Полный текст (3 515 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
الكسوف, وما سبب صلاة العيدين؟ العيد, فلا يمكن أن نقيس هذا على هذا؛ لأن هذه العبارة يا إخوان: «لا قياس في العبادات» أحيانًا يجدها الإنسان مضطربة, لكن إذا ضبطها لم تكن مضطربة, الفقهاء قالوا: يجب على من اغتسل للجنابة أن يسمي قياسًا على الوضوء, ويجب على من تيمم عن حدث أصغر وأكبر أن يسمي قياس الفرع على الأصل, هذا وإن قلنا به فإنه لا ينافي قولنا: لا قياس في العبادات؛ لأن السبب واحد وهو الحدث في الوضوء وفي الجنابة وكذلك في التيمم عن الوضوء وعن الجنابة.
فإن قال قائل: لو وقع العيدان والناس لم يستعدوا لهما وهذا يقع كثيرًا في عيد الفطر بمعنى: أنه لا يثبت دخول شهر شوال إلا في الصباح كيف نعلم الناس؟
أقرب شيء أن يطاف في الأسواق ويقول: أيها الناس, قد ثبت دخول الشهر فاخرجوا إلى المصلى, وإذا كان في وقت لا يمكن أداء الصلاة فليقل: أيها الناس, قد ثبت دخول الشهر فاخرجوا غدا إلى المصلى؛ لأن صلاة العيد لا تقضى إلا في نظير وقتها, وهذا حدث عندنا قبل سنوات لم نعلم إلا قبيل الزوال, كل الناس أفطروا لأنه ثبت أن اليوم عيد, لكن يريدون أن يخرجوا من اليوم الثاني ويصلوا في المصلى.
قال: «ونحوه في المتفق عليه عن ابن عباس ﵄ وغيره» , «نحوه» يعني: مثله. «في المتفق عليه» يعني: في الصحيحين.
١٧٩ - وعن أبي قتادة ﵁ في الحديث الطويل في نومهم عن الصلاة: «ثم أذن بلال, فصلى النبي ﷺ كما كان يصنع كل يوم». رواه مسلم.
يعني: حتى في الأذان والإقامة, والقصة أن الرسول ﷺ كان في سفر, وكان ﷺ يحب السير في الليل وبحث على ذلك, ويقول: «استعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة, والقصد القصد تبلغوا». فناموا في آخر الليل, وتعرفون أن الإنسان إذا كان مرهقًا ونام في آخر الليل - ولا سيما إذا كان الجو ملائما - فإنه سوف يستغرق في النوم كثيرًا, فقال: «من يرقب لنا الفجر؟ » فقال بلال: أنا, يعني: من يراقب؟ فنام النبي ﵊, ونام الصحابة, ونام بلال ولم يستيقظ, ما أوقظهم إلا حر الشمس بعد أن طلعت الشمس وارتفعت, فأمرهم النبي ﷺ أن يرتحلوا من مكانهم هذا, وقال: «إنه مكان حضرنا فيه الشيطان» , ثم نزل وصلى كما كان يصلي كل يوم, أذن بلال, وصلوا الراتبة وصلوا الفريضة, ومقتضى قوله: «كل يوم» أنه جهر بها. هذا مختصر القصة.
стр. 422
نقول: في هذا الحديث فوائد:
منها: أن النبي ﷺ بشر يأخذه النوم كما يأخذ غيره من البشر, وهذا واضح.
فإن قال قائل: أليس النبي ﷺ كانت تنام عيناه ولا ينام قلبه؟
فالجواب: بلى, فهل يعارض هذا الحديث؟ الجواب: لا, لا يعارضه؛ لأن عيناه نائمة, والفجر يدرك بماذا: بالقلب أو بالعين؟ بالعين, فلا ينافي الحديث.
ومنها: حسن خلق النبي ﷺ ؛ لأنه لم يوبخ بلالًا الذي التزم أن يرقب الفجر لهم, بل سأله, فقال: يا رسول الله, أخذني الذي أخذكم - يعني: النوم - فسكت النبي ﷺ .
ومنها: أنه ينبغي إذا نام جماعة في مكان أن يرتحلوا عنه؛ لأن الشيطان حضرهم, انتبهوا لهذه الفائدة: هل نسلم لهذه الفائدة أو لا نسلم؟
فقد يقال: نسلم لهذه الفائدة, وأنهم إذا كانوا جماعة في سفر أو في بيت وحدهم, ثم ناموا حتى طلع الفجر فإنهم يصلون في مكان آخر, إذا كانوا في غرفة في البيت يصلون في غرفة أخرى.
وقد يقال: إنه ليس بمشروع, بل يصلون في مكانهم؛ لأن هذا من أمور الغيب, ولا ندري أيحضر الشيطان في غير هذه الواقعة أو لا يحضر.
أو نقول: إن هذه قضية خاصة بالرسول ﵊ اطلع بأن الشيطان حضرهم فأمر أن يرتحلوا عنه؟ فيه احتمال, وقد يؤيد الأول أنه حضرهم الشيطان, أن النبي ﷺ أخبر عن رجل نام حتى أصبح ولم يصل الفجر فقال: «ذاك رجل بال الشيطان في أذنه». يعني: فأقعده عن صلاة الفجر, فالله أعلم, يعني: أنا متردد في أن تكون هذه قضية عن علمها الرسول ﷺ , وقد لا تحصل لغيره, وقد يقال في العموم, ولكن إذا قلنا بهذا أو هذا, فإذا كان لا يشق عليهم أن يرتحلوا, فالأولى أن يرتحلوا ولو لم يكن في ذلك إلا التذكير بهذه الواقعة التي وقعت على رسول الله ﷺ لكان هذا خيرًا.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه إذا فاتت الصلاة بنوم فإنه لا يسقط الأذان لها, هذا إذا كانوا جماعة ولم يؤذن, أما إذا كانوا في البلد فأذان البلد كافٍ.
ومن الفوائد ما سبقت الإشارة إليه: أن الأذان إنما هو للإعلام بفعل الصلاة بالوقت؛ لأن النبي ﷺ أمر بالأذان هنا.
ومن الفوائد: فعل الرواتب إذا فاتت مع الفرائض؛ لأن النبي ﷺ صلى الراتبة ثم صلى
стр. 423
الفريضة, وهذا فيما إذا لم يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس, لكن أرأيتم إذا استيقظ قبيل طلوع الشمس وتوضأ, ثم لم يبق على طلوعها إلا مقدار ركعتين, فهل يصلي الراتبة أو الفريضة؟ يصلي الراتبة أولًا, ثم يصلي الفريضة ولو خرج الوقت, لماذا؟ لأن وقت صلاة الفريضة في حق النائم: إذا استيقظ؛ لقول النبي ﷺ : «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها, لا كفارة لها إلا ذلك».
لكن إذا قال قائل: إذا ضاق الوقت فلدينا فريضة ونافلة؟
نقول: الوقت لم يضق في حق النائم؛ ولهذا نأمره أن يتوضأ بالماء, وأن يغتسل بالماء ولو خرج الوقت, لا نقول: تيمم لئلا يخرج الوقت.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه إذا قضيت صلاة الليل في النهار فإنها تصلى جهرًا لقوله: «كما كان يصنع كل يوم» , والعكس لو نام عن صلاة النهار ولم يستيقظ إلا في الليل فهل يجهر أو يسر؟ يسر, والدليل على هذا من السنة: القول والفعل, يعني: فيها سنة قولية وفعلية, أما القولية: فقول النبي ﷺ : «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها». هذا الضمير يعود على فعل الصلاة وكيفيتها «فليصلها إذا ذكرها».
وهذا الحديث نستفيد منه فائدة: وهو ما إذا نسي صلاة حضر وصلاها في السفر كم يصليها؟ أربعًا, وإذا نسي صلاة سفر وصلاها في الحضر لقوله: «فليصلها».
ومن فوائد الحديث: مشروعية الجماعة في المقضية؛ يعني: إذا فات الوقت وقام الإنسان من النوم أو تذكر إن كان ناسيًا وهم جماعة فإنهم يصلون جميعًا, وهل يصلون جميعًا وجوبًا أو استحبابًا؟ الفقهاء: استحبابًا, والظاهر لي: أنه وجوبًا؛ لأنه لا دليل على سقوط الجماعة في هذه الحال, ومنها مشروعية الأذان والإقامة في المقضية.
١٨٠ - وله عن جابر ﵁: «أن النبي ﷺ أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذانٍ واحدٍ وإقامتين».
١٨١ - وله عن ابن عمر ﵄: «جمع النبي ﷺ بين المغرب والعشاء بإقامةٍ واحدةٍ». وزاد أبو داود: «لكل صلاةٍ». وفي رواية له: «ولم يناد في واحدة منهما».
стр. 424
حكم أذان الأعمى:
١٨٢ - وعن ابن عمر, وعائشة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : «إن بلالًا يؤذن بليل, فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم». وكان رجلًا أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت, أصبحت. متفق عليه. وفي آخره إدراج.
من فوائد هذا الحديث: جواز أذان الأعمى, وجهه: أن عبدالله بن أم مكتوم أعمى ومع ذلك جعله الرسول ﷺ مؤذنًا, لكن بشرط أن يكون عنده معرفة للوقت إما بنفسه وإما بغيره, ابن أم مكتوم عنده معرفة للوقت بنفسه أو بغيره؟ بغيره, وأما أن نرسل مؤذنًا أعمى لا يعرف الوقت بنفسه ولا عنده من يخبره به فلا يجوز؛ لأنه من شرط المؤذن أن يكون عالمًا بالوقت.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز اعتماد المؤذن على خبر غير لقوله: «وكان رجلًا أعمى لا يؤذن حتى يقال: أصبحت أصبحت» , لكن بشرط أن يكون هذا الغير موثوقًا بأن يعرف الأوقات, وليس كذوبًا, بل هو موثوق به من حيث الصدق ومن حيث الخبرة.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الأكل والشرب للصائم حتى يتبين الفجر ويتضح, نأخذه من قول الرسول ﷺ : «فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر» , وهذا هو مدلول القرآن الكريم؛ لقوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ [البقرة: ١٨٧].
وهذا يدل على أنه لا يجوز العمل بالحساب, لأن الله قال: ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ , وإذا كان لا يجوز أن نعمل بالحساب في دخول وقت الشهر, فكذلك لا يجوز أن نعمل بالحساب في دخول وقت النهار؛ لأن دخول الشهر به يكون الصوم والإفطار, دخول النهار أو دخول الليل يكون به الإمساك والإفطار, أما المغرب فأمره ظاهر؛ لأنه مقيد بغروب الشمس, وهو علامة ظاهرة معروفة, أما الفجر فهو خفي؛ ولهذا إذا اختلف عليك حسابان من خبيرين أحدهما يقول: يطلع الفجر الساعة التاسعة, والثاني يقول: الساعة التاسعة والنصف, فبماذا تأخذ؟ تأخذ بالثاني.
أسئلة:
- إذا جمع بين صلاتين, كيف يكون الأذان والإقامة؟
- إذا اتخذ مؤذنان في مسجد واحد؟
- هل يجب قبول خبر الواحد في الإعلام بالوقت؟
стр. 425
١٨٣ - وعن ابن عمر ﵄: «إن بلالًا أذن قبل الفجر, فأمره النبي ﷺ أن يرجع, فينادي: ألا إن العبد نام». رواه أبو داود وضعفه.
الحديث - كما قال أبو داود - ضعيف, لكن على تقدير صحته معناه: أن بلالًا ﵁ أذن قبل الفجر, ومعلوم أنه إذا أذن قبل الفجر فسوف يغتر الناس بأذانه, فإن كانوا صومًا امتنعوا عن الأكل والشرب, وإذا كانوا غير صوم صلوا الصلاة لغير وقتها, فأمره النبي ﷺ أن يرجع ويعلم الناس أنه أخطأ, وهذا مفهوم من قوله: «ألا إن العبد» - يعني: نفسه بلالًا - يعني: أنه غلبه النوم, وقام ولم يتحر الوقت, وليس على ظاهره أن العبد نام, يعني: لو كان على ظاهره لكان يؤخر الأذان؛ لأن النائم لا يستيقظ, لكن معنى أنه نام فقام دون أن يتحرى الأذان فأذن, فأمره النبي ﷺ أن يرجع؛ ففي هذا الحديث - على تقدير صحته - أن المؤذن إذا أذن قبل الوقت فإنه يلزمه أن يخبر الناس بأنه أذن قبل الوقت, ولكن هل يقول هذا اللفظ الذي أمر به الرسول ﷺ بلالًا؟ لا, لأنه قد يكون المؤذن حرًا ليس عبدًا والمقصود أن يعلم الناس.
فإن قال قائل: أفلا يمكن أن ينتظر حتى يطلع الفجر ثم يؤذن ثانية؟
الجواب: لا؛ لأنه إذا أذن قبل الوقت فسوف يقوم بعض الناس ويصلي, فلابد أن ينبه على خطئه مبكرًا حتى يعرف الناس أنه أذن قبل الوقت.
ففي هذا الحديث فوائد منها: أن الرجوع إلى الحق واجب, إذا أخطأ الإنسان في أي شيء وتبين له الحق وجب عليه الرجوع إليه.
ومن فوائده أيضًا: أنه يجوز للإنسان أن يعبر عن نفسه بالوصف الذي يدل على الغباوة لقوله: «ألا إن للعبد نام» , وغالبًا أن يكون العبيد فيهم غباوة وعدم معرفة تقدير الأمور.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الإنسان إذا أذن قبل الوقت وجب عليه إعلام الناس أنه أذن قبل الوقت؛ لئلا يغتروا بالإمساك عن الأكل والشرب إن كانوا صائمين, أو بتقديم الصلاة إن كانا يريدون الصلاة, هذا إذا صح الحديث, أما إذا لم يصح الحديث فإننا نرجع إلى القواعد العامة, وهو أن الإنسان إذا أخطأ وجب عليه أن يصحح الخطأ بأي وسيلة سواء بهذا اللفظ أو بغيره حتى لا يغتر الناس بذلك؛ لأننا لو قلنا: اصبر وإذا دخل الوقت فأذن ثم فعل, صار الناس سوف يصلون مرتين, وربما يتهاونون ولا يصلون ويقولون: الإثم عليه هو الذي أذن وغرنا.
стр. 426
متابعة السامع للأذان:
١٨٤ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سمعتم النداء, فقولوا مثل ما يقول المؤذن». متفق عليه.
١٨٥ - وللبخاري: عن معاوية ﵁ مثله.
قوله ﷺ : «إذا سمعتم النداء» المراد به: النداء للصلاة, وهو الأذان, «فقولوا مثل ما يقول المؤذن» يعني: إذا قال: الله أكبر قولوا: الله أكبر, متابعة, ولم يستثن في الحديث شيئًا, لكن قال المؤلف:
١٨٦ - ولمسلم: عن عمر ﵁ في فضل القول كما يقول المؤذن كلمةً كلمةً, سوى الحيعلتين, فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
«الحيعلتين» تثنية حيعلة, وهو اسم منحوت - يعني: أخذ من كلمة حرف ومن كلمة أخرى حرف آخر -, الحيعلة بمعنى: حي على كذا, وهما حيعلتان الأولى: «حي على الصلاة» , والثانية: «حي على الفلاح» , فيقول المتابع: لا حول ولا قوة إلا بالله, ولا يقول: حي على الصلاة؛ لأنه مدعو, ولو قال: «حي على الصلاة» صار داعيًا ولا يجمع بينهما أيضًا؛ يعني: لا يقول: حي على الصلاة لا حول ولا قوة إلا بالله, حي على الفلاح لا حول ولا قوة إلا بالله, ومن زعم أنه يقول مثل ما يقول في الحيعلتين ثم يعقبه بلا حول ولا قوة إلا بالله؛ فزعمه ضعيف, وما مثله إلا مثل من قال: إن المأموم إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده, قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد, مع أن النبي ﷺ قال في الإمام: «إذا قال: سمع الله لمن حمده, فقولوا: ربنا ولك الحمد» , وقوله: «إذا سمعتم, فقولوا مثل ما يقول» لابد من سماع, فلو تحرى الأذان وصار يتابع بناء على التحري لم ينفع.
من فوائد هذا الحديث: حكمة الله , حيث جعل لغير القائم بالعبادة نصيبًا من أجل هذه العبادة, فإن المؤذن لا شك أنه قائم بعبادة من أشرف العبادات, حتى إن ثوابه يوم القيامة يكون أطول الناس أعناقًا. المؤذنون أطول الناس أعناقًا؛ لأنهم رفعوا ذكر الله وأعلنوا به, فكان من جزائهم أن يرفع الله أعناقهم يوم القيامة فوق الخلق حتى يتميزوا بهذه الميزة, لما شرع الله الأذان للمؤذن شرع لغير المؤذن أن يتابعه, ولولا هذا الشرع لكانت متابعته بدعة.
ومن فوائد الحديث: أنه لابد أن يسمعه ويدري ما يقول؛ لأنه قال: «فقولوا مثل ما يقول
стр. 427
المؤذن» فإن كان يسمع الصوت لكن لا يفهمه - وهذا يقع كثيرًا - فهل يتابع؟ الظاهر لا يتابع إلا إذا كان أدرك الجملة الأولى وعرفها وصار يسمع الصوت, ولكن لا يدرك الحروف, فهنا قد نقول: تابعة؛ لأنك إذا فهمت التكبيرة الأولى فالتي بعدها تكون الثانية وهلم جرا, أما إذا كان يسمع دويه ولكن لا يدري ما يقول فإنه لا يشرع له المتابعة.
ومن فوائد هذا الحديث: مشروعية متابعة المؤذن لقوله: «فقولوا». وهذا الأمر للوجوب أو للاستحباب؟ اختلف العلماء في هذا ﵏ فقال بعضهم: إنه واجب؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب, وأنه يجب على الإنسان أن يتابع المؤذن, ولكن جمهور العلماء على أنه ليس بواجب, واستدلوا لذلك بأن النبي ﷺ قال: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم». ولم يقل: وليتابعه الآخر, ولو كان ذلك واجبًا لم يؤخر بيانه عن وقت الحاجة, وهذا هو الصحيح أن إجابة المؤذن - أعني: متابعته - ليست بواجبة لكنها سنة لا ينبغي للإنسان تركها.
ومن فوائد هذا الحديث: أن ظاهره أن يقول هذا الذكر في أي مكان كان, وعلى أي حال كان؛ يعني: يتابع في أي مكان وعلى أي حال كان, في أي مكان يعني: سواء في السوق, في المسجد, في البيت, وظاهره حتى في الحمام؛ لأن الحديث مطلق, وإذا كان مطلقًا فإنه يبقى على إطلاقه إلا بدليل, وليس هناك دليل واضح على أنه لا يتكلم الإنسان بالذكر إذا كان في الحمام, وظاهره أيضًا أنه يقول مثل ما يقول المؤذن ولو كان في حلقة علم, أو في قراءة القرآن, أو ما أشبه ذلك.
وعليه فنقول: إذا سمعت المؤذن وأنت تقرأ القرآن فالأفضل أن تقول مثل ما يقول وإن سكت عن القراءة؛ لأن هذا ذكر مقيد بزمن مخصوص, والقراءة ليس لها وقت متى شئت فاقرأ, وهذه قاعدة في الأذكار المطلقة والأذكار المقيدة, الأذكار المقيدة تقدم على الأذكار المطلقة, فمثلًا عند سماع نباح الكلاب السنة: التعوذ بالله من الشيطان الرجيم» , وكذلك عند نهيق الحمير, فإذا سمعت نباح الكلاب أو نهيق الحمير وأنت تقرأ القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم, اقطع القراءة واستعذ بالله من الشيطان الرجيم, إذا عطس الإنسان وهو يقرأ القرآن يقطع القرآن ويقول: الحمد لله, إذا سمع أذان الديك وهو يقرأ القرآن يقطع القرآن ويسأل
стр. 428
الله من فضله, المهم الذكر المقيد يقدم على الذكر المطلق, وإن كان الذكر المطلق أفضل منه, فمثلًا قراءة القرآن أفضل من الذكر المطلق, لكن المقيد في حينه يقدم على المطلق.
إذا كان في صلاة وسمع المؤذن فهل يجيب المؤذن وهو يصلي؟ اختار شيخ الإسلام ﵀ أنه يجيبه؛ لأن إجابة المؤذن من الذكر, ولا ينافي الصلاة, وإذا كان من الذكر ولا ينافي الصلاة وقد أمر به النبي ﷺ أمرًا مطلقًا فإنه يجيبه, ولكن الذي يظهر أنه لا يجيبه في الصلاة؛ لأنه إذا أجابه في الصلاة اشتغل اشتغالًا كثيرًا في إجابة المؤذن, وليس كالذكر الذي يتأتى بجملة واحدة, فالظاهر لي أنه لا يجيبه, ويستدل لهذا بقول النبي ﷺ : «إن في الصلاة لشغلًا».
ومن فوائد هذا الحديث: أنه إذا أجاب المؤذن يرفع صوته كصوت المؤذن هل هذا هو المثلية؟ نقول: المراد: المثلية في أصل الذكر, وليس في رفع الصوت, والفرق بين المؤذن وبين سامعيه في هذه الحال واضح, المؤذن يؤذن لغيره, وهذا يجيب المؤذن فهو ذكر لا يشرع الجهر به كجهر المؤذن.
من فوائد الحديث: لو سمع أكثر من مؤذن أيجيب؟ الحديث مطلق: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن» , فلو أذن المؤذن وتابعته وانتهى, ثم أذن آخر فتابعه؛ لأن الحديث مطلق, ولم يقل: إذا سمعتم النداء الأول, بل أطلق فيشمل كل ما سمعتم, لكن إذا اختلطت أصوات المؤذنين فبدأ الثاني عندما أكمل الأول التكبيرات الأربع فماذا يصنع هل يتابع؟ إن تابع اختلف الترتيب بالنسبة لمتابعة الأول, ففي هذه الحال نرى أنه يتابع الأول ويستمر معه, لكن أحيانًا يكون الثاني أقوى صوتًا من الأول فيغطي عليه ويختفي صوت الأول, فماذا تصنع؟ تباع الثاني؛ لأن الأول نسخه الثاني في الواقع, كشريط سجل عليه كلام آخر فتابع الثاني, الثاني سوف تبدأ معه من أول الأذان فلا يضرك متابعته.
لو سمع الإنسان أذانا مسجلًا هل يتابعه؟ لا؛ لأني لا أرى أن الأذان المسجل أذان, بل هو حكاية صوت مؤذن؛ ولهذا تجد الشريط المسجل قد سجل فيه أذان مؤذن قد مات منذ زمن بعيد فهذا لا يحصل به الفرض, ولا يجزئ عن الفرض, ولا يستحق أن يتابع؛ لأنه عبارة عن حكاية صوت لا يوجد مؤذن, هل يمكن لأحد أن مسجلًا إمامًا يقتدي به هل يجزئ أو لا يجزئ؟ لا يجزئ, فالأذان مثله.
فإذا قال قائل: هناك فرق هنا لا إمام بين يدي المأمومين, لكن الأذان المقصود به الإعلام وقد حصل؟
стр. 429
فالجواب: هذا غلط, ليس الأذان لمجرد الإعلام, بل هو عبادة مقصودة من المؤذن يقوم بها عن الجميع؛ لأنها فرض كفاية, فلا يصح الاعتماد على المسجل.
لنفرض أنه سمع النداء بعد أن صلى حيث إن بعض المساجد يؤخر مؤذنها فهل يتابع أو لا؟ ظاهر الحديث أنه يتابع؛ لأنه مطلق ليس فيه تقييد, لكن الفقهاء قالوا: لا يتابع؛ لأن المؤذن يقول: حي على الصلاة, وهذا الذي قد صلى هل يقال له: حي على الصلاة؟ لا, لا يقال؛ لأنه أدى الفريضة, قالوا: فلما كان غير مدعو بهذا الأذان لم يشرع له أن يتابعه, ولكن لو أخذ الإنسان بظاهر الحديث وقال: الحمد لله, لا يضرني هو ذكر, وإذا كان ذكرًا وعندي لفظ عام أو مطلق من الرسول ﷺ فلماذا لا أتعبد لله بذلك, وكوني غير مدعو بهذا الآن نعم لأني قد صليت.
أسئلة:
- ما تقولون في رجل أصم رأى المؤذن صاعدًا المنارة ووضع يديه في أذنيه هل يتابع؟
- لو سمع النداء في الصلاة هل يتابع؟
- هل يستثنى من قوله: «إذا سمعتم النداء» غير هذه المسألة؟
صفة متابعة الأذان:
قوله: ولمسلم عن عمر في فضل القول كما يقول المؤذن كلمة كلمة, سوى الحيعلتين, فيقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله». قوله: «في فضل القول كما يقول المؤذن»؛ لأن النبي ﷺ أخبر أن من قال مثل ما يقول المؤذن ثم صلى على النبي ﷺ , ثم سأل للنبي ﷺ الوسيلة فإنه تحل له الشفاعة, يقول: «كلمة كلمة»؛ يعني: إذا قال المؤذن: الله أكبر, قال هو: الله أكبر, ولا يسكت حتى يكمل الأذان, ثم يعيده السامع, [وإنما] يتابعه كلمة كلمة سوى الحيعلتين, وهما: «حي على الصلاة, حي على الفلاح» فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. الحيعلتين, وهما: «حي على الصلاة, حي على الفلاح» فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. الحيعلتان هما: حي على الصلاة, حي على الفلاح, ومعنى: «حي» أي: أقبل أو أقبلوا, فهي صالحة للمفرد والجماعة؛ لأنها اسم فعل, واسم الفعل لا يتغير, وقوله: «على الصلاة» أي: الحاضرة, و «حي على الفلاح» أي: أقبلوا على الفلاح, والفلاح هو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب, والمناسبة في هذا الترتيب أن يبدأ أولًا بالدعوة إلى العمل, ثم بنتيجة العمل وفائدته وهو الفلاح, فيقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله» يقول السامع: لا حول ولا قوة إلا بالله, ولا يقول: «حي على الصلاة, حي على الفلاح»؛ لأن السامع مدعو فكيف ينقلب داعيًا, فالمناسب أن يقول كلمة الاستعانة «لا حول ولا
стр. 430
قوة إلا بالله» , فكأنه يقول: سمعًا وطاعة, فأسأل الله أن يعينني, ولهذا أقول: إن هذه الجملة استعانة وليست استرجاعًا كما يفعل بعض الناس إذا أصيب بمصيبة قال: «لا حول ولا قوة إلا بالله»؛ لأن ذكر المصيبة هو: «إنا لله وإنا إليه راجعون» , أما هذا فإنه طلب, والطلب يحتاج إلى إجابة, والإجابة إذا لم يعنك الله فإنه لا يمكنك فعلها.
إذن من فوائد الحديث أولًا: أن إجابة المؤذن تكون كلمة كلمة, كلما قال كلمة تقول أنت كلمة, فإن بقيت ساكتًا حتى يتم الأذان ثم أتيت به فإنك لم تحصل السنة.
ومن فوائده: أن الذي يقول مثل ما يقول, لا يقول في الحيعلتين: «حي على الصلاة, حي على الفلاح» , وإنما يقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله».
ومن فوائد الحديث: أن هذه الكلمة «لا حول ولا قوة إلا بالله» كلمة استعانة يستعين بها الإنسان على الأمر الذي يريد, وأظن أنكم تعرفون معنى «حول» بمعنى: التحول من حال إلى حال, والقوة ضد الضعف, فيسن أن يقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله» إذا قال: «حي على الصلاة, حي على الفلاح».
وظاهر الحديث والذي قبله: أن المؤذن لصلاة الفجر إذ ثوب؛ أي: إذا قال: «الصلاة خير من النوم» فإنه يقول مثل ما يقول؛ لأنه لم يستثن إلا الحيعلتين, وعليه فإذا قال المؤذن لصلاة الفجر: «الصلاة خير من النوم» فقل: الصلاة خير من النوم, هذا ظاهر السنة, وقال بعض أهل العلم: إنه إذا قال: «الصلاة خير من النوم» تقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله»؛ لأن قول المؤذن: «الصلاة خير من النوم» خبر بمعنى الطلب, فكأنه يقول: الصلاة خير من النوم فأقبل واترك النوم, وبعضهم قال: إنه إذا قال: الصلاة خير من النوم, تقول: صدقت وبررت, أي: أنت صادق بار, فهذه ثلاثة أقوال, الأول: أن تقول مثل قوله, والثاني: أن تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله, والثالث: أن تقول: صدقت وبررت, ولا شك أن القول كما يقول هو المناسب والموافق لظاهر السنة فليعتمد, يقولون: إن إجابة «الصلاة خير من النوم» أن نقول: صدقت؛ لأنه صادق, وبررت؛ لأنه يحث الناس على الحضور.
فيقال لهم: أليس المؤذن يقول: الله أكبر؟
فالجواب: بلى, أصادق هو أم لا؟ صادق, لماذا لا نقول: صدقت وبررت؟ لأنك إذا قلت إن هذا خبر يقابل بالتصديق نقول: إذن الله أكبر خبر يقابل بالتصديق ولا قائل به.
стр. 431
حكم أخذ الأجر على الأذان:
١٨٧ - وعن عثمان بن أبي العاص ﵁ أنه قال: «يا رسول الله, اجعلني إمام قومي. قال: أنت إمامهم, واقتد بأضعفهم, واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرًا». أخرجه الخمسة, وحسنة الترمذي, وصححها لحاكم.
قوله: «عن عثمان بن أبي العاص» هو من ثقيف, استعمله النبي ﷺ على الطائف, قال: «اجعلني إمام قومي» أي: في الصلاة, فقال: «أنت إمامهم» , وهذا عقد ولاية لإمامة الصلاة؛ لأن الذي يتولى عقد إمامة الصلوات هو ولي الأمر, «واقتد بأضعفهم» يعني: إذا طلب منك بعض الجماعة أن تطيل بهم في القراءة, أو الركوع, أو السجود, إطالة زائدة عن الستة, وآخرون طلبوا منك التخفيف - الضعفاء -, فالواجب الاقتداء بالأضعف, «واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا» أمر الذي نصبه إمامًا أن يتخذ مؤذنًا - أي: أن ينصب مؤذنًا - لا يأخذ على أذانه أجرًا - أي: أجرًا دنيويًا -, كدراهم, الثياب, الطعام, السكن في البيت, وما أشبه ذلك.
هذا الحديث فيه فوائد منها: جواز طلب الإمامة, وجه ذلك: أن النبي ﷺ أقر عثمان بن أبي العاص ووافقه على طلبه, وهذا أقوى ما يكون من إثبات هذا الحكم.
ولكن لو قال قائل: أليس النبي ﷺ حين سأله رجل إمارة قال: «إنا لا نولي هذا الأمر أحدًا طلبه». وقال لعبد الرحمن بن سمرة: «لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها, وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها».
قلنا: بلى, ولكن يحمل هذا الحديث إما على التفريق بين طلب الإمارة والإمامة؛ لأن الإمامة وظيفة دينية محضة, والإمارة, فيها سلطة, فيها نوع من استعلاء وما أشبه ذلك, وإما أن يقال: أنه إذا طلبها من يطلبها وهو أحق الناس بها, فإن طلبه هذا يكون بمنزلة التنبيه لولي الأمر, ليس طلبًا محضًا, وأن الإنسان إذا رأى من نفسه أنه أحق الناس وأوفى الناس بهذه الوظيفة فله طلبها, وهذا الوجه أحسن, وربما نقول: إن الوجهين صحيحان لكن هذا أقرب إلى الصواب, ويؤيده أن نبي الله يوسف ﵊ قال: ﴿اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم﴾ [يوسف: ٥٥]. لأنه رأى أن بيت المال قد ضاع, وأنه ذو حفظ وعلم فطلبه لعدم وجود من يقوم مقامه.
стр. 432
ومن فوائد هذا الحديث: أن نصب الأئمة إلى ولي الأمر؛ لأنه طلب من النبي ﷺ وهو ولي الأمر ولا شك, وكذلك من ينيبه ولي الأمر, كما في وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد في وقتنا, وكذلك الوزارات الأخرى في البلاد الإسلامية, فإن الوزير يعتبر نائبًا عن ولي الأمر.
فإن قال قائل: لو اختار أهل الحي رجلًا, واختارت الوزارة رجلًا, فمن الذي يقدم؟
يقدم ما تختاره الوزارة, ولكن يجب على الوزارة في هذه الحال أن تنظر فيمن اختارت, وفيمن اختاره أهل الحي, أن تنظر إلى ذلك بعين العلم والإنصاف.
فإن قال قائل: إذا كنا في بلد ليس فيه ولاية إسلامية فمن الذي يقدم في الإمامة؟ قلنا: قال النبي ﷺ : «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله». فيجب على أهل الحي أن يختاروا أقرؤهم لكتاب الله, ثم من يليه على حسب ما جاءت به السنة.
ومن فوائد الحديث: مراعاة الأضعف في كل شيء؛ لأنك إذا راعيت الأضعف لم تضر الأقوى, وإن راعيت الأقوى شققت على الأضعف أو أضررت به, حتى في المشي لو فرض أن أناسًا يتبعونك مثلًا فيهم من مشيه ضعيف ومشيه قوي؛ فإنك تراعي الأضعف إلا أن يكون في مراعاته ضرر, فالضرر منفي شرعًا, لكن بدون ضرر اقتد بالأضعف.
ومن فوائد الحديث: أن تعيين المؤذن إلى الإمام لقوله: «واتخذ مؤذنًا» هذا إذا قلنا: إن الرسول ﷺ لم يوله إلا على إمامة الصلاة, لكن حسب الترجمة التي ترجمت أن الرسول ﷺ جعله أميرًا على الطائف, وعلى هذا فيكون تعيينه - المؤذن - لا لأنه إمام المسجد, ولكن لأن له الولاية على البلد كلها.
ومن فوائد الحديث: وصية الإمام للولاة الذين تحته من الأمراء, والأئمة, والقضاة, وما أشبه ذلك بما يقتضيه حالهم؛ لقوله: «اقتد بأضعفهم, واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا» , وكان من هدي النبي ﷺ أنه إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أمره بتقوى الله , وبمن معه من المسلمين خيرًا.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي العدول عمن طلب من المؤذنين أجرًا أو مالًا, أو يقال - بمعنى أعم -: شيئًا من أمور الدنيا؛ لقوله: «اتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا» , ولهذا نص فقهاؤنا ﵏ على تحريم أجرة الأذان والإقامة, يعني: تتفق مع واحد, تقول: تعال
стр. 433
استأجرك على أن تؤذن, كم أذانًا في اليوم والليلة؟ خمسة, قال: لكني أؤذن كل أذانٍ بكذا, يريد أن تكون له أجرة, حتى إذا تخلف يخصم عليه, ولو نقص في الأذان يخصم عليه, فهذا لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ قال: «اتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا» , التعليل: لأن عمل الآخرة لا يمكن أن يتخذ وسيلة للدنيا, الآخرة أعظم وأشرف من أن تكون وسيلة لأمر الدنيا, الدنيا وسيلة الآخرة, وليست الآخرة وسيلة الدنيا؛ لأن الله يقول: ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا (١٦) والآخرة خيرًا وأبقى﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧].
فإن قال قائل: ما شأننا مع الواقع الآن الأئمة والمؤذنون يأخذون أجرًا؟
فالجواب: أن هذا ليس بأجر بل هو رزق من بيت المال للمصالح العامة, ومن المصالح العامة: الأذان, والإقامة, كما أن العلماء يأخذون أجرًا على تدريسهم لا لأجل العوض؛ ولكن لأن هذا من بيت المال الذي يصرف للمصالح العامة؛ ولهذا قال الفقهاء: لا يحرم أخذ رزق من بيت المال إذا لم يوجد متطوع - حماية بيت المال عند العلماء - فإن وجد متطوع تحصل به الكفاية حرم أن يعطى المؤذن من بيت المال؛ لأنه لا داعي له الآن, وإذا لم يكن له داعٍ فلا يجوز, إذا أخذنا من بيت المال - مثلًا - عشرة ريالات لهذا المؤذن صار حرامًا؛ إذ إن عشرة ريالات تنفع بيت المال.
لو كان جعالة ليس أجرة بأن قال: من أذن في هذا المسجد فله كل شهر كذا وكذا, فهذه فيها خلاف, منهم من يقول: لا بأس بها, ومنهم من يقول: فيها بأس؛ لأن هذا المؤذن إنما جاء من أجل العوض.
١٨٨ - وعن مالك بن الحويرث ﵁ قال: قال لنا النبي ﷺ : «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم». الحديث أخرجه السبعة.
«الحديث» يعني: اقرأ الحديث؛ فهي منصوبة بفعل محذوف تقديره: «اقرأ الحديث» يقول: «إذا حضرت الصلاة» «أل» في قوله: «الصلاة» للعهد الذهني, والمراد بها: الصلاة المكتوبة, وهي خمس معروفة, والمراد بحضورها: دخول وقتها وإرادة فعلها وقوله: «فليؤذن لكم أحدكم» الفاء رابطة لجواب الشرط, واللام للأمر, وقوله: «فليؤذن لكم أحدكم» يعني: بحيث يسمعكم؛ لأنه إذا لم يسمعهم فإنه بمؤذن لهم.
وقوله: «عن مالك بن الحويرث ﵁». ومالك بن الحويرث وفد إلى النبي ﷺ عام الوفود؛ أي: العام التاسع, وبقي عنده عشرين يومًا, وكان معه وفد كلهم شباب, فلما مضت العشرون
стр. 434
ورآهم النبي ﷺ اشتاقوا إلى أهليهم أمرهم أن يرجعوا إلى أهليهم فيقيموا فيهم, ويعلموهم ويؤدبوهم وأوصاهم بوصايا, منها ما ذكر في هذا السياق, ففعلوا وانصرفوا من عند النبي ﷺ متعلمين ممتثلين فيما وصاهم.
ففي هذا الحديث فوائد: أولًا: أن الأذان لا يصح قبل دخول الوقت لقوله ﷺ : «إذا حضرت الصلاة» , ولا يمكن أن تحضر قبل دخول الوقت.
ومن فوائد الحديث: أهمية الصلاة؛ حيث فرض النداء لها.
ومن فوائد الحديث: وجوب الأذان لقوله: «فليؤذن» , واللام للأمر, والأصل في الأمر في العبادات الوجوب.
ومن فوائد الحديث: أنه يجب أن يسمع المؤذن من يؤذن لهم بحيث يرفع صوته حتى يسمعه من يؤذن لهم, فإن أذن في جهة بعيدة وحضر, يعني مثلًا: أنه في البر وذهب أحدهم, ولما حان الوقت أذن في مكان ليس حوله أحد من قومه, ثم حضر إليهم, هل يكتفي بهذا الأذان؟ لا, لأنه لم يؤذن لهم, لابد أن يسمع من يؤذن لهم.
ومن فوائد الحديث: أن الأذان فرض كفاية لقوله: «أحدكم» وهو كذلك, وليس فرض عين.
ومن فوائد الحديث: أن إجابة المؤذن غير واجبة - يعني: متابعته - إن تابعه الإنسان وأتى بما يسن بعد المتابعة, وإن لم يتابع فلا شيء عليه, وجه الدلالة: أنه ﷺ لم يأمر الآخرين بالمتابعة مع أن الحال تقتضي بيان ذلك لو كان هذا واجبًا؛ إذ إن هؤلاء قوم وفدوا تعلموا شرائع الإسلام عن قرب ورجعوا إلى أهليهم, وهذا القول هو الصواب, وهو الذي عليه جمهور العلماء, وذهب أهل الظاهر ﵏ إلى أن إجابة المؤذن واجبة, وأخذوا بالأمر «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول» , ولكن الصواب مع الجمهور, وأن إجابة المؤذن في أذانه سنة لا يأثم الإنسان بتركها, هنا لم يبين من الأحق بخلاف الإمامة قد بين من الأحق, فيقال: الأحق: الأعلم بالوقت, والأوثق, والأندى صوتًا, هذا عند ابتداء تنصيب المؤذن نختار من جمع هذه الأوصاف.
ومن فوائد الحديث: أن الأذان لا يصح إلا من واحد لقوله: «أحدكم» , فلو رع في الأذان فلما بلغ «حي على الصلاة» أكمله آخر؛ فالأذان لا يصح؛ لأن الحديث يقول فيه الرسول ﷺ : «فليؤذن لكم أحدكم».
فإن قال قائل: لو شرع في الأذان ثم أتاه من يمنعه من إكماله بأن أغمي عليه, أو ما أشبه ذلك وأكمله آخر؛ لم يصح, إذن ماذا يعمل؟ يعيد الأذان من جديد.
***
стр. 435
١٨٩ - وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لبلال: «إذا أذنت فترسل, وإذا أقمت فاحدر, واجعل بين أذانك وإقامتك مقدار ما يفرغ الآكل من أكله». الحديث. رواه الترمذي وضعفه.
قوله: «عن جابر» الأحسن أن يقال: جابر بن عبد الله ﵄ لكن لما لم يذكر أباه صح أن يعود الضمير عليه مفردًا. «وعن جابر» هو: ابن عبد الله بن حرام ﵁, الذي قتل شهيدًا في أحد؛ أعني: أباه عبد الله بن حرام ﵁.
وقوله ﵊: «إذا أذنت فترسل» يعني: لا تستعجل قف على كل جملة, وجه ذلك: أن الأذان للبعيد, فإذا ترسل فإن من فاته أول الأذان يسمع آخر الأذان, ولذلك الآن لو سمعت صوتًا تظنه أذنًا تجد أنك [تستنصت] ثم إذا أذن ثانية وثالثة تبين لك أنه أذان, وأما الإقامة فإنها للحاضرين؛ ولهذا قال: «وإذا أقمت فاحدر» يعني: أسرع.
ولكن هل يقف على كل جملة أو يسرع ولا يقف, فمثلًا: يقول: الله أكبر الله أكبر, أشهد أن لا إله إلا الله, ويقف على كل جملة أو يوصل الجمل؟
الجواب: الأول, يقف على كل جملة إلا أنه يحدر لا يترسل.
«واجعل بين أذانك وإقامتك مقدار ما يفرغ الآكل من أكله» , يعني: والمتوضئ من وضوئه بين الأذان والإقامة مقدار ما يفرغ الآكل من أكله؛ لأنه لا صلاة بحضرة طعام, ولو أقام سريعًا والناس على أطعمتهم شق عليهم ترك الطعام, وشق عليهم ترك الصلاة مع الجماعة؛ فلهذا ينبغي أن يراعي أي: يجعل بين الأذان والإقامة مقدار ما يفرغ الآكل من أكله, والمتوضئ من وضوئه, كم المقدار؟ عشر دقائق.
في هذا الحديث: توجيه النبي ﷺ العمال من المؤذنين والمقيمين, وكذلك عمال الزكاة وغيرهم إلى ما يطابق الشريعة, وهذا يدل على كمال نصحه, وعلى كمال تبليغه.
ومن فوائد هذا الحديث: أن ظاهره أن الإقامة إلى المؤذن, وليس كذلك إلا إذا عمده الإمام فيكون وكيلًا عن الإمام, وإلا فإن المؤذن أملك بالأذان, والإمام أملك بالإقامة, لكن إذا حدده وقال: اجعل بين الأذان والإقامة كذا وكذا, فذلك جائز, ولكنه مع ذلك لا يقيم حتى يرى الإمام, ولهذا نهى النبي ﷺ أصحابه أن يقوموا حتى يروه؛ لأنهم ربما يقومون أو يقيمون الصلاة
стр. 436
والإمام لم يحضر فيكون في هذا مشقة على الناس لقيامهم وقوفًا, أو يكون هناك فاصل بين الإقامة والصلاة.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا ينبغي أن يبادر بالإقامة أي: أن يجعل بين الأذان والإقامة قدر ما يفرغ الآكل من أكله, والمتوضئ من وضوئه.
ومن فوائد الحديث: مراعاة أحوال الناس, وأنه ينبغي لمن ولاه الله على عباده أن يراعي أحوالهم.
فإن قال قائل: هذه المدة قصيرة بالنسبة للصلوات التي لها رواتب قبلها مثل الظهر, والفجر؟
نقول: إذن يضاف إلى هذا أن يتمهل مقدار ما يفرغ الآكل من أكله, والمتوضئ من وضوئه, والمتنفل من تنفله.
فإن قال قائل: هل الأولى أن يجعل وقت محدد لا يزيد ولا ينقص, أو يجعل هذا تبع الأحوال والقرائن؟
الجواب: الأول؛ لئلا يغر الناس, فمثلًا لو كان في يوم يتقدم وفي يوم يتأخر لغر الناس, ولم يكونوا على وتيرة واحدة, ولو أن ولي الأمر حدد وقتًا معينًا كثلث ساعة, أو نصف ساعة, أو ربع ساعة, فهل يلزم ذلك أو لا يلزم؟ الأصل: أنه لا يلزم؛ لأن النبي ﷺ قال لبلال: «اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله»؛ فالأصل أنه غير لازم, لكن إذا رأى الإمام وأهل الحي أن من المصلحة أن يؤخر الوقت فهذا حسن, بمعنى: أن يجوز أن يتعدى ما حدد إلا أنه يجب أن يخير المسئولين بأنه رأى أن من المصلحة التأخير.
ومن فوائد الحديث: أن السنة في الأذان الترسل والتمهل, وفي الإقامة الحدر, وعدم الاستعجال والتأني.
حكم الوضوء للمؤذن:
١٩٠ - وله: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يؤذن إلا متوضئ». وضعفه أيضًا.
قوله: «لا يؤذن» هذا نهي صيغته «لا» المقرونة بالمضارع وقوله: «إلا متوضئ» يعني: إلا من كان على وضوء, سواء, توضأ قبل الأذان بوقت طويل, أو توضأ عند الأذان, المهم أن يكون على وضوء.
لكن الحديث كما قال المؤلف: إنه ضعيف عند الترمذي ﵀, وعلى تقدير صحته فإنه يكون من باب الأفضلية وليس من باب الوجوب, دليل هذا قول عائشة ﵂: «كان النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 437
يذكر الله على كل أحيانه». والأذان ذكر, فيجوز أن يؤذن ولو لم يكن متوضئًا, لكن الأفضل أن يكون على وضوء؛ لأنه ذكر, والذكر ينبغي أن يكون الإنسان فيه على طهارة.
فإن قال قائل: وماذا تقولون في الجنب؟
نقول: الجنب أبعد حالًا من المحدث حدثًا أصغر؛ ولهذا نص الفقهاء ﵏ على أن الجنب يكره أذانه, ولكن في هذا نظر؛ لأن الجنب يجوز له الذكر ما عدا شيئًا واحدًا وهو القرآن, وما عدا ذلك فإنه يجوز أن يذكر الله بجميع أنواع الذكر, فالصواب: أن أذان الجنب ليس بمكروه, وأنه لا بأس أن يؤذن وهو جنب؛ إلا أن الأفضل أن يكون على طهارة.
فإن قال قائل: ما تقولون في حال الناس اليوم إذا كان الإنسان يؤذن في المسجد وهو جنب فماذا يصنع؟
نقول: الأمر سهل يتوضأ؛ لأن الجنب إذا توضأ جاز له المكث في المسجد, ويتوضأ ويؤذن في وقته, ثم يعود إلى محل الاغتسال ويغتسل.
حكم إقامة من لم يؤذن:
١٩١ - وله: عن زياد بن الحارث ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ومن أذن فهو يقيم». وضعفه أيضًا.
«من أذن فهو يقيم» , يعني: وهو الذي يقيم, و «من» هذه عامة تشمل من أذن بالأصالة, ومن أذن بالوكالة.
المؤذن بالأصالة: أن يكون هذا المسجد له مؤذن خاص فيؤذن, فهو نفسه الذي يقيم.
المؤذن بالوكالة: مؤذن موظف لا يخرج من وظيفته إلا بعد أذان الظهر, فحضر إلى المسجد وقد أذن وكيله, فهل يقيم الأصيل؛ لأنه وكل نائبًا عنه أو يقيم الوكيل؟ يقيم الوكيل لكن لو أقام الأصيل فلا بأس, وله وجهة نظر لأنه يقول: أذن عني لغيابي, والآن قد حضرت, فإذا تشاحنا؛ قال الوكيل في الأذان: أنا أذنت فأقيم, وقال الأصيل: أنا صاحب المنارة فأقيم, فمن نأخذ بقوله؟ الأصيل, أما عند عدم التشاحن فإنه يؤذن الوكيل.
стр. 438
١٩٢ - ولأبي داود من حديث عبد الله بن زيدٍ أنه ﵄ قال: «أنا رأيته - يعني: الأذان - وأنا كنت أريده. قال: فأقم أنت». وفيه ضعف أيضًا.
عبد الله بن زيد بن عبد الله بن عبد ربه سبق في أول الأذان أنه رأى في المنام أن رجلًا معه ناقوس, فقال له: أتبيع هذا الناقوس؟ قال: لأي شيء؟ قال: من أجل أن أضرب به عند دخول الوقت, فقال: هل أدلك على خير من هذا ... وذكره له, لما رآه هو قال: أنا الذي أؤذن؛ لأنه هو صاحب الرؤيا, ولكن سبق أن النبي ﷺ قال له: «ألقه على بلال فإنه أندى صوتًا منك» , فألقاه على بلال, فكان بلال هو المؤذن وهو الذي يقيم, ولذلك هذا الحديث يقول: «وفيه ضعف أيضًا».
١٩٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المؤذن أملك بالأذان, والإمام أملك بالإقامة». رواه ابن عدي وضعفه.
١٩٤ - وللبيهقي نحوه: عن علي ﵁ من قوله.
وظيفة المؤذن أنه أملك بالأذان؛ بمعنى: أنه المسئول عن الأذان, يراقب الشمس, يراقب الشفق, يراقب الفجر, ويؤذن على حسب ما جاء في السنة, ولو أراد الإمام أن يؤذن فللمؤذن أن يمنعه؛ لأنه أملك بالأذان, الإمام أملك بالإقامة؛ يعني: أن الإقامة ترجع للإمام.
فلو أن مؤذنًا لما رأى الإمام قد تأخر نحو خمس دقائق أو شبهها أقام, قلنا: هذا لا يجوز, هذا اعتداء على حق الإمام, وافتيات عليه؛ لأن الصحابة كانوا لا يقيمون الصلاة حتى يحضر النبي ﷺ , حتى إنه تأخر ذات ليلة في صلاة العشاء وجعلوا يطرقون بابه يقولون: يا رسول الله, الصلاة, ولو كان أحد يملك الإقامة لأقاموا, والنبي ﷺ لو أقاموا لم يغضب عليهم؛ لأنه أوسع الناس صدرًا, وسيأتي - إن شاء الله تعالى - أنه لما تخلف في الصلح مع بني عامر بن عوف وجاء وجدهم صلوا, قال: «أحسنتم وأصبتم».
فاتضح الآن أن المؤذن مسئول عن الأذان, والإمام عن الإقامة, إذن أيهما أعظم مسئولية وأشق؟ المؤذن أعظم مسئولية وأشق, لاسيما في العصر الأول لا يوجد ساعات فتجده في آخر
стр. 439
الليل يرقب الفجر, وتجده يرقب الشفق, وعند الزوال كذلك, وعند العصر كذلك, فالمؤذن أشق عملًا من الإمام؛ ولهذا كان الأذان أفضل من الإمامة.
يعني لو قلنا: أيهما أفضل: المؤذن أو الإمام من حيث المرتبة في الأجر؟
قلنا: المؤذن؛ لأن عليه مسئولية أكثر بكثير من الإمام.
قد تقولون: إذا كان الأذان أفضل من الإمامة فلماذا لم يتوله الرسول ﷺ , ولا أبو بكر, ولا عمر, ولا عثمان, ولا علي, لماذا عدل عنه الخلفاء الراشدون؟
الجواب: لأنهم مشتغلون بالخلافة وتدبير الناس, فهم لا يتفرعون لأن يراقبوا الفجر, أو يراقبوا مغيب الشفق, أو يراقبوا دخول العصر, مشغولون لذلك لم يتولوا الأذان, ولا شك أن الأذان أفضل من الإمامة, أيهما أعظم مسئولية؟ المؤذن أعظم مسئولية من وجه؛ لأن المؤذن يترتب على أذانه صلاة الناس في بيوتهم, وإمساكهم في صومهم, وإفطارهم في صومهم, فيترتب عليه مسئولية كبيرة, ويقال: إن رجلًا كلم زوجته في الليل وأبت أن تكلمه, فقال لها: إن أذن الفجر قبل أن تكلميني فأنت طالق ثلاثا, وكان الطلاق الثلاث في الأول تبين به المرأة, يعني: ما انتشر الإفتاء به بأن الطلاق الثلاث واحدة بعد الصحابة إلا في عهد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قال: إن أذن الفجر قبل أن تكلميني فأنت طالق ثالثًا, فصممت ألا تكلمه, فذهب إلى الإمام أبي حنيفة ﵀, وكان الإمام أبو حنيفة ذكيًا, فقال له: اذهب إلى المؤذن اجعله يؤذن, فذهب إليه فأخبره بالقضية وأنها صعبة, فأذن وهو راجع عند امرأته فقالت: الحمد الله الذي فكني منك, فقال: الحمد لله الذي ردك علي, فالمؤذن في الحقيقة مسئوليته عظيمة, الإمام مسئوليته عظيمة من جهة إمامته للناس يجب عليه أن يتعلم أحكام الصلاة, وأحكام الإمامة, وأن يجعل صلاته على نحو صلاة الرسول ﷺ , قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي». وهذا يلزم أن يعرف كيف كان الرسول ﷺ يصلي, وأن يعمل كما كان الرسول ﵊ يعمل, فمن هذه الناحية يكون أعظم مسئولية, بعض الأئمة يصلي بالناس لكن لا يطمئن في الركوع ولا في الرفع منه, ولا في السجود ولا في الرفع عند السجدتين, وهذا خطر عظيم لاسيما إذا كان في المسجد من كبار السن, أو من الضعفاء, فكل واحد منهم عليه مسئولية, لكن عمل المؤذن أشق؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «أطول الناس أعناقًا يوم القيامة المؤذنون».
أسئلة:
- هل يجوز أن يقيم من لم يؤذن؟
стр. 440
فضل الدعاء بين الأذان والإقامة:
١٩٥ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة». رواه النسائي, وصححه ابن خزيمة.
«لا يرد» يعني: أن الله لا يرد الدعاء؛ لأن رد الدعاء وقبوله عند الله .
وقوله: «بين الأذان والإقامة» يعني: من كل صلاة, سواء الفجر, ظهر, عصر, مغرب, عشاء, جمعة لا يرد, والغرض من هذا الخبر من رسول الله ﷺ الحث على اغتنام هذا الوقت بالدعاء, فإنه حري بالإجابة, ففي هذا الحديث أن هذا الوقت ما بين الأذان والإقامة وقت لإجابة الدعاء؛ لقوله ﷺ : «لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة» , وظاهر الحديث العموم, وأنه لا فرق بين الرجال والنساء, وظاهره أيضًا أنه لا فرق بين منتظر الصلاة وغير منتظر الصلاة, وظاهره أيضًا أنه لا فرق بين المتوضئ وغير المتوضئ.
ومن فوائد هذا الحديث: فضيلة الدعاء؛ لأن الدعاء عبادة كما قال - جل وعلا -: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادي سيدخلون جهنم داخرين﴾ [غافر: ٦٠] , فجعل الله الدعاء عبادة, قال: ﴿ادعوني﴾ , ثم قال: ﴿إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾. ولا شك أن عبادة لأن الداعي يظهر أمام الله بمظهر المحتاج المفتقر الذي يشعر بأن الله تعالى هو الذي بيده الأمور وهي الذي يعطي ويحرم.
ومن فوائد هذا الحديث: ما أشرنا إليه في أول الكلام من أن الراد والقابل من؟ هو الله .
ويتفرع على هذه القاعدة فائدة عظيمة, وهي: أن الإنسان إذا دعا على آخر فهل يخاف الآخر من دعائه؟
الجواب: لا يخاف إلا إذا كان ظالمًا؛ لأن الإنسان إذا دعا على غير ظالم فإن الذي يجيبه هو الله , ولو أجابه على دعائه لكان الله تعالى يعين الظالمين, وحاشاه من ذلك, بل قال الله : ﴿إنه لا يفلح الظالمون﴾ [يوسف: ٢٣]. وعلى هذا فلا تخف من دعاء من يدعو عليك بغير حق؛ لأن المستجيب للدعاء هو الله , وأنه لا ينصر الظالم أبدًا, لكن إن كنت ظالمًا فاحذر؛ لأن النبي ﷺ قال لمعاذ ﵁ وقد بعثه إلى اليمين وأمره بأخذ الزكاة من أموالهم: «واتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب».
وللدعاء آداب معلومة في الكتب المكتوبة في ذلك.
стр. 441
فإن قال قائل: إن الإنسان قد يدعو بين الأذان والإقامة فلا نرى إجابة, فما موقفنا من هذا الحديث؟
فالجواب: أن النبي ﷺ يخبرنا بأن هذا الوقت سبب لإجابة الدعاء, والسبب قد لا يحصل المسبب لوجود مانع؛ يعني: إذا جاءت مثل هذه النصوص التي فيها الأخبار ثم تخلف الخبر بناء على ظنك فاعلم أنه لن يتخلف إلا لوجود مانع يمنع إجابة الدعاء, واستمع إلى قول الرسول ﵊ حين ذكر: «الرجل أشعث أغبر يطيل السفر, يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب, ومطعمه حرام, وملبسه حرام, وغذي بالحرام, فأنى يستجاب له».
لذلك انظر لهذا الحديث: أسباب الإجابة موجودة وهي السفر كونه أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يدعو يا رب يا رب يا رب, واستبعد النبي ﷺ الاستجابة له؛ لأنه يأكل الحرام؛ لأن هذا مانع من إجابة الدعاء مع توافر شروطه.
أيضًا أذكر أن النبي ﷺ قال: «لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله, اللهم جنبنا الشيطان, وجنب الشيطان ما رزقتنا, فإن يقدر بينهما ولد لم يضره الشيطان أبدًا». مع أن كثيرًا من الناس يقولون هذا ولكن الشيطان يستولي على أولادهم؛ وذلك لوجود مانع يمنع من حصول ما أخبر به النبي ﷺ , أو لوجود سبب أقوى حصل فيه تفريط من ولي الأمر, مثلًا أن يكون هذا الولد إذا كبر وترعرع صاحب أناسًا لا خير فيهم, وأبوه لم ينهه عنهم ولم يراقبه, فيكون الأب قد أضاع ما أوجيب الله عليه من رعاية الولد, والولد حصل له سبب قوي, وهو صحبة هؤلاء الأشرار, فلاحظوا من هذه المسائل أن الله في شرعه وقدره يربط الأشياء بعضها ببعض, وقد يوجد المسبب على غير السبب المعلوم؛ لأن الأمر كله بيد الله , ولكن أبشروا أيها الداعون إلى الله أنه ما من إنسان يدعو الله إلا حصل على أجر قطعًا كيف ذلك؟ لأن الدعاء عبادة من أفضل العبادات, ثم إما أن يستجيب الله له, وإما أن يدخر له عنده ما هو أفضل مما دعا به, وإما أن يصرف عنه من السوء الذي انعقدت أسبابه من هذا الداعي ما هو أعظم مما دعا به, فلن يعدم داعي الله تعالى خيرًا, بل هو على خير على كل حال, أكثرمن الدعاء وأحسن الظن بالله , ولهذا جاء في الحديث: «ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة».
стр. 442
١٩٦ - وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة, والصلاة القائمة, آت محمدًا الوسيلة والفضيلة, وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته؛ حلت له شفاعتي يوم القيامة». أخرجه الأربعة.
قوله ﷺ : «من قال حين يسمع النداء» أي: حين يسمع النداء كاملًا, ليس حين يسمع أوله كما جاء مفسرًا في حديث آخر, أي: «من قال مثل ما يقول المؤذن, ثم صلى على النبي ﷺ ثم سأل الله الوسيلة للرسول ﵊ حلت له الشفاعة».
فيقول: «حين يسمع النداء» , أي: حين يسمعه كاملًا: «اللهم رب هذه الدعوة التامة» ما أكثر أن تأتي «اللهم» في الدعاء, قال أهل النحو: وأصلها يا الله فحذفت يا النداء تبركًا بسبق الاسم الأعظم الله, ثم عوض عنها بالميم؛ لأن الميم تدل على الجمع, كأن من ينادي الله قد جمع قلبه ولسانه على هذا الدعاء, يعني: ما جاءت بدل الميم قاف, أو كاف, أو فاء, جاءت الميم؛ لأنها تدل على الجمع كما هو معروف على كل حال معناها: يا الله, «رب هذه الدعوة التامة» هذا عطف بيان, أو بدل, وإن شئت فاجعله منادى مستقلًا.
«اللهم يا رب هذه الدعوة التامة» ما هذه الدعوة؟ هي: الأذان دعوة تامة؛ لأنها فيها تعظيم الله بالتكبير, والشهادة له بالتوحيد, والشهادة لنبيه بالرسالة, والدعوة إلى الصلاة, والدعوة إلى الفلاح, والعود إلى التعظيم مرة ثانية, ثم إلى التوحيد مرة ثانية, وتختم بذلك, أي دعوة أكمل من هذه؟ ! أو أي دعوة مثل هذه الدعوة؟ !
«أيها الناس صلوا» , هذه دعوة لكن لو قارنت بينها وبين الأذان لوجدت أن الأذان دعوة تامة.
وقوله: «رب هذه الدعوة» وما وجه كونه ربًا لهذه الدعوة؟ لأنه الذي شرعها, ولأنها صدرت من مخلوق الله ربه, و «التامة» كما ذكرنا هي تامة من كل وجه في صيغها وفي عددها وفي كل ما تضمنته, والصلاة القائمة معناها: التي ستقام, هكذا ذكر بعض أهل العلم, ووجهه: أن هذا الأذان لصلاة ماضية أو بعد يومين أو ثلاثة؟ الصلاة القائمة التي ستقام قريبًا, فعبر بالوصف الدال على الحال لقرب الإقامة من الصلاة؛ لأن الإقامة للصلاة, وكذلك الأذان للصلاة, فالأذان قريب والإقامة قريبة, لكن الإقامة لا يقال فيها هذا الذكر كما سيتبين إن شاء
стр. 443
الله, والصلاة القائمة يعني: التي ستقام, ويحتمل أن يكون معنى الصلاة القائمة أي: ذات الاستقامة والتمام حتى يتطابق مع قوله: «رب هذه الدعوة التامة»؛ لأن القائمة بمعنى: القيمة المستقيمة المشتملة على روضات من رياض الذكر والهيئة والدعاء, لا يوجد عبادة تشتمل على ما تشتمل عليه الصلاة؛ رياض متنوعة من العبادات, قيام وركوع وسجود, جلوس, هيئات, حركات باليد أيضًا, أقوالها: قرآن, تسبيح, تعظيم, قيام وركوع وسجود, جلوس, هيئات, حركات باليد أيضًا, أقوالها: قرآن, تسبيح, تعظيم, دعاء, فهي روضة مشتملة على أنواع كثيرة من الرياضات, أي: رياضات العبادة, فصارت كلمة «القائمة» لها معنيان: المعنى الأول: التي ستقام؛ لأن الأذان لها. والمعنى الثاني: القائمة؛ أي: ذات القيام, بمعنى: المستقيمة التامة لما تشتمل عليه من أنواع الذكر وأنواع العبادة.
«آت محمدًا الوسيلة والفضيلة». «آت»؛ بمعنى: أعط, و «ائت»؛ بمعنى: اذهب, ائت زيدًا, بمعنى: اذهب إليه, لكن «آت محمدًا» أعطه, وهذه خذها قاعدة: الهمز بالمد بمعنى: الإعطاء, ﴿وآتي المال على حبه ذوي القربى﴾ [البقرة: ١٧٧] , وبالقصر بمعنى: المجيء, أتى زيد؛ أي: جاء, آت أي: أعط.
«محمدًا الوسيلة»؛ هذا العلم علم على رسول الله ﷺ , وله أعلام متعددة لكثرة أوصافه الطيبة, فله من كل وصف علم, قال حسان بن ثابت ﵁: [الطويل]
وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد
ولما علم المشركون أن كلمة «محمد» تعني: الثناء والتحميد؛ صاروا يسمونه بمذمم, والذم لهم, إذن «محمد» علم على رسول الله ﷺ محمد بن عبد الله, وله أسماء أعلام كثيرة لكثرة أوصافه الحميدة.
«آت محمدًا الوسيلة والفضيلة». «الوسيلة»: بينها الرسول ﵊ بأنها درجة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله, قال: وأرجو أن أكون أنا هو, إذن هي درجة عالية أعلى درجات الجنة؛ لأنه استحقها من أعلى درجات الخلق محمد رسول الله ﷺ , وقوله: «الفضيلة» هي الفضل في ذاته؛ لأن علو المكان قد يكون لمن لا يستحق في ذاته وفي فضله, فأنت تسأل الله الوسيلة المنزلة العليا والفضيلة لرسول الله ﷺ , فيجمع بين علو المكانة وعلو المكان والفضيلة.
«وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته». «ابعثه» يعني: يوم القيامة, «مقامًا محمودًا» أي: مقامًا يحمد عليه, ولم يعين الحامد إشارة إلى أن كل أحد يحمده صلوات الله وسلامه عليه, ومن
стр. 444
المقام المحمود: الشفاعة العظمى التي لا يتقدم إليها أولو العزم من الرسل؛ لأن الناس يوم القيامة يحشرون في مكان واحد يسمعهم الداعي وينفذهم الصبر حفاة عراة غرلًا, لا ماء ولا ظل, ولا أكل, ولا لباس, شاخصة أبصارهم ويلحقهم من الغم والكرب ما لا يطيقون, حتى إن الإنسان ينسى قريبه ﴿فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم ولا يتساءلون﴾ [المؤمنون: ١٠١]. ما يتساءلون أين أخي؟ أين أبي؟ أين عمي؟ ما يتساءلون, بل يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه, وصاحبته وبنيه, لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه الرجال والنساء, ولما قالت عائشة: واسوأتاه الرجال والنساء في صعيد واحد, قال النبي ﷺ : «الأمر أعظم من أن يهمهم ذلك». يتساءل الناس من ينجيهم من هذا الكرب, فيلهمون أن يأتوا إلى آدم أبي البشر فيسألونه الشفاعة فيعتذر, فيذهبون إلى نوح فيعتذر, إلى إبراهيم فيعتذر, إلى موسى فيعتذر, كل منهم يرى أنه فعل فعلًا لا يناسب أن يكون شفيعًا من أجل هذا الفعل, آدم يقول: إنه أكل من الشجرة التي نهي عنها, نوح يقال: إنه سأل ما ليس له به علم, إبراهيم يقول: إنه كذب ثلاث كذبات, موسى يقول: إنه قتل نفسًا لم يؤمر بقتلها, عيسى لا يذكر شيئًا يحول بينه وبين الشفاعة, ولكنه يحيلهم على محمد ﷺ ؛ لأنه أشرف الناس, فيقول: اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر, فيأتون إلى محمد ﷺ يسألونه الشفاعة عند رب العالمين فيشفع إلى الله , فيجيب الله تعالى الشفاعة ويقضي بين العباد فيريحهم من هذا الموقف, إذن هذا الموقف يحمد فيه من؟ الأولون والآخرون؛ لأنه خلص الناس من كرب عظيم, هذا من المقام المحمود الذي قال الله تعالى فيه: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].
ولهذا قال: «الذي وعدته» في قوله: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا﴾ فإذا قال قائل: أهذا وعد؟ قلنا: نعم, كما قال بعض السلف: «عسى» من الله واجبة, إذن فهو وعد, والذي علمنا هذا الدعاء رسول الله ﷺ , فنستفيد من هذا أن «عسى» من الله وعد, فإذا قرأنا قول الله تعالى: ﴿إلا المستضعفين من الرجال والنساء والوالدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا (٩٨) فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم﴾ [النساء: ٩٨ - ٩٩]. ماذا نقول: هذا وعد أو غير وعد؟ وعد, ولابد أن يقع في آخره.
«إنك لا تخلف الميعاد» وهذه الجملة اختلف فيها المحدثون أصحيحة هي أم لا؟ صححها شيخنا عبد العزيز بن باز وناهيك به في علم الحديث, فإنني لا أعلم له مثيلًا في المملكة فمرة صححه ومرة حسنه, وعلى كل حال فالجملة «إنك لا تخلف الميعاد» هي مطابقة تمامًا لما
стр. 445
جاء في دعاء المؤمنين في القرآن: ﴿ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد﴾ [آل عمران: ١٩٤]. وحينئذ لا إنكار على من زادها, بل يحمد من زادها.
في هذا الحديث فوائد منها: مشروعية هذا الدعاء عند سماع المؤذن, وظاهر الحديث أن أي مؤذن يؤذن أذانًا مشروعًا فإنه يقال بعده هذا الدعاء, وعليه فالأذان الأول في يوم الجمعة الذي سنه عثمان يتابع, ويدعى بعده بهذا الدعاء؛ لأنه أذان مشروع, وقد تكايس قوم؛ أي: طلبوا الكيس, ولكنهم تكايسوا إلى أسفل, قالوا: الأذان الأول يوم الجمعة غير مشروع, بل تجرأ بعضهم - والعياذ بالله - وقال: إنه بدعة, وسبحان الله! أن يتجرأ جريء على أذان سنه خليفة من الخلفاء الراشدين وأقره عليه الصحابة ﵃ ما أنكروا عليه حتى يأتي ضعيف التصور وضعيف التفكير, ويقول: هذا بدعة, أليس ما سنه الخلفاء الراشدون مما أمرنا باتباعه؟ قال النبي ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي». ثم ألسنا دون الصحابة بمراحل, والصحابة فوقنا بدرجات, هل أنكروا على عثمان؟ ما أنكروا عليه, ولو كان شيئًا منكرًا لأنكروا عليه كما أنكروا عليه الإتمام في منى. الصحابة لا تأخذهم في الله لومة لائم.
فالأذان الأول يوم الجمعة أذان مشروع بإشارة النبي ﷺ وبسنة الخليفة الراشد عثمان ﵁, وبإجماع الصحابة فيما نعلم, وعليه فمتابعته سنة مشروعة, والدعاء بعده بهذا الدعاء أيضًا مشروع.
ومن فوائد الحديث: أن من لم يسمع النداء فإنه لا يقوله, يعني: لو فرض أن الإنسان استيقظ بعد إتمام المؤذنين أذانهم ودعا بهذا الدعاء فإننا نقول: ليس بمشروع؛ لماذا؟ ما سمع النداء, والنبي ﷺ رتب هذا على من سمع النداء.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي أن يصدر الإنسان دعاءه بمثل هذه الجملة: «اللهم رب» , وهذا كثير في الدعاء لا في القرآن ولا في السنة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الأذان من الدعوات التامة «رب هذه الدعوة التامة».
стр. 446
ومن فوائد هذا الحديث: شرف الأذان؛ حيث أضاف النبي ﷺ الربوبية إليه فقال: «اللهم رب هذه الدعوة».
ومن فوائد هذا الحديث: الثناء على الصلاة بأنها صلاة قائمة مستقيمة؛ لقوله: «والصلاة القائمة».
ومن فوائد هذا الحديث: «آت سيدنا» أي: زيادة سيدنا بدعة؛ لأن النبي ﷺ لم يعلمها أمته, فإن قال الزائد: ألست تؤمن بأن رسول الله سيدنا؟ فالجواب: بلى, ومن سيادته لنا ألا نزيد على ما علمنا؛ لأننا إذا زدنا على ما علمنا جعلنا أنفسنا أعلم منه بشريعة الله وأسد رأيًا, والذي يجعل الرسول ﷺ سيدًا حقيقة هو الذي لا يتقدم بين يديه ولا يبتدع في دينه ما ليس منه, بل يعظمه ويحترمه.
ومن فوائد هذا الحديث: جاز ذكر اسم الرسول ﷺ باسمه عند الخبر, أما عند دعائه وندائه فلا, عندما تدعو الرسول ﷺ في حياته, قل: يا رسول الله, يا نبي الله, لا تقل: يا محمد؛ لقول الله تعالى: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا﴾ [النور: ٦٣]. على أحد التفسيرين في هذه الآية.
ومن فوائد هذا الحديث: فضيلة الرسول ﷺ حيث جعل الله الوسيلة له والفضيلة, وذلك بالإضافة إلى ما ذكرته لكم من أن الوسيلة درجة في الجنة لا ينبغي إلا أن تكون لعبد من عباد الله, قال: «وأرجو أن أكون أنا هو» ز
ومن فوائد هذا الحديث: الإيمان بالبعث, لقوله: «وابعثه مقامًا محمودًا».
ومن فوائد هذا الحديث: فضيلة الرسول ﷺ , حيث أمرنا أن ندعو الله تعالى بهذا الدعاء الذي لابد أن يستجاب؛ لأنه لو كان لا يستجاب لكان أمر النبي ﷺ إيانا به عبثًا لغوًا.
ومن فوائد هذا الحديث: التوسل إلى الله ﵎ بصفاته؛ لقوله: «الذي وعدته» , ولا شك أن هذا الوصف من وسيلة الإجابة, فإن الناس حتى فيما بينهم يقول: يا فلان, أعطني كذا وكذا؛ لأنك وعدتني من أجل تأكيد إجابة المطلوب.
من فوائد هذا الحديث: إثبات الشفاعة للرسول ﷺ ؛ لقوله: «حلت له شفاعتي يوم القيامة» , والشفاعة نوعان: عامة في جميع الخلق, وخاصة, فالعامة في جميع الخلق هي أن يشفع النبي ﷺ في أهل الموقف أن يقضى بينهم, فهذه عامة, لكنها خاصة بالرسول ﷺ ؛ بمعنى: أنه لا يتقدم إليها أحد سوى الرسول ﷺ , ولا يشترط فيها - أي: في هذه الشفاعة - رضا الله عن المشفوع له؛ لماذا؟ لأن من ضمنها أعداء الله من المشركين والكفار يدخلون في هذه الشفاعة.
стр. 447
الثانية: الشفاعة الخاصة بالمؤمنين لا تكون لكل أحد بالمؤمنين العصاة الذين استحقوا دخول النار دون الخلود فيها, فهؤلاء يشفع فيهم النبيون, والصديقون, والشهداء, والملائكة, والصالحون فيمن استحق النار ألا يدخلها, وفيمن دخلها أن يخرج منها, وهذا النوع من الشفاعة ينكره الوعيدية من المعتزلة والخوارج؛ لأن المعتزلة والخوارج يرون ألا شفاعة في عاصٍ قد عصى بكبيرة؛ لأن المعتزلة والخوارج كل منهم يقول: إن فاعل الكبيرة مخلد في النار, والمخلد في النار ليس فيه شفاعة, لكن أهل الحق يقولون: إن هذه ثابتة وتواترت بها الأحاديث عن رسول الله ﷺ .
ومن فوائد هذا الحديث: هذا الثواب العظيم لمن قال هذا الدعاء أن تحل له شفاعة النبي ﷺ , أي الشفاعتين؟ الخاصة.
الحديث فيه مباحث: إذا قال قائل: كيف حثنا رسول الله ﷺ على هذه الدعوة وقد حصلت له, وكيف حثنا على الصلاة عليه وقد حصلت له ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ , وقال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ [الأحزاب: ٥٦]. وكيف حثنا وأمرنا أن نصلي عليه مع أنه يأمرنا أن ندعو له, وسؤال الغير أن يدعو للإنسان غير مستحسن, كم مبحثًا الآن؟ ثلاثة مباحث:
الأول: كيف أمرنا أو حثنا على الدعاء بهذا وقد حصل له الجواب على ذلك: أنه ربما يكون من أسباب الحصول دعاء الأمة؛ لأن الأسباب قد تكون واحدًا أو اثنين أو ثلاثة أو عشرة.
ثانيًا: أمرنا رسول الله ﷺ أو حثنا على ذلك من أجل أن نذكر ما للرسول ﷺ من حق علينا أن ندعو له عند كل أذان في اليوم خمس مرات على الأقل:
الإشكال الثاني: أمرنا وحثنا على الصلاة عليه ﵊ مع أن الله أخبر أنه يصلي عليه؟
الجواب: أنه أمرنا بذلك لمصلحتنا من صلى عليه مرة واحدة صلى الله عليه بها عشرا. إذن المصلحة لمن؟ لنا, لكن أمرنا بذلك وهي للرسول ﵊ من أجل ما قدمنا قبل قليل أن نذكره ﵊, وألا يبعد عن قلوبنا.
ويقال أيضًا في الإشكال الثالث, وهو كيف يسأل أن ندعو له؟ نقول: هو ما سأل أن ندعو له لمصلحته هو؛ لأنه عارف ﵊ وعالم أنه حاصل له لكن لمصلحتنا نحن؛ لأن الصلاة عليه الواحدة بعشر صلوات.
стр. 448
أسئلة:
- ما سبب مشروعية الأذان؟
- ما هو الأذان لغة؟ وفي الشرع؟
- هل يخالف المستمع المؤذن في شيء؟
- ما الحكمة في أنه لا يوافقه في الحيعلتين؟
- ما المقصود بلا حول ولا قوة إلا بالله؟
- ماذا يقول السامع إذا سمع المؤذن في الفجر يقول: الصلاة خير من النوم؟
- اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة؛ ما معنى الصلاة القائمة؟
***
٣ - باب شروط الصلاة
الشروط جمع شرط, والشرط ما تتوقف عليه صحة العبادة أو العقد, هذا إذا كان شرطًا للعبادة, أما الشرط في العقد فهو يختلف, الشرط في العقد ما يتوقف عليه لزوم العقد, فعندنا الآن شرط للصحة, وشرط للزوم, الشرط للصحة من قبل الشرع, ليس لنا فيه تدخل الشرط للزوم من قبل العبد, فمثلًا رجل باع بيتًا وشرط سكناه سنة؛ تقول: هذا شرط للبيع أو في البيع؟ في البيع, فهو شرط للزوم, وأما إذا باع بعد نداء الجمعة الثاني فإنه لا يصح البيع لوجود المانع, فالحاصل: أن شرط الشيء من عبادة أو عقد ما تتوقف عليه صحته.
فإن قال قائل: ما هذه الشروط؟ ما هذه الواجبات؟ ما هذه الأركان التي قالها العلماء, أتجدون هذا في القرآن أو السنة؟
الجواب: لا, لا نجد هذا في الكتاب والسنة, لكن العلماء ﵏ تتبعوا النصوص وأحصوا ما يشترط للعبادة أو المعاملة, ثم جمعوها ورتبوها حيث ما تقتضيه النصوص تسهيلًا لطالب العلم, وحينئذ لا يجوز الاعتراض على ما مشى عليه العلماء؛ لأن بعض الناس يقول: ما لنا وللشروط, ما لنا وللأركان ما لنا وللواجبات, هذه أوصاف ما أنزل الله بها من سلطان, فيقال: سبحان الله! إن الناس لا يتعبدون الله تعالى بهذه الأوصاف, لكن جعلوها وسيلة لتقريب العلوم على طالب العلم, والوسائل لها أحكام المقاصد. فلا تغتر بمن يقول: لا, دع الناس يفعلون العبادات بدون أن يعلموا أنها شرط أو واجب أو ركن, ولا تتعرض لهذا, نقول: الحمد لله هذه مسائل احتاج المسلمون إليها لفض المسائل العلمية وتسهيلها على الطالب وليست
стр. 449
هي مقصودة بذاتها حتى نقول: إننا أحدثنا في دين الله ما ليس منه. شروط الصلاة إذن ما تتوقف عليه صحة الصلاة.
شرط الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر:
١٩٧ - عن علي بن طلق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف, وليتوضأ, وليعد الصلاة». رواه الخمسة, وصححه ابن حبان.
«إذا فسا» الفساء معروف, وهو الريح التي تخرج من الدبر, وهل هناك ريح تخرج من غير الدبر؟ نعم, بعض النساء تحس بريح تخرج من فرجها, هذا لا عبرة بها ولا يترتب عليها شيء, لكن الريح التي تخرج من الدبر هي التي تترتب عليها الأحكام.
«إذا فسا أحدكم» هنا فساء, وهناك ضراط الفرق بينهما: ما كان له صوت فهو ضراط, وما لم يكن له صوت فهو فساء, وقوله: «في الصلاة» يشمل ما إذا كان في أول الصلاة أو في آخرها, ويشمل كل صلاة تشترط لها الطهارة, وقوله: «فلينصرف» يعني: من صلاته؛ ولأنها بطلت فلا فائدة من الاستمرار فيها, «وليتوضأ» وذلك لانتقاض وضوئه بالفساد, وليعد الصلاة بعدها من جديد أم يبني؟ من جديد؛ لأنه قال: «وليعد» , والإعادة: فعل الشيء ثانية.
ففي هذا الحديث فوائد: منها: ما ساقه المؤلف من أجله, وهو أن من شرط صحة الصلاة أن يكون الإنسان متوضئًا؛ لقوله: «فلينصرف وليتوضأ وليعد الصلاة» , وبناء على ذلك لو صلى وهو محدث فإن كان عامدًا فقد أتى ذنبًا عظيمًا, حتى إن بعض أهل العلم كفره, وقال: إذا صلى محدثًا وهو عالم فهو كافر, وعلل ذلك بأنه مستهزئ بآيات الله لكن جمهور العلماء على أنه لا يكفر, ولكن قد أتى إثمًا عظيمًا, وإن كان ناسيًا أو جاهلًا فلا إثم عليه, لكن عليه الإعادة, مثال ذلك: رجل صلى المغرب بوضوء, ثم أحدث ولم يتوضأ, ثم صلى العشاء ناسيًا أنه أحدث بعد صلاة المغرب, فصلاة العشاء غير صحيحة؛ لأنه صلى بغير وضوء.
مثال آخر: رجل صلى المغرب بوضوء ثم تعشى وأكل لحم إبل, ولم يعلم أنه لحم إبل, ثم صلى العشاء, وعلم بعد صلاة العشاء, فعليه أن يتوضأ ويعيد صلاة العشاء؛ لأنه صلى بغير وضوء, وإذا كان عليه جنابة فهل هو مثله أو لا؟ نعم هو مثله؛ لأنه يستبيح بالحدث الأصغر ما
стр. 450
لا يستبيحه بالحدث الأكبر, فإذا قدر أن رجلًا قام من الليل وصلى الفجر, ثم رأى على ثوبه أثر الجنابة فعليه أن يغتسل ويعيد الصلاة؛ لأنه صلى بغير طهارة.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز التصريح بما يستحيا منه عند الحاجة؛ لقوله: «إذا فسا أحدكم» والناطق بهذا هو أشد الناس حياء.
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب الانصراف من الصلاة إذا أحدث الإنسان, وأنه لا يجوز أن يستمر لقوله: «فلينصرف».
فإن قال قائل: إذا حدث ذلك لي وأنا في الصف أنصرف أم أبقى أتابع بلا نية؟
فالجواب: انصرف حتى تتوضأ وتدرك ما بقي من الصلاة, فإن قال: أستحي أن أنصرف من الصف والناس ينظرون, فنقول: أولًا: لا حياء في مثل هذه الأمور؛ لأنها تعتري كل أحد. ثانيًا: إذا خفت من هذا تضع يدك على أنفك حتى إذا رآك الناس, قالوا: إن هذا الرجل أرعف أنفه, وإرعاف الأنف لكل أحد, وليس فيه حياء, المهم ألا تستمر, بعض الناس حدثني أنهم يستمرون إذا كانوا أئمة يقول: مشكل إذا انصرفت وأنا الإمام سيقولون: فسا إمامنا, وهذه مشكلة, نقول: الحمد الله الحق أحق أن يتبع, انصرف وأمر أحد المصلين أن يتمم بهم الصلاة, فإن لم تأمر أحدًا فللمصلين.
أن يقدموا واحدًا منهم يتم بهم الصلاة, فإن لم يفعلوا صلوا فرادى.
ومن فوائد هذا الحديث: عظم شأن الصلاة, وما أحراها وأجدرها بتعظيم الشأن؛ لأن الإنسان إذا صلى حقيقة - يا إخواننا - ينسلخ من الدنيا ويقبل على الله , وجدير بمن انسلخ ليقف بين يدي الله أن يكون على أكمل وجه حتى إن بعض السلف لما قرر الأطباء أنه لابد من قطع رجله وافق على ذلك, ولكن قال: دعوني أصلي فإذا دخلت في الصلاة فاقطعوها, لماذا؟ لأنه إذا دخل في الصلاة نسي كل شيء, وصار قطعهم إياها غير مؤلم ولا موجع؛ لأنه مشغول بكونه بين يدي الله فالمهم أن إيجاب الطهارة للصلاة دليل على عظم شأنها وأنها جديرة بذلك.
ومن فوائد الحديث: أن من حصل له حدث في صلاته فإنه لا يبني على ما مضى بل يستأنف الصلاة, ويتفرع على هذا أنه لو أحدث في الطواف وقلنا: بأن الوضوء شرط لصحة الطواف, فإنه ينصرف من الطواف وجوبًا ويتوضأ, ويبني على ما سبق أو يستأنف الطواف؟ يستأنف الطواف, وما أعظم مشقة هذا في أيام المواسم.
رجل أحدث في الشوط السابع وبشق الأنفس بلغ الشوط السابع, فنقول: له اخرج وتوضأ,
стр. 451
ومن المعلوم أنه سيجد مشقة في الخروج من صحن المطاف, ثم بوجود محلًا يتوضأ فيه؛ لأن الميضآت ستكون مزدحمة, ربما يمشي كيلوات حتى يجد ما يتوضأ به, ثم إذا رجع نقول: أعد من جديد؛ ولهذا كان القول الذي ينبغي أن يفتى الناس به - لا سيما في المواسم - قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن الوضوء في الطواف ليس بشرط لكنه من كماله, وأما أنه شرط لصحته كما يشترط ذلك في الصلاة فلا دليل عليه, لا في القرآن ولا في السنة, وقد بحث شيخ الإسلام ﵀ بحثًا مستفيضًا في فتاويه وفي منسكه, بحثًا إذا قرأه الإنسان علم أن القول الصواب هو قول شيخ الإسلام ﵀, بأن الطواف لا يشترط له الوضوء لكنه من كماله, ولاسيما في أيام المواسم والزحام الشديد؛ لأن الإنسان يجد حرجًا أن نكلف عباد الله بالوضوء وإعادة الطواف مع عدم وجود دليل يكون له حجة عند الله .
إذن من شرط صحة الصلاة: الطهارة من الحدث حتى يتوضأ, فإن نسي أو جهل أعاد الصلاة, وهل مثل ذلك إذا نسي أو جهل النجاسة في ثوبه؟ لا, لو صلى وفي ثوبه نجاسة ناسيًا أن يغسلها فصلاته صحيحة, لو لم يعلم بالنجاسة في ثوبه؟ لا, لو صلى وفي ثوبه نجاسة ناسيًا أن يغسلها فصلاته صحيحة, لو لم يعلم بالنجاسة في ثوبه إلا بعد الصلاة لم يلزمه أن يعيدها, لو كان يعلم بهذه البقعة لكن لم يتيقن أنها نجاسة إلا بعد الصلاة لم يلزمه أن يعيدها, والفرق أن اجتناب النجاسة من باب ترك المحظور, وعدم الوضوء من باب ترك المأمور, والفرق بينهما ظاهر.
أسئلة:
- ما هو الفرق بين شروط الشيء والشروط في الشيء؟
- ما هي الحكمة من وضع الشروط في العبادات شروط وجوب الحج, شروط وجوب الصوم, شروط وجوب الزكاة وغيرها, ما هي الحكمة؟
الحكمة لأجل أن ينضبط الناس في العبادات بحيث يكون أمرهم واحدًا؛ لأنها لو لم تذكر هذه الشروط لكان كل واحد يذهب مذهبًا غير مذهب أخيه, فكان من حكمة الله أن تكون هناك شروط للوجوب, وشروط للصحة حتى ينضبط الناس في العبادات ولا يختلف بعضهم عن بعض.
- ما سبب إدخال المؤلف حديث علي بن طلق في شروط الصلاة؟
- هل هناك دليل يؤيد هذا؟
- ما دليل انصراف الرجل من الصلاة إذا أحدث؟
стр. 452
* تكملة الفوائد:
ومن فوائد هذا الحديث أيضًا: أنه لا يجب الاستنجاء من الريح؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر إلا بالوضوء.
فإن قال قائل: من لازم الوضوء الاستنجاء؟
قلنا: لا, ليس من لازمه الاستنجاء, بدليل أن النبي ﷺ قال في المذي: «يغسل ذكره ويتوضأ».
فإن قال قائل: هل يقاس على هذا بقية شروط الصلاة, وأنها إذا فقدت وهو يصلي وجب عليه أن ينصرف مثل أن تطير الريح في ثوبه فيبقى عاريًا؛ فهل يلزمه أن يخرج من الصلاة ويلبس الثوب؟
الجواب: نعم, إذ لا فرق, فلو فقد شرط من شروط الصلاة في أثناء الصلاة وجب على المصلي أن يصرف ليأتي بهذا الشرط.
١٩٨ - وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار». رواه الخمسة إلا النسائي, وصححه ابن خزيمة.
«لا يقبل الله» نفي القبول تارة يراد به: رد العبارة المستلزم لعدم صحتها ووجوب إعادتها, وتارة يرادبه: أنها لا تقبل؛ بمعنى: أن السيئة التي في هذه العبادة تربو على المفسدة, أو السيئة التي خارج العبادة تربوا على مصلحة الصلاة فلا تقبل, وهذا لا يستلزم الفساد, والأصل أن نفي القبول يعني رد العبادة, فإذا وجد دليل يدل على أنها تقبل مع هذا الذي انتفى القبول من أجله صار معنى ذلك: أن السيئة التي منعت القبول تكون محيطة بهذه الحسنة.
مثال الأول: قوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ». معنى نفي القبول هنا: الرد, وأن العبادة لا تجزؤه, وعليه أن يعيدها.
ومثال الثاني: قول النبي ﷺ : «من أتى عرافًا فسأله؛ لم يقبل له صلاة أربعين يومًا». فنفي القبل هنا لا يعني الرد؛ لكن يعني أن ذهابه إلى العراف وسؤاله إياه سيئة تحيط بحسنة, هذه العبادة وإن كانت هي صحيحة غير مردودة, ولهذا لا نقول لهذا الرجل: يجب أن تعيد الصلاة بعد مضي أربعين يومًا.
وقوله: «حائض» أي: متصفة بالحيض, يعني: قد حاضت, وليس المراد أنها متلبسة بالحيض؛ لأن الحائض لا تصح منها الصلاة مطلقًا, لكن المراد: أنها بلغت بالحيض.
стр. 453
وقوله: «إلا بخمار» الخمار ما يخمر به الرأس؛ أي: يغطى به.
ففي هذا الحديث فوائد منها: أن العبادات قد تقع مقبولة أو مردودة, فما هو الضابط؟ الضابط ذكره النبي ﷺ بقوله: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». وفي لفظ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» , فهذا الضابط في المردود, وما عدا ذلك فهو مقبول.
ومن فوائد هذا الحديث: أن المرأة إذا بلغت وجب عليها عند الصلاة أن تستر رأسها بالخمار؛ لقوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار». سكت عن بقية البدن, سكت عنه لأحد أمرين: إما أن يكون بقية البدن ليس من العورة في الصلاة, وإما أن يكون النبي ﷺ سكت عنه لأن ستره معلوم, فلننظر: الوجه سكت عنه فماذا نقول؟ نقول: سكت عنه؛ لأن ستره في الصلاة ليس بواجب, سكت عن اليدين والقدمين هل نقول: لأن سترهما معلوم, أو لأن كشفهما معلوم؟ يحتمل هذا وهذا؛ ولذلك اختلف العلماء ﵏ في وجوب ستر الكفين والقدمين في أثناء الصلاة, فمنهم من قال بالوجوب, ومنهم من قال بعدم الوجوب, والقول بعدم الوجوب أظهر, والقول بالوجوب - أي: وجوب الستر - أحوط, وعلى هذا فنأمر المرأة قبل أن تصلي أن تستر الكفين والقدمين, لكن لو أنها صلت مكشوفة الكفين والقدمين ثم جاءت تسأل فهل نأمرها بالإعادة أو لا؟ لا نأمرها؛ لأن الأظهر في الدليل عدم ستر الكفين والقدمين, يعني: هناك شيء يكون على سبيل الاحتياط يؤمر به الإنسان قبل فعله, أما بعد أن يفعل فما وجب على سبيل الاحتياط لا يمكن أن يقوى على إبطال العبادة.
ومن فوائد هذا الحديث: التفريق بين الصغيرة والبالغة؛ لأن قوله: «حائض» وصف مؤثر, مفهومه: أن غير الحائض تصلي بدون خمار, فالمرأة التي لم تبلغ ولو بلغت إحدى عشرة سنة, أو اثنتي عشرة سنة, أو ثلاث عشرة, أو أربع عشرة سنة ولو تبلغ, عورتها في الصلاة ما بين السرة والركبة كما قال الفقهاء ﵏, بمعنى: أنها لو صلت وقد انكشفت ذراعها, أو عضدها, أو رقبتها, أو ساقها فصلاتها صحيحة؛ لأنها لم تكن بالغة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الحيض يحصل به البلوغ, وجه ذلك: تفريق النبي ﷺ بين الحائض وغير الحائض, فلولا أن هناك تمييزًا بينهما بأن تكون الحائض مكلفة, ومن لم تحض غير مكلفة لكان تعليق الحكم بهذا الوصف عديم التأثير.
فإن قال قائل: وهل يحكم ببلوغ الأنثى بالنفاس؟
فالجواب: لا, وهذا مما يفرق فيه بن الحيض والنفاس؛ لأن حملها لا يكون إلا بإنزال,
стр. 454
فتكون بالغة بالإنزال السابق للحمل, أما النفاس فهو بعده, وهذا من الفروق بين النفاس والحيض, ومن الفروق: أن الطلاق في النفاس جائز, وفي الحيض ليس بجائز, دليل ذلك قول الله ﵎: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١]. والنفاس لا يعتد به في العدة, وإذا كان لا يعتد به في العدة, وإنما تبدأ المطلقة في العدة من حين الطلاق فإنه يكون قد طلق للعدة, أما الحيض فهو إذا طلق في أثناء الحيضة ستلغى هذه الحيضة التي وقع فيها الطلاق وحينئذ لم يكن طلق للعدة؛ لأن عدة الحائض ثلاث حيض.
فإن قال قائل: أليس النبي ﷺ قال لعمر: «مره - يعني: عبد الله بن عمر - فليطلقها طاهرة أو حاملًا».
قلنا: بلى, لكن ليطلقها طاهرًا من الحيض؛ لأن ابن عمر طلقها وهي حائض؛ ولهذا قال: «أو حاملًا» , واستدل النبي ﷺ بالآية, فيكون هنا فرق بين النفاس وبين الحيض, الحيض لا يجوز فيه الطلاق, والنفاس يجوز فيه الطلاق, وفيه ستة فروق مع أن كثيرًا من الفقهاء لم يذكروا إلا أربعة لكن فيه زيادة.
شرط ستر العورة وضوابطه:
١٩٩ - وعن جابر ﵁, أن النبي ﷺ قال له: «إذا كان الثوب واسعًا فالتحق به» - يعني: في الصلاة -. ولمسلم: «فخالف بين طرفيه وإن كان ضيقًا فاتزر به». متفق عليه.
قال: «إذا كان الثوب واسعًا فالتحف به» , يعني: اجعله لحافًا لك يشمل جميع البدن؛ ولهذا قال: «خالف بين طرفيه, وإن كان ضيقًا فاتزر به» يعني: استر أسفل البدن؛ لأنه إذا كان ضيقًا لا يتسع للبدن كله, فهو إما أن يستر أعلاه أو يستر أسفله, وأيهما أحق؟ ستر الأسفل؛ ولهذا قال: «فاتزر به» , أي: اجعله إزارًا, فهذا أيضًا يستفاد منه أنه لابد من ستر العورة في جميع البدن, لكن إذا كان الثوب واسعًا, فإن كان ضيقًا كفى الاستتار, فيستفاد من هذا الذي ذكرنا: أن الأولى للإنسان في حال الصلاة أن يستر جميع بدنه, ويدل لهذا قول الله تعالى: ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: ٣١]. يعني: لباسكم, عند كل مسجد أي: عند كل صلاة.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجب ستر أعلى البدن في حال الصلاة لقوله: «فاتزر به» ولم يقل: فصل بما يستر البدن, أو كلمة نحوها, فدل هذا على أن أعلى البدن ليس بعورة وهو كذلك, وقد ذكر العلماء ﵏ أن عورة الرجل في الصلاة ما بين السرة والركبة, فتكون
стр. 455
الفخذان داخلتين في العورة في الصلاة, وتكون الركبة والسرة غير داخلتين في العورة؛ لأن العبارة «ما بين السرة والركبة»؛ فالسرة والركبة ليستا من العورة.
ومن فوائد هذا الحديث: التيسير على الأمة؛ حيث فرق النبي ﷺ بين الواسع والضيق, وهذه القاعدة في الشريعة الإسلامية قاعدة أصيلة, قال فيها النبي ﷺ : «إن الذين يسر». وقال لمن يبعثهم لدعوة الناس إلى الإسلام: «يسروا ولا تعسروا؛ فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين». فاتخذ هذه القاعدة بين عينيك دائمًا أن الدين الإسلامي - والحمد لله - دين اليسر والسهولة والسماحة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن أسفل البدن أولى بالستر من أعلاه؛ لقوله: «إن كان ضيقًا فاتزر به». قال:
٢٠٠ - ولهما من حديث أبي هريرة ﵁: «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء».
وفي لفظ بالتثنية: «ليس على عاتقيه» , ولا منافاة, قوله: «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد» المراد بالثوب في الحديث ليس هو القميص, بل الثوب ما يستتر به الإنسان من قميص, أو إزار, أو لحاف, أغير ذلك.
وقوله: «في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء» العاتق: هو ما بين الكتف وأصل العنق, وقوله: «شيء» نكرة في سياق النفي فيعم القليل والكثير, ولنضرب لهذا مثلًا: لو كان عند إنسان خرقة يريد أن يصلي بها, قلنا: لا تصلي فيها إلا وعلى عاتقك منها شيء, ولا شك أن هذا كمال الستر, لكن هل هذا واجب, أو هذا على سبيل الاستحباب؟ اختلف في ذلك العلماء ﵏ فقال بعضهم: إن ستر المنكبين واجب في الفريضة والنافلة. وقال بعضهم: في الفريضة دون النافلة. وقال آخرون: إنه ليس بواجب, ولكنه من كمال الستر, وهذا هو الأصح؛ ويدل له حديث جابر ﵁ السابق.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الصلاة في ثوب واحد, وأنه لابد للمصلي أن يضع على
стр. 456
عاتقه منه شيء, وهل هو على سبيل الاستحباب أو الوجوب, أو التفصيل؟ الصحيح التفريق في ذلك بين الفرض والنفل.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يشترط أنه يلبس الإنسان ثوبين في الصلاة, يعني: قميصًا وسراويل مثلًا, وأنه لو صلى في قميص كفى؛ لأن القميص سيكون على عاتقيه منه شيء.
مسألة: لو أن أحدًا صلى في إزار فقط, هل تجزئه الصلاة؟
الجواب: إذا لم يجد سواه فلا شك أنها تجزئه, وإن وجد فإن من العلماء من يقول: إن صلاته باطلة, وهؤلاء هم الذين يقولون بوجوب ستر العاتق, ومنهم من يقول: صلاته صحيحة, لكنه قصر في ستر العورة, وهذا هو الصحيح, وهذا يحصل كثيرًا في أيام الحج, تجد الرجل يشتغل مثلًا في طبيخ أو غيره ويصلي في إزاره وردائه الحاضر؛ فعلى القول الراجح تكون صلاته صحيحة, وعلى القول باشتراط ستر أحد المنكبين أو المنكبين جميعًا تكون صلاته باطلة, ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يتهاون في هذه المسألة مع وجود الخلاف بين العلماء.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الصلاة في ثوب واحد إذا جعل على عاتقه منه شيء؛ لقوله: «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد» وهو كذلك, وعلى هذا فلو صلى الإنسان في ثوب واحد, ورأسه مكشوفة وهو رجل فصلاته صحيحة.
فإن قال قائل: وهل يستحب ستر الرأس للرجل في الصلاة؟
فالجواب: يرجع في ذلك إلى الآية ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: ٣١]. فإذا كان من قوم لا يتم أخذ زينتهم إلا بغطاء الرأس قلنا: غطاء الرأس مستحب, وإذا كان من قوم لا يهتمون بهذا ولا يجعلون غطاء الرأس من الزينة قلنا: لا يستحب؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
٢٠١ - وعن أم سلمة ﵂ أنها سألت النبي ﷺ : «أتصلي المرأة في درع وخمار بغير إزار؟ قال: إذا كان الدرع سابغًا يغطي ظهور قدميها». أخرجه أبو داود, وصحح الأئمة وقفه.
قوله: «أتصلي المرأة» الاستفهام هنا للاستخبار والاستعلام, «في درع وخمار» , الدرع: هو الثوب يشبه القميص وسمي درعًا لأنه يشبه الدرع الذي يلبسه المقاتل في اتقاء السهام, والخمار: ما
стр. 457
يغطى به الرأس والرقبة, «بغير إزار» ما يأتزر به الإنسان فيستر أسافل بدنه, فقال: «إذا كان الدرع سابغًا» السابغ يعني: الوافي تام, ثم فسره بقوله: «يغطي ظهور قدميها» يعني: فلا بأس.
في هذا الحديث يقول المؤلف: «أخرجه أبو داود, وصحح الأئمة وقفه» , وقفه: يعني جعله من كلام أم سلمة ﵂, فهل يقال: إن هذا الموقوف له حكم الرفع؛ لأن مثل ذلك لا يقال بالرأي, أو يقال: إنه موقوف ليس له حكم الرفع؛ لأنه قد تقوله بالرأي, قد ترى ﵂ أن من تمام أخذ الزينة أن يكون درعها سابغًا يغطي ظهور قدميها, والفرق بين الموقوف والمرفوع: أن ما أضيف إلى النبي ﷺ فهو مرفوع, وما أضيف إلى الصحابي فهو موقوف, وما أضيف إلى التابعي فمن بعده فهو مقطوع.
من فوائد هذا الحديث إذا صح مرفوعًا: حرص الصحابة ﵃ على الفقه في الدين, وذلك بسؤال أم سلمة رسول الله ﷺ عما جاء في هذا الحديث, وأسئلة الصحابة لرسول الله ﷺ كثيرة في القرآن, منها نحو اثني عشر سؤالًا: ﴿يسألونك ماذا ينفقون﴾ [البقرة: ٢١٥]. ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ [البقرة: ٢١٩]. ﴿ويسألونك على المحيض﴾ [البقرة: ٢٢٢]. حوالي اثني عشر سؤالًا, لكن في السنة كثير جدًا, وهو يدل على عناية الصحابة ﵃ بدينهم وحرصهم على الفقه في الدين.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز صلاة المرأة في الدرع, لكن بشرط أن يغطي ظهور قدميها.
ومن فوائد هذا الحديث: أن القدمين ليسا بعورة, ووجه ذلك: أن ما يغطي ظهور القدمين لا يغطي بطون القدمين عند السجود, ولو كان القدم عورة لقال الرسول ﷺ : إذا كان سابغًا يغطي ظهور قدميها وبطونهما عند السجود.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز نزول ثوب المرأة إلى أسفل من الكعب؛ لأنه من ضرورة تغطية ظهر القدم أن ينزل دون الكعب, بخلاف الرجل لا يحل له أن ينزل قميصه أو إزاره إلى أسفل من الكعبين, فإن صلى - أعني: الرجل - في ثوب ينزل عن الكعبين فهل صلاته صحيحة أو لا؟ في هذا خلاف بين العلماء, والصحيح أن الصلاة صحيحة, لكنه آثم؛ لأن ستر العورة حصل وكون الثوب محرمًا يعود إلى أمر خارج, بدليل أن هذا التحريم ليس خاصًا في الصلاة حتى نقول إنه مما يختص بها فيبطلها, بل هو تحريم عام؛ يعني: تحريم نزول الثوب بالنسبة للرجل أسفل الكعبين هذا عام في الصلاة وغير الصلاة, والتحريم العام لا يبطل الصلاة, ويدل
стр. 458
لهذا - يعني: من هذه القواعد - الغيبة لا تفطر الصائم مع أنها حرام؛ لأن تحريمها لا يختص بالصوم, والأكل يفطر الصائم؛ لأن تحريمه خاص بالصوم.
شروط الساتر وضرورة طهارته:
انتهت الأحاديث التي ساقها ابن حجر في بلوغ المرام في ستر العورة, بقي الكلام على ما هي شروط الساتر؟
الساتر يشترط أن يكون مباحًا, فإن كان حرامًا فإنه لا يحل الستر به, كثوب الحرير للرجل في غير الحالات التي يباح له فيها لبسه, وكثوب الإسبال بالنسبة للرجل, لكن هذا الشرط فيه الخلاف كما قلت لكم, هل يكون هذا آثمًا وصلاته صحيحة, أو هو آثم وصلاته باطلة؟ فيه الخلاف, والراجح: أن صلاته صحيحة, لكنه آثم.
ومن الشروط: أن يكون ما يستر به طاهرًا, فإن كان نجسًا فإنها لا تصح الصلاة به, دليل ذلك أن النبي ﷺ خلع نعليه لما أخبره جبريل بأن بهما قذرًا؛ ولأن النبي ﷺ كان يغسل ثوبه من النجاسة إذا بال الصبي على ثوبه غسله ﵊؛ ولأمر النبي ﷺ الحائض إذا أصاب ثوبها دم الحيض أن تغسله ثم تصلي فيه, هذان شرطان.
الشرط الثالث: أن يكون صفيقًا بحيث لا يتبين من ورائه لون البشرة, فإن تبين من ورائه لون البشرة فليس بساتر, فلو ستر عورته بثوب بلاستيك يرى من ورائه لون البشرة فإن هذا الستر لا يصح؛ لأن وجوده كعدمه فلا تصح الصلاة به, لكن لو قال قائل: إذا لم يجد غير هذا البلاستيك هل يستتر به أو يصلي عريانا؟ الظاهر أن استتاره به أهون من كونه يصلي عريانًا بحتًا, فنقول: الأفضل أن تلبس هذا لأنه يوجد الآن ثياب بلاستيك يلبسها الناس أيام المطر بدل أن يحمل الإنسان الشمسية يلبسها على ثيابه العادية, فالشروط إذن ثلاثة.
مسائل مهمة:
إذا لم يجد شيئًا فإنه يصلي عريانًا ولكن هل يصلي قائمًا أو يصلي قاعدًا؟ معلوم أنه إذا صلى قاعدًا فهو أستر؛ لأنه يستر الدبر ويستر القبل أيضًا إذا ضم فخذيه, فيكون هذا أستر, لكن يفوته شيء آخر, وهو القيام في الفريضة, فاختلف العلماء في هذه الحال أيجلس أو يصلي قائمًا؟ الصحيح أنه يصلي قائمًا, وجه ذلك: أن القيام ركن, وأن الستر سقط بالعجز عنه,
стр. 459
والقيام هو قادر عليه والستر غير قادر عليه, إذن يسقط لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]. وعلى هذا فيصلي قائمًا كالعابر عريانًا, هذا إذا كان خاليًا واضحًا أو كان في ظلمة, لكن إذا كان حوله أحد فهنا قد يشق عليه مشقة عظيمة مشقة نفسية أن يصلي قائمًا, فهل نقول: إن هذه المشقة واشتغال البال تبيح له أن يصلي جالسًا؛ لأن النبي ﷺ قال: «لا صلاة بحضرة طعام, ولا هو يدافعه الأخبثان». واشتغال القلب في هذا أشد من اشتغاله بحضرة الطعام, فالقول في مثل هذه الحال بأنه يصلي جالسًا قريب جدًا, ويقال: إنه يصلي جالسًا لأجل كمال الصلاة وارتياح البال.
إذا لم يجد إلا ثوبًا نجسًا ولم يتمكن من غسله فماذا يصنع, هل يصلي بالثوب النجس ولا يعيد, أو يصلي بالثوب النجس ويعيد, أو يصلي عريانًا؟ ثلاثة احتمالات؛ المشهور عند فقهائنا ﵏ أنه يصلي بالثوب النجس ويعيد, وهذا قول ضعيف جدًا؛ لأننا إن قلنا: إن الصلاة في الثوب النجس حرام, حرم أن يصلي فيه, وإن قلنا: إن الصلاة في الثوب النجس للضرورة جائز امتنع أن نقول: أعد الصلاة؛ لأنه صلى على حسب ما أمر به, هل يصلي عريانًا مع إمكان الستر؟ لا يصلي عريانًا؛ لأنه لا شك أن ستر العورة بثوب نجس أولى من أن يصلي عريان, فالصواب أنه إذا لم يجد إلا ثوبًا نجسًا فإنه يصلي فيه ولا يعيد؛ لأن حمله للنجاسة في هذه الحال ضرورة, ويحصل به ستر العورة, فيحصل المقصود بسبب هذا المقصود, ويعفى عن النجاسة؛ لأنه غير قادر على اجتنابها؛ هذا هو القول الراجح في هذه المسألة.
إذا لم يجد إلا ثوبًا محرمًا كرجل ليس معه إلا ثوب حرير أيصلي عريانًا, أو يصلي في ثوب الحرير؟ نقول: يصلي في الثوب الحرير؛ لأنه لما اضطر إلى هذا الثوب زال التحريم, فصار لبسه في هذه الحال مباحًا, فيصلي وجوبًا في الثوب الحرير ولا إعادة عليه.
إذا لم يجد إلا ثوبًا مغصوبًا, يعني: رجل سرق ثوبًا ولبسه وحانت الصلاة, فهل نقول يصلي عريانًا, أو يصلي في هذا الثوب المحرم؟ قال بعض العلماء: يصلي عريانًا؛ لأن تحريم هذا ليس لحق الله ولكن لحق الآدمي, وهو لا يملك أن يتصرف في ملك غيره, فوجوده كعدمه, ولا شك أن هذا التعليل تعليل قوي أن يقال: إذا لم يجد إلا ثوبًا لغيره مغصوبًا يصلي عريانًا لأن وجوده كعدمه, لكن قد يعارض هذا التعليل القوي بأن الناس في مثل هذه الحال يتسامحون؛ بمعنى: أن صاحب الثوب لا نظنه يحرج هذا الذي لم يجد إلا هذا الثوب فإن غلب على ظننا أنه
стр. 460
سوف يسمح وجب أن يصلي في الثوب ولا إشكال وإن لم يغلب على ظننا ذلك فالقول بأنه يصلي عريانًا قوي.
أسئلة:
- ما دليل وجوب ستر العورة في الصلاة من القرآن والسنة؟
- ما شروط الساتر؟
- ما ضابط الصفيق الذي يحصل به الستر؟
أما العورة التي يجب سترها فإني لم أذكرها لكم, ولكن ذكر فقهاء الحنابلة أنها ثلاثة أنواع: مغلظة, ومخففة, ومتوسطة, فقالوا: المغلظة: عورة المرأة الحرة البالغة, قالوا: كلها عورة في الصلاة إلا وجهها, وعرفتم الخلاف في الكفين والقدمين. المخففة: عورة الذكر من سبع سنين إلى عشر سنين, فإنها الفرجان فقط - يعني: السوأتان ذكره, ودبره فقط -, أفخاذه وأعلى أفخاذه, وما حول الدبر وما حول القبل ليس من العورة, العورة فقط السوأتان الذكر والدبر, هذا المخففة الذكر من سبع سنين إلى عشر سنين, وما عدا ذلك متوسطة ما بين السرة والركبة يدخل في هذا الذكر الذي تم له عشر سنوات إلى آخر عمره, يدخل في ذلك الأمة, يدخل في ذلك الأنثى الصغيرة والحرة إذا لم تبلغ.
هذه أحكام العورة عند فقهائنا - رحمهم الله تعالى -, وأنا شخصيًا أقلد المذهب في هذا؛ لأني لم أستطع أن أصل إلى شيء معين من السنة, وفرض العاجز هو التقليد لقوله تعالى: ﴿فسألوا أهل الذكر إن كمتم لا تعلمون﴾ [النحل: ٤٣].
شرط استقبال القبلة وضوابطه:
الآن نبدأ درسًا جديدًا وهو استقبال القبلة, وهو واجب بالكتاب والسنة؛ أما في الكتاب فقال الله ﵎: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [البقرة: ١٤٤﴾. هذا نص صريح, وكان النبي ﷺ أول ما قدم المدينة يستقبل بيت المقدس إلى سنة وأربعة أشهر أو سبعة أشهر, ثم أمر بالتوجه إلى الكعبة, أما صلاته قبل ذلك لما كان في مكة فالظاهر أنه يستقبل الكعبة؛ لأنه لا حاجة لا يستقبل بيت المقدس, ويبعد جدًا أن يستقبل بيت المقدس والكعبة بين يديه, لكن لما قدم المدينة ووجد اليهود يتجهون إلى بيت المقدس توجه ﵊ إلى بيت المقدس أخذا بقوله تعالى: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام: ٩٠]. أو لأي سبب رآه ﷺ , لكنه مع هذا يتطلع إلى أن يتجه إلى قبلة أخرى؛ ولهذا قال الله : ﴿قد نرى تقلب
следующие страницы →