Полный текст (3 515 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.
стр. 3396
وعذاب، والمراد في هذا الحديث هو المطلق يعني: لا يدخل الدخول المطلق الذي لم يسبق بعذاب وقوله: «قتات» أي: نمام.
- فما هي النميمة؟ النميمة: مأخوذة من نم الحديث فهي فعلية بمعنى مفعولة أي منمومة ومعنى نم الحديث أي: عزاه إلى قائله، والمراد بذلك النم الذي يقصد به التفريق بين الناس وإلقاء العداوة بينهم مثلاً: يقول فلان قال فيك كذا وكذا، وحينئذ نقول: النمام من ينقل الكلام للناس بعضهم لبعض على جهة الإفساد ينهم والتحريش والتباغض، هذا هو النمام، ووجه ذلك أن النميمة سب لإلقاء العداوة والبغضاء بين المسلمين، وهذا مما ينهي عنه الإسلام أشد النهي، حتى إنه حرم المعاملات التي تؤدي إل ذلك غالبا مثل: الغش والخداع والظلم والبيع على بيع المسلم والشراء على شرائه وما أشبه ذلك، والغالب أن النمام يكون كاذباً يزيد أو ينقل الحديث على غير وجهه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ولا تطع كل حلاف مهين (١٠) هماز مشاء بنميم﴾ [البقرة: ١٠، ١١].
والإنسان الذي ينم إليك كلام الغير، سوف ينم عنك كلامك إلى الغير، ولذلك يجب الحذر من النمام.
وقولنا في التعريف (على وجه الإفساد) يخرج به نمَّ الحديث على وجه النصيحة لأنّ ذلك ليس داخلاً في هذا الوعيد، مثال ذلك أن ترى شخصاً قد اغترَّ بشخص واصطحبه وصار يُفضي إليه أسراره وهذا الشخص يفشي أسرار صاحبه وينشرها بين الناس ويتكلم فيه، فهنا لا نقول هذه نميمة بل يجب أن تبلغ هذا المغتر بما يفعله به صاحبه وهذا من باب النصيحة وليس من باب النميمة، حتى لو أفضى إلى التفريق بينهما فإنه لا بأس به لأنه مصلحة.
في هذا الحديث فوائد: أن هذه الشريعة مبنية على كل ما يكون فيه التآلف بين المسلمين، وجه الدلالة أن النبي ﷺ توعد بهذا الوعيد الشديد على من نَم، والنميمة سببٌ للتفريق وإلقاء العداوة.
ومن فوائد الحديث: أن النميمة من كبائر الذنوب وجهه أن فيها هذا الوعيد الشديد وكل ذنب فيه وعيد في الآخرة أو حدٌ في الدنيا فإنه من كبائر الذنوب بل إن الكبيرة حدها أوسع من هذا وهي أن يقال: كل معصية رُتب عليها عقاب خاص فهي من كبائر الذنوب، أما المعاصي التي ليس فيها إلا: لا تفعل كذا، اجتنبوا كذا، حرم الله عليكم، كذا بدون ذكر عقوبة خاصة فإنها من الصغائر.
فإن قال قائل: أرأيت لو أن شخصاً سألك وقال: هل قال في فلان كذا فهل يلزمك أن تخبره إذا كان قد قال فيه قولاً يؤدي إلى التنافر؟ الجواب لا، لا يلزمك، ووجه ذلك أنك منهي
стр. 3397
عن النميمة، وان سؤاله إياك خطأ أن يسألك ماذا قال في فلان؟ لقد روي عن النبي ﷺ من حديث عبد الله بن مسعود أنه قال: «لا يحدثني أحد عن أحد شيئاً فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر». فكيف يبحث هذا الرجل ويقول هل قال في فلان كذا؟ إذن لا يلزمك إلا إذا كان في كتمانك ضرر على هذا السائل، فهنا يتعين البيان كما لو كان هذا الرجل أسرّ إليك بأنه سوف يؤذي صاحبه أو يقتله أو يتهمه بشيء يقوم في عرضه فحينئذ لابد من البيان.
كفُّ الغضب:
١٤٤٥ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من كف غضبه؛ كف الله عنه عذابه» أخرجه الطبراني في الأوسط.
- وله شاهد: من حديث ابن عمر عند أبن أبي الدنيا.
«من كف غضبه» أي: منعه، والمراد: منع ما يترتب على الغضب، وذلك لأن الغضب غريزة في الإنسان، كل إنسان يغضب، لكن من الناس من يمن الله عليه فيملك نفسه عند الغضب، وقل سبق أن النبي صلى الله سمى هذا شديداً، ومن الناس. من ينساب وراء غضبه فيحصل له بذلك شر كثير.
فمن كفَّ غضبه، «كف الله عنه عذابه»، والمراد: من كفه غضبه امتثالاً لأمر النبي ﷺ في قوله: «لا تغضب» أما من كف غضبه ترويضاً لنفسه على حسن الخلق وضبط النفس فهذا قد لا يثُاب هذا الثواب، لأن كفَّ الغضب إما أن يكون رجلٌ يريد أن يمرن نفسه علن التحمل وعدم الغضب فهذا لا شك انه خير وأنه أراد أن يمرن نفسه علن الخير، وإما أن يكف غضبه امتثالاً لقول النبي ﷺ : «لا تغضب» فهذا هو الذي له هذا الوعد الذي اخبر النبي ﷺ عنه.
في هذا الحديث فوائد: أولاً: الحثَّ على كف الغضب فإن انساب الإنسان مع غضبه فهل ينفذ قوله أو فعله؟ نقول: أما الفعل فينفذ فلو غضب على إنسان وضربه حتى كسر عضواً من أعضائه مثلاً فإنه يضمنه، ولو غضب فأتلف مالاً لغيره فإنه يضمنه.
أما القول فإذا كان الغضب شديدا لا يملك الإنسان نفسه فيه فإنه لا يؤاخذ به ويكون قوله هذا كعدمه، وعليه فلو أن الإنسان غضب على زوجته غضباً شديداً فطلقها فإنها لا تطلق.
وقد قسم العلماء ﵏ الغضب إلى ثلاثة أقسام: الغاية والبداية والوسط. أما
стр. 3398
البداية فبالاتفاق أن قول الغاضب نافذ وأن الغضب لا يمنع نفوذ قوله، وأما الغاية فإنه لا ينفذ قوله بالاتفاق وغاية الغضب: ألا يحس الإنسان بنفسه ولا يدري أفي الأرض هو أم في السماء ولا يدري أهو ذكر الله تعالى أم سبه لا يدري.
هذا نقول: حكمه أنه لا يؤاخذ بقوله إطلاقاً لأن هذا يشبه حال السَّكر. وحال الجنون، أما الثالث وهو الوسط فهذا محل نزع بين العلماء فمنهم من ألغى قوله، ومنهم من اعتبره، والظاهر إلغاؤه، وأن الإنسان إذا غضب غضباً لا يملك نفسه لكنه يدري انه في الأرض ويدري أنه يتكلم لكن شيئاً عقره حتى قال: فهذا لا عبرة به.
ومن فوائد الحديث: وصف الله تعالى بالكفَّ؛ لقوله: ﴿كف الله عنه﴾ وهذه أعني: الصفة من صفات الأفعال، وصفات الأفعال لا حصر لها، لأن أفعال الله لا تنتهي فلك أن تصف الله تعالى بكل ما يمكن أن يقع منه - جل وعلا.
فمثلاً نقول: الله مدبر متكلم باطش وما أشبه ذلك من الأفعال التي يمكن أن يتصف الله بها، أما ما لا يمكن أن يتصف الله به فهذا لا يجوز، فلا يمكن أن نقول: إن الله يخون؛ لأن الله تعالى منزَّه عن الخيانة، لكن كل ما يمكن أن يتصف الله به من أفعاله فإنه يجوز أن نصف الله به، وإن لم يرد نصه في القرآن والسُّنة.
فمثلاً الكفُّ لو قال قائل: هل الله يكف؟ الجواب: نعم؛ لأنه يمنح والكف منع، وعلى هذا فقس لكن الضابط في هذا النوع أن يكون مما يمكن أن يتصف به أما ما لا يمكن فهذا لا يُوصف الله به ما لا يمكن عقلاً كالعزق مثلاً أو ما لا يمكن شرعاً كالظلم فإنه لا يمكن أن نقول: إن الله يظلم مع أنه قادر على ذلك لكنه حرمه على نفسه ﵎.
وقوله: وله الشاهد، اعلم أن الأحاديث الضعيفة تحتاج إلى تقوية، والتقوية إما أن تكون للمتن وإما أن تكون للسند فإن، كانت للمتن سُمَّيت شاهداً بمعنى: أن يأتي هذا الحديث أو هذا المتن من طريق آخر يقوي الطريق الأول هذا يسمى شاهداً.
وأما أن، تكون، في السند فهذا يُسمى متابعة بمعني: أن راوياً ضعيفاً يروي عن شخص ثم وجدنا آخر ضعيفاً يروي عن هذا الشخص أيضاً نسمي هذا متابعاً ونسمي الموافقة متابعة، ثم إن كانت من أول السند فهي متابعة تامة يعني: أن هذا روي عن شيخه الضعيف مباشرة ثم ساق السند نُسمي هذه متابعة تامة؛ لأنه تابع الضعيف في كل الإسناد وإن كانت فيمن فوق شيخه فهي متابعة قاصرة، لكن على كل حال نحن لا نحتاج في قوة الحديث أو تصحيحه إل شاهد أو متاح إلا عند الضعف.
стр. 3399
ذم الخداع والبخل:
١٤٤٦ - وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل الجنة خب، ولا بخيل، ولا سياء الملكة». أخرجه الترمذي، وفرقه حديثين، وفي إسناده ضعف.
أبو بكر هو عبد الله بن عثمان بن أبي قحافة رضى الله عنه وسُمَّي صديقاً لأنه صدّقّ النبي ﷺ بدون أي تردد من حين ما دعاه إلى الحق لم يكن في قلبه أي تردد صدقّ وآمن وتابع ﵁.
وقيل إنه سُمي صديقاً لأنه صدّقّ النبي ﷺ حين تحدث عن المعراج والإسراء فإن النبي ﷺ صبيحة المعراج صار يحدث الناس فاجتمعت قريش إليه وقالت: سبحان الله كيف يزعم محمد أنه وصل إلى يبت المقدس في ليلة واحدة ورجع مع أنه لا يُقطع إلا في شهرين! هذا كذب ثم زد على ذلك أنه ادَّعى أنه وصل إلى السماء السابعة، وصاروا يكذبونه وصارت هذه فرصة لهم وصارت فتنة فبلغ ذلك الصديق ﵁: فقال: إن كان قاله فقد صدق فسُمَّي صدَّيقاً من ذلك اليوم، ولكن المعنى الأول أبلغ أنه ما من إنسان دعاه الرسول إلا صار في قلبه شيء إلا أبا بكر ﵁.
وإذا كان أبو بكر أفضل هذه الأمة وكانت هذه الأمة أفضل الأمم صار أفضل الصَّدَّيقين منذ آدم إلى قيام الساعة. أبو بكر رضي عنه هو أفضل الصَّدَّيقين على الإطلاق، نقول في كلمة لا يدخل الجنة كما قلنا في قوله: «لا يدخل الجنة قتات» وقوله: «خب» أي: خداع، فالخدَّاع لا دخل الجنة، وقوله: «ولا بخيل» أي مانع ما يجب بذله من مال أو جاه أو علم أو عمل كما سبق، ولا سيئ الملكة أي: سير المعاملة والمراد: لا يدخل دخولاً مطلقاً فهو وعيد وقوله: «خب» قلنا: الخب هو الخداع؛ ولهذا قال: عمر لست بخبَّ ولا يخدعني الخب يعني: أنا لست خدَّاعاً ولكن عندي حزم وكياسة وفطنة لا يخدعني الخبٌ.
من فوائد الحديث: تحريم الخدع بل دليل على أنه من كبائر الذنوب، فهل الخداع كله مذموم يسحق هذا الوعيد؟ لا، الخداع في موضع الائتمان هذا هو الذي عليه الوعيد يأتمنك الإنسان فتخدعه يأتمنك على سر أفضاه إليك ثم تصبح وتنشره بين الناس، يعاملك فيخدعك في العاملة، يقول: إن السلعة بُذل فيها كذا وكذا وهو كاذب، يقول: إذ السلعة طيبة الأوصاف وهو كاذب.
أما الخداع في موضعه فهو محمود ويمدح الإنسان عليه، واستمع إلى قول الله تعالى: ﴿إن
стр. 3400
المتفقين يخدعون الله وهو خدعهم﴾ [النساء: ١٤٢]. والحرب خدعة. فالخدع في موطنه محمود، ودليل علن أن المخادع كان أعظم من مخادعه، ذكروا أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أراد أن يبارزه رجل يسمى: عمرو بن ودّ والمبارزة مشهورة عند القتال يعني: إذا التقى الصفان؛ صف المسلمين وصف الكفار قد تطلب المبارزة أحياناً، فيطلب كل من الصفين من الآخر أن ينتخب رجلاً يقاتل خصمه وفيه فائدة وهي: أنه إذا قُتل أحد الرجلين، صار في ذلك كسر لقلوب أصحابه وتقوية لقلوب الآخرين، فطلب المبارزة عمرو بن ودّ وكان رجلاً شجاعاً، فخرج إليه علي بن أبي طالب ﵁ فلما أقبل عمرو صرخ علي قائلاً: ما خرجت لأبارز رجلين! هذا ذكاء فالتفت عمرو بن ودّ ظن أنه تبعه أخد، ولما التفت قضى عليه عليٌ بضربه حتى أبان رأسه عن جسده، هذا خداع لكنه محمود. لأنه في محله. هذا الرجل الذي خرج، خرج ليقتل علياً لكن عليَّا قتله بهذه الخديعة، فالخديعة في موضعها صفة محمودة لكنها في موضع الائتمان مذمومة وفيها وعيد.
قال: «ولا بخيل» هذا أيضاً فيه هذا الوعيد وسبق لنا بيان البخل وأن البخل كله مذموم، «سيئ الملكة» كذلك سيئ المعاملة لا يدخل الجنة، ولكن هذا أيضاً ليس على إطلاقه لأن سوء المعاملة جائز إذا قابل به من أساء إليه؛ الدليل قوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤]. ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ [النحل: ١٢٦]. فالذي أساء معاملتك فلا حرج عليك أن تسيء معاملته.
تحريم التجسس:
١٤٤٧ - وعن ابن عباس ﵂ قال: قال رسول الله ﷺ : «من تسمع حديث قوم وهم له كارهون؛ صب في أذنيه الآنك يوم القيامة، يعني: الرصاص». أخرجه البخاري.
هذا وعيد شديد - والعياذ بالله - على من قام بهذا العمل «تسمّع حديث قوم» «تسمّع» أي: صار يسارقهم السمع بمعنى: ينصت وهم يظنون أنه لا يسمع لكنه يتصيد ماذا يقولون، وقوله: «حديث قوم» المراد بقوم هنا الذين يتسارون فيما بينهم، أما الذين يجهرون فهؤلاء لم يحتاطوا لأنفسهم فلا حرج على من سمع كلامهم وهؤلاء الذين يجهرون لا يقال: لا تستمع كلامهم أو لا تستمع، ولكن يقال استمع.
لكن هؤلاء القوم يسرون فجعل ذلك يتصنت عليهم من أجل أن يأخذ ما عندهم، وقوله: ﴿وهم له كارهون﴾ الجملة في موضع نصب على الحال من قوم حديث قوم يعني: والحال أنهم
стр. 3401
له كارهون، ولولا الواو لقلنا: إن الجملة صفة لقوم لأنها نكرة "صب في أذنيه"، هذه جواب "من" من الصاب؟ الصاب من أمرهم الله تعالى أن يصبوا ذلك عليه، وقد قال الله تعالى. ﴿خذوه فاتلوه إلى سواء الجحيم (٤٧) ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم﴾ [الدخان: ٤٧، ٤٨] وقوله: ﴿الآنك﴾ يعني: الرصاص، ولا يكون صباً للرصاص إلا إذا كان مذاباً وعليه فالمراد: الرصاص المذاب.
في هذا الحديث فوائد: منها: تحريم التسمع إلى قوم يكرهون أن يسمعهم أحد سواء تصنت عن طريق مكبر الصوت - لأنه توجد أشياء تكبر الصوت ويسمع الصوت من بعيد - أو من طريق الباب كأن يجلس إلى الباب يتسمع، أو يجلس قريباً منهم يتظاهر انه يقرأ يأخذ مثلاً كتاباً أو القران الكريم ويحرك شفتيه علن أنه يقرأ، فإذا رأوه يقرا ربما يأمنون ويقولون: هذا لاه عنّا وليس له حاجة بنا.
ومن ذلك أيضاً أن يضع مسجلاً - بل قد يكون أبلغ لأن هناك مسجلات صغيرة علن قدر علبة الكبريت يضعها - في أماكن جلوسهم المعتاد وهم لا يعلمون، فيه أيضاً مسجلات غريبة تأتمر بأمرك إذا أمرتها، لها ذبذبات خاصة أن تكلم حولها أحد سجلت، وإن لم يكن كلام لم تسجل، فيجعل مثل هذا عندهم حتى يسترق السمع.
والمهم أن طرق التسمُّع كثيرة، والنبي ﷺ أطلق ولم يقل: من تسمع كذا، فيكون عاماً بكل سمع.
ومن فوائد الحديث: أن التسمّع بحديث قوم يكرهونه من كبائر الذنوب، وجهه الوعيد الشديد أنه يصب في أذنيه الآنك يوم القيامة، وهل يستثنى من ذلك شيء؟ ، نعم، يستثنى من ذلك التسمع إلى العدو، فإن التسمع إلى العدو جائز، ولهذا كان النبي ﷺ يرسل الجواسيس (العيون) ترى ماذا يصنع العدو، فيكون الحديث ليس على عمومه، بل هو مخصوص بما إذا تسمع إلى العدو بالتحرز من خداعه ومكره.
ومن فوائد الحديث: أنه لو تسمع إلى حديث قوم وهم يسرون بذلك فلا شيء عليه؛ لأنه زادهم سروراً، فلو فرضنا أن قوماً يتناجون بينهم في مسائل علمية دينية وإنسان يتسمع لهم ليستفيد ثم يخبرهم بعد ذلك انه استفاد منهم فهذا لا بأس به.
ومن فوائد الحديث: أن الجزاء من جنس العمل، وجهه أنه لما كان التسمع بالأذن كان العذاب علي الأذن، ولهذا نظائر، مر علينا أن النبي ﷺ رأى أصحابه لا يسبغون الوضوء وأنهم اخلوا به في بعض الأعضاء فنادى بأعلى صوته، "ويل للأعقاب من النار"، فجعل العذاب على الأعقاب لأنها هي التي حصل بها المخالفة، وكذلك قال: "ما أسفل من الكعبين ففي النار" فجعل
стр. 3402
العقوبة ما كانت فيه المخالفة، هنا العقوبة على ما كانت فيه المخالفة، هل يقاس على التسمع النظر؟ الظاهر نعم، فلو أن إنساناً كان بعيداً عن قوم وفي يده منظار فجعل يوجهه عليهم من أجل أن يراهم، وهم طبعاً يكرهون أن، يراهم أحد، قد يكون الإنسان مع زوجته لا يحب أن يطلع عليه أحل فهذا أيضا مثله، لكن لا أجزم أن عينيه تكحل بالرصاص يوم القيامة. لأن العذاب لا يمكن القياس فيه، أما الحكم فنعم لا شك أن هذا محرم وأنه من كبائر الذنوب.
وهل مثل ذلك أن يلتقط صورتهم وهم جلوس؟ نعم وهذا أيضا قد يكون من باب أولى. لأن الصورة تحفظ وتنشر فيكون البلاء والفتنة أعظم وأكبر، وعلى هذا فلا يجوز للإنسان أن يلتقط صورة أحد إلا بإذنه، حتى لو كان يعرف أن هذا الرجل يقول بجواز التقاط للصور فإنه لا يجوز أن يلتقطه إلا بأذنه، لاسيما إذا كان يعلم أنه يكره أن تلتقط صورته.
ومن فوائد الحديث: كما عدل الله هز وجل وأنه - جل وعلا - يؤاخذ المذنب بحسب ذنبه، ظاهر الحديث أن مجرد التسمع تحصل به هذه العقوبة وان لم يكشف سره فهل هذا صحيح؟ نعم صحيح فان افشي السر كان أعظم وأشد.
١٤٤٨ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس» أخرجه البزار بإسناد حسن.
المؤلف ﵀ وجزاه الله خيراً ينقب عن الأحاديث من أى كتاب، البزار ليس مسنده كمسند الأئمة المشهورين، لكن جاء بهذا الحديث «طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس» «طوبى» قيل: انه اسم لشجرة في الجنة، وقيل: أنه طوي فغلى من الطيب، أي: الخصلة الطوبي، أي الطيبة لمن فعل كذا وكذا، وهذا الأخير أعم من الأول، وهو أقرب.
والمعنى: أن من شغله عيبه عن عيوب الناس فهذا هو الذي نال الطيب، والمعنى صحيح هل أنت سالم من العيوب؟ لا الدليل: «كل بني أدم خطاء وخير الخطائين التوابون» لا أحد يسلم من العيوب، بل من ادعى أنه سالم من العيوب فهو معيب بدعواه هذه، فهل من العقل والحكمة أن، تشتغل بعيوب الناس وتقول: ماذا قال فلان أو غير ذلك مما نهي عنه؟ نهي عن قيل وقال - أو الأولى أن تشتغل بعيوب نفسك؟
الثاني أول، اشتغل بعيوب نفسك وستجد عيوباً كثيرة، ثم ان عيوب النفس أيضا هل تشتغل بها وتيأس من رحمة الله وتستحسر ولا تحاول أن تنزع عنها أم أن المراد بالاشتغال بعيوب النفس محاولة التخلي عنها؟ الثاني يعني: أنك إذا نظرت الى عيوبك لا تنظر إليها نظر
стр. 3403
إقرار أو نظر استيئاس من الإصلاح؟ لا، انظر إليها نظر مريد للإصلاح والحلي عنها، وإذا نظر الإنسان إلي عيوبه هذا المنظار فسوف يوقف، أما أن ينظر إليها ويسكت فهذا غلط، أو ينظر إليها ويقول: إصلاحها غير ممكن ويقول كلمات بها يأس هذا غلط، حاول الإصلاح ما استطعت، واعلم أنك لن تستطيع أن تصلح ما كان فاسداً بمجرد التفكير بل لابد من عمل وممارسة، وكون الإنسان أيضاً يصمد، لأن بعض الناس إذا عجز في أول مرة قال ليس هناك إصلاح ثم يستيأس ويبقي على عيوبه ولا يحاول أن يصلح، وهذا من الغلط.
العيوب كل ما يعاب عليه الإنسان من حلقة أو خلق أو عمل، والإنسان لا يخلو من عيب في خلقه من عيب في خلقته من عيب في عملة، فاشتغل بعيبك عن عيوب الناس ودع عيوب الناس للناس.
التحذير من الكبر:
١٤٤٩ - وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من تعاظم فى نفسه، واختال في مشيته؛ لقي الله وهو عليه غضبان». أخرجه الحاكم، ورجاله ثقات.
«تعاظم» أي: نزل نفه منزلة العظيم، وهدا كبر ظاهر، «واختال في مشيته» أي: مشى مشية المختال المفتخر، وهذا كبر ظاهر، فقوله: «تعاظم» هذا الكبرياء في القلب «واختال في مشيته» هذا الكبرياء في العمل في الظاهر "لقي الله - تعالى - وهو عليه غضبان" لقي الله يعني: يوم القيامة وهو أي الله عليه أي: على هذا المتعاظم المختال "غضبان" الجملة في قوله: "وهو عليه غضبان" حال من لفظ الجلالة، فيقول الرسول ﷺ إن التعاظم في النفس والاختيال في المشية إذا اجتمعا استحق فاعلهما هذا الوعيد وهو غضب الله .
ففيه فوائد منها: تحريم التعاظم في النفس، وليعلم أن الإنسان كلّما تعاظم في نفسه ازداد ضعفاً عند الله وعند الناس، وهذا من الجزاء الذي يكون من جنس العمل وكلّما ذل الإنسان في نفسه وتواضع ازداد رفعةً، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «من تواضع شه رفعه». وجاء في الحديث الصحيح: "الكبر بطر الحق وغمط الناس". إذن فالواجب أن يذل الإنسان في نفسه، لكن هل يجوز أن يُذل نفسه أمام الناس؟ لا، يذل في نفسه ولا يذل نفسه بمعنى: لا يكون أمام الناس ذليلاً فيتعرض لما لا يمكنه دفعة، يعني: من أسباب الذل أن يتعرض الإنسان لشيء لا يمكنه دفعة، فليكن عزيزاً يبتعد عن أماكن الذل، أما ان يعلو في نفسه فلا.
стр. 3404
من فوائد الحديث أيضاً: تحريم الاحتيال في المشية كأن يمشي مثلاً متعكساً مرة يكون علن رجل ومرة يكون على رجل ومرة يكون على رجل، وتجده ينظر في كتفيه في عطفيه، وما أشبه ذلك، ففيه: تحريم الاحتيال في المشية، والاحتيال في المشية واللباس والصوت والهيئة كله حرام ﴿إن الله لا يُحب كل مختال فخور﴾ [لقمان: ١٨]
من فوائد الحديث: إثبات لقاء الله وهو لكل أحد لقوله تعالى: ﴿يأيها الإنسن إنك كادح إلى ربك كدحاً ملقيه﴾ [الانشقاق: ٦] ويقول : ﴿واتقوا الله واعلموا أنكم ملقوه﴾ [البقرة: ٢٢٣].
ومن فوائد الحديث: إثبات الغضب لله لقوله: "وهو عليه غضبان"، والغضب: صفة تحمل الغاضب علن الانتقام من خصمه: فهي صفة قوة وليست صفة نقص.
واعلم أن أهل السنة والجماعة طريقتهم في هذه الصفة وأمثالها أن يثبتوها لله على وجه الحقيقة دون المماثلة، وأن أهل التعطيل كالأشعرية والمعتزلة والجهمية ينكرونها، لكن إنكار جحد بل إنكار تأويل؛ لأنهم لا يجحدون أن الله يغضب لو جحدوا ذلك لكفروا، لكنهم يثبتون الغضب إلا أنهم يؤولونه وحقيقة تأويلهم أنه تحريف للكلم عن مواضعه.
يقولون: الغضب هو الانتقام أو إرادة الانتقام، انظر التفسير العجيب! فعندنا غضب وإرادة وانتقام، هم ينكرون الأول يقولون: لا يوجد غضب، فيفسرون غضب الله إما بالانتقام وإما بإرادة الانتقام، أتدرون لماذا؟ لأن الانتقام فعل بائن من الله ينزل بالمنتقم منه، فهو كالخلق فلا ينكرونه، أو إرادة الانتقام، لأنهم كانوا يثبتون الإرادة كما قال السفاريني في عقيدته: يثبتون الكلام والحياة والبصر والسمع والإرادة، يثبتون الإرادة.
ونحن نقول: أخطأتم، بل الإرادة والانتقام من اثر الغضب، ودليل ذلك قوله ﵎: ﴿فلما ءاسفونا انتقمنا منهم﴾ فجعل الانتقام غير الغضب، والأسف لا يمكن أن يراد به الحزن بل هو الغضب؛ لأن الأسف يطلق على الغضب يقال: فلان آسف أي: غاضب.
إذن القول الحق: أن الله موصوف بالغضب، قالوا: لا يمكن أن يوصف بالغضب؛ لأن الغضب غليان دم القلب لإرادة الانتقام. وجوابنا على هذا أن نقول: هذا الغضب هو غضب المخلوق، أما الخالق فهو وصف يليق بجلاله وعظمته لا نعلم كيفيته.
стр. 3405
ذم العجلة:
١٤٥٠ - وعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «العجلة من الشيطان» أخرجه الترمذي، وقال: حسن.
«العجلة»: الأقدام على الشيء من غير تفكير ولا تأمل، وسواء كانت عجلة في الاعتقاد أو في القول أو في الفعل، كل من يقدم على الشيء بدون تروّ فهو عجول، والعجلة من طبيعة الإنسان، لقوله تعالى: ﴿خلق الإنسن من عجل﴾ [الأنبياء: ٣٧]. كأنه مكون من العجل، كما في قوله: ﴿خلق من طين﴾ مكون من الطين، ثم العجلة هي وصفه، ﴿وكان الإنسن عجولاً﴾ [الإسراء: ١١]، فإذا اجتمع الأصل والوصف والشيطان - كما في الحديث - من الشيطان - صارت المسألة تحتاج الى موافقة قوية، وأن الإنسان لا يتعجل، والعجلة - كما قلنا من الشيطان: هي المبادرة بالإقدام بدون تفكير ولا تروّ، وكم من إنسان تعجل بدون تفكير ولا ترو فندم ولهذا من الأمثال المضروبة: في التأني السلامة وفي العجلة الندامة ويقول الشاعر: [البسيط]
(قد يُدرك المتأني بعض حاجته .... وقد يكون مع المستعجل الذلل)
(وربما فات قوماً جل أمرهم ..... مع التأني وكان الرأي لو عجلوا)
إذن العجلة قد تكون محمودة، وقد تكون مذمومة، إذا كانت العجلة في موضعها فهي من المسابقة إلى الخير، وإذا كانت في غير موضعها فهي المذمومة، وهي التي تكون من الشيطان:
في هذا لحديث - إن صح عن الرسول ﷺ فيه: دليل على أنه ينبغي للإنسان التأني في الأمور وألا يتعجل وما أكثر المستعجلين الذين إذا قصصت عليهم الحديث قالوا: كذا وكذا وردوا عليك الجواب قبل أن تستكمل هذا غلط.
بل انه كان ابن عمر ﵁ يحدث بحديث مع صاحب له وفي أثناء الحديث قال: ما معنى كذا وكذا: فقال له ابن عمر: انك لضخم يعني: كبير الجسم، - ولا نقول: إن كبير الجسم في العادة يكون عجلاً - قال: ما قصصت عليك إلا لأخبرك وهذا يقع كثيراً أن بعض الناس يتعجل، وعندنا من الأمثال المضروبة إذا تعجل قال له: كم بقيت في بطن أمك؟ الغالب تسعة أشهر فيقول: انتظرني تسع دقائق أو أقل.
стр. 3406
الشؤم سوء الخلق:
١٤٥١ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «الشؤم سوء الخلق». أخرجه أحمد، وفي إسناده ضعف.
هنا لابد أن نعرف إعراب الجملة، «الشؤم»: خبر مقدم؛ لأن المعنى: أن سوء الخلق من الشؤم، وليس المعنى: أن الشؤم من سوء الخلق هذا هو الظاهر، لكن لو قال قائل بالعكس فله وجه، على كل حال، أن الشؤم يعني: كون الإنسان مشئوماً هو الذي يكون شيء الخلق، فسوء الخلق من الشؤم، وكم من إنسان حصل له من النكبات والبلاء بسبب اقترانه بسوء الخلق، وكم من إنسان حصل له البلاء والشر والفتنة بسبب سوء الخلق، وليس المراد بهذا: الحصر بل المراد: أن هذا من النوع، يعني: أن سوء الخلق من نوع الشؤم بدليل أن مثل هذه الصورة ترد، ولا يراد بها الحصر، قول الرسول ﷺ : «ليس المسكين الذي يتردد على الناس فترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان» المراد: المسكين الذي يطلق علية لفظ المسكنة وهو الذي يتعفف، قال الرسول: «إنما المسكين الذي يتعفف ... » الحديث.
إذن في هذا الحديث: التحذير من سوء الخلق، وانه شؤم، ضد ذلك حسن الخلق وإذا كان شؤم الخلق محذراً منه كان حسن الخلق مأموراً به ولهذا قال النبي ﷺ : «البر حسن الخلق»، قاله لوابصه بن معبد، وصدق النبي ﷺ كم من إنسان حسن الخلق واسع الصدر منشرحه، تجده يحصل له خير كثير في معاملة الناس ومعاملة الله إن أصابه بلاء من الله صبر وصار حسن الخلق مع الله، وإن أصابه أذى من الناس صبر وصار حسن الخلق مع الناس، وكم من إنسان سيء الخلق يحصل عليه نكبات عظيمة سواء فيما يتعلق بمعاملة الله أو معاملة الخلق.
التحذير من كثرة اللعن:
١٤٥٢ - وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله: «إن اللعانين لا يكونون شفعاء، ولا شهداء يوم القيامة» أخرجه مسلم.
اللعان: صيغة مبالغة، والمراد باللعانين: كثيرو اللعان، يعني: الذي يلعن دائماً، لسانه رطب من اللعان - والعياذ بالله - هذا يقول الرسول ﷺ : «لا يكونون شفعاء» أي: لا يشفعون في أحد من الناس، «ولا شهداء» أي: لا تقبل شهادتهم يوم القيامة.
стр. 3407
ففي هذا الحديث فوائد: منها: التحذير مز كثره اللعن، لأنه ورد فيه هذا العقاب.
وفيه أيضاً من الفوائد: أن كثره اللعن من كبائر الذنوب، وجه ذلك: انه استحق الوعيد بهذا الذي ذكره الرسول ﷺ .
ومن فوائد الحديث: إثبات يوم القيامة لقوله: «يوم القيامة» وهو يوم البعث، وسمي يوم القيامة لرجوه ثلاثة:
الأول: ان الناس يقومون فيه من قبورهم لرب العالمين ودليله قوله تعالى: ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ [المطففين: ٦].
الثاني: أنه تقام فيه الأشهاد لقوله تعالى: ﴿إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهد﴾ [غافر: ٥١]. الثالث: أنه يقام فيه العدل لقوله تعالى: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيمة﴾ [الأنبياء: ٤٧]
ومن فوائد الحديث: إثبات الشفاعة لغير النبي ﷺ ، أنه لو لم تثبت الشفاعة لغير رسول الله ﷺ لكان اللعانون وغيرهم سواء، ولكن ليعلم أن الشفاعة العظمى خاصة بالرسول ﷺ ، وله شفاعات ثلاث خاصة به:
الأولى: الشفاعة العظمى وهى أعظمها وأعمها وأشملها؛ وذلك أن الناس يوم القيامة في الموقف من الكرب والغم ما لا يطيقون، فيستشفعون إلى آدم، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، إلى أن تصل إل محمد رسول الله ﷺ فيشفع، هذه خاصة به، وهي داخلة في قوله تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً﴾ [الإسراء: ٧٩].
الثانية: الشفاعة فى أهل الجنة أن يدخلوها، وهذه لا ينالها أحد إلا رسول الله ﷺ .
الثالثة: شفاعته في عمه أبي طالب، وهي الشفاعة لكافر، ولا تكون لأحد إلا لرسول الله ﷺ لأن الكفار لا تنفع فيهم الشفاعة، لكن أبا طالب نفعت فيه الشفاعة لما حصل منه من تأييد النبي ﷺ ونصرته إياه والدفاع عنه، من أجل ذلك أذن الله لنبيه أن يشفع لعمه أبي طالب، ولكن هل خريج من النار؟ لا، لأن الله قال: ﴿وما هم منا بمخرجين﴾ [الحجرات: ٤٨]. لكنة وضع في ضحضاح من نار علبة نعلان من نار يغلي منهما دماغه، دماغه أعلى ما في جسده ومع ذلك يغلي من نعال في أسفل جسده، وإذا كان الدماغ يغلي فما بالك بما دون الدماغ سيكون أشد غلياناً، ثم مع هذا العذاب العظيم الدائم المستمر يرى أنه أشد الناس عذاباً؛ لأنه لو رأى أنه أهون الناس عذاباً لاقتنع، لكن يري انه أشدهم عذاباً، قال النبي ﷺ : «وإنه لأهونهم عذاباً»
стр. 3408
ومن فوائد الحديث: إثبات الشهداء يوم القيامة، والشهداء يوم القيامة أربع أنواع الملائكة والنبيون والعلماء والجوارح:
الملائكة: قال الله تعالى: ﴿إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد (١٧) ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (١٨) جاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد (١٩) ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد (٢٠) وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد (٢١) لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد (٢٢) وقال قرينه هذا ما لدي عتيد﴾ [ق: ١٧ - ٢٣] هذا ما عندي حاضر.
النبيون: قال تعالي: ﴿لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾ [البقرة: ١٤٣].
العلماء: قال الله تعالي: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً﴾ [البقرة: ١٤٣]. هذه الأمة شاهدة على من قبلها؛ لأن عندها علماً ممن سبق.
الرابع: الجوارح تشهد أيضا: ﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون﴾ [النور: ٢٤]
هل هولا، اللعانون يكونون شهداء يوم القيامة؟ لا، لا نقبل شهادتهم، وهل هذا الوعيد نافذ فيمن تابوا ومن لم يتب؟ لا، من تاب تاب الله علية، التوبة تهدم نهدم ما قبلها، وهكذا جميع أنواع الوعيد من آيات وأحاديث، إذا تاب الإنسان مما فيه الوعيد فإنه يرتفع عنه، الكفار لهم نار جهنم خالدين فيها أبداً وإذا تابوا فالله يتوب عليهم، والدليل قوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٢٨]. وما دون الكفر كذلك، وعلى هذا فكل نص فيه وعيد فهو مقيد بما إذا لم يتب منه، فان تاب منه تاب الله علية، فهؤلاء اللعانون إذا تابوا عن كثره اللعن فأنهم يكونون كغيرهم يوم القيامة، من أذن له في الشفاعة شفع، ومن أذن له في الشهادة شهد.
النهي أن يغير المسلم أخاه:
١٤٥٣ - وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من عير أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله» أخرجه الترمذي وحسنه، وسنده منقطع.
"عير" بمعنى: عاب، والذنب: المعصية أو مت يكون به الإثم، وقد يقال: إنه أعم من ذلك فيكون من عيره بذنب أو خلقة أو خلق لم يمت حتى يعمله جزاء وفاقاً، أي: أن هذا الذنب يدرك هذا المعيب [فلا يموت حتى يعمله]، لكن الحديث يقول: إسناده منقطع، والذي إسناده
стр. 3409
منقطع يكون ضعيفاً؛ لأن من شرط صحة الحديث: أن يكون متصل السند، وكذلك من شرط كونه حسناً: أن يكون متصل السند، فإذا كان منقطعاً فإنه يكون ضعيفاً، لكن هل المعنى صحيح؟ قد يبتلى الإنسان يما عير به أخاه وقد لا يبتلى، والواقع ليس شاهدا لا لهذا ولا لهدا لآن الإنسان أحياناً يعير آخاه بذنب أو بذنوب ثم لا يكون عليها - أي- لا يأتيها، وأحياناً يبتلى بذنوب بدون تعيير، ومن أجل ذلك نقول: الحمد لله أن الحديث ضعيف لا في مرتبة الصحة ولا مرتبة الحسن، لكن لا شك أن تعيير أخيه بذنب عدوان عليه وإيذاء له، وقد توعد الله تعالى الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا بأنهم قد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً.
التحذير من الكذب لإضحاك الناس:
١٥٤٥ - وعن بهر بن حكيم، عن أبيه، عن جده: قال: قال رسول الله صلى الله «ويل للذي يحدث فيكذب؛ ليضحك به القوم؛ ويل له؛ ثم ويل له». أخرجه الثلاثة، وإسناده قوي.
"ويل": هذه كلمة دعاء ووعيه؛ ولهذا جاز الابتداء بها وهي نكرة، كقولك: سلام عليك، لما كانت دعاء صح الابتداء وهر نكرة، وكذلك "ويل" صح الابتداء بها وهي نكرة؛ لأنها كلمة وعيد ودعاء، وقيل: إنه واد في جهنم، ولكن هو يستعمل في هذا، وفي هذا قد يكون وادياً في جهنم إذا عوقب به شخص معين، وأما إذا كان على سبيل العموم فالظاهر أنها كلمة وعيد مطلقا.
وقوله: "الذي يحدث" أي: يحدث الناس، فالمفعول به محذوف، "فيكذب" الكذب: بالإخبار بخلاف الواقع، «ليضحك به القوم» يعني: ليس لحديثه أصل، ولكن من أجل أن يضحك به القوم، فيقول: «ويل له تم ويل له».
ففي هذا الحديث. دليل على أن الكذب لإضحاك القوم محرم، بل من كبائر الذنوب؛ لأنه توعد عليه بالويل.
ومن فوائد الحديث: أن ما يقع قي التمثيليات من ذكر أشياء لا حقيقة لها وتُنسب الى شخص فإن هذا داخل في الحديث.
ومن فوائد الحديث: تكرار الكلام للتوكيد؛ لقوله: «ويل له ثم ويل له» وهذا التوكيد توكيد لفظي؛ لأنه إذا أعيد التوكيد بلفظ مؤكد فهو لفظي، وأن أعيد بمعناه أو بالأدوات المعروفة
стр. 3410
فهو معنوي، [والكذب منه ما هو خير] ومنة ما هو شر، من كذب ليصلح بين الناس فهو خير، ومن كذب في الحرب وموه على العدو بأن الجمع كثير والعدة قوية فهو خير، ومن كذب على امرأته بشيء لا يمكن أن تطلع فيما بعد أنه كذب من أجل الإلفة والقربة منها فهو خير، ولهذا أبيح الكذب في هذه الثلاث، ثم إن الكذب قد يكون أشد ذكر في هذا الحديث إذا تضمن أكل مال بالباطل فإنه يكون فيه مفسدتان: المفسدة الأولى: مفسدة الكذب، والمفسدة الثانية: مفسدة الأكل بالباطل؛ إذن العموم ليس له مفهوم.
كفارة الغيبة:
١٤٥٥ - وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ : «كفارة من اغتبته أن تستغفر له» رواه الحارث بن أبي أسامة بسندٍ ضعيف.
"كفارة" الكفارة بمعنى: الساترة، يعنى: ستر الذنب الذي ارتكبه من اغتاب صاحبه أن يستغفر له؛ أي: لمن اغتابه، فيقول: اللهم اغفر له.
وهذا الحديث - كما ذكره المؤلف - إسناده ضعيف، ولكن معناه له وجهة نظر إلا أنه لابد من التفصيل، فيقال: إذا اغتاب شخصاً فعلم فلابد أن يستحله؛ بأن يذهب إليه ويقول: إني اغتبتك وأطلب منك أن تُحللني؛ لأنه لما علم به صار متعلقاً به ولابد ان يستحله، وأما إذا لم يعلم به وليس مظنة أن يعلم به في فهنا يستغفر له، وجه ذلك: أن هذا الذي اغتاب ارتكب ذنباً فجزاؤه أن يستغفر لأخيه عن ذنوبه حتى يكافئه، ثم هناك أيضاً شيء آخر من الكفارة وهو: أن يذكره بالخير في المجالس التي اغتابه فيها أخذاً بقوله تعالى: ﴿ن الحسنت يذهبن السيئات﴾ [هود: ١١٤].
١٤٥٦ - وعن عائشة ﵁ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه: «أبغض الرجال إلي الله الألد الخصم» أخرجه مسلم.
"أبغض الرجال": هذه صيغة تفصيل من البغض وهو: الكراهة، وقوله: "الرجال" هذا من باب التغليب، وإلا فالمرأة مثله، لكن لما كانت المرأة ضعيفة في الخصومة كما قال الله تعالى
стр. 3411
عنها: ﴿أومن ينشؤا في الحلية وهو في الخصام غير مبين﴾ [الزخرف: ١٨] كان ذكر الخصومة في جانبها لا حاجة له، وقوله: "الألد" يعني: الصعب الذي كلما ذكرت له شيئاً حملة على محمل أخر، أو قال: نعم هذا صحيح لكن ربما، فهذا الألد مأخوذ من لدودة الوادي؛ أي: جانبية؛ لأنه كلما حملته على جانب حوله الى جانب آخر و "الخصم" يعني: الذي يخصم غيره لكن بالباطل، وأما الذي يخصم غيره بحق فهذا حق وليس مبغوضاً الى الله ، وهذا يقع كثيراً خصوصاً فيمن أعجبوا بأنفسهم ورأوا أنهم أصحاب الرأي والعقل والعلم، فتجدهم إذا حاجهم أحد في ذلك جعلوا يأتون بالأشياء البعيدة والاحتمالات البعيدة من أجل إقحام الخصم والانتصار لأنفسهم.
ففي هذا الحديث فوائد: أولاً: إثبات البغض لله ، وأن بغض الله تعالي يتفاوت لقوله: "أبغض"، وقد مر علينا أن البغضاء ثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة، ومنه: ﴿كبر مقتاعند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ [الصف: ٣].
ومنها: أن الأعمال السيئة تتفاوت بالقبح لقوله: "أبغض" كما أن الأعمال الصالحة تتفاوت في الحسن والمحبة.
ومن فوائد الحديث: أن اللدود الخصم مكروه عند الله، وهذا يقتضي أن يكون الاتصاف بهذه الصفة حراماً.
فإن قال قائل: إذا كان هذا يحاج لإثبات الحق وإبطال الباطل؟
قلنا: هذا محبوب عند الله، وليس هذا ممن يتصف بهذه الصفة. لأنه ليس ألد خصم، ولكنة يريد الوصول الى الحق.
٥ - باب الترغيب في مكارم الأخلاق
أردف هذا الباب بما قبلة؛ لأن الأولى تقديم التخلية على التحلية. بمعنى: أن ننظف المكان ثم نأتي بالصفات الطيبة، فليتخلى الإنسان أولاً عن مساوئ الأخلاق ثم بعد ذلك يتحلى بالمكارم حتى ترد المكارم على محل خالٍ من المساوئ.
الترغيب في الصدق:
١٤٥٧ - عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق، حتى يكتب عند
стр. 3412
الله صديقا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإنَّ الفجور يهدي إلي النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب، حتى يكتب عند الله كذاباً». متفق عليه.
قوله: «عليكم بالصدق»، يسميه أهل النحو بالإغراء، أي: الحث بشدة، الصدق في العقيدة، الصدق في القول، الصدق في العمل، فهو شامل لهذه الأقدم الثلاثة.
الصدق في العقيدة: هو إخلاص العبادة لله وحده، والبعد عن الشرك خفيه وجلية، وكذلك إتباع السلف بما يجب لله تعالى من الأسماء والصفات.
الصدق في الفعل: أن يكون مطابقاً لما جاءت به الشريعة.
الصدق في القول: أن يكون مطابقا للواقع، إذا حدث عن شيء حدّث عن أمر واقع لا يتغير.
ثم قال: "فإن الصدق يهدي إلي البر" هذه الجملة تعليل لما قبلها؛ يعني: أنه حث على الصدق، لأنه يهدي الى هذه الغاية الحميدة، وهي البر، والبر جماع الخير كله، "وان البر يهدي إلي الجنة" وهذه المرحلة الثانية؛ يعني: أن الإنسان إذا كان من الأبرار كان مستحقاً لدخول الجنة، وكل إنسان مؤمن فان غايته الوصول إلي جنات النعيم -حقق الله لنا ولكم ذلك.
"وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق"، "ما يزال" هذه من أفعال الاستمرار؛ يعني: أنه إذا استمر يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وقوله: "يصدق" أي: يقول الصدق: اليقين، "يتحرى الصدق" أي: يلتمس الصدق فيما يغلب على ظنه؛ لأن التحري هو سلوك الطرق التي توصل إلى غاية الظن، "حتى يكتب عند الله صديقاً" أي: يكتب من الصديقين عند الله ، واعلم أن الصدوق يكون مقبولاً عند الناس معتبراً بينهم لا يحتاجون إلي تفكير في قوله، بل يقبلونه ولا يردون شيئاً منه؛ لأنه معروف بالصدق، وهذا من الجزاء العاجل.
"وإياكم والكذب" هذا تحذير من الكذب، "فإن الكذب يهدي إل الفجور" والفجور ضد البر، قال تعالى: ﴿كلا إن كنت الفجار لفى سجين﴾ [المطففين: ٧]. وقال في مقابلة ذلك: ﴿كلا إن كنت الأبرار لفى عليين﴾ [المطففين: ٧]
"فإن الكذب يهدي إل الفجور، وإن الفجور يهدي إلي النار" كما قال تعالى: ﴿وإن الفجار لفى جحيم﴾ [الانفطار: ١٤] فالفجور يوصل إلي النار، "وما زال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً" من الكذابين، والكذابون جزاؤهم النار.
стр. 3413
في هذا الحديث: حرص النبي ﷺ على مكارم الأخلاق وعلى التحلي بمكارم الأخلاق والتخلي عن مساوي الأخلاق، فيستفاد الحكم الأول من قوله: "عليكم بالصدق"، ويستفاد الحكم الثاني من قوله: "إياكم والكذب"
ومن فوائد الحديث: فضيلة الصدق وأنة يهدي إلى البر وهو ظاهر من الحديث، والإنسان الصدوق معتبر عند الناس حتى إنه ليبقى ذكره بين الناس وان كان قد مات منذ أمد بعيد.
ومن فوائد الحديث: أن الأعمال الصالحة يقود بعضها إل بعض لقوله: "يهدي إلي البر" وهو كذلك، ووجهة: أن الإنسان إذا صبر على الطاعة تمرن عليها وصارت كالغريزة له وسهل عليه أن يسابق في الخيرات.
ومن فوائد الحديث: إثبات الجنة لقوله: "يهدي إلي الجنة".
ومن فوائد الحديث: أن للجنة أعمالاً توصل إليها، ويُعرف ذلك بالكتاب والسنة.
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان كلما كان صدوقاً متحرياً للصدق كتبه الله تعالى صديقاً، وكما نعلم جميعاً أن الصديقية أعلى مراتب الخلق ما عدا النبوة؛ يعني: يكون في الطبقة الثانية من طبقات الذين أنعم الله عليهم.
ومن فوائد الحديث: التحذير من الكذب لقوله: "وإياكم والكذب".
ومن فوائده: أن عاقبه الكذب وخيمة وهو يؤدي إلي الفجور.
ومن فوائده أيضا: ان الفجور طريق إلى النار كما قال ﷺ : "وإن الفجور يهدي إلي النار".
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان إذا تعودّ الكذب وتحرى الكذب كتب عند الله من الكذابين
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان إذا تحرى الصدق فإنه لا يأثم وإن تبين أنه مخالف للصواب لقوله: "يتحرى"؛ وهذا عام في كل شيء حتى في الأيمان والطلاق وغير ذلك، إذا تبين أن كلامه على خلاف الواقع وهو يظن أنه خلاف الواقع فإنه لا يترتب عليه إثم ولا حكم شرعي، مثال ذلك: رجل طلّق زوجته بناء على أنها كلمت أجنبياً وتبين أنها لم تكلم أجنبياً فلا شيء عليه؛ يعني: لا طلاق عليه، رجل آخر قال: والله ليقدمنّ فلان غداً، يخبر عما في قلبه وعما في ظنه، ثم لم يقدم فلا حنث عليه ولا شيء عليه؛ لأنه بنى على غالب ظنه وظن أن هذا هو الصدق، ومن ذلك أيضا إذا قال لامرأته: إن كلمت فلاناً فأنت طالق، في فكلمت رجلاً يظنه إياه، فقال لها: كلمت من علقت طلاقك عليه أنت طالق، ثم تبين أنها كلمت غيره فإنه لا طلاق عليه.
الهم: ان كل من أخبر بشيء يظنه صدقاً فهو قد تحرى الصدق فلا إثم عليه ولا كفارة
стр. 3414
فيما إذا بان خلاف ظنه، في الكذب نفس الشيء نقول: الإنسان إذا حدث بكذب يعلم أنه كذب أو يغلب على ظنه أنه كذب فإنه واقع في الإثم.
١٤٥٨ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث». متفق عليه
هذا الحديث سبق في باب الترهيب من مساوئ الأخلاق، ولا أدري ما وجه سياقه له مرة أخرى، وهو أيضاً في باب الترغيب في مكارم الأخلاق، لكن لعل المؤلف ﵀ ذهب وهمة حين ذكر: : «إياكم والكذب» وهذا من مساوئ الأخلاق ذكر بعده: «إياكم والطن»، وإلا فالعهد قريب، كونه ﵀ يعيده مع قرب العهد فيه نظر. لكن الظاهر - والله أعلم، أن هذا واقع في هذا المكان على سبيل الوهم.
حقوق الطريق:
١٤٥٩ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله: «إياكم والجلوس على الطرقات. قالوا: يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا نتحدث فيها. فال: فأما إذا أبيتم فأعطوا الطريق حقه. قالوا: وما حقه؟ قال: غض البصر، وكف الأذى, ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر». متفق عليه.
"وإياكم والجلوس" هذا من باب التحذير، وقوله: "على الطرقات" جمع طريق، وهو أخص من الأسواق. لأن الأسواق تشمل الطرق وغير الطرق، أما الطرق فهي للأسواق المسلوكة، وقوله: "الجلوس على الطرقات" يشمل ما إذا كان جالساً وحده أو جالستا مع غيره، فقالوا: يا رسول الله، ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها"، "ما": نافية، و "لنا بد" مبتدأ وخبر، ولا نقول: إنه خبر "ما" أو اسم "ما"؛ لأن ما هنا لا تعمل، لماذا؟ لعدم الترتيب، و "ما" الحجازية لا تعمل إلا إذا تقدم اسمها على خبرها، ومعنى: "ما لا بد" أي: لا مناص لنا ولا مفر من الجلوس، وقالوا ذلك ليس اعتراضيا على تحريم النبي ﷺ من الجلوس على الطرقات، ولكنة بيان للحاجة إلى الجلوس، لعل النبي ﷺ يذكر حالاً أخرى تهون ما أراد، فلما فهم ذلك النبي ﷺ وأنة لابد لهم منها قال: "فإما إذا أبيتم فأعطوا الطريق حقه"، لم يقل: فأما إذا أبيتم فقد عصيتم، لأن الأمر الأول للإرشاد؛ يعني: التحذير الأول للإرشاد، "فإذا أبيتم" أي: امتنعتم "فأعطوا الطريق حقه"، وبهذا علم أن النبي ﷺ حذر من الجلوس على الطرقات خوفاً من عدم إعطاء الطريق حقه،
стр. 3415
ووجه النهي: أن الإنسان إذا جلس على الطرقات فإنه يتعرض للفتنة، قد تمر في الطريق امرأة حسناء فتتعلق نفسه بها، قد يمر رجل معه حاجة لأهله يكره ان يطلع عليه أحد فيطلع عليه هذا الرجل، قد يمر به أعرج أو أعمى أو أبكم أو أصم فيؤدي ذلك إلى الاستهزاء والسخرية به، المهم: أن الجالس على الطريق معرض نفسه لأشياء كثيرة، كذلك أيضاً إدا جلس وحده فإنه عرضة لان ينتهك عرضة؛ لان الناس سيقولون: لماذا هو جالس هنا؟ أهو جاسوس أم هو يترقب النساء أو غير ذلك؟ لهذا حذر النبي ﷺ من الجلوس على الطرقات.
قال: "فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حقه يا رسول الله؟ قال: غض البصر، أن يغض الإنسان بصره عن المارة سواء كان رجلاً أو امرأة، صغيراً أو كبيراً، معه حاجة أم لم يكن معه حاجة، غض البصر ومن مر بك لا تلتفت إليه لا تتبعه بصرك، خلافاً لبعض الناس تجده إدا جلس في الطريق من أول ما يقبل الرجل وعينة به وهو ماشٍ معه حتى يخجله، هذا أساء إلى المارة، كل من يرى أن شخصاً قد ركز عينية فسوف يخجل، وربما إذا أصيب بشيء يقول: هذا الرجل قد عاينني، ولو لم تكن هناك هذه الاحتمالات فإن غض البصر أمر لابد منه.
الثاني: "كف الأذى" القولي والفعلي، القولي: بأن يعيره إذا مر، والفعلي: أن يمد رجله ليعثر بها أو يأخذ حصاة يضعها في طريقة أو غير ذلك، أو إذا مر به وعلية مشلح مثلاً جذب طرف مشلحه، المهم: الأذى يشمل الأذى التولي والأذى الفعلي.
ومن ذلك: أن يقول إذا مر عليه احد: عرفناك يا فلان معك اليوم كذا وكذا من الحاجات، معك لحم، معك خبز، معك كذا، هذه أيضا من الأذية القولية.
"ورد السلام" لم يقل: والسلام، لأن الجالس يسلَّم عليه ولا يسلم، وإذا مر بك أحد سلم، فمن حق الطريق أن ترد ﵇، وقد سبق ذكر كيفية الرد مفصلاً تفصيلاً لا حاجة لإعادته هنا، فإذا لم يسلم فهل من حق الطريق أن أسلم عليه؟ لا، من حق الطريق أن أنصحه وأقول: سلّم يا فلان، فأذا مر بي ولم يسلم قلت: سلم يا فلان.
قال: السلام عليكم هل يجب علي الرد أو لي أن اعذره بترك الرد؟ نقول: رد، وحينئذ تكون قد تألفته بالرد.
"والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وهذا من أهم حق الطريق: الأمر بالمعروف، إذا رأيت ماراً متجاوزاً للمسجد مره وتقول له: يا أخي، أدخل المسجد صل، ولكن أنت جالس على الطريق تنتظر الإقامة والإنسان لا حرج عليه أن يجلس ينتظر الإقامة إذا لم يكن في ذلك مفسدة؛ لأن النبي ﷺ إنما أمر بالسعي إلي الصلاة إذا سمعنا الإقامة، فهذا إنسان مثلاً جالس على الطريق يجلى ينتظر الإقامة فمر به رجل وذهب عن المسجد وهو يعرف أن هذا الرجل
стр. 3416
لن يصلي، فتقول له: يا فلان، ادخل ومن الأمر بالمعروف ما سبقت الإشارة إليه أن تأمره بالسلام إذا لم يلم، والنهي عن المنكر مثل: أن يمر إنسان في الطريق وقد أسبل ثوبه، فهذا منكر من حقه عليك ومن حق الطريق عليك أن تنكر عليه، لكن هل أصرخ في وجهة: يا مسبل، ومعلوم لو قلت هكذا فلن ينظر الله إليك؟ الجواب: لا أقوم معه وأتكلم برفق وأقول: هذا حرام عليك، وكما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ حين رأى شاباً من الأنصار جر ثوبه قال: "يا أبن أخي، ارفع ثوبك فإنه أتقى لربك وأبقى لثوبك" هذه كلها من الحقوق الواجبة.
هناك حقوق أخرى لكنها على سبيل التطوع وهي إعانة المستعين بقوله أو بحاله، مثلاً سيارة مرت بالطريق وتعطلت هذا يحتاج إل مساعدة إما دفع أو أي شيء أخر هذا من حقه، ولكن هذا ليس خاصاً بالطريق أو غيره، إعانة المستعين بمقاله أو حالة هذه من الأمور المطلوبة وهي من حق المسلم على المسلم، هداية الأعمى من حق الطريق، رأيت رجلاً أعمى أتى وتجده يتلمس ولا يهتدي للطريق. فمن حقه أن تهديه إلي الطريق، وأنت في ذلك مأجور، المهم: له حقوق كثيرةء وكان الرسول ﷺ اقتصر على هذه؛ لأنها أمور واجبة.
ما وجه كون هذا الحديث داخلاً في مكارم الأخلاق مع أن فيه التحذير: ٠"إياكم والجلوس"؟ الجواب: إذا قام الإنسان بهذه الحقوق فهي من مكارم الأخلاق.
فإن قال قائل: الأفضل لي أن أبقر في بيتي أو ان أجلس في السوق؟
قلنا: إذا كان يمكنك البقاء في البيت فهو أفضل؛ لأن الصحابة ﵃ إنما أذن لهم حين قالوا: "ما لنا بدٌ من مجالسنا"، أما من كان لا يبالي جلس في السوق أو في بيته فبيته أفضل وأبرأ لذمته؛ لأنه ربما يجلس في الطريق ولا يعطيه حقه، وربما يتهاون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وربما لا يغض البصر، تمر به امرأة جميلة شابة لا يملك نفسه، فبيته أسلم، لكن إذا كان لابد فلابد من إعطاء الطريق حقه.
وإذا جلس في الطريق هل له أن يأكل ويشرب في الطريق؟ هذا حسب العرف، العرف الآن بالإمكان أن يأكل ويشرب، تجدهم على عتبات الدكاكين جالسين يشربون الشاي، وربما يكون معه ما يؤكل من بسكوت أو غيره هذا لا بأس به.
ومن فوائد الحديث: حرص النبس ﷺ على السلامة والبعد عن الفتنة وجهه: التحذير من الجلوس على الطرقات.
стр. 3417
ثانيا: حرص النبي ﷺ على كف الأذى، لأن من الحكمة عند النهي عن الجلوس في الطرقات ألا يتأذى أو يؤذي.
ومن فوائده: جواز مراجعة العالم فيما يقوله، وجهة: أن الصحابة راجعوا النبي ﷺ وهو المطاع في أمره ﷺ ، ومع ذلك راجعوه.
ومن فوائده: أن الإنسان إذا راجع في أمر فإن المشروع في حقه أن يبين العذر والسبب لقولهم، "ما لنا بد من مجالسنا".
ومن فوائد الحديث: حسن خلق الرسول ﷺ ؛ حيث علم أن هذا إباء مفهم لكنة مبرر بالحاجة لقوله: "فأما إذا أبيت"، وهذا لا شك أنه من حسن الخلق، وإلا لأكد عليهم وقال حذرتكم فلا تجلسوا، لكن من حسن خلقه قال هذا.
ومن فوائد الحديث: مراعاة الأحوال، وأن الأحكام قد تختلف بحسب الأحوال؛ حيث قالوا: "ما لنا بدٌ من مجالسنا" فرخص لهم، مثلاً: إذا قلت هذا حرام، ثم رأيت أن من الضرورة أن تحله لهذا الشخص في نطاق الشريعة فلا بأس حلله ولو كنت في الأول حرمته.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا تنازل الإنسان عن مفسدة فلا بد أن يذكر ما تخف به هذه المفسدة أو تزول، وجهة. أنه قال: "إن أبيتم فأعطوا الطريق حقه: حتى تزول المفسدة.
ومن فوائد الحديث: أنه يجب على من جلس على الطرقات أن يغض بصره عن الناس خوفاً من أن يفتتن أو يؤذي غيره. لأنه إن كان الشيء فاتناً فإنه يخشى عليه من الفتنة، وان لم يكن فاتتا فإنه يخشى عليه أن يؤذي غيره،
ومن فوائد الحديث: وجوب كف الأذى على الجالس في الطرقات كغيره، لكن لما كان الجلوس على الطريق مظنة الأذى نص عليه النبي ﷺ في قوله: "وكف الأذى"، وإلا فالأذى واجب كفه على كل حال.
ومن فوائد الحديث: أن من حق الطريق رد السلام لقوله: "ورد السلام".
فإن قال قائل: لو ان المار قال: مرحباً بكم أيها الجلوس فما الجواب؟
الجواب: مرحباً بك أيها المار، قال الله تعالي: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها﴾ [النساء: ٨٦] لكن هنا ينبغي أن يقال له: السنة السلام دون الترحيب، سلم ثم رحب إن شئت.
ومن فوائد الحديث: أنه يجب على الجالس في الطريق ألا يدع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لقوله: "والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
*****
стр. 3418
الترغيب في الفقه:
١٤٦٠ - وعن معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من يرد الله خيراً؛ بفقهه في الدين». متفق عليه.
"من" شرطية، فعل الشرط: "يرد" وهو مجزوم، لكن حُرك بالكسر لالتقاء الساكنين، وجواب الشرط: "يفقه في الدين"؛ يعني: إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين؛ أي: جعله فقيهاً في الدين؛ أي في أحكام الدين؛ وهذا يشمل أحكام الدين العقدية والفرعية التي هي القول والعمل، بل الفقه في الدين المتعلق بأعمال القلوب وأحوال القلوب هو الفقه الأكبر ولهذا سمي أهل العلم العلم بالتوحيد، والعقيدة: الفقه الأكبر؛ لأن الفقه الأصغر الذي هو المتعلق بأفعال المكلفين وسيلة للأكبر المتعلق بذات الله وصفاته؛ فلهذا كان الفقه الأكبر هو معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته.
في هذا الحديث: إثبات الإرادة لله لقوله: "من يرد الله خيراً" وأعلم أن الإرادة نوعان: - أعني: إرادة الله - إرادة شرعية، وإرادة كونية، فالإرادة الكونية هي التي بمعنى المشيئة؛ فقد أراد الله أي: شاء، والإرادة الشرعية هي التي بمعنى المحبة، أراد بمعنى: أحب، هذا الفرق بين حقيقتيهما، أما الفرق بينهما من حيث الحكم والأثر المترتب عليهما: أن الإرادة الكونية لابد من وجود المواد الذي أراده الله يتعين أن يقع ويتعلق فيما يحبه وما لا يحبه، يعني: لا يلزم ان يكون المراد محبوباً إلى الله لكن يلزم من هذه الإرادة الوقوع.
والإرادة الشرعية لا يلزم فيها وقوع المراد، وتختص بما أحب، ولا علاقة لها بما كره، فقول الله ﵎: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥]. هذه شرعية، ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن ليطهركم﴾ [المائدة: ٦]. شرعية، ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها﴾ [الإسراء: ١٦] كونية، ﴿ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد﴾ [البقرة: ٢٥٣]. كونية، إذن فهمتم الفرق.
فإذا قال قائل: هل الله يريد الشر؟
فالجواب أن نقول: أما شرعاً فلا، وأما كوناً فنعم. ولكن اعلم أن الشر الذي يريده الله كوناً هو شر إضافي. وليس شراً محضاً، شر إضافي باعتبار المراد، أما باعتبار إرادة الله له فليس بشر كالجدب والقحط والمرض والصوت والفقر وما أشبه ذلك، هذا شر لكن كون الله يريده خيراً، لا شك أن المطر خير، لكن قد يكون شراً إذا هدم البناء وأغرق صار شراً، لكن هو نسبي، وإلا فالأصل فيه أنه خير، لكن قد يقدر الله فيه هذا الشر لحكمة.
стр. 3419
الفساد في الأرض شر هل يحيه الله؟ لا، وهل يريده كوناً؟
الجواب: نعم ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا﴾ [الروم: ٤١]. ولهذا جاء في الحديث: «تؤمن بالقدر خيره وشره»، وجاء في الحديث: «والشر ليس إليك»، ولا تناقض بينهما؛ لأن الشر في القدر هو في المقدور فقط، أما في التقدير فلا؛ ولهذا بجب علينا ان نرضى بقضاء الله وإن كان المقضي شراً؛ وأما المقدور فعلى حسب الحال نرضى أن الله قدر المعاصي؛ لأنه رب يفعل ما يشاء، لكن لا نرضى بالمعاصي؛ ولهذا أعجبني كلما قالها شيخ الإسلام ﵀ لما ذكر حكم السلف في أهل الكلام، ومن أشد من حكم فيهم الشافعي ﵀ قال: حكمي في أهل الكلام - يعني: الأشعرية والمعتزلة والجهمية - أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في العشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على علم الكلام، عقوبة شديدة؛ يعني: يؤتى بأكبر عالم منهم طويل العمامة كبير الهامة ويطاف به في العشائر والأسواق ويُضرب بالجريد والنعال نكايه به، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة أقبل على علم الكلام، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وهم مستحقون لما قاله الشافعي ﵀ من وجه/ الوجه: مخالفتهم للشرع، فيستحقون التأديب حتى ينكل بهم، لكن من نظر إليهم بعين القدر رق عليهم ورحمهم، مساكين ضلوا، فيرق لهم ويرحمهم، لكن في دين الله لا يرحمهم، قال الله : ﴿الزانية والزانى فاجلدوا كل وحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾ [النور: ٢].
أما من نظر من ناحية القدر فقد يرأف بهم، يقول: مساكين غلبهم الشيطان ولعب بهم، اتبعوا الشهوات فيرق لهم، لكن، لا ترحم أحداً في دين الله رحمة الإنسان في دين الله أن تعاقبه على شريعة الله.
إذن نقول: الإرادة الكونية لابد فيها من وقوع المراد، وتتعلق فيما يحبه الله وما لا يحبه، انظر قول الله تعالي: ﴿ولو شاء الله اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينت ولكن اختلفوا فمنهم من ءامن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولمن الله يفعل ما يريد﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وهو لا يريد القتال، لكن لابد أن يقع مراده - جل وعلا.
الإرادة الشرعية تتعلق بما أحبه، ولا يلزم منها وقوع المراد، فالله يريد منا أن نستقيم وأن نقيم الصلاة ونؤتي الزكاة ونطيعه في كل ما أمر يريد منا ذلك إرادة شرعية، لكن هل كل واحد منا فعل ذلك؟ الجواب: لا.
стр. 3420
في هذا الحديث من الفوائد: إثبات الإرادة لله وأنه يفعل ما يريد لقوله: "من يرد الله به خيراً يفقهه".
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان ينبغي له أن يتعرض للخير بالتفقه في دين الله؛ لأن كل إنسان يحب أن يريد الله به خيراً، فنقول: الوسيلة والطريق هو أن تتفقه في دين الله.
ومن فوائد الحديث: الحث على التفقه في الدين؛ لأنه وسيلة إلي هذا الخير الذي يريده الله .
ومن فوائد الحديث: أن لإرادة الله تعالى علامات ظاهرة، فمن علامة الخير: أن يفقه في الدين.
ومن فوائد الحديث: أن الفقه في غير الدين لا يُحمد ولا يُذم، يعني: كالعلم بالصنائع وغيرها هذا لا يحمد ولا يذم، بل إن كان وسيلة لمحمود كان محموداً، وإن كان وسيلة لغير المحمود لم كن محموداً؛ ولهذا نقول: المفهوم في قوله: "في الدين" لا عموم له.
هل يؤخذ من الحديث: أن من لم يفقه الله في الدين لم يُرد به خيراً؟ هذا مفهوم الحديث، ولكن فيه تفصيل؛ أما الخير المطلق فلا شك أن من حرم الفقه ني الدين فإنه محروم منه، وأما بعض الخير فقد يكون من شخص لم يتفقه في الدين، هذا إن صح هذا التعبير، وإلا فلا أظن أحداً يفعل الخير في دين الله إلا وقد كان فيه فقيهاً؛ إذ لولا فقهه إياه ما عمل به، وعلى هذا فالخير المطلق إنما يكون لمن فقه في دين الله، والخير غير المطلق يكون لمن توسع ني الفقه ولم يقتصر فقهه في دين الله .
ومن فوائد الحديث: البشارة العظيمة لمن رزقه الله الفقه في الدين وهي أن الله أراد به خيراً. فيكون هذا داخلاً في قوله تعالى: ﴿لهم البشرى في الحيوة الدنيا وفى الأخرة﴾ [يونس: ٦٤]. فإذا رأيت الله قد منَّ عليك بالفقه في دينه فاعلم أن الله أراد بك خيراً.
لكن قد يقول قائل: إننا نرى بعض العلماء عندهم علم بالفقه العقدي والعلمي ومع ذلك هم على جانب كبير من المعاصي والفسوق.
نقول: هؤلاء ليسوا فقهاء، بل هم قراء، وهناك فرق بين الفقيه والقارئ؛ ولهذا قال ابن مسعود: كيف بكم إذا كثر قراؤكم وقل فقهاؤكم، الفقيه في الدين هو الذي يعلم الأحكام وأسرار الشريعة وحكمها، ويعبد الله بمقتضاها، وإلا فليس بفقيه.
****
стр. 3421
الترغيب في حسن الخلق:
١٤٦١ - وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله: «ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق». أخرجه أبو داود، والترمذي وصححه.
ما الذي رفع "أثقل"؟ الذي رفعها: "أن من" في قوله: "من شيء" حرف جر زائد، وعلى هذا يكون التقدير: ما شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق.
وإذا أخذنا بظاهر الحديث فإنه يبقى مشكلاً؛ لأن كلمة التوحيد أثقل ما يكون في الميزان كما في حديث صاحب البطاقة الذي أخرج له يوم القيامة سجلات كثيرة من الذنوب ثم وزنت بلا إله إلا الله فرجحت بها لا إله إلا الله فكيف يمكن الجمع بين هذا وما جاء في هذا الحديث؟ الجواب: أولاً: إن صح هذا الحديث فإن قول: "لا إله إلا الله" من توحيد الله، بل هي توحيد الله، ولا شك ان اعتقاد مقتضاها من حسن الخلق؛ لأن حسن الخلق لا يراد به أن يكون الإنسان مع الناس واسع الصدر منطلق الوجه فقط، ليس الأمر كذلك، إنما حسن الخلق يشمل حسن الخلق مع الله ومع عباد الله، ومع ذلك يبقى في هذا الجواب إشكال؛ لأننا إذا قلنا: إن حسن الخلق هو حسن الخلق مع الله ومع عباد الله شمل الدين كله، وحينئذ ليس هناك شيء أثقل من شيء، فالحديث مشكل، ولهذا لابد أن يخرجه لنا أحد منكم.
على كل حال: حسن الخلق أمر مطلوب، والمقصود بالخلق الحسن، أو حسن الخلق: هو أن يكون الإنسان دائماً راضياً، فهو إذا كان عنده حسن خلق يصبر على الأذى ويتحمل المشاق ويأخذ بالعفو كما قال الله : ﴿خذ العفو وأمر بالمعروف﴾ [الأعراف: ١٩٩] يعنى: خ ما ظهر من الناس وما حصل من أخلاقهم ولا تكلفهم الكمال؛ لأن من أراد الكمال حرم الكمال.
الترغيب في الحياء:
١٤٦٢ - وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله: «الحياء من الإيمان» متفق عليه.
الحياء: صفة خلقية تعتري الإنسان، ولا يستطيع أن يعبر عنها تعبيراً يكون تفسيراً لحقيقتها، ولكنها تعرف بآثارها، فهي: خلق يعتري الإنسان يمنعه أن يتكلم أو يفتل ما يخجل منه وما يوبخ عليه، وهو من الإيمان؛ لقول النبي ﷺ : «الإيمان بضع وستون شعبة أعلاها: قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان»
стр. 3422
وهنا قال: «الحياء من الإيمان» من هنا للتبعيض، أي: بعض من كل، ثم اعلم أن الحياء يكون من المخلوق ويكون من الخالق، فالحياء من الخالق: أن تستحيي من الله أن يفقدك حيث أمرك، أو ان يراك حيث نهاك، وعلى هذا التفسير فإن الحياء يستلزم القيام بالمأمور واجتناب المحذور، أمرك الله أن تزكي فلم تزك، استحي من الله نهاك أن تشرب الخمر فشربته. نقول. استحي من الله. كيف يراك الله حيث نهاك. وكيف يفقدك حيث أمرك! ! هذا الحياء من الله وهو يستلزم القيام بأوامر الله واجتاب نواهيه، أما الحياء من المخلوق فهو آن يتجنب الإنسان كل آمر يعاب عليه ويذم عليه. وهذا عائد الى المروءة، تجد بعض الناس لا يستحيي ولا يبالي ان يخرج على الناس بصفة مكروهة أو بصفة مرغوبة سواء حصل ذلك على وجه يخالف العادة أو على وجه لا يخالف العادة، حصل علن وجه تكون به الشهرة وعلى وجه لا تكون به الشهرة. يخرج مثلاً في أي هيئة تكون عليه لباسه، وفي أي حال من أحواله لا يبالي بالهيئة ولا بالأحوال! لكن العسر لا يمكن ان يأتي خصلة يذمه الناس عليها ويعيبونه بها.
ثم اعلم ان من الحياء، ما يظن أنه منه وليس كذلك، بعض الناس يستحي أن يسأل عما يجب السؤال عنه وهذا ليس حياة ولكنة خور، فالحياء من الحق خور وجبن وعدم قدرة على الانتفاع بذلك الحق، وبهذا قال الله تعالى: ﴿فإذا طمعتم فانتشروا ولا مستئين لحديث إن ذلكم كان يؤدي النبي فيستحى منكم والله لا يستحى من الحق﴾ [الأحزاب: ٥٣]. وقال تعالى: ﴿وإن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضه﴾ [البقرة: ٢٦]. وقالت: أم سليم - وقد سألت النبي ﷺ عما يتعلق بطهارتها - يا رسول الله، ان الله لا يستحيي من الحق فهل على المرأة من الغسل إذا احتلمت، فالحياء الذي يمنعك من قول الحق أو طلب الحق هذا نسميه خوراً وجنباً، ليس حياء، لا تستحي من الحق، لا تقل: أنا أستحي أن أسأل هذا السؤال؛ لأنني أخشى أن يكون سهلاً، فيقول الناس: هذا طالب علم ضعيف، أو أخشى أن يكون صعباً، فيقال: هذا متعنت، وهذا يريد الإعنات والإشقاق على المسئول، إذا كان الأمر لابد منه فلابد أن نسأل ولا نهتم.
إذن الحياء من الأيمان سواء مع الله أو مع الخلق، لكن هناك ما يظن انه حياء وليس بحياء، وهو الحياء من الحق، فإن هذا ليس حياء محموداً بل هو خور وجبن مذموم.
стр. 3423
١٤٦٣ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستبح، فاصنع ما شئت» أخرجه البخاري.
"إن مما"، "من" هنا للتبعيض و "ما" اسم موصول؛ أي: إن من الذي أدرك الناس، وقوله: "الناس" المراد به: أهل الجاهلية إلى وقت البعثة، هذه الكلمة العظيمة: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت"، وقوله: "من كلام النبوة الأولى"، "الأولى" مؤنث أول، فيكون ظاهر الحديث أن هذه الكلمة من أول النبوات، أي: أنها متوارثة من جميع الأنبياء: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت"، والأمر هنا للإباحة أو للتهديد؛ وذلك بناء على معنى قوله: "إذا لم تستح"، هل المعني: إذا لم يكن بك حياء فاصنع ما شئت، أو المعنى: إذا لم تأت فعلاً يستحيا منه فاصنع ما شئت؟ الحديث يحتمل المعنيين، المعنى الأول: أنه إذا لم يكن بك حياء فإنك سوف تصنع ما شئت ولا تبالي، المعنى الثاني: إذا أردت فعل شيء أو قول شيء لم يستحيا منه فافعله، فعلى الأول يكون الأمر هنا للتوبيخ، وإن شئت فقل: إنه أمر بمعنى الخبر؛ أي: إذا لم يكن بك حياء صنعت ما شئت، وعلى الثاني يكون الأمر للإباحة، يعي: إذا أردت ان تفعل فعلاً لا يستحيا منه فاصنعه ولا تبال، وعلى كل حال: فإنه يدل على فوائد هو والذي قبلة.
من فوائد الحديثين: أولاً: ان الإيمان له خصال متعددة، وجه ذلك: قوله: "الحياء من الإيمان"، و "من" للتبعيض.
ومن فوائد الحديث: الحث على الحياء. له من ما لم يكن خوراً أو جبناً.
ومن فوائد ذلك: أن الإيمان له أثار حميدة ومنها الحياء، فإن الحياء خلق محمود عنه كل الناس وهو من آثار الإيمان.
أما الحديث الثاني ففيه: أن الناس قد يتوارثون كلمة حق من النبوات السابقة. لقوله: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأول".
ومنها: أن الكلمات المتوارثة إذا كانت حقاً فإنه ينبغي العناية بها؛ لأن إقرار الرسول ﷺ إياها لا شك أنه من العناية بها.
ومن فوائد الحديث: ان الفعل إذا كان لا يستحيا منه فإنك تصنعه ولا تبالي، لكن هل هذا على إطلاقه أو يقال: هو مباح، ثم المباح قد يكون من الحسن أن يفعل، وقد يكون من الحسن ألا يفعل، فهو على حسب ما تقتضيه الحال؟ الثاني؛ لأن المباح ليس معناه أنه مطلق، بل قد يكون المباح واجباً، وقد يكون حراماً، وقد يكون مكروها، وقد يكون مستحثاً فهو على حسب ما يوصل إليه.
стр. 3424
ومن فوائد الحديث: أن الذي لا يستحي - بناء على الوجه الثاني في المعنى - يصنع ما يشاء ولا يبالي بالناس، وهذا لا شك أنه ذم، فيستفاد منه: أنه ينبغي للإنسان مراعاة الناس وألا يفعل ما يستحيا منه بينهم، أرأيت مدّ الرجل في المجالس هل هو مما يستحيا منه؟ نعم، لاسيما في المجتمع المسلم، لو مد الإنسان وجله فإن الجالسين حوله سيقولون: إن هذا لا يستحي؛ لان الذي لا يستحيي يصنع ما شاء، رجل يكلم الناس وهو معرض عنهم! هذا أيضاً لا يستحيي، وهذا الثاني فيه نوع من الكبر، فالمهم: أن هذا لا يحتاج لأمثلة لوضوحه.
ومن فوائد الحديث: أن الأمر قد يأتي بمعنى الخبر على أحد الوجهين في تغير الحديث، وهو قوله: "فاصنع ما شئت"، والأمر يأتي بمعنى الخبر في اللغة العربية، وقوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا للذين امنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطيكم﴾ [العنكبوت: ١٢]. هذا ليس أمراً ولكنة خبر، أي: ونحن نحمل خطاياكم، إلا أنه خبر مؤكد حيث جاء بصيغة الأمر.
الترغيب فى القوة في الدين:
١٤٦٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المؤمن القوي خير وأحب إلي الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان». أخرجة مسلم.
"المؤمن القوي" في إيمانه. وإنما اخترنا ذلك لئلا يقول قائل: إن المواد به: المؤمن القوي في بدنه وليس كذلك، بل الصحيح أن المواد في الحديث: المؤمن القوي في إيمانه، لأن الوصف يعود على ما سبق، وما سبق اسم مشتق وهو "المؤمن"، لو قال: الرجل القوي لربما نقول: إن المراد القوي في جسمه، كما يمكن أن نقول: القوي في الرجولة، لكن إذا قال: المؤمن فهو وصف، فيكون الوصف الذي وصف به هذا عائداً عليه، يعني: المؤمن القوي في إيمانه، أي: في إيمانه في قلبه، وكلمة قوي الإيمان في القلب كثرت الأعمال الصالحة: لأن الإيمان يحمل صاحبة على الهدي.
"خير وأحب إلي الله من المؤمن الضعيف"، فذكر في المؤمن القوي خصلتين عظيمتين الأولى: أنه خير من ضده، والثاني: أنه أحب إلى الله "من المؤمن الضعيف" يعني: في إيمانه، ولا شك أن الناس يختلفون في الإيمان قوة وضعفاً، وقوله: "وفي كل خير" هذه الجملة فيها احتراز؛ لأنه لما قال: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف" قد تهون قيمة
стр. 3425
المؤمن الضعيف عند الإنسان، فقال: "وفي كل خير"، ولهذا نظائر منها قوله تعالى: ﴿ولا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقتل أولئك أعظم درجة من الذين انفقوا من بعد وقتلوا﴾ فذكر هنا مفضلاً ومفضلاً عليه ربما يكون في النفوس أن المفضل عليه نازل المرتبة، فقال بعد ذلك: ﴿وكلا وعد الله الحسنى﴾ [النساء: ٩٥].
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وداود وسليمن إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غني القوم وكنا لحكمهم شهدين (٧٨) ففهمنها سليمن﴾ أثني على سليمان بأن الله فهمه الحكم الصحيح الموافق للصواب، ثم قال: ﴿وكلا ءايتنا حكماً وعلماً﴾ [الأنبياء: ٧٨، ٧٩]. لأن هذا الاحتراز ضروري، لأنه إذا قال فهمناها سليمان وبما يفهم السامع أن ذلك يعني: حجبناها عن داود، فقد يكون في قلب الإنسان تنقص لداود ﵊، فقال: "المؤمن القوي خير وأحب إلي الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير"، لئلا يظن الظان أن المؤمن الضعيف لا قيمة له، وقوله: "وفي كل خير" يعني: كل مؤمن فيه الخير.
"احرص عن ما ينفعك"، "احرص" بكسر الراء، وحرص يفتح الراء، وأظنه فيها لغة لكنها قليلة: حرص، لكن المشهور حرص بالفتح، قال الله تعالى: ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾ [يوسف: ١٠٣]. وقال تعالة: ﴿إن تحرص على هداهم﴾ [النحل: ٣٧]. فهنا فعل الأمر هل تبع الماضي أو المضارع؟ المضارع؛ إذ لو تبع الماضي لقال: احرص، وذلك للقاعدة النحوية التي تقول: إن فعل الأمر فعل مضارع مجزوم حذف منه أداة الجرم وحرف المضارعة، وهذا يفيدك فيما لو قلت: صغ فعل أمر من نام ماذا نقول؟ نم وليس نم، طبقها على القاعدة تقول: لم ينم، لو حذفت لم ثم ياء المضارعة تبقى نم، كيف تصوغ فعل الأمر من خاف؟ خف الله، نقول: لم يخف الله، احذف لم ثم الياء صارت خف، صغ فعل أمر من رأي، تقول: رء؛ لأنك تقول: لم يرء، احدف لم، ثم احذف الياء، رء، صغ فعل أمر من وقى؟ ق هذه خرجت عن بنية الكلمة. لأنك تقول: لم يق، احذف لم وياء المضارع تبقى ق، هذا ضابط مفيد للإنسان، يقول الإنسان: فعل الأمر من خاف خف يا فلان، نقول: هذا غلط الصواب أن نقول: خف؛ لأن فعل الأمر مضارع حذف منه أداة الجرم وياء المضارعة.
إذن نقول: احرص ولا نقول: احرص على ما ينفعك في الدين، وفي الدنيا والأشياء ثلاثة: نافع وضار، وما لا نفع فيه ولا ضر، فما اله ي يؤمر الإنسان بالحرص عليه؟ هو النافع، أما الضار فينهى عنه؛ وأما ما لا نفع فيه ولا ضرر فلا يؤمر به، وينظر ما نتيجته قد تكون خيراً وقد تكون شراً، وقول النبي ﷺ : "احرص على ما ينفعك" هذا مما لك به قدرة، ولكن هل تعتمد على نفسك؟ لا، ولهذا قال: "واستعن بالله" لا تعتمد على نفسك، قال الشاعر: [الطويل]
стр. 3426
(إذا لم يكن هون من الله للفتى .... فأكثر ما يجني عليه اجتهاده)
استعن بالله مع الحرص، ويفهم منه ان الإنسان مطالب بأن يبذل ما هو في استطاعته وهو الحرص، ويفوض الأمر إلي الله فيما لا يستطيع، وهذا هو الاستعانة بالله.
وقوله: "ولا تعجز" ليس معناه: ولا يكن فيك عجز؛ لأن المعجز ليس بقدرة الإنسان، فقد يمرض الإنسان ويعجز وقد يشق عليا الشيء ويعجز عنه، لكن المراد بقوله: "لا تعجز": لا تكسل، فتفعل فعل العاجز؛ لأن الإنسان إذا كسل تراخى عن الفعل ومار فعلة فعل العاجز، فأمر الرسول ﷺ بثلاثة أمور: الحرص، والاستعانة، وعدم الملل والكسل، وكل ذلك داخل في قوله: "ولا تعجز".
وإن أصابك شيء" يعني: بعد أن تبذل ما تستطع بعد الحرص والاستعانة بالله والثبات على الأمر، "إن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا"، الإنسان يؤمر بالشيء ثم بعد أن يؤمر بالشيء يكل الأمر إلى الله، إذا فعلت ما يلزمك من الحرص على الناقع والاستعانة بالله والثبات على الأمر ثم اختلفت الأمور فهل تلام، لا تلام، حينئذ فوض الأمر إلى الله، أما أن تفرض الأمر إلى الله بدون أن تفعل الأسباب فهذا لا شك أنه خطأ، افعل الأسباب كلها، ثم إذا كانت الأمور على خلاف ما تريد فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، لا تقل هذا؛ لأن الله لو أراد ذلك لفعلته، ولكن الله لم يرد، ولا يمكن تغيير ما كان عما كان؛ أي: لا يمكن رفعه، ولكن يمكن مداواته، "ولكن: قل: قدر الله وما شاء فعل"، تربية نفسية عظيمة ورضا بالقدر ما فوقه شيء، "قل: قدر الله" "قدر" تروى بوجهين: الأول: بتشديد الدال وفتح القاف يكون المعنى: قدر الله؛ أي: قل: قدر الله ذلك وليس بإرادتك وما شاء فعل، الوجه الثاني - وهو أولى - قدر الله أي: هذا قدر الله، هذا الذي وقع قدر الله وليس باختياري، "وما شاء فعل" هذه جملة شرطية فإن "ما" هنا اسم شرط، وفعل الشرط: "شاء"، وجواب الشرط: "فعل"؛ أي: أي شيء يشاؤه الله فلابد أن يفعله.
هذا الحديث فيه: حث على مكارم الأخلاق، أولاً: قوله: "لو تفتح عمل الشيطان" أي: فإن قول الإنسان "لو" في الأمر المقدر تفتح عمل الشيطان، فما هو عمل الشيطان؟ عمل الشيطان ما يحدثه في قلب الإنسان من الندم والحسرة، وهي لا تفيد؛ لأن ما وقع لا يمكن رفعه.
ففي هذا الحديث فوائد منها: أن الأيمان يتفاوت، يؤخذ ذلك من قوله: "المؤمن القوي خير وأحب، إلى الله من المؤمن الضعيف"، فإن قال الإنسان: بماذا يتفاوت الإيمان؟ قلنا: يتفاوت بأسباب متعددة؛ أولاً: يتفاوت باليقين، فبعض الناس يكون إيمانه إيمان يقين كأنما يرى الجنة
стр. 3427
والنار واليوم الآخر، بل قد قال الرسول ﷺ : "أن تعبد الله كأنك تراه"، وهذا أعلى ما يكون من درجات اليقين هذا من الأسباب، وهل لهذا - أي: زيادة اليقين - دليل على أنه ربما يزداد وينقص؟ نقول: نعم فيه دليل من القرآن: ﴿وإذ قال إبرهيم رب أرني كيف تحيى الموتي قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى﴾ [البقرة: ٢٦٠] أي: ليزداد ثباتاً، وله دليل من الواقع أيضاً، فمثلاً: إذا أتاك رجل ثقة بحبر تثق بخبزه لصدقه وأمانته وإدراكه الأمور على ما هي عليه أتاك بخبر صار عندك إيمان، أتاك رجل آخر بنفس الخبر فيزداد الأيمان، وكلما كثرت طرق الخبر ازداد الإنسان قوة، كذلك أيضاً يقوى الإيمان بكثرة اللجوء إلي الله ، بمعنى: أن يكون قلبك دائماً متعلقا بالله، إن ذكرت الله تذكره في قلبك قبل ان تذكره بلسانك، إن تركت شيئاً لله تذكر الله تعالى بقلبك قبل أن تتركه، وهكذا يكون قلبك دائماً مع الله، حتى في لبس الثوب، تذكر أن الله هو الذي أنعم به عليك ويسره لك، وكذلك الأكل والشرب والنكاح والمسكن، كل ذلك اذكر الله يزداد بذلك اليقين، مما يزيد اليقين: العمل الصالح. لقوله تعالى: ﴿والذين اهتدوا زادهم هدى وءاتهم تقواهم﴾ [محمد: ١٧]. وكلما كثر العمل الصالح ازداد الإيمان قوة، ولهذا يقال: إن الأعمال الصالحة بمنزلة الماء للشجرة كلما أكثرت من سقيها ازدادت نمواً وحياة.
ومن فوائد الحديث: إثبات تفاضل الناس حسب قوة إيمانهم، يؤخذ ذلك من قوله: "خير"، هذا عائد على المؤمن.
ومن فوائد الحديث: إثبات محبة الله لقوله: "أحب إلى الله"
ومن فوائده أيضاً: أن محبة الله تعالى تتفاوت بحسب أعمال العبد؛ لأن الله علق زيادة المحبة بقوة الإيمان.
ومن فوائد الحديث: حسن التعبير في حطاب النبي ﷺ كما هو في كلام الله لقوله: "وفي كل خير".
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان إذا أراد أن يفاضل بين شخصين وفي كل منهما خير أن يذكر الخير في الجميع حتى لا تهبط قيمة الأخر من قلوب الناس.
ومن فوائد الحديث: إرشاد النبي ﷺ إلى الحرص على ما ينفع؛ لقوله: "احرص على ما ينفعك" وهو لما قلنا في الشرح شامل لما ينفع في الدين أو في الدنيا.
ومن فوائد الحديث: أنه لا ينبغي للإنسان أن يحرص على ما لا نفع فيه، يؤخذ ذلك من قوله: "على ما ينفعك" يعنى: وأما ما لا ينفعك فلا تحرص عليه، ولكن هل يجوز ذلك أن تمارسه أولاً؟ ينظر، فإن كان شيئاً محرماً فإنه لا يجوز، وان كان لغواً فإن الأولى حفظ النفس واللسان عنة.
стр. 3428
ومن فوائد الحديث: وجوب الاستعانة بالله مع فعل الأسباب، أين السبب؟ قوله: "احرص على ما ينفعك"، الاستعانة "واستعن بالله".
ومن فوائده: أن فعل الأسباب مقدم على التوكل والاستعانة؛ لأنه قال "احرص" "واستعن".
فإن قال قائل: لا نسلم لهذه الفائدة؛ لأن الواو لا تقتضي الترتيب.
قلنا: نعم هي لا تقتفي لكنها لا تنافي الترتيب؛ ولهذا قال النبي ﷺ فى قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البقرة: ١٥٨]. قال حين دنا من الصفا: "أبدأ بما بدأ الله به"، قررنا أن الفعل يتقدم على الاستعانة لئلا يكون الإنسان متواكلاً لا متكلاً، يعني: لو قدم الاستعانة بالله على شيء لم يفعله فإنه لا يستقيم ولكن يقال: الأولى أن تكون الاستعانة مقارنة للفعل، بمعنى: أنه من حين أن يقوم بالفعل ينوي الاستعانة بالله لئلا يعجب بنفسه في أول الفعل، فالاستعانة - إذن - إما أن تسبق أو تتأخر أو تقارن، فأيهما المطلوب؟ المقارنة.
ومن فوائد الحديث: أنك إذا حرصت على ما ينفعك فلا تستعن يغير الله، نعم يقال: إنك إذا استعنت بغير الله فغيه تفصيل: إن كان لا تمكن الاستعانة به كما لو كان ميتاً أو غائباً فهذا لا يجوز، وهو من الشرك، وأن كان تمكن الاستعانة به فهذا دخل في قوله: "احرص على ما ينفعك"، فيكون من السبب، والاستعانة إنما هي لله .
ومن فوائد الحديث: النهي عن الكسل والخمول، وهو يستلزم الثبات والاستمرار، يؤخذ من قوله: "لا تعجز" أي: لا تفتر عن العمل، وتترك العمل بل اثبت واستمر، ولهذا قال الله : ﴿يأيها الذين امنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلم تفلحون﴾ [الأنفال: ٤٥].
ومن فوائد الحديث: ان الإنسان إذا فعل ما يلزمه من الأسباب النافعة واستعان بالله ثم صار الأمر على خلاف ما أراد، فهنا يجب عليه التفويض المطلق، وإلا فالواجب أن يفعل السبب، فمثلاً: لو إن أناساً يقاتلون عدواً ونفدت أجهزة القتال معهم أو تكسرت فهنا. ما بقي عليهم إلا التفويض الى الله ، يفوضون تماماً؛ لأنهم ما يستطيعون أن يفعلوا الأسباب، أما مع إمكان فعل الأسباب فإن الواجب فعل السبب؛ ولهذا نقول: إن من الاستهتار أن يذهب إنسان يقاتل بعصاه آو بسكين مطبخه مع أناس يقاتلونه بالدبابات والرشاشات ويقول: أنا متوكل على الله! ! هذا غلط، نعم لو أنك حوصرت ولم تستطع الفرار حينئذ قاتل ما استعطت بأي سلاح معك.
стр. 3429
ومن فوائد الحديث: النهى عن قول: "لو" يعنى: إذا فعلت الأسباب ولكن لم يحصل المقصود لا تقل: لو، وكما تعلمون أن الحديث يدل على ان النهي عن قول: "لو" إنما هو ني هذه الصورة المعية، وهي أن يكون الإنسان قد حرص على ما ينفع وبذل الأسباب واستعان بالله ثم اختلفت الأمور، منها لا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا مثال ذلك: رجل سافر إلي مكة لأداء العمرة واستعان بالله ، ثم أصيب بحادث قي أثناء الطريق فهل له أن يقول: لو أني ما سافرت لسلمت؟ لا؛ لأن الرجل ما ذهب ليصاب بالحادث، إنما ذهب لفعل ينفعه مستعينا بربه مستمراً على ما أراد، فحصل الأمر على خلاف المراد، فحينئذ يفوض الأمر إلى الله ولا يقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، وأما استعمال لو من حيث هو ففيه تفصيل: إن استعملت لمجرد الخبر فهي جائزة وليس فيها شيء مثل: أن تقول لصاحبك: لو جئتني لأكرمك، هذا ليس فيه شيء، بل خبر محض ومنه قول الرسول ﷺ "لو استقبلت من أمر ما استدبرت ما سقت الهدي"، الثاني: أن يقولها - أي: له - للتمني، فهذا على حسب ما تمناه، مثل أن يقول: لو أن لي مثل مال فلان لعلمت فيه مثل عمله، فهذا الذي تمناه إن كان خيراً فقول: "لو" خير وإن كان شراً فقول: "لو" شر، الثالث: أن يقولها على سبيل التحسر والندم، فهذه منهيٌ عنها كما في هذا الحديث.
ومن فوائد الحديث: أن قدر الله ٠ ﵎ ٠ فوق كل الأسباب، وأنها قد تأتي الأسباب تامة؛ ولكن قدر الله يحول بينها وبين مسبباتها؛ لقوله: "ولكت قل قدر الله".
ومن فوائد الحديث: إثبات القدر، وأنه سابق لإرادات كل مريد؛ لقوله: "ولكن قل قدر الله"/ وهل القول هنا باللسان ـو باللسان والقلب؟ باللسان والقلب.
ومن فوائد الحديث: إثبات الهيئة لله وإثبات الفعل؛ لقوله: "وما شاء فعل"، واثبات الفعل لله هو الذي عليه أهل السنة والجماعة، فهم يثبتون لله الأفعال الاختيارية ويقولون: إن الله يفعل ما يشاء، والذين ينكرون الأفعال الاختيارية يقولون: لو قام بالرب فعل لكان حادثاً؛ لأن الفعل حادث، والحادث لا يقوم إلا بحادث، فيقال لهم: من قال لكم هذا بل قيام الأفعال بالله تدل على كماله، وأنة يفعل ما يريد ويرزق، ويحيي ويميت ويعز ويذل، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل.
ومن فوائد الحديث: أن الشيطان قد يسلط على الإنسان لقوله: "فإن لو تفتح عمل الشيطان"، ولا شك أن الشيطان يسلط على المرء في إدخال الأحزان عليه وإدخال التحسر عليه وتشتيته في أمور لا أصل لها وتخيله أموراً لا حقيقة لها، كل ذلك من أجل إدخال الحزن على الإنسان، وإلي هذا يشير قوله تعالى: (إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين امنوا وليس
стр. 3430
بضارهم شيئاً﴾ [المجادلة: ١٠]. ومنه: الحلم في المنام, فقد يرى الشيطان حلماً يكدره وينغص عليه حياته ويأتيه التعبير من كل وجه يكدره في نفسه, وكل هذا من الشيطان.
ومن فوائد الحديث: بيان شدة عداوة الشيطان للإنسان حيث يفتح عليه باب اللو.
الترغيب في التواضع:
١٤٦٥ - وعن عياض بن حمار ﵁ قال: قال رسول الله: «إن الله أوحى إلىَّ أن تواضعوا, حتى لا يبغي أحد على أحدٍ, ولا يفخر أحد على أحدٍ». أخرجه مسلم.
الوحي في اللغة: الإعلام, وفي الشرع: هو إعلام بالشرع يوحيه الله إلى نبي من الأنبياء أو إلى رسول من الرسل, وقد يكون إلهاماً كقوله تعالى: ﴿وأوحي ربك إلى النخل﴾ [النحل: ٦٨].
وكقوله تعالى: ﴿وأوحينا إلى أم موسى﴾ [القصص: ٧]. فإن هذا ليس الوحي المراد بمثل هذا الحديث, بل هذا وحي إلهام.
«إن الله أوحى إلىَ أن تواضعوا» , هل يوجد آية بهذا المعنى في القرآن؟ نعم, وهو قوله تعالى: ﴿ولا تصعر خدك للناس﴾ [لقمان: ١٨].
وقوله: «حتى لا يبغي أحد على أحد» هذا النهي عن البغي أيضًا موجود, كما في قول الله ﵎: ﴿إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق﴾ [الشورى: ٤٢]. وقال تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق﴾ [لأعراف: ٣٣]. وقد يقول القائل: «إن الله أوحى إلىَ» هذا الحديث نفسه يكون هذا من الأحاديث التي أوحاها الله تعالى إلى الرسول ﷺ وحياً خاصاً.
وقوله: «حتى لا يبغي أحد على أحد» يعني: لا يعتدي عليه, وهذا اعتداء بالفعل, «ولا يفخر أحد على أحد» هذا اعتداء بالقول, وذلك بأن يقول مثلاً: أنا خير منك, أنت من القبيلة الفلانية, وغير ذلك.
في هذا الحديث فوائد: منها: الحث على التواضع وهو من الخلق الحسن.
وفيه أيضًا: النهي عن البغي والنهي عن الفخر.
ومن فوائد الحديث: إثبات الوحي للرسول ﷺ من الله لقوله: «إن الله أوحى إليَ» وهذا أمر لا إشكال فيه, لكن نريد أن نأخذ الفائدة.
ومن فوائد الحديث: العناية بما تضمنه من الأخلاق؛ لأن كون الرسول يعبر بهذا التعبير مع أنه ليس من عادته يدل على العناية بهذا الخلق الحميد.
стр. 3431
فإن قال قائل: إذا كان التواضع يخشى منه الإنسان أن يذل نفسه.
قلنا: هذا من إيحاء الشيطان؛ لأن النبي ﷺ قال: «من تواضع لله رفعه».
فإن قال قائل: رجل مبتدع يجادلني هل أتواضع له في المجادلة أم أشعره بأني فوقه في ذلك؟
الجواب: الثاني؛ لأنه لا يمكن أن تقضي عليه إلا إذا أشعرته أنك أقوى منه فإذا شعر أنك أقوى منه, حينئذ تغلبه.
فضل من رد عن عرض أخيه:
١٤٦٦ - وعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي قال: «من رد عن عرض أخيه بالغيب؛ رد الله عن وجهه النار يوم القيامة». أخرجه الترمذي, وحسنه.
-ولأحمد, من حديث أسماء بنت يزيد نحوه.
قوله: «من رد عرض أخيه» أي: سمع شخصاً يغتاب أخاه, فرد عن عرضه لكن بحق, بأن يقول: إن فلاناً لم يقل كذا, وإن هذا كذب عليه وما أشبه ذلك, فإن الله تعالى يرد عن وجهه النار يوم القيامة جزاء وفاقاً.
ففي هذا الحديث: الحث على الرد عن عرض أخيك, وهذا يحتاج إلى تفصيل فإنه إذا كان الرجل الذي جعل الناس يتحدثون به صاحب بدعة أو صاحب فكر منحرف وذكر في المجلس فلا ترد عنه؛ لأن هذا كذب, إذ إن هذا المبتدع وصاحب الفكر المنحرف ليس له عرض فيما كان يذهب إليه فلا ترد عن عرضه, قد يكون من المستحسن أن تزيد في ذلك وأن تبين خطأه في بدعته أو انحرافه في منهجه.
ومن فوائد الحديث: أن الرد المحمود إذا كان بالغيب, أي: في حال غيبة أخيك أما في حال حضوره فإنه لا ينال هذا الثواب؛ لماذا؟ لأنه قد يرد عن عرض أخيه رياء ومنة على هذا الشخص لكن إذا كان في غيبته دل ذلك على أن الرجل كان سليماً.
فإن قال قائل: إذا أراد شخص أن ينتهك عرض أخيك مع حضوره فهل يجب عليك أن ترد عنه؟
نعم؛ لأن هذا من باب إعانة المسلم على من يريد إذلاله واحتقاره.
ومن فوائد الحديث: أن الجزاء من جنس العمل, لأن هذا رد عن عرض أخيه فرد الله عن وجهه النار يوم القيامة.
стр. 3432
ومن فوائد الحديث: إثبات النار وإثبات يوم القيامة.
قوله: «ولأحمد من حديث أسماء نحوه» ماذا نسمي هذا؟ نسميه شاهداً؛ لأن الصحابي مختلف.
الترغيب في الصدقة:
١٤٦٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: «ما نقصت صدقةٌ من مالٍ, وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزا, وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله تعالى». أخرجه مسلمٌ.
"ما" نافية, و"صدقة" فاعل, و"من مال" جار ومجرور متعلق بـ"نقصت" يعني: أن الصدقة لا تنقص المال, وقد يرويه بعض العامة بلفظ: "بل تزده" وهذا اللفظ منكر؛ أولاً: لأنه لم يرد في الحديث, وثانياً: أنه خطأ من جهة العربية, يقول: "بل تزده" فجزم الفعل بدون جازم, على كل حال: هو ليس من الحديث.
وقوله: "ما نقصت صدقة من مال", إنما نفى النبي ﷺ نقص المال بالصدقة؛ لأن الإنسان قد يظن أن النقص هو النقص الحسي, والحقيقة: أن النقص المعنوي, ولنضرب مثالاً: رجل عنده مائة ريال تصدق منها بعشرة كم صارت؟ تعين ريالاً, نقصت, إن النبي ﷺ لم يرد هذا؛ لأنه يعلم أنه لابد أن ينقص العدد لكنه لم ينقص من حيث المعنى, وذلك أن الله تعالى ينزل البركة فيما بقي من المال وبقي المال الآفات التي قد تحدث للمال نفسه أو لمالك المال, أرأيت لو كان عند إنسان مائة ريال مثلاً وأصيب بمرض واحتاج المائة للمعالجة ذهبت المائة, فإذا تصدق من هذا المال فإنه من أسباب وقايته, أي: وقاية ما يتلفه سواء كان في مرض الإنسان أو في مرض أهله أو في ضياع أهله أو في سرقته, إذن ما نقصت صدقة من مال معنى «وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزا» الإنسان إذا جنى عليه شخص وضربه فعفا عنه ابتغاء وجه الله, قد تقول له نفسه: إن عفوك عنه يعني: أنك ضعفت أمامه وذللت أمامه؟ أليس هذا وارداً؟ بلى وارد, لكن الرسول رخص في العفو وقال: إنه عز, وإن الإنسان الذي يظن أنه في العفو يكون ذليلاً سوف يعزه الله ويزيده عزا.
وقوله: «وما تواضع لله» هل المراد «تواضع لله» أي: لأمر الله فأقام الصلاة وآتى الزكاة وأطاع الله ورسوله, أو تواضع لعباد الله إخلاصاً لله؟ يشمل المعنيين جميعاً؛ لأن القاعدة أن النص من القرآن والسنة إذا كان يحتمل معنيين على السواء ولا منافاة بينهما فالواجب أن يحمل عليهما جميعاً, فعلى الوجه الأول «ما تواضع أحد» أي: لأوامر الله «إلا رفعه»؛
стр. 3433
لأن من بني آدم من يستكبر, قال الله تعالى: ﴿ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعاً﴾ [النساء: ١٧٢]. وقال تعالى: ﴿فبئس مأوى المتكبرين﴾ [الزمر: ٧٢]. فإن من الناس من بتكبر على أوامر الله ولا يتواضع, المعنى الثاني: تواضع لعباد الله لرضا الله , فتكون اللام على هذا الوجه لتعليل, أي: لأجل الله رفعه وذلك أن المتواضع للعباد قد يقول: إني إذا تواضعت وكلمت الفقير وسلمت على الصغير وانشرح صدري لجلسائي فإن ذلك يقتضي أن أنزل في أعينهم, نقول: هذا من وحي الشيطان, وأنت كلما تواضعت لله رفعك الله ولهذا قال بعض العامة كلمة طيبة, قال: إنك في أعين الناس بمقدار الناس في عينك, فإذا كنت تجل الناس وهم عندك بمنزلة عالية فأنت كذلك عندهم, وإذا كان العكس فالعكس, ولهذا تجد الناس يحتقرون المتكبر حتى وإن نفخ نفسه وأصلح ثوبه وركب السيارة الفخمة يكرهونه, لكن المتواضع يحبونه ويجلونه ويقدرونه, وفرق بين من يجل الإنسان خوفاً منه, ومن يجل الإنسان محبة وتعظيماً له.
في هذا الحديث فوائد أولاً: الحث على الصدقة, لقوله: «ما نقصت صدقة من مال» , وإنما قال ذلك الرسول ﷺ لئلا يمتنع أحد عن الصدقة؛ حيث أن الصدقة تنقص المال نقصاً حسياً, بأن يكون النقص حاصلاً في عدد المال.
ومن فوائد الحديث: أن الصدقة سبب لحماية المال وزيادة البركة فيه, لأننا نعلم أن المال ينقص عدداً بلا شك للصدقة, لكن نفى الرسول ﷺ النقص عنه؛ يعني: أنه سيكون محمياً من الآفات, ولا يسلط الله على صاحبه ما ينفق المال فيه.
ومن فوائد الحديث: أنه لا ينبغي الاعتماد على الأمور المادية؛ لأن هناك أشياء وراء الأمور المادية وهو قدر الله , فلا تقل: أنا إذا أنفقت عشرة من مائة نقص مالي, وإن أنفقت عشرة أخرى نقص, نقول: هناك شيء وراء ذلك, ومن هذا ما يجري لبعض الناس حيث يقول: أنا لا أحب أن يكثر أولادي؛ لأنهم إذا كثروا طلبوا مني نفقات أكثر, إذا كانوا ثلاثة كم يحتاجون من الأرغفة؟ ثلاثة أرغفة, إذا كانوا أربعة يحتاجون أربعة أرغفة, من أين يأتي الرغيف الرابع؟ نقول: الأمر بيد الله , وقد قال الله تعالى: ﴿وما من دابةٍ في الأرض إلا على الله رزقها﴾ [هود: ٦]. وقال النبي ﷺ «إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم» , قلنا: إن العفو ليس على إطلاقه ولكنه مقيد بالإصلاح: ﴿فمن عفى وأصلح﴾ [الشورى: ٤٠]. أما إذا لم يكن في عفوه إصلاح فإنه لا ينبغي العفو, بل أحياناً يجب الأخذ.
ومن فوائد الحديث: الحث على العفو: لقوله: «وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزا» , وهذا لا شك أن المراد به الحث على العفو.
стр. 3434
ومن فوائده: أن الإنسان لا يعتمد على الأشياء المادية الحسية كما قلنا في الصدقة, فإن العافي قد يظن في نفسه أو يتخيل أن هذا ذل له.
ومن فوائده: أن الله سبحانه يعز الإنسان الذي يعفو عن إخوانه لله, فمن عفا؛ عفا الله عنه, وإذا عفا الله عن العبد فهذا سبب لعزته.
ومن فوائد الحديث: الحث على التواضع لله, وذكرنا أن له معنيين.
ومن فوائده: مراعاة الإخلاص, وأن الإخلاص له أثر كبير في حصول الثواب لقوله: «من تواضع لله رفعه الله ».
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان كلنا ازداد طاعة لله وانقياد لأمر ازداد رفعة ولهذا قال الله تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ [المجادلة: ١١].
ومن فوائد الحديث: أن الأمر كله لله وأن من رفعه الله فل خافض له ومن وضعه فلا رافع له لقوله: «إلا رفعه الله».
من أسباب دخول الجنة:
١٤٦٨ - وعن عبد الله بن سلام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أيها الناس, أفشوا السلام, وصلوا الأرحام, وأطعموا الطعام, وصلوا بالليل والناس نيام, تدخلوا الجنة بسلام» أخرجه الترمذي وصححه.
صدر قوله: «يا أيها الناس» إشارة إلى الاعتناء بما سيقول؛ لأن النداء يستلزم التنبيه, فكأنه يقول: انتبه, وهذا كثير في اللغة العربية, استمع إلى قول الله تعالى: ﴿يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له﴾ [الحج: ٧٢]. هنا قال الرسول: «يا أيها الناس» إشارة إلى أهمية ما يريد أن يخاطب به الناس.
«أفشوا السلام» أي: انشروه وأكثروا منه, وإفشاء السلام له معنيان: المعنى الأول: الإكثار منه؛ أن يسلم الإنسان على كل من لقيه عرفه أم لم يعرفه, وسلام المعرفة فيه نقص في الإخلاص؛ يعني: الذي لا يسلم إلا على من عرف هذا إخلاصه ناقص, بل المخلص هو الذي يسلم على من عرف ومن لم يعرف, النوع الثاني: من إفشاء السلام: إظهاره باللفظ؛ بمعنى: أن تسلم سلاماً يسمعه من تسلم عليه, لا تسلم سلاماً لا يسمعه من في جنبك, بل سلم سلاماً يسمعه المسلم عليه وهل الأفضل أن يكون بصوت أكثر مما يسمع أو بصوت بقدر ما يسمع؟ الظاهر الأول, إلا إذا كان رفعاً خارجاً عن الأدب, فهنا لا ينبغي بعض الناس إذا دخل المجلس.
стр. 3435
رفع صوته رفعاً خارجاً عن الأدب! هذا لا يجوز, ولا ينبغي أيضًا الإخفاء, واستثنى العلماء من الصورة الثانية -وهي رفع الصوت بالسلام- ما إذا سلم على قوم بينهم أناس نيام مثل: أن تدخل على حجرة فيها أناس مستيقظون وأناس نائمون فهنا لا ترفع صوتك سلم بقدر ما يسمع اليقظان ولا يوقظ النائم, وهذا من حسن الخلق وقد كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك, إذا دل على قوم فيهم نيام فإنه يرفع صوته رفعاً يسمعه اليقظان ولا يحس به النائم, ويستثنى من قوله: «أفشوا السلام» وهو لفظ مطلق, فـ"أفشوا السلام" مطلق وكذا كل الأفعال لا تكون للعموم إنما هي تكون للإطلاق إذا لم تقيد, وهذا مما يفرق بين الأسماء والأفعال, الأسماء تكون للعموم لكن الأفعال لا تكون للعموم وإنما تكون للإطلاق فقوله: "أفشوا" هذا مطلق لكنه مقيد بما إذا كان المسلم عليه أهلاً للسلام عليه فأما إذا كان كافراً فلا تفشي السلام عليه لأن النبي ﷺ قال: «لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام» , وهل يدخل فيه الرد؟ أما الابتداء فظاهر, وأما الرد فيحتمل أن يكون داخلاً فيه وحينئذٍ نقول يؤمر الراد بأن يرفع صوته بحيث يسمعه المسلم.
الثاني: قال: «صلوا الأرحام» الأرحام جمع رحم وهم القرابات, قال أهل العلم: والقرابة من الجد الرابع فما دونه, والنصوص لصلة الأرحام لم تعين صلة معينة, وعلى هذا فيرجع فيه إلى العرف كما قيل في القواعد:
(وكل ما أتى ولم يحدد ... بالشرع كالحرز فبالعرف أحدد)
لم يبين كيف تكون الصلة, وعلى هذا فيرجع فيها إلى العرف, وإذا رجعنا فيها إلى العرف صارت تختلف باختلاف القرابة, فصلة الأقرب أوكد من صلة الأبعد, ثانياً: للحاجة, فصلة المحتاج أوكد من صلة المستغني, ثالثاً: بالحال النفسية, بعض القرابات لا يهمه أن تصله في الشهر مرة أو في السنة مرة, وبعض القرابات يريد أن تصله كل أسبوع, ولهذا إذا فقدك في أسبوع قال: لماذا لم تزرني؟ فهو أذن يختلف باختلاف ما يتعلق بالنفوس, فعليه يقول: كلما كان هناك صلة حسب الاختلاف الذي ذكرنا فهو داخل في قوله: «صلوا الأرحام» , وهل من الأرحام الأصهار؟ لا, الأصهار يعني: أقارب الزوج أو الزوجة, ليسوا من الأرحام إلا أن يكونوا من بني العم فحينئذٍ يكونون من الأرحام.
قال: «وأطعموا الطعام» يعني: من يحتاج إليه, فيشمل هذا إطعام الجائع, وإطعام من تجب
следующие страницы →