Полный текст (3 515 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.
стр. 3431
فإن قال قائل: إذا كان التواضع يخشى منه الإنسان أن يذل نفسه.
قلنا: هذا من إيحاء الشيطان؛ لأن النبي ﷺ قال: «من تواضع لله رفعه».
فإن قال قائل: رجل مبتدع يجادلني هل أتواضع له في المجادلة أم أشعره بأني فوقه في ذلك؟
الجواب: الثاني؛ لأنه لا يمكن أن تقضي عليه إلا إذا أشعرته أنك أقوى منه فإذا شعر أنك أقوى منه, حينئذ تغلبه.
فضل من رد عن عرض أخيه:
١٤٦٦ - وعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي قال: «من رد عن عرض أخيه بالغيب؛ رد الله عن وجهه النار يوم القيامة». أخرجه الترمذي, وحسنه.
-ولأحمد, من حديث أسماء بنت يزيد نحوه.
قوله: «من رد عرض أخيه» أي: سمع شخصاً يغتاب أخاه, فرد عن عرضه لكن بحق, بأن يقول: إن فلاناً لم يقل كذا, وإن هذا كذب عليه وما أشبه ذلك, فإن الله تعالى يرد عن وجهه النار يوم القيامة جزاء وفاقاً.
ففي هذا الحديث: الحث على الرد عن عرض أخيك, وهذا يحتاج إلى تفصيل فإنه إذا كان الرجل الذي جعل الناس يتحدثون به صاحب بدعة أو صاحب فكر منحرف وذكر في المجلس فلا ترد عنه؛ لأن هذا كذب, إذ إن هذا المبتدع وصاحب الفكر المنحرف ليس له عرض فيما كان يذهب إليه فلا ترد عن عرضه, قد يكون من المستحسن أن تزيد في ذلك وأن تبين خطأه في بدعته أو انحرافه في منهجه.
ومن فوائد الحديث: أن الرد المحمود إذا كان بالغيب, أي: في حال غيبة أخيك أما في حال حضوره فإنه لا ينال هذا الثواب؛ لماذا؟ لأنه قد يرد عن عرض أخيه رياء ومنة على هذا الشخص لكن إذا كان في غيبته دل ذلك على أن الرجل كان سليماً.
فإن قال قائل: إذا أراد شخص أن ينتهك عرض أخيك مع حضوره فهل يجب عليك أن ترد عنه؟
نعم؛ لأن هذا من باب إعانة المسلم على من يريد إذلاله واحتقاره.
ومن فوائد الحديث: أن الجزاء من جنس العمل, لأن هذا رد عن عرض أخيه فرد الله عن وجهه النار يوم القيامة.
стр. 3432
ومن فوائد الحديث: إثبات النار وإثبات يوم القيامة.
قوله: «ولأحمد من حديث أسماء نحوه» ماذا نسمي هذا؟ نسميه شاهداً؛ لأن الصحابي مختلف.
الترغيب في الصدقة:
١٤٦٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: «ما نقصت صدقةٌ من مالٍ, وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزا, وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله تعالى». أخرجه مسلمٌ.
"ما" نافية, و"صدقة" فاعل, و"من مال" جار ومجرور متعلق بـ"نقصت" يعني: أن الصدقة لا تنقص المال, وقد يرويه بعض العامة بلفظ: "بل تزده" وهذا اللفظ منكر؛ أولاً: لأنه لم يرد في الحديث, وثانياً: أنه خطأ من جهة العربية, يقول: "بل تزده" فجزم الفعل بدون جازم, على كل حال: هو ليس من الحديث.
وقوله: "ما نقصت صدقة من مال", إنما نفى النبي ﷺ نقص المال بالصدقة؛ لأن الإنسان قد يظن أن النقص هو النقص الحسي, والحقيقة: أن النقص المعنوي, ولنضرب مثالاً: رجل عنده مائة ريال تصدق منها بعشرة كم صارت؟ تعين ريالاً, نقصت, إن النبي ﷺ لم يرد هذا؛ لأنه يعلم أنه لابد أن ينقص العدد لكنه لم ينقص من حيث المعنى, وذلك أن الله تعالى ينزل البركة فيما بقي من المال وبقي المال الآفات التي قد تحدث للمال نفسه أو لمالك المال, أرأيت لو كان عند إنسان مائة ريال مثلاً وأصيب بمرض واحتاج المائة للمعالجة ذهبت المائة, فإذا تصدق من هذا المال فإنه من أسباب وقايته, أي: وقاية ما يتلفه سواء كان في مرض الإنسان أو في مرض أهله أو في ضياع أهله أو في سرقته, إذن ما نقصت صدقة من مال معنى «وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزا» الإنسان إذا جنى عليه شخص وضربه فعفا عنه ابتغاء وجه الله, قد تقول له نفسه: إن عفوك عنه يعني: أنك ضعفت أمامه وذللت أمامه؟ أليس هذا وارداً؟ بلى وارد, لكن الرسول رخص في العفو وقال: إنه عز, وإن الإنسان الذي يظن أنه في العفو يكون ذليلاً سوف يعزه الله ويزيده عزا.
وقوله: «وما تواضع لله» هل المراد «تواضع لله» أي: لأمر الله فأقام الصلاة وآتى الزكاة وأطاع الله ورسوله, أو تواضع لعباد الله إخلاصاً لله؟ يشمل المعنيين جميعاً؛ لأن القاعدة أن النص من القرآن والسنة إذا كان يحتمل معنيين على السواء ولا منافاة بينهما فالواجب أن يحمل عليهما جميعاً, فعلى الوجه الأول «ما تواضع أحد» أي: لأوامر الله «إلا رفعه»؛
стр. 3433
لأن من بني آدم من يستكبر, قال الله تعالى: ﴿ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعاً﴾ [النساء: ١٧٢]. وقال تعالى: ﴿فبئس مأوى المتكبرين﴾ [الزمر: ٧٢]. فإن من الناس من بتكبر على أوامر الله ولا يتواضع, المعنى الثاني: تواضع لعباد الله لرضا الله , فتكون اللام على هذا الوجه لتعليل, أي: لأجل الله رفعه وذلك أن المتواضع للعباد قد يقول: إني إذا تواضعت وكلمت الفقير وسلمت على الصغير وانشرح صدري لجلسائي فإن ذلك يقتضي أن أنزل في أعينهم, نقول: هذا من وحي الشيطان, وأنت كلما تواضعت لله رفعك الله ولهذا قال بعض العامة كلمة طيبة, قال: إنك في أعين الناس بمقدار الناس في عينك, فإذا كنت تجل الناس وهم عندك بمنزلة عالية فأنت كذلك عندهم, وإذا كان العكس فالعكس, ولهذا تجد الناس يحتقرون المتكبر حتى وإن نفخ نفسه وأصلح ثوبه وركب السيارة الفخمة يكرهونه, لكن المتواضع يحبونه ويجلونه ويقدرونه, وفرق بين من يجل الإنسان خوفاً منه, ومن يجل الإنسان محبة وتعظيماً له.
في هذا الحديث فوائد أولاً: الحث على الصدقة, لقوله: «ما نقصت صدقة من مال» , وإنما قال ذلك الرسول ﷺ لئلا يمتنع أحد عن الصدقة؛ حيث أن الصدقة تنقص المال نقصاً حسياً, بأن يكون النقص حاصلاً في عدد المال.
ومن فوائد الحديث: أن الصدقة سبب لحماية المال وزيادة البركة فيه, لأننا نعلم أن المال ينقص عدداً بلا شك للصدقة, لكن نفى الرسول ﷺ النقص عنه؛ يعني: أنه سيكون محمياً من الآفات, ولا يسلط الله على صاحبه ما ينفق المال فيه.
ومن فوائد الحديث: أنه لا ينبغي الاعتماد على الأمور المادية؛ لأن هناك أشياء وراء الأمور المادية وهو قدر الله , فلا تقل: أنا إذا أنفقت عشرة من مائة نقص مالي, وإن أنفقت عشرة أخرى نقص, نقول: هناك شيء وراء ذلك, ومن هذا ما يجري لبعض الناس حيث يقول: أنا لا أحب أن يكثر أولادي؛ لأنهم إذا كثروا طلبوا مني نفقات أكثر, إذا كانوا ثلاثة كم يحتاجون من الأرغفة؟ ثلاثة أرغفة, إذا كانوا أربعة يحتاجون أربعة أرغفة, من أين يأتي الرغيف الرابع؟ نقول: الأمر بيد الله , وقد قال الله تعالى: ﴿وما من دابةٍ في الأرض إلا على الله رزقها﴾ [هود: ٦]. وقال النبي ﷺ «إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم» , قلنا: إن العفو ليس على إطلاقه ولكنه مقيد بالإصلاح: ﴿فمن عفى وأصلح﴾ [الشورى: ٤٠]. أما إذا لم يكن في عفوه إصلاح فإنه لا ينبغي العفو, بل أحياناً يجب الأخذ.
ومن فوائد الحديث: الحث على العفو: لقوله: «وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزا» , وهذا لا شك أن المراد به الحث على العفو.
стр. 3434
ومن فوائده: أن الإنسان لا يعتمد على الأشياء المادية الحسية كما قلنا في الصدقة, فإن العافي قد يظن في نفسه أو يتخيل أن هذا ذل له.
ومن فوائده: أن الله سبحانه يعز الإنسان الذي يعفو عن إخوانه لله, فمن عفا؛ عفا الله عنه, وإذا عفا الله عن العبد فهذا سبب لعزته.
ومن فوائد الحديث: الحث على التواضع لله, وذكرنا أن له معنيين.
ومن فوائده: مراعاة الإخلاص, وأن الإخلاص له أثر كبير في حصول الثواب لقوله: «من تواضع لله رفعه الله ».
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان كلنا ازداد طاعة لله وانقياد لأمر ازداد رفعة ولهذا قال الله تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ [المجادلة: ١١].
ومن فوائد الحديث: أن الأمر كله لله وأن من رفعه الله فل خافض له ومن وضعه فلا رافع له لقوله: «إلا رفعه الله».
من أسباب دخول الجنة:
١٤٦٨ - وعن عبد الله بن سلام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أيها الناس, أفشوا السلام, وصلوا الأرحام, وأطعموا الطعام, وصلوا بالليل والناس نيام, تدخلوا الجنة بسلام» أخرجه الترمذي وصححه.
صدر قوله: «يا أيها الناس» إشارة إلى الاعتناء بما سيقول؛ لأن النداء يستلزم التنبيه, فكأنه يقول: انتبه, وهذا كثير في اللغة العربية, استمع إلى قول الله تعالى: ﴿يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له﴾ [الحج: ٧٢]. هنا قال الرسول: «يا أيها الناس» إشارة إلى أهمية ما يريد أن يخاطب به الناس.
«أفشوا السلام» أي: انشروه وأكثروا منه, وإفشاء السلام له معنيان: المعنى الأول: الإكثار منه؛ أن يسلم الإنسان على كل من لقيه عرفه أم لم يعرفه, وسلام المعرفة فيه نقص في الإخلاص؛ يعني: الذي لا يسلم إلا على من عرف هذا إخلاصه ناقص, بل المخلص هو الذي يسلم على من عرف ومن لم يعرف, النوع الثاني: من إفشاء السلام: إظهاره باللفظ؛ بمعنى: أن تسلم سلاماً يسمعه من تسلم عليه, لا تسلم سلاماً لا يسمعه من في جنبك, بل سلم سلاماً يسمعه المسلم عليه وهل الأفضل أن يكون بصوت أكثر مما يسمع أو بصوت بقدر ما يسمع؟ الظاهر الأول, إلا إذا كان رفعاً خارجاً عن الأدب, فهنا لا ينبغي بعض الناس إذا دخل المجلس.
стр. 3435
رفع صوته رفعاً خارجاً عن الأدب! هذا لا يجوز, ولا ينبغي أيضًا الإخفاء, واستثنى العلماء من الصورة الثانية -وهي رفع الصوت بالسلام- ما إذا سلم على قوم بينهم أناس نيام مثل: أن تدخل على حجرة فيها أناس مستيقظون وأناس نائمون فهنا لا ترفع صوتك سلم بقدر ما يسمع اليقظان ولا يوقظ النائم, وهذا من حسن الخلق وقد كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك, إذا دل على قوم فيهم نيام فإنه يرفع صوته رفعاً يسمعه اليقظان ولا يحس به النائم, ويستثنى من قوله: «أفشوا السلام» وهو لفظ مطلق, فـ"أفشوا السلام" مطلق وكذا كل الأفعال لا تكون للعموم إنما هي تكون للإطلاق إذا لم تقيد, وهذا مما يفرق بين الأسماء والأفعال, الأسماء تكون للعموم لكن الأفعال لا تكون للعموم وإنما تكون للإطلاق فقوله: "أفشوا" هذا مطلق لكنه مقيد بما إذا كان المسلم عليه أهلاً للسلام عليه فأما إذا كان كافراً فلا تفشي السلام عليه لأن النبي ﷺ قال: «لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام» , وهل يدخل فيه الرد؟ أما الابتداء فظاهر, وأما الرد فيحتمل أن يكون داخلاً فيه وحينئذٍ نقول يؤمر الراد بأن يرفع صوته بحيث يسمعه المسلم.
الثاني: قال: «صلوا الأرحام» الأرحام جمع رحم وهم القرابات, قال أهل العلم: والقرابة من الجد الرابع فما دونه, والنصوص لصلة الأرحام لم تعين صلة معينة, وعلى هذا فيرجع فيه إلى العرف كما قيل في القواعد:
(وكل ما أتى ولم يحدد ... بالشرع كالحرز فبالعرف أحدد)
لم يبين كيف تكون الصلة, وعلى هذا فيرجع فيها إلى العرف, وإذا رجعنا فيها إلى العرف صارت تختلف باختلاف القرابة, فصلة الأقرب أوكد من صلة الأبعد, ثانياً: للحاجة, فصلة المحتاج أوكد من صلة المستغني, ثالثاً: بالحال النفسية, بعض القرابات لا يهمه أن تصله في الشهر مرة أو في السنة مرة, وبعض القرابات يريد أن تصله كل أسبوع, ولهذا إذا فقدك في أسبوع قال: لماذا لم تزرني؟ فهو أذن يختلف باختلاف ما يتعلق بالنفوس, فعليه يقول: كلما كان هناك صلة حسب الاختلاف الذي ذكرنا فهو داخل في قوله: «صلوا الأرحام» , وهل من الأرحام الأصهار؟ لا, الأصهار يعني: أقارب الزوج أو الزوجة, ليسوا من الأرحام إلا أن يكونوا من بني العم فحينئذٍ يكونون من الأرحام.
قال: «وأطعموا الطعام» يعني: من يحتاج إليه, فيشمل هذا إطعام الجائع, وإطعام من تجب
стр. 3436
عليك نفقته, وإطعام المساكين في الكفارات ونحوها, فهو عام شامل لإطعام الطعام الواجب, وإطعام الطعام المستحب, وقوله: «الطعام» هل المراد بالطعام: الشراب, أو ما يؤكل؟ يشمل هذا وهذا؛ لأن ما يُشرب يسمى طعاماً, قال الله تعالى: ﴿فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني﴾ [البقرة: ٢٤٩]. ولأن الشراب له طعم, لكن الأكل والشرب يختلفان, فالشرب يون في المائعات, والأكل في الجامدات.
وقوله: «وصلوا بالليل والناس نيام» يشمل الفريضة والنافلة, فمن الفريضة صلاة العشاء ولاسيما إذا أخرت عن أول الوقت, وصلاة الفجر أيضًا؛ ولهذا كانت هاتان الصلاتان أثل الصلوات على المنفقين؛ لأنهم ينامون ولا يقومون لهما, وقوله: «والناس نيام» من المراد بالناس؟ المراد بهم: الذين لا يصلون, سواء كانوا من المسلمين أو كانوا من الكافرين لأنه يوجد بعض المسلمين لا يصلون الصبح إلا إذا قام ولو بعد طلوع الشمس, وكذلك في العشاء ينامون عنها.
وقوله: «تدخلوا الجنة بسلام» «تدخلوا» أين النون؟ حذفت للجزم لأنها جواب الأمر, فقوله: "أفشوا" أمر, وما عطف عليه فهو أمر, فيكون "تدخلوا" جواباً للأمر, وجواب الأمر يكون مجزوماً, وهل هو مجزوم بصيغة الأمر أم بشرط مقدر؟ بعض النحويين يقول: إنه مجزوم بشرط مقدر, والتقدير: إن تفعلوا تدخلوا, وبعضهم يقول: إنه مجزوم بنفس الفعل فعل الطلب, والخلاف قريب من اللفظ؛ لأنهم متفقون على أن الفعل إذا وقع جواباً للطلب فهو مجزوم, وقوله: "الجنة" يعني: جنة الخلد التي وعد المتقون, وقوله: "بسلام" يحتمل أن يكون المعنى: أن تدخلوا الجنة أنتم سالمون ويحتمل أن يكون معنى بسلام: أنه يسلم عليكم, فتكون الباء للمصاحبة؛ لأن الملائكة يدخلون عليهم من كل باب ويقولون: سلام عليكم بما صبرتم, وإذا كان اللفظ يحتمل معنيين لا منافاة بينهما فيحمل عليهما جميعاً, فهم يدخلون الجنة سالمين من كل سوء ومن كل عيب, حاضراً ومستقبلاً, وهم أيضاً يدخلون الجنة الملائكة يتلقونهم بالسلام.
في هذا الحديث فوائد منها: إثبات الأسباب؛ لأن الرسول ﷺ ذكر إفشاء السلام, وصلة الأرحام, وإطعام الطعام, والصلاة بالليل, أربعة أسباب لدخول الجنة, فيكون في هذا إثبات الأسباب, وهو أمر معلوم بالشرع ومعلوم بالفطرة والحس ولا أحد ينكره, وقد اختلف الناس في الأسباب, فمنهم من أنكرها مطلقاً, ومنهم من أثبتها مطلقاً ومنهم من أثبتها وجعلها تابعة لمشيئة الله وهذا الأخير هو الحق, أما من أنكر الأسباب فإن قوله منافٍ للشرع وللفطرة وللحس, ولا حجة له إلا شبهة يلقيها الشيطان في قلبه يقول لو أنا أثبتنا أن الأسباب تؤثر لأثبتنا
стр. 3437
خالقاً مع الله لو قلنا: إنك لو ضربت الزجاجة بالحجر انكسر من الحجر لكان في ذلك إثبات خالق مع الله, وهذا لا صحة له؛ لأني أقول: انكسرت الزجاجة بالحجر بإذن الله وإرادة الله, لو وضعت شيئاً في النار يحترق بالنار, لكن ما الذي جعل النار تحرقه؟ هو الله , ولهذا لما وضع إبراهيم فيها قال الله تعالى: ﴿كوني برداً وسلاماً على إبراهيم﴾ [الأنبياء: ٦٩]. فكانت برداً وسلاماً, ولم تؤثر فيه شيئاً إذن القول بعدم إثبات الأسباب لكونها تؤدي إلى إثبات خالق مع الله قول مخالف للشرع والفطرة والحس, أما الذين يقولون: إن الأسباب مؤثرة بنفسها ولابد فهؤلاء أيضًا أخطئوا, هؤلاء هم الذين أثبتوا مع الله خالقاً ونقول: إن هذا الدعوى يبطلها الواقع؛ فإن النار تحرق بلا شي ومع ذلك نجا منها إبراهيم بإرادة الله , فالصواب: أن الأسباب ثابتة وأنها مؤثرة, لكن بما أودع الله فيها من القوة المؤثرة.
ومن فوائد الحديث: الحث على إفشاء السلام, وجه ذلك: أن إفشاء السلام من أسباب دخول الجنة.
ومن فوائد الحديث: الحث على صلة الأرحام, لأن الرسول ﷺ جعلها من أسباب دخول الجنة
إفشاء السلام واجب أو سنة؟ سنة ما لم يكن هجراً, فإن كان هجراً فإنه لا يزيد على ثلاثة أيام, صلة الأرحام واجبة -فرض عين- على الإنسان لأن الله تعالى توعد من لم يصل الرحم فقال تعالى: ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم (٢٢) أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم﴾ [محمد ٢٢ - ٢٣]. وقال النبي ﷺ : «لا يدخل الجنة قاطع»؛ يعني: قاطع رحم, فصلة الأرحام إذن واجبة, وتعتبر فرض عين.
ومن فوائد الحديث: الحث على إطعام الطعام؛ لأن الرسول جعله من أسباب دخول الجنة ثم هل هو واجب أو لا؟ نقول: يكون أحياناً واجباً سنة, فيكون واجباً في إطعام الجائع إذا وجدت جائعاً إن لم تطعمه هلك وجب عليك إطعامه, ثم اختلف العلماء في هذه الحال إذا لم تطعمه فهلك هل تضمنه أم لا؟ فقال بعض العلماء: إنك تضمنه؛ لأنك تركت
стр. 3438
واجباً أوجبه الله عليك فكنت معتدياً, والمعتدي ضامن لظلمه, وهذا كما قال الله تعالى: ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾ [التوبة: ٩١]. فيكون معنى الآية: على المسيئين سبيل, والقول الثاني: أنه لا يضمنه؛ لأنه لم يهلك بسببه بخلاف ما لو أخذ طعامه منه حتى هلك فهنا رجل وجد مع شخص طعاماً فأخذه منه فجاع صاحب الطعام وهلك فهنا يضمن؛ لأنه تسبب في قتله, ومن الإطعام الواجب إذا كان يتوقف عليه إكرام الضيف فهنا إطعام الضيف واجب لقول النبي ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» , ومن الإطعام الواجب: إطعام الإنسان من تجب عليه نفقته من زوجة أو قريب, ومن الإطعام الواجب: الإطعام في الكفارات عشرة مساكين, تسعة مساكين, ستين مسكيناً, والباقي-يعني: ما عدا الواجب-فهو سنة, ولا يدخل في ذلك الإطعام الذي يكون إسرافاً؛ لأن النبي ﷺ لا يمكن أن يأمر بما لا يحبه الله .
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي لمن أطعم الطعام أن ينوي بذلك امتثال أمر النبي ﷺ لأن بعض الناس قد يطعم الطعام لأنه كريم, والكريم يحب الكرم, فينبغي أن يلاحظ أنه يطعم الطعام امتثالاً لأمر الرسول ﷺ ليكون بذلك حائزاً على العبادة وعلى الخلق الحسن.
ومن فوائد الحديث: فضيلة قيام الإنسان بالعبادة على حين غفلة الناس لقوله: «صلوا بالليل والناس نيام»؛ لأن جملة "والناس نيام" هذه حال.
ومن فوائد الحديث أنه من المعلوم أن الليل محل النوم لقوله: "والناس نيام", وهذا هو الموافق للفطرة, ولما خلق الله من اختلاف الزمان, ولكن مع الأسف أن الناس في عصرنا هذا -ولاسيما من قريب- جعلوا ليلهم نهاراً ونهارهم ليلاً, حتى الصبيان الصغار الذين كانوا ينامون من حين صلاة المغرب صاروا الآن يبقون إلى الفجر ما ناموا, ثم إذا جاء النهار ناموا, وهذا خلاف ما تقتضيه حكمة الله , حيث جعل الليل لباساً والنوم سباتاً.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للمتكلم إذا أراد أن يتكلم في أمر مهم أن يذكر ما يوجب الانتباه لقوله: «يا أيها الناس».
ومن فوائد الحديث: جواز السجع في الكلام, فإننا إذا تأملنا الجمل وجدناها سجعاً "السلام", "الأرحام", "الطعام", "نيام", "سلام", وقد جاء ذلك أيضًا في أحاديث أخرى مثل قول النبي ﷺ : «قضاء الله أحق وشرط الله أوثق وإنما الولاء لمن أعتق» , ولا شك أن السجع يزين الكلام ويرغب في الاستماع إليه, لكن بشرط ألا يكون متكلفاً, وضابط السجع المتكلف أن يعذب الإنسان الألفاظ ويأتي بألفاظ غريبة صعبة الفهم, أو بألفاظ يحصل بها مع ما إلى جانبها من الكلمات تناقض فهنا لا ينبغي السجع, أما إذا جاء عفواً بمقتضى الطبيعة هذا طيب لاشك ولذلك إذا قرأ الإنسان في كتاب البصرة لابن الجوزي ﵀ يجد لذة, لأن الله أعطاه قدرة
стр. 3439
بالغة على السجع, وكتابه البصرة ليس موجوداً فيما نعلم لكن الموجود مختصر البصرة لكن نجد كلاماً مسجعاً أو مسجوعاً, ولكنه لا يمله السامع لأنه ليس فيه تكلف.
النصيحة لله ولرسوله ﷺ ولكل مسلم:
١٤٦٩ - وعن تميم الداري ﵁ قال: قال رسول الله: «الدين النصيحة -ثلاثاً- قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم». أخرجه مسلم.
كلمة "الدين" اسم معرف بـ"أل" و"النصيحة" كذلك اسم معرف بـ"أل" وقد ذكر علماء البلاغة أنه إذا صار المبتدأ والخبر معرفتين فالجملة تفيد الحصر, كأنه قال: الدين هو النصيحة, وأي دين يريده الرسول ﷺ ؟ يريد الرسول ﷺ بالدين ما رضيه الله لنا في قوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ [المائدة: ٣]. إذن الدين الذي رضيه الله لنا هو النصيحة, والنصيحة معناها الإخلاص في القصد, لكنها هنا تشمل ما سيذكره الرسول ﷺ قال: «الدين النصيحة ثلاثاً» "ثلاثاً" هذه متعلقة بـ"النصيحة" أو متعلقة بـ"قال"؟ بـ"قال" يعني: قال ذلك ثلاثاً: الدين النصيحة, الدين النصيحة, فأكد اللفظ مرتين بمؤكدات لفظية, قال ابن مالك ﵀:
(وما من التوكيد لفظي يجي ... مُكرراً كقولك ادرجي ادرجي)
كرر هذه لأهمية الأمر وتنبيه السامع, «قلنا: لمن هي يا رسول الله؟ » لما قال: الدين النصيحة الصحابة يعرفون معنى النصح لكن لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» , خمسة أشياء.
النصيحة لله ما هي؟
فما هي النصيحة لله؟ النصيحة لله على رأسها عبادته وحده لا شريك له, لأنك في هذا نصحت لله فلو عبدت معه غيره ما نصحت له؛ لأنك ساويته بمن هو دونه في حق يختص بالله , ومن النصح لله : المحبة والتعظيم, وإن كان هذا -أعني: المحبة والتعظيم- هما ركنا العبادة, لكن زيادة على مجرد التعبد بأن يكون في قلبك محبة لله , ومن أكبر أسباب محبة الله التي تحدث من العوام وطلبة العلم أن يتذكر الإنسان نعم الله , فإذا تذكر النعم أوجب ذلك له أن يحب اله يعني: المؤمن العالم قد تزداد محبته لله بمعرفته لآياته الشرعية وآياته الكونية, لكن عامة الناس وكل أحد يعرف أنه يعرف الله بالنعم متى ذكرت الله
стр. 3440
ذكرت نعم الله فأحببت الله, ولهذا جاء في الأثر: «أحبوا الله لما يغزوكم به من النعم» , أنت الآن قد يسر الله لك الأكل والشرب واللباس والسكن والأمن, كل هذه يبذل الإنسان فيها الشيء الكثير ولا تحصل له إذا كان الله منعها إياه, فإذا كان الله قد منحك إياها فإنك إذا تفكرت تحب الله لن هناك محبة أعظم وهي محبة الله تعالى لما يعرفه الإنسان من آياته الكونية وآياته الشرعية, كذلك أيضًا من النصح لله أن تعظمه ولا تستهزئ ولا تسخر به ولا تنتهك حرماته, وعلى هذا فتكون النصيحة لله متضمناً لجميع أنواع العبادة لله , ومن النصيحة لله أيضًا: أن تؤمن بما له من الأسماء والصفات, فإن ذلك من أعظم النصيحة لله, لكن من لم يرمن بذلك فهو بين أمرين: إما مكذب وإما معتدٍ, كل من لم يؤمن بما سمى الله نفسه به ووصفها به فهو بين أمرين إما مكذب وإما معتدٍ لا يمكن أن يخرج عن هذا, إما مكذب فيقول مثلاً: ليس لله وجه, وليس لله عين, وليس لله يد, وإما معتدٍ بأن يصرف اللفظ عما أراد الله إلى ما لم يرد الله, وهذا يكون معتدياً من وجهين: الوجه الأول: صرف اللفظ عما أراد الله كالذي يلوي عنق البعير إلى جهة غير الاستقامة والثاني: إثبات ما لم يرد الله؛ لأن هؤلاء المعطلة الذين يقولون: أراد الله باليد كذا وأراد الله بالوجه كذا نقول لهم بكل سهولة: ما دليلكم على هذا وهل الله عاجز على أن ينطق بما قلتم إنه مراده؟ الجواب: ليس بعاجز, وقد قال: إنه له يد وله وجه, وكيف نقول: أنه لم يرد اليد والوجه, ولهذا نقول: كل من أنكر اسماً من أسماء الله أو صفه من صفاته فإنه لا يخرج عن إحدى الدائرتين وهما التكذيب أو العدوان, التكذيب: بأن يقول ليس لله وجه, أو العدوان, وذكرت لكم العدوان يكون بأمرين: الأول: صرف اللفظ عما أراد الله, والثاني: إثبات معنى لم يرده الله : وكلاهما ليس من النصح لله في شيء.
كيف تكون النصيحة لكتاب الله ؟
قوله: "لكتابه", النصح لكتاب الله هو: أن تؤمن أنه كلام الله حقاً حروفه ومعانيه, هذا من النصح لكتاب الله؛ لأن الإنسان إذا لم يعتقد هذه العقيدة صار كلام الله وكلام الناس عنده على حد سواء, لكن لو اعتقد أنه كلام الله وأنه تكلم به لفظاً ومعنى لاشك أنه يكون في قلبه من تعظيم هذا الكتاب ما لم يكن لو لم يعتقد ذلك, ولهذا نقول: القائلون بأنه مخلوق لم يعظموا هذا القرآن؛ لأنهم جعلوه كسائر المخلوقات, بل أبطلوا الأمر والنهي؛ لأنك إذا قلت: إنه مخلوق صار معنى أقيموا الصلاة حروفاً مخلوقة على هذا اللفظ على خط مستقيم طولي, ثم دائرة, ثم ياء معكوفة, ثم ميم مدورة, ثم واو مقوسة, فصار ليس له معنى إطلاقاً؛ ولهذا قال علماء السنة: من قال: إن القرآن مخلوق فقد أبطل الأمر والنهي, مثلاً: لا تشركوا, ماذا تكون إذا قلنا: إنها مخلوقة صار المعنى أن الله خلق شيئاً على هذه الصورة لا يدل على معنى, الآن نجد
стр. 3441
في النجوم ما يسمى بالقوس نجوم منحنية كأنها قوس, لو أن الإنسان قال: هذه علامة استفهام هل أحد يطيعه على ذلك؟ وهي في السماء يشاهدونها بعد العشاء على صورة استفهام, لو قال قائل: هذه استفهام من الله فلا يصح هذه, لأن هذه مخلوقات خلقها الله على هذا الوجه, كذلك إذا قلنا: القرآن مخلوق صار معناه أنها أشكال خلقها الله على هذا الشكل.
إذن النصيحة لكتاب الله: أن يؤمن الإنسان بأنه كلام الله حقيقة تكلم الله به حرفاً ومعنىً, ومن النصيحة لكتاب الله التصديق بكل ما فيه من الأخبار سواء كان عن الله, أو عن اليوم الآخر, أو عن الأمم الماضية, أو عن الأحوال المستقبلية, بل كل خبر في القرآن فإن من النصيحة أن يؤمن الإنسان به وألا يتردد في قبوله, حتى لو فرضنا أن العقل قد يستبعده فلا يجوز أن تحكم بالعقل على ما في كتاب الله, بل يجب أن نؤمن وإن كان العقل يستبعده, ومن النصيحة لكتاب الله: امتثال أوامر القرآن سواء كانت أدبية أم خلقية أو تعبدية, يجب أن تمتثل أوامر القرآن على حسب ما يقتضيه النص, لأن هذا من النصيحة لكتاب الله, والاجتناب لما نهى عنه القرآن, فمن لم يفعل ذلك فليس بناصح للقرآن.
النصيحة للرسول ﷺ كيف تكون ؟
النصيحة للرسول ﷺ والمراد بقوله: "ولرسوله" فيما يظهر العموم, وإن كان يحتمل أن يكون المراد الخصوص, لأن ظاهر قوله: "لكتابه" أنه القرآن, فلنقل أن المراد به الخصوص, فكيف النصيحة لرسول الله محمد ﷺ ؟ أولاً: التصديق أنه رسول من عند الله, تصديقاً جازماً لا يعتريه شك, ثانياً: الإيمان بأنه بشر لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا يملك لغيره نفعاً ولا ضراً, فمن قال: إنه يملك النفع والضر فإنه لم ينصح للرسول ﷺ ؛ لأن الرسول قال: «ما أحب أن تنزلوني فوق منزلتي التي أنزلني الله» , فإذا غلوت فيه فما نصحت له؛ لأنك فعلت ما لا يحبه.
ومنها -أي: من النصيحة للرسول ﷺ : الإيمان بأنه عبد الله, وكفى به شرفاً أن يكون عبد الله , فتؤمن بأنه عبد لا حق له في الربوبية إطلاقاً, وحينئذٍ يبطل تعلق الناس بالرسول ج في دفع ضرر أو جلب نفع إلا ما كان قادراً عليه في حياته فهذا شيء آخر من النصيحة للرسول ﷺ أن تؤمن بكل خبر أخبر به لتكون ناصحاً له لكن هذا الحكم فيما علمنا أنه قاله؛ لأن بيننا وبين الرسول واسطة, قد يعزى للرسول ﷺ ما لم يقله, ولهذا ليس الخبر الذي جاء في السنة كالخبر الذي جاء في القرآن, لأن الخبر الذي جاء في السنة يحتاج إلى النظر أولاً في سنده هل صح أم لا, لكن إذا علمت علماً يقينياً أو ظننت ظناً قوياً أن الرسول قاله, فإن من النصيحة له
стр. 3442
أن تصدقه وتؤمن بخبره حتى وإن استبعده عقلك؛ لأنك لو أنكرت ما يستبعده عقلك لم تكن مؤمناً في الواقع بل متبعاً لهواك, ومن النصيحة للرسول ﷺ : طاعته فيما أمر؛ فإن ذلك من النصيحة له, ولا يرد على هذا أن الصحابة ﵃ أحياناً يعارضون الرسول ﷺ لكن إذا انكشف لهم الأمر سلموا واستسلموا غاية الاستسلام, مثال ذلك: لما أمرهم حين طاف وسعى في البيت في حجة الوداع أمر من لم يسق الهدي أن يجعلها عمرة فناقشوه في ذلك فقالوا: يا رسول الله قد سمينا الحج كيف تجعلها عمرة؟ وقالوا: يا رسول الله, أنحل الحل كله؟ قال: "نعم", قالوا: يا رسول الله نأتي النساء؟ قال: "نعم", قالوا: نذهب إلى منى وذكر أحدنا يقطر منياً", إلى هذا الحد وهي كلمة قد يستحي منها كثير من الناس, لكن كل هذا يريدون من الرسول أن ينسخ ما أمرهم به لكنه حتم عليهم, قال: افعلوا ما أمرتكم به, فهل فعلوا؟ الجواب: فعلوا, فلا يعد هذا من ترك النصيحة للرسول ﷺ ؛ لأن المراجعة في وقت التشريع جائزة, إذ قد يختلف الشرع, ولهذا لما أثر النبي ﷺ في تحريم لحوم الحمر أمر أن تكسر القدور, لأن الحمر الأهلية قد حرمت وهي تفور على النار, قد ذبحوها وقطعوا لحمها وجعلوها في قدور فحرمت وأمر أن تكسر القدور فقالوا: يا رسول الله أونغسلها؟ فقال: "أغسلوها" هنا الأمر نسخ بالثاني, فالصحابة يراجعون الرسول ﷺ لعل الأمر ينسخ, ومثل ذلك أيضًا تأخرهم عن الحلق في صلح الحديبية حيث تأخروا يرجون النسخ, فلما خرج الرسول ﷺ بمشورة أم سلمة إليهم دعا بالحلاق وحلق رأسه جعلوا يحلقون رءوسهم حتى كاد بعضهم يقتل البعض غما.
المهم: أن من النصيحة للرسول طاعته فيما أمر, ولا يرد على ذلك أن الصحابة ﵃ أحياناً يناقشونه؛ لأنهم يناقشونه لا عصياناً, ولكن يرجون النسخ, وقد وقع النسخ بعد مراجعتهم إياها كما في حديث تكسير القدور.
النصيحة للرسول ﷺ أن يجتنب الإنسان ما نهي عنه, فإذا نهي عن شيء فليجتنبه حتى وإن هوته نفسه؛ لأن الخير فيما جاء عن رسول الله ﷺ , وأعلم أن العافية ستكون حميدة إذا نصحت للرسول ﷺ , وقد أشار الله إلى النصح له ولرسوله في قوله: ﴿ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله﴾ [التوبة: ٩١]. فلابد من النصح للرسول.
ومن النصح للرسول ﷺ : الذب عن سنته, لأن النبي ﷺ له أعداء, قال الله تعالى: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين﴾ [الفرقان: ٣١]. فله أعداء, فمن النصيحة له: أن تذب عن سنته
стр. 3443
صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية والإقرارية, وهذا أمر ظاهر, فالسكوت عن الذب عن سنته ليس من النصيحة بل عليك أن تذب عن سنته ﷺ كلما دعت الحاجة إلى ذلك.
ومن النصيحة للرسول ﷺ : إعانته ومشاركته في الجهاد في سبيل الله كما وقع للصحابة ﵃, فإنهم قاتلوا معه ولم يتخلف عنه عاتبهم الرسول ﷺ أشد عتاب ككعب بن مالك وصاحبه حتى تابوا إلى الله فمحا الله عنهم ما جرى.
النصح للولاة وللعلماء:
النصح لأئمة المسلمين, "أئمة": جمع إمام والمراد به: كل من يقتدي به, فيشمل الأمراء, ويشمل العلماء, ويشمل أئمة المساجد, ويشمل نظراء المدارس وغيرهم؛ لأن قوله: "الأئمة" جمع إمام, المراد: كل من يؤتم به سواء الإمامة الكبرى أو الصغرى وسواء إمامة دينية أو إمامة أميرية, النصح لولاة الأمور أو لأئمة المسلمين أمر مهم, وهو أهم نم النصح لعامتهم ولكن كيف يكون ذلك؟ لابد من سلوك الحكمة في النصيحة لهم, فالعلماء لهم نصيحة خاصة والأمراء لهم نصيحة خاصة والطرق الموصلة إليهم تختلف أيضاً باختلاف الأحوال.
فالنصيحة للعالم أولاً: أن يحمل الإنسان ما أخطأ فيه على حسن النية بقدر الإمكان؛ لأن العالم لابد أن يفتي إلا أن يشاء الله وكل إنسان معرض للخطأ, فتحمل خطيئته على أحسن المحامل متى وجدت لذلك مساغاً.
ثانياً: أن تناقشه فيما ترى أنه أخطأ فيه, لكن قد تكون المناقشة علانية وقد تكون سرية, فيتبع الأصلح في ذلك, فإن أشكل عليك بالسرية فلا بأس بالعلانية, السرية في الغالب أنفع وأجدى.
النصيحة للأمراء: أولاً: أن تعتقد وجوب طاعتهم في غير معصية الله؛ لأنك إذا لم تعتقد ذلك فلن تطيعه, ومن الذي أوجبها؟ الله في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ [النساء: ٥٩]. وفي قول الرسول ﷺ : «اسمعوا وأطيعوا» وفي مبايعة الصحابة له على ذلك كما في حديث عبادة بن الصامت: «بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا ويسرنا وعسرنا وأثرة علينا».
ثالثاً: أن تطيع أوامره, هذا من النصيحة لهم إلا في معصية الله, وإن عصوا نطيعهم إلا في معصية الله, يعني: لو كانوا فساقاً يشربون الخمر ويلعبون القمار يجب علينا طاعتهم حتى في هذه الحال؛ لأنه يجب أن نطيعهم وإن عصوا, لكن في المعصية لو يأمروننا بأدنى معصية ولو لم تكن كبيرة, فإنه لا يجب علينا أن نطيعهم وإن عصوا, لكن في المعصية لو يأمروننا بأدنى معصية ولو لم تكن كبيرة فإنه لا يجب علينا أن نطيعهم, ولكن هل ننابذ أو أن نقول: لا نستطيع أن نفعل
стр. 3444
نقابلهم بهدوء لعلهم يرجعون؟ الثاني يتعين؛ لأن منابذتهم قد تؤدي إلى أن يركبوا رؤوسهم وأن يلزموك ويكرهوك على الشيء لكن إذا أتيت بهدوء ونصيحة وقلت: ربنا وربك الله, والله نهى عن هذا, والذي أوجب علينا طاعتكم هو الله, لكن في غير المعصية وتهادنه فإن اهتدى فهو المطلوب, وإن لم يهتد فأنت معذور لأنك مكره.
الثالث: من نصيحتهم: ألا نثير الناس عليهم, وإثارة الناس عليهم ليس معناها أن نقول: يا أيها الناس ثيروا على أمرائكم هذه ما أحد يقول هكذا, لكن ذكر المساوئ وإخفاء المحاسن توجب إثارة الناس؛ لأن الإنسان بشر, وإذا ذكر لشخص المساوئ دون ذكر المحاسن سوف يمتلئ قلبه بغضاً لهذا المذكور, أما إن ذكر محاسنه ولم يتعرض لمساوئه فسوف يمتلئ قلب الإنسان بفضائله فهذا أيضًا من نصيحتهم, وقد جعلها الرسول ﷺ من الدين.
الأمر الرابع: إبداء خطأهم فيما خالفوا فيه الشرع, بمعنى: ألا تسكت, ولكن على وجه الحكمة والإخفاء, ولهذا أمر النبي ﷺ إذا رأى الإنسان من الأمير شيئاً أن يمسك بيده وأن يكلمه فيما بينه وبينه, لا أن تقوم في الناس وتنشر معايبه؛ لأن هذا يحصل به فتنة عظيمة, السكوت على الباطل لا شك أنه خطأ, لكن الكلام في الباطل الذي يؤدي إلى ما هو أشد هذا خطأ أيضًا, فالطريق السليم الذي هو النصيحة, وهو من دين الله , هو أن يأخذ الإنسان بيده ويكلمه سراً أو يكاتبه سراً, فإن أمكن أن يوصله إياه فهو المطلوب وإلا فهناك قنوات الإنسان البصير يعرف كيف يوصل هذه النتيجة إلى الأمير بالطريق المعروف, الخامس: احترامه الاحترام اللائق به, وليس احترام ولي الأمر كاحترام عامة الناس, ربما يأتيك فاسق من عامة الناس لا تبالي به ولا تكلمه, ولكن ولي الأمر على خلاف ذلك, ولاسيما إذا كان أمام الناس, لأنك إذا ظهرت أنك غير مبال به فإن هذا ينقص من قدره أمام الناس ونقصان قدر الأمير أمام الناس, لأنك إذا ظهرت أنك غير مبال به فإن هذا ينقص من قدره أمام الناس ونقصان قدر الأمير أمام الناس له سلبيات خطيرة جداً, ولاسيما إذا كثرت البلبلة وكثر الكلام فإنه يؤدي إلى مفاسد عظيمة, وكما تبين لمن كان منكم متأملاً أحوال الناس اليوم.
السادس: من النصيحة له: ألا تكذب عليه ونظهر له أن الأمور على ما ينبغي وهو خلاف الواقع؛ بمعنى: أن نبين له حقائق الأمور على ما هي عليه إن سيئة أو صالحة؛ وذلك لأن بعض الناس-والعياذ بالله- يغش الأمير, يذكر له أن الأشياء على ما يرام زعماً منه أنه يريد إدخال السرور على الأمير وهذا غلط عظيم, الواجب أن تذكر الأمور على ما هي عليه؛ لأنه لا يمكن لإنسان أن يداوي جرحاً حتى يعرف مادته ويستخرجها, وإلا فكم قال الشاعر: [الوافر]
(إذا ما الجرح ضمَّ على فسادٍ ... نبين فيه إهمال الطبيب)
стр. 3445
فليس من النصيحة أن نقول: أدخل السرور عليه ويفرح، والأمور على ما ينبغي، أمن تام ورخاء تام، ونعمة تامة، والشعب كله شبعان، والشعب كله يشكر لك، والأمر بخلاف هذا فذلك ليس بصحيح، ولهذا من أخطر الناس وأغش الناس أولئك الصحفيون الذين إذا سمعت الصحف الأجنبية في مدح رؤسائهم قلت: هؤلاء من أحسن الرؤساء وهم من أسوأ الرؤساء، لكن هؤلاء ليس عندهم نصح، فالواجب في نصيحة ولي الأمر أن يبين له الحقيقة حتى يسير على منهج سليم، هذه الأمور الستة لابد أن يلاحظها الإنسان إذا كان ناصحاً لولاة الأمور.
من النصح لولاة الأمور أيضاً: القيام بالوظائف التي تحت إمرتهم -أو هذا هو السابع-؛ لأن بعض الناس يكون موظفاً عند أمير وسواء كان الأمير السلطان الأعلى أمن دونه ولكنه لا يقوم بالوظيفة على ما ينبغي إما بقصد شيء؛ ليظهر فشل الأمير، وأن الأمير غير قادر على تدبير ما تحت يده أو بغير قصد سيء لكنه متهاون، فهذا لم ينصح لأئمة المسلمين، وعلى هذا يكون ناقصاً في دينه، إذن كل الذين يتهاونون في أداء الواجب في الوظائف يعتبرون غير ناصحين لأئمة المسلمين؛ لأن النصح أن تعمل وكأنك أنت المسئول الأول؛ يعني: لو أن الموظفين عملوا وكان الواحد منهم هو المسئول الأول لصارت الأمور على ما ينبغي، لكن كثير من الموظفين إنما يستبقون الوظائف من أجل الرغبات الخاصة، ولذلك قل أن تجد الناصح، هذه سبعة أمور كلها تدخل تحت قول الرسول: "لأئمة المسلمين" وربما تكون هناك أشياء عند التأمل لا تحضرني الآن.
أعظم نصيحة النصح للعلماء:
لكن نرجع الآن إلى الأئمة الآخرين وهم العلماء، وما أدراك من العلماء؟ العلماء: مصابيح الدجى ومنارة الهدى، العلماء هم المسئولون الأولون عن هذه الأمة؛ لأنهم يحملون شريعة النبي ﷺ في صدروهم يؤدونها إلى الناس، فعليهم مسئولية الأمة وهم أشد الناس مسئولية، لأن الأمراء يتوجهون بتوجيه من العلماء، العامة يتوجهون بتوجيه العلماء فالنصيحة لهم من أوجب الواجبات، وهي داخلة في النصيحة لكتاب الله ورسوله.
النصيحة للعلماء أولاً: أن تسأل الله لهم التوفيق للصواب؛ لأن العلماء إذا ضلوا أضلوا، فينبغي أن نسأل الله دائماً لعلماء المسلمين أن يوفقوا للصواب؛ لأن هذا من الأمور المهمة، وكذلك أيضاً ألحقوا هذا بالنصح لولاة الأمور من الأمراء بالدعاء لهم بالتوفيق والسداد، وأن يصلح لهم البطانة ويعيذهم من سوء البطانة.
ثانياً: من النصيحة للعلماء إذا أخطأ العالم -وكل عالم معرض للخطأ- فالنصيحة حقيقة للعالم ولدين الله أن تتصل بالعالم وتخاطبه مخاطبة الأخ لأخيه إن كان مساوياً لك، أو
стр. 3446
مخاطبة الابن لأبيه إن كان أعلى منك، وتناقشه بأدب واحترام وهدوء فيما كان مخطئاً فيه في ظنك حتى يتبين هل هو أخطأ أم لم يخطئ، وعلى العالم ألا يستنكر من بيان الخطأ ممن دونه، فكم من إنسان دون غيره وفق للصواب ولم يوفق من هو أعلم منه، تناقشه بهدوء حتى تبين له الحق ويرجع.
ومن النصيحة للعلماء: ألا تنشر أخطاءهم بين الناس، مع العلم بأنهم قد يكونوا هم على الصواب، لكن بعض الناس إذا رأى خطأ في ظنه من عالم طار به فرحاً ونشره بين الأمة؛ لأنه يحب أن يذل هذا العالم يشمت فيه الناس، وهذا -والله- من النصيحة، النصيحة إذا أخطأ العالم أن يوجه -وكما قلنا في الفقرة الماضية- بهدوء وإرادة الصواب، ومن العجب أن بعض الناس من غشه للعلماء أنه إذا كتب الإنسان مقالاً فيه حرف فيه خطأ وفيه صواب، يأخذ الخطأ ويترك الصواب، وربما كان هذا الصواب الذي حذفه مقيداً للخطأ، فيكون هذا مثل الذي يقول فويل للمصلين، أو يقول: لا تقربوا الصلاة، وهذه جناية -والعياذ بالله- وخيانة، وليست من النصيحة، لكن مع الأسف الشديد أن الحسد بين العلماء أكثر منه في غيرهم نسأل الله السلامة، مع أن الواجب على العلماء هو أن يكونوا يداً واحدة؛ لأنهم يحملون الشريعة، ثم إذا أتى الله أحداً منهم فضلاً فقد قال الله : ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعضٍ للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن وسئلوا الله من فضله﴾ [النساء: ٣٢]. أنت إذا رأيت الله قد من على شخص بعلم ودين وجاه فلا تحسده، بل قل: اللهم زده حتى ينفع الناس؛ لأن الإنسان إذا كان له جاه صار انتفاع الناس به أكثر فقل: اللهم زده وكما أعطيته فأعطني أسأل الله من فضله ولا تتمنى ما فضل الله به غيرك عليك.
رابعاً: من النصيحة للعلماء: نشر ما يبثونه من العلم بشريعة الله، وهذه مساعدة للعلماء؛ يعني مثلاً: عالم حضر عنده عشرون طالباً، إذا نشر كل واحد من هؤلاء علمه لعشرة أنفار كم يكونون؟ مائتين بالإضافة إلى العشرين، وهذه لا شك أنها من النصح للعلماء أن تنشر، علمه وسواء أضفت هذا إليهم فقلت: قال العالم الفلاني كذا أم لم تضفه؛ لأن الذي يعطي الأجر الله سبحانه، وهو عالم بمن نشر هذا العلم؛ ولهذا لا ينبغي للإنسان مثلاً أن يجزع إذا قال أحد بقوله ولم ينسبه إليه؛ لأن يقول: الحمد لله أنت لا تريد أن تشتهر عند الناس، ولا تريد رضا الناس، ولا تريد ثواب الناس إنما تريد ثواب الله ، فإذا نشر قولك سواء نسبه إليك أو لا فهذه من نعمة الله عليك ومن بركة علمك.
الخامس: من النصيحة للعلماء: أنك إذا رأيت العالم فعل ما يزدريه الناس به أن تنصحه وتقول: الناس انتقدوك في كذا حتى وإن لم يكن مسألة شرعية؛ لأنكم تعلمون أن العوام
стр. 3447
وصفوا بأنهم هواك يأتون الناس من تحت ثوبهم فأنت إذا رأيت من عالم ما ينقد عليه وإن لم يكن على وجه شرعي تبين له، والعالم يجب عليه أن يبين للناس ما اشتبه عليهم مما فيه ريبة؛ لأن النبي ﷺ لما مر الرجلان الأنصاريان به وهو معه صفية قال: إنها صفية؛ لأن الناس قد يشمتون بالعالم لكونه فعل ما لا يعرفونه لكنه سنة، مثلاً: رأى إنسان شخصاً يمشي حافياً، المشي عند الناس حافياً من أكبر العيوب حتى ربما يقف الناس ينظرون إليه، هذا يبيبن أن من السنة أن يمشي الإنسان حافياً؛ لأنه ﷺ كان ينهى عن كثرة الإرفاد ويأمر بالاقتفاء أحياناً، هذه أيضاً من النصيحة للعلماء، وهذا ما يحضرني الآن.
النصح للعامة كيف يكون ؟
أما النصيحة للعامة، فالنصيحة للعامة لا تتكلف كما يتكلف الإنسان النصيحة للعلماء؛ لأن العامي عامي، ممكن أن تنكر عليه بدون ذكر الدليل وبدون مناقشة، لأنه عامي، أحياناً العامي يطلب الدليل، فمن النصيحة له أن تبين له الدليل، وأن تنزله منزلته، وقد يكون بعض العوام من المستحسن أن تقابله ببشاشة حتى يقبل، وبعض العوام يقتضي خلاف ذلك، المهم: أن تعامل العامي بما يجعله منقاداً للحق مطمئناً به، هذا هو الضابط في نصيحة العامة، هذا الحديث في الحقيقة من أعظم الأحاديث وأعمها، وأنفعها؛ ولهذا قال الرسول ﷺ : "الدين نصيحة" لهؤلاء الخمسة، نسأل الله أن يوفقنا لذلك.
الترغيب في تقوى الله:
١٤٧٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: «أكثر ما يدخل الجنة: تقوى الله وحسن الخلق» أخرجه الترمذي، وصححه الحاكم.
"أكثر ما يدخل الجنة" يعني: هناك أسباب لدخول الجنة كما مر علينا في حديث عبد الله بن سلام، لكن أكثر ما يدخل هذان الشيئان: "تقوى الله وحسن الخلق"، وأنتم تعلمون كثرة النصوص الواردة في التقوى حثاً وترغيباً وأمراً، وتقوى الله يجمعها شيئان هما امتثال أمر الله واجتناب نهي الله على علم وبصيرة، أما حسن الخلق فسبق الكلام عليه، ولا حاجة إلى إعادة الكلام عليه لئلا يتكرر.
стр. 3448
حسن الخلق:
١٤٧١ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله: «إنكم لا تسعون الناس بأموالكم، ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه، وحسن الخلق». أخرجه أبو يعلى، وصححه الحاكم.
وما أجدر هذا الحديث بالتصحيح: "إنكم لا تسعون الناس بأموالكم"، هذا صحيح، الإنسان لا يمكن أن يسع الناس بماله ولو كان عنده أموال الدنيا كلها؛ يعني: أنك لابد أن تعطي كل الناس إذا أردت رضاهم عنك تعطيهم دراهم، فتأتي لتعطي أحدهم عشرة ريالات فيقول: ما أرضى أريد عشرين، هل يمكن أن تسع الناس بمالك؟ لكن تسعهم وتجذبهم وتحببهم إليك بشيئين: "بسط الوجه"، وبسطه: توسيعه؛ بأن يكون الوجه منبسطاً، وضده أن يعبس الإنسان، الإنسان إذا عبس ضاق وجهه، والثاني: "حسن الخلق" بالمقال والفعال، فإذا استعملت هذا فثق بأنك ستسع الناس وستملك قلوبهم، وكم من إنسان ليس إلى ذاك في الجود والكرم لكن عنده حسن خلق وبشاشة وبساطة وجه، فتجده محبوباً إلى الناس كثيراً لما عنده من البشاشة وبسط الوجه وحسن الخلق، مثلاً: تعين من احتاج إلى معونة، تمازح من احتاج إلى مزح، وتضحك إلى من احتاج إلى ضحك، إن النبي ﷺ -كما مر علينا- كان يمزح من أجل أن يدخل السرور على صاحبه حتى لا يبقى مغتماً خائفاً هائباً، إذن استعمل هذا مع الناس إذا أردت أن تسعهم.
المؤمن مرآة أخيه:
١٤٧٢ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله: «المؤمن مرآة أخيه المؤمن». أخرجه أبو داود بإسنادٍ حسنٍ.
"المؤمن مرآة أخيه"، وهذا أيضاً حديث جيد في المعنى، "المؤمن مرآة أخيه"، تصور الآن أنك تنظر في مرآة، المرآة لا يمكن أن تكتمك محاسنك ولا مساوئك، إن كان في الوجه لطخة من أذى رأيتها فيه، إذا كان الوجه نظيفاً رأيته فيها نظيفاً، المؤمن لأخيه بهذه المنزلة لا يمكن أن يكتمه خلقاً كان عليه، إن رأى منه حسناً بينه له وشجعه عليه ورغبه فيه، وقال: أنت على خير وعلى أجر وثواب، وإن رأى سوءاً بينه -أيضاً- له حتى يكون صريحاً معه، فيحذره من هذا السوء ويبين لع عاقبته، حتى يرى الإنسان خلقه الباطن في فكر أخيه، كأنما ينظر إلى خلقته الظاهرة بالمرآة، وهذا هو الناصح وهذا هو الأخ، أما من يكتم المساوئ ويبين المحاسن وربما
стр. 3449
يزيد عليها كاذباً، فهذا ليس بمؤمن، وهذا ناقص الإيمان، المؤمن حقاً هو الذي يكون لأخيه بمنزلة المرآة؛ ولهذا قال: "المؤمن مرآة أخيه".
لو قال قائل: أخشى إن بينت لأخي المساوئ أن يغضب.
فنقول: نعم هذا وارد، لكن لا تبين المساوئ وتكتم المحاسن، قل: والله أنت فيك الخلق الفلاني وهذا خلق طيب، ولكن لابد لكل جواد من كبوة، ولكل سالم نبوة، وربما يستنكر بعض الناس منك فعل كذا وكذا فلو تجنبته لكنت أكمل وأحسن، وتأتي به بهدوء، حينئذٍ تكون بينت المحاسن والمساوئ.
مخالطة الناس والصبر على أذاهم:
١٤٧٣ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خيرٌ من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم». أخرجه ابن ماجة بإسناد حسنٍ، وهو عند الترمذي، إلا أنه لم يسم الصحابي.
وعدم تسمية الصحابي لا تضر؛ لأن الصحابة كلهم عدول، يقول الرسول ﷺ : "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على آذاهم"، يخالطهم يعني: يذهب معهم، ويجيء معهم، ويجلس إليهم، ويتكلم معهم، وضده من لا يخالط الناس وهو المعتزل للناس، يقول ﷺ : "ويصبر على أذاهم"؛ لأن الإنسان الذي يخالط الناس لابد من أذية، لابد أن يسمع كلاماً يؤذيه، لابد أن يرى فعلاً يؤذيه، لابد أن يهان، المهم هذا شيء معروف، لكن يصبر على أذاهم ويصابر، ويقول: الذي لا يأتي اليوم يأتي غداً، ويستحضر دائماً قول الله : ﴿خذ العفو﴾ [الأعراف: ١٩٩]. هذه الآية اجعلها دائماً أمامك في معاملة الناس لك ﴿خذ العفو﴾ أي: ما عفا وسهل فخذه، وما لا فلا تهتم به؛ ولهذا قال: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ [الأعراف: ١٩٩]. كذلك يقول: "خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس"، وعلى هذا فقوله: "من الذي"، "الذي" صفة لموصوف محذوف والتقدير من المؤمن، دليل ذلك وجودها في الجملة الأولى: "الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم"، ثم إن المؤمن الذي يخالط الناس يعرف الناس ويعرف أحوالهم ويعرف ما أخطأوا فيه، فيحاول أن يعدله، ويعرف مشاكل الناس، ويحاول أن يحلها، فمخالطة الناس فيها خير، وربما يستغني عن مخالطة الناس بتوكيل وتعميد من يخالط الناس ويخبره بأحوالهم حتى يكون على بصيرة من الأمر ويستطيع أن يعالج مشاكل الناس.
стр. 3450
في هذا الحديث فوائد: منها: تفاضل الناس في الإيمان، وجه الدلالة قوله: "خير".
وفيه أيضاً: أن الأعمال تزيد بالإيمان، لأن الخيرية التي تثبت بأفعال وهي مخالطة الناس والصبر على أذاهم، إذن الأعمال من الإيمان يزيد بزيادتهم وينقص بنقصانها.
ومن فوائد الحديث: أن الخلطة مقدمة على العزلة؛ يعني: لو قال قائل: هل الأفضل أعتزل في بيتي ولا أخرج من بيتي إلى المسجد ولا أكلم الناس ولا أخالطهم، أو الأفضل أن أخالط الناس؟
قلنا: ظاهر الحديث أن الأفضل المخالطة والصبر على أذاهم، ولكن في هذا تفصيل: إذا كانت مخالطة الناس تؤدي إلى الوقوع في المحرم مثل ألا أجد مخالطة إلا مع قوم يلعبون القمار أو مع قوم يشربون الخمر فهنا لا شك أن العزلة عنهم واجبة؛ لأن البقاء معهم بقاء على منكر، والبقاء على المنكر محرم، وعلى هذا فيقال: الخلطة أفضل من العزلة هذا من حيث الأصل، لكن قد يكون هناك أحوال يفضل فيها العزلة على الخلطة؛ فلا يقال: إن الخلطة أفضل مطلقاً، ولا العزلة أفضل مطلقاً، لكن عند الموازنة بينهما بقطع النظر عن العوارض نقول الخلطة أفضل.
ومن فوائد الحديث: حث النبي ﷺ على الاختلاط بالناس؛ حتى يعرف الإنسان أحوالهم ويكون منهم على بصيرة، أنت إذا لم تخالط الناس لا تدري ما الذي يحدث في المجتمع، ولا تدري ما مشاكل الناس حتى تحاول حلها، ولا تدري حال الرجل المعين حتى تعامله بما تقتضيه حاله، فلابد من الاختلاط.
الدعاء بحسن الخلق:
١٤٧٤ - وعن ابن مسعودٍ ﵁ قال: قال رسول الله: «اللهم كما أحسنت خَلقي، فحسن خُلقي». رواه أحمد، وصححه ابن حبان.
هذا الحديث أيضاً جدير بالصحة: "اللهم كما حسنت خلقي"، يقوله الآدمي أيا كان قدره حتى لو كان من أشد الناس دمامة فهو حسن الخلق، فإنه لا شيء من مخلوقات الله -فيما نعلم- أكمل من خلقه الإنسان، فالإنسان بخلقته مكمل مفضل على غيره، خلقته أحسن خلقة، قال الله : ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ [التين: ٤]. وقال: ﴿لقد خلقنا الإنسان في كبدٍ﴾ [البلد: ٤]. أي: في ارتفاع وعلو على غيره، وقيل: ﴿في كبدٍ﴾ مكابدة الأمور، وكلا المعنيين صحيح، لكن على كل حال الإنسان خلقته محسنة على كل الحيوانات.
стр. 3451
نقول: "كما حسنت خَلقي فحسن خُلقي"، والخُلق: هو الصورة الباطنة، كم من إنسان جميل الخلقة من أحسن الناس لكن خلقه سيئ، فيغطي سوء خلقه محاسن خلقته، وكم من إنسان دميم الخلقة ولكنه حسن الخلق، فيغطي حسن خلقه دمامة خلقته، فإذا اجتمع الأمران صار هذا خيراً، لكن على كل حال: قل: اللهم كما أحسنت خَلقي فحسن خُلقي.
ففي هذا الحديث فوائد منها: جواز التوسل بأفعال الله لقوله: "كما حسنت خلقي فحسن خلقي" كقوله ﷺ : "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم"، والتوسل إلى الله بأفعاله توسل شرعي.
ومن فوائد الحديث: الثناء على الله ، والاعتراف له بالنعمة بتحسين الخلقة.
ومن فوائده: حث الإنسان على سؤال الله تعالى أن يحسن خلقه؛ لأنه إذا حسن الله خلقه استراح واطمأن، وصار دائماً في رضا لا يغضب، وإذا غضب فهو سريع القيئة، ولا يعيش في وجه أحد تجده دائماً راضياً مرضياً عنه.
* * * *
٦ - باب الذكر والدعاء
لما انتهى ﵀ من ذكر الأخلاق ومحاسنها ومساوئها، ثم ختم كتابه بهذا العنوان العظيم الذكر والدعاء.
حقيقة الذكر وأنواعه:
الذكر باللسان بكسر الذال وبالقلب بضم الذال، فإذا كان بمعنى التذكر فهو بضم الذال نقول: نسيت فلاناً بعد الذكر هذا ذكر القلب، ولا تقول: بعد الذكر؛ لأن الذكر هو قول الإنسان كما ذكره أهل اللغة، وقيل: إنه يجوز الكسر في المعنيين جميعاً؛ يعني: يجوز أن تجعل ذكر القلب وذكر اللسان بالكسر، أما ذكر اللسان فلا يقال بالضم، فصار عندنا ذكر اللسان بالكسر، وذكر القلب بالضم، هذا هو الأفصح، وبعض علماء اللغة يقول: لا يجوز غيره، ولكن بعضهم قال: إنه يجوز الكسر، وما المراد بالذكر؟ المراد به ذكر الله ، ثم اعلم أن ذكر الله تعالى يكون بالقلب، ويكون باللسان، ويكون بالجوارح، إذن متعلقاته ثلاثة: القلب، واللسان، والجوارح، وأهمها ذكر القلب، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا﴾ [الكهف: ٢٨]. ولم يقل: من أغفلنا لسانه أو جوارحه، بل قال: ﴿قلبه﴾، ولذلك يكون الذكر باللسان والجوارح دون القلب قشوراً بلا لب، تجد الإنسان لا يزداد به إيماناً ولا ينتفع به ذلك الانتفاع، لكن إذا اجتمع ذكر القلب واللسان والجوارح هذا أعلى الذكر، فعليك أن تذكر الله دائماً بقلبك، واحرص على أن يكون قلبك حاضراً عند الذكر باللسان والجوارح، الذكر باللسان:
стр. 3452
هو قول اللسان وهو معروف: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، الذكر بالجوارح: العمل بطاعة الله، قال الله تعالى: ﴿اتل مآ أوحى إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر﴾ [العنكبوت: ٤٥]. ذكر الله بعد الصلاة أكبر، وقال تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة: ٩]. وهذا أمر بالسعي إلى الخطبة وهي من ذكر الله وإلى الصلاة أيضاً، لكن إذا ذكرت أفعال الجوارح والذكر صار خاصاً باللسان؛ يعني مثلاً، ذكرت الصلاة وبعدها ذكر مثل: ﴿فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله﴾ [النساء: ١٠٣]. فجعل الذكر بعد القضاء من الصلاة، فنقول: المراد بالذكر هنا: ذكر اللسان المعروف، سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، وذكر القلب: التفكر في آيات الله هو ذكر القلب، عندما نقول: لا إله إلا الله نتفكر في معناها هذا ذكر القلب، وقد لا يكون هناك ذكر باللسان أو الجوارح، لكن ذكر القلب كالتفكر في خلق السموات والأرض.
حقيقة الدعاء وشروط الاستجابة:
الدعاء: دعاء الله ، ودعاء الله تعالى يكون بلسان المقال، وبلسان الحال، فإذا قلت: اللهم اغفر لي، فهذا دعاء بلسان المقال، وإذا قرأت القرآن فهو دعاء بلسان الحال؛ لأن قارئ القرآن ماذا يريد؟ يريد الثواب، فكأنه يقول بلسان حاله: اللهم أثبني؛ ولهذا نقول: الدعاء عبادة، والعبادة دعاء، الدين دعاء، والدعاء دين، قال الله تعالى: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي﴾ [غافر: ٦٠]. قال ﴿ادعوني﴾ ثم قال: ﴿يستكبرون عن عبادتي﴾، فدل هذا على أن الدعاء عبادة، والدعاء دين أو من الدين، قال الله ﵎: ﴿وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين﴾ [لقمان: ٣٢]. هل هم يركعون ويسجدون؟ لا، هم يسألون الله أن ينجيهم، فسمى الله دعاءهم ديناً؛ إذن الدعاء من الدين والدعاء من العبادة، والعبادة دعاء، والدين دعاء؛ لأن كل إنسان يدين بالله إنما يريد الثواب فهو دائم بلسان الحال، لكن إذا ذكر الذكر والدعاء هنا يفترقان يكون الذكر ما أشرنا إليه أولاً، والدعاء دعاء السؤال بلسان المقال أن نقول: اللهم اغفر لي وارحمني ... إلخ، واعلم أن الدعاء هو إظهار العبد افتقاره إلى الله ، واستغاثته به، واعتماده عليه، فهو في الحقيقة يمثل حقيقة العبودية، وأن الإنسان مضطر ومفتقر إلى ربه، ولهذا كلما اشتدت الحاجة إليه كان الإنسان إلى ربه أخبت وأطوع؛ لأنه يعلم أنه لا ينجيه إلا الله ، لكن له شروط وآداب، من أهم شروطه: أن يكون الإنسان معتقداً أنه عاجز عن حصول مطلوبه إلا بالله، يعني: أن يعرف أنه عاجز مفتقر إلى الله غاية الافتقار، أما أن يدعو وهو يشعر بأنه مستغنٍ عن الله فهذا لا يجاب، وكيف يجيب الله ، شخصاً يدعو الله وهو يرى أنه غير محتاج إلى الله؟ !
стр. 3453
ثانياً: أن يعتقد أن الله لا يخيب سؤاله، بل هو قادر على إجابته؛ ولهذا لو دعا ويشك هل يجيب الله دعاءه أو لا؟ لا يجاب، وفي الحديث: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة".
الثالث: أن يتجنب أكل الحرام، فإن أكل الحرام من أكبر موانع الإجابة، واستمع إلى الحديث العظيم وهو قول الرسول ﷺ : "إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين"، فقال تعالى: ﴿يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً﴾ [المؤمنون: ٥١]. وقال تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله﴾ [البقرة: ١٧٢]. ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطمعه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام؛ فأني يستجاب لذلك"، هذا الرجل جمع أسباب الإجابة وهي إطالة السفر، والثاني أشعث أغبر مهتم بالعبادة دون هندام نفسه، يمد يديه إلى السماء، ومد اليدين من أسباب الإجابة، يقول: يا رب يا رب، يتوسل إلى الله تعالى بربوبيته التي بها يكون الخلق والتقدير والأمر والتدبير، ومع ذلك يقول الرسول ﷺ : "فأني يستجاب لذلك"؛ لأنه كان يأكل الحرام ويشرب الحرام ويتغذى بالحرام فأنى يستجاب لذلك، الشرط الرابع: ألا يدعو بإثم فإن دعا بإثم أو قطيعة رحم فإنه لا يجاب لو سأل ما لا يمكن شرعاً فإنه لا يجاب، لو سأل الله أن يجعله نبياً، مسكيناٌ ما رضي أن يكون عالماً فقال: اللهم اجعلني نبياً فلا يجاب لو سأل أن يجمع الله تعالى بين النقيضين لا يجاب هذا الثاني: لو سأل ما لا يمكن عقلاً وقدراً، فمن شرط إجابة الدعاء ألا يدعو بإثم أو قطيعة رحم، وإن شئت فقل: ألا يعتدي في دعائه، وهذا أعم وأشمل لقوله تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعاً وخفيةً إنه لا يحب المعتدين﴾ [الأعراف: ٥٥].
آداب الدعاء:
وللدعاء آداب كثيرة منها: رفع اليدين عند الدعاء؛ فإن النبي ﷺ قال: "إن الله حييٌّ كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً"، فقوله: "إذا رفع إليه يديه" يدل على أن رفع اليدين من أسباب إجابة الدعاء، إلا في المواطن التي جاءت السنة فيها بعدم الرفع إما صريحاً وإما ظاهراً، فهنا لا ترفع إما صريحاً كرفع اليدين من الخطيب في خطبة الجمعة، فإن الرسول كان لا يرفع يديه إلا في الاستسقاء أو الاستصحاء، ومن ذلك أيضاً الدعاء في الصلاة فإن النبي ﷺ كان لا يرفع يديه في دعاء الصلاة لا يزيد على الاستفتاح وهو قوله: "اللهم باعد
стр. 3454
بيني وبين خطاياي ... إلخ"، ولا في الدعاء بين السجدتين، ولا في التشهد، لا يرفع يديه إلا في القنوت؛ فإنه كان يرفع يديه إذا قنت لقوم أو على قوم، وما عدا ذلك فإنه لا رفع لليدين في الصلاة في الدعاء، وإما ظاهراً مثل كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل"، فإن ظاهر الحديث أنه كان لا يرفع يديه.
فالمهم: أن الأصل في الدعاء رفع اليدين إلا إذا أوردت السنة بعدم الرفع ظاهراً أو صريحاً فلا يرفع، قو المصلي بعد السلام: "أستغفر الله" هذا دعاء، لكن هل كان الرسول ﷺ يرفع يديه؟ لا، ظاهر السنة ألا يرفع؛ لأن الذين يصفون صلاة النبي ﷺ لا يقولون أنه كان يرفع يديه عند الاستغفار.
من آداب الدعاء: ألا يخص الإمام نفسه بالدعاء الذي يجهر به ويؤمن عليه الناس في دعاء القنوت، قنوت الوتر، لا يقل: اللهم اهدني فيمن هديت، مع أن الواجب في السنة الذي علمه الرسول ﷺ للحسن: اللهم اهدني، لكن الإمام لا يقل: اللهم اهدني، وقد جاء في الحديث: "إذا خص الإمام نفسه بالدعاء فقد خانهم" يعني: المأمومين؛ لأنك أنت تقول: اللهم اهدني، والناس يؤمنون على دعائك لنفسك، فإذا كان وراءك أناس قل: اللهم أهدنا فيمن هديت ... إلخ، ولهذا جاء الدعاء في الفاتحة بلفظ الجمع: ﴿اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضآلين﴾ [الفاتحة: ٦، ٧]. فقد استشكل بعض العلماء قال: كيف يكون الدعاء بلفظ الجمع، ولفظ الجمع للمفرد يدل على التعظيم، والداعي في مقام الذل ليس في مقام العظمة ولهذا علم النبي ﷺ الحسن دعاء القنوت فقال: اللهم أهدني، فكأن الحكمة -والله أعلم- أن هذه السورة سوف تقرأ من المسلمين عموماً، فيكون الذي يقول: ﴿أهدنا الصراط المستقيم﴾ مستحضراً أنه يدعو للمسلمين عموماً، ولاسيما إذا كان إماماً؛ لأنه لو كان إماماً؛ لأنه لو كان إماماً ولفظ الآية ﴿اهدني الصراط المستقيم﴾ صار في هذا اختصاص مع أنه يدعو للعموم.
فضل المداومة على ذكر الله:
١٤٧٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله : أنا مع عبدي ما ذكرني، وتحركت بي شفتاه». أخرجه ابن ماجه، وصححه ابن حبان، وذكره البخاري تعليقاً.
стр. 3455
قوله: "قال رسول الله ﷺ يقول الله تعالى"، إذا قال قائل: أين قال الله تعالى ذلك، ليس في القرآن أن الله قال ذلك، فكيف يصح أن يقول: قال الله؟ نقول: هذا مما رواه النبي ﷺ عن ربه، ويسمى الحديث القدسي، وهو في مرتبة بين القرآن وبين الحديث النبوي.
يقول الله تعالى: "أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه"، مع تقييد المصاحبة والمقارنة هذا على وجه الإطلاق، فهي في اللغة للمصاحبة والمقارنة، ولكنها تختلف بحسب ما تضاف إليه؛ أي: أن مقتضى المعية يختلف بحسب ما تضاف إليه، وإلا فالمعنى الشامل العام هو المصاحبة والمقارنة، وقوله: "ما ذكرني"، "ما" هذه يسميها النحويون مصدرية ظرفية؛ أي: مدة دوام ذكره لي وتحركت بي شفتاه، هذا يشعر بأن المراد ذكر اللسان.
ففي هذا الحديث: إثبات رواية النبي ﷺ عن ربه لقوله: "يقول الله تعالى"، وإثبات رواية النبي ﷺ عن ربه تحتاج أولاً إلى صحة السند إلى رسول الله ﷺ ؛ لأن من الأحاديث التي يدعى أنها قدسية أحاديث ضعيفة بل موضوعة، بخلاف القرآن، القرآن محفوظ لا يستطيع أحد أن يزيد فيه أو ينقص، لكن الأحاديث القدسية فيها الصحيح، وفيها الحسن، وفيها الضعيف، وفيها الموضوع، ويُعلم ذلك من كتب السنة.
ومن فوائد الحديث: فضيلة ذكر الله ، وجه ذلك: أن الله تعالى يكون مع الذاكر طال ذكره أم قصر لقوله: "ما ذكرني"، إن شئت أن تذكر الله دائماً فالله تعالى يذكرك دائماً، ولهذا جاء في القرآن الكريم: ﴿يأيها الذين ءامنوا إذا لقيتم فئةً فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون" [الأنفال: ٤٥]. فأمر الله تعالى بذكر الله كثيراً عند ملاقاة العدو؛ لأن هذا يستلزم أن يكون الله معه، ومن كان الله معه فهو غالب ولابد، ولهذا أمر بالثبات الذي هو نتيجة الصبر والله مع الصابرين، وأمر بذكر الله، والله تعالى مع الذاكرين، فصار مقتضى المعية في هذه الآية شيئين: الصبر الذي نتيجته الثبات: ذكر الله ، وكلاهما يقتضي النصر وأن يكون مع المقاتلين.
ومن فوائد الحديث: إثبات المعية الخاصة؛ لأن قوله: "أنا مع عبدي ما ذكرني" مفهومه: إذا لم يحصل الذكر فإن الله ليس معه، ولكن هذا في المعية الخاصة، فالمعية الخاصة لها أسباب توجدها وتنتفي بانتفائها؛ ولهذا لو سألنا سائل هل المعية صفة ذاتية لازمة لله أو هي صفة فعلية توجد بوجود أسبابها؟ نقول: في هذا تفصيل، أما المعية العامة وهي التي تقتضي العلم والإحاطة بالخلق سمعاً وبصراً وسلطاناً وتقديراً، وغير ذلك فهذه معية عامة وصفة ذاتية، وأما الخاصة التي لها سبب فهي معية خاصة وصفة فعلية؛ لأنها توجد بوجود أسبابها وتنتفي بانتفاء أسبابها.
стр. 3456
فإذا قال قائل: كيف تصح المعية مع أن أهل السنة والجماعة يقولون: إن الله تعالى فوق كل شيء، فهو على العرش استوى؟
فالجواب عن ذلك أولاً: أن الله تعالى لا مثيل له في جميع الصفات، فإذا قلنا: إنه يتعذر أن يكون الإنسان في السطح وهو معك وأنت في الأسفل فإن ذلك في حق الله لا يتعذر؛ لأن الله تعالى ليس كمثله شيء في جميع صفاته فيكون الله معك وهو عالٍ فوق كل شيء، ولا يلزم من معيته أن يكون مصاحباً لك في المكان، بل هذا متعذر غاية التعذر.
ثانياً: أن الله أثبت لنفسه أنه مع الخلق وأثبت لنفسه أنه فوق كل شيء، ولا منافاة بينهما، فيجب أن نثبت لله ما أثبته لنفسه وننفي ما نفاه عن نفسه، نثبت له العلو المطلق ونثبت له المعية، ونقول: إن الله ليس كمثله شيء، ولهذا قال شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية: وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكره من علوه وفوقيته؛ فإنه ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو قريب في علوه علي في دنوه، فالله تعالى ليس كمثله شيء حتى نقول: إن حقيقة المعية تنافي حقيقة العلو.
الوجه الثاني: أنه لا منافاة بين العلو والمعية حتى في حق المخلوق، وقد ضرب شيخ الإسلام ﵀ مثلاً لذلك في العقيدة الواسطية -وهي من أكثر كتب العقيدة بركة- قال: القمر آية من آيات الله مخلوق من مخلوقاته وأين موضعه في السماء والناس يقولون: هو معنا، يقول المسافر: ما زلت أسير والقمر معي حتى غاب، فإذا كان هذا ممكناً في حق المخلوق بأن يكون عالياً وأن يكون مع الإنسان حقيقة فذلك في حق الخالق من باب أولى، وعلى هذا التقرير الذي ذكره الشيخ ﵀ يطمئن الإنسان ويسلم من اعتراض أهل التعطيل الذين أولوا الصفات ثم احتجوا علينا بتأويل المعية، نقول: نحن لا نؤولها، نقول: هي حق على حقيقها، ولا منافاة بين كون الله معنا وهو في السماء، أما أن نقول كما قالت الجهمية: إن الله في الأرض؛ فهذا نرى أنه كفر، وأن من قاله فهو مباح الدم ومباح المال؛ لأنه مكذب لله ورسوله وإجماع المسلمين- يعني: إجماع سلف الأمة- ومخالف للعقل، وكيف يصح أن يكون الله معنا في أمكنتنا أيزيد بزيادة الأمكنة وينقص بنقصها، أيكون مع الإنسان في الحش والأماكن القذرة، أيكون في أذن الكلاب والخنازير، نسأل الله العافية، هذا قول منكر من أعظم ما يكون، وقد صرح بعض السلف أنه من قال ذلك فهو كافر وهذا هو الحق إلا أن يكون جاهلاً لم يبلغه الحق، فهذا قد يعذر بجهله، لكن بعد أن يتبين له الحق فإن: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وسآءت مصيراً﴾ [النساء: ١١٥]. على هذا القول أنت الآن في المسجد أين الله؟ في المسجد، ذهبت إلى السوق في السوق، في
стр. 3457
البيت في البيت، في الغرفة في الغرفة، في الحجرة أسفل في الحجرة، في الحمام في الحمام، على قولهم في كل مكان، نسأل الله العافية، من يقول هذا يلزم منه إما التعدد وإما التجزئة، إما أن يكون الله ملايين الملايين، وإما أن يكون متجزئاً بعضه هنا وبعضه هناك، فعلى كل حال: نحن نقول: المعية الحقيقية لا تنافي العلو، وقد ذكرنا أن الله أثبت لنفسه هذا وهذا فالواجب إثباته.
ثانياً: أن الله لا مثيل له، فلو قدر أن العلو والمعية متناقضان في حق المخلوق فهما ممكنان في حق الخالق.
الوجه الثالث: أنه لا تناقض بينهما في الواقع، فقد يكون الشيء عالياً وهو معنا كما ذكرنا لكم كلام شيخ الإسلام ﵀، لكن قال: إنه يصان عن الظنون الكاذبة، من الظنون الكاذبة ما ذهب إليه هؤلاء الجهمية الحلولية الذين يقولون: إن الله معنا في كل مكان، هذا ظن كاذب يصان الله عنه، ويصان كلامه عن هذا المعنى.
إذن المعية تنقسم إلى قسمين: عامة وخاصة، العامة: هي الشاملة لجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم، ومنها قول الله ﵎: ﴿ألم تر أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثةٍ إلا هو رابعهم﴾ [المجادلة: ٧]. ﴿من نجوى ثلاثةٍ﴾ هذه نكرة في سياق النفي تفيد العموم: أي أي نجوى أي: متناجين ﴿ثلاثةٍ إلا هو رابعهم ولا خمسةٍ إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا﴾ [المجادلة: ٧]. كل الخلق هذه معية عامة، وقال تعالى: ﴿هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيامٍ ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم﴾ [الحديد: ٤]. لكن هذه تقتضي الإحاطة بالخلق علماً وقدرة وسمعاً وبصراً وسلطاناً وغير ذلك من مقتضيات الربوبية، ولا فيها نصر ولا تأييد أحد.
القسم الثاني: خاصة، هذه الخاصة: خاصة بوصف، وخاصة بشخص، الخاصة بالوصف مثل: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ من هم؟ كل من اتصف بالتقوى والإحسان فالله معه جعلني الله وإياكم منهم، ﴿واصبروا إن الله مع الصابرين﴾ [الأنفال: ٤٦]. والأسئلة على هذا كثيرة هذه خاصة بوصف، خاص بشخص وهي أخص من الأولى، مثل قول الرسول ﷺ لصاحبه: ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ [التوبة: ٤٠]. هذه ليست عامة لكل مؤمن، بل هي خاصة بهذين الرجلين نبي الله محمد ﷺ والصديق أبو بكر ﵁ هذه خاصة بشخص، وكقوله تعالى لموسى وهارون: ﴿لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى﴾ [طه: ٤٦]. الخطاب لمن؟ لموسى وهارون، إذن هو خاص بشخص، ولا شك أن الإنسان إذا شعر أن الله معه فسوف ينشط على العمل ويقوى ويقدم حيث أمر بالإقدام، ويحجم حيث أمر بالإحجام.
стр. 3458
لنرجع إلى الحديث الذي معنا هل هو من خاصة الخاصة أو خاصة غير الخاصة؟ الخاصة غير الخاصة؛ لأنه يقول: "أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه"، فهو خاص لكنه ليس من خاص الخاص؛ لأنه مقيد بوصف.
ومن فوائد الحديث: أن معية الله للذاكر تكون إذا اتفق القلب واللسان لقوله: "وتحركت بي شفتاه"، وليت المؤلف ﵀ أتى بالحديث الذي هو أصح من هذا، وهو أن الله قال: "أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم"؛ لأن هذا فيه تفصيل، وفيه أيضاً البشارة بأن الله عند ظن عبده به، ولكن لاحظ أن الظن لابد أن يكون له سبب، إذا لم يكن سبب فالظن وهم وخيال؛ يعني مثلاً: ظن أن الله يغفر له بدون أسباب المغفرة، هذا الظن وهم وخيال لا محل له، لكن إذا عمل صالحاً فليظن بالله خيراً، إذا دعا الله فليظن بالله خيراً؛ لأن الله قال: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر: ٦٠]. فأحسن الظن بالله لابد له من سبب يقتضيه، أما بدون سبب إنسان يعمل عملاً سيئاً ويقول: أنا أحسن الظن بالله أن الله يغفر لي؟ لا، لابد من فعل السبب، لو أن إنساناً أحسن الظن بالله أن الله سيرزقه ولدا قلنا له: تزوج، قال: لا إن ظني بالله خير، من أين يأتي الولد؟ فهذا وهم، كذلك الأمور المعنوية التي جعلها الله تعالى أسباباً لابد من وجودها؛ ولذلك بعض الناس قد يعتمد ويغلب عليه الرجاء فيقول: إن الله يقول: "أنا عند ظن عبدي بي"، نقول: افعل ما يكون سبباً لحسن الظن، فإذا فعلت السبب فلا تظن أن الله يخيبك؛ ولهذا قال بعض السلف: ما ألهم عبد الدعاء إلا وفق للإجابة؛ لأن الله يقول: ﴿وقال ربكم أدعوني أستجب لكم﴾ [غافر: ٦٠].
١٤٧٦ - وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما عمل ابن آدم عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله». أخرجه ابن أبي شيبة، والطبراني بإسنادٍ حسنٍ.
١٤٧٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما جلس قوم مجلساً يذكرون الله فيه؛ إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده». أخرجه مسلم.
١٤٧٨ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما قعد قوم مقعداً لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على النبي؛ إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة». أخرجه الترمذي، وقال: "حسنٌ".
стр. 3459
فضل "لا إله إلا الله وحده لا شريك له" ومعناها:
١٤٧٩ - وعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مراتٍ؛ كان كمن أعتق أربعة أنفسً من ولد إسماعيل». متفقٌ عليه.
ذكرنا فيما سبق من قال بلسانه مخلصاً بها في قلبه، وليس مجرد القول، بل من قال بلسانه معتقداً ذلك بقلبه.
"له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير"، "كل شيء" فالله قدير عليه ولا يعجزه؛ يعني: ليس قادراً مع الضعف، لا هو قادر مع القوة، قال الله تعالى: ﴿وما كان الله ليعجزه من شيءٍ في السموات ولا في الأرض إنه كان عليماً قديراً﴾ [فاطر: ٤٤]. فنفى عنه العجز، وعلل ذلك قال: لأنه كان عليماً قديراً، والعاجز عن الشيء إما أن يكون لجهله بكيفية عمله، وإما أن يكون لعجزه عن تنفيذ عمله، لو قال لك قائل: اصنع لنا الآن مسجلاً هل تقدر وأنت لم تتعلم؟ لا تستطيع، المانع الجهل، ولو أن إنساناً عنده علم كيف يصنع هذا المسجل لكنه لا يقدر كأن يكون أشل أو مريضاً فأمرته أن يصنع مثل هذا هل يقدر؟ لا؛ لأنه عاجز، ولهذا قال: "إنه كان عليماً قديراً" إشارة إلى أن العجز سببه أحد أمرين: إما الجهل، وإما العجز، فالقدرة تنافي الجهل والعجز؛ إذن هو على كل شيء قدير، كل شيء موجود يمكن أن يعدمه الله، وكل شيء معدوم يمكن أن يوجده الله، ويقال: إن الشيطان أراد أن يختبر جنوده حين قالوا له: ما لنا نراك إذا مات العالم فرحت فرحاً عظيماً وإذا مات العباد لا يهمك، قال: لأن العابد صلاحه على نفسه ولا يفيد غيره، ولا يهمني ذهب واحد أو عشرة، لكن العالم يصلح أمة؛ فلذلك يفرح بموته فرحاً كبيراً، ثم أراد أن يختبرهم فقال: اذهبوا إلى فلان العابد الذي هو مقيم على عبادته ليلاً ونهاراً وقولوا له: هل يستطيع الله أن يجعل السموات والأرض في بيضة أو لا؟ فذهبوا إلى العابد وسألوه: هل يستطيع الله أن يجعل السموات والأرض في بيضة أو لا؟ العابد مباشرة قال: لا أبداً، ما البيضة بالنسبة للسموات والأرض، فأنكر قدرة الله، ذهبوا إلى العالم وقالوا: هل يستطيع الله أن يجعل السموات والأرض في بيضة؟ قال: نعم، إذا أراد ذلك قال له: كن فيكون، فقال لهم الشيطان: انظروا إلى هذا وهذا، فالمهم: أنه ينبغي أن نقيد القدرة بشيء، نقول: هو قدير على كل شيء، لكن متعلق العلم أوسع من متعلق القدرة، لأن العلم يتعلق بالواجب والمستحيل والممكن،
стр. 3460
فالله تعالى يعلم أنه لا إله إلا الله، وهذا علم بالواجب، وهو يعلم أنه لو وجد مع الله إلهاً آخر لفسدت السموات والأرض، وهذا متعلق بالمستحيل، والباقي الممكنات كثيرة، لكن القدرة لا تتعلق بما ليس بشيء؛ لأن الله قال: على كل شيء قدير، وما ليس بشيء فإنه لا تعلق للقدرة به؛ لأنه ليس بشيء؛ وقد انتقضوا على الجلال السيوطي حين قال في قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿لله ملك السموات والأرض وما فيهن وهو على كل شيٍ قدير﴾ [المائدة: ١٢٠]. فقال: الأخصائيين الاجتماعين العقل ذاته فليس عليها بقادر، وهذا غلط عظيم، هو يريد الخير نعم ولكنه أساء في التعبير، يقول: إن الله مثلا لا يقدر على أن يفني ذاته وهذا خطأ؛ لأن إفناء الذات العلية مستحيل، والمستحيل ليس بشيء، والآيات الكريمة تقول: ﴿وهو على كل شيء قدير﴾ والمستحيل إنما هو مفروض في الذهن وليس موجوداً في الواقع، لكن مع ذلك نقول: هذه العبارة خطأ، ثم قد تكون ترمي إلى معنى فاسدٍ وهو نفي الأفعال الاختيارية لله؛ لأن الأفعال الاختيارية تتعلق بمشيئته وهو الذي يفعلها، فإذا قال: ليس عليها بقادر، فيوهم أنه لا يقدر أن يستوي على العرش، ولا أن ينزل إلى السماء الدنيا، ولا يستطيع الفصل بين عباده، ولا أن يضحك إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة، وعلى هذا فنقول: وهو على كل شيء قدير كل شيء هو قدير عليه، يقدر ، على أن يفني العالم بكلمة واحدة كما هو قادر على أن يخلقهم بكلمة واحدة: ﴿ومآ أمرنأ إلا واحدة كلمح بالبصر﴾ [القمر: ٥٠]. مهما كان الشيء إذا أراد الله وقال له: كن كان في لمح البصر، قال الله : ﴿فإنما هي زجرة واحدة * فإذا هم بالساهرة﴾ [النازعات: ١٣، ١٤]. كل المدفونين في الأرض والغائصين في البحار كلمة واحدة فإذا هم على ظهر الأرض، مع أن الأمم لو جعلت تحضر هذه القبور لاستخراج ما فيها تبقى أزمنة لا يعلمها إلا الله، لكن الله بكلمة واحدة يخرجهم جميعاً، ويقول : ﴿إن كانت إلا صيحةً واحدةً فإذا هم جميع لدينا محضرون﴾ [يس: ٥٣]. كلهم محضرون عند الله صيحة واحدة إذن العقل يحار حيرة عظيمة في كمال قدرة الله ، إذن أنت إذا كان فيك شيء أو تحتاج إلى شيء لا تستبعده على قدرة الله، لا تقل: أنا لا أدعو بذلك؛ لأنه غير حاصل، بل أدع الله فإن الله تعالى على كل شيء قدير، إن كان فيك ضيقة نفس فالذي جعل هذه الضيقة قادر على أن يرفعها وأن يعيد الأمر كما كان، إن كان عندك فقد مال فالذي أعطاك المال أولاً قادر على أن يرده عليك ثانياً لكنك تستعجل، فالمهم: أن الله على كل شيء قدير.
خطأ شائع:
توجد عبارة يقولها بعض الناس: "إنه على ما يشاء قدير"، هذه الكلمة غلط أولاً: أنها تقييد لما أطلقه الله ما الذي أطلقه؟ كل شيء وثانياً: أنها توهم معنى فاسداً وهو أن ما لا يشاؤه لا
стр. 3461
يقدر عليه، والمعتزلة يقولون: أفعال العباد غير مشيئة لله؛ يعني: أن الله لا يشاؤها، وعلى هذا فلا يقدر عليها، وحينئذٍ يتفرع على ذلك أنه لا يقدر أن يهدي ضالا ولا أن يضل مهتدياً، فصارت هذه الكلمة التي يتزين بها بعض الناس ويختم بها كلامه أو دعاءه كلمة غلط، أولاً: لمنافاتها ما أطلقه الله، وثانياً: لإيهامها لمعنى فاسد.
فإن قال قائل: بماذا تجيبون عن قوله تعالى: ﴿وهو على جمعهم إذا يشاء قدير﴾ [الشورى: ٢٩].
قلنا: المشيئة هنا مقيدة للجمع لا للقدرة؛ ولهذا جاءت بعد ذكر الجمع لا بعد ذكر القدرة، ويقال: وهو على جمعهم إذا شاء قدير إذا شاء الجمع قدير، خلافاً لمن قال: إن الله لا يقدر على البعث وقال: ﴿من يحى العظام وهي رميم﴾ فيقال: إذا أراد الله وشاء فالأمر عليه هين، ﴿وهو الذي يبدؤا الخلق يعيده، وهو أهون عليه﴾ [الروم: ١٧]. إذن القدرة على كل شيء لا تقيد، بل قل: وهو على كل شيء قدير.
الفرق بين القدرة والقوة:
القدرة ما ضدها؟ العجز، والقوة؟ الضعف، أيهما أعم؟ بينهما عموم وخصوص من وجه؛ لأن القوة تشمل من له شعور ومن ليس له شعور؛ يعني: الحي الجماد يقال للحي قوي ويقال للجماد قوي الحديد قوي وهو جماد، والإنسان خلق من ضعف، ثم من بعد ضعف قوة ثم من بعد قوة ضعفاً وشيبة، وهي للحي، وهي أخص من جهة أنها قدرة وزيادة؛ لأن كل قوي من الحي قادر وليس كل قادر قوي، من جهة أخرى القدرة أخص من جهة متعلقها لأنها لا تكون إلا من حي؛ ولهذا لا يمكن أن نقول للحديد: إنه قادر ونقول للحي، إنه قادر فالإنسان قادر والحيوان قادر، وكل ذي روح يوصف بأنه قادر، ولنضرب مثلاً يتبين به الأمر: رجل قيل له: احمل هذه الصخرة فحملها بسرعة ووضعها فوق رأسه ماذا نقول لهذا؟ قادر وقوي مثال آخر: قيل لهذا الرجل: احمل الصخرة فجاء يحملها فثقلت عليه ثم تعصب وتلون وجهه واشتدت عضلاته ما هذا؟ قادر وليس قوياً، وقيل للثالث: احمل الصخرة فجاء يزحزحها فعجز لم يستطع رفعها قدر شعرة ما نقول؟ نقول: عاجز، إذن هذا هو الفرق بين القوة والقدرة بينهما عموم وخصوص وجهي.
ثم قال: "من قالها عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل"، "كان كالذي أعتق" أي: حرر من الرق، "أربعة أنفس من ولد إسماعيل" أربعة أنفس، ولم يقل: أربع أنفس مع أن النفس مؤنثة: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]. مؤنثة، لكن لما كانت أنفس بمعنى رجال صار العدد المضاف إليها مؤنثاً، "أربعة أنفس من ولد إسماعيل"، من إسماعيل؟ إسماعيل بن إبراهيم أبو العرب، وإنما خص ولد إسماعيل؛ لأن أفضل أجناس بني
стр. 3462
آدم هم العرب هم بنو إسماعيل نحن لا نقول لأننا عرب، بل نقوله؛ لأن هذا هو الواقع بدليل قوله تعالى: ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ [الأنعام: ٢٤]. أين جعل الرسالة؟ الرسالة العظمى في العرب، إذن هم أهل الرسالة العظمى فهم أفضل من غيرهم ولهذا وهبهم الله من العلم والفهم والشجاعة والعزم ما لم يهب غيرهم وأقول هذا باعتبار الجنس لا باعتبار الشخص؛ لأنه قد يوجد في غير العرب من هو أفضل بكثير من العرب لكن العبرة بالجنس، فجنس العرب أفضل من غيرهم، ولذلك كان هذا الذي يقول: لا إله إلا الله عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل.
في هذا الحديث فوائد: منها: فضيلة هذا الذكر: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير".
ومنها: أنه لا زيادة فيه؛ أي: ليس فيه زيادة: "يحيي ويميت"، لكنها وردت في الذكر الذي بعد المغرب والعشاء، أما هذه العشر فليس فيها: "يحيي ويميت".
ومن فوائد الحديث: انفراد الله تعالى بالألوهية، وانفراده بالملك، وانفراده بالحمد، انفراده بالألوهية تؤخذ من قوله: "لا إله إلا الله" وانفراده بالملك من قوله: "له الملك"، ويقال كذلك في الحمد.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي في الأمور المهمة أن تؤكد سواء كانت إثباتاً أو نفياً من قوله: "وحده لا شريك له".
ومن فوائد الحديث: أن الله له الملك المطلق، ويتفرع على هذه الفائدة: أنه لا اعتراض عليه، حتى كان بعض السلف يقول: أخشى أن أكون آثماً لو قلت: لو أنزل الله المطر لكان أنفع للناس، لماذا؟ كأنه فيه اعتراض، يعني: إلى هذا الحل؛ وذلك لأن الله له الملك المطلق، كل ما حصل في الأرض أو في السماء من خير أو شر فهو ملك لله لا منازع له فاعلم أنه هو الخير.
ومن فوائد الحديث: أن الله له الحمد المطلق أيضاً: لقوله: "له الحمد" فيحمد الله على كمال صفاته، وعلى كمال إحسانه، وعلى كمال حكمته ورحمته، وغير ذلك من مقتضيات الأسماء والصفات.
ومن فوائد الحديث: عموم قدرة الله؛ لقوله: "وهو على كل شيء قدير".
ومن فوائد الحديث: اعتبار العدد، العدد يختلف تارة مرتب الحكم على عدد عشر، وتارة على سبع وهو أكثر الأحكام، وتارة على ثلاثٍ، وتارة على خمسٍ، ومثل هذه الأحكام المرتبة على الأعداد هي في الحقيقة تعبدية محضة، ومن حاول أن يلتمس لها علة فإنه لن يستطيع إلا
стр. 3463
أن يتكلف مكروهاً لا تقبله النفس، مثلاً: الصلوات المفروضة سبعة عشر ركعة موزعة على أوقاتها، هل تستطيع أن تعلل لماذا كانت الظهر والعصر والعشاء أربعاً أربعاً؟ لا؛ لأن هذه الأعداد لا نستطيع أن نعرف الحكمة منها، وحينئذٍ فيكون ترتيب الأحكام ثواباً كان أو عقاباً على عدد معين مما لا مجال للعقل فيه، لكن من أكثر الأحكام ما رتب على الثلاث والسبع، وظاهر الحديث "عشر مرات" أنه لا فرق بين أن يأتي بها متتابعة أو متفرقة تؤخذ من الإطلاق، وهذه قاعدة تفيدك أن المطلق يبقى على إطلاقه وله أمثلة قوله تعالى في صيام التمتع: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيامٍ في الحج وسبعة إذا رجعتم﴾ [البقرة: ١٩٦]. هل يجب التتابع في الثلاثة والسبعة؟ لا يجب لو صام أول يوم قدم مكة وهو محرم بالعمرة صام يوماً، هذه ثلاثة، ولما رجع صار يصوم كل أسبوع يوماً جائز لأن الله لم يقيد ولهذا قال سبحانه: ﴿تلك عشرة كاملة﴾ حتى لا يتوهم الإنسان أنها بالتفريق ينفرد كل يوم عن الآخر، ولما أراد الله تعالى التتابع في صيام الظهار وفي صيام كفارة القتل قال: ﴿فصيام شهرين متتابعين﴾ [النساء: ٩٢]. في كفارة اليمين من أخذ بالقراءة غير السبعية فصيام ثلاثة أيام متتابعة قراءة ابن مسعود من أخذ بالقراءة وهو الحق قال: إن صيام في كفارة اليمين ثلاثة أيام متتابعة، المصحف الذي معنا ليس فيه متتابعة، ولكن أخذت من قراءة ابن مسعود.
المهم: أن ما أطلقه الله ورسوله فهو على إطلاقه، وعلى هذا فإذا قلت في أول النهار: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وفي الساعة العاشرة قلتها، وفي الساعة الحادية عشرة قلتها حتى أتممت عشراً في يوم الحديث مطلق، والمراد: كل يوم، فإنها تكون كمن أعتق أربعة أنفس من بني إسماعيل.
من فوائد الحديث: إثبات جريان الرق على العرب؛ لأنه لا عتق إلا بعد رق، ويمكن أن يسترق العرب، فالكفار من العرب إذا قوتلوا وسبيت النساء والذرية صاروا أرقاء كغيرهم من الناس، وليس هذا على سبيل المبالغة وأنه المراد به ضرب المثل بل هو حقيقة، فإن العرب قد يسترقون إذا وجد سبب الرق.
ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى فضيلة العرب، لماذا؟ لأنه قال: "من ولد إسماعيل"، ولم يقل: كمن أعتق أحداً من الأرقاء، قال: "من ولد إسماعيل"، وهذا أمر ذكرنا الإشارة إليه في الشرح أن العرب هم أفضل أجناس البشر، إذا كانوا هم أفضل أجناس البشر وقد جبلوا على اللغة العربية، فأي اللغات أفضل؟ اللغة العربية، ومع الأسف أن المخدوعين بالكفار يحاولون أن يجعلوا لساناً أعجمياً، حتى الصغار يعلمونهم اللغة الإنجليزية؛ فتجده يعرف من
стр. 3464
اللغة الإنجليزية أكثر ما يعرف من العربية، وكان أمير المؤمنين عمر لعلمه بخطر اللغات غير العربية كان يضرب على الرطانة، يعني: إذا سمع أحداً يتكلم بغير اللغة العربية يضربه لئلا يعود الناس اللسان غير العربي، وفينا من يعلم أبناءه حتى السلام يعودهم كلمات غير عربية.
فضل "سبحان الله وبحمده" ومعناها:
١٤٨٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: «من قال: سبحان الله وبحمده مائة مرة؛ حطت خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر». متفق عليه.
قوله: "من قال" هذه جملة شرطية جوابها "حطت"، وقوله: "من قال" أي: بلسانه معتقداً معناها بقبله، "سبحان الله"، "سبحان" يقولون: إنها اسم مصدر من سبح، وهي منصوبة على المفعولية المطلقة دائماً، ولا يذكر معها العامل دائماً، يعني: لا يصح أن نقول: أسبح سبحان، بل يتعين أن تكون هكذا سبحان الله، ولا يقال: إنها مصدر؛ لأن مصدر سبح تسبيح، وكل ما لاقى المصدر في معناه وخالفه في لفظه فهو اسم مصدر، إذن هذا تصريف الكلمة من حيث اللغة، فما معناها؟ أي: تنزيها لله عن كل عيب ونقص، وحينئذٍ يتبين أن الله تعالى هو السلام القدوس.
"وبحمده"، "الواو" للمعية أو للحال، والباء للمصاحبة؛ أي: وأقرنوا ذلك بحمده، فيجمع الإنسان بين التنزيه عن المعايب وإثبات الكمالات، التنزيه يؤخذ من سبحان الله، وإثبات الكمالات من الحمد، "وبحمده ومائة مرة" ونقول في مائة مرة، من حيث تعيين العدد ما قلناه في "عشر مرات" إن هذا أمر توقيفي لا تعلم حكمته، ونقول فيها من حيث الإطلاق ما قلناه في "عشر مرات" أي: أنه لا يشترط أن تقولها في مجلس واحد، بل لو فرقتها حصلت لك هذا الأجر.
وقوله: "مائة مرة" هل هي وصف لقوله: "سبحانه الله وبحمده"، أو هي مقول القول، هل المعنى: من قال: سبحان الله وبحمده مائة مرة بهذا اللفظ حطت خطاياه؟ لا؛ لأنه ما قال: غير مرة واحدة؛ ولهذا كان القول بأن الطلاق الثلاث الموجود في عهد الرسول ﷺ هو أن يكون أنت طالق ثلاثاً فيه نظر؛ لأن الطلاق المعروف في عهد الرسول أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، والدليل على هذا: أن الذين ردوا على القائلين بأنه لا يقع قالوا: إن الجملة الثانية توكيد للأولى، وهذا يدل على أن العلماء ﵏ لا يفرقون بين أن يقول: أنت طالق ثلاثا، ولا أن يقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق؛ إذ لو أنهم يفرقون ما صح الجواب في قولهم إن
стр. 3465
هذا من باب التوكيد، أو هذا في غير المدخول فيها؛ لأنها تبين بالأولى فتقع الثانية على امرأة بائن، إذن من قالها مائة مرة يعني: أن القول يكون مائة مرة وليس المعنى: سبحان وبحمده حال كونها مائة مرة، بل المراد من قال: مائة مرة سبحان الله وبحمده.
ومن فوائد الحديث: أن من قالها تحط خطاياه ولو كانت كثيرة؛ لقوله: "ولو كانت مثل زبد البحر"؛ لأن زبد البحر كثير لا يحصيه إلا الله ، وهل نقول: ولو كانت كبيرة؟ الحديث ولو كانت كثيرة، لكن هل نقول: يلزم من الكثيرة أن تكون كبيرة؟ ولذلك اختلف العلماء ﵏ هل هذا الذكر يقتضي مغفرة جميع الخطايا ولو كانت كبيرة، أو أنها خاصة بالصغائر؛ لأنه إذا كانت العبادات العظيمة مثل الصلوات لا تكفر إلا الصغائر فهذه من باب أولى.
ولو قال قائل: ليس لنا أن نخوض فيها، بل نقول كما قال الرسول ﷺ : "حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر"، ونوصي من أتى بكبيرة أن يتوب منها، ولا حاجة لنا إلى أن نتعمق في هذا الباب، هل هذا يشمل الكبائر أو الصغائر؟
بل نقول: هذا الحديث يدل على أن الخطايا تكفر أو تحط ولو كانت كثيرة جداً، أما الكبائر فإننا ننصح من فعلها بأن يتوب، قال أهل العلم: وينبغي أن يقول هذا الذكر في آخر اليوم، ولولا أني أخشى أن أبتدع لقلت: يقولها إذا أوى إلى فراشه؛ لأن عند النوم هو آخر عمل اليوم، فإذا قالها عند آخر عمله اليومي صارت تكفر كل ما سبق؛ يعني مثلاً: لو قالها في الصباح ما جاء في النهار لا يدخل في الحديث؛ ولهذا قال العلماء: ينبغي أن تكون هذه من أذكار المساء حتى تحط خطاياه التي فعلها في النهار.
في هذا الحديث ما يدل على الرد على الجبرية لقوله: "من قال".
١٤٨١ - وعن جويرية بنت الحارث ﵁ قالت: قال لي رسول الله: "لقد قلت بعدك أربع كلماتٍ، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنه عرشه، ومداد كلماته". أخرجه مسلم.
جويرية هي إحدى زوجات النبي ﷺ ، كانت تسبح وخرج النبي ﷺ من عندها وهي تسبح ورجع وهي تسبح، وكأنه ﷺ أراد أن يختصر لها الوقت فعلمها كلمات أكثر أجراً مما قالت من أجل أن تتفرغ للعبادات الأخرى من شئون البيت وغيرها، يقول: "أربع كلمات لو وزنت ... الخ" كلمات: جمع "كلمة"، لها اصطلاحات، اصطلاح نحوي، واصطلاح لغوي
стр. 3466
وشرعي، الاصطلاح النحوي: يقولون: الكلمة لفظ مفرد غير مركب، فزيد مثلاً كلمة، وعمرو كلمة، وبيت كلمة، واو كلمة، لكنها في اللغة العربية، وكذلك في الشريعة لا تطلق إلا على القول المفيد سواء كان طويلاً أم قصيراً، فإذا قلت: إن قام زيد فأكرمه، فهذا كلمة في اللغة العربية، وعند النحويين كلام، ولهذا قال ابن مالك:
(وكلمة بها كلامٌ قد يؤم)
وانظر إلى قول الله ﵎: ﴿حتى إذا جآء أحدهم الموت قال رب ارجعون * لعلى أعمل صالحاً فيما تركت﴾، قال الله تعالى: ﴿كلا إنها كلمة هو قآئلها﴾ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠]. مع أنها كلمات، ﴿رب ارجعون * لعلى أعمل صالحاً فيما تركت﴾ كلمات، وقال النبي ﷺ : "أصجق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل.
هذه أصدق كلمة من كلمات الشعراء، إذن قول الرسول: "أربع كلمات سبحان الله وبحمده"، لغة وشرعاً، لكن عند النحويين كلام، وقوله: "عدد خلقه" هل الرسول ﷺ أراد أن يجعل سبحان الله وبحمده عدد خلقه، أو يجعل أن كل مخلوق من مخلوقات الله فهو ناطق بلسان الحال بالتسبيح والتحميد؟ الثاني هو المراد، وليس الرسول ﷺ يريد أن يقول: أن سبحان الله وبحمده عدد الخلق، إذا قدرنا عند مائة رجل فيقول: "سبحان الله وبحمده عدد خلقه" كأني قلتها مائة مرة فيما كان حاضراً ومن كان غائباً لا يحصيهم إلا الله؟ لا، المراد أن الخلق عددهم كل واحد فإنه ناطق بتسبيح الله وبحمده.
الثالث قال: "ورضاء نفسه"، ما الذي يبلغ رضا الله إلا شيء عظيم، والمعنى: سبحان الله وبحمده حتى يرضى ، وهذا لا يمكن أن يبلغه أحد، لكن المعنى: أنني مأمور بأني أسبح الله وأحمده حتى يرضى.
"وزنة عرشه" أيضاً العرش من يقدر زنته؟ لا أحد يستطيع؛ لأنه لا يقدر قدره إلا الله وكما جاء ذلك عن ابن عباس ﵄، ويدلك لذلك أن عرش الرحمن كما جاء في الحديث: "ما السموات السبع والأرضون السبع بالنسبة للكرسي إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض" حلقة الدرع إذا ألقيت في فلاة من الأرض كم تشغل من مساحة؟ لا شيء، قال: "وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الأرض"، إذن لا يمكن أن يقدر الإنسان قدره.
стр. 3467
"ومداد كلماته" ﴿قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي﴾ [الكهف: ١٠٩]، ﴿ولو أنما في الأرض من شجرةٍ أقلام﴾ يعني: لو كان كل الأشجار أقلام ﴿والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله﴾ [لقمان: ٢٧]. إذن أي مداد يكون لكمات الله؟ مداد عظيم لا يعلم قدره إلا الله ، فيكون هذا التسبيح الذي ذكره النبي ﷺ تسبيحاً عظيماً في الكمية، وعظيماً في الكيفية، الكمية عدد خلقه، والكيفية: رضا نفسه، وزنة عرشه ومداد كلماته.
في هذا الحديث فوائد منها: أن اللفظ القليل قد يغني عن اللفظ الكثير، وجهه: "لقد قلت بعدك كلمات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن".
ومن فوائده: أن الكلام يتفاضل، بعضه أفضل من بعض، وتفاضل الكلام له عدة جهات، إما من حيث المتكلم به، وإما من حيث مدلوله، وإما من حيث البلاغة، وإما من حيث التأثير، المهم أن جهات تفاضل الكلام كثيرة. ولنسأل القرآن يتفاضل أو لا؟ الجواب: أن القرآن من حيث المتكلم به لا يتفاضل؛ لأن المتكلم به هو الله وهو واحد، أما من حيث المدلول والتأثير فإنه يتفاضل؛ ولهذا أخبر النبي ﷺ أن أعظم آية في كتاب الله هي آية الكرسي، وأن فاتحة الكتاب هي أفضل سورة في كتاب الله، ونحن نشاهد الآن أن من الآيات ما يؤثر تأثيراً بالغاً إذا ورد على القلب، وبعض الآيات دون ذلك.
فعلى كل حال: القرآن إن قلت: إنه يتفاضل على الإطلاق أخطأت، وإن قلت: لا يتفاضل أخطأت، فمن حيث المتكلم به لا يتفاضل، ومن حيث المعنى والموضوع يتفاضل بلا شك، وأما جنس الكلام عموماً فلا شك أن الكلام يتفاضل من حيث الأسلوب والفصاحة والبلاغة وغير ذلك، لو أن واحداً قام يتكلم وصار يرفع المنصوب وينصب المرفوع، ويجر المجزوم، ويجزم المجرور، ويقدم ما يمتنع تقديمه، وما أشبه ذلك، ماذا يكون كلامه؟ ورجل آخر تكلم بأعظم فصاحة والمعنى واحد والكلمات واحدة يتفاضل أم لا؟ يتفاضل.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يكثر من هذا الذكر: "سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضاء نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته".
ومن فوائد الحديث: إثبات الرضا لله لقوله: "ورضاء نفسه"، وهو صفة زائدة على المحبة، وأنكر ذلك أهل التعطيل، وقالوا: إن الله لا يرضى؛ لإن الرضا صفة حادثة، والحادث لا يقوم إلا بحادث، والحق: أن الله تعالى يوصف بالرضا ويوصف بالغضب.
ومن فوائد الحديث: إطلاق النفس على الله لقوله: "ورضاء نفسه"، وليست النفس صفة زائدة على الذات بل هي الذات.
ومن فوائد الحديث: أن العرش له جرم وثقل لقوله: "وزنة عرشه".
стр. 3468
ومن فوائده: عظمة العرش بإضافته إلى الله ، وهذه الإضافة إضافة خاصة كإضافة البيت إليه، وإضافة الناقة إليه، وإضافة المساجد، وغير ذلك.
ومن فوائد الحديث: أن كلمات الله لا حصر لها لقوله: "ومداد كلماته".
ومن فوائده: أن الله تعالى يتكلم، وقد اتفقت الأمة على كلام الله، حتى أهل التعطيل قالوا: إن الله يتكلم، لكن الأصول في هذا ثلاثة: قول المعتزلة والجهمية: أن الله يتكلم وكلامه مخلوق، وقول الأشاعرة ومن سلك سبيلهم: أن الله يتكلم وكلامه هو المعنى القائم بنفسه وليس شيئاً يسمع، والثالث: قول أهل السنة يقولون: إن الله يتكلم بحروف وأصوات مسموعة سمعها من شاء من خلقه، وهذا هو الحق أن الله تعالى يتكلم بما شاء بمن شاء وكيف شاء، كلاماً حقيقياً بحروف وأصوات، وهو ناجى موسى ﷺ : ﴿وما تلك بيمينك يا موسى * قال هي عصاى أتوكؤا عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مئارب أخرى * قال ألقها يا موسى * فألقاها فإذا هي حية تسعى﴾ فخاف، فقال الله له: ﴿خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى﴾ [طه: ١٧ - ٢١]. مناجاة مع الله بكلام يسمعه موسى ويفهمه ويعرفه ويجيب عليه، ولا أدل على أن كلام الله تعالى بحرف وصوت من مثل هذه المحاورة.
الباقيات الصالحات:
١٤٨٢ - وعن أبي سعيدٍ الخدري ﵁ قال: قال رسول الله: «الباقيات الصالحات: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والله أكبر، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله». أخرجه النسائي، وصححه ابن حبان والحاكم.
قوله: "الباقيات الصالحات" كأنه يشير إلى قوله تعالى: ﴿والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملا﴾ [الكهف: ٤٦]. فهذا تفسير من النبي ﷺ للباقيات الصالحات المذكورات في هذه الآية الكريمة، وسميت باقية؛ لأنها تبقى مدخرة للعبد عند الله ينتفع بها يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وسميت صالحة؛ لأنها من أفضل الكلام وأطيبه: "لا إله إلا الله"، يحتمل أن تكون "لا إله إلا الله" وما عطف عليها مبتدأ والباقيات الصالحات خبر، ويحتمل العكس، وكلاهما صحيح، لكن جملة "لا إله إلا الله" يحسن أن تكون خبراً؛ وذلك لأن المعروف أن الذي يكون جملة هو الخبر، أما وجه كونها مبتدأ وما قبلها خبر فتكون هذه الجملة مؤولة بهذا اللفظ: يعني: كأنه قال: هذا اللفظ الباقيات الصالحات، فصار لنا في إعرابها
стр. 3469
وجهان: الوجه الأول: أن تكون "الباقيات الصالحات" خبراً مقدماً، و"لا إله إلا الله" جملة مبتدأ مؤخر على تقديرها باللفظ كما قال المعربون في قول ابن مالك:
(قال محمدٌ هو ابن مالك ... أحمد ربي الله خير مالك)
قالوا: "أحمد" إلى آخر الألفية مقول القول، فالجمل كلها قامت مقام المفرد؛ أي: قال ابن مالك هذا القول، هنا نقول: إن "لا إله إلا الله" إذا جعلناها مبتدأ صارت على تأويل هذا اللفظ، أما إذا جعلنا "الباقيات" مبتدأ و"لا إله إلا الله" خبر فلا إشكال؛ لأن جملة "لا إله إلا الله" خبر وهو لا غرابة فيه؛ إذ إن الخبر يقع جملة ويقع مفرداً، ويقع شبه جملة، وسبق الكلام على معنى "لا إله الله الله" و"سبحان الله"، أما قوله: "الله أكبر" فهو حقيقة، ومعناه: فالله تعالى أكبر من كل شيء في علمه وقدرته وسمعه وبصره وسلطانه، وغير ذلك، أكبر من كل شيء، وهو ذاته أكبر من كل شيء؛ لأن السموات السبع والأرضين السبع في كف الرحمن كخردلة في كف أحدنا؛ ولأن الله سبحانه يقول: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه﴾ [الرمز: ٦٧]. ويقول: ﴿يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلقٍ نعيده، وعداً علينا إنا كنا فاعلين﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. فالله أكبر من كل شيء في أسمائه وصفاته، وكذلك في ذاته، ولا يقدر أحد قدره إذا كان العرش يقول فيه ابن عباس: لا يقدر قدره إلا الله فما بالك بخالق العرش، إذن عندما نقول "الله أكبر" لابد أن نشعر بأنه أكبر من كل شيء علماً وقدرة وسلطاناً وحكمة وتدبيراً وغير ذلك، كما أن ذاته تعالى أكبر من كل شيء.
يقول: "والحمد لله" سبق لنا معنى الحمد وأنه وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، ولا يشترط التكرار؛ لأنك كررت الحمد صار ثناء، وقوله: "الحمد" قال العلماء: إن "أل" في الحمد للاستغراق؛ أي: كل حمد، وأن اللام في قوله: "الله" للاستحقاق والاختصاص، فالذي يستحق الحمد كله هو الله والحمد كله خاص بالله لا أحد يحمد الحمد كله، وإنما يُحمد فاعل الإحسان على شيء معين مخصوص وصغير.
"والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله"، "لا حول" هذه "لا" تسمى عند النحويين النافية للجنس، ومعنى كونها نافية للجنس أنها شاملة لجميع أفراد المنفي على التنصيص؛ وذلك لأن العموم قد يكون شاملاً لجميع أفراد العام بحسب الظاهر، لكن "لا حول" تنص على جميع أفراد العام نصاً قطعياً، إذن لا حول إلا بالله، ومعنى لا حول؟ الحول قيل معناه: التحول من حال إلى
стр. 3470
حال؛ يعني: لا تتحول الأحوال من حال إلى حال إلا بالله، ولا يستطيع أحد أن يحول الرخاء إلى شدة والشدة إلى رخاء إلا الله ، فيكون "حول" بمعنى: تحول أو بمعنى تحويل، تحول إذا كان التحول بذات الشيء تحويل إذا كان بفعل فاعل.
وقوله: "ولا قوة" أي: لا قوة على هذا التحول إلا بالله ، يعني: لا أحد يقوى على تحويل شيء إلى شيء أو التحول من شيء إلى شيء إلا بالله ، وعلى هذا فيكون معنى هذه الجملة العظيمة التبرؤ من الحول والقوة، وتفويض ذلك إلى الله وحده؛ ولهذا كانت هذه الكلمة كلمة استعانة، والذين يأتون بها في محل كلمة الاسترجاع إنما يقصدون بذاك الاستعانة على الصد على هذه المصيبة، أعنى: أن كثيراً من الناس إذا أصيب بمصيبة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، إذا قيل له: حصل كذا وكذا من المعاصي وغيرها يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ولكن المشروع أن يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، هذا هو ذكر المصائب، لكن من قال: لا حول ولا قوة إلا
بالله عند المصائب له وجه، وهو أنه قصد الاستعانة على الصبر الذي هو مأمور به، نحن إذا سمعنا المؤذن يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح، نقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، استرجاعاً أو استعانة؟ استعانة؛ لأن المؤذن دعاك: حي على الصلاة أقبل، حي على الفلاح الذي يكون بالصلاة، فنقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا الذكر متضمن لقول السامع سمعنا وأطعنا.
في هذا الحديث: الحث على قول هذه الأذكار وهي: "لا إله إلا بالله، وسبحان الله، والله أكبر، والحمد لله، ، ، ولا حول ولا قوة إلا بالله"، وهل يشترط أن يقولها جميعاً وإلا لم تكن من الباقيات؟ الجواب: لا؛ لأن الرسول ﷺ لم يقل: الباقيات الصالحات أن يقول كذا وكذا حتى مقول: إن الكلام جملة واحدة، ولكنه قال: الباقيات هذه وهذه وهذه وهذه، وعلى هذا فيكون كل واحدة من الباقيات الصالحات.
ومن فوائد الحديث: أن الذي يبقى للإنسان هو العمل الصالح، وأما المال والبنون فإن استعان بذلك على طاعة الله صارت من الباقيات وإلا فهي من الفانيات، تفنى بفناء الدنيا.
ومن فوائد هذا الحديث: تفسير القرآن بالسنة، وهذا له أمثلة كثيرة، وقد قال العلماء ﵏: إن الواجب في التفسير أن ترجع أولاً تفسير الله ، ثم إلى تفسير الرسول، ثم إلى تفسير الصحابة، ثم إلى تفسير علماء التفسير من التابعين، فهذه أربع رتب: الرتبة الأولى: الرجوع إلى تفسير الله، فالله تعالى أعلم بمراده، فإذا فسر شيئاً بشيء فلا عدول عنه، مثال ذلك: ﴿القارعة * ما القارعة * وما أدراك ما القارعة * يوم يكون الناس ... ﴾ [القارعة: ١ - ٤]. وأمثلته كثيرة، ثم تفسير النبي ﷺ ؛ لأنه أعلم الخلق بمراد الله كما معنا في هذا الحديث: الباقيات
следующие страницы →