البخيل أيضاً من يبخل بجاهه عند حاجته إليه هذا بخيل، "سوء الخلق" الخلق كما ذكرنا الجبلة والتطبع، سوء الخلق بالنهر والزجر وما أشبه ذلك، ولهذا كان المؤمن لايمكن أن يبخل بالمال مع سوء الخلق، لأنه إن وجد بذل، وإن لم يجد قال قولاً ميسوراً كما قال تعالى: ﴿وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمةٍ من ربك ترجوها فقل لهم قولاً ميسوراً﴾ [الإسراء: ٢٨]. مثال ذلك رجل غني جاره إنسان يسأله شيئاً من المال فقال له: اذهب ما عندنا شيء هل هذا مؤمن؟ ليس بمؤمن كامل الإيمان، آخر غني جاءه سائل قال: الآن ليس بيدي شيء تأتيني مرة أخرى يحضر الله لك هذا بخيل لكن خُلقه حسن، قد يكون المؤمن كامل الإيمان ويبخل ولا يعطي، لكنه يقول قولاً ميسوراً، إلا أنه مع ذلك ناقص عن الكمال أن الكمال مع الغنى أن يبذل ويعطي، إنسان فقير جاءه سائل قال: اذهب ليس عندي ما أشبعت عيالي حتى أعطيك، هذا فقير لكنه أساء الخُلُق لأن منعه الإعطاء بحق؛ لأنه لا يجد لكنه سيء الخلق، آخر فقير سُئل فقال للسائل: يا أخي: أما ما عندي شيء عيالي أحياناً يبيتون جياعاً ليس عندي شيء لعل الله يرزقك من غيري هذا لا يذم بل يُحمد أنه رد رداً ميسوراً، المهم أن هاتين الخصلتين البخل وسوء الخلق لا يجتمعان في مؤمن كامل الإيمان، يقول: في سنده ضعف كأن المؤلف ﵀ هوّن ضعف هذا الحديث بالنسبة للحديث الأول؛ لأن الأول قال بسند ضعيف فجزم بضعف السند على سبيل الإطلاق، أما هذا فقال: في سنده ضعف وهذا أهون تضعيفاً من الأول، لكن مع ذلك هذا الحديث ليس على إطلاقه لأننا لو أخذنا بإطلاقه قلنا: إن المؤمن لا يمكن أن يكون بخيلاً سيء الخلق مع أن هذا قد يكون في المؤمن وحينئذٍ يجب حمل النفي هنا على نفي الكمال.

стр. 3388

١٤٣٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "المستبان ما قالا، فعلى البادئ، ما لم يعتد المظلوم". أخرجه مسلمٌ. "المستبان": على وزن المفتعلان وأصل المستبان: المستبان أي: اللذان يسب بعضهما بعضاً، والسبب: ذكر المخاطب بما يكره، والغيبة: ذكر الغائب بما يكره، فإذا استب الرجلان صار أحدهما يشتم الآخر قال: أنت بخيل قال البخيل: أنت أنت فاسق، قال الفاسق: أنت، أنت ظلوم، قال الظلوم: أنت، هذا سب فمن الإثم عليه؟ قال الرسول ﷺ : "ما قالا فعلى البادئ" الإعراب المستبان مبتدأ، ما اسم موصول مبتدأ ثان، "وقالا" الجملة صلة الموصول والعائد محذوف والتقدير ما قالاه، فعلى البادئ، الفاء: رابطةً لخبر المبتدأ الثاني وعلى البادئ جار ومجرور متعلق بمحذوف التقدير فهو: على البادئ والجملة خبر المبتدأ الثاني فعلى البادئ، والمبتدأ الثاني وخبره خبر للمبتدأ الأول الذي هو المستبان يعني: أن ما قال المستبان مما يوجب الإثم فإثمه على البادئ -على الأول- لأنه هو السبب حتى وإن كان ذلك قد انتصر لنفسه وأعاد عليه ما قال، فإن الإثم على الأول، وجه ذلك ظاهر، الأول قال ما لم يؤذن له فيه، بل قال ما نهى عنه، والثاني قال ما أُذن له فيه لأن رد السبب من قسم المباح لقوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤]. ولما قال النبي ﷺ : "لعن الله من لعن والديه" قالوا يا رسول الله: أيلعن الرجل والديه؟ قال: "نعم يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه" وقوله: "ما لم يعتد المظلوم" أي: فإثمه على الظالم؛ لأن الظالم هو السبب فيكون له إثم المباشر والسبب، فالظالم هو المعتدي فعليه إثم المباشرة وهو العدوان الأول، والسب وهو العدوان الثاني؛ لأن الرد هذا من المباح بالنسبة للمراد لكن بالنسبة للمتسبب يكون إثمه عليه. يُستفاد من هذا الحديث فوائد: منها: أنه لا ينبغي السب بين المسلمين، وأن من سبك فبين له أنك قادر على الرد ولكن تركته لله؛ ولهذا قال النبي ﷺ في الصائم إن سابه أحد أن شاتمه فليقل: إني صائم لا يسكت فيظن الساب أنه ضعيف عاجز عن الرد، لكن يتكلم ويبين سبب الرد حتى يجمع بين الحسنين بين إظهار القوة، والحزم والقدرة على الرد وبين ترك هذا الشيء لله . ومن فوائد الحديث: أن المتسبب له إثم المباشر لقوله: "ما قالا فعلى البادئ" فالراد مباشر لكن سببه البادئ أولاً، ولهذا جعل إثمه عليه.

стр. 3389

ويؤخذ من هذا: أن المباشرة إذا كانت مبنية على السب فالضمان على المتسبب، ولهذا لو حكم الحاكم على شخص بالقتل بشهادة رجلين ثم قتل ثم قال الرجلان الشاهدان: إننا كذبنا ولكننا لم نرد قلته ولم نجد شيئاً نتوصل إليه إلا بالشهادة فشهدنا فهنا من الذي يقتل؟ يقتل الشاهدان إذا شهدا بأمر يتحتم قتله، القاضي هو المباشر بل رجال القاضي هم المباشرون بوكالة القاضي وهم مأمورون بامتثال أمر القاضي فقد فعلوا ما أُذن لهم فيه. القاضي أيضاً قد فعل ما أُذن له فيه، بل وجب عليه، لأنه يجب عليه إذا تمت البنية أن يحكم بمقتضاها فقد فعل ما يجب عليه، الآن سلسلة رجال القاضي الذين نفذوا القتل مباشرة أطلقوا الرصاص أو سلوا السيف على المقتول هؤلاء باشروه وهل أذن لهم شرعاً؟ نعم بقوله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ [النساء: ٥٩]. القاضي الذي حكم بالقتل ونفذ حكمه هل هو آثم؟ لا، بل واجب عليه أن يحكم لوجود البينة التامة عاد الأمر الآن إلى الشهود فصار الحكم كله مبيناً على شهادتهم، ولهذا قال العلماء: إذا شهد اثنان على شخص بما يوجب قتله ثم قتل ورجعا وقالا تعمدنا قتله فإنهما يقتلان. وهذا الحديث يدل على: أنه إذا كانت المباشرة مبنية على السب كان الضمان على المتسبب إلا أنهم استثنوا من ذلك ما إذا كانت إحالة الضمان على المباشرة ممتنعة فإنها تكون على المتسبب مثل أن يلقى شخص بين يدي الأسد فيأكله الأسد فهنا هل الضمان على الذي ألقى الرجل بين يدي الأسد أو على الأسد؟ على الرجل لأنه يتعذر الضمان على الأسد، كذلك إذا كانت المباشرة مبنية على السبب لأن السبب ملجئ للمباشرة، فمثلاً القاضي إذا حكم بشهادة الشهود وتنفيذ رجال القاضي ما أمر به القاضي فهنا الضمان على المتسبب لأن هذا السبب ملجئ للحكم بالقتل، القاضي لا يسعه أن يتخلف إذا ثبت عنده القتل ببينة ورجال القاضي كذلك لا يسعهم التخلف. إذن هذه المباشرة مبنية على السبب، رجل حفر بئراً في الشارع ووقف عليها رجال يشاهدونها فجاء شخص من ورائهم فدفعهم في البئر على من الضمان؟ على المباشر هو الدافع. إذا قال قائل: لولا هذه البئر لكان الذي دفعهم سقطوا على الأرض ولم يموتوا أليس كذلك؟ بلى، لكن هو دفعهم على محل يموتون فيه كما لو ألقاهم في النهر -انتبهوا وأنا أكرر دائماً أنا طالب العلم ليس الذي يكدس المسائل لكنه الذي يقرر القواعد والضوابط، لأن القاعدة تحمل فروعاً كثيرة، والضوابط تحمل جزئيات كثيرة -هذا الحديث لو قال قائل: ما مناسبته لمساوئ الأخلاق؟ نقول: لأن الحديث يدل على التحذير من البدء بالسباب. ومن فوائد الحديث: بيان حكمة الله تعالى في جزائه وعدله فيه، لقوله: "ما لم يعتد المظلوم"

стр. 3390

يعني: بين الجزاء: فعليه إثم ما اعتدى به أو عليه إثم ما قاله؟ فيه احتمال، فإن قوله: "ما لم يعتد المظلوم" يحتمل أن المعنى فإن اعتدى فعليه إثم العدوان، ويحتمل أنه إذا اعتدى ارتفع إثم الرد عن الأول لقوله: "ما قالا فعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم" فإذا اعتدى ارتفع إثم الرد عن الأول لقوله: "ما قالا فعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم" فإذا اعتدى فعلى كل إثم ما قال هذا ظاهر الحديث ووجه ذلك أن الذي رد صار ظالماً لعدوانه، فلم يتحمل الأول إثم رده المستبان ما قالا فإثمه على البادئ ما لم يعتد المظلوم فإن اعتدى فهل على المعتدي إثم العدوان فقط لأنه هو الذي تجاوز به الحد، أو عليه إثم ما قال حتى فيما لم يعتد به؟ الحديث ظاهره الثاني أنه اعتدى المظلوم ارتفع إثم سبه عن الأول، مثال ذلك: رجل قال لآخر: يا فاسق! قال: أنت فاسق كافر اعتدى بقوله: كافر، فهل إثم الأول في قوله: يا فاسق فقط والثاني آثم في قوله: يا فاسق ويا كافر؟ أو نقول: إثم الأول في قوله: يا فاسق عليه وإثم الثاني في قوله يا فاسق عليه أيضاً لأنه في قوله: يا فاسق لم يعتد أما يا كافر فإثمها على الثاني لكن الذي يظهر لي أن الإثم يرتفع عن الأول باعتداء الثاني، وجه ذلك أولاً: أنه ظاهر الحديث ما لم يعتد المظلوم. وثانياً: أن المظلوم لما اعتدى تعدى ما أذن له فيه فسقطت الرخصة في حقه وصار آثماً في الكل، نظير هذا من بعض الوجوه قول النبي ﷺ : "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر". فهل يعني ذلك أنها إذا فعلت الكبيرة لم تكن هذه العبادات مكفرة؟ فالجواب: نعم هذا ظاهر اللفظ لكن جمهور العلماء يقولون: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إلا الكبائر، وبين المعنيين فرق، فجمهور العلماء على الثاني أي: أنه يكفر الصغائر حتى مع غشيان الكبائر لكن الكبائر لا تكفرها هذه الصلوات. النهي عن مضارة المسلم: ١٤٤٠ - وعن أبي صرمة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من ضار مسلماً ضاره الله، ومن شاق مسلماً شق الله عليه". أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه. قوله: "من ضار مسلماً" أي: فعل ما يضر أخاه المسلم عمداً، ولهذا جاءت كلمة ضار الدالة على المفاعلة في غالب معانيها وقوله: "مسلماً" قد يقال: إنه احتراز من الكافر وأنه لا بأس بمضارة الكافر، كما سيأتي في الأحكام -إن شاء الله- وقد يقال: إن هذا بناء على الأغلب "ضارة الله" أي: ألحق به الضرر، "ومن شاق مسلماً شق الله عليه"، "شاق مسلماً" أي: فعل ما يشق عليه، شق الله عليه أي أصابه بما فيه المشقة.

стр. 3391

وهذا الحديث فيه التحذير من هذين الخلقين وهما مضارة المسلم سواء في ماله أو بدنه أو عرضه أو أهله أو غير ذلك، المهم أن يلحقه الضرر وفيه أيضاً التحذير من المشقة على المسلمين وأن من شاق. شق الله عليه. ففي هذا الحديث فوائد: أولاً: احترام أعراض المسلمين، وجه أن منتهك أعراض المسلمين مضار بهم. ومن فوائده: أن الجزاء من جنس العمل، وأن من ضار بإخوانه المسلمين ضار الله به ولكن هل المراد ضار الله به في نفس القضية أم مطلقاً؟ الثاني هو المراد، لأن هذا المضار قد لا يتضرر بهذه القضية لكن يلحقه ضرر فيما بعد، مثال ذلك البيع على بيع أخيه المسلم مع تضرره بذلك، هذه مضارة هل يلزم من هذا الحديث أن يتضرر المسلم في نفس السلعة بمعنى أن تتلف عليه أو تنقص قيمتها أو ما أشبه ذلك؟ الجواب: لا يلزم، المهم أنه عرضة لأن يلحق الله به الضرر. ومن فوائد الحديث: حماية الله لعباده المسلمين وأنه هو نفسه يدافع عنهم؛ لقوله: "ضار الله به" ولو لم يكن من هذا -أي من الإسلام والإيمان- إلا هذه الخصلة لكانت كافية مثل قول الله تعالى: ﴿إن الله يدافع عن الذين آمنوا﴾ يعني لو لم يكن من فوائد الإيمان إلا أن الله يدافع عن المؤمن يدافع عن المؤمن يدافع عن عرضه عن ماله عن أهله عن كل ما يضره [لكان فيه كفاية]. ومن فوائد الحديث: أن الأحكام قد تقيد بالأغلب لقوله: "من ضار مسلماً" فإنه لا يعني: أنه يجوز أن يضار غير المسلمين؛ لأن غير المسلم إن كان حربياً فلا حرمة له أصلاً وإن كان معاهداً أو مستأمناً أو ذمياً فله حرمة، ولهذا قال النبي ﷺ : "من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وحرم أذية المعاهدين". إذن يؤخذ من هذا الحديث أنه قد تقيد الأحكام بالأغلب ولا ينافي ذلك الإطلاق. ومن فوائد الحديث: إثبات علم الله وقدرته وحكمته ورحمته وعدله، لأن مضارة الله للإنسان المضار تستلزم أن الله عليم، إذ لو لم يعلم لم يتبين له حال هذا الرجل وأنه حكيم وأنه رحيم، المهم أن هذا الفعل وهو مضارة الله يدل على عدة صفات لله. ومن فوائد الحديث: تحريم مشاقة المسلم أي: فعل ما يشق عليه، وجهة الوعيد على من شاق مسلماً، يتفرع عن ذلك أنه يجب على المؤمن سلوك الأهون في معاملة المسلمين، لأنه إذا حرم الضد وجب ضده، وهذا تحقيقه أول من يخاطب به من ولاهم الله أمور المسلمين سواء كانت الولاية عامة أم خاصة فمثلاً الأب هل يجوز أن يكلف أبناءه أو بناته ما يشق عليهم؟ لا يجوز لأنه عرضة لأن يشق الله عليه، مدير المدرسة هل يجوز له أن يلزم من تحت

стр. 3392

يده من المدرسين والمراقبين وغيرهم بما يشق عليهم؟ لا، أمير البلدة لا يجوز أمير المنطقة لا يجوز، الأمير العام لا يجوز متى أمكن السهولة في معاملة الناس فهي الواجبة. ومن فوائد هذه الجملة ما سبق في الجملة قبلها، وهو أن الجزاء من جنس العمل. ومن فوائدها: أن من عام الناس بالسهولة، عامله الله تعالى بمثلها، وقد جاء في الحديث ما سبق، "من يسر على مسلم، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة"، وعلى هذا فينبغي لنا أن نسلك سبيل التيسير على المسلم حتى في الأحكام الشرعية إذا لم يتبين أن الاشد هو الأصوب ولهذا ذكرنا لكم قاعدة فيما سبق أنه: إذا تعارض الدليلان تعارضاً تاماً ولم يكن لأحدهما مرجح من الشرع فالأفضل أو فالأولى اتباع الأيسر وكذلك ذكرنا في خلاف العلماء إذا تعارضت أقوالهم ولم يكن لأحدها مرجح فخذ بالأيسر. المسلم ليس بذيئاً ولا فاحشاً ولا لعاناً: ١٤٤١ - وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يبغض الفاحش البذيء". أخرجه الترمذي، وصححه. "يبغض": البغضاء ضد المحبة وهي أرق من الكراهة، وقوله: "إن الله يبغض" يعني: أنه موصوف بهذا البغض الذي يترتب عليه المجازاة والعقوبة، "الفاحش البذيء" الفحش يكون بالقول وبالفعل قد يكون الإنسان فاحشاً بفعله عندما يؤدب يوجع، عندما يمشي على شيء، يُفسد، كرجل مشى في زرع الناس فجعل يبطش بخطواته، يركض الأرض برجله حتى يفسد الزرع، أما الفحش باللسان فظاهر أن يكون الإنسان في أقواله فاحشاً جهوري الصوت غليظاً، والفحش بالقول لا شك أنه خلق ذميم، البذيء يعني: الذي له أو منه عدوان على غيره؛ ولهذا حتى في اللغة العامية الآن "مخرج" يعني: مفسد، والبذاءة بمعنى: الإفساد، تختلف بعضه شديه وبعضه يسير. من فوائد الحديث: أولاً: إثبات البغض لله لقوله: "إن الله يبغض" ومذهب أهل السنة والجماعة والسلف الصالح إثبات أن الله يبغض كما يثبتون أن الله يحب، وذهب أهل التعطيل من المعتزلة والجهمية والأشاعرة ونحوهم إلى أن الله لا يوصف بذلك وفسروا البغضاء بلازمها وهي العقوبة وقالوا: معنى يبغض أي: يُعاقب. فجوابنا على ذلك أولاً: أنهم جنوا على النص من وجهين: الوجه الأول: إخراجه عن ظاهره، والوجه الثاني: إثبات معنى له لم يدل عليه الظاهر إلا بطريق اللزوم، ثم إنهم جنوا على النص من وجه آخر من حيث التحريف وهو صرفا للفظ عن معناه بلا دليل.

стр. 3393

ثم يقال لهم: هب أن معنى البغضاء: العقوبة فإن العقوبة لا تأتي إلا عن بُغض غذ لا يمكن أن يعاقب من كان محبوباً أبداً، وهل يقال لشخص أمسك رجلاً وجعل يضربه ضرباً شديداً وذاك يصيح: اتق الله، فيقول: الله إني أحبه كل ما تألم ضربه أكثر وقال: أنا أحبك ماذا يقول المضروب؟ يقول: إذا كان هذا مقتضى المحبة عندك فأبغضني من أجل أن يرتفع عني الضرب، هل يمكن أن الله يعاقب من لا يبغض أبداً ما يمكن. البغضاء تدل على الكراهة؛ إذا لا يمكن أن يعاقب الله على ما يحب، فصار الأمر لازماً لهم حتى لو فروا منه فإنهم لا يسلمون من ظعن الحق بظهوره. ومن فوائد الحديث: الحذر من الفُحش، وأن الإنسان ينبغي أن يكون رقيقاً طاهر القلب طاهر اللفظ. ومن فوائده أيضاً: تحريم البذاءة والحذر منها، وأنه لا يجوز للإنسان أن يكون بذيئاً، بل يكون لطيفاً حنوناً رقيقاً مألوفاً عند الناس، يألفونه ويألفهم. ١٤٤٢ - وله من حديث ابن مسعودٍ رفعه: ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء". وحسنه، وصححه الحاكم، ورجح الدارقطني وقفه. قوله: "رفعه" يعني إلى النبي ﷺ والحديث إما مرفوع وإما موقوف وإما مقطوع، الحديث المرفوع ما أُضيف إلى النبي ﷺ ، والموقوف ما أضيف إلى الصحابي ولم يثبت له حكم الرفع، والمقطوع ما أُضيف إلى التابعي فمن بعده وهو غير المنقطع، المنقطع من أوصاف السند، والمقطوع من أوصاف المتن، والمنقطع يلزم منه الضعف لانقطاع سنده والمقطوع لا يلزم منه الضعف قد يكون صحيحاً بالنسبة إلى من أُضيف إليه، المهم أن قوله: رفعه يعني: إلى النبي ﷺ لماذا قال هذه الكلمة رفعه؟ نقول كأن الراوي -والله أعلم- صار عنده تردد هل قاله ابن مسعود مضافاً إلى الرسول ﷺ بهذا اللفظ، لكن هل قاله الرسول ﵇ باللفظ نفسه، أو قاله بغير هذا اللفظ، لكن الراوي فهم أنه مرفوع، "ليس المؤمن بالطعان" هذه جملة سلبية وقوله: "المؤمن أي: الكامل الإيمان، وقوله: "بالطعان" صيغة مبالغة من طعن يطعن فهو طاعن والمراد بالطعان الذي يطعن في الناس إما بأنسابهم، وإما بأشكالهم، وإما بأعمالهم، المهم أن الطعان هو الذي يطعن في الناس أي يعيبهم، "ولا باللعان" كثير اللعن كل ما يتكلم يقول: لعنك الله أعطني القلم لعنك الله، أعطني الكتاب وإذا تأخر عليه قال له: الله يلعنك لماذا لم

стр. 3394

تحضر؟ وهذا يوجد في بعض الناس يكون اللعن على لسانه أسهل من الذكر -نسأل الله العافية- فتجده دائماً لعاناً. كذلك "الفاحش" سبق أن الله تعالى يبغض الفاحش، "ولا البذيء" سبق أيضاً أن المؤمن ليس بالبذيء. وقوله: رجح الدارقطني وقفه أي: أنه من قول عبد الله بن مسعود، وإذا كان من قول عبد الله بن مسعود لم يكن حجة، لكن يعرض على النصوص من حيث صحة معناه، فلنعرضه: الطعان لا يقع من مؤمن كامل الإيمان، المؤمن لا يطعن في النسب ولا في الأعمال ولا في القبيلة ولا في الخلقة ولا في الخلق، المؤمن قد سلم الناس من لسانه ويده، اللعان صحيح، المؤمن ليس لعاناً قد يقع منه اللعن مرة أو مرتين لكن ليس لعاناً، والحديث في اللعان، الفاحش، المؤمن أيضاً ليس بفاحش كلامه نور هين يسير. كذلك البذيء، المؤمن ليس ببذيء والمؤمن يتحمل ما أوذي، فصار معنى الحديث صحيحاً بشهادة الأدلة له أما كونه موقوفاً أو مرفوعاً فهذا لا يضر مادام المعنى صحيحاً. النهي عن سب الأموات: ١٤٤٣ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا". أخرجه البخاري. الخطاب في قوله: "لا تسبوا" يعود إلى كل الأمة، الصحابة ومن بعدهم، والأموات جمع ميت ولم يقيده النبي ﷺ لا بمؤمن ولا بكافر وقوله: "فإنهم قد أفضوا" أي: وصلوا وانتهوا إلى ما قدموا من العمل، وصدق رسول الله ﷺ أفضوا إلى العمل، لأن الإنسان ينقطع عمله بموته، إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا مما استثناه الرسول ﷺ وهو صدقة جارية، والعلم الذي ينتفع به، والولد الصالح الذي يدعو له، "أفضوا إلى ما قدموا" يجد ما قدمه من حين يموت بل قبل أن يموت يبشر إما بالخير- جعلنا الله وإياكم منهم- وإما بالشر- أعاذنا الله وإياكم منهم- إذن إلى ما قدموا من الأعمال، وحينئذ لا حاجة لسبهم، والمراد بذلك السب المتعلق بأعيانهم لا بأقوالهم أما بأقوالهم، فلابد أن يبين الخطأ من الصواب، ولو كان قول ميت قد مات لكن المقصود عمله بأن نقول لرجل ميت: هذا الرجل الذي مات كثير الكذب كثير السرقة، لا نقول ذلك؛ لأنه أفضى إلى ما قدم، وما الفائدة من أننا نقدح فيه؟ ! أما إذا كان قد قال وحكم حكماً شاع في الأمة فلابد أن يبين بطلان قوله، ولهذا كان العلماء يردون على من أخطأ في العقيدة أو في الفقه وإن كانوا أمواتاً.

стр. 3395

في بعض الروايات لهذا الحديث «فتؤذوا الأحياء»، يعني: إذا سببتم الميت آذيتم الحي وهم أهله وأقاربه يتأذون بذلك، فيكون تعليل هذا الحكم بأمرين: الأول أنه لا فائدة من ذمه وسبه لأنه أفضى إلى ما قدم، التعليل الثاني: مضرة يعني في التعليل الأول ثبتت عدم الفائدة وبالتعليل الثاني تثبت المضرة وهي إيذاء الأحياء. كأقاربه ونحوهم وقد يكون أقاربه من عباد الله الصالحين فيتأذون بذلك. من فوائد الحديث: النهي عن سبَّ الأصوات والمراد سب أعمالهم الخاصة بهم مثل أن يقول: فلان قليل الصلاة بعدما مات، فلان يرتاد بيوت الدعارة، فلان يشرب الخمر ما الفائدة؟ لا فائدة، لكن إذا كان قال قولاً خطأ فالواجب بيانه لاسيما إذا كان ممن يعتبر بقوله وينتشر بين الناس فإن الواجب بيانه حتى لا يغتر به أحد ومن فوائد الحديث: مراعاة خواطر الناس فيما يتأذون به وان كان ليس فيهم على وجه المباشرة بناء على الرواية الأخرى: «فتؤذوا الأحياء». ومن فوائد الحديث: أنه لا ينبغي للإنسان أن يقول ما لا فائدة منه، كما قال النبي ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الأخر فليقل خيراً أو ليصمت». لأنه لا فائدة من سب الأموات فيما يتعلق بالأمور الشخصية. لو قال قائل: أيجوز لي أن أسب رئيساً من رؤساء الكفر قد مات كأبي لهب؟ فالجواب: لا، الحديث يدل على أنه لا يسبهم باعتبار عمله الشخصي أما باعتبار إيذائه للنبي ﷺ فهذا نعم، يقال: هذا الرجل كان يؤذي الرسول ﷺ لينتهي غيره عن أذية الرسول ﷺ ، وكذلك يقال في كل كافر سبه العائد إليه شخصياً لعله: فنهاه عنه وأما ما كان يعود إلى المصلحة العامة كالنيل من أقواله. أو من أفعاله التي قد يُقتدى به فيها فإنه لا بأس لأن السب هنا ينصبُّ على القول أو الفعل لا على الميت. النميمية: ١٤٤٤ - وعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا يدخل الجنة قتات». متفق عليه. "القتات": النمام فقوله: «لا يدخل الجنة» أي الدخول المطلق الذي لم يسبق بعذاب وذلك أن دخول الجنة نوعان: دخول بلا حساب ولا عقاب، كما في الحديث الثابت عن النبي ﷺ : «أن من أمتي سبعين ألفاً يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب» ودخول مقيد يسبقه حساب

стр. 3396

وعذاب، والمراد في هذا الحديث هو المطلق يعني: لا يدخل الدخول المطلق الذي لم يسبق بعذاب وقوله: «قتات» أي: نمام. - فما هي النميمة؟ النميمة: مأخوذة من نم الحديث فهي فعلية بمعنى مفعولة أي منمومة ومعنى نم الحديث أي: عزاه إلى قائله، والمراد بذلك النم الذي يقصد به التفريق بين الناس وإلقاء العداوة بينهم مثلاً: يقول فلان قال فيك كذا وكذا، وحينئذ نقول: النمام من ينقل الكلام للناس بعضهم لبعض على جهة الإفساد ينهم والتحريش والتباغض، هذا هو النمام، ووجه ذلك أن النميمة سب لإلقاء العداوة والبغضاء بين المسلمين، وهذا مما ينهي عنه الإسلام أشد النهي، حتى إنه حرم المعاملات التي تؤدي إل ذلك غالبا مثل: الغش والخداع والظلم والبيع على بيع المسلم والشراء على شرائه وما أشبه ذلك، والغالب أن النمام يكون كاذباً يزيد أو ينقل الحديث على غير وجهه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ولا تطع كل حلاف مهين (١٠) هماز مشاء بنميم﴾ [البقرة: ١٠، ١١]. والإنسان الذي ينم إليك كلام الغير، سوف ينم عنك كلامك إلى الغير، ولذلك يجب الحذر من النمام. وقولنا في التعريف (على وجه الإفساد) يخرج به نمَّ الحديث على وجه النصيحة لأنّ ذلك ليس داخلاً في هذا الوعيد، مثال ذلك أن ترى شخصاً قد اغترَّ بشخص واصطحبه وصار يُفضي إليه أسراره وهذا الشخص يفشي أسرار صاحبه وينشرها بين الناس ويتكلم فيه، فهنا لا نقول هذه نميمة بل يجب أن تبلغ هذا المغتر بما يفعله به صاحبه وهذا من باب النصيحة وليس من باب النميمة، حتى لو أفضى إلى التفريق بينهما فإنه لا بأس به لأنه مصلحة. في هذا الحديث فوائد: أن هذه الشريعة مبنية على كل ما يكون فيه التآلف بين المسلمين، وجه الدلالة أن النبي ﷺ توعد بهذا الوعيد الشديد على من نَم، والنميمة سببٌ للتفريق وإلقاء العداوة. ومن فوائد الحديث: أن النميمة من كبائر الذنوب وجهه أن فيها هذا الوعيد الشديد وكل ذنب فيه وعيد في الآخرة أو حدٌ في الدنيا فإنه من كبائر الذنوب بل إن الكبيرة حدها أوسع من هذا وهي أن يقال: كل معصية رُتب عليها عقاب خاص فهي من كبائر الذنوب، أما المعاصي التي ليس فيها إلا: لا تفعل كذا، اجتنبوا كذا، حرم الله عليكم، كذا بدون ذكر عقوبة خاصة فإنها من الصغائر. فإن قال قائل: أرأيت لو أن شخصاً سألك وقال: هل قال في فلان كذا فهل يلزمك أن تخبره إذا كان قد قال فيه قولاً يؤدي إلى التنافر؟ الجواب لا، لا يلزمك، ووجه ذلك أنك منهي

стр. 3397

عن النميمة، وان سؤاله إياك خطأ أن يسألك ماذا قال في فلان؟ لقد روي عن النبي ﷺ من حديث عبد الله بن مسعود أنه قال: «لا يحدثني أحد عن أحد شيئاً فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر». فكيف يبحث هذا الرجل ويقول هل قال في فلان كذا؟ إذن لا يلزمك إلا إذا كان في كتمانك ضرر على هذا السائل، فهنا يتعين البيان كما لو كان هذا الرجل أسرّ إليك بأنه سوف يؤذي صاحبه أو يقتله أو يتهمه بشيء يقوم في عرضه فحينئذ لابد من البيان. كفُّ الغضب: ١٤٤٥ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من كف غضبه؛ كف الله عنه عذابه» أخرجه الطبراني في الأوسط. - وله شاهد: من حديث ابن عمر عند أبن أبي الدنيا. «من كف غضبه» أي: منعه، والمراد: منع ما يترتب على الغضب، وذلك لأن الغضب غريزة في الإنسان، كل إنسان يغضب، لكن من الناس من يمن الله عليه فيملك نفسه عند الغضب، وقل سبق أن النبي صلى الله سمى هذا شديداً، ومن الناس. من ينساب وراء غضبه فيحصل له بذلك شر كثير. فمن كفَّ غضبه، «كف الله عنه عذابه»، والمراد: من كفه غضبه امتثالاً لأمر النبي ﷺ في قوله: «لا تغضب» أما من كف غضبه ترويضاً لنفسه على حسن الخلق وضبط النفس فهذا قد لا يثُاب هذا الثواب، لأن كفَّ الغضب إما أن يكون رجلٌ يريد أن يمرن نفسه علن التحمل وعدم الغضب فهذا لا شك انه خير وأنه أراد أن يمرن نفسه علن الخير، وإما أن يكف غضبه امتثالاً لقول النبي ﷺ : «لا تغضب» فهذا هو الذي له هذا الوعد الذي اخبر النبي ﷺ عنه. في هذا الحديث فوائد: أولاً: الحثَّ على كف الغضب فإن انساب الإنسان مع غضبه فهل ينفذ قوله أو فعله؟ نقول: أما الفعل فينفذ فلو غضب على إنسان وضربه حتى كسر عضواً من أعضائه مثلاً فإنه يضمنه، ولو غضب فأتلف مالاً لغيره فإنه يضمنه. أما القول فإذا كان الغضب شديدا لا يملك الإنسان نفسه فيه فإنه لا يؤاخذ به ويكون قوله هذا كعدمه، وعليه فلو أن الإنسان غضب على زوجته غضباً شديداً فطلقها فإنها لا تطلق. وقد قسم العلماء ﵏ الغضب إلى ثلاثة أقسام: الغاية والبداية والوسط. أما

стр. 3398

البداية فبالاتفاق أن قول الغاضب نافذ وأن الغضب لا يمنع نفوذ قوله، وأما الغاية فإنه لا ينفذ قوله بالاتفاق وغاية الغضب: ألا يحس الإنسان بنفسه ولا يدري أفي الأرض هو أم في السماء ولا يدري أهو ذكر الله تعالى أم سبه لا يدري. هذا نقول: حكمه أنه لا يؤاخذ بقوله إطلاقاً لأن هذا يشبه حال السَّكر. وحال الجنون، أما الثالث وهو الوسط فهذا محل نزع بين العلماء فمنهم من ألغى قوله، ومنهم من اعتبره، والظاهر إلغاؤه، وأن الإنسان إذا غضب غضباً لا يملك نفسه لكنه يدري انه في الأرض ويدري أنه يتكلم لكن شيئاً عقره حتى قال: فهذا لا عبرة به. ومن فوائد الحديث: وصف الله تعالى بالكفَّ؛ لقوله: ﴿كف الله عنه﴾ وهذه أعني: الصفة من صفات الأفعال، وصفات الأفعال لا حصر لها، لأن أفعال الله لا تنتهي فلك أن تصف الله تعالى بكل ما يمكن أن يقع منه - جل وعلا. فمثلاً نقول: الله مدبر متكلم باطش وما أشبه ذلك من الأفعال التي يمكن أن يتصف الله بها، أما ما لا يمكن أن يتصف الله به فهذا لا يجوز، فلا يمكن أن نقول: إن الله يخون؛ لأن الله تعالى منزَّه عن الخيانة، لكن كل ما يمكن أن يتصف الله به من أفعاله فإنه يجوز أن نصف الله به، وإن لم يرد نصه في القرآن والسُّنة. فمثلاً الكفُّ لو قال قائل: هل الله يكف؟ الجواب: نعم؛ لأنه يمنح والكف منع، وعلى هذا فقس لكن الضابط في هذا النوع أن يكون مما يمكن أن يتصف به أما ما لا يمكن فهذا لا يُوصف الله به ما لا يمكن عقلاً كالعزق مثلاً أو ما لا يمكن شرعاً كالظلم فإنه لا يمكن أن نقول: إن الله يظلم مع أنه قادر على ذلك لكنه حرمه على نفسه ﵎. وقوله: وله الشاهد، اعلم أن الأحاديث الضعيفة تحتاج إلى تقوية، والتقوية إما أن تكون للمتن وإما أن تكون للسند فإن، كانت للمتن سُمَّيت شاهداً بمعنى: أن يأتي هذا الحديث أو هذا المتن من طريق آخر يقوي الطريق الأول هذا يسمى شاهداً. وأما أن، تكون، في السند فهذا يُسمى متابعة بمعني: أن راوياً ضعيفاً يروي عن شخص ثم وجدنا آخر ضعيفاً يروي عن هذا الشخص أيضاً نسمي هذا متابعاً ونسمي الموافقة متابعة، ثم إن كانت من أول السند فهي متابعة تامة يعني: أن هذا روي عن شيخه الضعيف مباشرة ثم ساق السند نُسمي هذه متابعة تامة؛ لأنه تابع الضعيف في كل الإسناد وإن كانت فيمن فوق شيخه فهي متابعة قاصرة، لكن على كل حال نحن لا نحتاج في قوة الحديث أو تصحيحه إل شاهد أو متاح إلا عند الضعف.

стр. 3399

ذم الخداع والبخل: ١٤٤٦ - وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل الجنة خب، ولا بخيل، ولا سياء الملكة». أخرجه الترمذي، وفرقه حديثين، وفي إسناده ضعف. أبو بكر هو عبد الله بن عثمان بن أبي قحافة رضى الله عنه وسُمَّي صديقاً لأنه صدّقّ النبي ﷺ بدون أي تردد من حين ما دعاه إلى الحق لم يكن في قلبه أي تردد صدقّ وآمن وتابع ﵁. وقيل إنه سُمي صديقاً لأنه صدّقّ النبي ﷺ حين تحدث عن المعراج والإسراء فإن النبي ﷺ صبيحة المعراج صار يحدث الناس فاجتمعت قريش إليه وقالت: سبحان الله كيف يزعم محمد أنه وصل إلى يبت المقدس في ليلة واحدة ورجع مع أنه لا يُقطع إلا في شهرين! هذا كذب ثم زد على ذلك أنه ادَّعى أنه وصل إلى السماء السابعة، وصاروا يكذبونه وصارت هذه فرصة لهم وصارت فتنة فبلغ ذلك الصديق ﵁: فقال: إن كان قاله فقد صدق فسُمَّي صدَّيقاً من ذلك اليوم، ولكن المعنى الأول أبلغ أنه ما من إنسان دعاه الرسول إلا صار في قلبه شيء إلا أبا بكر ﵁. وإذا كان أبو بكر أفضل هذه الأمة وكانت هذه الأمة أفضل الأمم صار أفضل الصَّدَّيقين منذ آدم إلى قيام الساعة. أبو بكر رضي عنه هو أفضل الصَّدَّيقين على الإطلاق، نقول في كلمة لا يدخل الجنة كما قلنا في قوله: «لا يدخل الجنة قتات» وقوله: «خب» أي: خداع، فالخدَّاع لا دخل الجنة، وقوله: «ولا بخيل» أي مانع ما يجب بذله من مال أو جاه أو علم أو عمل كما سبق، ولا سيئ الملكة أي: سير المعاملة والمراد: لا يدخل دخولاً مطلقاً فهو وعيد وقوله: «خب» قلنا: الخب هو الخداع؛ ولهذا قال: عمر لست بخبَّ ولا يخدعني الخب يعني: أنا لست خدَّاعاً ولكن عندي حزم وكياسة وفطنة لا يخدعني الخبٌ. من فوائد الحديث: تحريم الخدع بل دليل على أنه من كبائر الذنوب، فهل الخداع كله مذموم يسحق هذا الوعيد؟ لا، الخداع في موضع الائتمان هذا هو الذي عليه الوعيد يأتمنك الإنسان فتخدعه يأتمنك على سر أفضاه إليك ثم تصبح وتنشره بين الناس، يعاملك فيخدعك في العاملة، يقول: إن السلعة بُذل فيها كذا وكذا وهو كاذب، يقول: إذ السلعة طيبة الأوصاف وهو كاذب. أما الخداع في موضعه فهو محمود ويمدح الإنسان عليه، واستمع إلى قول الله تعالى: ﴿إن

стр. 3400

المتفقين يخدعون الله وهو خدعهم﴾ [النساء: ١٤٢]. والحرب خدعة. فالخدع في موطنه محمود، ودليل علن أن المخادع كان أعظم من مخادعه، ذكروا أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أراد أن يبارزه رجل يسمى: عمرو بن ودّ والمبارزة مشهورة عند القتال يعني: إذا التقى الصفان؛ صف المسلمين وصف الكفار قد تطلب المبارزة أحياناً، فيطلب كل من الصفين من الآخر أن ينتخب رجلاً يقاتل خصمه وفيه فائدة وهي: أنه إذا قُتل أحد الرجلين، صار في ذلك كسر لقلوب أصحابه وتقوية لقلوب الآخرين، فطلب المبارزة عمرو بن ودّ وكان رجلاً شجاعاً، فخرج إليه علي بن أبي طالب ﵁ فلما أقبل عمرو صرخ علي قائلاً: ما خرجت لأبارز رجلين! هذا ذكاء فالتفت عمرو بن ودّ ظن أنه تبعه أخد، ولما التفت قضى عليه عليٌ بضربه حتى أبان رأسه عن جسده، هذا خداع لكنه محمود. لأنه في محله. هذا الرجل الذي خرج، خرج ليقتل علياً لكن عليَّا قتله بهذه الخديعة، فالخديعة في موضعها صفة محمودة لكنها في موضع الائتمان مذمومة وفيها وعيد. قال: «ولا بخيل» هذا أيضاً فيه هذا الوعيد وسبق لنا بيان البخل وأن البخل كله مذموم، «سيئ الملكة» كذلك سيئ المعاملة لا يدخل الجنة، ولكن هذا أيضاً ليس على إطلاقه لأن سوء المعاملة جائز إذا قابل به من أساء إليه؛ الدليل قوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤]. ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ [النحل: ١٢٦]. فالذي أساء معاملتك فلا حرج عليك أن تسيء معاملته. تحريم التجسس: ١٤٤٧ - وعن ابن عباس ﵂ قال: قال رسول الله ﷺ : «من تسمع حديث قوم وهم له كارهون؛ صب في أذنيه الآنك يوم القيامة، يعني: الرصاص». أخرجه البخاري. هذا وعيد شديد - والعياذ بالله - على من قام بهذا العمل «تسمّع حديث قوم» «تسمّع» أي: صار يسارقهم السمع بمعنى: ينصت وهم يظنون أنه لا يسمع لكنه يتصيد ماذا يقولون، وقوله: «حديث قوم» المراد بقوم هنا الذين يتسارون فيما بينهم، أما الذين يجهرون فهؤلاء لم يحتاطوا لأنفسهم فلا حرج على من سمع كلامهم وهؤلاء الذين يجهرون لا يقال: لا تستمع كلامهم أو لا تستمع، ولكن يقال استمع. لكن هؤلاء القوم يسرون فجعل ذلك يتصنت عليهم من أجل أن يأخذ ما عندهم، وقوله: ﴿وهم له كارهون﴾ الجملة في موضع نصب على الحال من قوم حديث قوم يعني: والحال أنهم
следующие страницы →