← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

كاملة بسجدتيها, ويدل لذلك قوله في الحديث الثاني: «سجدة» إشارة إلى أنه لابد من إدراك السجود الأول والثاني حتى يتم بذلك إدراك الركعة. في هذا الحديث فوائد منها: أن الوقت يدرك بإدراك الركعة لقوله: «من أدرك ركعة» وهذا القول هو القول الراجح أنه لا يدرك إلا بركعة, وأن جميع الإدراكات لا تكون إلا بركعة, فإدراك الجمعة لا يكون إلا بركعة, وإدراك الجماعة لا يكون إلا بركعة, وإدراك الوقت لا يكون إلا بركعة, جميع الإدراكات لا تكون إلا بركعة, وهذا القول هو الذي تدل عليه السنة كما في هذا الحديث, وذهب بعض العلماء ﵏ إلى أن الإدراك يحصل بإدراك تكبيرة الإحرام, فمن أدرك تكبيرة الإحرام قبل أن تطلع الشمس في الفجر على كلامهم فقد أدرك الفجر, ومن أدرك مع الإمام قبل تكبيرة الإحرام قبل السلام فقد أدرك الجماعة, لكن أصحاب هذا القول استثنوا إدراك الجمعة, يعني: إدراك المسبوق للجمعة, قالوا: لا يدركها إلا بركعة كاملة, وهذا تناقض, والصواب: أن جميع الإدراكات لا تكون إلا بركعة كاملة لا بركوع. إذن نقول: إدراك الوقت يكون بركعة, ينبني على هذا مسائل: منها: لو أن المرأة أدركت مقدار ركعة, ثم طهرت من الحيض فهل تلزمها الصلاة؟ الجواب: نعم, إذا أدركت المرأة من وقت الصلاة قدر ركعة وجبت عليها لقول النبي ﷺ : «فقد أدرك العصر» في العصر, «وقد أدرك الصبح» في الفجر, فإن أدركت أقل من ذلك؛ يعني: حاضت قبل أن تغرب الشمس بدقيقتين أو ثلاث فليس عليها صلاة, وعلى القول بأنها تدرك بتكبيرة إحرام فيلزمها الصلاة, لكن الصحيح لا. المسألة الثانية: بالعكس لو أن المرأة حاضت بعد دخول وقت الصلاة بمقدار ركعة تلزمها الصلاة إذا طهرت؟ نعم, وعلى القول الثاني: إذا حاضت بعد دخول الوقت بتكبيرة الإحرام لزمتها الصلاة وهذه المسألة - أعني: إدراك الوقت من أوله - فيه خلاف؛ فمن العلماء من يقول: إن المرأة إذا أدركت مقدار ركعة من الوقت ثم حاضت لا تلزمها الصلاة؛ لأنه قد أذن لها أن تؤخر الصلاة إلى آخر الوقت, فإذا حاضت قبل آخر الوقت فلا صلاة عليها, وهذا القول قوي جدًا؛ لأن المرأة لم تفرط حتى نلزمها بالقضاء, وإذا كانت لم تفرط وقد أذن لها أن تؤخر فكيف نلزمها بشيء لم يلزمها, لكن القضاء أحوط.

стр. 387

من فوائد هذا الحديث: أن من أدرك ركعة من العصر لم تلزمه الظهر, يعني: لو أن المرأة طهرت من الحيض قبل غروب الشمس بركعة, أو ركعتين, أو ثلاث لزمتها صلاة العصر, ولا تلزمها - على القول الراجح - صلاة الظهر؛ لأن صلاة الظهر أتت عليها وهي ليست من أهل الصلاة, ولو كان يجب عليها أن تقضيها لكان هذا بين في كتاب الله, أو سنة رسول الله ﷺ , أما إذا كان هذا من أقوال العلماء, فأقوال العلماء تكون خطأ وتكون صوابًا؛ ولهذا كان القول الراجح: أن المرأة إذا طهرت قبل أن تغرب الشمس لم يلزمها إلا صلاة العصر وإذا طهرت قبل خروج وقت العشاء الآخرة لم يلزمها إلا صلاة العشاء الآخرة. * استدراك: كنا قد نبهنا على الكلام في الأماكن التي ليس فيها أوقات صلاة, وفات الأوان ولكن يمكننا لآن أن نتكلم عليها, توجد أماكن ليس فيها نهار ولا ليل, بمعنى: يمضي (٢٤) ساعة كلها نهار, أو (٢٤) ساعة كلها ليل, أو أكثر من ذلك, فما موقفنا نحو هذا؟ موقفنا بينه الرسول ﵊ حين تحدث عن الدجال, وأن يومًا من أيامه كسنة يعني: (١٢) شهرًا فألهم الله الصحابة أن يقولوا: يا رسول الله, هذا اليوم الذي كسنة تكفينا فيه صلاة واحدة؟ قال: «لا, اقدروا له قدره». وعلى هذا فنقول لمن كانوا في مكان ليس فيه ليل ونهار في خلال (٢٤) ساعة اقدروا له قدره, ولكن هذا القدر هل يعتبر أقرب البلاد إليهم مما فيه ليل ونهار, أو يعتبر الوسط؛ يعني: تساوي الليل والنهار, أو تعتبر مكة لأنها أم القرى؟ هذه فيها ثلاثة أقوال: منهم من يقول: يعتبر أقرب البلاد إليهم فيما فيه ليل ونهار, وهذا من حيث الفلك أقرب الأقوال. ومنهم من يقول: يعتبر الوسط؛ يعني: يجعلون (١٢) ساعة ليلًا, و (١٢) ساعة نهارًا ويمشون على هذا. ودليل هذا: أنهم يقولون: لما سقط اعتبار البلد بنفسه وجب الرجوع إلى الوسط. والقول الثالث: يقول المعتبر توقيت مكة؛ لأنها أم القرى, كما جاء في القرآن الكريم ﴿وكذلك أوحينا إليك قرآنًا عربيًا لتنذر أم القرى ومن حولها﴾ [الشورى: ٧]. وعلى هذا فيجب على أولئك أن يكون لهم اتصال بمكة, ويعطون جدول مواقيت على حسب توقيت مكة, فهذه أقوال ثلاثة أقر بها من حيث العلم الفلكي.

стр. 388

الأول: يعتبر أقرب بلد إليهم فيه ليل ونهار مضطرد في خلال (٢٤) ساعة. ثانيًا: يقولون إن في بعض البلاد يطول وقت المغرب بحيث يبقى الشفق إلى قرب الفجر, فمتى يصلون؟ نقول: ما دام الشفق يغيب ويظهر فالمعتبر مغيبه, ولو طالت المدة؛ لأن الشرع علقه بهذا, وليس لنا أن نتعدى الحدود, أما إذا كان لا يغيب إلا إذا طلع الفجر من الجهة الشرقية فحينئذٍ نقول: اقدروا له قدره. أسألكم: هذا الذي ليلهم ستة أشهر ونهارهم ستة أشهر كيف تتصورون الشمس؟ يعني: وقوع الواقع بعيد عن التصور, كنا نظن أن الشمس تكون من جانب واحد لكنها لا تغيب, تبقى ستة أشهر مثلًا في الجانب الشرقي, أو الشمالي, أو الجنوبي, أو الغربي, لكنهم يقولون: لا تكون في نفس المكان - يعني المنطقة - لكنها تدور, يعني مثلًا: تدور هكذا ... وهذا شيء ما نتصوره, لكن الذين شاهدوه يقولون: هذا هو الواقع, هل تصورتموها الآن؟ لا, تعرفون الدوران حلقة تدور عليها يعني: تدور من الأفق تمشي هكذا في الأفق حتى ترجع إلى مكانها دائمًا. أسئلة: - حديث رافع بن خديج, قال: «فينصرف أحدنا ويبصر مواقع نبله» ما معنى هذا؟ - في حديث عائشة أن النبي ﷺ أخر صلاة العشاء, ما يدل على أن النبي يشرع من عند نفسه, من أين يؤخذ؟ - إذا كان يشرع ﵊ فهل نقول: إنه يشرع ويكون إقرار الله له كالوحي؟ - هل قوله: «إنه لوقتها» مطابق لأصل التشريع الإسلامي؟ - بماذا يكون الإبراد لصلاة الظهر؟ وكيف الإبراد؟ - هات مثالًا يكون التعليل فيه دال على القياس على مشاركة الحكم للعلة؟ - هل يمكن أن نعكس القاعدة ونقول: كل حرام نجس؟ - ما تقول في رجل بلغ قبل طلوع الشمس بمقدار ركعة ولم يصل الفجر, أتجب عليه صلاة الفجر؟ وإذا كان قد صلاها هل تلزمه الإعادة؟ ١٥٣ - ولمسلم عن عائشة ﵂ نحوه, وقال: سجدة بدل ركعةٍ - ثم قال: - والسجدة إنما هي الركعة. قوله: «وقال: سجدة بدل ركعة» , يحتمل أن الذي قاله الرسول ﷺ , ويحتمل أنه الراوي, ولكنه فسر هذا بقوله: «والسجدة إنما هي الركعة»؛ لأن السجود يطلق على الصلاة كلها كما

стр. 389

في قوله تعالى: ﴿فاسجدوا لله واعبدوا﴾ [النجم: ٦٢]. وعليه فيكون معناه معنى حديث أبي هريرة الذي قبله. الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها: ١٥٤ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس, ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس». متفق عليه. - ولفظ مسلم: «لا صلاة بعد صلاة الفجر». يقول: «لا صلاة بعد الصبح» «لا» نافية للجنس, و «صلاة» تعني: بناء على هذا الفرض والنفل, وتشمل الصلاة ذات الركوع والسجود, وما ليس بذات ركوع وسجود كصلاة الجنازة, وقوله: «بعد الصبح» يحتمل أن المراد: بعد صلاة الصبح, ويحتمل أن المراد: بعد طلوع الشمس, لكن رواية مسلم تبين أن المراد: بعد صلاة الصبح, ولذلك لا صلاة بعد صلاة الفجر, وكذلك أيضًا ورد في أحاديث أخرى غير حديث أبي سعيد التصريح بأن المراد: الصلاة؛ حيث قال الراوي: «نهى عن الصلاة بعد صلاتين: صلاة الفجر, وصلاة العصر». وقوله: «حتى تطلع الشمس» المراد: حتى تطلع كاملة, أو حتى يطلع قرنها الأول والثاني, ولكن مع ذلك سيتبين فيما يأتي - إن شاء الله - في حديث عقبة أن النهي يمتد إلى أن ترتفع الشمس قيد رمح, «ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس». «بعد العصر» , أي: بعد صلاة العصر, «حتى تغيب الشمس» أي: يغيب قرنها الأعلى, يعني: تغيب كلها. فإذا قال قائل: ما هي الحكمة في ذلك؟ قلنا: الحكمة في هذا أشار إليها النبي ﷺ «أن الشمس تطلع بين قرني شيطان» , فإذا رآها المشركون سجدوا لها, وكذلك في الغروب تغرب بين قرني الشيطان, ولعلهم يسجدون لها وداعًا, فهم يسجدون لها استقبالًا عند طلوعها ووداعًا عند خروجها, فنهينا عن الصلاة في هذين الوقتين؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى التشبه بهم. فلنأخذ الفوائد: قوله: «لا صلاة» ذكرنا أن المراد: العموم, أي صلاة تكون, لكن نستثني من ذلك شيئًا, ثم هل المراد نفي الصلاة, أو نفي صلاتها, أو نفي كمالها؟

стр. 390

هذه ثلاثة احتمالات, والقاعدة: أن النفي نفي للوجود, فإن لم يمكن فهو نفي للصحة, ونفي الصحة نفي لوجودها شرعًا, أو لوجود المنفي شرعًا, فإن لم يكن بأن دل الدليل على أن المنفي صحيح وجب أن يحمل على نفي الكمال, فهنا هل المراد أن الصلاة منفية وقوعًا بمعنى لا يمكن أن تقع؟ الجواب: لا؛ لأنه ربما يصلي الإنسان في هذا الوقت. إذن هل هو نفي للصحة أو الكمال؟ نقول: المرتبة الثانية بعد نفي الوجود أن تكون نفيًا للصحة ولابد, فنقول: «لا صلاة»؛ أي: لا تصح, وليس نفيًا للكمال. إذن يستفاد من هذا الحديث: أنه لا تصح الصلاة في هذين الوقتين: لا الفريضة ولا النافلة, لا المقضية ولا المؤداة, ولكن هذا الحديث مرادًا, أي: لا يراد العموم, فقد دلت السنة على استثناء أشياء من ذلك, منها: الفريضة, فالفريضة لا نهي عنها, فمتى ذكر الإنسان أن عليه فريضة صلاها ولو في هذين الوقتين. مثال ذلك: رجل لما صلى الفجر تذكر أنه صلى العشاء بغير وضوء, فهنا يصلي العشاء قبل طلوع الشمس أو لا؟ يصليها حين ذكرها, دليل ذلك قول النبي ﷺ : «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها». فإن قال قائل: هذا الحديث بينه وبين حديث أبي سعيد عموم وخصوص من وجه, فكيف رجحتم عموم حديث قضاء الصلاة, على عموم حديث النهي عن الصلاة في هذين الوقتين؟ فالجواب: أن قضاء الصلاة الواجبة واجب والأصل في الأمر «فليصلها إذا ذكرها» أنه على الفور, فيقتضي أن تصلى الفريضة من حين أن يعلم بها الإنسان, هذا واحد. ثانيًا: حديث: «لا صلاة بعد الصبح» قد يستثنى منه أشياء بالنفي وبالإجماع, وقد ذكر العلماء أن العموم إذا خص فإن دلالته على العموم تكون ضعيفة, بل إن بعضهم يقول: إذا خص العموم فإن دلالته على العموم تبطل, لكن الراجح أنها لا تبطل, وأنه لا يخرج من العموم إلا ما استثني بالتخصيص, إذن يستثنى من ذلك قضاء الفريضة, لا يستثنى من ذلك إعادة الصلاة, يعني: إذا جاء إنسان بعد أن صلى الفجر, ودخل المسجد, وصلى الناس؛ فإنه يصلي معهم ولو كان بعد صلاة الفجر, دليل ذلك أن النبي ﷺ حين انصرف من صلاة الصبح

стр. 391

في مسجد الخيف رأى رجلين لم يصليا, فقال لهما: «ما منعكما أن تصليا معنا؟ » قالا: يا رسول الله, صلينا في رحالنا, فقال: «إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكم نافلة». فإنها - أي: الصلاتين - المعادة لكما نافلة, فصرح ﷺ أنهما يصليان, وأنها نافلة, إذن إعادة الصلاة مستثناة. يستثنى من ذلك سنة الظهر البعدية إذا جمعها مع العصر؛ لأنه لا يمكن أن يصليها بين الظهر والعصر؛ لأنهما مجموعتان, فيقضيها بعد صلاة العصر, كمريض يجمع بين صلاة الظهر والعصر, فيصلي الظهر, ثم يصلي العصر, ثم يصلي راتبة الظهر البعدية ليست القبلية, ولكن البعدية؛ لأنه لا يتمكن من صلاة الراتبة البعدية إلا بعد صلاة العصر. يستثنى من ذلك أيضًا ركعتا الطواف, إذا طاف الإنسان بعد صلاة الصبح, أو بعد صلاة العصر, فإنه يصلي ركعتين خلف المقام لما سيأتي في «كتاب الحج»؛ ولأنهما تبع للطواف. يستثنى من ذلك أيضًا ركعتا الطواف, إذا طاف الإنسان بعد صلاة الصبح, أو بعد صلاة العصر, فإنه يصلي ركعتين خلف المقام لما سيأتي في «كتاب الحج»؛ ولأنهما تبع للطواف. يستثنى من ذلك أيضًا سنة الوضوء, فإنه إذا توضأ الإنسان بعد صلاة الصبح, أو بعد صلاة العصر, يجوز له أن يصلي سنة الوضوء لعموم قوله ﷺ : «من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه؛ غفر له ما تقدم من ذنبه». بناءً على هذه الأدلة نقول بالقول الثاني وهو رواية عن أحمد أنه يستثنى من هذا العموم الفرائض, وكل نافلة لها سبب, هذا هو القول الراجح, وهو رواية عن أحمد, واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن كل صلاة لها سبب فإنه يصليها في أوقات النهي, يدل لذلك أن في بعض ألفاظ أحاديث النهي عن الصلاة في هذه الأوقات أنه قال ﵊: «لا تحروا الصلاة». فهو يدل على أن المراد من قصد الصلاة في هذه الأوقات, وأما من صلى لسبب فإنه لم يقصد الصلاة في هذه الأوقات, ويدل لذلك أيضًا أنه إذا كانت العلة هي الابتعاد عن مشابهة المشركين, فإن الصلاة ذات السبب تبعد قصد التشبه بالمشركين, وجهه: أنها مقرونة بسبب, فلها سبب ظاهر يجب مشروعيتها, فلا يكون هناك مشابهة للمشركين. المهم: أن القول الراجح في هذا أنه يستثنى من هذا العموم الفرائض, وكل نافلة لها سبب. من فوائد هذا الحديث: سد ذرائع الشرك وإن كانت بعيدة؛ لأن أصل الرسالة مبنية على

стр. 392

التوحيد, فكل طريق يمكن أن ينفذ الشيطان إلى قلب الإنسان فيوقع في الشرك, فإن النبي ﷺ سده سدًا محكمًا. إذن نأخذ من هذا: أن جميع وسائل الشرك محرمة, لكن الوسيلة قد تكون قريبة, وقد تكون بعيدة, فلعظم المقام سد النبي ﷺ كل وسيلة ولو كانت بعيدة. ومن فوائد هذا الحديث: أن النهي مقيد بالصلاة, صلاة من: صلاة الإنسان, أو صلاة الناس عمومًا؟ صلاة الإنسان, ولذلك لو فرض أن أحدًا من الناس فاتته صلاة الفجر, بل فاتته صلاة العصر, وتطوع بنافلة قبل أن يصليها هو, أيجوز ذلك أو لا؟ نعم, يجوز ذلك؛ لأن العبرة بصلاته هو. ومن فوائد هذا الحديث: أن الصبح يطلق ويراد به الصلاة, يفسر ذلك لفظ مسلم, واستعمال الصبح بمعنى الصلاة موجود بكثرة في السنة. أسئلة: - النفي في قوله: «لا صلاة بعد الصبح» أنفي الوجود, أو الصحة, أو الكمال؟ - لماذا لا نحمله على نفي الوجود؟ - لماذا لا نحمله على الكمال؟ - الصلاة في هذين الوقتين حرام أو لا؟ - ما الذي يستثنى من قوله: «لا صلاة بعد الصبح, ولا صلاة بعد العصر»؟ - الحديثان بينهما عموم وخصوص من وجه, ما هو؟ ١٥٥ - وله عن عقبة بن عامرٍ: «ثلاث ساعاتٍ كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن, وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع, وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول الشمس, وحين تتضيف الشمس للغروب». «وله» أي: لمسلم قوله: «ثلاث ساعات» هذا حصر, لكن الحصر لا يمنع من وجود غيره إذا دل عليه دليل؛ ولهذا تجدون كثيرًا ما يقول الرسول ﵊: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان». وتارة يقول: «ثلاثة لا يكلمهم الله» , ويأتي عدد آخر وقوله: «ثلاث ساعات» المراد بالساعة في اللغة العربية وفي الشرع: الوقت المحدد سواء طال أو قصر؛

стр. 393

ولهذا تجدن حديث التقدم من الجمعة: «من جاء في الساعة الأولى ... من جاء في الساعة الثانية إلى آخره ... ». مع أن هذه الساعات تختلف طولًا وقصرًا بحسب الوقت والفصول, فالساعة في اللغة: كل وقت محدد طال الزمن أو قصر, إلا إذا قال: «ساعة من نهار» فهي لا تتجاوز النهار, «نهانا أن نصلي فيهن» أي: صلاة فريضة أو نافلة, وذلك لأن (أن) مصدرية, وهي بعد النهي, فإذا أول الفعل بالمصدر, صار كأنه بعد النهي فتفيد العموم, لكن هذا العموم سبق أنه خصص بمخصصات بيناها. «وأن نقبر فيهن موتانا». «نقبر» القبر بمعنى: الدفن, يعني: أن ندفن الموتى في هذه الساعات, ثم فسرها فقال: «حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع» , «بازغة» حال مؤكدة؛ لأن البزوغ والطلوع بمعنى واحد, فتكون «بازغة» حال مؤكدة, لعاملها أو لصاحبها؟ لعاملها, «حتى ترتفع» , ولم يبين الرفع, لكنه قد بين في أحاديث أخرى: «حتى ترتفع قيد رمح» , أي: قدر رمح, والمراد بالرمح: ما يرمى به في القتال, وهو نحو متر, وتقريب ذلك في الساعة المصطلح عليها الآن ما بين عشر دقائق إلى ربع ساعة. «وحين يقوم قائم الظهيرة»؛ أي: حين يقف واقف الظهيرة, وذلك أن الشمس إذا توسطت السماء صارت كأنها قائمة لا تتحرك, «وحتى تزول» , وهذا يقدر بعشر دقائق فأقل. والثالث: «حين تتضيف الشمس للغروب» , «حين تتضيف» أي: تميل للغروب, وقيل: حين تشرع في الغروب, والصحيح الأول؛ أنها حين تتضيف للغروب, فإذا كانت عين المغرب بمثلها في المشرق يعني: مقدار رمح حين يدخل هذا الوقت الذي ذكره عقبة بن عامر, عن النبي ﷺ يعني: حين يبقى على مغيبها مقدار رمح, هذه ثلاثة ساعات, وتسمى هذه الساعات عند الفقهاء: أوقات النهي القصيرة, أضف هذه الساعات الثلاث إلى صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس تكون الأوقات أربعة, ومن صلاة العصر حتى تغرب تكون خمسة, ويجتمع فيما قرب من الغروب النهي الخاص والعام؛ لأنها حين تتضيف يدخل فيها النهي عن الصلاة العصر حتى تغرب الشمس, فهذه أوقات النهي. هذه الأوقات ينهى فيها عن كل صلاة ليس لها سبب من النوافل والفرائض لا نهي عنها, وسبق الكلام على هذا, لكن بقي الكلام «أن نقبر فيهن موتانا» الحكمة من ذلك لم تظهر لي جيدًا, لماذا نهى عن دفن الميت في ذلك الوقت؟ لكن الذي يهمنا هو الحكم؛ لأننا نحن معبدون بالأحكام, ولسنا مكلفين بمعرفة الحكم والأسرار؛ لأن هذا قد تعجز عنه عقولنا, لكن نقول: إذا وصلنا بجنازة إلى قبر وقد بزغت الشمس لكن لم ترتفع قيد رمح, فإننا لا ندفن الميت, ننتظر إلى متى؟ حتى ترتفع قيد رمح ثم ندفنه, كذلك أيضًا إذا وصلنا بالميت إلى القبر وقد قام قائم الظهيرة فإننا ننتظر حتى تزول الشمس. كذلك إذا وصلنا بالميت إلى القبر وقد

стр. 394

بقي على غروب الشمس مقدار رمح, فإننا لا ندفنه حتى تغيب الشمس, فيما عدا هذه الأوقات الثلاثة لا بأس أن نقبر الموتى. فنأخذ الفوائد منها: النهي عن الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة, ويستثنى من ذلك ما تقدمز ثانيًا: النهي عن دفن الأموات في هذه الأوقات الثلاثة. ولكن إذا قال قائل: لو اضطررنا إلى الدفن في هذه الأوقات الثلاثة فهل يجوز؟ الجواب: نعم, لو كان هناك ضرورة مثل شدة حرارة الشمس, لا يستطيع المشيعون أن يبقوا في حرارة الشمس حتى تزول الشمس, نقول: هذا ضرورة, أو يكون هناك خوف, فيضطروا الناس إلى أن يدفنوا الميت في هذه الأوقات, فنقول: لا بأس, أو يكون هناك مطر, ننتظر حتى نقدر أنها ارتفعت قيد رمح, وأنها غابت في آخر النهار, ويعرف هذا بالساعة. ومن فوائد الحديث: جواز دفن الميت في أي ساعة سوى هذه الساعات الثلاث, وجه ذلك: أن النهي عن شيء معين يدل على إباحة ما سوى هذا الشيء, فتكون دلالته على جواز الدفن في أي وقت دلالة مفهوم. هل يجوز الدفن ليلًا؟ نعم يجوز؛ لأن ذلك ثبت بالسنة, والنبي ﷺ توفي يوم الإثنين, ولم يدفن إلا ليلة الأربعاء في الليل. فإن قيل: أليس النبي ﷺ قد زجر أن يدفن الرجل ليلًا؟ قلنا: بلى, لكن لسبب؛ لأن هذا الرجل الذي مات ونهى النبي ﷺ بسببه الصحابة عن الدفن بالليل, أنه مات ولم يحسن كفنه, فصار فيه تفويت شيء مطلوب, فإذا مات الإنسان في الليل ولم نستطع أن نغسله التغسيل الذي ينبغي, أو لم نجد الكفن الذي يطلب, أو ما شابه ذلك, فحينئذ نقول: لا تدفنوا ليلًا, أما إذا كانت الأمور متوفرة كما هو في وقتنا الحاضر فإنه لا بأس بالدفن ليلًا. فإذا قال قائل: لو حصل أمطار غزيرة, فهل يجوز أن نؤخر؟

стр. 395

فالجواب: نعم, نؤخر؛ لأن ذلك يؤدي ألا يدفنه الناس على وجه مطلوب, هذا من جهة, من جهة أخرى: يؤدي إلى أن القبر يمتلئ ماء فيؤخر. والخلاصة: أن هذا الحديث - حديث عقبة بن عامر - يؤدي إلى جواز الدفن في جميع أوقات الليل والنهار, إلا هذه الأوقات الثلاثة. ١٥٦ - والحكم الثاني عند الشافعي من حديث أبي هريرة بسندٍ ضعيفٍ. وزاد: «إلا يوم الجمعة». «الحكم الثاني» هو في الواقع ليس حكمًا, لكن الحكم في المسألة الثانية وهي: «حين يقوم قائم الظهيرة»؛ لأن حديث عقبة بن عامر فيه ثلاث مسائل, والحكم واحد وهو النهي, ولذلك نعتبر عبارة المؤلف ﵀ فيها تسامح, فالمراد: الحكم في المسألة الثانية هي: «حين يقوم قائم الظهيرة». يقول: عند الشافعي من حديث أبي هريرة بسند ضعيف, وزاد: «إلا يوم الجمعة» الشاهد: هو قوله: «إلا يوم الجمعة» فاستثنى يوم الجمعة؛ أي: أنه ليس فيه نهي عند زوال الشمس, وهذه المسألة فيها خلاف عند الفقهاء ﵏ منهم من قال: إن يوم الجمعة ليس فيه نهي, يعني: نهي عند قيام الشمس, لكنهم لم يستدلوا بهذا الحديث الضعيف, استدلوا بأن الصحابة ﵃ كانوا إذا دخلوا المسجد صاروا يصلون حتى يحضر الإمام بدون نكير, وهذا يدل على أن الحكم المتقرر عندهم: أنه لا نهي عن الصلاة يوم الجمعة. ومن العلماء من قال: إن الجمعة كغيرها. وهذا أقرب إلى الصواب, وإن كان الأول أقرب للصواب, لأن كون الصحابة يفعلون ذلك, يبعد أن يكونوا يفعلونه بدون أن يطلعوا على ترخيص الرسول ﷺ , لكن الذي ينكر: ما يفعله بعض الناس اليوم, تجده متقدمًا إلى الجمعة, صلى ما كتب له, ثم جعل يقرأ القرآن, فإذا بقي على الزوال عشر دقائق أو نحوها قام يصلي, وهذا رأيناه كثيرًا, هذا هو الغلط؛ لأن هؤلاء لم يفعلوا كفعل الصحابة, يعني: لم يبقوا يصلون حتى جاء الإمام, بل هم جالسون, فلما جاء وقت النهي قاموا يصلون, لكن على رأي من يرى أنه لا نهي يوم الجمعة, يعني: ليس فيه النهي عند الزوال يباح لهم ذلك, لكن نقول: لا ينبغي لكم أن تتسلطوا على الصلاة في وقت اختلف العلماء في جواز الصلاة فيه, وظاهر هذا اللفظ «إلا يوم الجمعة» أنه لا فرق بين من كان في المسجد - أي: مسجد الجمعة -, ومن كان خارجه, وهذا نعم إذا صح الحديث فلا فرق, لكن إذا استدللنا بفعل الصحابة؛ فالصحابة إنما يفعلون

стр. 396

ذلك فيما إذا حضروا الجمعة, فيكون هذا خاصًا فيمن حضر يوم الجمعة, له أن يصلي حتى يأتي الإمام. ١٥٧ - وكذا لأبي داود: عن أبي قتادة نحوه. ١٥٨ - وعن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ : «يا بني عبد منافٍ, لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعةٍ شاء من ليل أو نهار». رواه الخمسة, وصححه الترمذي, وابن حبان. قوله ﷺ : «يا بني عبد مناف» وجه الخطاب إليهم؛ لأنهم هم القائمون على المسجد الحرام, و «مناف» ما صلته بالرسول ﵊ هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف, فهو الأب الرابع؛ لأنهم هم القائمون على المسجد الحرام ولهم السلطة أن يمنعوا أو يفسحوا, فقال: «لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى» يعني: فيه «أية ساعة شاء من ليل أو نهار» بعد الفجر, بعد العصر, عند قيام الشمس, في أي وقت لا تمنعوه؛ وذلك لأن المسجد لله ﴿وأن المساجد لله﴾ [الجن: ١٨] , وقد قال الله : ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه﴾ [البقرة: ١١٤]. انتبهوا إلى كلمة ﴿أن يذكر فيها اسمه﴾ بدل اشتمال من قوله: ﴿مساجد الله﴾ يعني: أن النهي منصب على هذا, على منع ذكر اسم الله في المساجد, وكذلك لو منع المساجد أصلًا, وأقفل الباب في وقت الناس يحتاجون إليه بغير سبب شرعي. من فوائد هذا الحديث: أولًا: حكمة النبي ﷺ في توجيه الخطاب إلى من هو أليق به, وأخص به لقوله: «يا بني عبد مناف». وهل يعني ذلك أنه لغير القائمين على المسجد الحرام أن يمنعوا؟ لا, لكن الحكم واحد, لكن وجه الخطاب إليهم لكونهم هم الولاة عليه, نظير ذلك - أي: نظير توجيه الخطاب إلى من هم أليق به من غيرهم -: قول النبي ﷺ : «يا معشر الشباب, من استطاع منكم الباءة فليتزوج». وهذا الأمر للشباب وغيرهم, كل من يريد الزواج وفيه شهوة الزواج, فإنه يؤمر بهذا. ومن فوائد هذا الحديث: نهي من قام على المسجد الحرام أن يمنع أحدًا طاف فيه بسلطة الولاية. انتبهوا لهذا القيد: أن يمنع أحدًا طاف فيه بسلطة الولاية؛ لأن الرسول عمم, قال: «أية ساعة شاء من ليل أو نهار»؛ وإنما قيدت ذلك لأجل أن نرد قول من يقول: إن المسجد الحرام

стр. 397

ليس فيه نهي عن الصلوات؛ لأن الرسول ﷺ هنا خاطبهم خطاب ولي, يعني: لا تحملنكم الولاية على أن تمنعوا الناس من الصلاة في المسجد أو الطواف. يبقى النظر: هل للإنسان أن يطوف أو يصلي, هذا إذا اشترط عندنا الآن الخطاب للولاة على المسجد الحرام, الخطاب للناس هل يصلون أو لا؟ الحديث في الحقيقة ليس فيه دليل على جواز الصلاة في المسجد الحرام في أي وقت؛ لأن كون الصلاة تجوز أو لا تجوز لا يخاطب بها الولاة, من يخاطب بها؟ عامة الناس, فإذا أراد أحد أن يصلي فلا تمنعوه؛ ولذلك قلت لكم: لا تمنعوا بسلطة الولاية, لكن لو قام يصلي في وقت النهي ومنعوه بحكم الشرع؛ لهم ذلك؛ لأن هذا من باب منع المنكر. انتبهوا لهذه النقطة؛ لأن بعض العلماء ﵏ قالوا: هذا الحديث يدل على أن الإنسان في المسجد الحرام يصلي في أي ساعة, فيقال: هذا غلط, الخطاب موجه لبني عبد مناف بحكم الولاية, يعني: لا تمنعه, أما كونه يصلي أو لا يصلي, فهذا يرجع إلى الأدلة الأخرى, إذا كان في وقت يصلي فيه جواز أن يصلي, وإلا فلا. من فوائد هذا الحديث: أن الطواف ليس بصلاة؛ لأنه قال: «لا تمنعوه أي ساعة» , وقد ذكرت لكم أن الفاعل الذي هو غير ولاة الأمر يرجع أمره إلى الشرع, هل نهى الرسول ﵊ عن الطواف في الأوقات الخمسة أوقات النهي؟ لا, وهذا مما يؤيد ما اختاره شيخ الإسلام ﵀ أن الطواف ليس بصلاة, وأن الطهارة فيه ليست بشرط, وسبق الكلام على هذا. ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجوز لولاة الأمور أن يمنعوا الناس من حقوقهم, لكن إذا اقتضت المصلحة أن يمنعوهم من حقوقهم فلهم ذلك, الدليل: فعل أمير المؤمنين عمر ﵁, وأشياء كثيرة, لكن نذكر منها: الإنسان إذا طلق زوجته ثلاثًا بفمٍ واحد, من حقه أن يراجعها, يعني: إذا قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق, من حقه أن يراجعها في أي عصر كان؟ في عهد النبي ﷺ وأبي بكر, وسنتين من خلافة عمر لما تتايع الناس في هذا وصاروا يكثرون الطلاق الثلاث منعهم من الرجوع وحرم الزوجة عليهم مع أن الحق لهم, لهم أن يراجعوا, لكن رأى من المصلحة أن يمنعهم من هذا الحق حتى يمتنعوا من الطلاق الثلاث؛ لأن الطلاق الثلاث محرم, من اللعب بكتاب الله. أمهات الأولاد تباع في عهد الرسول ﵊, وأبي بكر, أم الولد من هي؟ الأمة التي أتت بولد من سيدها كانت تباع في عهد الرسول ﵊, وأبي بكر

стр. 398

وصدر من خلافة عمرو ثم تجرأ الناس على التفريق بين الأم وولدها, وهو طفل صغير ينصهر قلبها والولد يبكي لها, فمنعهم عمر من بيع أمهات الأولاد مع أن لهم أن يبيعوها؛ إذن نقول: ليس لولي الأمر أن يمنع الناس من حقوقهم إلا لمصلحة, أو حاجة, أو ضرورة. ومن فوائد هذا الحديث: الرد على طائفة مبتدعة: الجبرية يقولون: ليس للإنسان مشيئة ولا إرادة, وفعله مجبور عليه, ولا شك أننا لو أتينا بواحد منهم وجلدناه أشد الجلد, وقلنا: اعذرني يا أخي أنا مجبور, لا يوافقون؛ ولهذا احتج سارق كما روي عن عمر أتي بسارق وأمر بقطع يده, فقال: مهلًا يا أمير المؤمنين, والله ما سرقت إلا بقدر الله, قال: ونحن ما نقطع يدك إلا بقدر الله, وأيضًا عمر ﵁ يقطع يده بقدر الله, وشرع الله, وذاك يسرق بقدر الله دون شرع الله. أسئلة: - فهمنا من الأحاديث السابقة أن أوقات النهي بالاختصار ثلاثة, وبالبسط خمسة؟ - ما هو القول الراجح فيما يجوز في هذه الأوقات؟ - المؤلف ساق حديث جبير بن مطعم في هذا الباب, لماذا؟ - استدللنا من هذا الحديث على أن الطواف ليس بصلاة, وجه ذلك؟ ١٥٩ - وعن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما -, أن النبي ﷺ قال: «الشفق الحمرة». رواه الدارقطني, وصححه ابن خزيمة, وغيره وقفه على ابن عمر. «الشفق» يشير إلى آخر وقت صلاة المغرب إلى أن يغيب الشفق, فما هو الشفق أهو الحمرة أو البياض؟ بين في هذه الحديث - سواء عن ابن عمر أو عن النبي ﷺ أن الشفق هو: الحمرة التي تكون إثر غروب الشمس, وهذه الحمرة تستمر إلى نحو تسعين دقيقة, ربما تزيد قليلًا أو تنقص, يعني: ربما تصل إلى (٧٥) دقيقة, وربما تصل إلى (٩٠) دقيقة حسب الفصول, لكن متى غاب الشفق, يعني: متى ابيضت جهة الغروب, فمعنى ذلك: أن وقت المغرب انتهى ودخل وقت العشاء, إذا تأملت الترتيب وجدت أن هذا الحديث ينبغي أن يجعل فيما سبق, إذ ليس هذا مكانه؛ إذ إنه ينبغي أن يلي بيان أوقات الصلوات الخمس, لا أن يكون في سياق أوقات النهي, لكن لعل المؤلف ﵀ حين كتب الكتاب غفل عن هذا, وكل إنسان معرض للنسيان.

стр. 399

يوجد شفق آخر غيره الحمرة؟ نعم, شفق البياض يتأخر كثيرًا إلى نحو ثلث الليل, لا عبرة به, العبرة بشفق الحمرة. الفجر الصادق والفجر الكاذب: ١٦٠ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «الفجر فجران: فجر يحرم الطعام وتحل فيه الصلاة, وفجر تحرم فيه الصلاة - أي: صلاة الصبح - ويحل فيه الطعام». رواه ابن خزيمة, والحاكم, وصححاه. قسم النبي ﷺ في هذا الحديث الفجر إلى قسمين من حيث الحكم: فذكر أنهما قسمان: «فجر يحرم الطعام وتحل فيه الصلاة» , وهذا هو الفجر الصادق الذي لا ظلمة بعده. تحل فيه الصلاة, يعني: صلاة الصبح, ويحرم فيه الطعام على من؟ على الصائم. «وفجر تحرم فيه الصلاة» أي: صلاة الصبح, ويحل فيه الطعام - يعني: للصائم -, وهذان الفجران يختلفان في الحكم الشرعي, ويختلفان في الحكم القدري, يعني: حسًا وشرعًا, الفرق بينهما حسًا ذكره في الحديث الذي بعده. ١٦١ - وللحاكم من حديث جابر نحوه, وزاد في الذي يحرم الطعام: «إنه يذهب مستطيلًا في الأفق». وفي الآخر: «إنه كذنب السرحان». يعني: الذنب كالفجر الذي يحرم الطعام, وهو الفجر الصادق يذهب مستطيلًا في الأفق, يعني: من الشمال إلى الجنوب, والثاني: «كذنب السرحان» وهو أيضًا يمتد من الشرق إلى الغرب, هذا الفرق, الفجر الصادق الذي تحل فيه الصلاة ويحرم فيه الطعام يكون مستطيلًا من الشمال إلى الجنوب, والثاني بالعكس يكون من الشرق إلى الغرب, هذا فرق واضح. الفرق الثاني: أن الصادق لا ظلمة بعده, بل يزداد النور حتى يشمل الأفق كله, وأما الثاني: فيظلم بعد هذا ويزول, هذان فرقان. الفرق الثالث: الصادق نوره متصل بالأفق, والثاني نوره غير متصل, بمعنى: أنك إذا رأيت أسفل الأفق لم تر نورًا, يعني هذا في الكاذب, فهذه فروق ثلاثة. قال شيخنا عبد الرحمن ﵀: الفرق بينهما نحو نصف ساعة, يعني: أن الكاذب يخرج قبل الصادق بنحو نصف ساعة ثم يضمحل, فصار الفرق بينهما من الناحية الكونية - الحكم الكوني القدري - من وجوه ثلاثة: الصادق ممتد من الجنوب إلى الشمال, وذاك بالعكس.

стр. 400

الصادق لا ظلمة بعده, والثاني يظلم بعد ذلك. الصادق نوره متصل بالأفق, وهذا منفصل. أما من الناحية الشرعية - الحكم الشرعي: - فهو أن الصادق تحل فيه الصلاة ويحرم فيه الطعام - يعني: على الصائم -, وأما الكاذب فيحل فيه الطعام وتحرم فيه الصلاة. من فوائد هذا الحديث: أن الفجر الصادق يترتب عليه من الناحية الشرعية شيئان: حل الصلاة, وتحريم الطعام, أما حل الصلاة فلأن النبي ﷺ وقت الصلوات؛ الفجر من كذا إلى كذا, وأما تحريم الطعام فلقول الله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ [البقرة: ١٨٧]. من فوائد الحديث: الرد على مذهب إليه بعض السلف من أن الإنسان يأكل ويشرب إلى أن يعم الضياء الأفق كله - يعني: قرب طلوع الشمس - فإن هذا قال به بعض السلف, لكنه ضعيف؛ لأنه يخالف الآية الكريمة حيث قال الله تعالى: ﴿حتى يتبين لكم﴾ فمتى تبين وجب الإمساك, لكن يرخص للإنسان الذي يكون الإناء بيده أن يكمل نهمته منه, أو اللقمة في يده أن يكمل, وأما أن يستأنف بعد أن تبين الصبح فلا يجوز. ومن فوائد هذا الحديث والذي بعده: حكمة الله في ظهور هذا الفجر الذي نسميه الكاذب, وذلك من أجل أن يستعد الإنسان للإمساك في الصيام والصلاة - أي: صلاة الفجر -, ويعرف أنه قد قرب طلوع الفجر حتى يختم صلاة الليل بالوتر الذي يريد أن يختمها به. ثم قال: الحث على الصلاة في أول الوقت: ١٦٢ - وعن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل الأعمال: الصلاة في أول وقتها». رواه الترمذي والحاكم, وصححاه, وأصله في الصحيحين. «أفضل الأعمال الصلاة في أول وقتها» أفضل الأعمال - يعني الأعمال البدنية -؛ لأن الأعمال تنقسم إلى قسمين: أعمال بدنية في الجوارح الظاهرة, وأعمال قلبية في الجوارح الباطنة. والسؤال الآن عن الأعمال البدنية الظاهرة, قال النبي ﷺ : «أفضل الأعمال الصلاة في أول وقتها» , و «الصلاة» كلمة عامة تشمل الفجر, والظهر, والعصر, والمغرب, والعشاء, لكن سبق لنا أن بعض الصلوات الأفضل تأخيرها, ما هي؟ العشاء مطلقًا, الثاني: الظهر في شدة الحر, وعليه فيكون ما تقدم مخصصًا لهذا العموم, ولكن الذي أشار إليه المؤلف في الصحيحين

стр. 401

ليس بهذا اللفظ, بل بلفظ آخر, وهو أن النبي ﷺ قال: «أحب الأعمال إلى الله الصلاة على وقتها». فإذا كانت الصلاة على وقتها, فمعناه: إن كان ميقاتها في أول الوقت فهي أفضل, وإن كان ميقاتها في آخره فهي أفضل؛ فيكون مطابقًا للأحاديث الأخرى, ولا يحتاج إلى استثناء. ١٦٣ - وعن أبي محذورة, أن النبي ﷺ قال: «أول الوقت رضوان الله, وأوسطه رحمة الله؛ وآخره عفو الله». أخرجه الدارقطني بسندٍ ضعيفٍ جدًا. قوله: «أول الوقت» يعني: في الصلاة, «رضوان الله» يعني: أنه أفضل مما بعده؛ لأن رضا الله أعلى أنواع النعيم؛ ولهذا «إذا سأل الرب ﵎ أهل الجنة ماذا يتمنون عليه, قالوا: إنك أعطيتنا كذا وكذا وكذا, قال: أحل عليكم رضواني, فلا اسخط عليكم بعده أبدا». فرضا الله ﵎, وفقنا الله وإياكم له - أفضل أنواع النعيم, كذلك أيضًا الصلاة في أول الوقت هي أفضل الصلوات. «أوسطه» يعني: بين الأول والآخر «رحمة الله» لا ينال به الإنسان رضوان الله, ولكنه ينال به الرحمة, وهي أعلى من قوله: «وآخره عفو الله» يعني: أن الله عفا عنا ورخص لنا أن نؤخر الصلاة إلى آخر الوقت, لكن هذا الحديث يقول: «أخرجه الدارقطني بسند ضعيف جدًا». «جدا» , يعني: أجده جدًا, أحقه حقًا, إذا كان ضعيفًا فلماذا ذكره المؤلف ﵀؟ لأن الضعيف لا يجوز أن تبنى عليه الأحكام, ذكره من أجل ألا يغتر به أحد إذا قرأه في الدارقطني ليبين أنه ضعيف لا يعتمد عليه, وهذا جيد من تصرف المؤلف ﵀؛ لأنه إذا كان هذا الحديث في الدارقطني وقرأه القارئ وهو لا يعلم سيقلبه, ولكن إذا بين المؤلف ﵀ وهو من الحفاظ المعتبرين حينئذ سقط الاستدلال به. وحينئذ نقول: أول الوقت أفضل فيما يسن تقديمه, وآخر الوقت أفضل فيما يسن تأخيره, وما بين ذلك فهو رخصة, هذا الذي تدل عليه الأحاديث ونكتفي بها. ١٦٤ - وللترمذي من حديث ابن عمر نحوه, دون: «الأوسط» , وهو ضعيف أيضًا.

стр. 402

١٦٥ - وعن ابن عمر ﵄, أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين». أخرجه الخمسة, إلا النسائي. - وفي رواية عبد الرزاق: «لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر». ١٦٦ - ومثله للدارقطني عن عمروٍ بن العاص ﵁. هذا أيضًا مما يؤخذ على المؤلف, أن هذا ليس مكانه, أين مكانه؟ بعد ذكر أوقات النهي, وليس هذا محله, لكن على كل حال - كما قلت لكم - الإنسان قد يسهو ويغفل, فلنعد للحديث: «لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين» , والمراد بالسجدتين هما الركعتان, وهما ركعتا الفجر, سبق لنا الكلام على مثل هذا التعبير «لا صلاة» , وأنه أولًا لنفي الوجود, فإن لم يمكن فلنفي الصحة, فإن لم يمكن فلنفي الكمال, فلننظر هذا الحديث: «لا صلاة بعد الفجر» يعني: بعد طلوع الفجر. «إلا ركعتي الفجر» يعارض الأحاديث السابقة الصريحة في أن النهي يتعلق بفعل الصلاة, لا بطلوع الفجر, وحينئذٍ لابد لنا من أحد مسلكين إما أن نقول: إن هذا شاذ فيرد؛ لأنه من المعلوم أن الضعيف لا يمكن أن يقاوم الصحيح, وإما أن يقال: نفي الصلاة هنا غير نفي الصلاة هنا, هناك نفي للتحريم, وهنا نفي للمشروعية؛ بمعنى: أنه لا يشرع للإنسان أن يصلي بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر. أيهما أولى: أن نحمل على المعنى الأول ونقول: شاذ ونرد الحديث, أو نؤوله إلى معنى يتطابق مع الحديث الثاني؟ الثاني أولى؛ لأنه متى أمكن الجمع وجب, فنقول: معنى قوله ﷺ : «لا صلاة بعد الفجر» أي: لا صلاة مشروعة, لا أن المعنى: لا صلاة, يعني: النهي بمعنى: لو أنك صليت راتبة الفجر وجلست تنتظر صلاة الفجر, فهل الأفضل أن تقوم وتصلي, أو الأفضل ألا تصلي؟ بناء على هذا الحديث: الأفضل ألا تصلي, وهو كذلك الأفضل ألا تصلي؛ لأن النبي ﷺ ك ان يخفف الركعتين, فإذا كان يخفف شيئًا مشروعًا فكيف نأتي بشيء غير مشروع. وعليه فنقول: ما بين أذان الفجر وصلاة الفجر لا تشرع الصلاة إلا ركعتي الفجر, لكن لو فعل الإنسان ذلك لا نؤثمه؛ لأن وقت النهي إنما يدخل بعد الصلاة.

стр. 403

١٦٧ - وعن أم سلمة ﵂ قالت: «صلى رسول الله ﷺ العصر, ثم دخل بيتي, فصلى ركعتين, فسألته, فقال: شغلت عن ركعتين بعد الظهر, فصليتهما الآن, فقلت: أفنضيهما إذا فاتتا؟ قال: لا». أخرجه أحمد. ١٦٨ - ولأبي داود عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - بمعناه. قوله: «وعن أم سلمة» هي: إحدى زوجات النبي ﷺ , تزوجها النبي ﷺ بعد موت زوجها, والقصة مشهورة: حين دخل النبي ﷺ على أبي سلمة فوجده قد توفي وقد شخص بصره, فأغمض عينيه ﷺ , وقال: «اللهم اغفر لأبي سلمة, وارفع درجته في المهديين, وأفسح له في قبره, ونور له فيه, واخلفه في عقبه» , خمس دعوات منها ما علمناه في الدنيا ومنها ما لم نعلمه, لكن الذي أجاب شيئًا رأيناه يتفضل بإجابة ما لم نره, خلفه في عقبه تزوجها الرسول ﷺ بعد موت زوجها أبي سلمة, وكانت ﵂ قد سمعت النبي ﷺ يقول: «ما من مسلم يصاب بمصيبة فيقول: اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها إلا آجره الله وأخلف له خيرًا منها» , وكانت تقول: من خير من أبي سلمة؟ تقول هذا لا شكا في كلام الرسول ﷺ لكن تتأمل من هذا الذي سيكون خيرًا من أبي سلمة, وإلا هي جازمة بأنه سيخلف الله عليها خيرًا من أبي سلمة لكن تفكر: أبو بكر عمر من؟ فإذا هو رسول الله ﷺ خلف أبا سلمة في عقبه, تربى ابنه وبنته عند الرسول ﷺ في حجره, وإنما سقنا هذا ليتبين أن الإنسان إذا دعا عند المصائب فإنه يستجاب له؛ ولهذا لما ضج ناس من أهله - من أهل أبي سلمة -, قال النبي ﷺ : «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون» , وإنما قال هذا؛ لأنهم في الجاهلية إذا مات الإنسان يدعون بالويل والثبور, واثبوراه, واويلاه, وما أشبه ذلك. أم سلمة ﵂ من أعقل النساء, وأذكى النساء, وقصتها مع النبي ﷺ في صلح الحديبية مشهور, تقول: إن الرسول ﷺ صلى العصر ثم دخل بيتها فصلى ركعتين, قوله: «صلى العصر» أي: صلاة العصر, و «دخل بيتها» , كلمة «بيتها» مضاف إليها, فهل أضيف إليها على سبيل الملك, أو على سبيل الاختصاص؟ هل نساء الرسول ﵊ ورثن هذه البيوت, هل بقين فيها بعد موته؟ نعم, إذن الظاهر - والله أعلم - أنه بيتها على سبيل الملك, والرسول ﷺ ملك زوجاته ذلك, هذا إن لم يثبت أنهن بعد موته جعلنها في بيت المال؛ لأن

стр. 404

الرسول ﷺ بعد موته لا يورث, فصلى ركعتين فسألته, فقال: «شغلت عن ركعتين بعد الظهر فصليتهما الآن» , «شغلت» , والذي شغله وفد, وكان النبي ﷺ ينظر إلى المصالح فيقدم العليا على ما دونها, فكونه يستقبل هؤلاء الوفد ليؤلف قلوبهم ويجلب المحبة منهم له ومنه لهم؛ أفضل من كونه يصلي الراتبة سواء بنية قضائها أو بغير نية قضائها, «فقلت: أفنقضيهما إذا فاتتا؟ قال: لا» , ومرادها: أفنقضيهما في هذا الوقت؟ قال: «لا»؛ لأن هذا الوقت وقت نهي, وهما - أي: الركعتان - تطوع, وليس هناك سبب يبيح أن تصليا في وقت النهي؛ لأنه بالإمكان أن يصليهما بعد المغرب لكن هذا مما اختص به النبي ﷺ , وسيأتي في الفوائد. *** ٢ - باب الأذان قال المؤلف - رحمه الله تعالى -: «باب الأذان». وهذا الكتاب «بلوغ المرام» مؤلف على أبواب الفقه. الأذان في اللغة: الإعلام, قال الله تعالى: ﴿وأذن من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر﴾ [التوبة: ٣]. أي: إعلام بماذا؟ ﴿أن الله بريء من المشركين ورسوله﴾. لكنه في الشرع: إعلام خاص أخص من اللغة, وهكذا جميع التعريفات الشرعية أخص من التعريفات اللغوية, يعني: أنه يقصد بها بعض المعنى اللغوي, إلا في موطن واحد فيما يحضرني الآن: وهو الإيمان, فإن الإيمان في الشرع أعم من الإيمان في اللغة؛ إذ إن الإيمان في اللغة إنما هو إقرار القلب فقط, وأما في الشرع: فيدخل فيه جميع الأعمال الصالحة؛ فلهذا قال العلماء - علماء أهل السنة -: إن الإيمان هو الإقرار المستلزم للإذعان والقبول, وليس أي إقرار, فالصلاة مثلًا في اللغة: هي الدعاء لكنها في الشرع من الإيمان, كما قال الله تعالى: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ [البقرة: ١٤٣]. يعني: صلاتكم إلى بيت المقدس. هنا الأذان في اللغة: الإعلام, في الشرع: إعلام خاص, وهو الإعلام بحلول فعل الصلاة؛ يعني: أنه حل فعل الصلاة, وهذا الذي ذكرناه أولى من أن يقال بدخول الوقت؛ لأنه إذا كانت الصلاة مما يستحب تأخيرها فإنه يؤخر الإعلام, ودليل ذلك ما ثبت في صحيح البخاري, أن النبي ﷺ كان في سفر فقام بلال ليؤذن, فقال: «أبرد» , ثم قام ليؤذن, فقال: «أبرد» , ثم قام ليؤذن فقال: «أبرد» , حتى رأوا فيء التلول, ثم أذن له فأذن, ولو كان إعلامًا بدخول الوقت لكان يؤذن من أول الوقت, فمثلًا: إذا كنا في سفر وأردنا أن نؤخر الصلاة, فهل نؤذن إذا دخل وإن لم

стр. 405

نصل إلا في آخر الوقت؟ لا نؤذن حين إرادة الصلاة, لكن في وقت يتمكن فيه المدعوون إلى الصلاة من الاستعداد لها بالوضوء وغيره, ثم هو إعلام لإرادة الصلاة أو فعل الصلاة بعد دخول وقتها, ونحن قلنا: بحلول وقت الصلاة على وجه مخصوص ليس أي إعلام, فمثلًا قوله: «الصلاة, الصلاة, الصلاة» لا يكفي, لابد أن يكون على وجه مخصوص؛ وهو الذكر الوارد عن النبي ﷺ , وستعلمونه إن شاء الله. وهذا الأذان أصل مشروعيته: أن النبي ﷺ لما هاجر إلى المدينة, وصار للأمة الإسلامية دولة, ولها كيان؛ أرادوا أن يجعلوا لهم علامة لدخول وقت الصلاة حتى يجتمعوا إليها؛ فتقدمت اقتراحات: اقتراح البوق ينفخ فيه حتى يكون له صوت, اقتراح الناقوس يشبه الجرس لكنه له صوت قوي؛ لأنه كبير, اقتراح نار توقد حتى يراها الناس فيعلموا أنه دخل الوقت. كل هذه الاقتراحات رفضت, لماذا؟ لأن هذه كلها دعاء لعبادات شركية, الناقوس للنصارى, والبوق لليهود, والناس للمجوس, رفضت هذه, وكان المسلمون قد اهتموا بذلك كثيرًا؛ لأنه مهم ما الذي يجمع الناس عند دخول الوقت, فرأى عبد الله بن زيد بن عبد ربه في المنام رجلًا معه ناقوس, فقال: أتبيع علي هذا؟ قال: وما تصنع به؟ قال: أعلم به للصلاة, قال: ألا أدلك على خير منه؟ تقول: الله أكبر ... وذكر الأذان, ثم أتى عبد الله إلى رسول الله فقص عليه الرؤيا, فقال: «إنها لرؤيا حق, اذهب فألقها على بلال فإنه أندى صوتًا منك»؛ , فلما سمع عمر أذان بلال جاء إلى الرسول ﷺ وأخبره أنه رأى مثل ما رأى عبد الله بن زيد, فتوافقت الرؤيتان على هذه الصفة, وأيدها النبي ﷺ , ومن المعلوم أنها لم تثبت مشروعيتها إلا بعد إقرار الرسول ﷺ لها حيث قال: «إنها لرؤيا حق». صفة الأذان ومعانيه: ١٦٩ - عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه ﵁ قال: «طاف بي - وأنا نائم - رجل فقال: تقول: الله أكبر الله أكبر, فذكر الأذان - بتربيع التكبير بغير ترجيع, والإقامة فرادى, إلا قد قامت الصلاة - قال: فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ فقال: إنها لرؤيا حق ... ». الحديث. أخرجه أحمد, وأبو داود, وصححه الترمذي, وابن خزيمة. ١٧٠ - وزاد أحمد في آخره قصة قول بلال ﵁ في أذان الفجر: «الصلاة خير من النوم». يقول: «طاف بي وأنا نائم رجل, فقال: تقول: الله أكبر» , ابن حجر ﵀ تصرفه في الأحاديث

стр. 406

في هذا الكتاب تصرف أحيانًا يكون مخلًا؛ حيث يحذف من الحديث ما يتوقف فهم بقيته على وجده, وهو نفسه ﵀ ذكر في النخبة أنه لا يجوز حذف شيء من الخبر وللباقي فيه تعلق, لكنه لا يحذف شيئًا لا يتم المعنى إلا به, إلا أنه يحذف شيئًا وجوده خيرًا من حذفه طلبًا للاختصار؛ لأنه ألف هذا الكتاب من أجل أن يحفظ عن ظهر قلب, قال: «تقول الله أكبر ... فذكر الأذان» وطوى ذكره ﵀ لأنه معلوم. «الله أكبر» هذه جملة اسمية حذف منها المتعلق بقوله: أكبر, أصلها: أكبر من كل شيء, ولكنه حذف المتعلق من أجل إرادة العموم, يعني: أكبر أي: له الكبرياء المطلق بدون قيد, لو قلت: أكبر من كل شيء قد تكون الدلالة واحدة, لكنه يضعف العموم, حينما نقول: من كل شيء أكبر, يعني: له الكبرياء مطلقًا, الله أكبر الثانية التأكيد, الثالثة كذلك, الرابعة كذلك, فتكون الثلاث توكيدًا للأولى, هذا ما قد يتبادر إلى الذهن, ويظن الظان أن هذا من باب التوكيد اللفظي كقولك للرجل: قم قم قم يا رجل, تعيد عليه الأمر تريد التوكيد, لكن الذي يظهر أنها جمل مستأنفة كل جملة منفصلة عن الأخرى, يعني: بمعنى أنه لابد من وجود الثانية والثالثة والرابعة, هذا هو الظاهر, فيكون هذا من باب التقرير - أي: تقرير كبرياء الله في القلب - لأن المؤكد يجوز حذفه إذ لم يذكر إلا فضله, لكن هذا الحديث لابد فيه من وجود كل جملة: الله أكبر الله أكبر الله أكبر. بعد هذا التكبير والتعظيم لله نقول: «أشهد أن لا إله إلا الله» , والحمد لله كلكم يعرف معنى (لا إله إلا الله) أي: لا معبود حق إلا الله, حق أولى من كلمة بحق؛ لأنك إذا قلت: لا معبود بحق, احتجت إلى تقدير آخر لا معبود كائن بحق أو واقع بحق, لكن إذا قلت: لا معبود حق إلا الله نقص المحذوف, يعني: لم تحتج إلى تقدير شيء؛ هذا من وجه, ومن جهة أخرى: يكون مطابقًُا لقول الله تعالى: ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل﴾ [لقمان: ٣٠]. إذن التقدير: لا معبود حق إلا الله, أما معبود باطل فموجود, قال الله ﵎: ﴿ولا تجعل مع الله إلهًا آخر﴾ [الإسراء: ٣٩]. وقال تعالى: ﴿فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب﴾ [هود: ١٠١]. لكن كل من سوى الله فهو إله اسمًا وليس حقًا, قال الله تعالى: ﴿ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان﴾ [يوسف: ٤٠]. وقال تعالى: ﴿أفرأيتم اللات والعزى (١٩) ومناة الثالثة الأخرى (٢٠) ألكم الذكر وله الأنثى (٢١) تلك

стр. 407

إذًا قسمة ضيزى (٢٢) إن هي - أي: هذه المعبودات - إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم﴾ [النجم: ٢٣]. فما هي إلا أسماء فقط مجردة تمامًا عن المعنى, أي: معنى الألوهية. «أشهد أن لا إله إلا الله» , واعلم أنك متى أقررت بأنه لا معبود إلا الله؛ فإن إقرارك هذا مستلزم لتوحيد الربوبية؛ إذ إفراد الله بالعبادة متضمن لإفراده بالربوبية؛ لأنك لن تعبد إلا ما هو رب. «وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله» لم يذكر تمام اسمه؛ يعني: تمام نسبه, أشهد أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم ما ذكر هذا, لماذا؟ لأنه معلوم لكل إنسان أن محمدًا الموصوف بالرسالة هو محمد بن عبد الله ﵊, أن محمدًا عبده ورسوله, وهذا التقرير يفيد أنه لا يلزم للإنسان كلما ذكر الرسول, قال: اللهم صل على محمد, يجوز أن تقول: أن محمدًا رسول الله بدون أن تقول: ﷺ ؛ لأن الصلاة على النبي ﷺ بعد فراغ الأذان ليست من جمل الأذان, وإلا فمن المعلوم أنه مشروع للإنسان إذا تابع المؤذن أن يقول بعد ذلك: اللهم صل على محمد, اللهم رب هذه الدعوة التامة؛ لأن النبي ﷺ أمر بذلك, لكنها ليست من جملة الأذان. «عبده ورسوله» عبده رد للغالين فيه المدعين له ما يتبرأ منه ﷺ , وهو أنه له تصرف في الكون, وأن له حظ من الربوبية, فهو عبد لا يعبد, هو نفسه عبد يحتاج إلى الله , و «رسوله» رد على من؟ على المكذبين له الذين قالوا: إنه ساحر, مجنون, كاهن, فهو عبد لا يعبد, ورسول لا يكذب ﵊. واعلم أن هذه العبودية التي وصف بها الرسول ﷺ ووصف بها بقية الأنبياء هي أخص أنواع العبودية؛ لأن العبودية عامة وخاصة, وأخص من الخاصة؛ العبودية العامة في قوله تعالى: ﴿إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا﴾ [مريم: ٩٣]. هذه عامة, كل الخلق عبيد لله, والله تعالى سيدهم يفعل فيهم ما يشاء, يعز من يشاء, ويذل من يشاء, ويهدي من يشاء, ويضل من يشاء, ويؤت الملك من يشاء, وينزع الملك ممن يشاء, هو السيد وما سواه مملوك عابد لله العبودية القدرية العامة. «حي على الصلاة» , حي: بمعنى أقبلوا, وهي اسم فعل لا يلحقه علامة الفعل, يعني: لا تقول للجماعة: حيوا, ولا الاثنين: حيا, وإنما نقول: حي على الصلاة للواحد, والجماعة, والاثنين؛ ولهذا نقول: إنه اسم فعل, والضابط لأسماء الأفعال كل لفظ دل على معنى الفعل ولم يقبل علامته فهو اسم فعل: إن دل على معنى الأمر فهو اسم فعل أمر, إن دل على الماضي فهو اسم فعل ماضٍ, إن دل على مضارع فهو اسم فعل مضارع, فكل ما دل على معنى الفعل ولم يقبل علامته فهو اسم فعل. «حي» بمعنى: أقبل على الصلاة.

стр. 408

يحتمل أن يقال: إن «أل» التي في الصلاة للعهد الحضوري, أي: على الصلاة الحاضرة, ويحتمل أن يقال: إن «أل» للعموم؛ أي: أقبل على الصلاة, ويكون أول ما يدخل فيها: الصلاة الحاضرة, ولعل هذا أقرب أن نجعله عامًا, يعني: أقبل على الصلاة فإنها خير موضوع. «حي على الفلاح» «الفلاح» كلمة جامعة تتضمن النجاة من كل مكروه, والفوز بكل مطلوب, ومناسبة ذكر الفلاح هنا بعد ذكر الصلاة ظاهرة جدًا كأنه يقول: «حي على الصلاة؛ لأنه بها الفلاح»؛ فالصلاة كلها فلاح, كلها خير؛ ولهذا كانت مما يستعان به على المصائب كما قال الله : ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ [البقرة: ٤٥]. وكان النبي ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. أما «الله أكبر الله أكبر» فهي كالجمل الأولى, و «لا إله إلا الله» سبق معناها هذا هو الأذان, فهو ذكر إعلام بكبرياء الله , إعلام بالتوحيد, إعلام بالرسالة, دعوة إلى الصلاة, دعوة إلى الفلاح, وبهذا نعرف فضائل الإسلام, في الأمم السابقة لا يوجد إلا نواقيس, وأبواق, ونيران, وربما يكون علامات أخرى كالصفير وغيره, لكن الدين الإسلامي - ولله الحمد - التعليمات التي تكون له لها هذه المزية العظيمة: ذكر, وتوحيد, وشهادة في الحق. وكما يقول: فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ فقال: «إنها لرؤية حق» هذا فيه حذف, ويسمى إيجازًا بالحذف, يعني: أتيته فأخبرته, فقال: «إنها لرؤيا حق» , وهذا من الإيجاز بالحذف, إنها - أي: الرؤيا - التي قصصتها علي لرؤيا حق, أي: صدق وليست رؤى باطلة, ثم أمره أن يذهب إلى بلال من أجل أن يعلمه بالأذان؛ لأنه أندى صوتًا منه. في هذا الحديث فوائد, منها: هداية الله ﵎ لهذه الأمة للحق؛ حيث رفضوا الاقتراحات التي يعلم بها للصلاة حتى هدوا إلى هذا الأمر الذي ثبت بهذه الرؤيا. ومنها: العمل بالرؤيا, وأن الشرع إذا شهد للرؤيا بالصدق فإنه يحكم بها؛ لأن الرسول ﷺ قال: «إنها لرؤيا حق» , وإلا فإن الرؤيا لا يثبت بها الشرع إلا إذا أقرها الشرع, والرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة؛ ولهذا كان أول ما بعث الرسول ﵊ كان يرى الرؤيا في المنام فتكون مثل فلق الصبح, وأول ما بدئ به الوحي على هذا الوجه في ربيع الأول, وبقي ربيع الأول والثاني وجمادى الأولى والثانية, ورجب, وشعبان ستة

стр. 409

أشهر, في رمضان نزل عليه الوحي, وأنت إذا نسبت ستة أشهر لثلاث وعشرين سنة - التي هي زمن نبوة النبي ﷺ صارت جزءًا من ستة وأربعين جزءًا. مسألة: لكن هل تثبت الأحكام الشرعية بالرؤيا أو لا؟ هذا محل نظر وتفصيل, فيقال: إن كان في هذه الرؤيا تأييد لشيء ثابت في الشرع عمل بها وصارت من المقويات, مثاله: ما وقع لابن عباس ﵄ في رجل سأله عن متعة الحج, فأجابه ابن عباس ﵁ بأن متعة الحج حق؛ لأن عمر ﵁ كان ينهى عنها؛ يريد من الناس أن يعتمروا في وقت ويحجوا في وقت, فرأى هذا الرجل في المنام أن رجلًا يقول له: حج مبرور وعمرة متقبلة, فأتى إلى ابن عباس وأخبره, ففرح بهذا. هذه الرؤيا يعمل بها, لماذا؟ لأنه يؤيدها الشرع, فتفيد التثبت والتقوية على صحة ما ذهب إليه الإنسان, أو على رجحانه لأنها حق, أما إذا كانت تخالف الحق فهي مرفوضة, وهي من وحي الشيطان. ومر بي أن عبد القادر الجيلاني ﵀ رأى في المنام نورًا عظيمًا لا يوجد له نظير, فخاطبه منه مخاطب يقول له: إنه أسقط عنه فريضة من الفرائض - إن لم يخني الذهن - فهي الصلاة, فقال له عبد القادر: كذبت, ولكنك شيطان, يقول: فتمزق النور. هذه الرؤيا قطعًا كذب, لماذا؟ لأنها تخالف الحق, فلا تقبل. هذان قسمان, القسم الثالث: ما لا تخالف الحق ولا توافقه, ولكن يكون لها شواهد تدل على صدقها فيعمل بها, ومثالها: ما جرى لثابت بن قيس بن شماس ﵁ حينما استشهد في وقعة اليمامة في قتال مسيلمة الكذاب, فقتلى ومر به شخص فسلب درعه, وأخذه إلى رحله ووضعه تحت برم - قدر من الفخار - فلما كان في الليل رأى صاحب لثابت بن قيس ثابتًا في المنام وأخبره بما جرى, وقال له: إن الدرع تحت برمة في أطراف الجيش وحوله فرس يستن في طوله, فلما أصبح الرجل ذهب إلى خالد بن الوليد ﵁ وأخبره بالاخبر, فذهبوا إلى أطراف الجيش فوجدوا البرمة قد أكفئت على الدرع كما قال الرجل في المنام, وثابت بن قيس أوصى صاحبه بوصايا قال: أبلغها أبا بكر ﵁, فلما بلغ ذلك أبا بكر ﵁ أنفذ وصيته مع أنها كانت في المنام, لكن لها قرائن. قال أهل العلم: هذه أول وصية أنفذت من رؤيا صدق في المنام. في هذا الحديث - حديث الأذان -: الرؤيا حق بشهادة النبي ﷺ .

стр. 410

ومن فوائد الحديث: أن الأذان الذي رآه عبد الله بن زيد بن عبد ربه ليس فيه ترجيع؛ الترجيع: هو أن يأتي بالشهادتين سرًا, ثم يأتي بهما جهرًا, وهذا الترجيع علمه النبي ﷺ أبا محذورة مؤذن مكة, لكن بلالًا مؤذن المدينة لم يؤمر به, فيكون من باب اختلاف الصفات في العبادة. ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي تأكيد الخبر إذا دعت الحاجة إلى ذلك؛ لأن النبي ﷺ أكد الخبر «إنها لرؤيا حق» بمؤكدين إحداهما (إن) , والثانية (اللام). ثم قال: «وزاد أحمد في آخره قصة قول بلال في أذان الفجر: الصلاة خير من النوم». هذه تقال في أذان الفجر خاصة؛ لأن النبي ﷺ أمر بها بلالًا, قال: «إذا أذنت الأول لصلاة الفجر فقل: الصلاة خير من النوم» , فكان يقولها ﵁, وهذا كالتأكيد لقوله: «حي على الصلاة» , وإنما زيدت في أذان الفجر؛ لأن الغالب على الناس أن يناموا فزيدت هذه تأكيدًا, لكن متى تكون؟ تكون بعد «حي على الفلاح» لا بعد فراغ الأذان كما يدل عليه السياق في أحاديث أخرى لم يذكرها المؤلف ﵀, واعلم أن لفظ الحديث: «الأذان الأول لصلاة الصبح»؛ فتوهم بعض الناس أن المراد به: الأذان الأول الذي يكون في آخر الليل, فصاروا يؤذنون في آخر الليل ويقولون: «الصلاة خير من النوم» , فأخطئوا في الفهم, وأخطئوا في التطبيق؛ لأن الأذان الأول محترزه الإقامة, فإن الإقامة تسمى أذانًا, والأذان الذي قبل دخول الصبح ليس لصلاة الصبح كما صرح بذلك النبي ﷺ حين قال: «إن بلالًا يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم, فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم». فليس للصلاة؛ ولأن الأذان للصلاة لا يكون إلا بعد دخول وقتها لقول النبي ﷺ : «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم, وليؤمركم أكثركم قرآنًا» , فالأذان الذي يكون قبل الفجر ليس لصلاة الفجر, وهذا من الأشياء التي ننبه عليها دائمًا أن بعض الناس يفهمون من النصوص ما لا يراد بها, ولأمة تعمل على خلاف فهمهم, ثم ينفردون بهذا الفهم تطبيقيًا وعمليًا فيخالفون الناس, وهم معذورون؛ لأنهم مجتهدون, لكن لا يجوز التسرع فيما يخالف ما عليه الناس إلا بعد أن يتبين الحق تبينًا واضحًا, فحينئذٍ لابد من الحق. قوله: «الصلاة خير من النوم» هي مفيدة لكونها خيرًا من النوم, لكن هل خير من البيع والشراء والتجارة, إذن لما قال: «من النوم»؟ لمناسبة الحال؛ ولهذا قال الله تعالى في صلاة الجمعة: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم﴾ [الجمعة: ٩]. يعني: خير لكم من البيع فلكل مقام مقال.

стр. 411

١٧١ - ولابن خزيمة: عن أنس ﵁ قال: «من السنة إذا قال المؤذن في الفجر: حي على الفلاح, قال: الصلاة خير من النوم». هذا بيان لموضوعها, وقد ذكرناه أن يكون بعد قوله: «حي على الفلاح». ١٧٢ - وعن أبي محذورة ﵁: «أن النبي ﷺ علمه الأذان, فذكر فيه الترجيع». أخرجه مسلم. ولكن ذكر التكبير في أوله مرتين فقط. رواه الخمسة فذكروه مربعًا. الترجيع: هو أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله بصوت منخفض, ثم يقولها بصوت مرتفع هذا الترجيع. وأبو محذورة ﵁ كان مؤذنًا في مكة علمه الأذان فذكر فيه الترجيع, لكن ذكر التكبير في أوله مرتين, هذا رواية مسلم, ولكن الخمسة ذكروه مربعًا, فهل نأخذ برواية الخمسة؛ لأن معهم زيادة علم, أو نأخذ برواية مسلم؟ نقول: ما دامت الزيادة صحيحة فإننا نأخذ بها, ثم إنها أيضًا مطابقة لحديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه فيكون ذلك مرجحًا, وعلى ذلك فيحمل ما رواه مسلم بأنه علمه الأذان والتكبير في أوله مرتين على أن أحد الرواة نسي فذكر مرتين كم يكون الأذان إذا كان فيه الترجيع؟ تسع عشرة؛ لأنه سيذكر أشهد أن لا إله إلا الله أربع مرات, وأشهد أن محمدًا رسول الله أربع مرات فيكون تسع عشرة جملة. ١٧٣ - وعن أنس ﵁ قال: «أمر بلال أن يشفع الأذان شفعًا, ويوتر الإقامة إلا الإقامة, يعني: إلا قد قامت الصلاة». متفق عليه, ولم يذكر مسلم الاستثناء. «أمر بلال» الآمر له النبي ﷺ , والصحابي إذا قال: أمر, أو أمرنا, أو أمر الناس, فالآمر الرسول ﷺ , وهذا يسمى عند أهل المصطلح: مرفوعًا حكمًا. فإن قال قائل: إذا كان الآمر الرسول ﵊ فلماذا يعبر الصحابي بقوله: «أمر»؛ لماذا لم يقل: قال رسول الله ﷺ : اشفعوا الأذان؟ الجواب: أن الصحابي قد لا يستحضر لفظ الأمر الوارد عن النبي ﷺ فيقول: أمر, أو أمرنا, أو ما أشبه ذلك. فإن قال قائل: أفلا يجوز أن يفهم الصحابي ما ليس بأمرٍ أمرًا؟

стр. 412

الجواب: هذا بعيد من وجهين: الوجه الأول: أن الصحابة أعلم الناس بخطاب النبي ﷺ . الوجه الثاني: أن الصحابة أورع الناس, فلا يمكن أن يجزم بأن الرسول أمر, أو أن الناس أمروا إلا عن يقين, وبهذا بطل قول من يقول: إن ما صدر بلفظ أمر, أو أمرنا, أو ما أشبه ذلك لا يدل على الأمر لاحتمال أن الصحابي ﵁ فهم ما ليس بأمرٍ أمرًا, فيقال: هذا بعيد للوجهين اللذين ذكرناهما, وقوله: «أمر بلال»؛ لأنه المؤذن لا لاسمه وعينه, بل لوصفه, «أن يشفع الأذان شفعًا»؛ الأذان عند النهاية وتر لكن باعتبار جمله شفع: «الله أكبر أربع مرات» , الشهادتان, الحيعلتان, التكبير في آخر شفع, لكن إذا أردت أن تعتبر الأذان بجميع جمله فهو وتر, لكن كل جملة وحدها تشفع, لكن ختم بـ «لا إله إلا الله» وترًا؛ لأن غالب الشريعة كلها وتر تقطع على وتر, الصلاة وتر, والصيام وتر, والحج, وجميع العبادات كلها مقطوعة على وتر, الصلاة وتر في أول النهار وآخره, ما وترها في أول النهار؟ أول النهار آخر الليل؛ يعني: وترها الوتر المعروف, ووترها في الليل المغرب؛ الصيام وتر لأنه شهر واحد, الحج وتر يوم عرفة يوم واحد, يوم النحر يوم واحد, أيام التشريق ثلاثة إلا من تعجل فقد رخص الله له, وهلم جرا. فختم الأذان بـ «لا إله إلا الله» ليكون وترًا. ويقول: «ويوتر الإقامة إلا الإقامة». «يوتر الإقامة» أي: يجعلها وترًا, فإذا أخذنا بظاهر الحديث صارت الإقامة هكذا: «الله أكبر, أشهد أن لا إله إلا الله, أشهد أن محمدًا رسول الله, حي على الصلاة, حي على الفلاح, قد قامت الصلاة, قد قامت الصلاة - لأنه قال: «إلا الإقامة» - الله أكبر الله أكبر, لا إله إلا الله» كم يكون؟ تسع جمل, وبهذا أخذ كثير من العلماء قال: إن هذا ظاهر الحديث, وليس لنا أن نخالف الظاهر إلا بدليل, ولكن الجمهور على خلاف ذلك, قالوا: إن إيتاره باعتبار جمل الأذان, فمثلًا تكبير الأذان أربعًا إذا أخذنا ثنتين فهي نصف الأربع فيكون التكبير في أوله مرتين, لكن يبقى إشكال آخر التكبير في آخر الإقامة ثنتين, وفي آخر الأذان مرتين, هذا مشكل, لكن من قال: إن هذا الحديث مشكل فنحمله على الواضح وهو حديث بلال فإنه ذكر فيه الإقامة هكذا: «الله أكبر الله أكبر في أولها, الله أكبر الله أكبر في آخرها» , وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء أن الإقامة - كما تعرفون الآن - يكبر لها مرتين في أولها ومرتين في آخرها, وقوله: «إلا قد قامت الصلاة» فسرها الراوي بقوله: «يعني: إلا قد قامت» لئلا يكون فيه تناقض «يوتر الإقامة إلا الإقامة» , فبين أن الإقامة الثانية غير الإقامة الأولى, الإقامة الأولى هي جميع الإقامة الذكر المشروع كله, والثانية: هي قد قامت الصلاة, وقوله: «قد قامت الصلاة» يريد بها: الصلاة الحاضرة لا شك ليس جميع الصلوات كما قلنا في قوله: «حي على الصلاة».

стр. 413

ففي هذا الحديث دليل على فوائد منها: أن أذان بلال مشروع بأمر النبي ﷺ لقوله: «أمر بلال». ومنها: عظم شأن النبي ﷺ لدى الصحابة, وأنه هو الآمر الناهي عندهم؛ بحيث لا يفهم من «أمر» إلا أن الآمر الرسول ﷺ . ومنها: الفرق بين الأذان والإقامة, فإن جمل الأذان أكثر من الإقامة؛ لأن الإقامة تكون غالبًا للناس وقد حضروا, والأذان للناس وهم في بيوتهم, وإنما قلنا: لأن الإقامة غالبًا قد تكون إقامة لمن ليس في المسجد بدليل قول النبي ﷺ : «إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة». ومن الفروق بين الأذان والإقامة أن الأذان يترسل فيه المؤذن؛ لأنه ينادى للبعيد فيترسل, والإقامة يحدرها - يعني: يسرع فيها - لأن الإقامة غالبًا تكون للقريب. ومنها: مشروعية قوله: «قد قامت الصلاة». فإن قال قائل: هل هذه الجملة تأكيد لقوله: «حي على الصلاة»؟ قلنا: لا؛ لأن «حي على الصلاة» مع كونهم حاضرين يريد به الصلاة المعنوية؛ بمعنى: قلنا: لا؛ لأن «حي على الصلاة» مع كونهم حاضرين يريد به الصلاة المعنوية؛ بمعنى: أقبلوا على الصلاة بقلوبكم, كما أنتم حاضرون بأجسادكم, وأما «قد قامت الصلاة» فهي إشعار بالقيام إليها؛ ولذلك اختلف العلماء ﵏ هل يشرع للمأموم أن يقوم إذا كان جالسًا من حين أن يشرع في الإقامة, أو إذا قال: «حي على الصلاة» , أو إذا قال: «قد قامت الصلاة» , أو إذا كبر الإمام تكبيرة الإحرام؟ على خلاف, لكن الأمر في هذا واحد, المهم ألا يقوموا حتى يروا الإمام قد جاء ليصلي, سواء قام عند أول الإقامة أو عند قوله: «حي على الصلاة» , أو عند قوله: «قد قامت الصلاة» , أو عند قول الإمام: «الله أكبر» لكن الأخير أضعفها؛ لماذا؟ لأنه قد تفوته تكبيرة الإحرام, بل ينبغي أن يتهيأ قبل ذلك. ١٧٤ - وللنسائي: «أمر النبي ﷺ بلالًا». وهذه الرواية تفيد بيان الآمر في قوله: «أمر بلال». أسئلة: - ما هو الترجيع في الأذان؟ - هل يقدم الترجيع أو عدمه؟ - ما معنى أن يشفع الأذان؟ -

стр. 414

يستثنى شيئًا في الإقامة ما هو؟ * نرجع لحديث أنس الماضي: من فوائد حديث أنس: أن الفعل المبني للمجهول فيما يكون أمرًا أو نهيًا إذا قاله الصحابي فيعني به النبي ﷺ ؛ لأنه ﷺ هو الذي له الأمر والنهي, فإذا سمعت في حديث عن الصحابي «أمر الناس»؛ فالآمر هو الرسول ﷺ , إذا سمعت: «أمرنا» فالآمر هو الرسول ﷺ «نهينا» فالناهي هو الرسول ﵊ ... وهكذا. إذا قال قائل: ما حكم هذا؟ نقول: حكمة الرفع, ما دمنا نقول: إن الآمر والناهي هو الرسول فحكمه الرفع, يعني: كأنه قال: أمر رسول الله, أو نهى رسول الله. فإن قال قائل: لماذا يعبر الصحابي بهذا اللفظ المبني لما لم يسم فاعله مع إمكانه أن يعبر بالفعل المبني للفاعل؟ قلنا: لعله نسي كيفية الصيغة ولكنه حفظ المعنى. من فوائد هذا الحديث: أن الأذان يشفع لقوله: «أن يشفع الأذان» وهو ك ذلك, الأذان التكبير في أوله أربع, أو اثنتان على حسب ما جاءت به السنة, الشهادة اثنتان, والشهادة بالرسالة اثنتان, والحيعلتان اثنتان اثنتان, والتكبير في آخره اثنتان, والتشهد واحد, وهذا بالاتفاق؛ لأنها كلمة يختم بها الأذان ليكون وترًا كما هو الغالب في العبادات أنها وتر. ومن فوائد الحديث: أن الإقامة تكون وترًا, ولكن كيف تكون وترًا إذا أخذنا بظاهر الحديث فهي على النحو التالي: «الله أكبر, أشهد أن لا إله إلا الله, أشهد أن محمدًا رسول الله, حي على الصلاة, حي على الفلاح, قد قامت الصلاة, قد قامت الصلاة - يعني: مستثنى -, الله أكبر, لا إله إلا الله» فتكون تسع جمل, وإلى هذا ذهب كثير من المحدثين وقالوا: إنها توتر على مقتضى هذا اللفظ, ولكن هذا أحد صفاتها في الحقيقة, ومن صفاتها أن تشفع في التكبير أولًا, وتشفع في التكبير آخرًا, وتشفع الإقامة فتكون شفعًا وتكون وترًا, الغالب عليها الوتر؛ لأن الشهادتين وتر, والحيعلتين وتر, وكلمة الإخلاص في آخرها وتر, فالغالب عليها الوتر, فالاحتمال الأول هو ظاهر اللفظ, والاحتمال الثاني يمكن أن اللفظ يحتمله, ويقال: إنه لما كان أغلبها وترًا صح أن يقال: ويوتر الإقامة. ومن فوائد هذا الحديث: مراعاة الحال في التشريع في الأذان, يشفع لتكثر جمله, حتى يتسنى لمن لم يسمع أوله أن يسمع آخره, كذلك في الأذان يتأتى ويترسل فيه ويكون على مكان عال, أما في الإقامة فعلى العكس والفرق واضح؛ لأن الإقامة إنما هي لأقوام حاضرين -

стр. 415

يعني: في الغالب -, وإلا فقد يسمعها من كان خارجًا فلذلك صارت وترًا وصارت تحدر, ولا يترسل فيها, وصارت أخفض صوتًا من الأذان, ودعونا من حالنا الحاضرة, حالنا الحاضرة الآن يؤذن الناس في المنابر ويقيمون كذلك. إذن نأخذ فائدة: وهي مراعاة الحال في التشريع, وهذه القاعدة لها فروع كثيرة لما حرمت الخمر, وكان الناس قد ألفوها, هل حرمت عليهم جزمًا من أول الأمر؟ لا, ولكنها بالتدريج, كذلك أيضًا في الصلاة أول ما فرضت كانت ركعتين في الحضر وفي السفر, ولما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة زيد في صلاة الحضر الظهر صارت أربعًا, والعصر والعشاء, وإذا تأملت وجدت أمثلة كثيرة لهذا, بل لو قلنا: كل الشرائع فيها مراعاة كما قال الله : ﴿لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]. ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي الإيضاح فيما إذا حصل اشتباه ولو من بعيد؛ لقوله: «يوتر الإقامة إلا الإقامة» يعني: قد قامت الصلاة؛ لأننا لو أخذنا بالظاهر «إلا الإقامة» لكان يظن الظان أن تناقض, ولكنه بين بأن المراد: قد قامت الصلاة. هذه الفوائد الفقهية. الفوائد الحديثية: أنه إذا اختلف الشيخان البخاري ومسلم في كلمة, إذا كان المعنى واحدًا فلا حاجة أن ننص على الاختلاف, لاسيما على القول الراجح بجواز رواية الحديث بالمعنى, وإذا كان بزيادة أو نقص فلابد أن يتبين لئلا يظن السامع أو القارئ أن هذا لفظهما جميعًا؛ ولهذا قال المؤلف ﵀: «ولم يذكر مسلم الاستثناء». ومن فوائد هذا الحديث: الفرق بين «أمر» , و «أمر النبي»؛ لأن الأول مبني لما لم يسم فاعله, ولولا علمنا بحال الصحابة وبأن الآمر والناهي عندهم هو الرسول لقلنا: إن «أمر» مبني لما لم يسم فاعله, فلا ندري من الذي أمر بلالًا أهو الرسول أو أبو بكر, أما إذا جاء أمر الرسول ﷺ بلالًا صار الأمر واضحًا؛ لأنه بني لما سمي فاعله. ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي أن يختار للأذان من هو أندى صوتًا؛ لأن النبي ﷺ اختار بلالًا لأنه كذلك, فينبغي أن يكون المؤذن ندي الصوت - يعني: رفيع الصوت بنداوة -؛ لأن بعض الناس يكون رفيع الصوت لكن تجد صوته دقيقًا جدًا, لكن يكون بنداوة, بعض الناس صوته رفيع لكن يكون غليظًا, فيكون الصوت نديًا - أي رفيعًا - ينادي السماع. فإن قال قائل: وهل يشترط أن يكون المؤذن عالمًا بالعربية؟ فالجواب: لا, إذا الأذان على وجه ليس فيه لحن يحيل المعنى كفى, أما إذا كان لحنا يحيل المعنى فإنه لا يصح أذانه, فإذا قال: «الله أكبر» لم يصح الأذان؛ لأن الجملة تتحول من خبرية إلى استفهامية, وإذا قال: «الله أكبر» لا يصح أيضًا؛ لأن (أكبار) على وزن (أسباب) مفردها

стр. 416

كبر كسبب, والكبر هو: الطبل, فإذا مد الباء تغير المعنى بلا شك فلا يصح, وإذا قال: «الله آكبر»؛ لا يصح؛ لأنه أدخل الاستفهام على خبر المبتدأ الله هو أكبر, وهذا لا يستقيم, أما إذا نصب الجزأين في «أشهد أن محمدًا رسول الله» , فإننا وجدنا أن في ذلك لغة عربية, وهذا يقع من كثير من المؤذنين بأن يقول: «أشهد أن محمدًا رسول الله» , فعلى هذه اللغة يكون الأذان ليس فيه لحن, وهذا هو الذي ينبغي أن يفتى به, نظرًا لأننا لو ألزمنا المؤذنين بأن يضموا كلمة «رسول» لوجدنا كثيرًا منهم يخل بذلك, وما دام له وجه في اللغة العربية فالذي ينبغي أن يفتى بصحته, كذلك لو أبدل الهمزة فقال: «الله أكبر» , فإن ذلك سائغ لغة فيصح في الأذان, ثم قال: كيفية الأذان: ١٧٥ - وعن أبي جحيفة ﵁ قال: «رأيت بلالًا يؤذن وأتتبع فاه هاهنا وهاهنا, وإصبعاه في أذنيه». رواه أحمد, والترمذي وصححه. - ولابن ماجه: «وجعل إصبعية في أذنيه». ولأبي داود: «لوى عنقه, لما بلغ حي على الصلاة يمينًا وشمالًا ولم يستدر». وأصله في الصحيحين. أصله في الصحيحين بألفاظ متقاربة, يقول أبو جحيفة: «رأيت بلالًا يؤذن وأتتبع فاه» هذا كان في حجة الوداع فيما يظهر, فرآه يؤذن و «يتتبع فاه» يعني: بالنظر إليه, و «فاه» بمعنى: فمه, وفيها لغتان فصيحتان, فم: بالميم, وعلى هذه اللغة تكون معربة بالحركات, والثاني: بحذف الميم, وعلى هذه اللغة تكون معربة بالحروف, فإذا قلت: هذا فمه, فاللغة صحيحة, وهو معرب بالحركات, وإذا حذفت الميم أعربته بالحروف, فقلت: هذا فوه, أيهما أشهر؟ الأشهر: أن تعرب بالحروف. «أتتبع فاه هاهنا وهاهنا» , في رواية الصحيحين: «يلتفت يمينًا وشمالًا» , وهو أيضًا كذلك في رواية أبي داود, وقوله: «وإصبعاه في أذنيه» الجملة حالية, أي: والحال أن أصبعية في أذنيه, والمراد بالأصبعين هنا: السبابتان, وإنما وضعهما في أذنيه؛ لأنه أرفع للصوت, فإن الصوت إذا انسدت مخارج الأذنين صار له مخرج واحد, فصار أعلى وأرفع, وإذا كانت الأذنان مفتوحتين فإنه يضعف الصوت, فتكون الحكمة في جعل أصبعية في أذنيه هو زيادة ارتفاع الصوت, وفي هذا التعبير «إصبعاه في أذنيه» ما مر علينا في البلاغة من إطلاق الكل وإرادة الجزء؛ لأنه لم

стр. 417

يجعل الأصبعين كليهما في الأذن, ولكن يدخل بعضهما, والهمزة والباء مثلثتان - يعني: يجوز فيهما الضم والفتح والكسر -, فيكون اللغات تسعًا من ضرب ثلاثة في ثلاثة؛ ولهذا لا أحد يلحن بالنسبة للتصريف في «إصبع». ولابن ماجه: «وجعل إصبعيه في أذنيه». ولا فرق بين هذه وهذه فيما يظهر, إلا أن هذه صريحة في أنه جعلهما, والأولى جملة حالية كما سبق. ولأبي داود: «لوى عنقه لما بلغ حي على الصلاة يمينًا وشمالًا ولم يستدر» لوى عنقه عند الحيعلتين يمينًا وشمالًا, لكن هل يفهم من الحديث أنه جعل اليمين لـ «حي على الصلاة» في الجملتين, والشمال «حي على الفلاح» في الجملتين, أو أنه قال: «حي على الصلاة» يمينًا, ثم «حي على الصلاة» شمالًا, ثم «حي على الفلاح» يمينًا, ثم «حي على الفلاح شمالًا»؟ في هذا رأيان لشراح الحديث: فمنهم من قال: إن معناه أنه قال: حي على الصلاة يمينًا في الجملتين, حي على الفلاح شمالًا في الجملتين. ومنهم من قال: جعل لكل جهة حظا من حي على الصلاة, ومن حي على الفلاح, فعلى هذا المعنى يكون القول بأنه وزعهما أقوى, أما الأول: فربما يؤيده قوله: «لما بلغ حي على الصلاة يمينًا وشمالًا» على الترتيب, فيكون حي على الصلاة يمينًا في الجملتين, وحي على الفلاح شمالًا في الجملتين, والعمل على هذا, والحكمة من ذلك: ليكون النداء إلى الصلاة وإلى الفلاح من الجهتين اليمين والشمال. * في هذا الحديث من الفوائد: أولًا: حرص الصحابة ﵃ على معرفة السنة في كيفية الأذان, من أين يؤخذ؟ من تتبع أبي جحيفة لأذان بلال, ويتفرع على هذا أنه ينبغي أن يتتبع الإنسان صفة العبادة ممن له علم بها وتطبق, يعني مثلًا: رأيت عالمًا يصلي تتبع صلاته حتى تأخذ بها, إذا علمنا أن الرجل حريص على تطبيق السنة, كذلك رأيناه في الطواف, في السعي, الوقوف يفعل شيئًا - وهو ممن يوثق بعلمه ودينه - فإننا نتبعه. ومن فوائد هذا الحديث: مشروعية الالتفات يمينًا وشمالًا في «حي على الصلاة, وحي على الفلاح» على الوجهين اللذين ذكرناهما, لكن هل هذا الحكم باقٍ إلى الآن؟ الظاهر: لا يجب الالتفات الآن, أعني بالآن: أن الناس يؤذنون بمكبر الصوت, بل إنه لو التفت يمينًا وشمالًا عن مقابلة اللاقط لانخفض الصوت؛ لذلك نقول: لا يلتفت, لكن ينبغي في تركيب

стр. 418

السماعات في المنارة أن يراعى هذا, أن تكون واحدة في اليمين وواحدة في الشمال إذا لم يمكن أن توزع السماعات على الجهات الأربع. ومن فوائد هذا الحديث: أنه يسن وضع الأصبعين في الأذنين عند الأذان من أوله إلى آخره, وهل السنة باقية إلى الآن؟ نعم, ما دمنا نقول: إن العلة في ذلك علو الصوت وانحساره بخروجه من الفم, فنقول: هذه العلة موجودة الآن حتى إذا أذن بمكبر الصوت. ومن فوائد هذا الحديث: أن الالتفات إنما يكون في العنق فقط ولا يستدير بمعنى: أنه لا يلتفت بجميع بدونه ولا يستدير إذا كان في منارة, وكانت المنارات يجعل لها حوضًا محيطًا بها, ويؤذن المؤذن في الحوض الذي من جهة القبلة, ويكون عنق المنارة مانعًا من سماعه بالنسبة لمن كان خلف القبلة, فكان بعضهم يقول: إذا كان في منارة فإنه يستدير من أجل أن يسمع كل من حول المنارة صوت المؤذن, لكن الصواب أنه لا يستدير حتى في المنارة. ١٧٦ - وعن أبي محذورة ﵁: «أن النبي ﷺ أعجبه صوته, فعلمه الأذان». رواه ابن خزيمة. «أعجبه» أي: استحسنه, والإعجاب يأتي بمعنى الاستحسان, ومنه قول عائشة: «كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره, وفي شأنه كله». فعلمه الأذان, لماذا علمه؟ ليؤذن. ففي هذا فوائد: أولًا: اختيار الصوت الحسن للأذان. ثانيًا: أنه ينبغي لولي الأمر أن يعلم المؤذنين كيف يؤذنون, إما على وجه الدورات؛ يعني: يجعل دورات في كل بلد لمدة أسبوع, أو أسبوعين, أو شهرًا, أو شهرين, حسب ما تقتضيه الحاجة, وجهة قوله: «فعلمه الأذان» ولم يقتصر على أن يسمع أبو محذورة الأذان من بلال, بل علمه النبي ﷺ بنفسه. ومن فوائد الحديث: أنه لا غضاضة على الإمام الأعظم في تعليم عامة الناس؛ لأن النبي ﷺ علم أبا محذورة الأذان بنفسه, لا يترفع ويقول: اجعل واحدًا من الناس يعلم بل يعلم هو بنفسه اقتداءً بالرسول ﷺ واحتسابًا للأجر, لأن الإنسان إذا علم غيره شيئًا من الشريعة وعمل به صار له أجر من علمه.

стр. 419

أسئلة: - هل يشرع التفات المؤذن الآن؟ - هل لحسن الصوت أن يكون أولى بالأذان؟ - لو كان مؤذنًا راتبًا ورأينا مؤذنا حسن الصوت, فهل نعزل الراتب من أجل حسن الصوت؟ لا يشرع الأذان ولا الإقامة لصلاة العيد: ١٧٧ - وعن جابر بن سمرة قال: «صليت مع النبي ﷺ العيدين, غير مرةٍ ولا مرتين, بغير أذانٍ ولا إقامةٍ». رواه مسلم. ١٧٨ - ونحوه في المتفق عليه, عن ابن عباس ﵃ وغيره. قوله: «صليت مع النبي» المعية هنا تقتضي الاجتماع في المكان, وقوله: «العيدين» يعني بهما: عيد الفطر, وعيد الأضحى, وقوله: «غير مرة ولا مرتين» يعني: أكثر من ذلك فيكون أقله ثلاثة, يقول: «بغير أذان ولا إقامة» بغير أذان لدخول وقت صلاة العيدين, وهو ارتفاع الشمس قيد رمح, «ولا إقامة» عند فعل الصلاة, بل كان ﵊ إذا دخل إلى المسجد دخل في الصلاة فورًا. ومن فوائد هذا الحديث: مشروعية صلاة الجماعة في العيدين لقوله: «صليت مع النبي ﷺ » , وهل الجماعة شرط لصحة صلاة العيد أو لا؟ في هذا خلاف بين أآهل العلم, فمنهم من قال: إنها شرط لصحة صلاة العيد, بمعنى: أن الإنسان لو فاتته صلاة العيد لم يشرع له فضاؤها, وهذا هو القول الراجح؛ أن صلاة العيد شرعت على هذا الوجه, فإذا فاتت الإنسان فلا يصليها؛ لأنها شرعت على وجه معين, ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه أمر بقضائها؛ ولا أن أحدًا من الصحابة قضاها, فلتبقى على هذا الوجه. فإن قال قائل: أليست صلاة الجمعة شرعت على وجه يخالف بقية الصلوات, ومع ذلك إذا فاتته صلى بدلها الظهر؟ قلنا: بلى, لكن لأن الظهر فيه فرض الوقت, فإذا تعذر صلاة الجمعة صار بدلها فرض الوقت فيصلي الظهر.

стр. 420

فإن قال قائل: الأقيس؟ قلنا: لا قياس في العبادات. وثانيًا: ماذا نقيس! صلاة العيد ليس لها بدل. ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يشرع الأذان ولا الإقامة لصلاة العيدين؛ لأن النبي صلى الله عليه سلم لم يفعل ذلك, ولو كان هذا من شرع الله لفعله أو أمر به. ومنها: الاستدلال بترك النبي ﷺ للشيء مع وجود سببه, وأنه إذا ترك الشيء مع وجود سببه, كان ذلك دليلًا على غير مشروعيته, وهذه فائدة مهمة: «كل شيء وجد سببه في عهد النبي ﷺ ولم يشرع فيه النبي ﷺ شيئًا فإحداث شيء له يعتبر بدعة». وهذه قاعدة تنفعك ولها فروع كثيرة: منها: أن النبي ﷺ كان إذا دخل بيته فأول ما يبدأ به السواك. لو قال قائل: فإذا دخلنا المسجد هل تشرع البداءة بالسواك؛ لأن بيت الله أعز من بيت الإنسان؟ فالجواب: لا يشرع للإنسان إذا دخل المسجد أن يتسوك, فإذا قال: أقيس ذلك على دخول البيت؟ قلنا: لا قياس في العبادات, والسبب مختلف, هذا دخول مسجد, وهذا دخول بيت, ثم نقول: لو كان هذا مشروعًا - أي: السواك - عند دخول المسجد لفعله النبي ﷺ لأن السبب موجود, فهذا الحديث - حديث جابر - يستدل به على هذه القاعدة العظيمة: «كل ما وجد سببه في عهد النبي ﷺ ولم يفعله, ففعله بدعة». هل يمكن أن نقول: كذلك الاحتفال بمولد الرسول ﷺ ؟ نعم نقول هذا, نقول: الاحتفال بدعة بلا شك؛ لماذا؟ لأن سببه موجود في عهد الرسول ﵊ ولم يفعله, فهل الرسول لا يعلم أنه سنة, أو يعلم ولم يبينه؟ كلا الأمرين محال, محال أن يدخر الله علم هذا لمن يأتي بعد أربعمائة سنة ويحجبه عن رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين, ومن المحال أن يكون الرسول ﷺ علمه ولم يبينه لأمته. ومن فوائد هذا الحديث: الرد على من قال من الفقهاء ﵏: إنه ينادى للعيدين بقول: الصلاة جامعة, وجه ذلك: أن جابرًا نفى الأذان والإقامة ولم يذكر الصلاة جامعة. فإن قال قائل: ألا يصح قياسهما على صلاة الكسوف, فقد نادى لها رسول الله ﵊؟ قلنا: لا يصح, لا قياس في العبادات مع اختلاف السبب, وما سبب صلاة الكسوف؟

стр. 421

الكسوف, وما سبب صلاة العيدين؟ العيد, فلا يمكن أن نقيس هذا على هذا؛ لأن هذه العبارة يا إخوان: «لا قياس في العبادات» أحيانًا يجدها الإنسان مضطربة, لكن إذا ضبطها لم تكن مضطربة, الفقهاء قالوا: يجب على من اغتسل للجنابة أن يسمي قياسًا على الوضوء, ويجب على من تيمم عن حدث أصغر وأكبر أن يسمي قياس الفرع على الأصل, هذا وإن قلنا به فإنه لا ينافي قولنا: لا قياس في العبادات؛ لأن السبب واحد وهو الحدث في الوضوء وفي الجنابة وكذلك في التيمم عن الوضوء وعن الجنابة. فإن قال قائل: لو وقع العيدان والناس لم يستعدوا لهما وهذا يقع كثيرًا في عيد الفطر بمعنى: أنه لا يثبت دخول شهر شوال إلا في الصباح كيف نعلم الناس؟ أقرب شيء أن يطاف في الأسواق ويقول: أيها الناس, قد ثبت دخول الشهر فاخرجوا إلى المصلى, وإذا كان في وقت لا يمكن أداء الصلاة فليقل: أيها الناس, قد ثبت دخول الشهر فاخرجوا غدا إلى المصلى؛ لأن صلاة العيد لا تقضى إلا في نظير وقتها, وهذا حدث عندنا قبل سنوات لم نعلم إلا قبيل الزوال, كل الناس أفطروا لأنه ثبت أن اليوم عيد, لكن يريدون أن يخرجوا من اليوم الثاني ويصلوا في المصلى. قال: «ونحوه في المتفق عليه عن ابن عباس ﵄ وغيره» , «نحوه» يعني: مثله. «في المتفق عليه» يعني: في الصحيحين. ١٧٩ - وعن أبي قتادة ﵁ في الحديث الطويل في نومهم عن الصلاة: «ثم أذن بلال, فصلى النبي ﷺ كما كان يصنع كل يوم». رواه مسلم. يعني: حتى في الأذان والإقامة, والقصة أن الرسول ﷺ كان في سفر, وكان ﷺ يحب السير في الليل وبحث على ذلك, ويقول: «استعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة, والقصد القصد تبلغوا». فناموا في آخر الليل, وتعرفون أن الإنسان إذا كان مرهقًا ونام في آخر الليل - ولا سيما إذا كان الجو ملائما - فإنه سوف يستغرق في النوم كثيرًا, فقال: «من يرقب لنا الفجر؟ » فقال بلال: أنا, يعني: من يراقب؟ فنام النبي ﵊, ونام الصحابة, ونام بلال ولم يستيقظ, ما أوقظهم إلا حر الشمس بعد أن طلعت الشمس وارتفعت, فأمرهم النبي ﷺ أن يرتحلوا من مكانهم هذا, وقال: «إنه مكان حضرنا فيه الشيطان» , ثم نزل وصلى كما كان يصلي كل يوم, أذن بلال, وصلوا الراتبة وصلوا الفريضة, ومقتضى قوله: «كل يوم» أنه جهر بها. هذا مختصر القصة.

стр. 422

نقول: في هذا الحديث فوائد: منها: أن النبي ﷺ بشر يأخذه النوم كما يأخذ غيره من البشر, وهذا واضح. فإن قال قائل: أليس النبي ﷺ كانت تنام عيناه ولا ينام قلبه؟ فالجواب: بلى, فهل يعارض هذا الحديث؟ الجواب: لا, لا يعارضه؛ لأن عيناه نائمة, والفجر يدرك بماذا: بالقلب أو بالعين؟ بالعين, فلا ينافي الحديث. ومنها: حسن خلق النبي ﷺ ؛ لأنه لم يوبخ بلالًا الذي التزم أن يرقب الفجر لهم, بل سأله, فقال: يا رسول الله, أخذني الذي أخذكم - يعني: النوم - فسكت النبي ﷺ . ومنها: أنه ينبغي إذا نام جماعة في مكان أن يرتحلوا عنه؛ لأن الشيطان حضرهم, انتبهوا لهذه الفائدة: هل نسلم لهذه الفائدة أو لا نسلم؟ فقد يقال: نسلم لهذه الفائدة, وأنهم إذا كانوا جماعة في سفر أو في بيت وحدهم, ثم ناموا حتى طلع الفجر فإنهم يصلون في مكان آخر, إذا كانوا في غرفة في البيت يصلون في غرفة أخرى. وقد يقال: إنه ليس بمشروع, بل يصلون في مكانهم؛ لأن هذا من أمور الغيب, ولا ندري أيحضر الشيطان في غير هذه الواقعة أو لا يحضر. أو نقول: إن هذه قضية خاصة بالرسول ﵊ اطلع بأن الشيطان حضرهم فأمر أن يرتحلوا عنه؟ فيه احتمال, وقد يؤيد الأول أنه حضرهم الشيطان, أن النبي ﷺ أخبر عن رجل نام حتى أصبح ولم يصل الفجر فقال: «ذاك رجل بال الشيطان في أذنه». يعني: فأقعده عن صلاة الفجر, فالله أعلم, يعني: أنا متردد في أن تكون هذه قضية عن علمها الرسول ﷺ , وقد لا تحصل لغيره, وقد يقال في العموم, ولكن إذا قلنا بهذا أو هذا, فإذا كان لا يشق عليهم أن يرتحلوا, فالأولى أن يرتحلوا ولو لم يكن في ذلك إلا التذكير بهذه الواقعة التي وقعت على رسول الله ﷺ لكان هذا خيرًا. ومن فوائد هذا الحديث: أنه إذا فاتت الصلاة بنوم فإنه لا يسقط الأذان لها, هذا إذا كانوا جماعة ولم يؤذن, أما إذا كانوا في البلد فأذان البلد كافٍ. ومن الفوائد ما سبقت الإشارة إليه: أن الأذان إنما هو للإعلام بفعل الصلاة بالوقت؛ لأن النبي ﷺ أمر بالأذان هنا. ومن الفوائد: فعل الرواتب إذا فاتت مع الفرائض؛ لأن النبي ﷺ صلى الراتبة ثم صلى

стр. 423

الفريضة, وهذا فيما إذا لم يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس, لكن أرأيتم إذا استيقظ قبيل طلوع الشمس وتوضأ, ثم لم يبق على طلوعها إلا مقدار ركعتين, فهل يصلي الراتبة أو الفريضة؟ يصلي الراتبة أولًا, ثم يصلي الفريضة ولو خرج الوقت, لماذا؟ لأن وقت صلاة الفريضة في حق النائم: إذا استيقظ؛ لقول النبي ﷺ : «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها, لا كفارة لها إلا ذلك». لكن إذا قال قائل: إذا ضاق الوقت فلدينا فريضة ونافلة؟ نقول: الوقت لم يضق في حق النائم؛ ولهذا نأمره أن يتوضأ بالماء, وأن يغتسل بالماء ولو خرج الوقت, لا نقول: تيمم لئلا يخرج الوقت. ومن فوائد هذا الحديث: أنه إذا قضيت صلاة الليل في النهار فإنها تصلى جهرًا لقوله: «كما كان يصنع كل يوم» , والعكس لو نام عن صلاة النهار ولم يستيقظ إلا في الليل فهل يجهر أو يسر؟ يسر, والدليل على هذا من السنة: القول والفعل, يعني: فيها سنة قولية وفعلية, أما القولية: فقول النبي ﷺ : «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها». هذا الضمير يعود على فعل الصلاة وكيفيتها «فليصلها إذا ذكرها». وهذا الحديث نستفيد منه فائدة: وهو ما إذا نسي صلاة حضر وصلاها في السفر كم يصليها؟ أربعًا, وإذا نسي صلاة سفر وصلاها في الحضر لقوله: «فليصلها». ومن فوائد الحديث: مشروعية الجماعة في المقضية؛ يعني: إذا فات الوقت وقام الإنسان من النوم أو تذكر إن كان ناسيًا وهم جماعة فإنهم يصلون جميعًا, وهل يصلون جميعًا وجوبًا أو استحبابًا؟ الفقهاء: استحبابًا, والظاهر لي: أنه وجوبًا؛ لأنه لا دليل على سقوط الجماعة في هذه الحال, ومنها مشروعية الأذان والإقامة في المقضية. ١٨٠ - وله عن جابر ﵁: «أن النبي ﷺ أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذانٍ واحدٍ وإقامتين». ١٨١ - وله عن ابن عمر ﵄: «جمع النبي ﷺ بين المغرب والعشاء بإقامةٍ واحدةٍ». وزاد أبو داود: «لكل صلاةٍ». وفي رواية له: «ولم يناد في واحدة منهما».

стр. 424

حكم أذان الأعمى: ١٨٢ - وعن ابن عمر, وعائشة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : «إن بلالًا يؤذن بليل, فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم». وكان رجلًا أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت, أصبحت. متفق عليه. وفي آخره إدراج. من فوائد هذا الحديث: جواز أذان الأعمى, وجهه: أن عبدالله بن أم مكتوم أعمى ومع ذلك جعله الرسول ﷺ مؤذنًا, لكن بشرط أن يكون عنده معرفة للوقت إما بنفسه وإما بغيره, ابن أم مكتوم عنده معرفة للوقت بنفسه أو بغيره؟ بغيره, وأما أن نرسل مؤذنًا أعمى لا يعرف الوقت بنفسه ولا عنده من يخبره به فلا يجوز؛ لأنه من شرط المؤذن أن يكون عالمًا بالوقت. ومن فوائد هذا الحديث: جواز اعتماد المؤذن على خبر غير لقوله: «وكان رجلًا أعمى لا يؤذن حتى يقال: أصبحت أصبحت» , لكن بشرط أن يكون هذا الغير موثوقًا بأن يعرف الأوقات, وليس كذوبًا, بل هو موثوق به من حيث الصدق ومن حيث الخبرة. ومن فوائد هذا الحديث: جواز الأكل والشرب للصائم حتى يتبين الفجر ويتضح, نأخذه من قول الرسول ﷺ : «فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر» , وهذا هو مدلول القرآن الكريم؛ لقوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ [البقرة: ١٨٧]. وهذا يدل على أنه لا يجوز العمل بالحساب, لأن الله قال: ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ , وإذا كان لا يجوز أن نعمل بالحساب في دخول وقت الشهر, فكذلك لا يجوز أن نعمل بالحساب في دخول وقت النهار؛ لأن دخول الشهر به يكون الصوم والإفطار, دخول النهار أو دخول الليل يكون به الإمساك والإفطار, أما المغرب فأمره ظاهر؛ لأنه مقيد بغروب الشمس, وهو علامة ظاهرة معروفة, أما الفجر فهو خفي؛ ولهذا إذا اختلف عليك حسابان من خبيرين أحدهما يقول: يطلع الفجر الساعة التاسعة, والثاني يقول: الساعة التاسعة والنصف, فبماذا تأخذ؟ تأخذ بالثاني. أسئلة: - إذا جمع بين صلاتين, كيف يكون الأذان والإقامة؟ - إذا اتخذ مؤذنان في مسجد واحد؟ - هل يجب قبول خبر الواحد في الإعلام بالوقت؟

стр. 425

١٨٣ - وعن ابن عمر ﵄: «إن بلالًا أذن قبل الفجر, فأمره النبي ﷺ أن يرجع, فينادي: ألا إن العبد نام». رواه أبو داود وضعفه. الحديث - كما قال أبو داود - ضعيف, لكن على تقدير صحته معناه: أن بلالًا ﵁ أذن قبل الفجر, ومعلوم أنه إذا أذن قبل الفجر فسوف يغتر الناس بأذانه, فإن كانوا صومًا امتنعوا عن الأكل والشرب, وإذا كانوا غير صوم صلوا الصلاة لغير وقتها, فأمره النبي ﷺ أن يرجع ويعلم الناس أنه أخطأ, وهذا مفهوم من قوله: «ألا إن العبد» - يعني: نفسه بلالًا - يعني: أنه غلبه النوم, وقام ولم يتحر الوقت, وليس على ظاهره أن العبد نام, يعني: لو كان على ظاهره لكان يؤخر الأذان؛ لأن النائم لا يستيقظ, لكن معنى أنه نام فقام دون أن يتحرى الأذان فأذن, فأمره النبي ﷺ أن يرجع؛ ففي هذا الحديث - على تقدير صحته - أن المؤذن إذا أذن قبل الوقت فإنه يلزمه أن يخبر الناس بأنه أذن قبل الوقت, ولكن هل يقول هذا اللفظ الذي أمر به الرسول ﷺ بلالًا؟ لا, لأنه قد يكون المؤذن حرًا ليس عبدًا والمقصود أن يعلم الناس. فإن قال قائل: أفلا يمكن أن ينتظر حتى يطلع الفجر ثم يؤذن ثانية؟ الجواب: لا؛ لأنه إذا أذن قبل الوقت فسوف يقوم بعض الناس ويصلي, فلابد أن ينبه على خطئه مبكرًا حتى يعرف الناس أنه أذن قبل الوقت. ففي هذا الحديث فوائد منها: أن الرجوع إلى الحق واجب, إذا أخطأ الإنسان في أي شيء وتبين له الحق وجب عليه الرجوع إليه. ومن فوائده أيضًا: أنه يجوز للإنسان أن يعبر عن نفسه بالوصف الذي يدل على الغباوة لقوله: «ألا إن للعبد نام» , وغالبًا أن يكون العبيد فيهم غباوة وعدم معرفة تقدير الأمور. ومن فوائد هذا الحديث: أن الإنسان إذا أذن قبل الوقت وجب عليه إعلام الناس أنه أذن قبل الوقت؛ لئلا يغتروا بالإمساك عن الأكل والشرب إن كانوا صائمين, أو بتقديم الصلاة إن كانا يريدون الصلاة, هذا إذا صح الحديث, أما إذا لم يصح الحديث فإننا نرجع إلى القواعد العامة, وهو أن الإنسان إذا أخطأ وجب عليه أن يصحح الخطأ بأي وسيلة سواء بهذا اللفظ أو بغيره حتى لا يغتر الناس بذلك؛ لأننا لو قلنا: اصبر وإذا دخل الوقت فأذن ثم فعل, صار الناس سوف يصلون مرتين, وربما يتهاونون ولا يصلون ويقولون: الإثم عليه هو الذي أذن وغرنا.
следующие страницы →