Полный текст (3 515 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
عاتقه منه شيء, وهل هو على سبيل الاستحباب أو الوجوب, أو التفصيل؟ الصحيح التفريق في ذلك بين الفرض والنفل.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يشترط أنه يلبس الإنسان ثوبين في الصلاة, يعني: قميصًا وسراويل مثلًا, وأنه لو صلى في قميص كفى؛ لأن القميص سيكون على عاتقيه منه شيء.
مسألة: لو أن أحدًا صلى في إزار فقط, هل تجزئه الصلاة؟
الجواب: إذا لم يجد سواه فلا شك أنها تجزئه, وإن وجد فإن من العلماء من يقول: إن صلاته باطلة, وهؤلاء هم الذين يقولون بوجوب ستر العاتق, ومنهم من يقول: صلاته صحيحة, لكنه قصر في ستر العورة, وهذا هو الصحيح, وهذا يحصل كثيرًا في أيام الحج, تجد الرجل يشتغل مثلًا في طبيخ أو غيره ويصلي في إزاره وردائه الحاضر؛ فعلى القول الراجح تكون صلاته صحيحة, وعلى القول باشتراط ستر أحد المنكبين أو المنكبين جميعًا تكون صلاته باطلة, ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يتهاون في هذه المسألة مع وجود الخلاف بين العلماء.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الصلاة في ثوب واحد إذا جعل على عاتقه منه شيء؛ لقوله: «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد» وهو كذلك, وعلى هذا فلو صلى الإنسان في ثوب واحد, ورأسه مكشوفة وهو رجل فصلاته صحيحة.
فإن قال قائل: وهل يستحب ستر الرأس للرجل في الصلاة؟
فالجواب: يرجع في ذلك إلى الآية ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: ٣١]. فإذا كان من قوم لا يتم أخذ زينتهم إلا بغطاء الرأس قلنا: غطاء الرأس مستحب, وإذا كان من قوم لا يهتمون بهذا ولا يجعلون غطاء الرأس من الزينة قلنا: لا يستحب؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
٢٠١ - وعن أم سلمة ﵂ أنها سألت النبي ﷺ : «أتصلي المرأة في درع وخمار بغير إزار؟ قال: إذا كان الدرع سابغًا يغطي ظهور قدميها». أخرجه أبو داود, وصحح الأئمة وقفه.
قوله: «أتصلي المرأة» الاستفهام هنا للاستخبار والاستعلام, «في درع وخمار» , الدرع: هو الثوب يشبه القميص وسمي درعًا لأنه يشبه الدرع الذي يلبسه المقاتل في اتقاء السهام, والخمار: ما
стр. 457
يغطى به الرأس والرقبة, «بغير إزار» ما يأتزر به الإنسان فيستر أسافل بدنه, فقال: «إذا كان الدرع سابغًا» السابغ يعني: الوافي تام, ثم فسره بقوله: «يغطي ظهور قدميها» يعني: فلا بأس.
في هذا الحديث يقول المؤلف: «أخرجه أبو داود, وصحح الأئمة وقفه» , وقفه: يعني جعله من كلام أم سلمة ﵂, فهل يقال: إن هذا الموقوف له حكم الرفع؛ لأن مثل ذلك لا يقال بالرأي, أو يقال: إنه موقوف ليس له حكم الرفع؛ لأنه قد تقوله بالرأي, قد ترى ﵂ أن من تمام أخذ الزينة أن يكون درعها سابغًا يغطي ظهور قدميها, والفرق بين الموقوف والمرفوع: أن ما أضيف إلى النبي ﷺ فهو مرفوع, وما أضيف إلى الصحابي فهو موقوف, وما أضيف إلى التابعي فمن بعده فهو مقطوع.
من فوائد هذا الحديث إذا صح مرفوعًا: حرص الصحابة ﵃ على الفقه في الدين, وذلك بسؤال أم سلمة رسول الله ﷺ عما جاء في هذا الحديث, وأسئلة الصحابة لرسول الله ﷺ كثيرة في القرآن, منها نحو اثني عشر سؤالًا: ﴿يسألونك ماذا ينفقون﴾ [البقرة: ٢١٥]. ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ [البقرة: ٢١٩]. ﴿ويسألونك على المحيض﴾ [البقرة: ٢٢٢]. حوالي اثني عشر سؤالًا, لكن في السنة كثير جدًا, وهو يدل على عناية الصحابة ﵃ بدينهم وحرصهم على الفقه في الدين.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز صلاة المرأة في الدرع, لكن بشرط أن يغطي ظهور قدميها.
ومن فوائد هذا الحديث: أن القدمين ليسا بعورة, ووجه ذلك: أن ما يغطي ظهور القدمين لا يغطي بطون القدمين عند السجود, ولو كان القدم عورة لقال الرسول ﷺ : إذا كان سابغًا يغطي ظهور قدميها وبطونهما عند السجود.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز نزول ثوب المرأة إلى أسفل من الكعب؛ لأنه من ضرورة تغطية ظهر القدم أن ينزل دون الكعب, بخلاف الرجل لا يحل له أن ينزل قميصه أو إزاره إلى أسفل من الكعبين, فإن صلى - أعني: الرجل - في ثوب ينزل عن الكعبين فهل صلاته صحيحة أو لا؟ في هذا خلاف بين العلماء, والصحيح أن الصلاة صحيحة, لكنه آثم؛ لأن ستر العورة حصل وكون الثوب محرمًا يعود إلى أمر خارج, بدليل أن هذا التحريم ليس خاصًا في الصلاة حتى نقول إنه مما يختص بها فيبطلها, بل هو تحريم عام؛ يعني: تحريم نزول الثوب بالنسبة للرجل أسفل الكعبين هذا عام في الصلاة وغير الصلاة, والتحريم العام لا يبطل الصلاة, ويدل
стр. 458
لهذا - يعني: من هذه القواعد - الغيبة لا تفطر الصائم مع أنها حرام؛ لأن تحريمها لا يختص بالصوم, والأكل يفطر الصائم؛ لأن تحريمه خاص بالصوم.
شروط الساتر وضرورة طهارته:
انتهت الأحاديث التي ساقها ابن حجر في بلوغ المرام في ستر العورة, بقي الكلام على ما هي شروط الساتر؟
الساتر يشترط أن يكون مباحًا, فإن كان حرامًا فإنه لا يحل الستر به, كثوب الحرير للرجل في غير الحالات التي يباح له فيها لبسه, وكثوب الإسبال بالنسبة للرجل, لكن هذا الشرط فيه الخلاف كما قلت لكم, هل يكون هذا آثمًا وصلاته صحيحة, أو هو آثم وصلاته باطلة؟ فيه الخلاف, والراجح: أن صلاته صحيحة, لكنه آثم.
ومن الشروط: أن يكون ما يستر به طاهرًا, فإن كان نجسًا فإنها لا تصح الصلاة به, دليل ذلك أن النبي ﷺ خلع نعليه لما أخبره جبريل بأن بهما قذرًا؛ ولأن النبي ﷺ كان يغسل ثوبه من النجاسة إذا بال الصبي على ثوبه غسله ﵊؛ ولأمر النبي ﷺ الحائض إذا أصاب ثوبها دم الحيض أن تغسله ثم تصلي فيه, هذان شرطان.
الشرط الثالث: أن يكون صفيقًا بحيث لا يتبين من ورائه لون البشرة, فإن تبين من ورائه لون البشرة فليس بساتر, فلو ستر عورته بثوب بلاستيك يرى من ورائه لون البشرة فإن هذا الستر لا يصح؛ لأن وجوده كعدمه فلا تصح الصلاة به, لكن لو قال قائل: إذا لم يجد غير هذا البلاستيك هل يستتر به أو يصلي عريانا؟ الظاهر أن استتاره به أهون من كونه يصلي عريانًا بحتًا, فنقول: الأفضل أن تلبس هذا لأنه يوجد الآن ثياب بلاستيك يلبسها الناس أيام المطر بدل أن يحمل الإنسان الشمسية يلبسها على ثيابه العادية, فالشروط إذن ثلاثة.
مسائل مهمة:
إذا لم يجد شيئًا فإنه يصلي عريانًا ولكن هل يصلي قائمًا أو يصلي قاعدًا؟ معلوم أنه إذا صلى قاعدًا فهو أستر؛ لأنه يستر الدبر ويستر القبل أيضًا إذا ضم فخذيه, فيكون هذا أستر, لكن يفوته شيء آخر, وهو القيام في الفريضة, فاختلف العلماء في هذه الحال أيجلس أو يصلي قائمًا؟ الصحيح أنه يصلي قائمًا, وجه ذلك: أن القيام ركن, وأن الستر سقط بالعجز عنه,
стр. 459
والقيام هو قادر عليه والستر غير قادر عليه, إذن يسقط لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]. وعلى هذا فيصلي قائمًا كالعابر عريانًا, هذا إذا كان خاليًا واضحًا أو كان في ظلمة, لكن إذا كان حوله أحد فهنا قد يشق عليه مشقة عظيمة مشقة نفسية أن يصلي قائمًا, فهل نقول: إن هذه المشقة واشتغال البال تبيح له أن يصلي جالسًا؛ لأن النبي ﷺ قال: «لا صلاة بحضرة طعام, ولا هو يدافعه الأخبثان». واشتغال القلب في هذا أشد من اشتغاله بحضرة الطعام, فالقول في مثل هذه الحال بأنه يصلي جالسًا قريب جدًا, ويقال: إنه يصلي جالسًا لأجل كمال الصلاة وارتياح البال.
إذا لم يجد إلا ثوبًا نجسًا ولم يتمكن من غسله فماذا يصنع, هل يصلي بالثوب النجس ولا يعيد, أو يصلي بالثوب النجس ويعيد, أو يصلي عريانًا؟ ثلاثة احتمالات؛ المشهور عند فقهائنا ﵏ أنه يصلي بالثوب النجس ويعيد, وهذا قول ضعيف جدًا؛ لأننا إن قلنا: إن الصلاة في الثوب النجس حرام, حرم أن يصلي فيه, وإن قلنا: إن الصلاة في الثوب النجس للضرورة جائز امتنع أن نقول: أعد الصلاة؛ لأنه صلى على حسب ما أمر به, هل يصلي عريانًا مع إمكان الستر؟ لا يصلي عريانًا؛ لأنه لا شك أن ستر العورة بثوب نجس أولى من أن يصلي عريان, فالصواب أنه إذا لم يجد إلا ثوبًا نجسًا فإنه يصلي فيه ولا يعيد؛ لأن حمله للنجاسة في هذه الحال ضرورة, ويحصل به ستر العورة, فيحصل المقصود بسبب هذا المقصود, ويعفى عن النجاسة؛ لأنه غير قادر على اجتنابها؛ هذا هو القول الراجح في هذه المسألة.
إذا لم يجد إلا ثوبًا محرمًا كرجل ليس معه إلا ثوب حرير أيصلي عريانًا, أو يصلي في ثوب الحرير؟ نقول: يصلي في الثوب الحرير؛ لأنه لما اضطر إلى هذا الثوب زال التحريم, فصار لبسه في هذه الحال مباحًا, فيصلي وجوبًا في الثوب الحرير ولا إعادة عليه.
إذا لم يجد إلا ثوبًا مغصوبًا, يعني: رجل سرق ثوبًا ولبسه وحانت الصلاة, فهل نقول يصلي عريانًا, أو يصلي في هذا الثوب المحرم؟ قال بعض العلماء: يصلي عريانًا؛ لأن تحريم هذا ليس لحق الله ولكن لحق الآدمي, وهو لا يملك أن يتصرف في ملك غيره, فوجوده كعدمه, ولا شك أن هذا التعليل تعليل قوي أن يقال: إذا لم يجد إلا ثوبًا لغيره مغصوبًا يصلي عريانًا لأن وجوده كعدمه, لكن قد يعارض هذا التعليل القوي بأن الناس في مثل هذه الحال يتسامحون؛ بمعنى: أن صاحب الثوب لا نظنه يحرج هذا الذي لم يجد إلا هذا الثوب فإن غلب على ظننا أنه
стр. 460
سوف يسمح وجب أن يصلي في الثوب ولا إشكال وإن لم يغلب على ظننا ذلك فالقول بأنه يصلي عريانًا قوي.
أسئلة:
- ما دليل وجوب ستر العورة في الصلاة من القرآن والسنة؟
- ما شروط الساتر؟
- ما ضابط الصفيق الذي يحصل به الستر؟
أما العورة التي يجب سترها فإني لم أذكرها لكم, ولكن ذكر فقهاء الحنابلة أنها ثلاثة أنواع: مغلظة, ومخففة, ومتوسطة, فقالوا: المغلظة: عورة المرأة الحرة البالغة, قالوا: كلها عورة في الصلاة إلا وجهها, وعرفتم الخلاف في الكفين والقدمين. المخففة: عورة الذكر من سبع سنين إلى عشر سنين, فإنها الفرجان فقط - يعني: السوأتان ذكره, ودبره فقط -, أفخاذه وأعلى أفخاذه, وما حول الدبر وما حول القبل ليس من العورة, العورة فقط السوأتان الذكر والدبر, هذا المخففة الذكر من سبع سنين إلى عشر سنين, وما عدا ذلك متوسطة ما بين السرة والركبة يدخل في هذا الذكر الذي تم له عشر سنوات إلى آخر عمره, يدخل في ذلك الأمة, يدخل في ذلك الأنثى الصغيرة والحرة إذا لم تبلغ.
هذه أحكام العورة عند فقهائنا - رحمهم الله تعالى -, وأنا شخصيًا أقلد المذهب في هذا؛ لأني لم أستطع أن أصل إلى شيء معين من السنة, وفرض العاجز هو التقليد لقوله تعالى: ﴿فسألوا أهل الذكر إن كمتم لا تعلمون﴾ [النحل: ٤٣].
شرط استقبال القبلة وضوابطه:
الآن نبدأ درسًا جديدًا وهو استقبال القبلة, وهو واجب بالكتاب والسنة؛ أما في الكتاب فقال الله ﵎: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [البقرة: ١٤٤﴾. هذا نص صريح, وكان النبي ﷺ أول ما قدم المدينة يستقبل بيت المقدس إلى سنة وأربعة أشهر أو سبعة أشهر, ثم أمر بالتوجه إلى الكعبة, أما صلاته قبل ذلك لما كان في مكة فالظاهر أنه يستقبل الكعبة؛ لأنه لا حاجة لا يستقبل بيت المقدس, ويبعد جدًا أن يستقبل بيت المقدس والكعبة بين يديه, لكن لما قدم المدينة ووجد اليهود يتجهون إلى بيت المقدس توجه ﵊ إلى بيت المقدس أخذا بقوله تعالى: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام: ٩٠]. أو لأي سبب رآه ﷺ , لكنه مع هذا يتطلع إلى أن يتجه إلى قبلة أخرى؛ ولهذا قال الله : ﴿قد نرى تقلب
стр. 461
وجهك في السماء﴾ [البقرة: ١٤٤]. كلمة ﴿قد نرى﴾ تدل على استمرار تقلب وجهه ﵊؛ لأنه لم يقل: «قد رأينا» , قد نرى فعل مضارع يدل على الاستمرار فكان ينظر إلى السماء لعله يصرف فصرفه الله إلى الكعبة.
وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ أن الكعبة قبلة الأنبياء كلهم, وأن اتجاه اليهود إلى بيت المقدس من تحريف الكلم عن مواضعه, ومن صنيع اليهود, وليس من شريعة الله, وأيا كان فالكعبة هي قبلة النبي ﷺ وأمته إلى يوم القيامة, أما السنة فسيأتينا - إن شاء الله تعالى - بيان الأدلة من السنة على وجوب استقبال الكعبة ووجوب استقبال الكعبة لا شك أنه عين الحكمة والصواب والرحمة؛ لأنها تجمع الأمة الإسلامية على اتجاه واحد وهو الكعبة فما ظنكم لو كان كل إنسان يتجه إلى ما يريد لكان الناس في المسجد الواحد يختلفون, لكن الله تعالى - بحكمته ورحمته - جعل الكعبة واحدة, ثم اختار أن تكون الكعبة؛ لأنها أول بيت وضع للناس, وأشرف مكان على وجه الأرض هي الكعبة, فكان هذا حكمةً أخرى أن يتجه الناس إلى هذا البيت العتيق الذي هو أول بيت وضع للناس.
ولكن ما الفرض في استقبال القبلة؟ أما من أمكنه مشاهدة الكعبة فالفرض أن يتجه إلى عين الكعبة, وأما من لا يمكنه فالفرض أن يتجه إلى جهتها, والجهة كلما ابتعد الإنسان عن مكة اتسعت الجهة, وكلما قرب ضاقت الجهة, وأما قول بعض العلماء: من كان في المسجد الحرام فقبلته الكعبة, ومن كان بمكة فقبلته المسجد, ومن كان خارج مكة فقبلته مكة هذا ليس بصحيح, إنما يقال: من أمكنه مشاهدة الكعربة ففرضة أن يتجه إلى عين الكعبة, ومن لم يمكنه ولو في مكة اتجه إلى جهتها - أي: جهة الكعبة -, وكما قررنا أنه كلما بعد الإنسان عن الكعبة اتسعت الجهة؛ ولهذا قال النبي ﷺ لأهل المدينة: «ما بين المشرق والمغرب قبلة». وقال لهم: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها, ولكن شرقوا أو غربوا». فدل هذا على أنهم إذا اتجهوا للجنوب كل الجنوب يكون قبلة, أو إلى الشمال فكل الشمال يكون قبلة؛ ولهذا قال: «شرقوا أو غربوا».
стр. 462
يستثنى من وجوب استقبال القبلة: العاجز عن استقبال القبلة مثل أن يكون الإنسان مريضًا لا يستطيع أن يتوجه إلى القبلة, ودليل سقوطها عنه قول الله ﵎: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وقوله: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦].
الثاني: الخائف على نفسه من عدو, أو سيل, أو نار؛ فيتجه حيث كان وجهه؛ لقول الله تعالى: ﴿فإن خفتم فرجالًا أو ركبانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]. ومعلوم أن الرجال الهاربين أو الركبان الهاربين فسوف يهربون إلى الجهة المخالفة للجهة المخوفة, والجهة المخوفة قد تكون شمالًا, أو جنوبًا, أو شرقًا, أو غربًا.
الثالث: النفل في السفر, وسيأتي إن شاء الله.
ولكن كيف تعرف القبلة؟ أما من كان يشاهد الكعبة فتعرف بالمعاينة, وأما من لا يمكنه مشاهدة الكعبة فتعرف بأدلة سماوية الشمس والقمر والنجوم, الشمس تشرق من المشرق وتغرب في المغرب, وكذلك القمر, وكذلك النجوم, وبعض النجوم ثابت في مكانه أو يتحرك قليلًا هذه العلامات, فإذا قدر أنك شرقي مكة فما قبلتك؟ الغرب, وإذا كنت غربي مكة, فقبلتك الشرق, إذا كنت بالجنوب فقبلتك الشمال ما بين مشرق الشمس ومغربها, وفي الشمال الجنوب ما بين مشرق الشمس ومغربها, وكذلك يقال في القمر والنجوم, النجوم من أثبتها وأقواها؟ القطب, ونحن في جهتنا هنا لا نشاهد إلا القطب الشمالي؛ لأن الأفق فيه قطبان شمالي وجنوبي نحن نشاهد الشمالي, فالشمالي يقولون: إنه نجم خفي لا يراه إلا حديد البصر, في غير ليالي القمر خفي جدًا إلا أن حوله نجم قوي واضح, وهو الجدي فهذا يدور حول القطب, ولذلك تجد مسافة دورانه مثل القرص الصغير؛ لأنه قريب من القطب, كلما بعدت النجوم عن القطب صار مدارها أوسع؛ ولهذا كان الناس عندنا منذ زمن يستدلون عليها بالجدي, الجدي هنا في منطقتنا يكون خلف أذن المصلي اليمنى إذا جعله خلف أذنه اليمنى فقد استقبل باب الكعبة, إذن يستدل بالشمس والقمر والنجوم هنا يعني في عصرنا الآن يسر الله - ولله الحمد - آلات وأجهزة تدلك على اتجاه القبلة, وإذا قدر أنها لا تصيب عين الكعبة فإنها تصيب قطعًا جهة الكعبة, وكفى لأنه ليس لنا أن نتعمق ونقول: لابد أن نصيب عين الكعبة وهي بعيدة عنا, ولكن الجهة يسرها الله - ولله الحمد - على وجوه شتى, وهي الآن سهلة المنال وسهلة العلم وهذا من التوفيق, لكن لو فرض أن الإنسان لم يجد ولا يعرف النجوم ولا الشمس ولا القمر ولا يجد آية يستدل بها فإنه يتحرى, وأي جهة يركن إليها ويميل إليها يتجه إليها وهذا قد يقع, يخرج الإنسان للبر وليس عنده علم من أدلة القبلة, وليس عنده من يسأله؛
стр. 463
فنقول: انظر ما تطمئن إليه نفسك واتجه إليه ﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ [البقرة: ١١٥]. من ذلك ما ذكر المؤلف رحمه اللهك
٢٠٢ - وعن عامر بن ربيعة ﵁ قال: «كنا مع النبي ﷺ في ليلةٍ مظلمةٍ, فأشكلت علينا القبلة فصلينا, فلما طلعت الشمس إذا نحن صلينا إلى غير القبلة, فنزلت: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ [البقرة: ١١٥]». أخرجه الترمذي وضعفه.
«نزلت» يعني: الآية. يقول: «كنا مع النبي ﷺ في ليلة مظلمة» وهذا في سفر لا شك, وأنهم لو كانوا في المدينة لم يشكل عليهم, وقوله: «فأشكلت علينا» الإشكال هو ضد الوضوح, وكأنهم تشاوروا فيما بينهم فأشكل عليهم الأمر, وهذه الجملة تدل على أن القوم تحروا واجتهدوا, قوله: «فصلينا, فلما طلعت الشمس إذا نحن صلينا إلى غير القبلة». «لما طلعت الشمس» يعني: بعد أن انجلى الغيم وطلعت الشمس. «إذا نحن صلينا إلى غير القبلة».
«لما طلعت الشمس إذا نحن» «إذا» هذه يسمونها إذا الفجائية. «إذا نحن» يعني: فاجأنا أننا صلينا إلى غير القبلة, فنزلت هذه الآية: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ , والآية التي نزلت ليست: ﴿فأينما تولوا﴾ , التي نزلت ﴿﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ , لكن أحيانًا يقولون نزلت الآية ويقتصرون على بعضها, ﴿فأينما تولوا﴾ هذه جملة شرطية ﴿فثم وجه الله﴾ جواب الشرط, و (ثم) بمعنى: هناك ومن باب الاستطراد, نسمع كثيرًا من الناس يعبر عن (ثم) يقول: (ثم) وهذا غلط ظاهر؛ لأن (ثم) حرف عطف, وليست (ثم) التي ضمنت ظرفًا.
ففي هذا الحديث دليل على فوائد منها: أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب؛ لأنه لو كان يعلم الغيب لعلم أين تكون القبلة.
ومنها: أن من اجتهد أو تحرى ولم يصب القبلة فليس عليه إعادة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ , ولكن يشترط في هذا ألا يكون فرط في التقصي عن القبلة, فإن كان فرط فعليه الإعادة؛ لأنه ترك شرطًا من شروط الصلاة. مثال المفرط: رجل نزل ضيفًا عند قوم وأراد الصلاة, ولم يسأل أهل البيت أين القبلة, لكن وقع في قلبه أن القبلة إلى جهة ما, فصلى إلى هذه الجهة, وتبين أنه إلى غير القبلة؛ فهذا يعيد الصلاة؛ لأنه لم يتق الله ما استطاع, أخل يركن من أركان الصلاة دون أن يتقي الله ما استطاع, فإن قال له أهل البيت: القبلة هاهنا وصلى إليها ثم تبين أن أهل البيت مخطئون فليس عليه شيء؛ لماذا؟ لأنه اتقى الله ما استطاع,
стр. 464
أهل البيت أدرى به وجهوه إلى هذه الجهة, فلا يلزمه أكثر من هذا, فإن سأل صبيًا قال له: أين القبلة؟ فقال له: القبلة هذه, ثم تبين أنه خطأ يعيد أو لا؟ يعيد, لماذا؟ لأن الصبي لا يوثق به, فهو مفرط إذا اعتمد على قول الصبي؛ ولهذا ينبغي للإنسان إذا نزل ضيفًا على أحد وهو يريد أن يصلي أن يسأل صاحب البيت أين القبلة, حتى لا يقع في خطأ.
ومن فوائد هذا الحديث: أن القرآن الكريم قد ينزل ابتداء, وقد يكون له سبب, من أين تؤخذ؟ لقوله: «فنزلت: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾».
ومن فوائد الحديث: أن الله تعالى واسع عليم محيط بكل شيء ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ إلى أي جهة ﴿فثم﴾ , أي: فهناك, أي إلى الجهة التي اتجهتم إليها وجه الله, وما مقصود المصلي باتجاه القبلة إلا أن يكون الله قبل وجهه كما جاء في الحديث الصحيح.
هنا إشكال: وهي كلمة (ثم) ظرف مكان, فهل الله في المكان الذي اتجهت إليه؟
الجواب: لا, ولا يمكن ذلك فهو في السماء على عرشه, لكنه في الجهة التي اتجهت إليها, وإن كان فوق والمواجهة لا تنافي العلو, أرأيت لو وقفت عند غروب الشمس فانظر إلى الشمس أين تكون؟ قبل وجهك وهي في السماء وهي مخلوقة, فكيف بالخالق .
ومن فوائد الحديث: من هذه الآية إثبات وجه الله ﵎ لقوله: ﴿فثم وجه الله﴾ وهل هو وجه حقيق؟ الجواب: نعم, هو وجه حقيقي, فلله تعالى وجه لكنه لا يماثله شيء؛ لقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١]. والجواب: علينا في أمور الغيب أن نؤمن بها دون أن نسأل عن كيفيتها؛ لأن أمور الغيب أعمق من أن تحيط بها عقولنا, فلا نسأل ولا نتصور إلا ما جاء به النص فقط, فنثبت أن الله وجهًا ولكننا لا نسأل عن كيفية وجهه ولا نقر كيفيته في أذهاننا, وهذه قاعدة في جميع أمور الغيب, أريحوا أنفسكم لا تتكلفوا السؤال, لو كان السؤال عن مثل هذه الأمور خيرًا لكان أول من يفعله الصحابة ﵃, ولو كان بيان كيفية هذه الأمور خيرًا لبينه الله كما قال تعالى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء﴾ [النحل: ٨٩]. فأرح نفسك, ولا تتعدى ما جاء في الكتاب والسنة من أمور الغيب المتعلقة بالله , أو المتعلقة باليوم الآخر, أو المتعلقة بأحوال البرزخ, أو غير ذلك, كل الأمور الغيبية؛ لأنها فوق مستوى العقول.
أسئلة:
- سبق لنا أن استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة, فما دليلك؟
-
стр. 465
استقبال القبلة يسقط في مواضع, ما هي؟
- لو اجتهد الإنسان في تحري القبلة ولم يصب فهل تصح صلاته, وما الدليل؟
- ما هو الواجب استقباله فيما إذا كان الإنسان قريبًا من الكعبة أو بعيدًا؟
٢٠٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بين المشرق والمغرب قبلة». رواه الترمذي, وقواه البخاري.
«ما بين» (ما) اسم موصول مبتدأ, و (بين) جملة صلة الموصول, و (قبلة) خبر المبتدأ يعني: قبلة للمصلي, والخطاب هنا لمن كان قبلتهم الجنوب أو الشمال.
مثال الأول: أهل المدينة وأهل الشام هؤلاء قبلتهم الجنوب. ومثال الثاني: أهل اليمن فهؤلاء قبلتهم الشمال, فـ «ما بين المشرق والمغرب قبلة» لكل من كانت قبلته بين المشرق والمغرب سواء من جهة الشمال أو من جهة الجنوب, وهذا يدل على ما سبق فيمن بعد عن الكعبة ففرضه استقبال الجهة.
فيستفاد من الحديث فوائد, منها: تيسير هذه الشريعة؛ حيث امتدت جهة القبلة عند البعد عن معاينة الكعبة.
ومنها: أنه لا يضر الانحراف عن مسامته القبلة ما دام في الجهة, الدليل قوله: «ما بين المشرق والمغرب» , فإن ما بين المشرق والمغرب بالنسبة لمن قبلتهم الجنوب بعيد جدًا, ومع ذلك جعله النبي ﷺ قبلة.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يلزم الإنسان أن يتكلف بطلب مسامته القبلة, حتى إن بعض الناس ربما يهدم مسجدًا قائمًا عامرًا مع انحراف يسير يعفى عنه, فإن هذا لا يجوز, إذا أوسع الله علينا فعلينا أن نوسع.
ومن فوائد هذا الحديث: أن خطابات الشرع قد تكون عامة, وقد تكون خاصة, ويعين ذلك الحال والقرائن, فنحن نعلم مثلًا أن هذا الخطاب لا يصلح إلا لمن؟ لأهل المدينة ومن كان مثلهم ممن قبلته الجنوب, وبالعكس لأهل اليمن ومن كان مثلهم ممن قبلته الشمال فمن قبلته الشرق أو الغرب ماذا نقول له؟ نقول: ما بين الشمال والجنوب قبلة فالمساحة بعيدة والحمد لله.
стр. 466
حكم صلاة المسافر على الراحلة:
٢٠٤ - وعن عامر بن ربيعة ﵁ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يصلي راحلته حيث توجهت به». متفق عليه. زاد البخاري: «يومئ برأسه, ولم يكن يصنعه في المكتوبة».
يقول عامر: «رأيت رسول الله ﷺ .... إلخ». والرؤية هنا رؤية عين, وليست رؤية قلب, وقوله: «يصلي على راحلته»؛ أيك مركوبه, يحتمل أن يكون على حمار, وأن يكون على بعير, «حيث توجهت» (حيث) ظرف زمان لكنها هنا للمكان, «حيث توجهت» يعني: إلى أي مكان توجهت.
وزاد البخاري: «يومئ برأسه» يعني: عند الركوع والسجود, ولم يبين كيف الإيمان, ولكن الأحاديث الأخرى بينت أنه يجعل السجود أكثر من الركوع؛ لأن هذا هو الواقع أن السجود يقع الإنسان على الأرض, والركوع يكون على ركبتيه, «ولم يكن يصنعه» أي: يصلي على الراحلة, «في المكتوبة» أي: في الفريضة.
ففي هذا الحديث: دليل على أن فعل النبي ﷺ حجة؛ لأن عامر بن ربيعة إنما ذكره للاستدلال به.
ومن فوائده: أن فعل الرسول ﷺ مخصص للدليل القولي, أين الدليل القولي؟ ﴿ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٤٩]. وهذا الدليل فعلي؛ إذن نأخذ قاعدة أصولية فقهية: أن الدليل الفعلي مخصص للدليل القولي.
ومن فوائدها هذا الحديث: جواز الصلاة على الراحلة؛ لأن النبي ﷺ لا يمكن أن يفعل شيئًا محرمًا لأنه مشرع؛ ولأنه ﷺ أقوى الناس ورعًا فلا يمكن أن يفعل شيئًا محرمًا, إذن فيستفاد منه: جواز الصلاة على الراحلة.
ومن فوائد هذا الحديث: طهارة الحمار, والبغل, والفرس, والبعير, وهذه قد ينازع فيها من ينازع, إلا لو صرح عامر بأنه على حمار, لكن قد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يركب الحمار كما في حديث معاذ, قال: كنت رديف النبي ﷺ على حمار فقال: «ما تدري ما حق الله على العباد, وما حق العباد على الله».
وهذا يدل على طهارة الحمار, لأن الحمار لا يخلو من عرق, لا سيما في أيام الصيف, وفي المسافات الطويلة, وفي عجلة السير, فإنه لابد أن يعرق ولابد أن يصيب العرق الراكب, وفي
стр. 467
ذلك أيضًا قد يكون هناك أمطار توجب بلل الحمار, وبلل ثياب الراكب, وهذا القول - أعني: القول بطهارة الحمار - هو الراجح, ويؤيده أن النبي ﷺ قال في الهرة: «إنها ليست بنجس» , وعلل هذا بأنها من الطوافين عليكم. الله له الحكم؛ فقد يحكم بطهارة الشيء مع كونه خبيثًا لا يؤكل من أجل التخفيف على العباد, ولا شك أن طواف الحمار والبغل عند راكبيه أكثر من طواف الهرة, والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا, وهذا القول هو الراجح: طهارة البغل والحمار, البعير متفق عليه أنها طهارة لأنها حلال, ولو كانت نجسة ما حل أكلها.
ومن فوائد هذا الحديث: أن المسافر يصلي على راحلته حيث توجهت به, إلى الجهة التي توجهت به يتوجه إليها.
فإن قال قائل: لو صلى إلى غير الجهة فهل تصح صلاته؟
في ذلك تفصيل: إن كان إلى القبلة صحت لأنها هي الأصل, وإن كان إلى غير القبلة لم تصح؛ لأنه لم يتجه إلى قبلة أصلًا ولا فرعًا. مثال ذلك: رجل يسير باتجاه الشمال, فرأى على يمينه شجرة, أو متاعًا أو ما أشبه ذلك, فعطف بالراحلة إليه لا لأنه جهة سيرة لكن لينظر ما هذا؛ فنقول: إن الصلاة لا تصح تبطل إلا إذا كان الاتجاه إلى القبلة فيصح؛ لأن القبلة هي الأصل فقد عدل عن الفرع إلى الأصل ولا يضر.
ولو أن البعير أو الراحلة على الأعم عصفت به فاتجه إلى غير القبلة وهو يحاول أن يردها لكنها أبت عليه هل تصح صلاته؟ نعم؛ لأن هذا أمر معتاد أن الراحلة قد تعصف بالراكب وتوجهه إلى غير جهته فلا يضر لاسيما إذا كان ذلك يسيرًا.
ومن فوائد هذا الحديث: أن فرض الراكب في الركوع والسجود هو الإيماء؛ لأنه لا يستطيع أن يصلي يركع ولا يسجد, لاسيما فيما سبق من الرواحل, إما حمار, أو بعير, أو فرس, أو بغل, ولا يتمكن, فهل نجعل هذا الحكم حتى مع القدرة على الركوع والسجود, أو نقول: حال العجز؟ الظاهر الثاني, أنه حال العجز, وأنه إذا أمكن أن يركع ويسجد وجب عليه أن يركع ويسجد كما لو كان في سفينة, مع أنه في السفينة قد نقول: لابد من استقبال القبلة؛ لأن المكان واسع ويمكن أن يتوجه يمينًا وشمالًا وحيث شاء.
ومن فوائد هذا الحديث: التيسير على المكلف في فضائل الأعمال؛ لأنه لا شك أن هذا من التيسير, إذا كان الإنسان يريد أن يتنفل ويتطوع لا نلزمه أن ينزل ويتطوع على الأرض, بل نقول: تطوع على راحلتك وهي تسير بك.
стр. 468
ومن فوائد هذا الحديث: أن هذا لا يجوز في المكتوبة لقول عامر: «ولم يكن يصنعه في المكتوبة» , وعلى هذا فإذا كان لا يصنعه في المكتوبة بقي الاستقبال في المكتوبة على الأصل أنه لابد أن يتجه إلى القبلة, لكن سبق لنا أن استقبال القبلة يسقط عند العجز وعند الخوف فلينقل إلى هنا.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الأصل تساوي الفرض والنفل, ووجهه: أنه لولا ذلك لم يكن للاستثناء ضرورة؛ لأنه يقال: إنما ورد التخصيص في النافلة فتبقى الفريضة على الأصل فيأتي إنسان ويقول: نعم يبقى الأصل لكن يمكن أن نقيس ونقول: إن الفريضة كالنافلة؛ لأن ما يثبت في النفل ثبت في الفرض, فلما نفى الصحابي ﵁ أنه لا يصلي عليها المكتوبة علمنا أن الأصل تساوي الفرض والنفل إلا بدليل.
إذن نقول في هذه المسألة: تختلف الفريضة عن النافلة, فإذا قال قائل: ما الحكمة؟ قلنا: الحكمة في هذا تنشيط الإنسان على التطوع؛ لأننا لو قلنا له: لابد أن تنزل وتصلي في الأرض لم يفعل, قال: هذه نافلة ولا حاجة للصلاة, فمن أجل تنشيط الإنسان على التطوع رخص له أن يتطوع على راحلته, هناك فروق بين الفرض والنفل أمليناها عليكم سابقًا أظنها تبلغ العشرين أو تزيد. قال:
٢٠٥ - ولأبي داود: من حديث أنس ﵁: «وكان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة, فكبر ثم صلى حيث كان وجه ركابه». وإسناده حسن.
قوله: «كان إذا سافر» كلمة «سافر» أي: فارق محل إقامته؛ لأنه مأخوذ من إسفار, كأنه تخلى عن القيد, وهو الإقامة في محله, فالسفر مفارقة محل الإقامة, ولم يرد عن النبي ﷺ في حديث صحيح ولا ضعيف أنه محدد بأميال, أو فراسخ, أو برود, وإنما جاء مطلقًا, والأصل فيما جاء مطلقًا أن يرجع فيه إلى الشرع, فإن وجد له مقيد عمل به, وإن لم يوجد رد إلى العرف, هذه القاعدة, وإذا تأملنا الكتاب العزيز وجدنا أن الله تعالى يقول: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ [النساء: ١٠١]. وقال - جل وعلا -: ﴿وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله﴾ [المزمل: ٢٠]. والذي يضرب في الأرض ابتغاء الرزق والتجارة قد يبعد سفره وقد يقترب, المهم أنه لا تحديد في الكتاب ولا في السنة, وإنما هي قضايا أعيان. «كان إذا سافر ... كذا وكذا صلى ركعتين» , وهذا ليس قيدًا, لكن بيان للواقع؛ أي: قضية عين.
стр. 469
ولهذا أنكر شيخ الإسلام ﵀ على الفقهاء الذين يحددون بالمسافة, وقال: أين الذين يقدرون هذه المسافة التي تقدر بالأميال والفراسخ, ثم الأذرع, ثم الأصابع, ثم الشعير, ثم الشعرة, فمن يقدرها؟ أين المساحون الذين يصلون إلى هذه الدقة, ثم كيف يمكن أن نقول: رجلان بينهما كشعرة البرذون: الذي وراءها يكون مسافرًا, والثاني مقيم؛ يعني: لو اضطجع على الحد صار رجلاه مقيمة ورأسه مسافر, فأين هذا الدليل؟ وما ذهب إليه ﵀ لا شك أنه هو المتعين, ليس عندنا دليل على التقدير, والتقدير يحتاج إلى توقيف من الشرع, يعني: لو جاء من الشرع أربعة فراسخ, أو أربعة برد, أو ما أشبه ذلك, قلنا: لا بأس, على العين والرأس, ولكننا نقارب, نقول: هذه المسافة ذراعين, أو ما أشبه ذلك لا يضر؛ لأننا نعلم يقينًا أن الشرع لا يمكن أن يقدر إلى هذا الحد, إنما الذي يعكر على القول بهذا هو عدم الانضباط؛ لأنه قد يقول بعض الناس: هذا سفر, وبعضهم يقول: ليس بسفر, لكنه ﵀ قال: المسافة الطويلة في الزمن القصير سفر, والزمن الطويل في المسافة القصيرة سفر, والضابط: أن كل ما يتهيأ له الإنسان ويستعد له فهو سفر, فبقطع النظر عن المقومات الموجودة في العهد الحاضر؛ لأن الآن أي إنسان يسافر لو أبعد ما يكون فإنه لا يحتاج إلى حمل متاع ولا إلى قرب الماء ولا غيره, ولكن في التقدير أنت لو ذهبت مثلًا عن بلدك مسافة فرسخ لكنك رجعت في يومك هل تستعد لهذا؟ لا, لكن لو بقيت يومين أو ثلاثة استعددت له؛ ولهذا قال أنس: «كان النبي ﷺ إذا خرج ثلاثة أميال أو فراسخ صلى ركعتين». ولنجعلها فراسخ لأنها أبعد, وإذن «إذا سافر» بماذا نحدده؟ نحدده بالعرف, لماذا؟ لأن كل ما جاء مطلقًا ولم يحدد بالشرع فإنه يرجع فيه إلى العرف. هذه القاعدة, هذه واحدة.
ثانيًا: أن التقدير يحتاج إلى توقيف من الشرع يحدده فإذا لم يوجد بقي على إطلاقه.
ثالثًا: أن التقدير الدقيق الذي قاله الفقهاء ﵏ يجزم الإنسان جزمًا لا شك فيه أن هذا لم يرد عن النبي ﷺ .
يقول: «فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة» , «فأراد أن يتطوع»؛ أي: يصلي نافلة.
فإن قال قائل: أليست الفريضة تطوعًا؟
فالجواب: بلى, لكن لا مانع أن نخص العام بشيء من أنواعه, ومن المعلوم أن الفريضة هي أعلى أنواع الطاعة كما قال الله تعالى في الحديث القدسي: «وما تقرب إلي عبدي بشيء
стр. 470
أحب إلي مما افترضته عليه». «استقبل بناقته القبلة»؛ أي: صرفها إلى القبلة, «فكبر» أي: تكبيرة الإحرام. «ثم صلى حيث كان وجه ركابه»؛ يعني: بقية الصلاة تكون حيث كان وجه ركابه.
في هذا الحديث زيادة على ما سبق من حديث عامر؛ لأن ظاهر حديث عامر أن النبي ﷺ يصلي الصلاة من أولها إلى آخرها حيث توجهت به ناقته, وهذا يدل على أنه يبتدئ الصلاة أولًا مستقبل القبلة, ثم يصرفها, ولا شك أن هذا فيه نوع من المشقة, لاسيما إذا كانت الراحلة ليست حينذاك كونها ذلولًا, إن هذا قد يصعب, فهل نأخذ بظاهر حديث عامر لأنه أصح وأيسر للأمة, والمسألة كلها مبنية على التيسير هذا هو الأرجح, ونقول: إن صح ما رواه أبو داود عن أنس فإنه على سبيل الاستحباب مع التيسير, يعني بشرط أن يتيسر, فإذا لم يتيسر عادت الرخصة صعوبة, وقد أخذ بهذا الفقهاء ﵏, وقالوا: يجب أن يكون افتتاح الصلاة إلى القبلة استدلالًا بحديث أنس, والصواب أنه لا يجب, وأنه إن تيسر لإنسان فليستقبل القبلة عند التكبير, وإلا فلا؛ لأنه من الناحية النظرية أي فرق بين الركن الأول والركن الذي يليه؟ لا فرق, صحيح أن تكبيرة الإحرام لا تعقد الصلاة إلا بها, وأنها مفتاح الصلاة, ولكن هذا لا يوجب أن نلزم الناس أن يتوجهوا إلى القبلة عند التطوع. انتهى الكلام على الشرط الثالث «استقبال القبلة».
أسئلة:
- كم صلى النبي ﷺ إلى بيت المقدس؟
- هل كان استقبال القبلة برغبة من رسول الله ﷺ , وما الدليل؟
- في الآية: ﴿قد نرى تقلب وجهك ... ﴾ ما يدل على الأدب الرفيع من رسول الله ﷺ , كيف ذاك؟
- يسقط وجوب استقبال القبلة في مواضع, ما هي؟
- ما الذي يفيده استثناء الصحابي ﵁ أنه كان لا يصنعه في الفريضة؟
- لو صلى المسافر النافلة إلى جهة غير سيرة تصح الصلاة أو لا؟
- هل يشترط أن يكون السفر سفر طاعة؟
***
стр. 471
شرط طهارة المكان وضوابطه:
٢٠٦ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام». رواه الترمذي, وله علة.
قوله ﷺ : «الأرض كلها مسجد» العموم في هذه الجملة ظاهر كلها مسجد, ويشبه هذا العموم قوله ﷺ في حديث جابر: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا». إذن الأرض كلها محل للصلاة لهذا العموم, وقوله: «مسجدًا» أي: مكان للسجود, والمراد: السجود للصلاة, ولكنه عبر ببعضها عن كلها. «إلا المقبرة, والحمام» المقبرة: موضع القبور, والحمام موضع المغتسلات, يعني: مغتسل؛ أما المقبرة فلأنها محل القبور, والقبور فيهم الصالحون والأولياء, فإذا صلى الإنسان في المقبرة فربما تكون هذه الصلاة ذريعة إلى الصلاة على القبور, وليست العلة كما يقول بعضهم: إن المقابر تنبش فيخرج فيها الصديد, والعظام, وقطع الجلود, وما أشبه ذلك, العلة أن الصلاة في المقبرة ذريعة إلى الشرك, إلى الشرك الأكبر أو الأصغر, أما الحمام: فالحمام ما كان موضع الأذى والقذر, فعلة منع الصلاة فيه النجاسة, وما كان طاهرًا منه فعلة منع الصلاة فيه أنه مأوى الشياطين؛ لأن الناس يدخلون الحمامة عراة ويغتسلون فيه, فناسب ألا يصلوا فيه.
في هذا الحديث من الفوائد: أن الأرض كلها مسجد, كلها محل للصلاة, ولم يستثن النبي ﷺ في هذا الحديث إلا شيئين: المقبرة والحمام, فعلى هذا تصح الصلاة على السطوح وعلى الفرش, وعلى الصخر, وعلى الرمل, وعلى كل شيء, الأرض كلها مسجد, وكذلك تصح الصلاة في الكعبة, لأن الكعبة من الأرض بلا شك, فهي مسجد موضع للصلاة: صلاة الفريضة وصلاة النافلة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن المقبرة ليست محلًا للصلاة, فإذا صلى فيها فهل تصح؟ الجواب: لا تصح؛ لأن النهي يقتضي الفساد, ونفي كونها موضعًا للصلاة يستلزم ألا تصح الصلاة فيها.
ومنها: سد النبي ﷺ ذرائع الشرك ولو عند بعد؛ لأن الإنسان قد يصلي في المقبرة والقبور خلف ظهره وهو بعيد عنها, واحتمال الشرك من هذا المصلي بعيد, ولكن سدًا للذريعة - ولو
стр. 472
بعدت - إلى الشرك, أمر واجب, ولهذا ينهى عن أن يقال: ما شاء الله وشئت, وأن يحلف بغير الله, وما أشبه ذلك, كل ذلك حماية لجانب التوحيد.
ومن فوائد الحديث: أن كل ما دخل في اسم المقبرة ولو خارج القبور فإنه ليس محلًا للصلاة, حتى ولو كانت القبور خلف المصلى, فإنه لا يحل له أن يصلي في المقبرة.
ومنها: أن ظاهر الحديث لا فرق بين أن يكون في هذا المكان ثلاثة قبور, أو قبران, أو قبر واحد ما دام يطلق عليه اسم المقبرة؛ فإن الصلاة فيه ممنوعة, وأما من قال: إنه لا يضر القبر والقبران؛ لأن المقبرة لا تكون مقبرة إلا إذا دفن فيها ثلاثة فأكثر؛ فهذا قول ضعيف, والصواب: أنه ما دام هذا المكان يسمى مقبرة فإنه لا تصح الصلاة فيه.
فإن قال قائل: أرأيتم إن كان هذا المكان معدًا للمقبرة, ويقال: إنه مقبرة لكن لم يدفن فيه أحد؟
فالجواب: أن الصلاة فيه جائزة؛ لأنه لا يصدق عليه الآن أنه مقبرة.
ومن فوائد هذا الحديث: منع الصلاة في الحمام لقوله: «والحمام» , الكنيف والمرحاض من باب أولى؛ لأنه أخبث, حتى لو قدر أن المرحاض كبير وجانب منه طاهر لا يصل إليه البول أو الغائط, فإن الصلاة فيه لا تصح؛ لأنه إذا لم تصح الصلاة في الحمام ففي هذا المكان من باب أولى ألا تصح ... [معنا] الآن ثلاثة أمكنة: المقبرة, الثاني: الحمام, الثالث: المرحاض.
الأماكن التي ينهى عن الصلاة فيها:
٢٠٧ - وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ : «نهى أن يصلى في سبع مواطن: المزبلة, والمجزرة, والمقبرة, وقارعة الطريق, والحمام, ومعاطن الإبل, وفوق ظهر بيت الله تعالى». رواه الترمذي وضعفه.
وهو جدير بالتضعيف, لكن ابن حجر ﵀ يذكر الأحاديث الضعيفة في هذا الكتاب؛ لأنها مشهورة بين الفقهاء, فيحب أن يبين مرتبتها من حيث الصحة والحسن والضعف. يقول: «نهى أن يصلى في سبع مواطن» , وهي جمع موطن, والمراد به هنا: المكان, وإن لم يستوطنه الإنسان. «المزبلة» يعني: ملقى الزبالة, وهي الكناسة؛ لأنها لا تخلو غالبًا من أشياء قذرة, وقد تكون من أشياء ظاهرة, لكن لا يليق أن تقف بين يدي الله في هذا المكان؛ لأنه إذا كان نهي أن يتنخم
стр. 473
الرجل في المسجد لأنه مكان الصلاة, فالمزبلة من باب أولى أن ينفر الإنسان منها, ورأى النبي ﷺ نخامة في المسجد في قبلته فعزل الإمام؛ لأن هذا غير لائق.
الثاني: «المجزرة»: محل الجزارة؛ أي: محل ذبح البهائم لا تصح الصلاة فيها؛ لأنها لا تخلو غالبًا من أنتان وأقذار ودماء.
والثالثة: «المقبرة» وسبق الكلام عليها.
والرابعة: «قارعة الطريق» ليست الطريق, وإنما قارعة الطريق؛ أي: الطريق المقروعة, فقارعة هنا اسم فاعل بمعنى مفعول كقوله تعالى: ﴿في عيشة راضية﴾ [الحاقة: ٢١]. أي: مرضية, المعنى: قارعة الطريق من باب إضافة الصفة إلى موصوفها والمراد: الطريق المقروعة أي: التي تقرعها الأقدام, فأما الطريق المهجورة فلا تدخل في الحديث, وكذلك لو كان الطريق واسعًا وجوانبه لا تطرق فإنه لا يدخل في الحديث, وإنما نهى عن ذلك؛ لأن قارعة الطريق إذا صلى الإنسان فيها فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يشغله الناس عن صلاته؛ لأن الناس يستطرقونه, وإما أن يضيق على الناس طريقهم, والطريق حق للسالك, وهذا سيصلي في قارعة الطريق فيضيق على الناس أو يحصل له تشويش بمنعه من كمال الصلاة.
والخامس: «الحمام» وسبق الكلام عليه.
والسادس: «معاطن الإبل» معاطن الإبل فسرها أصحابنا ﵏ بأنها ما تقيم فيه وتأوي إليه, يعني: الحوش الذي تأتي الإبل إليه وتنام فيه, وتخرج وتسرح ثم ترجع إليه, هذا معطن الإبل, وليس مبرك الإبل, «المعطن» هو الذي تتخذ عطنًا؛ أي: محل إقامة, وزاد بعض أهل العلم: وما تقف فيه بعد الشرب؛ لأن الإبل من عادتها إذا شربت فإنها تتقدم قليلًا عن الحوض ثم تقف وتبول وتبعر هذه عادتها, فيكون هذا من معاطن الإبل, وهو في اللغة: معطن لا شك, حتى في العرف الآن يقال: العطن يعني: المعطن, فهو إذن يدخل في ذلك؛ إذن على هذا القول يكون معاطن الإبل شيئين: الأول: ما تقيم فيه وتأوي إليه. والثاني: ما تعطن فيه بعد الشراب.
وإن لم تبت فيه فإنه ينهى عن الصلاة فيه, لماذا؟ إذا كانت الإبل موجودة فإننا نقول في التعليل كما قلنا في قارعة الطريق؛ لأنها تشوش عليك وهو على خطر منها وإن كانت غير موجودة فلأن هذا مأوى الشياطين؛ لأن الإبل خلقت من الشياطين, وعلى ذروة كل واحد
стр. 474
منها شيطان كما جاء ذلك في أحاديث, وإن كانت ضعيفة لكن تعليلها وجيه, وخلقت من الشياطين, أي: أن من طبيعتها الشيطنة والتمرد, وليس المعنى: أن الشياطين هم أصلها, وهو كقوله تعالى: ﴿خلق الإنسان من عجل﴾ [الأنبياء: ٣٧]. أي: أن طبيعته العجلة, هذه أيضًا طبيعتها الشيطنة, فلا يجوز أن يصلي في معاطن الإبل.
السابع: «فوق ظهر بيت الله» , ولم يقل: في بطن بيت الله, قال: «فوق ظهر بيت الله»؛ وذلك لأن الكعبة المعظمة - زادها الله شرفًا وتعظيمًا - ليس لها جدار في سقفها فيما سبق, وإذا صلى لم يكن بين يديه شاخص منها؛ أي: ليس هناك شيء قائم حتى يتجه إليه, فلا يكون موليًا وجهه شطر المسجد الحرام؛ لأن المسجد الحرام منفصل عن الجهة التي هو فيها, أي: أعلاها وسطحها؛ هذه هي العلة, أما داخل البيت فلا نهي فيه, لا في الفريضة ولا في النافلة, وقد ثبت أن النبي ﷺ صلى في جوف الكعبة, وما ثبت في النفل ثبت في الفرض على أن القول بأن النهي يشمل ما في بطن الكعبة, والحديث «فوق ظهر بيت الله» قول بلا دليل.
على كل حال: هذا الحديث سندًا ضعيف لا يصح, لكن متنًا ينظر إذا كان للأحكام التي في هذا المتن شواهد من الأحاديث الصحيحة أخذنا بها؛ لأن الأحاديث تشهد لها:
فلننظر أولًا: «المزبلة» ليس في الأحاديث - فيما أعلم - ما يدل على منع الصلاة فيها, لكن التعليل الذي ذكرنا يؤخذ منه منع الصلاة فيها, وهي أنها لا تليق بالمصلي الذي يقف بين يدي الله أن يقف في المزبلة.
الثانية: «المجزرة» نفس الشيء غالبًا تكون منتنة فيها الدماء وفيها الأوساخ وفيها الأقذار, فلا تليق الصلاة فيها, بناء على هذا إذا كانت المزبلة واسعة وجوانبها كلها نظيفة هل يصلي فيها أو لا؟ يصلى فيها, وكذلك يقال في المجزرة فيها غرف أو حجرات نظيفة ليس فيها شيء لكنها داخل المجزرة, فإن الصلاة فيها صحيحة.
الثالثة: «المقبرة» عرفنا أنه لا تجوز الصلاة فيها مطلقًا حتى في جوانبها البعيدة عن القبور ما دام داخلًا في اسم المقبرة فإنه يمنع من الصلاة فيها؛ لماذا؟ سدًا لذريعة الشرك.
«قارعة الطريق» إن كانت الطريق نجسة فالأمر فيها ظاهر, إن كانت طاهرة كطرقنا اليوم طرق سيارات ليس فيها شيء نجس, لكن نقول: التعليل يؤيد هذا؛ لأن قارعة الطريق إن منع
стр. 475
الناس المرور فيها فقد اعتدي عليهم والعدوان محرم, وإن لم يمنع شوشوا عليه كثيرًا ولم يدرك أن يصلي الصلاة المطلوبة.
«الحمام» سبق الكلام فيه.
«معاطن الإبل» أيضًا التعليل فيها إن كانت الإبل موجودة فيخشى عليه منها ولم يستقر له قرار وهي تحوم حوله, وإن كانت غير موجودة فلأن معاطنها مأوى الشياطين.
والسابع: «فوق ظهر بيت الله» وعرفتم السبب, وهو أنه إنما لا تصح؛ لأنه ليس في سطحها شيء شاخص يصلي إليه؛ ولهذا لما هدم عبد الله بن الزبير ﵄ الكعبة ليبنيها على قواعد إبراهيم أمر أن يبنى خشب يتجه الناس إليه في صلاتهم ويطوفون به في نسكهم.
إذا قال قائل: إن النبي ﷺ نهى عن الصلاة في هذا, لكن لو صلى أتصح صلاته؟
يجب أن نعلم قاعدة: أن النبي ﷺ إذا نهى عن شيء لزمانه أو مكانه فإنه لا يصح؛ لأن تصحيحه مضادة لأمر الله ورسوله, فمثلًا لو صام في العيد, النبي ﷺ نهى عن صوم العيدين, لكن لو صام يصح أو لا يصح؟ لا يصح؛ لأننا لو صححناه لكان في هذا مضادة لله ورسوله, كذلك ما نهى عن إقامة العبادة فيه من الأمكنة فإنه نظير ما ينهى عنه من الأزمنة فإذا لم نصحح العبادة التي وقعت في زمن منهي عنها فيه, فكذلك إذا وقعت العبادة في مكان منهي عن إيقاعها فيه فلا تصح.
لو قال قائل: أرأيتم لو حبس في هذا أتصح صلاته؟ نعم, تصح لعموم قول الله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]. لكن لو قال قائل: مروه أن يصلي ويقضي؟ قلنا: لا يمكن, هذا باطل؛ لأن الله لم يفرض الصلاة إلا مرة واحدة, وكل من قال من الفقهاء في هذا الباب أو في باب الحيض في مسألة الدم المشكوك فيه أنه يلزم فعل العبادة ثم قضاؤها فهو قول لا معول عليه, ولا صحة له, وكيف نقول: افعل العبادة, ثم نقول: اقضها؛ لأننا إذا قلنا: اقضها صارت العبادة الأولى باطلة, والباطل لا يجوز أن يؤمر به, وإن قلنا: إن العبادة الأولى مأمور بها وصحيحة, قلنا: إذن لا نلزمه بأن يقضيها, فالصواب: أن كل من أمرناه بفعل عبادة ثم فعلها فإنه لا يؤمر بقضائها على أي حال.
قوله: «ظهر بيت الله» البيت بناء معروف أضافه الله إلى نفسه, ومن المعلوم بالاتفاق أنه ليس المعنى: أن الله - جل وعلا - يسكنه حاشا وكلا؛ لأن الله تعالى فوق العرش, لكن لماذا أضافه الله إلى نفسه؟ تكريمًا وتعظيمًا؛ تكريمًا لهذا البيت وتعظيمًا له, واعلم أن المضاف إلى
стр. 476
الله إما أن يكون وصفًا, أو عينًا قائمة بنفسها, أو شيئًا يتعلق بهذه العين, فإن كان وصفًا فهو صفة لله وهو غير مخلوق, ككلام الله مثلًا كلام الله مضاف إلى الله , قال الله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة: ٦]. إذن كلام الله صفة, ولابد لأن الكلام وصف ولم يذكر شيء قائم بهذا الوصف, فيكون صفة لله غير مخلوق, وإذا أضاف الله عينًا قائمة بنفسها إليه فإنه ليس من صفات الله بل من مخلوقات الله, لكن أضافه الله لنفسه تعظيمًا وتكريمًا وتشريفًا مثل قوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه﴾ [البقرة: ١١٤]. المساجد عين قائمة بنفسها أضافها الله إلى نفسه تشريفًا وتعظيمًا, ولذلك اكتسبت من هذه الإضافة أنه يجب أن تطهر من القذر ولا يحل فيها شيء من أمور الدنيا كالبيع والشراء وما أشبه ذلك, ومثل قوله تعالى: ﴿طهرًا بيتي للطائفين﴾ [البقرة: ١٢٥]. هذا مثل مساجد الله فيكون مخلوقًا ومثل قول صالح: ﴿ناقة الله وسقياها﴾ [الشمس: ١٣]. ناقة الله عين قائمة بنفسها فتكون مخلوقة, كذلك إذا كان الشيء متعلقًا بعين قائمة بنفسها؛ يعني متعلقًا بمخلوق فإنه يكون مخلوقًا مثل قوله تعالى في آدم: ﴿فإذا سويته ونفخت فيه من روحي﴾ [الحجر: ٢٩]. والمراد: الروح المخلوقة أو الروح التي فيها وصف الله؟ المخلوقة, ولم يحضرنا إلى الآن أن لله روحًا, لكن وصف الله نفسه بالنفس فقال: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ [آل عمران: ٢٨]. وهي أيضًا ليست صفة, بل هي عين الله , فيحذركم الله نفسه مثل ويحذركم الله ذاته؛ إذن فقوله تعالى: ﴿فإذا سويته ونفخت فيه من روحي﴾ الروح المضافة إلى الله هنا مخلوقة؛ لأنها متعلقة بمخلوق, ومثله قوله تعالى: ﴿والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا﴾ [الأنبياء: ٩١]. المراد: الروح المخلوقة؛ لأن عيسى مخلوق, والروح التي نفخ فيه مخلوقة, هذا إذا لم نقل: إن المراد بالروح هنا: جبريل؛ فإننا نقول: هي روح عيسى وهي مخلوقة هنا. «وفوق ظهر بيت الله» من أي الأقسام الثلاثة؟ من الثاني الذي هو عين قائمة بنفسها.
أسئلة:
- لماذا يذكر المؤلف الأحاديث الضعيفة؟
- هل الضعف ممن دون الصحابي أو من الصحابي؟
٢٠٨ - وعن أبي مرثدٍ الغنوي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تصلوا إلى القبور, ولا تجلسوا عليها». رواه مسلم.
قوله ﷺ : «لا تصلوا إلى القبور» لا يخفى أن (لا) ناهية, علامة النهي: أنه حذفت النون. «إلى
стр. 477
القبور» أي: متجهين إليها, والمراد: الجنس, فيشمل القبر الواحد كما في قوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾ [البقرة: ١٨٧]. ومعلوم أن الإنسان لا يعتكف إلا في مسجد واحد, والقبور مدفن الموتى, هذه القبور مدافن الأموات قال الشاعر: [الطويل]
لكل أناسٍ مدفن في فنائهم ... فهم ينقصون والقبور تزيد
ولولا أن الله تعالى ينشئ أقوامًا آخرين لفنيت الخليفة, وقوله: «ولا تجلسوا عليها» الجلوس معروف, أي: تقعدوا عليها, أي: على القبر.
والشاهد من هذا الحديث قوله: «لا تصلوا إلى القبور» فيفيد النهي عن الصلاة للقبر؛ بحيث يكون القبر بين يدي المصلي, حتى وإن لم يكن في مقبرة؛ لأنه سبق لنا أن المقبرة لا يصلى فيها, ولو كانت القبور في الخلف لكن هذا صلاة إلى القبر لنفرض أن قبرًا في الفضاء جاء رجل يصلي إليه, نقول: هذا حرام لا تصلي إلى القبر, والحكمة من النهي: لأن ذلك وسيلة إلى الإشراك به, فإن الإنسان قد يصلي أولًا لله عند هذا القبر, ثم يقع في نفسه تعظيم صاحب القبر فيصلي لصاحب القبر؛ فيكون هذا وسيلة للشرك الأكبر, والشرع له نظر وقصد في سد ذرائع الشرك بأي حال من الأحوال, وكلما كانت النفوس في الشيء أطمع كانت وسائله أمنع؛ لأن النفس تدعو إليه فإذا لم يوجد ما يحرم منه ويبعد عنه فإن النفس قد تقع فيه كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه, فإذا قال قائل: ما حد هذا؟ قلنا: ما جرى به العرف, أو في مقدار ثلاثة أذرع ونحوه, أما لو كان بعيدًا فإن هذا لا بأس به.
فمن فوائد الحديث الآن: تحريم الصلاة إلى القبر.
ومن فوائده: أنها - أي: الصلاة في القبر - باطلة, وإن كان مكان الصلاة طاهرًا فإنه مكان منهي عنه بخصوصه فيقتضي بطلان الصلاة, وعلى هذا فيضاف إلى ما سبق من كونه مكانًا لا تصح فيه الصلاة.
ومن فوائده: أننا نعرف به ضلال أولئك القوم - في المسجد النبوي - الذين يتقصدون أن يدعوا الصف الأول ليكونوا خلف الحجرة النبوية, وهم يقصدون أن يكون القبر أمامهم مع أن القبر بعيد عنهم بواسطة ما أحيط به من الجدران, لكن هم يريدون هذا, ومن أراد الشيء وإن لم يصل إليه فإنه يعاقب فهؤلاء ضلال في الواقع, أن يذهبوا قصدًا للصلاة خلف قبر النبي ﷺ .
ومن فوائد هذا الحديث: سد جميع ذرائع الشرك, ويتفرع على هذا أنه يجب على الإنسان أن يراعي مقام الإخلاص لله , وأن يكون أحرص عليه من كل شيء أن يسلمه عمل أو قول أو عقيدة؛ أعني: الإخلاص لقول الله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦].
стр. 478
فإذا كان هذا هو القصد من الحياة أن يعبد الإنسان ربه فإنه يجب عليه أن يحافظ عليه كما يحافظ على دمه أو كثر.
ومن فوائد هذا الحديث: النهي عن الجلوس على القبر, والنهي هنا للتحريم؛ لأن هذا هو الأصل في النهي؛ ولأن الجلوس عليه فيه نوع امتهان للقبر, وقد ورد الوعيد في ذلك فقال ﷺ : «لأن يجلس أحدكم علىجمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على القبر». يعني: هذا أهون له من أن يجلس على القبر. هذا الحديث يدل على أنه حرام, بل لو قيل: إنه من كبائر الذنوب لكان له وجه, أي: الجلوس على القبر.
ومن فوائد هذا الحديث: الجمع في النهي عن الغلو في القبور, وعن امتهان القبور, من أين يؤخذ الغلو؟ من النهي عن الصلاة إليها؛ لأن هذا يؤدي إلى الغلو فيها, وعن امتهانها من النهي عن الجلوس عليها.
ومن فوائد هذا الحديث: أن حق المسلم باقٍ بعد موته, يعني: حق المسلم من الاحترام اللائق به باقٍ ولو بعد الموت؛ ولهذا لا يصح أن تركب على قبره لما فيه من الانتهاك مع أن الميت لا يباشر هذا الامتهان, لكن كونك تجلس في بيته وهو القبر امتهان له, فيستفاد من هذا: أن حرمة المؤمن باقية ولو بعد الموت ويؤيد هذا قول النبي ﷺ : «كسر عظم الميت ككسره حيا». ويتفرع على هذا أن أولئك الذين يمتهنون الموتى بقطع أوصالهم بعد موتاهم قد أخطئوا؛ لأن هذا نوع امتهان لهم, من يرضى أن تقطع يده أو كبده أو كليته أو ما أشبه ذلك؟ لا أحد يرضى, حتى لو رضي ليس له الحق؛ لأن بدنه عنده أمانة؛ ولهذا قال الله : ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء: ٢٩]. ولهذا نص فقهاء الحنابلة على أنه يحرم قطع عضو من الميت, ولو أوصى به ليس له الحق أن يتصرف في نفسه مع أنه ترتب على جواز بتر الأعضاء وبيعها أو ما أشبه ذلك محظور عظيم فيما نعلم بالسماع, يقولون: في بلاد ما يختطفون الصبيان ثم يبقرون بطونهم ويستخرجون أكبادهم وقلوبهم وكلاهم للبيع؛ لأن الكبد تباع بملايين, فهذا لو فرض أنه مباح وترتب عليه هذه المفسدة لمنع.
ومن فوائد الحديث: جواز الاتكاء على القبر, وهذا غير الجلوس, لكن إذا عده الناس عرفًا امتهانًا فإنه لا ينبغي أن يتكئ عليه؛ لأن العبرة بالصورة, وما دامت الصورة تعد امتهانًا في عرف الناس فإنه وإن كانت مباحة ينبغي تجنبها.
стр. 479
٢٠٩ - وعن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا جاء أحدكم المسجد, فلينظر, فإن رأى في نعليه أذى أو قذرًا فليمسحه, وليصل فيهما». أخرجه أبو داود, وصححه ابن خزيمة.
٢١٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه فطهورهما التراب». أخرجه أبو داود, وصححه ابن حبان.
لو قال قائل: فطهورهما التراب صواب أم خطأ؟ خطأ.
قوله ﷺ : «إذا جاء أحدكم المسجد» يعني ليدخله. «فلينظر» يعني: نعليه, و «الفاء» رابطة للجواب و «اللام» لام الأمر, «فإن رأى في نعليه أذى أو قذرًا» الأذى: اللبخة التي ليست بنجسة كالطين وشبهه, والقذر هو النجس, وهذا يعلق كثيرًا في النعلين إما كتلة من الطين, وإما كتلة من القذر, «فليمسحه وليصل فيهما» يمسح ما رأى من الأذى والقذر بالتراب؛ لأن المساجد في عهد الرسول ﷺ لم تكن مفروشة بالفرش ولا ما حولها لكن يمسحه بالتراب, ثم «وليصل فيهما» اللام هنا للإباحة؛ يعني: وله بعد ذلك أن يصلي فيهما؛ لأنهما طاهرتان.
والدليل على أن هذا المراد حديث أبي هريرة: «إذا وطئ أحدكم الأذى في خفية فطهورهما التراب» يعني: يطهرهما استعماله.
هذا الحديث يدل على مسائل منها: أنه يجب على من أراد أن يدخل المسجد بنعليه أن ينظر فيهما, ولكن هذا الإيجاب إذا كان الأمر محتملًا, أما إذا كان غير محتمل فلا حاجة للنظر, لو قدر أن الإنسان ركب سيارته من بيته إلى المسجد ونزل وليس بين يديه أذى أو قذر يحتاج أن ينظر؟ لا يحتاج, النظر هنا شيء من العبث, لكن هذا مع الاحتمال.
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب تنزيه المسجدعن كل أذى أو قذر, وقد أخبر النبي ﷺ أنها عرضت عليه أجور أمته حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد, ويؤيد هذا قول الله : ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه﴾ [النور: ٣٦].
стр. 480
فإن قال قائل: إذا وقع الأذى أو القذر في المسجد فمن المسئول؟
قلنا: هذا فرض كفاية على المسلمين عمومًا؛ ولهذا لما بال الأعرابي في المسجد قال ﵊: «أريقوا على بوله سجلًا من ماء». فيجب فرض كفاية على المسلمين أن يطهروا المساجد, فإذا كان هناك مسئول فليبلغ المسئول, فحينئذٍ نقول: يجب إما أن يباشر الإنسان إزالة الأذى والقذر بنفسه, وإما أن يبلغ المسئول, فإذا بلغ المسئول برئت ذمته, لكن لو فرض أن المسئول لم يقم بالواجب, وجب على من علم به مع القدرة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن مسح النعلين بالتراب يطهرهما, وظاهر الحديث العموم, حتى لو فرض أن فيما بين المخارز شيئًا من الأذى فإنه معفو عنه ما دام ظاهر أسفل الخف نظيفًا فما بين المخارز يشق التحرز منه, ولو قلنا بأنه لابد أن يدخل المسح إلى ما بين المخارز لكان في هذا مشقة, وكان الغسل أسهل من ذلك لكن هذا مما جرى العفو عنه.
وهذا الذي دل عليه الحديث هو مقتضى سماحة الشريعة وتيسير الشريعة؛ وذلك لأنه لو ألزم العبد بالغسل لكان في ذلك مشقة, لاسيما في عهد الرسول ﷺ والمياه قليلة حول المسجد, ثم في إيجاب غسلها ضرر من وجه آخر وهو إفساد النعل, لاسيما في النعال السابقة التي تخرز من الجلود, فإن غسلها لا شك أنه يؤثر فيه, ثم إذا غسلت ودخل بها المسجد من حين يغسلها لوث المسجد من جهة أخرى, وهو الرطوبة التي قد لا تخلو من رائحة؛ فلهذا تبين أن عين الصواب ما دل عليه الحديث؛ لأنه أيسر وأوفق لقواعد الشريعة.
وقال بعض أهل العلم: يجب أن يغسل بناء على قاعدة عندهم, وهي: «أنه لا يزيل النجس إلا الماء الطهور» , كما قال صاحب زاد المستقنع: «لا يرفع الحدث ولا يزيل النجس غيره - يعني: غير الماء الطهور -». فلما أورد عليهم ما ثبت من تطهير الخارج من بول وغائط بالأحجار - وهو الذي يسمى الاستجمار - قالوا: إنه مبيح وليس بمطهر, التمسح بالأحجار مبيح وليس بمطهر, فلا نسلم أنه يطهره, وأورد عليهم رفع الحدث بالتيمم قالوا أيضًا: إنه مبيح, ولهذا يكون التيمم مبيح لا رافع, وكذلك الاستجمار, وقالوا: إنه لا يعفى عن أثر الاستجمار إلا في محله فقط, فلو فرض أن اللباس صار رطبًا وأصاب المكان فإنه ينجس اللباس؛ لأن العفو عن محل الاستجمار إنما هو في محله للاستباحة, لكن هذا القول - كما يتبين - ضعيف جدًا, والصواب أن التيمم رافع, وأن الاستجمار مطهر, ومر علينا هذا في حديث ابن مسعود أنهما لا يطهران.
стр. 481
إذن على هذا الرأي نقول: يجب على الإنسان إذا وطئ القذر في نعليه أن يغسلهما, والصواب خلاف ذلك أن المسح كافٍ.
فإن قال قائل: إذا مسحهما عند المسجد بالتراب ففيه إشكال؛ لأن أثر الأذى أو القذر سيكون في الأرض في طريق الناس إلى المسجد, وربما تطؤه الأقدام وهي رطبة لاسيما في أيام الأمطار فما الجواب عن هذا الإشكال؟
الجواب عن هذا الإشكال - والله أعلم -: أن هذا مما يعفى عنه؛ لأن القذر سوف يتفرق ويتبدل ويكون الغلبة للتراب, وهذا مما يعفى عنه كما عفي عن استعمال الماء, وصار المسح كافيًا.
ويستفاد من هذا الحديث: أن المشقة تجلب التيسير, ولكن التيسير في حدود الشريعة ليس كل ما شق جاز أن ييسر وإلا لقلنا: إن الربا يجوز إذا دعا ضعف الاقتصاد إليه وما أشبه ذلك, لكن نقول: المشقة تجلب التيسير في حدود الشريعة, بمعنى: أن الشريعة تلاحظ المشقة فتيسر.
ومن فوائد الحديث: أن ما زالت به النجاسة فهو مطهر, ووجه ذلك: أن التراب هنا أزال النجاسة فطهرت النعال والخفاف بذلك هذا من جهة الأثر, من جهة النظر: أن النجاسة عين قائمة بنفسها, فإذا زالت عن المحل طهر المحل؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا, وعلى هذا فتطهير ألبسة الصوف بالبخار نافع أو لا؟ نافع؛ لأنه تزول النجاسة ويعود اللباس نظيفًا جدًا, قد يكون أنظف من الماء العادي, وعلى هذا أيضًا إذا أدخلت الكيماويات على المجاري - مجاري الأقذار - وزالت الرائحة والطعم واللون يكون الماء طاهرًا يتوضأ منه؛ لأن الحكم يدور مع علته: هو نجس لوجود النجاسة, هو طاهر لزوال النجاسة.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الصلاة في النعلين؛ لقوله: «وليصل فيهما» , وهذا محل بحث هل نقول: إن «اللام» للإباحة بدليل قوله: «فليمسحهما» يعني: أنه بعد مسحهما يجوز أن يصلي فيهما, وعلى هذا فيكون هذا الحديث دالًا على الإباحة, ثم يؤخذ الاستحباب - استحباب الصلاة في النعلين - من دليل آخر, أو نقول: إن اللام للأمر.
فيستفاد من هذا الحديث: استحباب الصلاة في النعلين؟ يحتمل هذا وهذا, ولكن أصل المسألة وهو الصلاة في النعلين سنة؛ لأن النبي ﷺ كان يصلي في نعليه, وكان الصحابة
стр. 482
يصلون في نعالهم، بل أمر في الصلاة بالنعلين أن يصلي الإنسان فيهما أو يجعلهما عن يساره أو تحت قدميه.
وعليه فنقول: إن الصلاة في النعلين مباحة جائزة، بل نقول: إنها سنة، ولكن لنعلم أن السنن إذا ترتب عليها مفسدة صار تركها أفضا، ومعلوم أننا إذا قلنا للناس: صلوا في النعال يترتب على هذا مفسدة تلويث الفرش وتطهير الفرش، ليس بالأمر السهل والمشقة على من كان حول الإنسان والتهاون في احترام المساجد فمن ثم رأينا علماءنا ﵏ لا يفعلون هذا حتى العلماء الحريصين على تطبيق السنة لا يفعلونه خوفا من المفسدة؛ كنت أرى أن هذا من السنة وأفعله بقيت سنوات أفعله أصلي في النعلين فبدأ الناس بدل أن يكونوا إذا دخلوا المسجد رفعوا نعالهم بأيديهم جعلوا يمشون بالنعال وإذا وصلوا الصف خلعوها، فأتوا بالمفسدة وتركوا السنة، فرأيت أن العدول عن هذا أولى خصوصا بعد أن فرشت المساجد بهذا الفراش وكانت في الزمن الأول مفروشة بالرمل، فعلى كل حال: إذا كانت المسألة سنة بدليل أن الرسول ﷺ قال: "وإلا فليجعلها عن يساره أو تحت قدميه"، فالمسألة سنة وليست واجبة، فإذا ترتب على السنة مفسدة فإن تركها أولى.
ومن فوائد هذا الحديث: أن التراب طهور - أعني: حديث ا [ي هريرة- كما أن الماء طهور، فيكون التراب في موضعه طهور كما أن الماء كذلك طهور.
أسئلة:
- رجل صلى وبين يديه قبر ولكنه يبعد عنه ستة أذرع؛ هل تجوز الصلاة؟
- في حديث أبي مرثد جمع الرسول ﷺ لما يتعلق بالقبور بين شيئين متقابلين، ما هما؟
- ما الحكمة في أن النبي نهى عن الصلاة إلى القبور.
- في حديث أبي سعيد وأبي هريرة ما يدل على أن تطهير النجس يكون بغير الماء؟
- ما الفرق بين الأذى والقذر؟
- حكم الكلام في الصلاة وضوابطه:
- ٢١١ - وعن معاوية بن الحكم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير، وقراءة القرآن". رواه مسلم.
- هذا الحديث له سبب، وسببه: أن معاوية بن الحكم ﵁ صلى مع النبي ﷺ فعطس رجل من القوم فحمد الله، فقال له معاوية: يرحمكم الله- خاطبه-، فرماه الناس بأبصارهم؛ - أي: نظروا
стр. 483
إليه نظر إنكار-، فقال: واثكل أمياه، وهذه كلمة تقولها العرب للإشعار بالندم، فجعلوا يضربون على أفخاذهم يسكتونه، فسكت ﵁، ثم انتهت الصلاة، فدعاه النبي ﷺ قال ﵁: فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما أحسن تعليما منه صلوات الله وسلامه عليه، والله ما كهرني ولا نهرني، ما كهرني بوجهه فبعث وقطب، ولا نهرني بلسانه، وإنما قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن، أو كما قال، فبين له النبي ﷺ أن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، وأن شأنها التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن، وانتهت القضية، لم يأمره بالإعادة ولا وبخه على الكلام، وإنما علمه هذا التعليم الهادئ الرشيد، وهذا الحديث - كما قلت- له سبب، وأحاديث النبي ﷺ تنقسم كالقرآن الكريم إلى قسمين: ابتدائي وسببي، يعني: أن بعضها يكون له سبب، وبعضها لا يكون له سبب، ومعرفة السبب تعين على فهم المعنى والمراد به، وقد ألف العلماء ﵏ كتبا في بيان أسباب الحديث منها ما يكون صحيحا، ومنها ما يكون ضعيفا، لكن الحديث صحيح رواه مسلم.
قوله ﷺ : "إن هذه الصلاة" المشار إليه ليس إشارة تعيين عين ما، وإنما هو تعيين جنس، والفرق بينهما أننا لو قلنا: إنه تعيين عين لكان تحريم الكلام يختص بتلك الصلاة المعينة، وإذا قلنا: تعيين جنس صار المراد: كل الصلوات، وهذا هو المراد أن الإشارة هنا إشارة لتعيين الجنس لا لتعيين العين؛ وقوله: "الصلاة" ما دمنا قلنا للجنس يشمل كل ما يسمى صلاة سواء كانت نافلة، أو غير نافلة، وسواء كانت ذات ركوع وسجود أو لا، "لا يصلح فيها شيء من كلام الناس" "شيء" نكرة في سياق النفي فتعم كل شيء سواء كان يتعلق بالصلاة أو لا، وقوله: "من كلام الناس" أي: من الكلام الذي يتخاطب به الناس، هذا مراده قطعا، وليست مراده: مما يتكلم به الناس؛ لأن الناس يتكلمون بالتسبيح والتكبير وقراءة القرآن في الصلاة، لكن من كلام الناس أي: مما يجري بينهم في المخاطبة؛ "إنما هو" إاذ كان اللفظ "هو" المحفوظ فهو ضمير الشأن؛ يعني: إنما شأن الصلاة التكبير وتسبيح الله وذلك في الركوع والسجود والاستفتاح، في الاستفتاح: سبحانك اللهم وبحمدك وفي الركوع: سبحان ربي العظيم، وفي السجود: سبحان ربي العلى، والتكبير تكبيرة الإحرام، وهي مقدم التكبير، وهي أوكد التكبيرات، وهي ركن لا تنعقد الصلاة بدونها، وأما بقية التكبيرات فالتكبير في الركوع في المسبوق إذا وجد الإمام راكعا سنة، والتكبير في الانتقالات على القول الراجح واجب، "وقراءة القرآن" تشمل قراءة الفاتحة، وقراءة غيرها، والقرآن هو هذا الذي بين أيدينا، وهو مصدر كالغفران والشكران، "الكفران"، إما بمعنى اسم
стр. 484
الفاعل، وإما بمعنى اسم المفعول، فبمعنى اسم المفعول يكون تقديره: قارئ؛ لأنه جامع كالقرية تجمع ساكنيها، وعلى اسم مفعول يكون مقروءا- أي: متلو- وكلاهما صحيح.
في هذا الحديث دليل على فوائد عديدة، منها: أن الكلام - كلام الآدميين- مبطل للصلاة؛ لقوله: "لا يصلح فيها شيء".
ومنها: أنه لا فرق بين كون الكلام كثيرا أو قليلا، ولا فرق بين أن يكون في النفل أو في الفريضة لعموم "شيء"، ولا فرق بين أن يكون جاهلا أو عالما، ولا فرق بين أن يكون ناسيا ذاكرا لقوله: "شيء" في سياق النفي، لكن الجهل والنسيان سيأتينا - إن شاء الله- الكلام عليهما، وأنهما لا يدخلان في الحديث، والحديث لا يدل عليهما.
ومن وائد الحديث: أنه لا فرق بين أن يكون الكلام من حرف أو حرفين، المهم أن يكون كلاما، فإذا قال المصلي لشخص: "ع" يعني: أمر من الوعي، من وعى يعي ع، فهنا هذا كلام جملة كاملة فتبطل الصلاة مع أنه ليس من حرفين، وإذا تنحنح وقال: اح، اح تبطل أو لا؟ لا تبطل مع أنهما حرفان؛ لأن هذا الخير لا يسمى كلاما، والنبي ﷺ أفصح الخلق يعرف الكلام من غير الكلام فعبر بالكلام: فما كان كلاما أبطلت به الصلاة، وما ليس كلاما فإنه لا تبطل به الصلاة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن ما يتعلق بخطاب الباري - جل وعلا- لا يبطل الصلاة، فلو قال المصلي: رب أسألك، رب أستغفرك، رب أشكرك، فهذا كلام يخاطب به الرب ، فالصلاة لا تبطل بهذا؛ لأن هذا ليس مما يتداوله الناس بينهم، بل هو دعاء وعبادة، واستثنى بعض العلماء خطاب النبي ﷺ حيث علمنا أن نقول: السلام عليك أيها النبي، وفي هذا الاستثناء نظر؛ لأن السلام عليك أيها النبي دعاء وليس خطابا كالخطاب العادي، ولذلك يقوله الصحابة وهم بعيدون عن مكان الرسول ﷺ وهو لا يسمعهم أيضا فليس خطاب الآدميين المعتاد، ولكنه دعاء، ولذلك الآن نحن نقول: السلام عليك، وأن لنا مخاطبته، وعليه فالاستثناء فيه نظر؛ لأن هذا دعاء، لكن لقوة استحضار الإنسان بما وصف به النبي ﷺ كأنه حاضر بين يديه؛ ولهذا نقول: إن الأثر الذي رواه البخاري عن ابن مسعود قال: "كنا نقول والنبي ﷺ حي: السلام عليك أيها النبي، فلما مات كنا نقول: السلام على النبي". هذا الأثر - وهو في صحيح البخاري- يعتبر اجتهادا من ابن مسعود في مقابلة النص؛ لأن الرسول ﷺ علم أمته هذا الدعاء بهاذ اللفظ "السلام عليك"، ولم يقل: قولوا هكذا ما دمت حيا بل أطلق، ولأننا نعلم أن
стр. 485
الصحابة حينما يقولون: السلام عليك لا يريدون خطابه المباشر حتى يقال: إنه قد توفي فلا يباشر بالسلام، ولأنه ثبت في الموطأ بإسناد من أصح الأسانيد أن عمر بن الخطاب خطب الناس يعلمهم التشهد وهو خليفة بلفظ: "السلام عليك أيها النبي". ولم ينكر عليه أحد، ومعلوم أن عمر بن الخطاب أفقه في دين الله من عبد الله بن مسعود، وعليه نقول: ما ذكره ابن مسعود ﵁ فهو اجتهاد، والصواب اتباع النص، وحينئذ لا يصح الاستثناء، لأن بعض الفقهاء يستثنى من ذلك خطاب النبي ﷺ : نقول: إن هذا ليس خطابا مباشرا كالخطاب المعتاد بين الناس بل هو دعاء.
من فوائد الحديث - بارك الله فيكم-: أن ظاهره أنه لو تكلم بغير قصد فإنها تبطل الصلاة لكن هذا فيه نظر، كيف بغير قصد؟ رجل سقط على رأسه شيء من الرف، وأوجع رأسه، فقال حين سقط عليه: "أح" بمعنى: أتوجع كلام، هل نقول إن صلاته تبطل؟ لا تبطل، لماذا؟ لأن هذا غير مقصود، خرج تلقائيا فلا يضره.
ومن فوائد هذا الحديث: أن التسبيح والتكبير وقراءة القرآن أركان في الصلاة، يعني أركان أي: لا تصح بدونها؛ لأنه حصر، قال: "إنما هي التسبيح" وهذا هو القول الراجح أن التسبيح في الركوع والسجود من واجبات الصلاة، ودليل ذلك أن الرسول ﷺ جعل التسبيح والتكبير من لب الصلاة فلا تصح الصلاة بدونه، ويدل لهذا أيضا أنه لما نزل قول الله تعالى: ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾ [الواقعة: ٧٤]. و ﴿شبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١]. قال النبي ﷺ في الأولى: "اجعلوها في ركوعكم" وفي الثانية: "في سجودكم"، وأما القول بأنها سنة استدلالا بحديث المسيء في صلاته فنقول ضعيف؛ لأن بعض الأركان أركان لا إشكال فيها لم تذكر في حديث المسيء صلاته، والنبي ﷺ إنما ذكر للمسيء في صلاته ما أخل به فقط، إذا التسبيح في الركوع والسجود واجب، وقراءة القرآن منها واجب، ومنها ما ليس بواجب، قراءة الفاتحة واجبة لابد منها بل إنها لا تصح الصلاة بدونها بنص الحديث: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب".
أما التسبيح والتكبير؛ فتكبيرة الإحرام لا تنعقد الصلاة بدونها؛ لقول النبي ﷺ : "استقبل القبلة
стр. 486
وكبر". ولأنها مفتاح الصلاة، ولا يمكن الدخول للبيت إلا بمفتاح، وأما البقية ففيها خلاف بين العلماء، والصواب أنها من الواجبات، إن تعمد الإنسان تركها بطلت صلاته وإلا فلا.
ومن فوائد هذا الحديث: أن من تكلم في صلاته جاهلا فلا إعادة عليه، وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يأمر معاوية بإعادة الصلاة، ولو كانت صلاته باطلة لأمره بالإعادة لوجوب الإبلاغ على النبي ﷺ ، ولأن الرسول ﷺ لما أخل الرجل الذي دخل وصلى بغير طمأنينة علمه، وهذا القول؛ أعني: من تكلم في صلاته جاهلا فلا إعادة عليه هو الراجح لدلالة الحديث عليه، وهو عدم الأمر به في مقام الحاجة؛ أي: حاجة الأمر لو كان واجبا؛ ولأنه يوافق القاعدة الشرعية وهي: "أن جميع المحظورات إذا فعلها الإنسان جاهلا فلا شيء عليه"، هذه قاعدة خذها معك، لم نأخذها من كتاب فلان أخذناها من كتاب رب العالمين: "كل المحظورات في كل العبادات إذا فعلها الإنسان جاهلا فلا شيء عليه"، الدليل قوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فقال الله تعالى: "قد فعلت". ﴿وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم﴾ [الأحزاب: ٥]. خذها من كلام رب العالمين، فإذا كان هناك شخص جاهل قد تربى في البادية مثلا، وكان الناس يأتون إليه وهو يصلي ويقولوا: السلام عليكم، فيقول: وعليكم السلام مرحبا بفلان في حال الصلاة، لكن ما يدري أنها حرام تبطل صلاته أو لا؟ لا تبطل بناء على هذه القاعدة، معاوية بن الحكم ﵁ شمت العاطس لكنه جاهل؛ ولذلك لم يأمره النبي ﷺ بالإعادة.
بقي النسيان: هل تبطل الصلاة فيما لم تكلم ناسيا؟ الجواب: لا، على القول الراجح؛ لأن النسيان والجهل قرينان في كتاب الله ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ ولأن كليهما غير مقصود، الجاهل ما قصد انتهاك الحرمات، والناسي كذلك ما قصد انتهاك الحرمات.
إذن نقول: من تكلم ناسيا أو جاهلا أو سبق لسانه أو تكلم بغير قصد؛ فصلاته صحيحة، إذا تكلم لمصلحة الصلاة فهل نقول: إنها لا تصلح الصلاة؛ لأن هذا كلام لمصلحتها لا لمنافاتها وهذا يحصل أحيانا، أحيانا يخطئ الإمام فنقول له: سبحان الله، يعني مثلا: يسجد مرة واحدة
стр. 487
ثم يقوم فنقول: سبحان الله فيجلس، فيقال له: سبحان الله يريد أن يسجد، فيقال له: سبحان الله فماذا يصنع؟ بعض العلماء يقول: إذا ارتبك الإمام إلى هذا الحد فإن تنبيهه بالكلام جائز ولا تبطل الصلاة؛ لماذا؟ لأنه لمصلحة الصلاة، واستدلوا بحديث ذي اليدين، أن النبي ﷺ تكلم مع الصحابة ومع ذي اليدين لمصلحة الصلاة، ولكن هذا القول ليس بصحيح، بل نقول: إذا تكلم بكلام الآدميين بطلت الصلاة ويعيدها من جديد، وأما قصة ذي اليدين فإن كلام النبي ﷺ ومحاورته الصحابة كان قبل أن يعلم بأنه سلم قبل التمام؛ ولهذا لما أيد الصحابة ذا اليدين تقدم وصلى ما ترك، وفرق بين من يكون في صلاة ولكن يتكلم لمصلحتها عمدا، وبين من لا يعلم أنه في صلاة لظنه تمامها، فالاستدلال بحديث ذي اليدين فيه نظر.
فإذا قال قائل: هل مثلا للمأمومين أن يتكلموا في هذه الحال أن يتكلم واحد منهم فتفسد صلاته لإصلاح صلاة الآخرين؟
نقول: إذا لم يمكن إلا بهذا فيحتسب ويتكلم، أما إذا أمكن بأن ننبهه بآية من كتاب الله مثل أن يقول: ﴿وكبره تكبيرا﴾ [الإسراء: ١١١] ويقول: ﴿يأيها الذين ءامنوا اركعوا واسجدوا [الحج: ٧٧]. أو إذا كانت ركوعا ﴿واركعوا مع الركعين﴾ [البقرة: ٤٣]. ويقصد التلاوة لا يقصد التنبيه، فإذا أمكن أن يكون الإنسان نبيها ينبه بشيء من القرآن بقصد قراءة القرآن فغنه لا يعدل إلى الكلام لحصول المقصود بدون إفساد الصلاة.
بقية الحديث لم يذكره المؤلف لكن فيه من أهم فوائده: أن المصلي إذا عطس يحمد الله سواء كان قائما أو راكعا أو ساجدا أو جالسا؛ لأنه ذكر وجد سببه في الصلاة، وهو لا ينافي الصلاة فيكون مشروعا؛ لأن الصلاة كلها تسبيح وتكبير وقراءة قرآن، وهذا القول هو الراجح خلافا لمن كره حمد المصلي إذا عطس فالصواب أنه سنة.
وهل يقاس عليه كل ذكر وجد سببه في الصلاة؟ قاس بعض العلماء على ذلك كل ذكر وجد سببه في الصلاة، وعلى هذا فإذا كان حول الإنسان من يذكر النبي ﷺ والمصلي يستمعه فإنه يصلي عليه، وأيضا لو سمع المؤذن وهو يصلي فإنه يتابعه، ولكن هذا فيه نظر؛ لأن الأصل ألا يتشاغل الإنسان بشيء سوى الصلاة.
لماذا استثنينا حمد العاطس؟ لورود الدليل، وما عدا ذلك ففي الصلاة شغل عما سواها فلا يشتغل، ولو أننا فتحنا الباب لكان الإنسان إذا سمع من حوله- من يقرأ بلوغ المرام- جعل
стр. 488
يصلي على النبي ﷺ دائما وفي هذا نظر ظاهر، فالصواب أن نقول: الصلاة فيها شغل، وما ورد التشاغل به في الصلاة فعلى العين والرأس وما سواه يبقى على الأصل.
ومن فوائد الحديث - وهو أيضا من أهم ما يكون-: حسن تعليم النبي ﷺ حيث يذكر الحكم ويذكر العلة، الحكم في هذا الحديث ما هو؟ إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، علته" إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن"، وهذا ينبغي لكل إنسان يعلم أن يعلل إذا أمكنه؛ لأنه إذا علل جمع بين الدليل النقلي والدليل العقلي، وازداد طمأنينة المخاطب بالحكم، وعرف به سمو الشريعة، وأنها لا تأتي بحكم إلا وله علة ومناسبة، وهذا من أحسن ما يكون في التعليم، ولكن هذا إذا كان لذكر العلة فائدة، أما إذا لم يكن لذكر العلة فائدة والمستفتي عامي فلا يحسن أن تذكر له العلة، أما الدليل فيذكره له حتى يعرف أنه قد بني الحكم على دليل، لكن العلة ما يذكرها، لو ذكرت للعامي يجب أن يكون إبدال البر بمثله مثلا بمثل سواء بسواء، والعلة في ذلك أنه مكيل مطعوم، وقال بعض العلماء: العلة أنه مكيل فقط، وقال آخرون: العلة أنه مطعوم فقط، ماذا يكون فكره؟ يشوش، يقول: ما هذا الكلام، لكن لو قلت: هذا حرام ربا، انتهت فلكل مقام مقال، لكن أنا أحب أن يذكر لكل إنسان الدليل، خصوصا إذا رأيته أنه يستطعم منك ذكر الدليل، أو رأيت أنه مشوش يستغرب فاذكر له الدليل؛ لأن ربط الناس بالأدلة الشرعية في القرآن والسنة له أهمية كبيرة حتى يعرف الناس أنهم يمشون على بصيرة، وعلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولكل مقام مقال، لكن هذا هو الأصلح والذي أود أن أجد الناس عليه، فمثلا نقول: إن النية شرط في الوضوء لقول النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات", من أكل وهو صائم ناسيا فصومه تام؛ لقول النبي ﷺ : "من نسي وهو صائم فأكل وشرب فليتم صومه". وهكذا حتى يحصل ارتباط الناس بأدلة الكتاب والسنة.
أسئلة:
- سبق لنا على أن الكلام في الصلاة مبطل لها، فما الدليل؟
- إذا قال قائل: لماذا لم يأمر معاوية بإعادة الصلاة؟
- هذا الحديث له سبب فما هو؟
- هل ما يقتضيه هذا الحديث من رفع الإثم والقضاء على أنه جهل يطابق القواعد العامة في الشريعة؟ نعم، فما هي القواعد العامة؟
- هل يشمل هذا جميع العبادات؟
стр. 489
٢١٢ - وعن زيد بن أرقم ﵁ أن قال: "إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد رسول الله ﷺ يكلم أحدنا صاحبه بحاجته، حتى نزلت: ﴿حفظوا على الصلوت والصلوة الوسطى وقوموا لله قنتين﴾ [البقرة: ٣٢٨]. فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام". متفق عليه، واللفظ لمسلم.
قوله: "إن كنا" هذه (إن) مخففة من الثقيلة واسمها محذوف وجوبا، ويسميه النحويون ضمير الشأن، والتقدير: أنه أي الشأن، وقال بعضهم: إنه يقدر ضمير مناسب للسياق، وليس شرط أن يكون ضمير الشأن هو المفرد المذكر الغائب، وبناء على هذا القول يكون التقدير: إننا كنا نتكلم، لكن الذين اضطروا إلى أنه ضمير الشأن قالوا: لأجل أن يكون ما بعده جملة هي خبر الضمير، ويدل لكونها مخففة من الثقيلة وجود اللام في الخبر "لنتكلم"؛ ولهذا لو حذفت اللام وقيل: إن كنا نتكلم" تحتمل أن تكون نافية؛ ولهاذ يقال: إن هذه اللام اللام الفارقة.
قوله: "حتى نزلت ﴿حفظوا على الصلوت﴾ [البقرة: ٢٣٨]. والمحافظة على الصلاة تشمل المحافظة على شروطها وأركانها وواجباتها ويكمل ذلك مكملاتها، فمثلا لو صلى على غير وضوء لم يحافظ عليها، ولو صلى وفي ثوبه قذر وقد علم به لم يحافظ، ومن أخرها عن وقتها لم يحافظ، فالمحافظة إذن هي القيام بشروطها، وأركانها، وواجباتها، وتكميل ذلك بالمكملات، وقوله: ﴿على الصلوت﴾ هذه عامة، وقوله: ﴿والصلوة الوسطى﴾ خاصة، والمراد بالصلاة الوسطى: هي صلاة العصر، وقد اختلف فيها العلماء على أقوال كثيرة، وإن الإنسان ليعجب أن يكون مثل هذا الخلاف مع أن الحديث صريح صحيح في أنها صلاة العصر كما فسر ذلك النبي ﷺ ، فقال في يوم الخندق: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر". وهذا نص صريح ولا ينبغي أن يكون فيه الخلاف، فهي إذن صلاة العصر، وعليه تكون صلاة العصر أفضل الصلوات ثم يليها صلاة الفجر؛ لقوله ﷺ : "من صلى البردين دخل الجنة". والبردان: هما الفجر والعصر، وقوله: "إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم على أن تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا".
﴿وقوموا لله﴾: وقوموا في الصلاة كما قال الله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلوة﴾ [المائدة: ٦]. والمعنى: قوموا في الصلاة لله، "اللام" للاختصاص؛ يعني: هذا يجب فيه الإخلاص، وفي قوله: ﴿لله﴾ الإشارة إلى وجوب القنوت لقوله: ﴿قنتين﴾ ولهذا قدم الإخلاص
стр. 490
على العمل، ﴿وقوموا لله قنتين﴾؛ لأنه إذا كان الإنسان قائما لله فإنه سوف يقنت، والمراد بالقنوت هنا: السكوت عن كلام الناس؛ ولهذا قال: "فأمرنا بالسكوت"، وإذا قال الصحابي: "أمرنا" فالآمر الرسول ﷺ "بالسكوت" أي: السكوت عن كلام الآدميين؛ يعني: عن تكليم الرجل صاحبه في الصلاة، وليس عن السكوت مطلقا؛ لأن الصلاة فيها كلام، "ونهينا عن الكلام" أي: كلام الآدميين، ففي هذه الآية بيان السبب؛ يعني: أنها نزلت لسبب، وسيأتي.
هذا الحديث فيه فوائد منها: جواز النسخ في الأحكام الشرعية، وهذا هو المتفق عليه بين العلماء - علماء الشريعة- أن النسخ جائز في الأحكام، ومعنى كونه جائزا أي: غير ممتنع، لكنه واجب إذا اقتضت المصلحة؛ لذلك ستجدون في كتب الأصول أن النسخ جائز، ومرادهم بالجواز: عدم الامتناع، لكنه في وقته يكون واجبا بمقتضى حكمه الله ، لأن حكمه الله تستلزم أن يشرع الأحكام في وقتها المناسب، لا نقول هذا من عقولنا كما تقول المعتزلة إننا نوجب على الله أو نحرم على الله، لا، لكننا نقول هاذ بمقتضى حكمته؛ لأن الحكيم هو الذي يضع الأشياء في مواضعها، والنسخ جائز في جزء من الشريعة، وجائز في كل الشريعة، أما في جزء من الشريعة ثابت في شريعتنا وشريعة من قبلنا، فالنسخ في شريعتنا كثير؛ يعني: إلى عشر مواضع النسخ في الشرائع السابقة أيضا قال الله تعالى: ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبت أحلت لهم﴾ [النساء: ١٦٠]. إذن التحريم صار بعد التحليل ﴿طيبت أحلت لهم﴾ هذا نسخ الشريعة كاملة أم نسخ جزء منها؟ نسخ جزء منها.
ويجوز أن تنسخ الشريعة كلها، لكن هذا في شريعتنا لا يمكن، لماذا؟ لأن هذه الشريعة آخر شريعة أنزلها الله لعباده، ولا يمكن أن ينسخها شيء، بل هي ناسخة لجميع الشرائع السابقة.
إذا قال قائل: هل هو جائز عقلا؛ يعني: بعد أن عرفنا أنه واقع شرعا، هل هو جائز عقلا؟
نقول: نعم جائز عقلا، وما المانع منه إذا اقتضت المصلحة أن يرفع الحكم الأول ويثبت الحكم الثاني؟ عقلا لا مانع، بل إن العقل يقتضي لزوم النسخ إذا دعت الحاجة إليه أو المصلحة، اليهود يقولون: ليس هناك نسخ في الشرائع؛ ولهذا كفروا بشريعة الإنجيل، وكفروا بشريعة القرآن ولكن يقال: فبحكم الله ﴿كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسراءيل على نفسه﴾ [آل عمران: ٩٣]. حرم الله عليكم طيبات أحلت لكم بعد أن كانت حلالا، وقولهم ساقط، بعض علماء الشريعة قال: لا نسخ في الشريعة الإسلامية، وتأول تأويلا بعيدا، قال: إن الأصل في الحكم إذن نزل أنه شامل لجميع الأمكنة والأزمنة، فإذا نسخ فعموم الزمان بهذا النسخ
стр. 491
خص بهذا النسخ فنسميه تخصيصا ولا نسميه نسخا؛ إذن هذا الخلاف لفظي أم معنوي؟ لفظي ومع ذلك هو غلط، لماذا نهاب عن كلمة النسخ والله يقول: ﴿ما ننسخ من ءاية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ [البقرة: ١٠٦]. فأثبت الله النسخ، وقال : ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطن في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطن﴾ [الحج: ٥٢]. لكن هذه [الآية] الاستدلال بها فيه شيء من الضعف؛ لأن ما ألقاه الشيطان ليس بشرع، فالمهم أن النسخ ثابت بالقرآن والسنة، وأنه لا مانع منع عقلا، وأن تسميته تخصيصا مع الإقرار به ما هو إلا خلاف لفظي لا معنى له ولا وجه له.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الصحابة ﵃ في الصلاة لا يتكلمون كلاما لغوا بل لا يتكلمون إلا لحاجة؛ ولهذا قد يكلم أحدنا صاحبه بحاجته.
ومن فوائد هذا الحديث: أن القرآن نازل من عند الله كله وبعضه لقوله: "حتى نزلت".
ومن فوائده: أن القرآن نزل مفرقا لا جملة واحدة، وقد أشار الله تعالى إلى ذلك في قوله: ﴿وقرءانا فرقنه على الناس على مكث﴾ [الإسراء: ١٠٦]. يعني: قليلا قليلا، وقال : ﴿وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك﴾؛ يعني: أنزلناه كذلك مفرقا لأي شيء؟ ﴿لنثبت به فؤادك ورتلنه ترتيلا﴾ [الفرقان: ٣٢].
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علو الله ؛ لأن الذي يتكلم بهذه الآية من؟ الله، وإذا كانت نازلة لزم أن يكون المتكلم بها عاليا، وهذا أمر - أعني: علو الله تطابقت عليه الأدلة بجميع أنواعها الكتاب والسنة، والإجماع والعقل، والفطرة، وسبق الكلام على هذا في عدة مواضع.
ومن فوائد هذا الحديث: عناية الله ﵎ بالصلوات؛ حيث أمر بالمحافظة عليها.
ومن فوائد هذا الحديث: فضيلة صلاة العصر لقوله: ﴿والصلوة الوسطى﴾، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنها صلاة العصر فلا يعتد بخلاف ذلك، حتى إن بعضهم نقل الإجماع على أنها صلاة العصر؛ لأن ما سوى ذلك باطل يعارض كلام النبي ﷺ .
فإن قال قائل: ما معنى كونها الوسطى، هل هي في العدد أم في الفضل؟
قلنا: إن شئت فقل بالعدد، وإن شئت فقل بالفضل، أما العدد فالفجر صلاة نهارية؛ لأنها بعد طلوع الفجر يليها الظهر؛ والثالثة: العصر، والرابعة: المغرب، والخامسة: العشاء، وإن شئت فقل: بالفضل، وهذا هو الأهم، فتكون الوسطى بمعنى: الفضلى، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلنكم أمة وسطا﴾ [البقرة: ١٤٣]. أي: عدلا خيارا، وقوله: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران: ١١٠].
стр. 492
ومن فوائد الآية الكريمة التي تضمنها الحديث: وجوب الإخلاص لله لقوله: ﴿وقوموا لله قنتين﴾ [البقرة: ٢٣٨].
ومنها: وجوب الصلاة قائما لقوله: ﴿وقوموا﴾ وهذا في الفريضة، فيصلي الإنسان قائما؛ فإن لم يستطع فقاعدا، فإن لم يستطع فعلى جنب. وهل على المصلي على الجنب أجر كأجر القائم؟ الجواب: نعم؛ لقول النبي ﷺ : "من مرض أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما". ويستثنى من ذلك النافلة فإنها تجوز من قادر على القيام، ولكنه على النصف من أجر القائم؛ يعني أن يصلي قاعدا وهو قادر على القيام إلا أنه في الأجر أنقص ممن يصلي قاعدا، ويستثنى من ذلك العجز، لا يلزمه القيام كما في حديث عمران بن حصين ﵁، ويستثنى من ذلك الخائف كما لو كان الإنسان مستترا بجدار عن عدو ويخشى إن قام أن يبصره العدو، فهنا له أن يصلي قاعدا، ويستثنى من ذلك من صلى إمامه قاعدا فإنه يتبعه فيصلي قاعدا، وهل يشترط في ذلك أن يكون هذا الإمام إمام الحي أو لا يشترط؟ من العلماء من اشترط ذلك، وقال: إنه إذا لم يكن إمام حي فإنه ينحى عن الإمامة ويؤم الناس غيره، ولا حاجة إلى أن يصلي بالناس بخلاف إمام الحي، فإنه صاحب السلطان في مسجده فلا يتقدم عليه أحد ويصلي قاعدا للعجز، ولا يصلي من وراءه قعودا، ولكن ظاهر الحديث يخالف ذلك، وهو عموم قوله ﷺ : "إذا صلى قاعدا فصلوا قعودا". وعلى هذا فيدخل المأموم الذي يصلي إمامه قاعدا فيما استثنى من وجوب القيام.
ومن فوائد هذا الحديث: تفسير السنة بالقرآن فإن قول زيد: "أمرنا بالسكوت"- والآمر هنا النبي ﷺ يدل على أن النبي ﷺ فسر القنوت بالسكوت، وقد يقال: إن النبي ﷺ لم يفسر القنوت بالسكوت تفسيرا مطابقا وإنما فسره باللازم، وأن القنوت محله القلب، وأن يخشع الإنسان لربه ، ولا يلتفت يمينا ولا شمالا، فكون النبي ﷺ ذكر نوعا من لازم القنوت وهو السكوت، وأيا كان فإن هذه الآية تدل على وجوب سكوت الإنسان عن كلام الناس.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز إخفاء الفاعل إذا كان معلوما؛ لأن كل أحد يسمع الصحابي يقول: "أمرنا"، و"نهينا" لا ينصرف ذهنه إلا إلى الرسول الله ﷺ ، وهذا كقوله تعالى: ﴿وخلق الإنسن ضعيفا﴾ [النساء: ٢٨]. فأخفي الخالق لأنه معلوم وهو الله ﵎.
ومن فوائد الحديث: جواز النسخ؛ لأن حكم الكلام أولا الإباحة ثم صار حراما.
стр. 493
ومن فوائد هذا الحديث أيضا: أن القرآن نازل منجما، وهذا أمر قطعي أنه نزل منجما، ولكن هل نزل منجما من عند الله ﵎، يعني: أن الله تكلم به ثم تلقاه جبريل ونزل به في حينه، أو أن الله كتبه في اللوح المحفوظ وصار جبريل يتلقاه من اللوح المحفوظ؟
الأول هو المتعين لقول الله ﵎: ﴿فإذا قرأنه فاتبع قراءانه﴾ [القيامة: ١٨]. ومعلوم أن الذي قرأه جبريل؛ لكن كون الله يطلق قراءة جبريل على قراءته يدل على أن الله قرأه على جبريل، ثم قرأه جبريل على النبي ﷺ ، ولكن إن ثبت أنه كتب في اللوح المحفوظ أولا- يعني: جميع القرآن كتب في اللوح المحفوظ- ثم نزل من عند الله يتكلم به في حينه؛ فلا مانع ولا معارض، لكن حتى الآن لم يثبت أن القرآن كتب في اللوح المحفوظ قبل أن يتكلم الله به.
ومن فوائد الحديث: عموم علم الله ﵎؛ لأن الله أنزل هذه الآية حين علم أن الناس يتكلمون في صلاتهم، وهذا أمر معلوم؛ أي: أن الله بكل شيء عليم، معلوم مجمع عليه.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان ألا يحدث نفسه في حال الصلاة؛ لأن حكمة النهي عن كلام الناس بعضهم لبعض هو أن يكون القلب مقبلا على الله لا ينصرف لغيره، فيستفاد منه أنه لا ينبغي للإنسان أن يتشاغل بحديثه مع نفسه، كما كان أكثر الناس في أكثر صلواتهم على هذا الوجه، ولا يسلط الشيطان إلا إذا دخل الإنسان في الصلاة فتح له من أبواب التفكير والوساوس ما لم يطرأ على بال؛ لأن الشيطان عدو يجري من ابن آدم مجرى الدم، فهو حريص على إفساد عبادته؛ ولهذا أمرنا رسول الله ﷺ أن نتفل على يسارنا ثلاث مرات، ونستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.
٢١٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء". متفق عليه - زاد مسلم: "في الصلاة".
قوله: "التسبيح للرجال" يعني: قول: سبحان الله، كما جاء ذلك مفسرا في بعض روايات البخاري، وإن لم يأت مفسرا فهو واضح أن التسبيح قول: "سبحان الله"، وقوله: "للرجال" يعني: الذكور، فلا يخرج به من دون البلوغ، "والتصفيق" يعني: ضرب إحدى اليدين بالأخرى، "للنساء" جمع نسوة أو جمع امرأة، يحتمل هذا وهذا، ولكن حتى لو قلنا: جمع نسوة، فإن نسوة جمع امرأة، فيكون (امرأة) من المفردات التي لا تجمع من لفظها، كما أنه يوجد جموع ليس لها مفرد من لفظها مثل: الإبل، ما مفرد الإبل؟ فإنها ليس لها مفرد من لفظها، واللغة واسعة، إذن "للنساء" نقول: يشمل البالغة وغير البالغة، وقوله: "في الصلاة" يشمل الفريضة والنافلة؛ لأن "أل" للعموم.
стр. 494
وسبب هذا: أن النبي ﷺ رأى من أصحابه التنبيه بالضرب على الأفخاذ فقال: "إذا نابكم شيء فليسبح الرجال وليصفق النساء". "التصفيق" قلنا: ضرب إحدى اليدين على الأخرى، والمراد باليدين: الكفان؛ لأن اليدين إذا أطلقت فهما الكفان، وإن قيدت فبما تتقيد به، لكن كيف يكون هل ببطن كل يد على بطن الأخرى، أو بظهر كل يد على ظهر الأخرى، أو بظهر اليمنى على بطن اليسرى، أو ببطن اليسرى على ظهر اليمنى، أو أنه عام؟ عام، المهم أن يكون بضرب إحدى الكفين على الأخرى حتى يكون له صوت قيد ذلك بعضهم بأن يكون بأصبعيه، لكن هذا لا يصلح. فنقول: التصفيق هو أن تضرب المرأة بإحدى كفيها على الأخرى بحيث يكون لذلك صوت.
ففي هذا الحديث فوائد: وهو أن الإنسان في صلاته إذا تشاغل بشيء لا يصده عن الصلاة فلا بأس فها هو النبي ﷺ يسمع بكاء الصبي وهو يصلي. أو نقول للناس: سدوا آذانكم، لا، فإذا كان لا يشغله فلا بأس، ومن المعلوم أن الإنسان إذا نابه شيء فسوف يسمعه أو يراه، فإذا سمعه أو رآه فهذه الوظيفة يسبح الرجال ويصفق النساء.
فإن قال قائل: ما الحكمة في أن يأتي بالتسبيح دون الحمد مثلا، يعني: لم يقل الرسول: فليحمد الله؟ لأن هذا يقع كثيرا في النسيان، ينسى الإمام فيزيد أو ينقص أو يقوم في مكان القعود، أو يقعد في مقام القيام، والنسيان مما ينزه الله عنه؛ فناسب أن يكون التنبيه بالتسبيح الدال على تنزيه الله عن كل نقص.
ومن فوائد هذا الحديث: أن التسبيح لا يبطل الصلاة، لأن النبي ﷺ أمر به، أو أخبر به خبرا على وجه الإقرار، ولو كان يبطل الصلاة ليبين النبي ﷺ أن الصلاة تبطل به.
فإن قال قائل: لو عدل المصلي إذا نابه شيء إلى غير التسبيح بأن تنحنح أو جهر بما يقرأ به فلا بأس؟ سيأتينا - إن شاء الله.
ومن فوائد هذا الحديث: أن العمل للمصلحة أو الحاجة في الصلاة لا يبطلها، وذلك لقوله: "والتصفيق للنساء"؛ لأن التصفيق عمل لكنه للحاجة أحيانا أو للمصلحة؛ إن كان لسهو الإمام فهو لمصلحة الصلاة، وإن كان لشيء ناب الإنسان بأن استأذن عليه أحد أو ما أشبه ذلك فهو للحاجة.
ومن فوائد هذا الحديث: حكمة الشريعة الإسلامية في التفريق بين الرجال والنساء حسب ما تقتضيه الحكمة، والحكم هنا: أن صوت المرأة ينبغي ألا يسمعه الرجال إلا للحاجة، والمرأة لو سبحت لسمعها الرجال، وربما تكون رخيمة الصوت فيفتتن بها السامع؛ فلهذا أمرت بالتصفيق دون التسبيح، وأمر الرجال بالتسبيح؛ لأن صوت الرجال مع الرجال ولا يتأثر به النساء.
стр. 495
ومن فوائد هذا الحديث: أن اختصاص النساء بالتصفيق فيما إذا كن في صلاة مع جماعة الرجال، فهل إذا كانت الجماعة نساء محضة تسبح المرأة أو تصفق؟ إن نظرنا إلى عموم اللفظ قلنا: إنها تصفق؛ لأن الحديث مطلق، وإن نظرنا إلى المعنى قلنا: لا بأس أن تسبح؛ لأنه لا يسمعها إلا النساء، ولكن الأخذ بظاهر اللفظ أولى أن نقول: تصفق ولو لم يكن معها إلا جماعة النساء.
ومن فوائد هذا الحديث: أن التصفيق للنساء في الصلاة، أما في غير الصلاة فإنه لا شك أن الأولى للإنسان ألا ينبه بالتصفيق خوفا من أن يتشبه بالنساء، بل ينبه باللفظ، خلافا لبعض الناس إذا دعا شخصا ولم ينتبه صار يصفق، وكان الذي ينبغي عليه ألا يصفق إذا دعاه ولم ينتبه، يكرر الدعوة ويرفع صوته.
فإن قال قائل: ماذا تقولون فيما يحدث عند الإعجاب بالشيء فيصفق له؟
الجواب: أنا لا نرى في ذلك بأسا؛ لأن هذا اصطلاح حادث جرى عليه الناس كلهم المسلمون وغير المسلمون، وهو عنوان على إعجاب الشخص بما سمع أو بما رأى، ولا ينافي الحديث فيقوله: "فليسبح الرجال، وليصفق النساء"؛ لأن هذا في الصلاة.
فإن قال قائل: أليس الله يقول في المشركين: ﴿وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية﴾ [الأنفال: ٣٥]. المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق؟
قلنا: بلى، قال الله هذا، لكن هؤلاء المشركين جعلوا هذا عبادة يتعبدون الله بذلك، وهذا الذي أعجب بالشيء لم يجعل ذلك عبادة؛ ولهذا جاز للمرأة أن تنبه بالتصفيق وهو مما يفعله المشركون عند المسجد الحرام تعبدا لله .
أسئلة:
- من مقاصد الشريعة ألا تخرج المرأة صوتها للرجال، من أين يؤخذ هذا؟
٢١٤ - وعن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن أبيه قال: "رأيت رسول الله ﷺ يصلي وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء". أخرجه الخمسة، إلا ابن ماجة، وصححه ابن حبان.
"رأيته يصلي"، ولم يذكر هذه الصلاة أنافلة هي أم فريضة؟ ولكن لا يهمنا ذلك كثيرا، يعني: قد تكون فريضة، وقد تكون نافلة، وقوله: "في صدره أزيز" الأزيز: صوت القدر إذا كان يغلي، "والمرجل" القدر، والقدر إذا كان يغلي يكون له صوت معروف يعرفه كل من سمعه، وقوله:
следующие страницы →