Полный текст (3 515 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
خص بهذا النسخ فنسميه تخصيصا ولا نسميه نسخا؛ إذن هذا الخلاف لفظي أم معنوي؟ لفظي ومع ذلك هو غلط، لماذا نهاب عن كلمة النسخ والله يقول: ﴿ما ننسخ من ءاية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ [البقرة: ١٠٦]. فأثبت الله النسخ، وقال : ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطن في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطن﴾ [الحج: ٥٢]. لكن هذه [الآية] الاستدلال بها فيه شيء من الضعف؛ لأن ما ألقاه الشيطان ليس بشرع، فالمهم أن النسخ ثابت بالقرآن والسنة، وأنه لا مانع منع عقلا، وأن تسميته تخصيصا مع الإقرار به ما هو إلا خلاف لفظي لا معنى له ولا وجه له.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الصحابة ﵃ في الصلاة لا يتكلمون كلاما لغوا بل لا يتكلمون إلا لحاجة؛ ولهذا قد يكلم أحدنا صاحبه بحاجته.
ومن فوائد هذا الحديث: أن القرآن نازل من عند الله كله وبعضه لقوله: "حتى نزلت".
ومن فوائده: أن القرآن نزل مفرقا لا جملة واحدة، وقد أشار الله تعالى إلى ذلك في قوله: ﴿وقرءانا فرقنه على الناس على مكث﴾ [الإسراء: ١٠٦]. يعني: قليلا قليلا، وقال : ﴿وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك﴾؛ يعني: أنزلناه كذلك مفرقا لأي شيء؟ ﴿لنثبت به فؤادك ورتلنه ترتيلا﴾ [الفرقان: ٣٢].
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علو الله ؛ لأن الذي يتكلم بهذه الآية من؟ الله، وإذا كانت نازلة لزم أن يكون المتكلم بها عاليا، وهذا أمر - أعني: علو الله تطابقت عليه الأدلة بجميع أنواعها الكتاب والسنة، والإجماع والعقل، والفطرة، وسبق الكلام على هذا في عدة مواضع.
ومن فوائد هذا الحديث: عناية الله ﵎ بالصلوات؛ حيث أمر بالمحافظة عليها.
ومن فوائد هذا الحديث: فضيلة صلاة العصر لقوله: ﴿والصلوة الوسطى﴾، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنها صلاة العصر فلا يعتد بخلاف ذلك، حتى إن بعضهم نقل الإجماع على أنها صلاة العصر؛ لأن ما سوى ذلك باطل يعارض كلام النبي ﷺ .
فإن قال قائل: ما معنى كونها الوسطى، هل هي في العدد أم في الفضل؟
قلنا: إن شئت فقل بالعدد، وإن شئت فقل بالفضل، أما العدد فالفجر صلاة نهارية؛ لأنها بعد طلوع الفجر يليها الظهر؛ والثالثة: العصر، والرابعة: المغرب، والخامسة: العشاء، وإن شئت فقل: بالفضل، وهذا هو الأهم، فتكون الوسطى بمعنى: الفضلى، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلنكم أمة وسطا﴾ [البقرة: ١٤٣]. أي: عدلا خيارا، وقوله: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران: ١١٠].
стр. 492
ومن فوائد الآية الكريمة التي تضمنها الحديث: وجوب الإخلاص لله لقوله: ﴿وقوموا لله قنتين﴾ [البقرة: ٢٣٨].
ومنها: وجوب الصلاة قائما لقوله: ﴿وقوموا﴾ وهذا في الفريضة، فيصلي الإنسان قائما؛ فإن لم يستطع فقاعدا، فإن لم يستطع فعلى جنب. وهل على المصلي على الجنب أجر كأجر القائم؟ الجواب: نعم؛ لقول النبي ﷺ : "من مرض أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما". ويستثنى من ذلك النافلة فإنها تجوز من قادر على القيام، ولكنه على النصف من أجر القائم؛ يعني أن يصلي قاعدا وهو قادر على القيام إلا أنه في الأجر أنقص ممن يصلي قاعدا، ويستثنى من ذلك العجز، لا يلزمه القيام كما في حديث عمران بن حصين ﵁، ويستثنى من ذلك الخائف كما لو كان الإنسان مستترا بجدار عن عدو ويخشى إن قام أن يبصره العدو، فهنا له أن يصلي قاعدا، ويستثنى من ذلك من صلى إمامه قاعدا فإنه يتبعه فيصلي قاعدا، وهل يشترط في ذلك أن يكون هذا الإمام إمام الحي أو لا يشترط؟ من العلماء من اشترط ذلك، وقال: إنه إذا لم يكن إمام حي فإنه ينحى عن الإمامة ويؤم الناس غيره، ولا حاجة إلى أن يصلي بالناس بخلاف إمام الحي، فإنه صاحب السلطان في مسجده فلا يتقدم عليه أحد ويصلي قاعدا للعجز، ولا يصلي من وراءه قعودا، ولكن ظاهر الحديث يخالف ذلك، وهو عموم قوله ﷺ : "إذا صلى قاعدا فصلوا قعودا". وعلى هذا فيدخل المأموم الذي يصلي إمامه قاعدا فيما استثنى من وجوب القيام.
ومن فوائد هذا الحديث: تفسير السنة بالقرآن فإن قول زيد: "أمرنا بالسكوت"- والآمر هنا النبي ﷺ يدل على أن النبي ﷺ فسر القنوت بالسكوت، وقد يقال: إن النبي ﷺ لم يفسر القنوت بالسكوت تفسيرا مطابقا وإنما فسره باللازم، وأن القنوت محله القلب، وأن يخشع الإنسان لربه ، ولا يلتفت يمينا ولا شمالا، فكون النبي ﷺ ذكر نوعا من لازم القنوت وهو السكوت، وأيا كان فإن هذه الآية تدل على وجوب سكوت الإنسان عن كلام الناس.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز إخفاء الفاعل إذا كان معلوما؛ لأن كل أحد يسمع الصحابي يقول: "أمرنا"، و"نهينا" لا ينصرف ذهنه إلا إلى الرسول الله ﷺ ، وهذا كقوله تعالى: ﴿وخلق الإنسن ضعيفا﴾ [النساء: ٢٨]. فأخفي الخالق لأنه معلوم وهو الله ﵎.
ومن فوائد الحديث: جواز النسخ؛ لأن حكم الكلام أولا الإباحة ثم صار حراما.
стр. 493
ومن فوائد هذا الحديث أيضا: أن القرآن نازل منجما، وهذا أمر قطعي أنه نزل منجما، ولكن هل نزل منجما من عند الله ﵎، يعني: أن الله تكلم به ثم تلقاه جبريل ونزل به في حينه، أو أن الله كتبه في اللوح المحفوظ وصار جبريل يتلقاه من اللوح المحفوظ؟
الأول هو المتعين لقول الله ﵎: ﴿فإذا قرأنه فاتبع قراءانه﴾ [القيامة: ١٨]. ومعلوم أن الذي قرأه جبريل؛ لكن كون الله يطلق قراءة جبريل على قراءته يدل على أن الله قرأه على جبريل، ثم قرأه جبريل على النبي ﷺ ، ولكن إن ثبت أنه كتب في اللوح المحفوظ أولا- يعني: جميع القرآن كتب في اللوح المحفوظ- ثم نزل من عند الله يتكلم به في حينه؛ فلا مانع ولا معارض، لكن حتى الآن لم يثبت أن القرآن كتب في اللوح المحفوظ قبل أن يتكلم الله به.
ومن فوائد الحديث: عموم علم الله ﵎؛ لأن الله أنزل هذه الآية حين علم أن الناس يتكلمون في صلاتهم، وهذا أمر معلوم؛ أي: أن الله بكل شيء عليم، معلوم مجمع عليه.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان ألا يحدث نفسه في حال الصلاة؛ لأن حكمة النهي عن كلام الناس بعضهم لبعض هو أن يكون القلب مقبلا على الله لا ينصرف لغيره، فيستفاد منه أنه لا ينبغي للإنسان أن يتشاغل بحديثه مع نفسه، كما كان أكثر الناس في أكثر صلواتهم على هذا الوجه، ولا يسلط الشيطان إلا إذا دخل الإنسان في الصلاة فتح له من أبواب التفكير والوساوس ما لم يطرأ على بال؛ لأن الشيطان عدو يجري من ابن آدم مجرى الدم، فهو حريص على إفساد عبادته؛ ولهذا أمرنا رسول الله ﷺ أن نتفل على يسارنا ثلاث مرات، ونستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.
٢١٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء". متفق عليه - زاد مسلم: "في الصلاة".
قوله: "التسبيح للرجال" يعني: قول: سبحان الله، كما جاء ذلك مفسرا في بعض روايات البخاري، وإن لم يأت مفسرا فهو واضح أن التسبيح قول: "سبحان الله"، وقوله: "للرجال" يعني: الذكور، فلا يخرج به من دون البلوغ، "والتصفيق" يعني: ضرب إحدى اليدين بالأخرى، "للنساء" جمع نسوة أو جمع امرأة، يحتمل هذا وهذا، ولكن حتى لو قلنا: جمع نسوة، فإن نسوة جمع امرأة، فيكون (امرأة) من المفردات التي لا تجمع من لفظها، كما أنه يوجد جموع ليس لها مفرد من لفظها مثل: الإبل، ما مفرد الإبل؟ فإنها ليس لها مفرد من لفظها، واللغة واسعة، إذن "للنساء" نقول: يشمل البالغة وغير البالغة، وقوله: "في الصلاة" يشمل الفريضة والنافلة؛ لأن "أل" للعموم.
стр. 494
وسبب هذا: أن النبي ﷺ رأى من أصحابه التنبيه بالضرب على الأفخاذ فقال: "إذا نابكم شيء فليسبح الرجال وليصفق النساء". "التصفيق" قلنا: ضرب إحدى اليدين على الأخرى، والمراد باليدين: الكفان؛ لأن اليدين إذا أطلقت فهما الكفان، وإن قيدت فبما تتقيد به، لكن كيف يكون هل ببطن كل يد على بطن الأخرى، أو بظهر كل يد على ظهر الأخرى، أو بظهر اليمنى على بطن اليسرى، أو ببطن اليسرى على ظهر اليمنى، أو أنه عام؟ عام، المهم أن يكون بضرب إحدى الكفين على الأخرى حتى يكون له صوت قيد ذلك بعضهم بأن يكون بأصبعيه، لكن هذا لا يصلح. فنقول: التصفيق هو أن تضرب المرأة بإحدى كفيها على الأخرى بحيث يكون لذلك صوت.
ففي هذا الحديث فوائد: وهو أن الإنسان في صلاته إذا تشاغل بشيء لا يصده عن الصلاة فلا بأس فها هو النبي ﷺ يسمع بكاء الصبي وهو يصلي. أو نقول للناس: سدوا آذانكم، لا، فإذا كان لا يشغله فلا بأس، ومن المعلوم أن الإنسان إذا نابه شيء فسوف يسمعه أو يراه، فإذا سمعه أو رآه فهذه الوظيفة يسبح الرجال ويصفق النساء.
فإن قال قائل: ما الحكمة في أن يأتي بالتسبيح دون الحمد مثلا، يعني: لم يقل الرسول: فليحمد الله؟ لأن هذا يقع كثيرا في النسيان، ينسى الإمام فيزيد أو ينقص أو يقوم في مكان القعود، أو يقعد في مقام القيام، والنسيان مما ينزه الله عنه؛ فناسب أن يكون التنبيه بالتسبيح الدال على تنزيه الله عن كل نقص.
ومن فوائد هذا الحديث: أن التسبيح لا يبطل الصلاة، لأن النبي ﷺ أمر به، أو أخبر به خبرا على وجه الإقرار، ولو كان يبطل الصلاة ليبين النبي ﷺ أن الصلاة تبطل به.
فإن قال قائل: لو عدل المصلي إذا نابه شيء إلى غير التسبيح بأن تنحنح أو جهر بما يقرأ به فلا بأس؟ سيأتينا - إن شاء الله.
ومن فوائد هذا الحديث: أن العمل للمصلحة أو الحاجة في الصلاة لا يبطلها، وذلك لقوله: "والتصفيق للنساء"؛ لأن التصفيق عمل لكنه للحاجة أحيانا أو للمصلحة؛ إن كان لسهو الإمام فهو لمصلحة الصلاة، وإن كان لشيء ناب الإنسان بأن استأذن عليه أحد أو ما أشبه ذلك فهو للحاجة.
ومن فوائد هذا الحديث: حكمة الشريعة الإسلامية في التفريق بين الرجال والنساء حسب ما تقتضيه الحكمة، والحكم هنا: أن صوت المرأة ينبغي ألا يسمعه الرجال إلا للحاجة، والمرأة لو سبحت لسمعها الرجال، وربما تكون رخيمة الصوت فيفتتن بها السامع؛ فلهذا أمرت بالتصفيق دون التسبيح، وأمر الرجال بالتسبيح؛ لأن صوت الرجال مع الرجال ولا يتأثر به النساء.
стр. 495
ومن فوائد هذا الحديث: أن اختصاص النساء بالتصفيق فيما إذا كن في صلاة مع جماعة الرجال، فهل إذا كانت الجماعة نساء محضة تسبح المرأة أو تصفق؟ إن نظرنا إلى عموم اللفظ قلنا: إنها تصفق؛ لأن الحديث مطلق، وإن نظرنا إلى المعنى قلنا: لا بأس أن تسبح؛ لأنه لا يسمعها إلا النساء، ولكن الأخذ بظاهر اللفظ أولى أن نقول: تصفق ولو لم يكن معها إلا جماعة النساء.
ومن فوائد هذا الحديث: أن التصفيق للنساء في الصلاة، أما في غير الصلاة فإنه لا شك أن الأولى للإنسان ألا ينبه بالتصفيق خوفا من أن يتشبه بالنساء، بل ينبه باللفظ، خلافا لبعض الناس إذا دعا شخصا ولم ينتبه صار يصفق، وكان الذي ينبغي عليه ألا يصفق إذا دعاه ولم ينتبه، يكرر الدعوة ويرفع صوته.
فإن قال قائل: ماذا تقولون فيما يحدث عند الإعجاب بالشيء فيصفق له؟
الجواب: أنا لا نرى في ذلك بأسا؛ لأن هذا اصطلاح حادث جرى عليه الناس كلهم المسلمون وغير المسلمون، وهو عنوان على إعجاب الشخص بما سمع أو بما رأى، ولا ينافي الحديث فيقوله: "فليسبح الرجال، وليصفق النساء"؛ لأن هذا في الصلاة.
فإن قال قائل: أليس الله يقول في المشركين: ﴿وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية﴾ [الأنفال: ٣٥]. المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق؟
قلنا: بلى، قال الله هذا، لكن هؤلاء المشركين جعلوا هذا عبادة يتعبدون الله بذلك، وهذا الذي أعجب بالشيء لم يجعل ذلك عبادة؛ ولهذا جاز للمرأة أن تنبه بالتصفيق وهو مما يفعله المشركون عند المسجد الحرام تعبدا لله .
أسئلة:
- من مقاصد الشريعة ألا تخرج المرأة صوتها للرجال، من أين يؤخذ هذا؟
٢١٤ - وعن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن أبيه قال: "رأيت رسول الله ﷺ يصلي وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء". أخرجه الخمسة، إلا ابن ماجة، وصححه ابن حبان.
"رأيته يصلي"، ولم يذكر هذه الصلاة أنافلة هي أم فريضة؟ ولكن لا يهمنا ذلك كثيرا، يعني: قد تكون فريضة، وقد تكون نافلة، وقوله: "في صدره أزيز" الأزيز: صوت القدر إذا كان يغلي، "والمرجل" القدر، والقدر إذا كان يغلي يكون له صوت معروف يعرفه كل من سمعه، وقوله:
стр. 496
" من البكاء" (من) هنا للتعليل أي: من أجل البكاء، ويجوز أن تكون بيانية أي: تبين السبب، لكن المعنى الأول أقصر وأوضح، والبكاء معروف، والبكاء له أسباب: تارة يكون سببه الإيلام والحزن، وتارة يكون سببه عكس ذلك: الفرح، والانبساط، والسرور كم إنسان ضحك حين بشر، وكم من إنسان بكى حينما جزن، والغالب الثاني؛ أي: أنه يكون من الحزن والألم وما أشبه ذلك، وبكاء الصبيان كثير؛ لأنهم لا يستطيعون أن يعبروا عن أنفسهم بالألم أو الحزن إلا بهذه الطريقة، وهذه الطريقة فطرية يتساوى فيها بنو آدم كلهم عربهم وعجمهم، اجمع أطفالا مختلفين بأن تجعل واحدا من العجم، واحدا من العرب، واحدا من البربر، واحدا من أي نوع، ثم حركهم تحريكا يؤلمهم فيصيحون، يختلفون أو لا يختلفون؟ لا يختلفون؛ لأن هذا أمر فطري طبيعي.
قال أهل العلم: وبكاء الصبي فيه فائدة عظيمة، خصوصا الصغار الذين هم في المهد، يقولون: لأن الصغار لما لم يتمكنوا من السير على الأقدام وتحريك الدم وفتح الأمعاء جعل الله تعالى هذا البكاء بدلا من الرياضة بالقدم واليد فهو يفتح الأمعاء وينشط الجسم ويجري الدم، أما بالنسبة للصغار الذين فوق ذلك فإن الإنسان يتألم إذا سمعهم يبكون - لا شك- رحمة بهم- وشفقة لكن الأولى أن يدعهم حتى يسكنوا وتطيب نفوسهم من البكاء، أما الأولى أن يهدئهم؟
فيما أرى - والعلم عند الله- إذا كان بكاؤهم لطلب الانتقام فهذا دعه ما تطيب نفوسهم إلا بهذا، لو أنك حاولت إسكاتهم انكبتت نفوسهم، أما إذا كان عن ألم أو نحو ذلك، فهنا ينبغي أن تحاول إسكاتهم بكل طريقة.
في هذا الحديث فوائد منها: خشوع النبي ﷺ ، لأن هذا البكاء لم ينتج إلا عن حضور القلب وتصور ما يقول.
ومنها: أن البكاء وإن ظهر له صوت لا يبطل الصلاة، وهذا هو مراد المؤلف ﵀ بسياق هذا الحديث في هذا الباب فإذا وجد الصوت من المصلي من البكاء فإن صلاته لا تبطل، وإن كان بعض العلماء يقول: إذا بان حرفان بطلت الصلاة، ولكن هنا سؤال: هل ينبغي للإنسان أن يتقصد البكاء والنحيب العالي الرفيع، أو الأولى أن يجعل المسألة على حسب الطبيعة؟ الثاني بلا شك هو الأولى، وأما ما يتكلفه بعض الناس في قيام رمضان من النحيب فهذا يذم صاحبه، إلا أن يكون بلا اختياره، لأن الشيء الذي يكون بلا اختيار لا يلام عليه؛ لأنه لا يستطيع أن يعارضه.
ومن فوائد هاذ الحديث: جواز تشبيه الأعلى بالأدنى إذا قصد بذلك التقريب، وجهه:
стр. 497
بكاء الرسول ﵊ أعلى من أزيز القدر، أليس كذلك؟ لكن شبه به للتقريب، ونظيره قول النبي ﷺ : "إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر". وكذلك في حديث الوحي كأنه سلسلة على صفوان. فهذه الأمثلة التقريبية لا تستلزم بأي حال من الأحوال التماثل بين المشبه والمشبه به فكل له حكمه.
٢١٥ - وعن علي ﵁ قال: "كان لي من رسول الله ﷺ مدخلان، فكنت إذا أتيته وهو يصلي تنحنح لي". رواه النسائي، وابن ماجه.
علي بن أبي طالب ﵁ من آل البيت وهو أشرف آل البيت، وهو صهر النبي ﷺ فإنه تزوج ابنته فاطمة سيدة نساء أهل الجنة أفضل بنات النبي ﵊، تزوجها أفضل آل النبي ﷺ سوى النبي ﷺ ، وعثمان ﵁ تزوج بنتي الرسول ﷺ ولهذا يسمى ذا النورين، وأبو بكر تزوج ابنته رسول الله ﷺ ، وذكروا أن رجلا من الرافضة ورجلا من أهل السنة تنازعوا أيهما أفضل: علي أو أبو بكر؟ فتحاكموا إلى ابن الجوزي ﵀ فقال لهما - أي للرجلين-: أفضلهما- يعني: علي بن أبي طالب، وأبو بكر- من كانت ابنته تحته. أيهم؟ الضمائر تعود على من؟ فذهب الرجلان يتنازعان في موضع الضمير على من يرجع، لكن الرجل تخلص لا شك وهذا مما يفتح الله به على الإنسان حين المضايقات أن ييسر الله له شيئا يتخلص به وهو حق.
إذن في هذا الحديث يقول: "كان لي مدخلان" كلمة "مدخل" تصلح أن تكون اسم زمان، أو اسم مكان، فهل نقول: إن هذين المدخلين يعني: في النهار وفي الليل، أو من باب وباب آخر؟
الأول: هو المتعين، أي: مدخلان فهما اسما زمان يعني: مدخل بالليل، ومدخل في النهار.
"فكنت إذا أتيته وهو يصلي تنحنح" "إذا أتيته" يعني: لأدخل عليه، وكأن في الحديث محذوفا تقديره: فاستأذنته "تنحنح لي" والنحنحة معروفة، يظهر أن لها صوتا، أحيانا يكون الصوت لا تستطيع أن تدرك منه حرفا، وأحيانا لا تستطيع [إذن] "تنحنح لي" يعني: ليبين أنه يصلي.
ففي هذا الحديث فوائد، منها: أن في هذا منقبة لعلي بن أبي طالب ﵁، حيث مكنه الرسول ﷺ من مدخلين أحدهما في الليل والثاني في النهار.
ومنها: أن النبي ﷺ كان يصلي في بيته وهو كذلك، وكان يصلي في بيته إلا الفريضة،
стр. 498
وقد قال: "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة". فهو ﵊ يصلي في بيته ما عدا المكتوبة وما تشرع له الجماعة، فقولنا: "وما تشرع له الجماعة" نعني بذلك: صلاة الكسوف على القول بأنها سنة، وقيام رمضان، فإنه ﷺ صلى بأصحابه ثلاث ليال وتخلف في الرابعة خوفا من أن تفرض علينا.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز النحنحة في الصلاة سواء بان حرفان أو لم يبن؛ لأن الحديث مطلق فلم يقيد بحرف ولا حرفين.
ومنها: أنه ينبغي للإنسان إذا استؤذن عليه وهو يصلي أن يبين حاله للمستأذن، حتى يكون على بصيرة، وإلا فمن الجائز أن يسكت النبي ﷺ حتى ينهي الصلاة ثم يأذن له لكن هذا لا ينبغي، بل الذي ينبغي أن تبين لأخيك أنك في صلاة.
ومنها: تحريم الكلام في الصلاة، وجه ذلك: أن النبي ﷺ عدل عنه إلى التنحنح، ومعلوم أن التنحنح في الإجابة أدنى مقابلة من الكلام؛ لأن من تقابله الكلام أعلى ممن تقابله بالنحنحة، يظهر ذلك لو أن أحدا خاطبني منكم فتنحنحت له، وآخر خاطبني وخاطبته بالكلام، فالمرتبة الثانية أعلى من الأولى، فلو كان الكلام جائزا في الصلاة لكان أحسن الناس خلقا محمدا ﷺ يتكلم.
فإن قال قائل: وهل يجوز أن ننبه الإنسان لغير النحنحة؟
فالجواب: نعم، يسبح، أو يرفع صوته بالقراءة أو بالذكر حسب ما يقول؛ لأن المقصود التنبيه الداخل على أن هذا الإنسان في صلاة، لو كان تليفون ينبه وهو جنبك هل لك أن ترفعه وتقول: انتظر فإني أصلي؟ لا، إذن ماذا تصنع؟ إما أن أتركه وأنا معذور لا شك، وإما أن أرفعه وأتنحنح، أما أن أقول: أنا أصلي أو ما أشبه ذلك بناء على أنه قد لا يفهم فلا.
حكم الحركة في الصلاة وضوابطها:
٢١٦ - وعن ابن عمر ﵄ قال: "قلت لبلال: كيف رأيت النبي ﷺ يرد عليهم حين يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال: يقول هكذا، وبسك كفه". أخرجه أبو داود، والترمذي وصححه.
هذا شبيه بما سبق، ابن عمر ﵁ من فقهاء الصحابة، ومن عباد الصحابة، ومن أشد الصحابة
стр. 499
ورعا وتمسكا بآثار النبي ﷺ ، وبلال معروف هو مؤذن الرسول ﷺ ، سأله ابن عمر وهو أعلى منه نسبا وأقرب منه إلى الرسول ﵊ وهو أيضا أعلم من بلال، سأله كيف رأيت النبي ﷺ يرد عليهم - أي: على الناس- حين يسلمون عليه؛ لأن الناس كانوا يسلمون على الرسول ﵊ وهو في صلاته، فكان قبل تحريم الكلام يرد عليهم، وحين حرم الكلام امتنع، كما في حديث عبد الله بن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ كان يرد ﵈ ولما رجع عبد الله بن مسعود من الهجرة وسلم عليه لم يرد عليه، فصار في نفسه لماذا لم يرد فلما سلم النبي ﷺ قال: "إن الله يحدث في أمره ما شاء، وإنه أحدث ألا نتكلم- أو قال: - ألا تتكلموا في الصلاة".
وظاهر حديث ابن مسعود أنه لم يشر إلى الرد، لكن حديث بلال هذا يقول: "كان يرد عليهم فيقول: هكذا وبسط كفه" لكن رفعها قليلا، هكذا.
ففي هذا الحديث فوائد، منها: خفاء بعض الأحكام على من هو أعلم، وجهه: أن بلالا كان عنده علم بهذا، وأن ابن عمر ليس عنده علم، وهذا سهل؛ يعني: المسألة خفيت على أحد، ولكن الغريب أن تخفى مسألة على أمير المؤمنين عمر ﵁ ومعه المهاجرين والأنصار وذلك في حديث الطاعون. عمر ﵁ توجه إلى الشام في أثناء الطريق قبل له: إن الشام فيها طاعون، والطاعون - أعاذنا الله وإياكم منه وأجارنا- مرض فتاك إذا نزل بأرض فتك بأهلها فتوقف عمر وليس عنده دليل عن رسول الله ﷺ ، توقف أيمضي أو يرجع إلى المدينة وجميع الصحابة المهاجرين والأنصار ثم القدامى من المهاجرين، وكان الرأي أن يرجع، ولكن مع ذلك صار فيه شيء من التوقف حتى جاء عبد الرحمن بن عوف، وكان قد غاب في حاجة له، وأخبرهم بما روي عن النبي ﷺ ، فاطمأنوا ورجعوا؛ يعني: الخليفة الراشد وكل الصحابة الذين كانوا معه، كلهم خفي عليهم هذا الحديث، فلا تستغرب أن يخفى حكم مسألة على رجل من أكبر العلماء يعرفها أنى واحد من طلبة العلم، لا يستغرب.
ومنها: حرص الصحابة ﵃ على العلم، فلم يستنكر ابن عمر أن يسأل بلالا عن هذه المسألة، وهذا أمر معلوم، أعني: حرص الصحابة على العلم.
ومنها: جواز السلام على المصلي، وجه هذا: أن النبي ﷺ كان يقرهم ولو كان غير جائز لنهاهم، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء، منهم من قال: إنه جائز، ومنهم من قال: إنه سنة،
стр. 500
ومنهم من قال: إنه مكروه، أما من قال: إنه جائز فاستدل بإقرار النبي ﷺ الصحابة على السلام عليه، وأما من قال: إنه سنة، فقال: الأصل في السلام أنه سنة، فإذا أقرهم عليه النبي ﷺ وهو يصلي كان إقرارا لهم على أصله، وما هو الأصل؟ السنية فيكون مسنونا، وأما من قال: إنه مكروه، فعلل ذلك بأمرين احدهما أن المصلي مشغول، وإذا كان مشغولا فلا ينبغي أن تشغله، ثانيا: إنك إذا سلمت على المصلي فقد ينسى ويقول: عليك السلام، وما أكثر الغفلة في الصلاة فيسلم عليه فنقول: عليك السلام، وقد يكون جاهلا كعامي لا يدري عن الأمور فيسلم عليه فيقول: عليك السلام، وقد تلحقه الهيبة فيقول: عليك السلام مثل أن يمر به السلطان فيقول: السلام عليك، فمع الدهشة يقول: عليك السلام، فإذا كان في هذا عرضة لإبطال صلاة المصلي فإنه يكون مكروها؛ لأن النبي ﷺ نهى الصحابة حين كانوا يقرأ بعضهم عند بعض وهم يجهرون ويصلون نهاهم وقال: "لا يؤذين بعضكم بعضا في القرآن"، فما دمنا نخاف فلا نفعل، لكن أقرب الأقوال انه مباح.
ويعارض القول بأن الأصل السنية أن يقال: بأن هذا مشغول ولا يمكن أن نقول إنه مكروه، والنبي ﷺ يقره عليه ولا يمكن أن نقول الصحابة عندهم علم ومعرفة بخلاف العوام بعدهم، لأننا لو قلنا بهذا لبطلت استدلالاتنا بكثير من الأحاديث، فالأقرب أنه لا يكره وأنه مباح، ولكن هل يكتفي بهذا الرد بالإشارة؟ هذا ظاهر الحديث أنه يكتفي، هذا فيمن سلم ماشيا واضح أنه يكتفى به، لكن فيمن سلم وجلس حتى انتهى المصلي من صلاته هل يرد عليه قولا، أو نقول: إنه يكتفى بالرد الأول لأنه مما جاءت السنة؟ الظاهر الثاني، أي: أنه يكتفى، وكونه يجلس أو يمضي في سبيله ليس على المصلي شيء منه، ولكن لا شك أن من حسن الأخلاق أنه إذا انتهى من صلاته - المصلي- يرد على أخيه يقول: وعليك السلام كيف أنت، كيف حالك؛ لأنه قد يكون من الجفاء ألا ترد، وكل شيء يوجب سرور أخيك واطمئنانه وإزالة ما في قلبه من ظن الكبر فيك فهو خير.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الحركة من غير جنس الصلاة للحاجة لا بأس بها، وجهه: أن النبي ﷺ يشير بيده للسلام للحاجة، وهذه الإشارة من جنس الصلاة أو لا؟ لكن للحاجة لا بأس بالحركة.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز إطلاق القول على الفعل، وجهه: قال: "بيده"، ومثل هذا
стр. 501
حديث عمار في التيمم: "إنما كان يكفيك أن تقول بيدك هكذا". وفيه أيضا إشارة إلى أن حقيقة الكلام ما أفاد معناها، فلا يقال: إن هذا من باب التجوز، تقول هذا من باب الأساليب العربية، وأن حقيقة معنى الكلام هو ما أفاده بحسب اللغة أو العرف أو الشرع، شيخ الإسلام ﵀ ينفي أن يكون في اللغة مجاز، ويقول: إن الكلمة في سياقها وفي محلها لا تدل إلا على ما يراد بها، وكلامه عند التأمل هو الصواب، والعلماء مختلفون في الحقيقة والمجاز هل هي ثابتة في اللغة والقرآن، أو في اللغة دون القرآن، أو لا في اللغة ولا في القرآن؟ يعني: المجاز على أقوال ثلاثة معروفة، ومن أراد البسط هذا فعليه بقراءة كتاب الشيخ الشنقيطي وهو: "منع جواز المجاز في القرآن"، وكذلك يقرأ: "مختصر الصواعق المرسلة" لابن القيم، ويقرأ كتاب: "الإيمان" لشيخ الإسلام ابن تيمية، فقد وضح هذا توضيحا جليسا إذا قرأه الإنسان بتأمل عرف أنه الحق، ورأيت في مختصر الصواعق لابن القيم أن من علماء النحو من قال: لا حقيقة في اللغة، كلها مجاز. أين نذهب إذا صارت كل الدنيا مجازا؟ هذا لا شك في أنه من الأوهام والأغلاط، أو من الفلسفة المتعمقة فأحسن الأقوال ما ذهب إليه شيخ الإسلام.
أسئلة:
- مر علينا أنه يجوز للمصلي أن يشير إشارة مفهومة عنه، ففي أي حديث هذا؟
- مر علينا أيضا أنه يكتفى بالإشارة برد السلام للإنسان وهو يصلي؟
- هل إشارة الأخرس التي تقوم مقام نطقه كإشارة المتكلم؟ نعم، ولكنها لا تبطل الصلاة.
- هل يجوز للإنسان أن يتنحنح بدون حاجة؟
٢١٧ - وعن أبي قتادة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يصلي وهو حامل أمام بنت زينب، وإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها". متفق عليه - ولمسلم: "وهو يؤم الناس في المسجد".
قوله: "كان رسول الله ﷺ يصلي وهو حامل أمامة"؛ أمامة هي بنت ابنته وأبوها أبو العاص بن الربيع ﵁، وهو ممن وعد النبي ﷺ ووفى له وكانت أسلمت قبله ثم أسلم بعد ذلك، فردها النبي ﷺ إليه بعد ست سنوات، واعلم أن الرجل إذا أسلمت امرأته قبله فإن أسلم في العدة فهي زوجته ولا خيار لها. رجل كافر له امرأة كافرة فأسلمت فيجب التفريق بينهما، فإن أسلم وهي في العدة
стр. 502
فهو زوجها ولا خيار لها، وإن أسلم بعد انقضاء العدة، فقال أكثر العلماء: إن النكاح ينفسخ وتبين منه، ولا تحل له إلا بعقد جديد؛ لأن العلقة بينهما زالت بانتهاء العدة، وقيل: بل هي بالخيار إن شاءت انتظرت حتى يسلم زوجها فترجع عليه، وإن شاءت تزوجت، فيكون الفرق بين إسلامه في عدتها، وإسلامه بعد العدة أنه قبل العدة لا خيار لها [يبقى] الزوج زوجها، [أما] بعد العدة فعلى القول الراجح لها الخيار: إن شاءت انتظرت الزوج لعله يسلم، وإن شاءت تزوجت. زينت ﵂ بنت رسول الله ﷺ انتظرت فردها النبي ﷺ عليه بعد ست سنين.
توفيت زينت ﵂ في حياة أبيها ﷺ ، ولها بنت صغيرة ويقال: إن الرسول ﵊ كان يحملها إبان مرض أمها، أو موتها؛ لأنه ﵊ من خلقه الحسن العظيم: أنه في مهنة أهله حتى إنه كان يحمل الصبيان يدللهم ﵊ هذه البنت الصغيرة كانت معه وهو يصلي بالناس يحملها على كتفه إذا قام، وإذا سجد وضعها، والظاهر أيضا أنه يضعها في الركوع؛ لأنه صعب أن يضعها على كتفه في الركوع فيضعها، وإذا قام بحملها، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها. ولمسلم: "وهو يؤم الناس في المسجد" أي: وهو ﵊ إمامهم.
ففي هذا الحديث فوائد كثيرة: أعلاها وأهمها وأعظمها: حسن خلق النبي ﷺ ؛ حيث كان يلاطف الصبيان إلى هذا الحد.
ومنها: ملاطفة الصبيان والشفقة عليهم والتواضع لهم؛ لأن هذا مما يلين القلب ويرقق القلب.
ومنها: جواز العمل اليسير في الصلاة؛ لأن الرسول ﷺ كان يحملها إذا قام، ويضعها إذا سجد، وهذا عمل ولو كان يبطل الصلاة ما فعله النبي ﷺ ، ولكن هل يجوز أو لا يجوز؟
نقول: عند الحاجة ولو لإسكات الصبي يجوز ومع غير الحاجة يكره.
وبناء على هذا نقول: إن الحركة في الصلاة من غير جنس الصلاة تنقسم إلى خمسة أقسام:
واجبة، مستحبة، مكروهة، محرمة، فهي من المسائل التي تجري فيها الأحكام الخمسة، واجبة إذا توقفت عليها صحة الصلاة، يعني: إذا لم تصح الصلاة بدونها صارت
стр. 503
واجبة، كيف ذلك؟ لها صور عديدة؛ منها: إذا رأى الإنسان على ثوبه نجاسة، وعليه ثوب آخر فهنا لابد أن يتحرك، ماذا يصنع؟ يخلع الثوب؛ لأنه لو أبقاه مع علمه بالنجاسة بطلت الصلاة.
ومنها: لو اجتهد في القبلة واتجه إلى غير القبلة ثم أتاه إنسان وأخبره بأن اتجاهه معاكس للقبلة فماذا يجب عليه؟ يجب عليه أن يتجه إلى القبلة، وقد جرى هذا للصحابة ﵃ في مسجد قباء؛ فإنهم كانوا في صلاة الصبح متجهين إلى بيت المقدس بناء على الأصل، فأتاهم آت وقال لهم: إن النبي ﷺ أنزل عليه قرآن وأمر أن يستقبل الكعبة، فلما قال لهم هذا استقبلوها. وكيف كان دورانهم؟ يعني: هل هو على اليمين أو على اليسار؟ دوران كامل؛ لأنهم استداروا فكانت ظهورهم نحو بيت المقدس ووجوههم نحو الكعبة، دوران كامل صار مكان الإمام مكان المأمومين، وهذا العمل واجب.
ومنها: لو كان الرجل عادما للثوب فإنه يصلي عاريا ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]. في أثناء الصلاة جاءه الخادم بالثوب هل يقول: لا أتحرك؟ لا، يجب أن يتحرك ويلبس الثوب، إذن ما هو الضابط في الحركة الواجبة؟ ما تتوقف عليها صحة الصلاة.
المستحب: ما يتوقف عليه كمال الصلاة. مثل التقدم إلى الصف كرجل يصلي في الصف الثاني فبانت فرجه في الصف الأول، نقول: تقدم إليها، والتقدم هنا مستحب؛ لأنه من كمال الصلاة، ومن ذلك لو كان رجلان يصليان سواء جماعة فجاء ثالث ليدخل معهما فهنا لابد من حركة، الحركة هنا سن أو واجبة؟ سنة، وهي أن يتقدم الإمام ليكون أمام المأمومين.
يسأل بعض الناس، هل يكبر الداخل قبل أن يجذب المأموم، أو يقدم الإمام، أو ينتظر حتى يجذب المأموم أو يقدم الإمام أيهما؟ (السؤال مرة ثانية) دخل رجل واثنان يصليان سيصلي معهما، هل نقول: قدم الإمام أو أخر المأموم؟ الأول أولى؛ لماذا؟ لأنه إذا قدم الإمام أو أخر المأموم سيتفادى الحركة في صلاته، سيدخل والمسألة قد تمت لا يقال: إن هذا يستلزم انفراد المأموم؛ لأن هذا لا يضر هذا جزء يسير، وابن عباس لما أخره الرسول ﵊ من اليسار إلى اليمين حين مر من ورائه انفرد أو لم ينفرد؟ انفرد، لكن هذا انفراد لا يضر، وعليه فإذا سألنا عن المسألة التي ذكرناها نقول: أخر المأموم، أو قدم الإمام قبل أن تكبر، تأخير المأموم من اليسار إلى اليمين إذا كانا اثنين من الواجب أو من المستحب؟ إن قلتم: من المستحب، أخطأتم، وإن قلتم: من الواجب أخطأتم، إن قلتم: من الحرام أخطأتم أكثر، إذا قلتم: من المكروه أخطأتم
стр. 504
أقل، نقول: إن قلنا بأنها لا تصح صلاة المأموم عن يسار الإمام مع خلو يمينه فالحركة واجبة؛ لأنها تتوقف عليها صحة الصلاة، وإن قلنا: بأنه سنة بأن كونه عن يمينه أفضل من كونه عن يساره، وتصح الصلاة فالحركة مستحبة، وهذه المسألة فيها خلاف، والراجح أن وقوف المأموم عن يمين الإمام مستحب، وليس بواجب، وأنها تصح صلاة المأموم عن يسار الإمام مع خلو يمينه، لماذا؟ لأن النبي ﷺ لم يأمر في ذلك غاية ما هناك أنه فعل والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، وهذه قاعدة أصولية فقهية "أن فعل النبي ﷺ المجرد لا يدل على الوجوب".
فإن قال قائل: كون الرسول يتحرك، وابن عباس يتحرك ألا يدل على الوجوب؟
قلنا: لو كانت هذه الحركة محرمة - يعني: كثيرة بحيث تبطل الصلاة - لقلنا هذا يدل على الوجوب، لكن هذه حركة يسيرة لإكمال الصلاة، فالقول الراجح في هذه المسألة أن الصلاة تصح عن يسار الإمام مع خلو يمينه فيما إذا كانا اثنين، وهذا اختيار شيخنا عبد الرحمن ﵀ وتنزيله على القواعد واضح كما سمعتم، بقينا بالحركة المكروهة، هل اليسيرة لغير حاجة هذه مكروهة، مثاله: إنسان قام يصلح الغترة، أو الطاقية، أو العقال، أو ما أشبه ذلك، حركة ما لها حاجة هذه مكروهة تنقص الصلاة، لكن لا تبطلها، فإن قيل: هل منها أن يحك جلده إذا التهب عليه؟ مكروه أو غير مكروه؟ نقول: حك الجلد إذا التهب عليه أفضل من تركه؛ يعني: فتكون الحركة مستحبة؛ لأن اشتغال قلب الإنسان سبب الالتهاب أكثر من اشتغاله بحركة يده لتبريد الحكة، ومن المعلوم أنا نرتكب الأدنى قبل الأعلى. لو قال قائل: دائما يحك الإنسان وإذا به ينتقل الالتهاب إلى محمل آخر هل يتابعه؟ يتابع، إلا إذا توالى وكثر فلا يتابع فإنه محرم؛ لأن الحركة المباحة هي اليسيرة ولحاجة أو الكثرة للضرورة، اليسيرة لحاجة عرفتموها كالحكة، وما أشبه ذلك، الكثيرة للضرورة كإنسان عدا عليه سبع وهو يصلي فأراد أن يدافع عن نفسه واقتضى ذلك عملا كثيرا، العمل هنا جائز أو غير جائز؟ جائز للضرورة، أما إذا كان العمل كثيرا متواليا لغير ضرورة فإنه يبطل الصلاة.
المحرم: الكثير المتوالي لغير ضرورة هذا حرام، ويبطل الصلاة.
فإذا قال قائل: ما هو الضابط في الكثير واليسير؟
قلنا: الضابط العادة والعرف، فإذا رأينا هذا الرجل يتحرك حركات كثيرة لم تجر العادة بها فهو كثير، ويمكن أن يقال ضابطه: أن من شاهده يعمل هذه الأعمال يظن أنه في غير صلاة، يعني: هذا هو الذي ينافي الصلاة.
стр. 505
ومن فوائد حديث أبي قتادة ﵁: جواز إدخال الصبيان المسجد، وجهه: أن النبي ﷺ دخل بهذه الجارية، فيجوز أن يؤتى بالصبيان إلى المسجد، لكن بشرط ألا يخاف منهم أذى أو تشويش، فإن خيف منهم ذلك فإنهم يمنعون، ولكن كيف الطريق إلى منعهم هل نحن نباشر المنع أو نتصل بآبائهم، الثاني أولى يعني: أن نتصل بالآباء؛ لأنك لو منعت هذا الصبي وقام يصيح عند الباب أو ضربته، إن كان ممن يتأدب بالضرب فسيؤثر هذا على أبيه، سيقول: لماذا لم تعلمني أن أمنع عيالي؟ أما إذا لم يعلم له أب فأي إنسان يراه وهو يؤذي الناس ويشوش عليهم فله إخراجه، أما إذا لم يكن منهم أذية فلا.
ومن فوائد الحديث: جواز حمل الطفل في الصلاة، مع أن الغالب أن الأطفال ثيابهم نجسة، فهل يقال: إن هذا مما يسامح فيه، أو يقال: نبقى على الأصل وهو وجوب طهارة الثياب، وطهارة ما يحمله الإنسان؟ الثاني أقرب وأحوط، ويجاب عن حديث أمامة أن النبي ﷺ كان يعلم أنها لم تتنجس، ألبسها ثيابا نظيفة ثم أحضرها أو حضرت هي، المهم أن لدينا الآن احتمال أن تكون هذه الطفلة متلوثة بالنجاسة أو تكون متطهرة منها، لدينا نص واضح على أنه لا يجوز للإنسان أن يلابس - إذا كان يصلي- النجاسة، فنحمل هذا المتشابه - أعني: حديث أمامة - على المحكم وهو أنه لا يجوز للإنسان أن يحمل الطفل الذي تلوث بالنجاسة، لو غلب على ظنه لكن لم يتيقن أنه نجس أيجوز أن يحمله؟ نعم يجوز؛ لأن الأصل الطهارة وعدم النجاسة.
٢١٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اقتلوا الأسودين في الصلاة: الحية، والعقرب". أخرجه الأربعة، وصححه ابن حبان.
"اقتلوا" أمر، وهل هو للإباحة أو للاستحباب؟ سيأتي إن شاء الله، "الأسودين" يعني: الحية، والعقرب، العقرب سوداء والحية ليست سوداء، وهذا من باب التغليب، وغلبت العقرب لا لنها أقرب أو أشد لسعة، لكن لأنها أكثر طوافا بالناس فغلبت، وقيل: الأسودين الحية، والعقرب، وهذا الحديث يشمل جميع الحيات وجميع العقارب.
ففيه إذن فوائد، منها: الأمر بقتل الحية والعقرب في الصلاة، وهل هذا الأمر للإباحة؛ لأن الأصل ألا يتحرك الإنسان في صلاته إلا بما هو من جنسها، أو مصلحتها، وهذا لا علاقة له بالصلاة، فيكون الأمر للإباحة كأنه قال: يباح لكم قتل الأسودين، أو إن الأمر للاستحباب؟
стр. 506
الثاني أولى؛ لأن النبي ﷺ لم يسأل عن قتلهما حتى يقال: إن قوله: "اقتلوا" للإباحة بل هو للاستحباب؛ ولأن القواعد الشرعية تقتضي ذلك؛ حيث قال النبي ﷺ : "خمس يقتلن في الحل والحرم". وذكر منها العقرب.
ومن فوائد هذا الحديث: أن كل ما كان طبيعته الأذى من الحيوان فإن الإنسان مأمور بقتله، أخذنا هذا العموم من العلة في الأمر بقتل الحية والعقرب.
ومن فوائد هذا الحديث: أن ظاهره العموم في الصغار والكبار من الحيات والعقارب، فتقتل جميع الحيات الصغار والكبار.
ومن فوائد هذا الحديث: أن ظاهره أن الحية تقتل في البيوت، لكن هذا الظاهر مخصوص بما ثبت عن النبي ﷺ من النهي عن قتل الحيات؛ لأن الحيات اللاتي في البيوت ربما تكون من الجن، كما دل على هذا سبب النهي؛ فإن سببه أن شابا كان حديث عهد بعرس فجاء إلى أهله ووجد امرأته على الباب، فسأل لماذا؟ فأشارت إليه أن انظر، فنظر في الفراش وإذا بحية منطوية، فأخذ الرمح ووكزها حتى ماتت ثم مات هو في الحال، قال الراوي: فما يدري أيهما أسرع موتا الحية أو الرجل، ثم نهى النبي ﷺ على إثر ذلك عن قتل الحيات اللاتي في البيوت؛ لأنه يخشى أن تكون من الجن، والجن إذا قتل منهم الإنس أحدا اقتصوا منه؛ إلا أن النبي ﷺ استثنى نوعين وهما: الأبتر وذا الطفيتين، "الأبتر": قصير الذنب؛ لأن هذين النوعين يخطفان البصر ويتبعان ما في بطون النساء، تضع الحوامل منها إذا رأتها؛ فلعظم جرمها استثناهما النبي ﷺ .
فإذا قال قائل: في الحيات التي نهينا عن قتلها ماذا نصنع: أنبقيها معنا في البيت هذا مشكل؛ لأنه سيفزع الأهل والصغار، وسيبقى صاحب البيت في قلق؟
فقلنا له: حرج عليها ثلاث مرات، وقل: "أنا منك في حرج إن بقيت في بيتي"، فإذا حرجت عليها ثلاثا ورجعت فاقتلها؛ لأنك حرجت عليها ثلاثا إن كانت جنية عرفت أنك ستقتلها ولن تأتي، وإن كانت حية من حيات الأرض فإنها لا تدري ولا تعرف، فإذا جاءت فاقتلها فلكل داء دواء.
هل يؤخذ من هذا الحديث: أن جميع ما يؤمر بقتله إذا عرض لك في الصلاة أن تقتله؟
الجواب: نعم؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما، والشريعة الإسلامية كلها مبنية على العلل فلا تتناقض.
стр. 507
وظاهر الحديث من فوائده: أنه لو احتاج قتل الأسودين إلى عمل كالتقدم قليى لأخذ العصا أو لأخذ الحجر أو ما أشبه ذلك فليفعل، لاسيما إن خاف أن تهاجمه.
ومن فوائده: أن ظاهر الحديث سواء هاجمت أم لا تهاجم، وسواء خاف مهاجمتها أم لم يخف لأن المقصود إتلاف هذا النوع من الحشرات.
فإن قال قائل: إذا كان الله يأمر بقتلها على لسان رسوله ﷺ فما الفائدة من خلقها؟ لأنه قد يقوله قائل، ويعتذر معتذر كيف يخلق شيء ونؤمر بإعدامه؟
والجواب من عدة أوجه:
الوجه الأول: بيان قدرة الله ، حيث أودع في هذه المؤذيات ما يؤذي، وأودع في النافعات ما ينفع، فالذئب جسمه صغير بالنسبة للبعير وأيهما أنفع؟ البعير، وهذا يضر فيستفاد من ذلك تمام قدرة الله ﵎ أن خلق هذين المتناقضين.
ومنها: أن يعرف الإنسان قدر نفسه، وأن شيئا حقيرا بالنسبة إليه يؤذيه ويقلقه وربما يهلكه، حتى لا يتعاظم ويقول: أما من أنا، ولذلك نجد البعوضة تسلط على الإنسان في فراشه ولا يستطيع النوم وهي ما هي، وقال رجل من الجبابرة: ما هي الفائدة من خلق الذباب؟ فقال له بعض الحاضرين: الفائدة أن يرغم أنفك، أو قال: أن يرغم أنف الجبابرة؛ لأن هذا الذباب بأرجله الملوثة وهو كريه المنظر يقع على أنف الجبار فيرغمه ويهينه ويذله، وهذا أيضا ربما تكون من الحكم.
من فوائد وجود هذه المؤذيات: أن الله خلقها ليلجأ العبد إلى ربه - جل وعلا- ويكثر من الأوراد الحافظة له عن شرار خلق الله، وبعض الناس لولا خوفه من مثل هذا ما قرأ الأوراد، إذن الفائدة: أن يرجع الإنسان إلى الله ﵎ في قراءة ما شرع من الأوراد التي تحفظه.
ومن الفوائد أيضا: أن هذه المؤذيات يسلط عليها شيء ليس بشيء بالنسبة لها، ونضرب لكم مثلا: يقولون: إن القنفذ هو خشاش صغير، لكن قد كساه الله تعالى جلدا من الشوك يأتي على الحية ويأكلها، يبدأ بها من الذنب من ذيلها يرعاها رعيا وهي إذا ردت رأسها لتهشه ما تستطيع من الشوك فيبقى معها مصارعة ويقضي عليها، هذا مشاهد، ما الذي يقضي على هذا القنفذ؟ الحدية، وهو طائر صغير يأتي على القنفذ فإذا أحس به انكمش وأخرج الشوك، فيأخذ يذقنه من أحد الشوك، ثم يصعد به في الجو، يطير به ثم يطلقه فإذا أطلقه تبعه، فإذا وصل الأرض داخ لا يتحرك هو إذا داخ - سبحان الله- ينكمش الجلد الشوكي وهو - فيما أظن- لحمه شهي
стр. 508
للحدية فتقع عليه وتفترسه وتأكله، هذا من آيات الله أن الله يريك آياته في هذه المخلوقات بعضها يغلب بعضا وهو أقل منها، ولو أن الإنسان تأمل أكثر لوجد أكثر من هذه الحكم.
٤ - باب سترة المصلي
السترة: ما يضعه المصلي بين يديه ليتقي به مرور المار، وقال بعض أهل العلم: ومن أجل أن يقتصر نظره على ما دون السترة فهي تحجب النظر عن أن يطيش يمينا وشمالا.
٢١٩ - عن أبي جهيم بن الحارث ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه". متفق عليه، واللفظ للبخاري. ووقع في البزار من وجه آخر: "أربعين خريفا".
"لو" هذه شرطية بدليل أن لها فعل شرط وجوابه، فعل الشرط ما هو؟ "يعلم" وجوابه: "لكان أن يقف"، ولها معان متعددة كما ذكرها صاحب مغني اللبيب ابن هشام ﵀.
وقوله: "المار بين يدي المصلي" المرور: التعدي من اليمين إلى الشمال، أو من الشمال إلى اليمين، هذا المرور بين يديه، وبين يدي المصلي اختلف فيه العلماء فقيل: إن مرجع ذلك إلى العرف، وقيل: إنه بقدر ثلاثة أذرع من قدميه، وقيل: إنه بقدر مسجده، يعني: من مسجده فأدنى إلى قدميه هذا ما بين يديه، وما وراء ذلك فليس بين يديه، وهذا أقرب ما يكون من الأقوال أن بين يديه ما بينه وبين موضع جبهته في السجود.
وقوله: "لكان أن يقف أربعين خير له" هذه جواب الشرط "أن يقف" اسم كان "وخيرا" خبرها، والتقدير: لكان وقوفه أربعين خيرا له، ولم تميز الأربعين: أربعين يوما، أو شهرا، أو سنة، بألفاظ الصحيحين لم تميز، لكن في البزار من وجه آخر: "أربعين خريفا"، والخريف: السنة؛ لأن الخريف أحد الفصول الأربعة التي في السنة وهي الربيع، والصيف، والشتاء، والخريف، ويعبر عن السنة بالخريف؛ لأنه أحد فصولها، والتعبير بالبعض عن الكل سائغ لغة ومطرد.
"خير من أن يمر بين يديه" أي: بين يدي المصلي، وهذا على سبيل المثال؛ يعني: لو يقف هذه المدة أربعين سنة لكان خيرا من أن يمر، ومن المعلوم أن النبي ﷺ يعلم أنه لن يقف أحد أربعين سنة حتى المصلي لن يبقى أربعين سنة، لكن هذا من باب المبالغة في المنع من المرور بيد يدي المصلي.
стр. 509
في هذا الحديث فوائد، منها: تحريم المرور بين يدي المصلي، وجه ذلك: أن النبي ﷺ رتب عليه الإثم، ولا يمكن أن يترتب الإثم على فعل إلا وهو محرم.
ومن فوائده: أن ظاهر الحديث لا فرق بين أن يصلي في الفضاء أو في المسجد أو في بيته، لعموم قوله: "المار بين يدي المصلي".
ومن فوائد الحديث: أنه لا فرق بين أن يكون المار يقطع الصلاة أو لا يقطعها.
ومن فوائد الحديث: أن ظاهره العموم في المصلي، وأنه لا فرق بين المصلي نفلا أو المصلي فرضا.
ومن فوائده: أن ظاهره لا فرق بين الإمام المنفرد والمأموم؛ وذلك لأنه مطلق بين يدي المصلي، أما الإمام والمنفرد فظاهر، وأما المأموم فقد دلت السنة على استثنائه، وذلك في مرور عبد الله بن عباس ﵄ بين يدي المصلي خلف النبي ﷺ في منى في حجة الوداع، وعليه فيستثنى من ذلك المرور بين يدي المأمومين، ولكن هل مروره بين أيديهم وعدمه على حد سواء؟ الجواب: لا؛ لأن مروره بين أيديهم يشوش عليهم، وربما يتأذون به، لاسيما إذا كثر الناس وهو يريد أن يركع أو يسجد سوف يتأذى، لكن أحيانا يحتاج الإنسان على المرور بين يدي المصلين، فإذا احتاج فلا بأس، وأما بدون حاجة فلا ينبغي أن يمر بين أيديهم وإن كان لا لإثم عليه.
ومن فوائد الحديث: أن الأحكام الشرعية تؤخذ من عدة صيغ: إما من الأمر، أو النهي، أو ترتيب ثواب، أو ترتيب عقاب، أو ذكر التحريم أو الإيجاب، فتؤخذ الأحكام مما يترتب عليه. ومن فوائد هذا الحديث: أن الإنسان لو خير بين أن يقف أربعين سنة أو أن يمر بين يدي المصلي فليختر الوقوف؛ لأن النبي ﷺ جعل ذلك خير له من أن يمر بين يديه، أقول: يكفي أن يقف دقيقة؛ لأن المصلي في الغالب لن يبقى أكثر من ثلثي ساعة، يكفي أربعين دقيقة، لكن الناس ما يقفون ولا أربعين ثانية ولا أقل، مع أن النبي ﷺ حذر هذا التحذير.
ومن فوائد هذا الحديث: أن المساوئ تتفاضل؛ يعني: بعضها أسوأ من بعض، كما أن الحسنات تتفاضل وجه ذلك: قوله: "حير له من أن يمر بين يديه"، ولا شك أن السيئات تتفاوت منها الصغائر والكبائر، والكبائر تتفاوت بعضها كبيرة وبعضها أكبر، وكذلك الصغائر.
ومن فوائد هذا الحديث: أن نقول: هل إذا مر المار بيد يدي المصلي هل يبطل الصلاة؟
يؤخذ من دليل آخر، فقيل: إنه لا يبطل الصلاة سواء كان رجلا أو امرأة صغيرة أم كبيرة، وقيل: بل إنه يبطل الصلاة في الثلاثة اللاتي ستذكر - إن شاء الله- فيما بعد؛ وهذا هو الصحيح.
стр. 510
صفة السترة للمصلي:
٢٢٠ - وعن عائشة ﵂ قالت: "سئل النبي ﷺ في غزوة تبوك- عن سترة المصلي.
فقال: مثل مؤخرة الرحل". أخرجه مسلم.
"سئل النبي ﷺ " وأبهمت السائل؛ لأنه ليس هناك ضرورة إلى ذكر السائل، إذا أن المقصود هو معرفة الحكم، وهذا يفيدك فيما يرد مبهما في الأحاديث مثل: "عن رجل"؛ أو "قال رجل" أو ما أشبه ذلك، تجد بعض الناس يتعب تعبا عظيما في تعيين ذلك الرجل، وهذا إذا لم تدع إليه ضرورة ضياع للوقت، أما إن دعت إليه ضرورة لكون الحكم يختلف من شخص لأخر فلابد من معرفة هذا المبهم، وإلا فلا حاجة، وهنا تقول: "سئل"، والسائل لا حاجة إلى أن نبحث من هو؛ لأن المقصود معرفة الحكم.
"سئل النبي ﷺ عن سترة المصلي" يعني: عما يضعه المصلي سترة له كيف يكون في الطول والعرض، فبين النبي ﷺ ذلك بأنه مثل مؤخرة الرجل، الرحل: هو ما يسمى بشداد عند الناس:
شداد يشد على البعير على ظهره ويركبه الراكب، ويجعل خلف ظهره لوحا يستند إليه، يسمى هذا مؤخرة الرحل، وهو نحو ثلثي ذراع طولا وعرضا أقل من ذلك هذه السترة الكاملة، وهناك سترة أخرى ستأتي - إن شاء الله تعالى-، ولكن السترة الكاملة هي أن تكون كمؤخرة الرحل.
ففي هذا الحديث من الفوائد: أن الصحابة ﵃ حريصون على سؤال النبي ﷺ لا لمعرفة الحكم فقط، ولكن العمل به، خلافا لما يفعله بعض الناس اليوم يسأل لمعرفة الحكم، ولكن دون العمل؛ ولهذا إذا جازت له الفتوى أخذ بها وإن لم تجز له الفتوى ذهب يسأل آخر، لكن الصحابة ﵃ على العكس من هذا، لا يسألون إلا عند الحاجة، وإذا سألوا عملوا بما يصدر من النبي صلى لله عليه وسلم.
ومن فوائد هذا الحديث: أن السترة كأنها شيء مقرر عند الصحابة؛ لأن السؤال لم يرد عن حكم السترة ولكن عن كيفية السترة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن السترة الكاملة أن تكون مثل مؤخرة الرحل.
فإذا قال قائل: ما الفائدة من وضع السترة؟
فالجواب: أن الفائدة أولا: حماية حرم المصلي؛ لأن ما بين المصلي وسترته محترم لا يجوز لأحد أن يمر به.
وثانيا: أنها تحبس النظر عن أن يطيل الإنسان نظره فيما وراء السترة، وهذا شيء مجرب.
стр. 511
والفائدة الثالثة: أن الإنسان يشعر بأنه آمن مطمئن من أن يمر أحد بين يديه من أجل السترة فيطمئن؛ ولذلك انظر هذا في المسجد الحرام إذا وضعت شيئا تجعله سترة احترمه الناس وأمنت، وإن لم تضع فإنك لا تأمن أن يمر بين يديك رجل أو امرأة.
٢٢١ - وعن سبرة بن معبد الجهني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليستتر أحدكم في الصلاة ولو بسهم". أخرجه الحاكم.
قوله: "ليستتر" اللام هنا لام الأمر، ودليل ذلك جزن الفعل بها، ولام الأمر ولام كي تشتبهان عند أول وهلة ولكنهما تختلفان في العمل، لام كي، أو لام التعليل- يكون الفعل بعدها منصوبا؛ وهذه أي لام يكون الفعل بعدها مجزوما، لكن إذا كان الفعل من الأفعال الخمسة لا يظهر الفرق؛ لماذا؟ لن الأفعال الخمسة تنصب وتجزم بحذف النون، فلا يظهر الفرق إلا بالسياق، ومن الفروق بينهما في النطق: لام الأمر تختلف، فتارة ينطق بها ساكنة، وتارة ينطق بها مكسورة، أما لام التعليل فهي دائما مكسورة، لا يمكن أن تسكن، ولام الأمر تسكن بعد (ثم، والفاء، والواو) كما في قول الله تعالى: ﴿من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء﴾ [الحج: ١٥]. ﴿فليمدد﴾: اللام هنا لام الأمر ساكنة لوقوعها بعد الفاء ﴿ثم ليقطع فلينظر﴾ اللام" لام الأمر، وصارت ساكنة لأنها بعد (ثم)، وقال : ﴿ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم﴾ [الحج: ٢٩]. قوله: ﴿وليوفوا﴾ اللام هنا لام الأمر، وسكنت لأنها وقعت بعد الواو، كثير من القراء الذين يعتمدون الناس على قراءتهم تجده يسكن اللام التعليل بعد هذه الحروف، وهذا لحن يختلف فيه المعنى، فيجب أن يرد على الإمام إذا قرأها ساكنة وهي لام تعليل؛ وذلك لأن هذا تعبير لحنا يحيل المعنى، إذن "ليستتر" (اللام) لام الأمر، وهنا مكسورة أم ساكنة؟ مكسورة، لأنها لم يسبقها (واو) ولا (فاء) ولا (ثم)، "ليستتر أحدكم في الصلاة"، والمراد بذلك: السترة التي وضع أما المصلي، وليس المراد: السترة التي يلبسها المصلي.
"ليستتر أحدكم في الصلاة ولو بسهم" السهم الذي يرمى به، وهو عبارة عن شيء دقيق مدبب الرأس يرمى به بالقوس فهو صغير كالأصبع أو يزيد قليلا، وإذا نسبته إلى مؤخرة الرحل صار صغيرا جدا بالنسبة لها.
في هذا الحديث فوائد، منها: الأمر بالسترة في الصلاة، وهل هذا الأمر للوجوب أو للاستحباب؟ نقول: أولا ليس من حقنا إذا ورد في الكتاب والسنة أمر أن نقول: إنه للوجوب،
стр. 512
أو للاستحباب؛ إذ وظيفتنا أن نقول: سمعنا وأطعنا ونستتر، ولكن إذا ابتلينا وخالفنا حينئذ نسأل هل الأمر للوجوب أو للاستحباب؛ لأنه إذا كان للوجوب كان لابد من التوبة والإتيان به إن أمكن، أو ببدله إذا لم يمكن، أو الاستغفار والتوبة إذا لم يمكن البدل ولا الأصل، وأما قبل ذلك فغرضنا ووظيفتنا القبول، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء والصحيح أنها ليست للوجوب لوجود قرائن، القرائن هنا أن النبي ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه ... ". الحديث. إذا صلى إلى شيء يستره، وهذا يدل على أن الإنسان قد يصلي إلى ذلك الساتر، وقد لا يصلي.
ثانيا: أن النبي ﷺ كان في منى، فمر ابن عباس ﵄ راكبا على حمار قال: وكان النبي ﷺ يصلي بمنى إلى غير جدار. قال أهل العلم: أي إلى غير سترة؛ لأن الجدار انتفاؤه معلوم في منى في ذلك الوقت؛ إذ ليس في منى بناء إطلاقا فلا حاجة إلى الاحتراز منه، وهو أصلا غير موجود فيكون مراد ابن عباس: إلى غير جدار، أي: إلى غير سترة، وهذا يدل على عدم وجوب السترة، وإن كان فيه احتمال أنه يريد إلى غير جدار أنه يستتر بالعنزة، لكن الذي يظهر أن مراد ابن عباس نفي وجوب السترة، وإذا تعارضت الأدلة فلا شك أن الاحتياط الفعل، لكن تأثيم الإنسان بالترك إلى دليل واضح.
ومن فوائد هذا الحديث: أن السترة مشروعة لكل مصل حتى النافلة حتى المأموم مع الإمام، أما المنفرد والإمام فهو واضح لكن يقال: إنه وردت استثناءات، فالسترة بالنسبة للمأموم غير مشروعة؛ لأن الصحابة لم يكونوا يتخذونها خلف النبي ﷺ ، ولأن سترة الإمام سترة لمن خلفه. فإذا كانت سترة لمن خلفه كان اتخاذ المأموم سترة من باب التعمق في الدين والتنطع فيه، لكن يبقى السؤال: إذا كان المأموم مسبوقا فهل يتخذ السترة لما بقي من صلاته؟ الظاهر لا يحتاج إلى حركة، مشروعيتها مشكوك فيها، وإذا كان كذلك فالأولى ألا يتخذ سترة، لكن له أن يرد من يمر بين يديه في حال قضاء ما فات.
ومن فوائد هذا الحديث: أن السترة تصح بالصغير والكبير لقوله: "ولو بسهم".
ومن فوائده: أن السترة الكبرى أفضل من الصغرى؛ لأن قوله: "ولو بسهم" يفيد التقليل يعني: على الأقل بسهم، فهل تجزئ السترة بما دون السهم؟ سيأتينا - 'ن شاء الله تعالى- في آخر الباب أنه يجزئ الخيط، والخيط ليس بسهم وليس بشيء قائم، فيكون المراد بقوله: "ولو بسهم" أي: فيما إذا كانت السترة قائمة.
стр. 513
الأشياء التي تقطع على المصلي صلاته:
٢٢٢ - وعن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يقطع صلاة الرجل المسلم - إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل- المرأة، والحمار، والكلب الأسود ... " الحديث، وفيه: "الكلب الأسود شيطان". أخرجه مسلم.
٢٢٣ - وله: عن أبي هريرة ﵁ نحوه دون: "الكلب".
قوله ﷺ : "يقطع صلاة الرجل". "يقطع"؛ أي: يفسد؛ لأن القطع معناه: عدم الوصل، ومعلوم أنك إذا قطعت الحبل انفصل بعضه عن بعض، فلا يمكن أن ينبني آخر الصلاة على أولها إذا حصل واحد من هذه الأمور.
وقوله: "صلاة الرجل" بناء على الغالب، فالرجولة ليست شرطا؛ لأن المرأة والرجل في هذا الحكم سواء، وقوله: "المسلم" ليس قيدا أيضا، بل هو بيان للواقع؛ لأن غير المسلم لا صلاة له أصلا حتى لو صلى وزعم أنه يتقرب لله بهذه الصلاة فلا صلاة له.
وقوله: "إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل" "بين يديه"؛ يعني: قريبا منه؛ لأن بين يديه تحتمل البعد وتحتمل القرب، لكن إذا علمنا أن النبي ﷺ دنا من الجدار حتى لم يكن بينه وبينه إلا مثل ممر الشاة عرفنا أن المراد ب"يديه" أي: قريبا منه، ولكن هل لها حد بالذراع أو حد بحال المصلي؟
الجواب: الثاني، حد ذلك أن يكون قريبا من موضع سجوده، وهذا يختلف، فطويل الظهر يمتد ما بين يديه أكثر من قصير الظهر، وبعض العلماء يحده بثلاثة أذرع، لكن ليس هناك دليل والتحديد يحتاج إلى دليل، فإذا لم يكن دليل رجعنا إلى الأصل وهو أن الإنسان إنما يملك من الأرض مقدار ما يحتاج إليه، والذي يحتاج إليه هو منتهى سجوده، وقوله: "مثل مؤخرة الرحل" قد يشكل؛ لأن ظاهره أنه لابد أن تكون السترة مثل مؤخرة الرحل مع أنه سبق أنه يقول ﵊: "ليستتر أحدكم ولو بسهم"، فيكون هذا مما ليس له مفهوم، والقيد قيد للأكمل والأفضل وليس للقدر المجزئ، وقوله: "المرأة" يعني: البالغة؛ لأنه لا يطلق على الأنثى امرأة إلا إذا كانت بالغة، وأما الصغيرة فلا تدخل في لفظ اسم المرأة، "والكلب الأسود" يعني: الذي كله سواد، فلو كان لونه أسود وأبيض لم يقطع الصلاة؛ ولو كان أبيض لم يقطع الصلاة، ولو كان أحمر لم يقطع الصلاة، ولو كان أصفر لم يقطع الصلاة، ولو كان أورق- يعني: لونه مختلط بين البياض والسواد - لم يقطع الصلاة، "الحمار" معروف، والحديث مطلق يدخل فيه الحمار الأبيض والأسود، والصغير والكبير.
стр. 514
وفيه: "الكلب الأسود شيطان"، وسبب هذه الجملة أن أبا ذر ﵁ سأل النبي ﷺ ما بال الأسود من الأحمر، والأبيض والأصفر وما أشبه ذلك؟ فقال له: "الكلب الأسود شيطان"، قيل معناه: أنه شيطان متصور بكلب، وقيل معناه: شيطان أي: شيطان الكلاب، كما أن للإنس شياطين، وللجن شياطين، وشيطان الإنس ليس هو شيطان الجن، فيكون معنى الشيطان: أنه أشدها شرا وضررا وقبحا، وليس المعنى: أنه شيطان تصور بكلب.
هذا الحديث فيه فوائد، منها: أن هذه الثلاثة تقطع الصلاة، سواء كان ذلك في صلاة النفل أو الفريضة، وسواء كان المصلي إماما أو مأموما أو منفردا، ولكن سبق أن المأموم سترته سترة إمامه، وعلى هذا فيخرج من هذا العموم.
ومن فوائد هذا الحديث: بيان فوائد السترة وهي أنها تمنع من بطلان الصلاة إذا مر من ورائها واحد من هذه الثلاثة لقوله: "إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل"، وإذا قلنا بأن السترة تجزئ ولو دون ذلك كفت السترة.
ومنها: أن المرأة الصغيرة لا تقطع الصلاة، فلو مرت فتاة صغيرة بين يدي المصلي فإن صلاته باقية على صحتها.
ومنها: أنه لا فرق بين أن تكون المرأة المارة غافلة أو منتبهة؛ لأن الحديث مطلق، فإن دفعت بدون قصد فهل تقطع الصلاة أو لا تقطع؟ هذا عندي فيه تردد، وهذا يقع أحيانا في الزحام تدفع المرأة حتى تمرق بين يدي المصلي، فهل نقول: إن هذا بغير اختيارها فلا يقال إنها مرت، أو يقال: إن اشتغال المصلي بمرور المرأة بين يديه لا فرق فيه بين أن تكون باختيارها أو بغير اختيارها، فإذا رجعنا إلى الأصل قلنا: الأصل صحة الصلاة، فلا يمكن أن نبلها إلا بشيء مؤكد.
فإن قال قائل: كيف نجيب عن اعتراض عائشة أم المؤمنين ﵂ حيث أنكرت هذا وقالت: شبهتمونا بالكلاب والحمير، وقد كنت أنام معترضة بين يدي النبي ﷺ وهو يصلي؟
فالجواب عن هذا من وجهين:
الوجه الأول: أنه لا يمكن أن يعارض قول الرسول ﷺ بقول أحد كائنا من كان، حتى لو كان أفقه الصحابة وأشدهم اتصالا بالرسول ﷺ ، لأننا إنما أمرنا باتباع الرسول ﷺ .
ثانيا: أن اعتراضها ﵂ لا وجه له؛ لأن الحديث ورد في غير الصورة التي ذكرت، والحديث وارد في المرور وهي لم تمر - هي مضجعة بين يدي الرسول ﷺ ولم تمر - فيكون هذا الاعتراض لا وجه له.
стр. 515
وقولها ﵂: "شبهتمونا بالكلاب" جوابه سهل أن يقال: إن النبي ﷺ قال ذلك وليس قصده الحط من قدر المرأة أو أن تكون كالكلب والحمار، لكن لما كان المصلي مقبلا على الله ، كان المرور بين يديه يخشى أم يفتنه ويتعلق قلبه بها، وليس ذلك من باب الإهانة لها أو قرنها بالحمار والكلب.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الحمار يقطع الصلاة سواء كان صغيرا أو كبيرا، أسود أو أبيض لعموم قوله: "الحمار".
ومن فوائد هذا الحديث: أن الكلب الأسود يقطع الصلاة، وهل الأسود وصف فردي غير معتبر، أو هو وصف معتبر؟ الجواب: الثاني؛ لأن أبا ذر سأل النبي ﷺ عن اشتراط أن يكون أسود فبين له أن الأسود شيطان.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الكلب الأسود يقطع الصلاة سواء كان صغيرا أو كبيرا.
ومن فوائده: أن غير الأسود لا يقطع الصلاة، ولكن إذا كان فيه بقع بيضاء أو بقع صفراء، والأغلب السواد هل يقطع الصلاة؟ الجواب: لا، لا يقطع الصلاة؛ لأن النبي ﷺ اشترط أن يكون أسود؛ إلا أن بعض العلماء ألحق بالأسود الخالص ما فوق عينه بياض؛ لأن هذا يعني أن الأسود الخالص قد لا يوجد إلا قليلا، وقال: إن الذي فوق عينه بياض يسير يلحق بالأسود.
ومن فوائد هذا الحديث: أن في الكلاب شياطين وفيها ما ليس كذلك؛ لقوله: "الكلب الأسود شيطان".
ومن فوائد هذا الحديث: أن الكلب الأسود لا يباح صيده؛ لأنه شيطان فلا يباح صيده، ولذلك يحرم اقتناؤه ولو للصيد أو الماشية أو الزرع، قال أهل العلم: ويقتل بكل حال، بخلاف الكلاب الأخرى فلا تقتل إلا إذا حصل منها إيذاء لا يندفع إلا بالقتل، وأما بدون سبب فلا.
ومن فوائد هذا الحديث: حرص الصحابة - رضي لله عنهم- على معرفة الحكم والأسرار في التشريع؛ لأن أبا ذر سأل النبي ﷺ عن الحكمة في كون الأسود يقطع الصلاة وغيره لا يقطع.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الأحكام الشرعية معللة بالحكمة، ولكن التعليل قد يكون معلوما لنا، وقد يكون مجهولا لنا، وقد يكون معلوما لكل أحد، وقد يكون معلوما لبعض الناس، والعلماء ﵏ يسمون ما لا تعرف علته بالحكم التعبدي، أي: أن وظيفتنا أن نتعبد لله بهذا، سواء علمنا الحكمة أو لا؛ لأن هذه حقيقة العبودية؛ ولهذا لما سئلت أم المؤمنين
стр. 516
عائشة ﵂ ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، قالت: "كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة".
٢٢٤ - ولأبي داود، والنسائي: عن ابن عباس ﵄ نحوه، دون آخره، وقيد المرأة بالحائض.
أتى المؤلف ﵀ بهذه الأحاديث مع أن الأول يغني؛ لأنه من رواية مسلم من باب التقوية، وفي بعضها زيادة وبعضها نقص، قوله: "قيد المرأة بالحائض" هل المراد: الحائض بالفعل أو التي قد حاضت؟ الثاني هو المراد يعني: البالغة.
وأخذ من هذا الحديث: أن الحيض يحصل به البلوغ؛ لأنها تصل به - أي: الأنثى- إلى أن توصف بأنها امرأة فيحصل به البلوغ، وبلوغ الأنثى يحصل بواحد من أربعة أمور:
أولا: إنزال المني. الثاني: إنبات العانة. والثالث: تمام خمس عشرة سنة. والرابع: الحيض.
والحمل لا يحصل به البلوغ لكنه علامة عليه، والبلوغ إنما حصل بالإنزال السابق للحمل؛ لأنه لا يمكن أن تحمل المرأة إلا بإنزال، وعلى هذا فيقال: الحامل بالغة لا شك، لكن بماذا حصل البلوغ؟
بالإنزال السابق للحمل، وليس بالحمل، ولكن الحمل دليل وعلامة على أنها قد بلغت.
فائدة السترة وحكمها:
٢٢٥ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان". متفق عليه. وفي رواية: "فإن معه القرين".
قوله: "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس" ليس المراد بذلك: أن يستر كل جسمه، بل المراد: إلى سترة؛ لأن السترة تمنع الناس من المرور بينك وبينها، فالمراد إذن: السترة، وقوله: "فأراد أحد" "أحد" هذه نكرة في سياق الشرط؛ لأن قوله: "فأراد" معطوف على قوله: "إذا صلى" فهي داخلة في ضمن الشرطية، ويكون المراد بالأحد: العموم سواء كان رجلا أم امرأة، صغيرا أو كبيرا، فأراد أن يجتاز بين يديه؛ أي: يمر بين يديه، "فليدفعه" (الفاء) رابطة للجواب وهو جواب الشرط إذا، و (اللام) في قوله: "فليدفعه" اللام للأمر، وقد مر لكم أن جواب الشرط
стр. 517
يجب قرنه بالفاء في سبعة مواضع؟ إذا كان جواب الشرط واحد من هذه السبعة فإنه يجب اقترانه بالفاء أو بإذا الفجائية "اسمية" يعني: إذا كان الجواب جملة اسمية "طلبية": إذا كان الجواب جملة طلبية أمر أو نهي، أو ما أشبهه، و"بجامد" إذا كان جواب الشرط فعلا جامدا، الجامد هو الذي لا يتصرف مثل: عسى، وليس، وما أشبه ذلك، وب"ما" يعني: إذا قترن بما النافية، فإذا كان جواب الشرط مقترنا بما النافية وجب أتقرن به الفاء، و"قد" إذا كان مقترنا بقد وجبت الفاء، و"بلن" وإذا كان مقترنا ب"لن" وجبت الفاء، "وبالتنفيس" إذا كان مقترنا بالسين أو سوف، والأمثلة تمر بنا، لكن هذه هي المواضع التي يجب فيها الاقتران بالفاء، أو ب"إذا" الفجائية، ولكنه قد يأتي في النظم غير مقترن بالفاء، كقوله: [البسيط]
من يفعل الحسنات الله يشكرها
هذه الجملة اسمية وخلت من الفاء لكنه للضرورة. إذن "فليدفعه" من أي الأنواع السبعة؟ طلبية. "فليدفعه فإن أبى" أي: امتنع "فليقاتله" يعني: يدفعه بشدة وقوة، وليس المراد بالمقاتلة كالتي تؤدي إلى القتل؛ لأن دم المرء المسلم لا يحل بمثل هذا، لكن المراد: المدافعة بشدة كقوله ﷺ في الصائم إن أحدا سابه أو قاتله فليقل: "إني امرؤ صائم". "قاتله" يعني: المضاربة، "فإنما هو شيطان" الجملة هنا تعليلية للجملة التي قبلها "فليقاتله"، كأن قائل يقول: لماذا يقاتل؟ قال: إنه شيطان؛ لأنه حاول إفساد المصلي، أو تنقيص أجره، ولا يحاول إفساد العبادة أو تنقيصها إلا الشيطان.
فعليه يكون معنى قوله: "فإنما هو شيطان"؛ أي: أن فعله فعل الشيطان، وذلك لمحاولة إبطال العبادة، أو تنقيصها، وفي رواية: "فإن معه القرين" القرين: يعني: من الشياطين، يعني: هو الذي أمره أن يجتاز من أجل إفساد العبادة؛ لأن كل معصية فإنها بأمر الشيطان والنفس الأمارة بالسوء، وكل طاعة فهي من وحي الملك والنفس المطمئنة.
في هذا الحديث فوائد، منها: أن ظاهر قوله: "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس" أن وضع السترة ليس بواجب؛ لأن قوله: "إذا صلى إلى شيء يستره" يفيد أنه قد يصلي إلى شيء يستره وقد لا يصلي، وسبق الخلاف في هذه المسألة، وأن الذي يترجح أن اتخاذ السترة ليس بواجب.
ومن فوائد هذا الحديث: الإشارة إلى فائدة السترة، وهي أنها تستر الإنسان من الناس،
стр. 518
وسبق لنا أنها تستر من الناس من جهة أن من مر من ورائها لا يضر المصلي شيئا، سواء كان ممن يقطع الصلاة أو لا، وأيضا هي تحمي الإنسان؛ لأن من مر به وأمامه السترة احترمه وتجنب أن يمر بين يديه، فهي تستر من الناس من هذين الوجهين.
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب مدافعة من أراد أن يجتاز لقوله: "فليدفعه فإن أبى فليقاتله"، وهذا يدل على أنه لابد من المدافعة، وهذا في الفريضة أو النافلة واضح فيما إذا كان المار ممن يقطع الصلاة، فواضح أنه يجب؛ لماذا؟ لئلا يفسد عبادة واجبة، والعبادة الواجبة يجب على الإنسان إتمامها أما في النافلة أو إذا كان المار ممن لا يقطع الصلاة فالظاهر أن الأمر ليس على الوجوب بل على سبيل الاستحباب، وقد يقول قائل: إنه من باب الوجوب لا من حيث إفساد الصلاة، بل من حيث إنه تعزير وتأديب للمار حتى يتنبه؛ لأن بعض الناس - ونراهم في الحرم المكي- يمشي وعيونه في السماء ولا يبالي، فإذا شعر بأن المصلي سيدفعه فإن أبى فإنه يقاتله حينئذ ينتبه، المهم أن وجوب الدفع ظاهر فيما إذا كانت الصلاة واجبة والمار ممن يقطع الصلاة فيما عدا ذلك يحتمل أن يكون للوجوب، ويحتمل أن يكون للاستحباب؛ وذلك لأن صلاة النافلة لو قطعها الإنسان عمدا بدون عذر فله ذلك، ولكن نقول: قد نوجبه من جهة أخرى وهي التعزيز والتأديب لهذا، وأنه يجب على الإنسان أن ينتبه لإخوانه، ويرجح هذا- أي: يقويه- قوله: "فإن أبى فليقاتله".
ومن فوائد الحديث: أنه إذا أراد أحد أن يجتاز ممن يجاوز ما بين يديه فليس له الحق في مدافعته، لكن ما الذي بين يديه؟ قال بعض العلماء: يرجع في ذلك إلى العرف فما عد بين يدي المصلي فهو ما بين يديه، وما لا فلا، وقيل: يتقدر هذا بثلاثة أدرع من قدم المصلي، والأرجح أن ما بين يديه إن كان شيئا محددا كالسجادة والبلاطة في المسجد الحرام فما كان داخل المحدد فهو ما بين يديه، وما جاوزه فليس بين يديه، وإن لم يكن هناك محدد فما بين يديه هو منتهى سجوده، يعني: موضع الجبهة عند السجود؛ وذلك لأن هذا المصلي له مكانا محترما، فما مكانه المحترم؟ مكانه المحترم هو الذي يحتاجه للصلاة عليه، والرجل لم يحدد شيئا معينا لم يضع سترة ولم يكن له مصلى محددا، فإذن نقول: إنه لا يملك من الأرض إلا مقدار ما يحتاج في صلاته وهو منتهى سجوده.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه إذا صلى إلى غير سترة فليس له الحق أن يمنع؛ لأن النبي ﷺ قيد الأمر بما إذا صلى إلى سترة، وهذه المسألة لولا أحاديث أخرى لكان هذا مقتضى النص، لكن هناك أحاديث أخرى تدل على أنه يدفعه مطلقا إذا أراد أن يجتاز بين يديه، وهذا هو الصحيح: إذا أراد أن يجتاز بين يديك وإن لم يكن لك سترة فلك أن تدفعه، لكن تفترق السترة
стр. 519
وغيرها بأن ما بينه وبين السترة كله محترم ولو بعد عن موضع السجود؛ إلا إذا كان بعدا فاحشا، وأما إذا لم يكن له سترة فإلى منتهى سجوده هذا هو الفرق.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لو أراد أحد أن يناول شخصا من بين يدي المصلي فلا بأس، الدليل قوله: "أن يجتاز"، وأما لو مد يده إلى الذي وراء المصلي يناوله شيئا أو يسلم عليه فلا بأس، لكن إذا كان هذا يحصل به تشويش على المصلي مثل أن يؤدي إلى أن المصلي ينظر أو يتابع النظر على هذا الذي مد يده، فحينئذ نقول: لا تفعل؛ لماذا؟ لأنه يؤدي إلى التشويش على المصلي وإدخال النقص في صلاته، أما إذا كان المصلي لا يهتم بذلك كرجل معروف بالخشوع في صلاته أو رجل أعمى لا ينظر إليه فلا بأس.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز مقاتلة من أبى أن يندفع، وحاول أن يجاوز لقوله: "فإن أبى فليقاتله"، ومرادنا بالجواز: أنه لا تمتنع المقاتلة لكنها مأمور بها. فإن قال قائل: أخشى لو قاتلته أن يقاتلني؟ قلنا: نعم، هذا ظاهر اللفظة "فليقاتل"؛ لأن المفاعلة تقتضي الفعل من الجانبين، فيقول: أخشى أن يقاتلني ثم تطول المسألة يضربني أضربه، نقول: إذا كان يخشى فساد صلاته بكثرة الحركة فلا يفعل؛ لأن أصل المقاتلة من اجل حماية الصلاة، فإذا أدى ذلك إلى فسادها فلا يفعل، وإذا تجاوز من فعل المأمور به من المدافعة ثم المقاتلة فالإثم على من؟ على المار.
ومن فوائد هذا الحديث: حسن تعليم النبي ﷺ وذلك بقرن الأحكام بعللها؛ لقوله: "فإنما هو شيطان"، وهذا أمر مطلوب للمفتي أن يقرن الأحكام بعللها أو بأدلتها، لاسيما إذا شعر بأن المستفتي لم يطمئن كثيرا بحيث قد يكون استغرب الإفتاء، فهنا ينبغي إن لم يجب أن يقرن الفتوى بالدليل أو بالعلة الواضحة حتى يطمئن المستفتي، على أنني أحبذ أن يقرن الفتوى بالدليل في كل فتوى إذا أمكنه ذلك؛ لأنه إذا قرن الحكم بالدليل صار المستفتي يفعل اتباعا للدليل، وهذه المسألة مهمة؛ لأن الفعل اتباعا للدليل هو تحقيق المتابعة للرسول ﵊، وأنت إذا قلت للمستفتي: هذا حرام هذا واجب؛ فإنه سيقتنع ما دام يعرف أنك من أهل الفتوى، لكن إذا قلت: يجب لقول الله تعالى، يجب لقول الرسول ﷺ ، يحرم لقول الله تعالى، يحرم لقول الرسول، فإنه لا شك يزداد طمأنينة من وجه، ويشعر بأنه إذا فعل ما أفتيته به فهو متبع للدليل؛ وهذه مسألة مهمة ينبغي للإنسان المفتي أن يقرن الحكم بالدليل ما أمكنه حتى يكون مرشدا من وجهين: من وجه بيان الحكم، ومن وجه حمل الناس على الاتباع والتأسي، أما إعطاء الحكم جافا بدون دليل فإنه لا شك أنه يجزئ، ولكنه مع الدليل أحسن،
стр. 520
وإذا رأيت من المستفتي أنه استغرب الحكم - وهذا يعرف بملامح وجهه- فهنا يجب أن تذكر الدليل؛ لماذا؟ لكي يطمئن من وجه، ولئلا يذهب إلى آخرين يستفتيهم ويفتونه بغير علم.
ومن فوائد هذا الحديث: أن المار بين يدي المصلي مع المدافعة - بل حتى مع عدم المدافعة- شيطان، وذلك لمشابهة الشيطان في محاولة تنقيص العبادة أو إبطالها.
ومن فوائد اللفظ الآخر: أن القرين من الشياطين يأمر بالعدوان والظلم، وهو كذلك؛ ولهذا قال الله : ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عدوة كأنه ولي حميم وما يلقها إلا الذين صبروا وما يلقها إلا ذو جظ عظيم وإما بنزغنك من الشيطن نزغ فاستعذ بالله﴾ [فصلت: ٣٤، ٣٦]. فأرشد الله تعالى إلى مقابلة المسيء من الإنس والمسيء من الجن.
حكم اعتبار الخط سترة:
٢٢٦ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ : قال: "إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا، فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يكن فليخط خطا، ثم لا يضره من مر بين يديه".
أخرجه أحمد، وابن ماجه، وصححه ابن حبان، ولم يصب من زعم أنه مضطرب، بل هو حسن.
قوله: "إذا صلى أحدكم فليجعل". "إذا صلى" أي: إذا أراد أن يصلي، ولو أخذنا بظاهرها لكان إذا فرغ من الصلاة، وهذا غير مراد قطعا، إذن "إذا صلى" أي: إذا أراد أحدكم أن يصلي.
فإن قال قائل: ما الفائدة من إطلاق الفعل على إرادته؟
قلنا: الفائدة من ذلك أن يتبين للمخاطب أن المراد: الإرادة الجازمة التي تستلزم الفعل، هذا هو فائدة التعبير بالفعل على إرادته؛ ولذلك لو أن الإنسان أراد أن يصلي لكن يصلي مثلا بعد ساعة أو ساعتين لا يقال: هذا الفعل مقارنا للإرادة، لكن الفعل يكون مقارنا للإرادة إذا كانت الإرادة قريبة من الفعل.
وقوله: "فليجعل تلقاء وجهه شيئا" أي: شيئا فوق العصا، بدليل قوله: "فإن لم يجد فلينصب عصا" يعني: "إن لم يجد" معناها: التحول من حال عليا إلى حال دونها، فعليه يكون المراد
стр. 521
ب"شيئا" وإن كان نكرة، فالمراد به: شيئا فوق العصا مثل مؤخرة الرجل، فإن لم يجد شيئا فلينصب عصا ينصبها قائمة، وليس يضجعه على الأرض، اللهم إذا كانت الأرض صلبة لا يمكن أن يغرزه فيها فحينئذ يضعه عرضا لا طولا.
فإن لم يكن عصا فليخط خطا، كيف يخط خطا؟ هل يخطه طولا أو عرضا؟ عرضا، وقال بعضهم: ينبغي أن يجعله مقوسا، لكن الحديث كما ترون مطلق، ولا شك أن المراد به، العرض، لكن هل يجعله مقوسا ممدودا؟ الأمر في هذا واسع، "ثم لا يضره ما مر بين يديه" "بين يديه" أي: ما وراء هذه السترة، وليس المراد بين يديه أي بينه وبين السترة، بل من وراء هذه السترة، قال ابن حجر ﵀: "ولم يصب من زعم أنه مضطرب" وهو ابن الصلاح ﵀، قال: من زعم أنه مضطرب لم يبين اسمه لفائدتين: الفائدة الأولى: أنه لا داعي لذكر الاسم؛ لأن المقصود هو الحكم. ثانيا: أنه ربما يكون أحد من الناس يزعم أنه مضطرب فيكون عدم التعيين مفيدا للعموم- أي: كل من زعم-، والاضطراب: هو اختلاف الرواة في حديث بحيث لا يمكن الجمع ولا الترجيح، والنسخ معروف أنه لابد من تأخر الناسخ، فإذا وجدنا حديثا اختلف الرواة في سنده أو متنه على وجه لا يمكن الجمع ولا الترجيح علمنا بأنه مضطرب، إلا أن نعلم تأخر أحد الحكمين فيكون ناسخا.
في هذا الحديث فوائد، منها: الأمر بوضع السترة لقوله: "فليجعل" وظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن يكون في الفضاء والبنيان، ولا بين أن يخشى مارا أو لا يخشى، وقال بعض أهل العلم: إن ذلك فيما إذا خشي مارا، أما إذا لم يخش مارا فلا حاجة إلى السترة؛ كإنسان دخل المسجد وليس فيه أحد، ويعلم أنه لن يأتي أحد أو إنسان في برية ولا يخشى أحدا يمر فإنه لا يضع السترة، لكن هذا القول ضعيف، والصواب: أن السترة مشروعة سواء خشي مارا أم لا.
ومن فوائد هذا الحديث: التدرج من الأعلى إلى الأدنى، وأن الإنسان ينبغي أن ينشد الكمال أولا، فإن لم يحصل فما دونه، وهذا شيء يكون في مواضع كثيرة، مثلا نقول: في الوضوء الأصل: أن يتوضأ ثلاثا ثم مرتين ثم واحدة، فالتدرج من الأعلى إلى الأدنى كثير ومنه هذا الحديث.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الأفضل فيمن أراد أن يستتر بعصا أن يجعله قائما لقوله: "فلينصب عصا" وهذا هو هدي النبي ﷺ ، فإنه إذا أراد ان يضع سترة يركز العنزة على الأرض حتى تكون قائمة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن المصلي إلى سترة يجعلها تلقاء وجهه لا يميل عنها يمينا ولا
стр. 522
يسارا، وهذا هو ظاهر النصوص أن السترة تكون بين يديك تماما وفي حديث: "أنه لا ينبغي أن يصمد إليها، بل يجعلها على الحاجب الأيمن أو الحاجب الأيسر" لكنه ضعيف.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الحط يكفي عن العصا، وهي المرتبة الثالثة، والحط هنا فيما إذا كانت الأرض يؤثر فيها الخط كالرملية والحصبائية فهذه يمكن، لكن إذا كان لا يمكن كأرض صلبة فهل هناك فائدة للخط؟ لا، وما لا فائدة منه لا يمكن أن يأمر به الشرع، فالمراد إذن: الأرض التي يؤثر فيها الخط.
مسألة الخط بالتلوين وهل يعتبر سترة ؟
إذا قال قائل: هل يقوم مقام الخط المؤثر التلوين أو لا يقوم؟ ننظر الخط لابد أن يؤثر حفرة في الأرض، كالخط كما لو وضع كومة من الرمل أو كومة من الحصباء أثرها ظاهر إما انخفاضا وإما ارتفاعا، هذا الخط هل يحصل به هذا؟ لا يحصل به هذا، لكنه في الحقيقة حماية للمصلي، بمعنى: إذا كان المسجد مفروشا وفيه شيء يشبه المحراب وصلى الإنسان في هذا المكان فإن هذا المحراب يعتبر حماية للمصلي، وإن كان ليس فيه شيء نازل ولا مرتفع لكن هل يجزئ عن السترة؟ الجواب: نقول: إذا قلنا لا يجزئ فإن المصلي إذا لم يكن له سترة ما هو منتهى المكان المحترم؟ موضع السجود وهذا في موضع السجود فلا يضره من مر وراءه.
فالذي يظهر لي: أن الخط بالتلوين لا يكفي؛ لأنه لا يؤثر لا انخفاضا ولا ارتفاعا لكن إذا قدر أن الإنسان يصلي على فراش فيه هذا التخطيط فإنه على فرض أننا لا نعتبره شيئا نقول: هو داخل حرمة المصلي فلا يجوز المرور بينه وبينه.
أسئلة:
- رجل صلى ووضع سترة، فما موقفه منه؟
- وهل الأمر في الحديث للوجوب؟
- ما معنى قوله: "فإن معه القرين"؟
- من هو القرين؟
- هل يؤخذ من هذا التعليل أن كل معصية إنما هي بأمر الشيطان؟
- هل هناك شاهد من القرآن أن كل معصية من الشيطان؟ ﴿لا تتبعوا خطوت الشيطن﴾ [النور: ٢١].
стр. 523
- حديث أبي هريرة هل هو صحيح أم حسن؟ حسن.
- وهل الحسن حجة؟ نعم في العقائد والأحكام.
- هل الاضطراب موجب ضعف الحديث؟
مسألة حكم العمل بخبر الآحاد والحديث الضعيف:
مسألة العمل بخبر الآحاد هل يعمل بخبر الآحاد والمراد الصحيح، والحسن، أما الضعيف فلا يعمل به، هذا نذكره إن شاء الله:
مذهب أهل السنة والجماعة أنه يعمل بخبر الآحاد في العقائد والعبادة والأخلاق والمعاملة بين الناس، وفي كل فرع من فروع الشريعة بدون تفصيل؛ ما دام صح عن النبي ﷺ فإنه يعمل به، بل ما دام حسنا فإنه يعمل به.
وذهب أهل الكلام من المعتزلة والأشاعرة ونحوهم أنه لا يعمل به في العقائد، وعللوا ذلك بأن أخبار الآحاد تفيد الظن، والعقائد لابد فيها من القطع.
فيقال: إذا صح عن النبي ﷺ فإن الإنسان يجب أن يعقد مدلوله ما دام يرى أنه صحيح النسبة إلى رسول الله ﷺ ، لأن المقصود العلم بوصول الخبر إلى رسول الله ﷺ ، وحينئذ لا فرق بين خبر الآحاد والمتواتر.
ثم إننا نقول: حتى في الأعمال التي لا تعتبرونها عقيدة لابد أن يصحبها عقيدة، عندما يصلي الإنسان راتبة هل يصحب صلاته عقيدة او لا؟ نعم. ما العقيدة؟ أنها من شرع الله، والعقيدة في شرع الله كالعقيدة في صفات الله وأفعال الله، ولا فرق لأن شريعة الله ثبتت بقوله وجيه، فلا فرق إلا فرقا صوريا، يقولون: إن هذا عمل القلب، وهذا عمل الجوارح.
فالصواب: أن خبر الآحاد حجة يحتج به ولا يعمل به ولا يعتقد مدلوله؛ لأنه ضعيف، ولكن هل يذكر وينسب إلى الرسول ﷺ أو لا؟ فيه تفصيل: أما ذكره لبيان ضعفه فهو جائز، بل واجب؛ لأن المقصود من ذلك أن يتوقى الناس العمل به فيذكر ويبين أنه لا عمل عليه، وأما ذكره للعمل به فإنه لا يجوز مطلقا؛ لأنك إذا ذكرته ولم تتعقبه بيان الضعف سوف يعتقد السامع انه ثابت عن الرسول ﵊ وهذا خطر؛ إذ إنك إذا اعتقدت أنه ثابت ثم قلت بمدلوله وليس كذلك - أي: ليس بثابت- فقد افتريت على الرسول ﷺ كذبا، أو قلت ما ليس لك به علم، يعني إذا تنازلنا وقلنا: لم يفتر كذبا، قلنا: إنه قال ما ليس له به علم.
وهل يذكر للترغيب في فضائل الأعمال، والترهيب من مساوئ الأعمال أو لا؟
ذهب بعض أهل العلم: إلى أنه لا يذكر حتى في الترغيب والترهيب، وقال: إنما فيما صح
стр. 524
عن رسول الله ﷺ كفاية في الترغيب والترهيب، وهذا ما دام ضعيفا فليطرح ولم يستثنوا شيئا، فقالوا: لا يجوز العمل بالضعيف ولا يجوز ذكره إلا مقرونا ببيان ضعفه مطلقا.
وقال بعض أهل العلم: يجوز العمل بالضعيف في الفضائل أو المساوئ لكن بشروط ثلاثة:
الشرط الأول: ألا يكون الضعف شديدا بحيث يصل إلى قريب الوضع والكذب، فإن كان الضعف شديدا فلا يجوز ذكره حتى في الفضائل.
الشرط الثاني: أن يكون أصل ما ورد فيه ثابتا بدليل صحيح، مثل أن يرد حديث في فضل صلاة الجماعة ضعيف، لكن مرتب فيه أجر كثير والحديث ضعيف، هنا يمكن أن تقول بذكر هذا الحديث؛ لأنه ينشط على صلاة الجماعة فإن ثبت تقرر الأجر للمصلي، وإن لم يثبت استفاد منه النشاط والرغبة في العمل فهو لا يضر.
الشرط الثالث: ألا يعتقد أن النبي ﷺ قاله؛ لأنه لا يمكن أن تعتقد أنه قاله إلا إذا صح، بل تقول: يروى أو يذكر أما ما أشبه ذلك، فللعلماء إذن قولان في ذكر الحديث الضعيف والعمل به.
٢٢٧ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقطع الصلاة شيء، وادرءوا ما استطعتم". أخرجه أبو داود، وفي سنده ضعف.
"الصلاة" منصوبة، كيف تكون منصوبة وهي تلي الفعل، والمعروف أن الفاعل يكون مرفوعا؟
الصلاة مفعول مقدم، "لا يقطع الصلاة شيء" و"شيء" نكرة في سياق النفي فتعم كل شيء، "وادرءوا ما استطعتم" يعني: ادفعوا من أراد أن يمر ما استطعتم، فهاهنا حكمان: الأول: أن الصلاة لا يقطعها شيء، أي شيء يمر لا يقطعها: امرأة، رجل، حمار، كلب، بعير، شاة، أي شيء. الحكم الثاني: الدفع "ادرءوا ما استطعتم"، وهذا يعم دفع كل من أراد أن يمر بيد يدي المصلي سواء كان يقطع الصلاة أو لا.
والحديث يقول المؤلف ﵀: في سنده ضعف، وعليه فلا يثبت به حكم ما دام ضعيفا، ولم يرد من وجوه متعددة تعضده حتى يصل إلى درجة الحسن، فإنه لا عمل عليه، وإذا قدرنا أنه صح بغيره أو صار حسنا بغيره فإنه يقال: إنه عام، وأحاديث قطع الصلاة بمرور الكلب الأسود والمرأة والحمار مخصصة، وتخصيص العام موجود بكثرة في الكتاب والسنة.
وعلى هذا فنقول: إن هذا الحديث ضعيف، وإن صح فإنه عام مخصوص بالأحاديث الدالة على أن مرور الكلب الأسود، والمرأة، والحمار يقطع الصلاة.
стр. 525
٥ - باب الحث على الخشوع في الصلاة
الحث والحض معناها واحد، والمراد بذلك: طلب الإسراع في الشيء، يقال: "يسار سيرا حثيثا" أي: سريعا، ومنه قوله تعالى: ﴿يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا﴾ [الأعراف: ٥٤]. أي: سريعا، فمعنى "الحث" يعني: طلب المسارعة إلى هذا.
"الخشوع في الصلاة" فسره العلماء بأنه سكون الأطراف مع طمأنينة القلب، يعني: أن القلب يحضر في الصلاة وتسكن الأطراف، فلا عبث ولا لغو والقلب حاضر متوجه إلى الله ، فإذا توجه القلب إلى الله الذي يعلم ما في القلب، فإنه لابد أن يخشع الإنسان ويقصر فكره على من يناجيه وهو الله ﵎ إذن هو معنى نفسي يستلزم طمأنينة القلب وسكون الجوارح.
واختلف العلماء ﵏ هل الخشوع واجب أو سنة؟ والصحيح: أنه سنة، لكنه سنة مؤكدة؛ إذ إنه هو روح الصلاة حقيقة، فالصلاة بلا حضور قلب ما هي إلا قشور بلا لب، وينقص من ثواب الصلاة بقدر ما نقص من الخشوع، وظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "القواعد النورانية": أن الخشوع في الصلاة واجب، واستدل لذلك بأدلة كثيرة، لكن يعكر عليها أن النبي ﷺ قال: "إن الشيطان يأتي إلى ابن آدم في الصلاة فيقول: اذك كذا اذكر كذا حتى لا يدري ماذا صلى". فهذا يمنع أن نقول: إن الرجل إذا استوعبت الوساوس صلاته بطلت.
فالذي يظهر: أن الخشوع سنة مؤكدة جدا، وأن من غلب الوسواس على أكثر صلاته فهو على خطر عظيم.
أسئلة ومناقشة:
- ما المراد بقول المؤلف: باب سترة المصلي؟
- في الحديث ما يدل على تحريم المرور بين يدي المصلي ما هو الحديث؟
- ما وجه التحريم من هذا الحديث؟
- لو قال قائل: إن المصلي لا يمكن أن يبقى أربعين سنة؟
- المبالغة تارة تكون بالأقل، وتارة تكون بالأكثر نريد أمثلة ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾ [الزلزلة: ٧].
- كلمة "بين يديه" هل هي محدودة أو تختلف باختلاف الناس؟
- هل تصح السترة بالخط، وما الدليل؟
-
стр. 526
رجل يصلي فمر بين يديه كلب أبيض، هل يقطع صلاته؟
- رجل وضع ستر في صلاته وأراد أحد أن يمر بينه وبين سترته، فما موقف المصلي؟
- هل المراد بالمقاتلة: شدة المدافعة، أو القتل؟
- هل لديك شاهد بأن المقاتلة تطلق على شدة المدافعة أو على التشابك بالأيدي؟
- حديث: "لا يقطع الصلاة شيء ... " هل يمكن أن يعارض حديث أبي ذر؟
- الخشوع في الصلاة ما منزلته في الصلاة؟ قال أهل العلم: هو لب الصلاة وروحها.
- فما المراد بالخشوع في الصلاة هل هو البكاء أو ماذا؟
- لو قال قائل: إنه يذكر عن عمر أنه قال: إن كنت لأجهز جيشا وأنا في الصلاة، هل تقول: إن عمر ليس من الخاشعين في الصلاة؟ لا، لأنه لا يجوز في الخوف ما لا يجوز في غيره، والدليل صلاة الخوف، فالخوف يغتفر فيه ما لا يغتفر في غيره.
وهل مثل ذلك أن يفكر الإنسان في مسألة علمية أشكلت عليه؟ لا؛ لأن الوقت فيه متسع.
فإذا قال قائل: لو حدثت حادثة تستلزم التعجيل فهل له أن يفكر؟ الظاهر أن له أن يفكر بشرط ألا يخل بالصلاة؛ وذلك لأن العلم نوع من الجهاد في سبيل الله.
لو قال قائل: هل له أن يفكر في معنى ما يقرأ وما يقول من تسبيح ودعاء؟ نعم؛ لأنه من تمامها.
هل إذا رأينا شخصا يعبث بأي شيء هل نستدل بهذا على أن قلبه غافل؟ نعم؛ لأنها حركة صادرة عن إرادة، والإرادة محلها القلب، فنقول: هذا ليس بخاشع، لكنه يعفى ويتسامح عن الشيء الذي يحتاجه الإنسان كما فعله النبي ﷺ في حمله أمامة.
لو تذكر الإنسان في صلاته شيئا وخاف أن ينساه مرة أخرى فأخرج القلم ورسم بكفه، هل يجوز؟ نعم يجوز بشرط الحاجة، وألا يترتب على ذلك ضرر فربما يشاهده شخص فيقع في عرضه إن لم يكن فعله محل التأسي، به فيما ليس من جنس فعله إذا كان أهلا للتأسي.
فقد يكون الشيء جائزا لكن يخفى على العوام فلو فعله الإنسان وهو ليس قدوة لأكل الناس عرضه، وإن كان قدوة اتخذ الناس من هذا الفعل ما ليس يفعله الذي تأسوا به، وهذه نقطة يجب على طالب العلم أن ينتبه لها.
سبق لنا أن قلنا: إن العلماء اختلفوا في الخشوع هل هو واجب أو لا؟ وظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتاب "القواعد النورانية" - وهو كتاب مختصر مفيد - أن الخشوع واجب، واستدل بأدلة قوية، لكن يعكر على هذا: الحديث الصحيح أن الشيطان يأتي على الإنسان إذا دخل في الصلاة ويقول: اذكر كذا في يوم كذا، ولم يقل النبي ﷺ : فمن فعل ذلك فليعد الصلاة كما قال حينما تكلم على أن ذبح الأضحية لا يكون إلا بعد صلاة العيد، قال:
стр. 527
"من ذبح قبل ذلك فليذبح مكانها أخرى". إنما على الإنسان أن يحرص على الخشوع في الصلاة، حضور القلب؛ لأنه إذا حضر قلبه استفاد فائدة عظيمة من صلاته سوف يتأثر إذا انتهى من الصلاة تأثرا بالغا، لكن إذا دخل فيها ثم من وقت ما يدخل ينفذ له بعض الوساوس التي كان قبل الدخول غافلا عنها، ولم تطرأ على باله فإنه سيخرج من الصلاة بدون أن يتأثر القلب، وسيبقى دائما على هذا الحال، لكن لو عالج نفسه، وصار كلما اتجهت إلى شيء ردها واستحضر ما يقول ويفعل وهو في عراك معها، مسألة ليست هينة، لكن إذا عود نفسه مرة بعد أخرى، ومرة يستحضر نصف الصلاة، ومرة أقل ومرة أكثر وعود نفسه؛ سهل عليه، أما أن يستمر ويغفل عن هذا فإنه لن يستفيد كثيرا من صلاته إلا إبراء الذمة فقط.
٢٢٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يصلي الرجل مختصرا". متفق عليه، واللفظ لمسلم. ومعناه: أن يجعل يده على خاصرته.
٢٢٩ - وفي البخاري: عن عائشة ﵂ أن ذلك فعل اليهود في صلاتهم.
فائدة: "صلى الله عليه وعلى آله" بعض الناس يقول: "صلى الله عليه وآله"، ولكن إدخال حرف الجر أولى؛ لأنه مطابق للحديث: "اللهم صل على محمد، وعلى آله محمد"؛ ولأن "صلى الله عليه وآله" من شعار الرافضة، فينبغي أن نبتعد عن شعاراتهم؛ ولهذا أشكل على بعض الناس حينما نقول: صلى الله عليه وعلى آله، قال: كيف تقول هذا الكلام هذا شعار الرافضة؟ قلنا: بيننا وبينهم فرق في اللفظ والمعنى، في اللفظ: نأتي بحرف الجر وهم لا يأتون، في المعنى: هم يقصدون ب"الآل": آل البيت، ونحن نقصد ب"الآل": جميع أتباعه.
يقول: "نهى" النهي هو طلب الكف على وجه الاستعلاء، وهل هو فعل أو ترك؟ نقول أما بالسبة لهم القلب فهو فعل؛ لأن القلب يريد أن يترك، وأما بالنسبة للجوارح فهو ترك؛ ولهذا لا يصح أن نطلق أن امتثال النهي ترك، بل نقول: أما بالنسبة لما يقع في القلب من إرادة الترك فهو فعل؛ لأنه كف النفس، وأما بالنسبة للجوارح فإنه ترك؛ أي: عدم فعل، وقولنا: "على وجه الاستعلاء" أي: أن الناهي يشعر نفسه بأنه فوق المنهي بدون تكبر، لكن خرج به ما إذا نهى عن شيء على وجه التذلل فإنه يكون دعاء، كقولنا: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. "لا" ناهية لا إشكال فيها، لكنها في هذا المقام - وهو مقام تذلل- لا يصلح أن تقول:
стр. 528
إنها ناهية؛ إذ إنه لا يمكن أن يوجه الإنسان النهي إلى من فوقه، ولاسيما أنه بين الخالق والمخلوق، إذا كان من شخص مماثل مساو في الدرجة فإنهم يسمونه التماسا؛ ولهذا تجد حتى في معاملة الناس في كلامهم: "يا فلان من غير أمري عليك افعل كذا"، "من غير أمر لا تفعل كذا"، فيفرقون بين الاستعلاء وبين غيرها، فإذا كانت من مماثل سماها البلاغيون التماسا، وإذا كانت من أدنى إلى أعلى فهي دعاء وسؤال، وإذا كانت من أعلى إلى أدنى فهو نهي، هي النهي يقتضي التحريم أو يقتضي الكراهة؟ سبق أن قلنا كلاما مفيدا وهو انه يقتضي الامتثال سواء كان للتحريم، أو للكراهة، وليس من حقنا أن نقول: هل هو للكراهة، أو للتحريم؛ لأن من سلفنا من الصحابة لم يقولوا إذا نهى النبي ﷺ عن شيء أهو للتحريم، وإنما كان قولهم أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، لكن إذا تورط الإنسان في المخالفة حينئذ لا بأس أن يسأل؛ لأنه إذا كان للتحريم وجب عليه التوبة منه، وإذا كان للكراهة فالتوبة غير واجبة؛ لأن فاعل المكروه لا إثم عليه، فحينئذ نقول: إذا سمعت الله تعالى ينهى عن شيء، أو سمعت الرسول ﷺ ينهى عن شيء فما موقفك وأنت عبد تابع؟ أن تجتنبه، وبذلك تسلم الذمة، ويسلم الإنسان من أن يتهاون، هذه نقطة مهمة جدا في مقام العبودية؛ لأنه حتى في الناس بعضهم مع بعض لو قال السيد لعبده: "يا فلان، لا تفتح الباب" هل من الأدب أن يقول: يا سيدي أنهيتني نهي منع أو نهي تأديب؟ الجواب: أبدا ليس من الأدب، بل لو أن العبد قال لسيده هذا لعد ذلك منقبة سوء وعاقبة عليه، إنما هل يقتضي النهي التحريم بالنسبة للتعبد انتهينا منه، وقلنا موقف العبد من ذلك أن يتجنب ويقول: سمعنا وأطعنا، لكن من ناحية الحكم، بعضهم قال: إن الأصل في النهي التحريم؛ لأن النبي ﷺ قال: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه". وبعضهم قال: الأصل في النهي الكراهة، وبعضهم فصل قال: أما ما يتعلق بالأدب فهذا للكراهة، وأما ما يتعلق بالتعبد فهو - أي: النهي - للتحريم، وهذا أقرب إلى الانضباط؛ لأن كثيرا من المنهيات نرى العلماء ﵏ يجمعون على أنها للكراهة، أو يكون أكثرهم يرى أنها للكراهة، فلا تنضبط القاعدة، لكن أقرب الانضباط لها أن يقال: ما كان للتعبد فالنهي فيه للتحريم؛ لأن الله ما نهى عنه إلا وهو لا يرضاه، وما كان للآداب بين الناس والمروءة والأخلاق فهو للكراهة، هاذ تفصيل جيد وهو أقرب الأقوال الثلاثة.
نرجع لشرح حديث أبي هريرة: سبق تعريف النهي، وأنه: "طلب الكف على وجه الاستعلاء"، وشرحناه أيضا وتكلمنا: هل الأصل في النهي التحريم، أو الكراهة، أو في ذلك تفصيل.
стр. 529
يقول: " نهى أن يصلي الرجل". والرجل يطلق في الأصل على البالغ كالمرأة على البالغة، وقد يطلق على مجرد الذكورية والأنوثية، وقوله: "مختصرا" فسره بقوله: معناه أن يجعل يده على خاصرته، والخاصرة: ما فوق الحقو تسمى خاصرة، وعلله في حديث البخاري، عن عائشة أن ذلك فعل اليهود، فهل قوله: "الرجل" وصف للاحتراز، أو نقول: هو لقب ليس وصفا، فلا يدل على مفهوم ولكنه علق الحكم بالرجال بناء على أن غالب الخطابات الشرعية تكون للرجال؛ لأن الرجال هم أعظم مسئولية من النساء؟ الثاني هو المتعين، فالمرأة كالرجل في هذا.
فمن فوائد هذا الحديث: النهي عن الاختصار في الصلاة، وهو ما عبر عنه الفقهاء بقولهم: "وتخصره" وهل هذا معلل؟ الجواب: بين في رواية البخاري عن عائشة ﵂ أنه كان فعل اليهود، فإذا كان فعل اليهود فما مناسبته لباب الخشوع في الصلاة؟ إذا قلنا: إن العلة أنه تشبيه باليهود؛ فالعلة فيه التشبيه، وإذا قلنا: إن العلة في ذلك أنه يدل على أن الإنسان قد سرح قلبه؛ لأن هذه علامة من علامات غفلة القلب، فتكون وجه المناسبة للباب واضحة؛ لأن غفلة القلب تنافي الخشوع.
النهي عن الصلاة بحضرة طعام:
٢٣٠ - وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قدم العشاء فابدءوا به قبل أن تصلوا المغرب". متفق عليه.
"إذا قدم العشاء" هو: ما يؤكل في العشي، والعشي هو آخر النهار، والغداء ما يؤكل في الغدو، والغدو أول النهار، يقول: "إذا قدم" سواء قدمه الإنسان لنفسه أو قدمته زوجته، أو قدمته أخته، أو أمه، أو الخادم، "العشاء فابدءوا به قبل أن تصلوا المغرب".
مثال هذه الصورة: رجل قدم له العشاء وقد أذن للمغرب، فنقول: تعش ثم صل المغرب، والحكمة من هذا: لئلا يشتغل قلبه بالطعام الذي قدم له، واشتغال القلب ينافي الخشوع.
فيستفاد من هذا الحديث فوائد؛ منها: أن العشاء كان في عهد النبي ﷺ في آخر وقت العصر قبل المغرب، وقد كان الناس على هذا برهة من الزمان وإلى عهد قريب، ثم لما صار الناس يشتغلون عن أكل الغداء في أول النهار قلت رغبتهم في العشاء قبل الليل، وصاروا يتعشون بعد صلاة العشاء، فنقول: لو قدر أن أحدا يتعشى قبل صلاة العشاء، قلنا له: إذا قدم العشاء فابدأ به قبل صلاة العشاء.
стр. 530
ومن فوائد هذا الحديث: مراعاة الشريعة الإسلامية المطهرة لحال الإنسان، ووجه ذلك: أنه إنما أمر أن يتقدم العشاء قبل صلاة المغرب؛ لأن نفسه متعلقة به فأعطي للإنسان الحرية بتناول الطعام.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه إذا لم يقدم العشاء، ولكن الإنسان جائع والعشاء في القدر فإنه يقدم صلاة المغرب؛ وذلك لأن تعلق النفس بالعشاء المقدم أقوى من تعلقها بالعشاء الذي على النهار، فلا يقول الإنسان: أنا جائع وأنتظر نضوج الطعام، ثم أتعشى، نقول: لا؛ لأن التعلق به وهو في القدر ضعيف فلا يكون كالمقدم.
ومن فوائد هذا الحديث: أن ظاهره لا فرق بين أن يخاف فوات صلاة الجماعة أو لا؛ لأن الحديث عام، وعلى هذا فيكون تقديم العشاء- بل تقديم الطعام وهو يشتهيه- عذرا في ترك صلاة الجماعة، وقد كان ابن عمر ﵄ على ورعه- يتعشى وهو يسمع قراءة الإمام ويبقى حتى ينتهي.
ومن فوائد هذا الحديث: أن ظاهره أنه يقدم العشاء ولو خاف فوات الصلاة- أي: خروج الوقت-، ولكن هذا غير مراد؛ لأنه لا يجوز إخراج الصلاة عن وقتها، وليس هذا من الأعذار التي تبيح إخراج الصلاة عن وقتها.
فإن قال قائل: إذا كانت الصلاة التي قدم الطعام في حضورها تجمع بما بعدها، فهل له أن يجمع؟
فالجواب: نعم له ذلك؛ لأن كل عذر يسقط الجماعة فإنه يبيح الجمع.
ومن فوائد هذا الحديث: أن ظاهره أن الإنسان يأكل حتى يشبع، ولا نقول: كل لقمة أو لقمتين ثم قم؛ لأنه ربما يزداد تعلقا بالطعام إذا أكل منه لقمة أو لقمتين، وعليه فنقول: له أن يأكل حتى يشبع ثم يقوم للصلاة ليكون فارغ القلب.
ومن فوائده: أنه يقاس على الطعام إذا حضر كل ما يشتغل به القلب، والقياس حينئذ صحيح، قياس مماثل أو قياس مساواة، وعلى هذا فإذا كان الإنسان ليس عليه إلا ثياب قليلة، واشتد عليه البرد وقد سمع إقامة الصلاة فهل يذهب ويصلي مع اشتغال قلبه وتألمه من البرد، أو نقول: البس ثم صل؟ الثاني: وكذلك لو كان حر مزعج يحتاج إلى أن يغتسل حتى ينشط
следующие страницы →