← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

رجل يصلي فمر بين يديه كلب أبيض، هل يقطع صلاته؟ - رجل وضع ستر في صلاته وأراد أحد أن يمر بينه وبين سترته، فما موقف المصلي؟ - هل المراد بالمقاتلة: شدة المدافعة، أو القتل؟ - هل لديك شاهد بأن المقاتلة تطلق على شدة المدافعة أو على التشابك بالأيدي؟ - حديث: "لا يقطع الصلاة شيء ... " هل يمكن أن يعارض حديث أبي ذر؟ - الخشوع في الصلاة ما منزلته في الصلاة؟ قال أهل العلم: هو لب الصلاة وروحها. - فما المراد بالخشوع في الصلاة هل هو البكاء أو ماذا؟ - لو قال قائل: إنه يذكر عن عمر أنه قال: إن كنت لأجهز جيشا وأنا في الصلاة، هل تقول: إن عمر ليس من الخاشعين في الصلاة؟ لا، لأنه لا يجوز في الخوف ما لا يجوز في غيره، والدليل صلاة الخوف، فالخوف يغتفر فيه ما لا يغتفر في غيره. وهل مثل ذلك أن يفكر الإنسان في مسألة علمية أشكلت عليه؟ لا؛ لأن الوقت فيه متسع. فإذا قال قائل: لو حدثت حادثة تستلزم التعجيل فهل له أن يفكر؟ الظاهر أن له أن يفكر بشرط ألا يخل بالصلاة؛ وذلك لأن العلم نوع من الجهاد في سبيل الله. لو قال قائل: هل له أن يفكر في معنى ما يقرأ وما يقول من تسبيح ودعاء؟ نعم؛ لأنه من تمامها. هل إذا رأينا شخصا يعبث بأي شيء هل نستدل بهذا على أن قلبه غافل؟ نعم؛ لأنها حركة صادرة عن إرادة، والإرادة محلها القلب، فنقول: هذا ليس بخاشع، لكنه يعفى ويتسامح عن الشيء الذي يحتاجه الإنسان كما فعله النبي ﷺ في حمله أمامة. لو تذكر الإنسان في صلاته شيئا وخاف أن ينساه مرة أخرى فأخرج القلم ورسم بكفه، هل يجوز؟ نعم يجوز بشرط الحاجة، وألا يترتب على ذلك ضرر فربما يشاهده شخص فيقع في عرضه إن لم يكن فعله محل التأسي، به فيما ليس من جنس فعله إذا كان أهلا للتأسي. فقد يكون الشيء جائزا لكن يخفى على العوام فلو فعله الإنسان وهو ليس قدوة لأكل الناس عرضه، وإن كان قدوة اتخذ الناس من هذا الفعل ما ليس يفعله الذي تأسوا به، وهذه نقطة يجب على طالب العلم أن ينتبه لها. سبق لنا أن قلنا: إن العلماء اختلفوا في الخشوع هل هو واجب أو لا؟ وظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتاب "القواعد النورانية" - وهو كتاب مختصر مفيد - أن الخشوع واجب، واستدل بأدلة قوية، لكن يعكر على هذا: الحديث الصحيح أن الشيطان يأتي على الإنسان إذا دخل في الصلاة ويقول: اذكر كذا في يوم كذا، ولم يقل النبي ﷺ : فمن فعل ذلك فليعد الصلاة كما قال حينما تكلم على أن ذبح الأضحية لا يكون إلا بعد صلاة العيد، قال:

стр. 527

"من ذبح قبل ذلك فليذبح مكانها أخرى". إنما على الإنسان أن يحرص على الخشوع في الصلاة، حضور القلب؛ لأنه إذا حضر قلبه استفاد فائدة عظيمة من صلاته سوف يتأثر إذا انتهى من الصلاة تأثرا بالغا، لكن إذا دخل فيها ثم من وقت ما يدخل ينفذ له بعض الوساوس التي كان قبل الدخول غافلا عنها، ولم تطرأ على باله فإنه سيخرج من الصلاة بدون أن يتأثر القلب، وسيبقى دائما على هذا الحال، لكن لو عالج نفسه، وصار كلما اتجهت إلى شيء ردها واستحضر ما يقول ويفعل وهو في عراك معها، مسألة ليست هينة، لكن إذا عود نفسه مرة بعد أخرى، ومرة يستحضر نصف الصلاة، ومرة أقل ومرة أكثر وعود نفسه؛ سهل عليه، أما أن يستمر ويغفل عن هذا فإنه لن يستفيد كثيرا من صلاته إلا إبراء الذمة فقط. ٢٢٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يصلي الرجل مختصرا". متفق عليه، واللفظ لمسلم. ومعناه: أن يجعل يده على خاصرته. ٢٢٩ - وفي البخاري: عن عائشة ﵂ أن ذلك فعل اليهود في صلاتهم. فائدة: "صلى الله عليه وعلى آله" بعض الناس يقول: "صلى الله عليه وآله"، ولكن إدخال حرف الجر أولى؛ لأنه مطابق للحديث: "اللهم صل على محمد، وعلى آله محمد"؛ ولأن "صلى الله عليه وآله" من شعار الرافضة، فينبغي أن نبتعد عن شعاراتهم؛ ولهذا أشكل على بعض الناس حينما نقول: صلى الله عليه وعلى آله، قال: كيف تقول هذا الكلام هذا شعار الرافضة؟ قلنا: بيننا وبينهم فرق في اللفظ والمعنى، في اللفظ: نأتي بحرف الجر وهم لا يأتون، في المعنى: هم يقصدون ب"الآل": آل البيت، ونحن نقصد ب"الآل": جميع أتباعه. يقول: "نهى" النهي هو طلب الكف على وجه الاستعلاء، وهل هو فعل أو ترك؟ نقول أما بالسبة لهم القلب فهو فعل؛ لأن القلب يريد أن يترك، وأما بالنسبة للجوارح فهو ترك؛ ولهذا لا يصح أن نطلق أن امتثال النهي ترك، بل نقول: أما بالنسبة لما يقع في القلب من إرادة الترك فهو فعل؛ لأنه كف النفس، وأما بالنسبة للجوارح فإنه ترك؛ أي: عدم فعل، وقولنا: "على وجه الاستعلاء" أي: أن الناهي يشعر نفسه بأنه فوق المنهي بدون تكبر، لكن خرج به ما إذا نهى عن شيء على وجه التذلل فإنه يكون دعاء، كقولنا: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. "لا" ناهية لا إشكال فيها، لكنها في هذا المقام - وهو مقام تذلل- لا يصلح أن تقول:

стр. 528

إنها ناهية؛ إذ إنه لا يمكن أن يوجه الإنسان النهي إلى من فوقه، ولاسيما أنه بين الخالق والمخلوق، إذا كان من شخص مماثل مساو في الدرجة فإنهم يسمونه التماسا؛ ولهذا تجد حتى في معاملة الناس في كلامهم: "يا فلان من غير أمري عليك افعل كذا"، "من غير أمر لا تفعل كذا"، فيفرقون بين الاستعلاء وبين غيرها، فإذا كانت من مماثل سماها البلاغيون التماسا، وإذا كانت من أدنى إلى أعلى فهي دعاء وسؤال، وإذا كانت من أعلى إلى أدنى فهو نهي، هي النهي يقتضي التحريم أو يقتضي الكراهة؟ سبق أن قلنا كلاما مفيدا وهو انه يقتضي الامتثال سواء كان للتحريم، أو للكراهة، وليس من حقنا أن نقول: هل هو للكراهة، أو للتحريم؛ لأن من سلفنا من الصحابة لم يقولوا إذا نهى النبي ﷺ عن شيء أهو للتحريم، وإنما كان قولهم أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، لكن إذا تورط الإنسان في المخالفة حينئذ لا بأس أن يسأل؛ لأنه إذا كان للتحريم وجب عليه التوبة منه، وإذا كان للكراهة فالتوبة غير واجبة؛ لأن فاعل المكروه لا إثم عليه، فحينئذ نقول: إذا سمعت الله تعالى ينهى عن شيء، أو سمعت الرسول ﷺ ينهى عن شيء فما موقفك وأنت عبد تابع؟ أن تجتنبه، وبذلك تسلم الذمة، ويسلم الإنسان من أن يتهاون، هذه نقطة مهمة جدا في مقام العبودية؛ لأنه حتى في الناس بعضهم مع بعض لو قال السيد لعبده: "يا فلان، لا تفتح الباب" هل من الأدب أن يقول: يا سيدي أنهيتني نهي منع أو نهي تأديب؟ الجواب: أبدا ليس من الأدب، بل لو أن العبد قال لسيده هذا لعد ذلك منقبة سوء وعاقبة عليه، إنما هل يقتضي النهي التحريم بالنسبة للتعبد انتهينا منه، وقلنا موقف العبد من ذلك أن يتجنب ويقول: سمعنا وأطعنا، لكن من ناحية الحكم، بعضهم قال: إن الأصل في النهي التحريم؛ لأن النبي ﷺ قال: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه". وبعضهم قال: الأصل في النهي الكراهة، وبعضهم فصل قال: أما ما يتعلق بالأدب فهذا للكراهة، وأما ما يتعلق بالتعبد فهو - أي: النهي - للتحريم، وهذا أقرب إلى الانضباط؛ لأن كثيرا من المنهيات نرى العلماء ﵏ يجمعون على أنها للكراهة، أو يكون أكثرهم يرى أنها للكراهة، فلا تنضبط القاعدة، لكن أقرب الانضباط لها أن يقال: ما كان للتعبد فالنهي فيه للتحريم؛ لأن الله ما نهى عنه إلا وهو لا يرضاه، وما كان للآداب بين الناس والمروءة والأخلاق فهو للكراهة، هاذ تفصيل جيد وهو أقرب الأقوال الثلاثة. نرجع لشرح حديث أبي هريرة: سبق تعريف النهي، وأنه: "طلب الكف على وجه الاستعلاء"، وشرحناه أيضا وتكلمنا: هل الأصل في النهي التحريم، أو الكراهة، أو في ذلك تفصيل.

стр. 529

يقول: " نهى أن يصلي الرجل". والرجل يطلق في الأصل على البالغ كالمرأة على البالغة، وقد يطلق على مجرد الذكورية والأنوثية، وقوله: "مختصرا" فسره بقوله: معناه أن يجعل يده على خاصرته، والخاصرة: ما فوق الحقو تسمى خاصرة، وعلله في حديث البخاري، عن عائشة أن ذلك فعل اليهود، فهل قوله: "الرجل" وصف للاحتراز، أو نقول: هو لقب ليس وصفا، فلا يدل على مفهوم ولكنه علق الحكم بالرجال بناء على أن غالب الخطابات الشرعية تكون للرجال؛ لأن الرجال هم أعظم مسئولية من النساء؟ الثاني هو المتعين، فالمرأة كالرجل في هذا. فمن فوائد هذا الحديث: النهي عن الاختصار في الصلاة، وهو ما عبر عنه الفقهاء بقولهم: "وتخصره" وهل هذا معلل؟ الجواب: بين في رواية البخاري عن عائشة ﵂ أنه كان فعل اليهود، فإذا كان فعل اليهود فما مناسبته لباب الخشوع في الصلاة؟ إذا قلنا: إن العلة أنه تشبيه باليهود؛ فالعلة فيه التشبيه، وإذا قلنا: إن العلة في ذلك أنه يدل على أن الإنسان قد سرح قلبه؛ لأن هذه علامة من علامات غفلة القلب، فتكون وجه المناسبة للباب واضحة؛ لأن غفلة القلب تنافي الخشوع. النهي عن الصلاة بحضرة طعام: ٢٣٠ - وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قدم العشاء فابدءوا به قبل أن تصلوا المغرب". متفق عليه. "إذا قدم العشاء" هو: ما يؤكل في العشي، والعشي هو آخر النهار، والغداء ما يؤكل في الغدو، والغدو أول النهار، يقول: "إذا قدم" سواء قدمه الإنسان لنفسه أو قدمته زوجته، أو قدمته أخته، أو أمه، أو الخادم، "العشاء فابدءوا به قبل أن تصلوا المغرب". مثال هذه الصورة: رجل قدم له العشاء وقد أذن للمغرب، فنقول: تعش ثم صل المغرب، والحكمة من هذا: لئلا يشتغل قلبه بالطعام الذي قدم له، واشتغال القلب ينافي الخشوع. فيستفاد من هذا الحديث فوائد؛ منها: أن العشاء كان في عهد النبي ﷺ في آخر وقت العصر قبل المغرب، وقد كان الناس على هذا برهة من الزمان وإلى عهد قريب، ثم لما صار الناس يشتغلون عن أكل الغداء في أول النهار قلت رغبتهم في العشاء قبل الليل، وصاروا يتعشون بعد صلاة العشاء، فنقول: لو قدر أن أحدا يتعشى قبل صلاة العشاء، قلنا له: إذا قدم العشاء فابدأ به قبل صلاة العشاء.

стр. 530

ومن فوائد هذا الحديث: مراعاة الشريعة الإسلامية المطهرة لحال الإنسان، ووجه ذلك: أنه إنما أمر أن يتقدم العشاء قبل صلاة المغرب؛ لأن نفسه متعلقة به فأعطي للإنسان الحرية بتناول الطعام. ومن فوائد هذا الحديث: أنه إذا لم يقدم العشاء، ولكن الإنسان جائع والعشاء في القدر فإنه يقدم صلاة المغرب؛ وذلك لأن تعلق النفس بالعشاء المقدم أقوى من تعلقها بالعشاء الذي على النهار، فلا يقول الإنسان: أنا جائع وأنتظر نضوج الطعام، ثم أتعشى، نقول: لا؛ لأن التعلق به وهو في القدر ضعيف فلا يكون كالمقدم. ومن فوائد هذا الحديث: أن ظاهره لا فرق بين أن يخاف فوات صلاة الجماعة أو لا؛ لأن الحديث عام، وعلى هذا فيكون تقديم العشاء- بل تقديم الطعام وهو يشتهيه- عذرا في ترك صلاة الجماعة، وقد كان ابن عمر ﵄ على ورعه- يتعشى وهو يسمع قراءة الإمام ويبقى حتى ينتهي. ومن فوائد هذا الحديث: أن ظاهره أنه يقدم العشاء ولو خاف فوات الصلاة- أي: خروج الوقت-، ولكن هذا غير مراد؛ لأنه لا يجوز إخراج الصلاة عن وقتها، وليس هذا من الأعذار التي تبيح إخراج الصلاة عن وقتها. فإن قال قائل: إذا كانت الصلاة التي قدم الطعام في حضورها تجمع بما بعدها، فهل له أن يجمع؟ فالجواب: نعم له ذلك؛ لأن كل عذر يسقط الجماعة فإنه يبيح الجمع. ومن فوائد هذا الحديث: أن ظاهره أن الإنسان يأكل حتى يشبع، ولا نقول: كل لقمة أو لقمتين ثم قم؛ لأنه ربما يزداد تعلقا بالطعام إذا أكل منه لقمة أو لقمتين، وعليه فنقول: له أن يأكل حتى يشبع ثم يقوم للصلاة ليكون فارغ القلب. ومن فوائده: أنه يقاس على الطعام إذا حضر كل ما يشتغل به القلب، والقياس حينئذ صحيح، قياس مماثل أو قياس مساواة، وعلى هذا فإذا كان الإنسان ليس عليه إلا ثياب قليلة، واشتد عليه البرد وقد سمع إقامة الصلاة فهل يذهب ويصلي مع اشتغال قلبه وتألمه من البرد، أو نقول: البس ثم صل؟ الثاني: وكذلك لو كان حر مزعج يحتاج إلى أن يغتسل حتى ينشط

стр. 531

ويزول عنه الحر، فنقول كذلك يعذر فنأخذه قاعدة عامة: "كل مشغل عن حضور القلب في الصلاة فإنه يبدأ به قبل الصلاة ما لم يخش خروج الوقت". ٢٣١ - وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يمسح الحصى، فإن الرحمة تواجهه". رواه الخمسة بإسناد صحيح. وزاد أحمد: "واحدة أو دع". قوله: "إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يمسح الحصى" الحصى: المراد به: الذي فرش به المسجد، وكان في عهد النبي ﷺ تفرش المساجد بالحصى الصغار، وقوله: "فإن الرحمة تواجهه" يعني: أنه إذا سجد على الحصى مع شدته وصلابته فإن الرحمة تواجهه؛ أي: يكون ذلك سببا للرحمة، وذلك لمشقة السجود عليه؛ لأن هناك فرقا بين أن يسجد على حصى أو يسجد على فراش، فالحصى نقول: لا تمسحه، دعه على ما هو عليه، واسجد عليه لتنال بذلك الرحمة حيث قمت بالسجود لله مع صعوبته. ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا ينبغي للإنسان ألا يعبث في الصلاة فلا يتحرك إلا لحاجة لقوله: "فلا يمسح الحصى" ومنها أنه إذا احتيج إلى الحركة فإنها تتقدر بقدرها وهذا تفيده رواية الإمام أحمد: "واحدة أو دع". ومنها: أن المساجد في عهد النبي ﷺ كانت تفرش بالحصى؛ لأنه أنظف من التراب، ولعل الرمل حول المدينة قليل، وإلا فالرمل أسهل للناس، وكانت المساجد إلى زمن قريب تفرش بالرمل. ومن فوائد هذا الحديث: أنه كلما صعبت العبادة على وجه لا يمكن دفع الصعوبة به فإنه يزداد الأجر لقوله: "فإن الرحمة تواجهه"، ولكن هل يطلب الإنسان المشقة مع إمكان التسهيل؟ لا؛ ولهذا لو كان الإنسان في البر والماء بارد وأمكنه أن يسخن الماء فهل الأفضل أن يتوضأ ويغتسل بالماء البارد، أو نقول: سخن الماء؟ الثاني بلا شك؛ لأن الله يقول: ﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وءامنتم﴾ [النساء: ١٤٧] لكن إذا كان لابد من مشقة للعبادة؛ فهنا نقول: الجر على قدر المشقة.

стр. 532

٢٣٢ - وفي الصحيح عن معيقيب نحوه بغير تعليل. يعني: بغير قوله: "فإن الرحمة تواجهه". حكم الالتفات في الصلاة وأنواعه: ٢٣٣ - عن عائشة ﵂ قالت: "سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة؟ فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد". رواه البخاري. - وللترمذي وصححه: "إياك والالتفات في الصلاة فإنه هلكة، فإن كان لابد ففي التطوع". قوله ﷺ : "هو اختلاس" الاختلاس معناه: أخذ الشيء بخفية، وكأن الشيطان إذا أراد أن ينقص صلاة الإنسان سول له فالتفت، وقوله: "عن الالتفات" الالتفات نوعان: التفات بالجسد، والتفات بالقلب، والالتفات بالجسد نوعان: التفات مبطل للصلاة، والتفات منقص لها يأتي في الفوائد إن شاء الله. "اختلاس" أي: أخذ بخفية "يختلسه الشيطان من صلاة العبد"، وعلل في رواية الترمذي أنه "هلكة"، أي: فوات لخير كثير، "فإن كان لابد ففي التطوع" هذا يحتاج إلى مراجعة، وهل هذه الزيادة أصحيحة م لا؟ لأن الأصل أن الفرض والنافلة سواء فيحتاج إلى ثبوت شهادة، ولم أتمكن من مراجعته فليراجع. قولها: "سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات". السائلة: عائشة ﵂، فيستفاد منه: حرص الصحابة رجالا ونساء على العلم، واعلم أن سؤال الصحابة ﵃ عن العلم ليس لمجرد أن يعلموا فقط، بل ليعلموا ويعلموا؛ فإنهم يسألون عن الحكم ليطبقوه، خلاف ما كان عليه بعض الناس اليوم يسأل عن الحكم لا ليطبقه، بل إن بعض الناس يسأل إن جاز له الحكم اقتصر على سؤال الرجل المعين، وإن لم يصلح له سأل آخر وهلم جرا حتى يصل إلى الفتوى التي توافق هواه، وهذا حرام تلاعب بدين الله، ولهذا قال أهل العلم: إن تتبع الرخص فسق. وصرح العلماء ﵏ بأن الرجل إذا استفتى عالما هو أهل للفتوى ملتزما ما يقوله فإنه

стр. 533

لا يجوز أن يسأل غيره وهو كذلك؛ لأنه لو سأل غيره لكان متلاعبا، نعم لو أن إنسانا في قرية وليس عنده إلا طالب علم فسأله، ومن نيته أنه إذا تمكن من سؤال عالم أهل للفتوى سأله، فهنا نقول: لا بأس أن نستفتي هذا وتعمل بقوله، ثم إذا قدرت على عالم من أهل الفتوى فاستفته، ويكون هذا كالتراب يستعمل عند عدم الماء. ومن فوائد هذا الحديث: أن للشيطان سلطة على بني آدم في ا'مالهم لقوله: "هو اختلاس يختلسه الشيطان". ومن فوائد هذا الحديث: أن الشيطان لا يقدر على صلاة المؤمن فيأخذها هكذا مجابهة، ولكنه يختلسه اختلاسا؛ لأن المؤمن قلبه حاضر، ولا يمكن أن يأتي بمنقص لصلاته، لكن الشيطان قد يسلط عليه فيختلس منه. ومن فوائد هذا الحديث: التحذير من الالتفات في الصلاة، ثم الالتفات نوعان: نوع التفات بالقلب، وهذا أشد وأخطر من الالتفات بالبدن؛ لأنه يضيع فائدة الصلاة، وقد شكا رجل إلى رسول الله ﷺ الوسواس في الصلاة، فقال: إن ذلك شيطان يقال له خنزب، ثم أمر من أصابه ذلك أن يتفل عن يساره ثلاث مرات، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الصحابي: ففعلت ذلك؛ فأذهب الله عني ما أجد. وهل الالتفات بالقلب يبطل الصلاة؟ سبق القول في هذا، وأن العلماء اختلفوا فيما إذا غلب الوسواس على أكثر الصلاة هل تبطل الصلاة أو لا؟ ورجحنا أن ذلك لا يبطلها لكن ينقصها، أما الالتفات بالبدن فهو نوعان: التفات بالبدن كله وهذا مبطل للصلاة؛ حيث اشترط استقبال القبلة، أما إذا سقط استقبال القبلة فهذا شيء آخر، لكن حيث اشترط فإن الالتفات بجميع البدن يبطل الصلاة، وهذا يقع أحيانا نشاهده في المسجد الحرام إذا كان الناس متزاحمين تجد بعض الناس يقف في الصف والكعبة أمامه ثم تجده منحرفا من أجل أن يتسع المكان؛ لأن عرض الإنسان يأخذ مكانا أكثر مما إذا كان طولا؛ وعليه فيجب التنبه لهذا؛ لأن هؤلاء قريبون من الكعبة وفرضهم الاتجاه إلى عين الكعبة، أما لو كانوا بعيدين وفاتهم التوجه إلى الجهة كان أهون، أما الالتفات ببعض البدن كالالتفات بالعنق؛ فهذا لا يبطل الصلاة لكنه ينقصها إلا إذا كان هناك مصلحة أو حاجة، فإن كان هناك مصلحة أو حاجة فلا بأس، مثل الحاجة: ما أشرنا إليه قبل قليل من أن الإنسان إذا تسلط عليه الشيطان بالوساوس فإنه يلتفت ويتفل عن يساره وما تقتضيه المصلحة؛ كأن يشاهد المأموم من أجل أن يقتدي به، فإن الصحابة كانوا

стр. 534

يشاهدون الرسول ﵊ وإذا كانوا في أطراف الصف لابد أن يلتفتوا فيكون هذا لمصلحة، بل لمصلحة وحاجة أيضا وهي متابعة الإمام؛ ولهذا أول ما صنع له منبر جاء ليصلي عليه على درجاته وقال: "إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي". ومن ذلك أيضا: أن النبي ﷺ بعث عينا في إحدى غزواته يبحث عن العدو، فجعل النبي ﷺ ينظر إلى الشعب الذي يأتي منه هذا العين. والعين هو الجاسوس هذا لحاجة، فالمهم أن الالتفات ببعض البدن مكروه إلا لحاجة أو مصلحة. ومن فوائد هذا الحديث: التحذير من الالتفات؛ لأنك إذا التفت فقد ائتمرت بأمر عدو لك وهو الشيطان، والواجب الحذر من هذا، ولكن إبطال الصلاة وعدمه على حسب ما سمعتم. وقوله: "فإن كان ففي التطوع" هذه الكلمة زائدة إن صحت فهي أصل من الأصول في أن النوافل تختلف عن الفرائض، وقد جمعت الفروق فبلغت أكثر من عشرين فرقا بين صلاة النافلة وصلاة الفريضة. حكم البصاق في الصلاة وضوابطه: ٢٣٤ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا كان أحدكم في الصلاة فإنه يناجي ربه، فلا يبصقن بين يديه ولا عن يمينه، ولكن عن شماله تحت قدمه". متفق عليه. - وفي رواية: "أو تحت قدمه". هذا أيضا يتعلق بالخشوع في الصرة "إذا كان أحدكم في الصلاة" يعني: يصلي، والصلاة كلمة عامة تشمل الفرض والنفل، "فإنه يناجي ربه" أي: يكلمه بخفاء؛ لأن من أوصاف الصوت أن يكون نداء، وأن يكون مناجاة، ويدل لهذا قول الله ﵎ لموسى: ﴿وندينه من جانب الطور الأيمن وقربنه نجسا﴾ [مريم: ٥٢]. فإذا كان المخاطب بعيدا فنداء، وإن كان قريبا فمناجاة فقوله: "يناجي ربه" أي: يكلمه، والرب يكلم لكن بصوت مرتفع أو خفي؟ خفي. "فلا يبصقن بين يديه" البصاق: معروف، وما بين يديه يعني: بينه وبين موضع سجوده، وكلما قرب فهو أقبح بين يديه، "ولا عن يمينه"، إذن أين يبصق؟ يقول: "ولكن عن شماله تحت قدمه"، وفي رواية "أو تحت قدمه" عن شماله بعيد من القدم، أو "تحت قدمه" أي القدمين؟ اليسرى ليجتمع الشمال والبصق تحت الرجل.

стр. 535

في هذا الحديث فوائد منها: عظم شأن الصلاة، وأنها صلة بين العبد وبين ربه؛ لأنه يناجي الله وما أحلى المناجاة من الحبيب، فإن أحب شيء إلى الإنسان هو الله ، وإذا كان يناجيه فهذا قرة عينه؛ ولهذا كانت الصلاة قرة عين النبي ﷺ . وكان يقول لبلال: "أرحنا بها". وما أكثر الذين يقولون: أرحنا منها: وهي عندهم أثقل من الجبال، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من هؤلاء. ومن فوائد هذا الحديث: إثبات الربوبية لله ، وهذا أمر في الحقيقة لا يحتاج إلى إثبات لأنه واضح. ومن فوائده: النهي عن بصق الإنسان بين يديه إذا كان يصلي، لماذا؟ علل في أحاديث أخرى بأن الله تعالى قبل وجهه. فإذا كان الله قبل وجهه فهل من الأدب أن تبصق بين يديك والله تعالى قبل وجهك؟ لا، والله لو واحدا من عامة الناس كان قبل وجهك لاستحييت أن تبصق بين يديك، فكيف بالرب ، هذا النهي هل هو للتحريم أو للكراهة؟ قال بعض أهل العلم: إنه للكراهة، والصواب أنه للتحريم؛ لما فيه من سوء الأدب مع الله . ومن فوائد هذا الحديث: أنه إذا كانت العلة باعثة على الامتثال؛ فإنه ينبغي أن تقدم على الحكم، وجهه: أنه اخبر بأنه يناجي الله ثم فرع عليه "لا يبصقن قبل وجهه"، فإذا كانت العلة مما يبعث على الامتثال فقدمها قبل الحكم ليرد الحكم على النفس وقد تهيأت لقبوله. ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينهى المصلي عن البصق عن يمينه، لكن ما العلة؟ العلة: أن عن يمينه ملكا، وهو الذي يكتب الحسنات، والبصق عن اليمين أهون من البصق قبل وجهه، ولذلك يتوقف الإنسان في كونه للتحريم بخلاف الأول. فلو قال قائل: كيف تحكم على أنها للتحريم وبجملة أخرى على أنها للكراهة؟ قلنا: لا مانع من هذا، وليس فيه إلا أننا استعملنا المشترك في معنيين، المشترك النهي استعملناه مرة في الكراهة ومرة في التحريم لظهور الفرق بين قبح الفعلين؛ فإن البصق قبل وجه المصلي أشد - بلا شك- قبحا من البصق عن اليمين. إذا لم يبصق أمامه ولا عن يمينه، أين يبصق؟ بين الرسول ﵊ ذلك. ومن فوائد هذا الحديث: أن من حكمة النبي ﷺ أنه إذا ذكر الممنوع فتح الباب الجائز،

стр. 536

وجهه: أنه قال: "ولكن عن شماله تحت قدمه"؛ ولهذا نظائر، وفي القرآن أيضا لما قال الله ﵎ ﴿يأيها الذين ءامنوا لا تقولوا رعنا﴾ قال: ﴿وقولوا انظرنا [البقرة: ١٠٤]. ولما نهى النبي ﷺ أن يقول القائل: ما شاء الله وشئت، قال: بل ما شاء الله وحده، ولما جاءوه بالتمر الجيد الذي يأخذون الصاع منه بالصاعين والصاعين بالثلاثة نهاهم عن هذا، وقال لهم: بيعوا التمر الرديء بالدراهم، واشتروا بالدراهم تمرا طيبا، وهكذا ينبغي لطالب العلم إذا ذكر وجها ممنوعا أن يفتح الباب المباح، وما من وجه ممنوع إلا ويقابله المباح وهذا والحمد لله في كل شيء؛ لأنك إذا قلت: هذا حرام ولا يجوز ولم تفتح للناس بابا مباحا فالناس لابد أن يفعلوا ما كانوا يفعلونه فإذا ذكرت المباح عدلوا عن المحرم إلى المباح. ومن فوائد هذا الحديث: جواز الحركة للحاجة لقوله: "ولكن عن شماله تحت قدمه" وهذه حركة بلا شك. وهل يؤخذ من هذا الحديث تحريم بلغ النخامة؛ لأنه أبيحت الحركة في الصلاة من أجل درئها؟ ربما يؤخذ، والفقهاء ﵏ صرحوا بأن بلع النخامة حرام على الصائم وغير الصائم، وقالوا: إذا ابتلعها الصائم بعد أن وصلت على فمه أفطر، ولكن نقول بأنه يفطر فيه نظر، والقول بالتحريم ليس ببعيد؛ لأنها في الحقيقة مستقذرة؛ ولأنها قد لا تخلو من أمراض تعود إلى المعدة ثم تتسرب إلى البدن. ومن فوائد هذا الحديث: أن النخامة طاهرة، وجه ذلك: أنه قال: "تحت قدمه"، وإذا بصق تحت قدمه فلابد أن يلصق منها شيء في القدم، ولو كانت نجسة ما أرشد النبي ﷺ إلى أن يبصقها الإنسان تحت قدمه. فإذا قال قائل: هل تقيسون على ذلك كل ما خرج من البدن؟ قلنا: نعم، الأصل أن كل ما خرج من البدن فهو طاهر؛ لأن النبي ﷺ قال: "إن المؤمن لا ينجس". إلا ما دل الدليل على نجاسته مثل البول والغائط هذا نجس؛ لأن الدليل دل عليه، الدم أكثر العلماء على أنه نجس من الآدمي ولكنه يعفى عن يسيره، والصحيح أنه ليس

стр. 537

بنجس، والدليل على هذا العدم - يعني: عدم الدليل- أين الدليل من الكتاب والسنة على أن دم الآدمي نجس؟ لا تجد، وإذا وجد الإنسان دليلا على هذا فعليه أن يأخذ به، ولكن إذا لم يجد دليلا فإنه لا يضيق على عباد الله ويلزمهم بما لم يلزمهم الله ، القيء أكثر العلماء على أنه نجس لكنه لا دليل على هذا، وكيف يكون نجسا ولم ترد السنة الصحيحة الصريحة بنجاسته مع أنه مما يبتلى به الناس كثيرا، فما أكثر المتقيئين، وما أكثر أن يتقيأ الصبي على أمه، ومثل هذا الذي تتوافر الدواعي على نقله ويحتاج الناس إلى بيانه لا يمكن إلا أن يكون مبينا واضحا. فالقاعدة إذن: أن كل ما خرج من الآدمي فهو طاهر، لأن الآدمي طاهر إلا ما دل الدليل على نجاسته، وليس لنا بد من أن نقول ما قاله الله ورسوله في هذا وغيره. ومن فوائد هذا الحديث: جواز النخامة في المسجد وجهه: أن النبي ﷺ لم يستثن، ولكن الفقهاء قالوا: إذا كان في المسجد فلا يبصقن فيه؛ لأن النبي ﷺ قال: "البزاق في المسجد خطيئة"، ولاسيما المساجد المفروشة بالفرش؛ لأنه إذا بصق سوف يبقى أثرها حتى لو حكها برجله لابد أن يبقى أثرها. أسئلة: - ما أقسام الالتفات في الصلاة؟ - ما معنى التفات القلب؟ - ما معنى التفات البدن؟ - ما معنى قوله: "اختلاس يختلسه الشيطان"؟ - متى يجوز الالتفات؟ - قوله: "فإنه يناجي ربه" اشرح هذا القول؟ كونه يناجي ربه معناه: أن يتأدب مع الله وألا يلتفت إلى سواه. - ما مناسبة ذكر هذا الحديث في باب الخشوع في الصلاة؟ - هل في حديث أنس: "إذا تنخم أحدكم" ما يدل على طهارة البصاق؟ - وجوب إزالة ما يشغل الإنسان عن صلاته: ٢٣٥ - وعنه ﵁ قال: "كان قرام لعائشة ﵂ سترت به جانب بينهما، فقال لها النبي ﷺ : أميطي عنا قرامك هذا، فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي". رواه البخاري. قوله: "قرام لعائشة". القرام: قالوا: إنه ستر رقيق يستر به الباب، وقوله: "سترت به عائشة

стр. 538

بيتها"؛ لأنه إذا جعل على الباب فإنه يمنع من مشاهدة ما وراءه" وقوله: "بيتها" أي: بيتها الذي هي ساكنة فيه، وسيأتي الخلاف ها بيوت أزواج النبي ﷺ ملك لهم أو أضيفت البيوت إليهن باعتبار السكنى فقط لا باعتبار الملك، فقال لها النبي ﷺ : "|أميطي عنا قرامك هذا" أميطي بمعنى: أزيلي، ومنه الحديث: "تميط الأذى عن الطريق صدقة". أي: تزيله، "فإنه" أي: القرام "لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي" بمعنى: أنه ﵊ ينظر إلى هذه التصاوير التي فيه، والمراد بالتصاوير هنا: مجرد النقوس وليست تصاوير الحيوان؛ لأن النبي ﷺ أمرها حين رأى النمرقة التي بها الصورة أن تمزقها، واتفقا - أي: البخاري ومسلم- على حديثها، أي: حديث عائشة في قصة أنبجانية أبي جهم، وهذه الأنبجانية كان أبو جهم ﵂ أهدى إلى النبي ﷺ خميصة، والخميصة كساء معلم له أعلام، ونظر النبي ﷺ إلى أعلامها نظرة واحدة، فلما انصرف من صلاته أمر أن ترد الخميصة إلى أبي جهم، وأن تؤخذ منه الأنبجانية وهي كساء ليس فيه خطوط وهو أيضا فيه نوع من الغلظة، وفيه: "فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي". ألهتني؛ أي: شغلتني عن صلاتي، أي: عن الإقبال عليها بالقلب. في هذا الحديث فوائد؛ منها: جواز ستر البيت بالقماش، وجه هذا: أن النبي ﷺ أقر عائشة على ستره، لكنه أمرها أن تميطه من أجل أنه يشغله في صلاته، وهذا مقيد بما إذا لم يصل حد الترف فإن وصل إلى حد الترف دخل في النهي المستفاد من قوله ﵎ ﴿ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾ [الأعراف: ٣١]. فإن كان لحاجة كأن يكون الجدار بارزا ويكسى بالقماش لتوقي برودته في الشتاء وحرارته في الصيف، فهذا جائز ولا إشكال فيه؛ وذلك لأنه قد علم أن كسوة الجداران بالقماش تجعله لطيفا؛ أي: تجعل الجدر لطيفة لا تكون شديدة البرودة في الشتاء ولا شديد الحرارة في الصيف. ومن فوائد هذا الحديث: إضافة البيت الذي تسكنه عائشة إليها لقوله: "بيتها"، فهل هذا البيت ملك لها، أو أنه أضيف إليها لأنها ساكنة فيه؟ الظاهر الأول أنه ملك لها، ودليل ذلك أن النبي ﷺ لما توفي بقيت النساء في بيوتهن، ومن المعلوم أن النبي ﷺ لا يورث. ولو كان ملكا له - أي: للرسول - لم يرثنها؛ أي: لم ترث المرأة بيتها التي هي ساكنة فيه. فإذا قال قائل: إذا قلتم بأن بيت ملك له فيرد عليه إشكال، وهو هل بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 539

متساوية بحيث لا يفضل أحدها على الآخر؟ إن قلتم: نعم، فهذا يحتاج إلى إثبات ودليل، وإن قلتم: لا - وهو الغالب- ورد إشكال وهو أن النبي ﷺ لم يعدل بين زوجاته فيما يملك العدل فيه. والجواب على هذا أن نقول: إن النبي ﷺ علم برضاهن، وإذا رضيت الزوجات أن تفضل إحداهن على الأخرى في المنزل فلا حرج؛ لأن الحق لمن؟ فإذا رضين بالمفاضلة فلا حرج. ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا ينبغي للإنسان أن يصلي إلى شيء يشغله لقوله: "أميطي قرامك عني"، ومن ثم كره العلماء ﵏ أن يكتب في قبله المسجد شيئا قالوا: لأنه يلهي المصلي وصدقوا، هذا بقطع النظر عن المكتوب فإذا كان المكتوب شيئا منكرا ازداد ظلمة إلى ظلمته، ومن هذا ما يكتب في بعض المساجد: (الله، محمد)، لفظ الجلالة يكون عن يمين المحراب، ومحمد عن يسار المحراب؛ فإن هذا منكر ولا شك، ووجه كونه منكرا: أن وضعهما مكتوبين على حد سواء نوع من جعل النبي ﷺ ندا الله تعالى؛ ولهذا لما قال له رجل ما شاء الله وشئت، قال: "أجعلتني لله ندا، بل ما شاء الله وحده". والرجل الذي لا يعرف المنزلة: منزلة الرب ، ومنزلة الرسول إذا رآها هكذا مكتوبين يظن أنهما في منزلة واحدة، وكذلك لو كان مكتوب في الجدار أشياء لا يستقيم معناها كالذين يكتبون على المحراب: ﴿كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا﴾ [آل عمران: ٣٧]. هذا لا يجوز؛ لأن المحراب موضع الصلاة وليس الطاق الذي في القبلة، وهم يجعلون هذه الآية منزلة على الطاق الذي في القبلة، والطاق الذي في القبلة قد اختلف الناس فيه أي: في جوازه؛ فمنهم من يرى أنه لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ نهى عن مذابح كمذابح النصارى. وفسروا ذلك بالمحاريب، والصحيح: أن المحرم إنما هو ما أشبه محاريب النصارى؛ لأنه قيد "نهى عن مذابح كمذابح النصارى"، وأما المحاريب التي لا تشبه محاريب النصارى فليس فيها كراهة، بل فيها مصلحة، بل فيها الدلالة على القبلة وعلى مكان الإمام، إذن إذا رأينا هذه الآية مكتوبة على المحراب فإننا نتصل بالمسئولين ونبلغهم بذلك، وإذا أبلغناهم بهذا برئت الذمة، ومنها أن تكتب أسماء لله لم تثبت أو أسماء للرسول ﷺ لم تثبت؛ فهذا ينهى عنه ويزداد النهي حيث إن هذه الأسماء لم تثبت. ومن فوائد هذا الحديث: أن النبي ﷺ كغيره من البشر قد يلهيه الشيء عما هو أهم منه لقوله ﷺ : "فإنها لا تزال تصاويره تعرض لي".

стр. 540

ومنها: أنه إذا غلب الوسواس على أكثر الصلاة لم تبطل لقوله: "لا تزال تعرض لي في صلاتي" و"لا تزال" من الأفعال الدالة على الاستمرار، وهذا القول هو الراجح من أقوال العلماء؛ لأن السنة تدل عليه؛ ولأن القول يبطلان الصلاة إذا غلب الوسواس على أكثرها مشقة على الناس. ومن فوائد هذا الحديث: أنه إذا حصل للإنسان ما يخل بكمال صلاته من فعل فاعل فإنه يطلب من هذا الفاعل أن يزيله؛ لأن النبي ﷺ أمر عائشة أن تزيله. ومنها: حسن خلق النبي ﷺ ؛ حيث إنه لم يزل هذا القرام بنفسه؛ لأنه لو أزال بنفسه لكان في ذلك مشقة عليها، لكن أمرها أن تزيله هي لأنها هي التي وضعته. ومنها: الإشارة إلى أنه ينبغي إذا رأى الإنسان شيئا منكرا أو سمع شيئا منكرا من شخص أن يتصل بهذا الشخص يبين له المنكر حتى يزيله الشخص بنفسه، وهذا يقع كثيرا، تسمع مقالة الشخص أنه كتب مقالا أو تكلم بكلام ليس بصواب فهل الأولى أن ترد عليه أو الأولى أن تتصل به وتبين له الخطأ ليكون هو الذي يباشر تصويب ما قال؟ الثاني بلا شك؛ لأن هذا أحسن، أما إذا أصر وعاند والأمر منكر لا يدخل فيه الاجتهاد فيجب عليك أن تبين الحق. قال: ٢٣٦ - واتفقا على حديثها في قصة أنبجانية أبي جهم، وفيه: "فإنها ألهتني عن صلاتي". "الأنبجانية" ذكرنا أنها كساء غليظ، وأما "الخميصة" فهي كساء معلم له أعلام، وذلك أن أبا جهم لما أهدى خميصته إلى رسول الله ﷺ ، وكان من عادة النبي ﷺ أنه يقبل الهدية ويثيب عليها، فيحتمل أن تكون هذه الأنبجانية أثاب النبي ﷺ أبا جهم على هديته، ويحتمل أنها لأبي جهم، على الاحتمال الأول لا الإشكال، وعلى الاحتمال الثاني يقال: كيف يطلب النبي ﷺ من أبي جهم أنبجانية؟ وسيأتي الجواب عن هذا الإشكال. فمن فوائد الحديث المتفق عليه: جواز صلا الإنسان بالثياب الرفيعة المنزل والقيمة؛ لأن النبي ﷺ صلى في خميصة، ومحل ذلك: ما لم يشغله عن صلاته، فإن شغله عن صلاته فلا يفعل. ومن فوائد ذلك: حسن خلق النبي ﷺ حيث إنه لما رد على أبي جهم هديته طلب منه ما عند أبي جهم وهو الأنبجانية سواء قلنا إنها من النبي ﷺ أو لا، ووجه كون ذلك من حسن الخلق: أنه إذا طلب النبي ﷺ منه الأنبجانية طاب قلبه ولم ينكسر، وهذا أمر يجب على الإنسان أن يراعيه فيما إذا حصل ما يوجب كسر القلب أن يحرص على التئام القلب. ومن فوائد هذا الحديث: جواز سؤال الإنسان إذا علمنا أن المسئول يسر بهذا السؤال؛ لأن النبي ﷺ طلب أنبجانية أبي جهم؛ لأنه يعلم علم اليقين أن أبا جهم يسر بذلك ولا يستثقله.

стр. 541

ومن فوائده: كراهة كل ما يلهي عن الصلاة لقوله: "فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي". ومن فوائده: أن النبي ﷺ كغيره من البشر يعرض له ما يلهيه عما هم أهم. التحذير عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة: ٢٣٧ - وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع إليهم". رواه مسلم. قوله: "لينتهين أقوام" في هذه الجملة إشكال في إعراب الفعل؛ لأن الفعل الآن مفتوح ولم نر ناصبا ينصبه؛ هذا فعل مضارع اتصلت به نون التوكيد المباشرة، متى يبنى المضارع؟ يبنى الفعل المضارع إذا اتصلت به نون التوكيد أو نون الإناث، "أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة" يعني: لينتهن عن هذا أو لا ترجع إليهم، هذا مثل قوله: "أو لتخطفن أبصارهم". الجملة في قوله: "لينتهين" جملة مؤكدة بثلاث مؤكدات القسم واللام والنون، والتقدير: والله لينتهين؛ أي: يتركن. في هذا الحديث: التحذير من رفع البصر إلى السماء في الصلاة من قوله: "أو لا ترجع إليهم". ومن فوائده: أن رفع البصر إلى السماء في الصلاة محرم، بل قال قائل: إنه من الكبائر. لم يكن قوله بعيدا؛ لأنه رتب عليه وعيد، واختلف العلماء ﵏ هل تبطل الصلاة إذا رفع الإنسان بصره إلى السماء أو لا تبطل؟ أكثر العلماء على أن الصلاة لا تبطل، وقال بعض العلماء - ومنهم الظاهرية-: إن الصلاة تبطل؛ لأنه فعل فعلا منهيا عنه في الصلاة، فكما تبطل الصلاة بالكلام تبطل برفع البصر إلى السماء، لكن القول الصحيح ما عليه الجمهور أن الصلاة لا تبطل، لكن الرجل قد فعل محرما وعرض نفسه للعقوبة. ومن فوائد هذا الحديث: الإنكار على من نشاهدهم إذا رفعوا رءوسهم من الركوع رفعوا وجوههم إلى السماء، وهذا غلط، وعلى من رآهم أن ينصحهم ويبين لهم؛ لأنهم جهال لا يعرفون وأنت عالم فبين لهم كما قال النبي ﷺ : "بلغوا عني ولو آية". فإن قال قائل: الحديث "يرفعون أبصارهم" فما قولك فيما لو رفع وجهه وأغمض عينه؟ فالظاهر أنه لا فرق، وأن قوله: "يرفعون أبصارهم" من باب الأغلب أن الإنسان إذا رفع وجهه رفع بصره، وعليه رفع وجهه وهو مغمض عينيه دخل في النهي.

стр. 542

فإن قال قائل: لو رفع بصره إلى السماء دون وجهه هل يدخل في الحديث؟ الظاهر أنه يدخل في الحديث، وإن كان الأغلب أن المعنى رفع البصر مع الوجه. ومن فوائد هذا الحديث: تعظيم شأن الصلاة، وأن الإنسان يجب أن يكون فيها على كمال الأدب مع الله . ومن فوائد هذا الحديث: بيان قدرة الله ﵎؛ لأن ما هدد به النبي ﷺ ممكن وهو أن تخطف أبصارهم في لحظة، والله تعالى على كل شيء قدير. ومن فوائد هذا الحديث: أن التحريم إذا كف الإنسان عن المحرم حصلت به الفائدة، فإذا ترك الإنسان رفع البصر إلى السماء خوفا من هذا لا نقول: إن الرجل مراء، أو أن الرجل أراد بعمله الدنيا، بل نقول: إن الإسلام يرغب الناس ويرهبهم إما بما في الآخرة من ثواب أو عقاب، وإما بما في الدنيا من جزاء أو عقاب، أليست الحدود الشرعية على الزنا والقذف والسرقة موجبة للكف عنها؟ فإذا كف الإنسان عنها خوفا من هذه العقوبة لا نقول: إن الرجل أراد بعمله الدنيا، أليس ذكر الغنيمة في الجهاد في سبيل الله والأسرى وما أشبه ذلك مما يرغب في الجهاد؟ فإذا أراد الإنسان هذه الأشياء مع ثواب الآخرة فإننا لا نقول: إن الرجل مراء أو مشرك. الحديث: "لينتهين أقوام" هل يشمل الواحد؟ نعم يشمل الواحد؛ لأن كلمة "أقوام" تشمل الواجد وما زاد. النهي عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين: ٢٣٨ - وله عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان". هذا الحديث ينبغي أن يكون سابقا، أين محله؟ "إذا قدم العشاء فابدءوا به قبل أن تصلوا المغرب" يعني: لو وضعه المؤلف هناك أو أخر ذاك إلى هنا لأنهما من باب واحد، قوله ﷺ : "لا صلاة بحضرة طعام" "لا صلاة" "لا" نافية للجنس، و"لا" ترد نافية للجنس، وترد نافية للوحدة، يعني: للواحد، فالأولى مبنية يعني اسمها مبني، لأنه مركب معها، وهي تفيد النص على العموم يعني: أن نفيها نص في العموم، مثال ذلك: "لا رجل في البيت" فهي نافية لجنس الرجال، أي: لا يوجد رجل واحد، ولا اثنان، ولا نصف رجل؛ لأنها نافية للجنس لا للمعين، وأما النافية للوحدة - يعني: للواحد- فإنها تعمل عمل ليس وليست نصا في العموم، فإذا تكلم الرجل العربي وقال: "لا رجل في البيت" فليس ككلامه فيما إذا قال: "لا رجل في البيت"،

стр. 543

لماذا؟ لأن الأولى نافية للجنس، أي: لا رجل في البيت، أي: لا يوجد أحد من هذا الجنس، لكن إذا قال: "لا رجل في البيت" عرفنا أنها نافية للواحد؛ يعني: ليس بالبيت رجل واحد، بل رجلان أو ثلاثة أو عشرة، ولهذا يقول: "لا رجل في البيت، بل عشرة"، لكن لو قال: "لا رجل في البيت" لا يمكن أن يقول: "بل عشرة"، والفرق ظاهر، فلننظر إلى هذا الحديث: "لا صلاة بحضرة طعام" هل هي نافية للجنس أم لا صلاة بل صلاتان؟ لا، إذن هي نافية للجنس، أي: أن الصلاة: جنس الصلاة فرض أو نفل ذات ركوع وسجود أو جنازة هذا النفي هل هو نفي للوجود يعني لا يمكن أن يصلي أحد بحضرة الطعام، أو نافية للصحة، أو نافية للكمال؟ هذا ينبني على قاعدة معروفة وهي أن الأصل في النفي وروده على نفي الوجود هذا الأصل، فإن تعذر حمله على ذلك لكون الشيء موجودا انتقلنا إلى نفي الوجود الشرعي وهو نفي الصحة؛ لأن ما لا يصلح شرعا وجوده وعدمه سواء في الشرع، فإن تعذر ذلك يعني: دل الدليل على صحة هذا المنفي انتقلنا إلى مرحلة ثالثة وهي نفي الكمال، إذن نفي الوجود هنا متعذر؛ لأن الإنسان قد يصلي بحضرة الطعام، وقد يصلي وهو يدافعه الأخبثان، نفي الصحة ينبني على وجود الخشوع في الصلاة، إن قلنا: إن الخشوع في الصلاة واجب، وأن الإنسان إذا شغله شيء عن حضور القلب في الصلاة كلها أو أكثرها فصلاته باطلة فالنفي للصحة، وإذا قلنا: إنه - أي: الخشوع في الصلاة - سنة وليس بواجب فالنفي هنا للكمال. بقي أن يقال: هل يمكن أن نحمله على نفي الكمال مع إمكان جمله على نفي الصحة؟ الجواب: لا؛ لأن الأصل في النفي نفي الحقيقة لا الكمال، فنحن قد بحثنا هذا في أول الباب، وبينا أن الذي يظهر ما ذهب إليه الجمهور من أن الخشوع في الصلاة سنة مؤكدة، وإن كان ظاهر كلام شيخ الإسلام ﵀ في "القواعد النورانية" أنه واجب؛ لأنه أخذ يستطرد في الأدلة ويقول: ومما يدل على وجوب الخشوع ثم يسوق الدليل. وقوله: "بحضرة الطعام" هذا ليس على إطلاقه، بل بحضرة طعام هو في شوق إليه، وتناوله في حقه حلال لابد من هذا القيد، فإن لم يكن مشتاق إليه لم يدخل في الحديث، وإن كان مشتاقا لكن لا يحل له فإنه لا يدخل في الحديث كما سنبين في الفوائد. "ولا وهو بدافعه الأخبثان"، أي: ولا والمصلي؛ فتكون الواو للحال وهو يعود على المصلي، "ويدفعه" أي: تارة يقوى على الصبر على الأخبثين، وتارة لا يقوى مدافعة، و"الأخبثان" هما البول والغائط، والخبث هنا من النجاسة؛ يعني: أنهما نجسان، ونجاستهما بالإجماع بل بالنص والإجماع. فلنعد إلى الفوائد في هذا الحديث، من الفوائد: اعتناء الشرع بالصلاة، وأنه ينبغي للإنسان

стр. 544

أن يقبل عليها وهو خالي الذهن عير مشتغل بشيء، وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بحضرة الطعام. ومن فوائد هذا الحديث: أنه لو غلبت الوساوس من تناول الطعام ومدافعة الأخبثين على الصلاة فإنها لا تصلح، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بناء على وجوب الخشوع. ومن الفوائد: تأخير الصلاة عن أول وقتها إلى آخره إذا كان بحضرة طعام أو يدافعه الأخبثان، وجه ذلك: أن تقديمها في أول الوقت سنة، والصلاة حال مدافعة الأخبثين وحضور الطعام إما محرمة أو مكرهة كراهة شديدة، ومن المعلوم أنه إذا تعارض فعل السنة مع درء محرم أو مكروه كراهة شديدة أن يقدم الثاني. ومنها: أن المحافظة على كمال ذات العبادة أولى من المحافظة على كمال وقتها، وجه ذلك: أن الصلاة في أول الوقت أفضل من حيث الزمن، لكن صلاتها بخشوع وحضور قلب أفضل، الفضيلة الأولى تتعلق بالزمن وهذا يتعلق بذات العبادة، وعليه فمراعاة الفضيلة التي تتعلق بذات العبادة أولى من مراعاة الفضيلة التي تتعلق بزمان العبادة. قال أهل العلم: وكذلك ما يتعلق بمكانها: إذا تعارضت فضيلة تتعلق بالمكان وفضيلة تتعلق بحضور القلب؛ فالأولى المحافظة على ما يتعلق بذات العبادة، ومثلوا له بالدنو من الكعبة والرمل إذا تعارض دنوه من الكعبة والرمل في طواف القدوم فمراعاة الرمل أولى من مراعاة القرب من الكعبة؛ لأن الرمل يتعلق بذات العبادة بذات الطواف، وأما القرب فيتعلق بمكانها، ومن ذلك أيضا: لو تعارض السعي بين العلمين في المسعى لكن في الدور الأعلى أو المشي بين العلمين لعدم القدرة على السعي فأيهما يقدم؟ الأول يقدم، هذا إذا قلنا: إن بين الدور الأرضي والأعلى فرقا، أما إذا قلنا: لا فرق؛ لأن الهواء تابع للقرار فلا تعارض أصلا، لكن بعض العلماء أشكل عليهم السعي في الطابق العلوي، ولكنه لا وجه للإشكال لأن الهواء تابع للقرار، والجبلان - الصفا والمروة- يرتفعان فوق مستوى الطابق الأعلى والأوسط أيضا، فيصدق على من سعى في الطابق الأعلى والطابق الأوسط أنه سعى بين الصفا والمروة فلا وجه للإشكال، وبناء على هذا يقول: ليس هناك معارضة بل هناك مفاضلة هل يتعب ويصعد أو يسعى في الأرض، وأكثر الناس أحب إليه أن يصعد ويسعى في استراحة وعدم ضيق. ومن فوائد هذا الحديث: أن ظاهره أنه يراعي الطعام الحاضر ولو فات الوقت لعموم قوله: "لا صلاة بحضرة طعام"، وهذا عام في الأوقات كلها؛ يعني: عام في كل الوقت، يعني: لا تصلي بحضرة طعام ولو فات الوقت، وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم، وقال: إن تأخير الصلاة عن وقتها من أجل الحصول على فراغ القلب وعدم شتاته جائز؛ لكن الجمهور يقولون: إنه إذا

стр. 545

خاف فوات الوقت فإنه يصلي ولو كان بحضرة الطعام وهذا أقرب، لكن مسألة مدافعة الأخبثين قد يقال: إنه يؤخرها عن الوقت؛ لأنه لا يمكن أن يصلي وهو يدافع الأخبثين، لاسيما إذا كان من الناس الذي إذا اشتد عليهم الحصار انطلق الأمر من أيديهم، فهذا يعني: أنه لو تمسك ربما يحدث بعير اختيار منه، فالفرق بينهما من حيث المراعاة واضح جدا. ومن فوائد هذا الحديث: مراعاة حال الإنسان وقيامه بحقوق نفسه؛ لأن كونه يحضر الطعام بين يديه وهو مشتاق إليه جدا ويتشوش فكره إذا لم يأكل فنقول له: "كل" هذا لا شك أنه مراعاة ورأفة وتيسير على العبد. ومن فوائد هذا الحديث: أنه لابد أن يكون مشتهيا للطعام جدا، من أين يأخذه؟ من أننا نعلم أن العلة في النهي عن الصلاة عند حضور الطعام هو ذهاب الخشوع واشتغال القلب، فإذا لم يكن مشتاقا إليه كثيرا فإنه لا نهي؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما. ومن فوائد الحديث أيضا: أنه لو حضر عنده طعام لا يمكنه تناوله وهو مشتهيه فإنه لا يدع الصلاة من أجله بل يصلي، وجه ذلك: لأن تركه للصلاة لا يفيد شيئا؛ إذ إنه لو ترك الصلاة ووقف يأكل هل يمكن أن يأكل؟ لا يمكن، وله أمثلة منها: أن يكون الطعام لغيره وهو يعلم أنه لا يأذن في أكله، فهنا الطعام حرام عليه لا يجوز أن يأكله حتى سواء صلى أو لم يصل. ومنها: لو قدم لفطور عند غروب الشمس وقد استيقظ فهل نقول: انتظر لا تصل العصر حتى تفطر بعد الغروب؟ الجواب: لا؛ لأنه لا يستفيد من هذا شيئا، غذ إن لا يمكن أن يأكل. ومن فوائد هذا الحديث: أن إحساس الإنسان بالبول أو الغائط بدون مدافعة لا يمنع من الصلاة؛ لقوله: "يدافعه"، فإحساس الإنسان بالبول أو الغائط بدون مدافعة لا يمنع من الصلاة؛ لقوله: "يدافعه"، فإحساس الإنسان بامتلاء المثانة من البول دون ان يكون هناك مدافعة لا يمنعه من الصلاة لعدم اشتغال القلب. فإن قال قائل: وهل مثل ذلك إذا كان يدافع الريح؟ الجواب: نعم؛ لعدم الفرق؛ ولأن الريح إذا امتلأت الأمعاء منها ربما تخرج بدون اختيار الإنسان فيكون عذره باحتقان الريح كعذره باحتقان البول أو الغائط. ومن فوائد هذا الحديث: وصف البول والغائط بأنهما الأخبثان، فهل يعني ذلك أنهما أغلظ النجاسات؟ الجواب: بالنسبة للآدمي لا شك أنهما أغلظ النجاسات، فالمذي مثلا نجس ولكنه أخف من البول والغائط، فإنه يكفي فيه النضح، والدم - دم الآدمي- عند من يقول بنجاسته أخف من البول أو الغائط فهما أخبثان بالنسبة لما يخرج من الإنسان وليس أخبثان بالنسبة لجميع النجاسات؛ لأن نجاسة الكلب أخبث فإنها لا تطهر إلا بسبع غسلات إحداهما بالتراب. فإن قال قائل: هل النفي هنا "لا صلاة" نفي للابتداء، أو للابتداء والاستمرار؟ فالأصل أنه للابتداء, لكن لو حدث أو لو طرأ على الإنسان في أثناء الصلاة مدافعة الأخبثين فهل تبطل الصلاة, أو نقول: لك أن تنصرف ولك أن تستمر؟ الجواب: الثاني, أن له أن يستمر وله أن ينصرف لكن إذا كانت المدافعة شديدة فالأولى ألا يستمر لما في ذلك من الأضرار على نفسه, واشتغال القلب كثيرًا عن صلاته, فما وجه دخول هذا الحديث في باب الخشوع في الصلاة هو واضح؛ لأن مدافعة الأخبثين وحضور الطعام المباح الذي يشتهيه ينافي الخشوع.

стр. 546

٢٣٩ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «التثاؤب من الشيطان, فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع». رواه مسلم. والترمذي وزاد: «في الصلاة». «التثاؤب» مبتدأ «ومن الشيطان» خبره؛ يعني: أن الشيطان هو الذي يأتي بالتثاؤب, وما هو التثاؤب؟ معروف, ومثل هذه الأشياء لا يمكن أن تحدها أو تعرفها. لو قال لك مثلًا: ما هو العطاس؟ العطاس ربما نقول: أقرب إلى أن يحد وهو «خروج الريح من الأنف بصفة مخصوصة, لكن التثاؤب ماذا نقول؟ هذه الأشياء الفطرية الطبيعية تعريفها صعب, لكن قوله: «من الشيطان» أي: أن التثاؤب الشيطان سببه, «فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع» «إذا تثاءب» أي: أتاه التثاؤب؛ لأن قوله: «فليكظم» يقتضي أنه إذا كظم لا يتثاءب, لكن إذا تثاءب أي: طرأ عليه التثاؤب وأحسن به, «فليكظم»؛ أي: فليمنع, ومنه قوله تعالى: ﴿والكاظمين الغيظ﴾ [آل عمران: ١١٩]. أي: المانعين «ما استطاع» أي: بقدر استطاعته, فإن عجز لم يذكر في الحديث لكن جاء في حديث آخر «صحيح»: «إن عجز وضع يده على فيه» , وضعها وضعًا طبيعيًا لا مقلوبة كما اختاره بعض العلماء يقولون: تضعها مقلوبة, وعلل هذا بأنه إذا وضعها على فمه على ظهرها كأنما يدافع الشيطان بيده, ولكن نقول: الحديث لا يدل على ذلك. يقول: زاد الترمذي: «في الصلاة» يعني: أن قوله: «التثاؤب من الشيطان»؛ يعني: أن الشيطان هو الذي يحمل المصلي على التثاؤب؛ لأنه يدل على الكسل والاسترخاء, لكن الأخذ بالعموم أولى؛ لأن سبب التثاؤب واحد لا في الصلاة ولا في غيرها, وهو ميل البدن إلى الكسل, ومن ثم نعلم أن الطفل إذا أتاه النوم من أين نعلم أنه يريد النوم؟ من كثرة تثاؤبه, والإنسان إذا صار كسلام يكثر تثاؤبه. في هذا الحديث من الفوائد: أن للشيطان تأثيرًا على البدن حتى إنه يطرأ منه التثاؤب, ويشهد لهذا قول النبي ﷺ : «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم». ويشهد لهذا أن النبي

стр. 547

صلى الله عليه وسلم أخبر بأن للشيطان في قلب ابن آدم لمة يأمره بالمعصية وينهاه عن الخير. فالشيطان له تأثير على البدن, وهل له تأثير على المرض العضوي, أو نقول: له تأثير على الأمور النفسية فقط كالكسل والغم, والحزن وما أشبه ذلك؟ أما شياطين الجن المعتدون فيؤثرون على البدن تأثيرًا عضويًا, وأخبر النبي ﷺ أن الشيطان إذا وضع الصبي من بطن أمه يلكزه في خاصرته إلا عيسى؛ ولذلك من حين ما يوضع الطفل من بطن أمه تسمع له صراخ. على كل حال: تأثير الشيطان على البدن من حيث الانفعالات والحزن والفرح بالباطن أمر معلوم لكن هل يؤثر على الأعضاء؟ هذا محل تردد إلا ما جاءت به النصوص. ومن فوائد هذا الحديث: أن عداوة الشيطان تكون في الأمر بالمعصية وفي إيجاد الكسل في الطاعة؛ لأن التثاؤب دليل على الكسل, وإذا حصل في الصلاة دل على أنها ثقيلة على المصلي. ومن فوائد هذا الحديث: أن الإنسان إذا غلبه التثاؤب فإنه مأمور بكظمه بقدر ما يستطيع, وبهذا نعرف خطأ أولئك الذين إذا حصل لهم التثاؤب صار لهم صوت يشوش به على من حولهم, وهم مخالفون للسنة في هذا؛ لأن الصوت يمكن كظمه, قال بعض أهل العلم: إذا أردت أن تكظم فعض على الشفة السفلى, على كل حال هو مجرب, لكن لا تعض عضًا شديدًا؛ لأنه ربما تخرق الشفة وأنت لا تدري لكن هو مجرب. ومن فوائد هذا الحديث: إثبات القدرة ونفيها على الإنسان لقوله: «ما استطاع» , وفيه أيضًا إثبات الإرادة للإنسان لقوله: «فليكظم» , فيكون في ذلك رد على طائفة مبتدعة ضالة من هم؟ الجبرية. أسئلة: - ما هو الخشوع في الصلاة؟ - ما الدليل على أن الخشوع ليس بواجب؟ - وهل ينافي الصلاة؟ - وما وجه حديث أنس: «إذا قدم العشاء فابدءوا به»؟ - هل الالتفات يبطل الصلاة؟ - قوله ﷺ : «إذا كان أحدكم في الصلاة فهو يناجي ربه» كيف ذلك؟ حديث: «قسمت الصلاة» لماذا نهى أن يبصق بين يديه؟

стр. 548

٦ - باب المساجد «المساجد» جمع مسجد؛ أي: مكان السجود, وهو نوعان: الأول: مكان مخصوص كالمساجد المعروفة المقامة في الأحياء. والثاني: عام لكل الأرض, فيكون محل السجود مسجدًا. دليل ذلك قول النبي ﷺ : «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا». والمراد بهذه الترجمة التي ذكرها المؤلف المراد الأول: المساجد الخاصة التي تبنى ليتخذها الناس مصلى, وأحكام المساجد كثيرة أفردها بعض العلماء بالتأليف لأهميتها, وبعض العلماء يذكر شيئًا منها في الباب المناسب, هل نقول أن المناسب أن تذكر هذه المساجد أي يذكر الكلام عليها حينما يتكلم عن طهارة بقعة المصلي أو أن تذكر في باب الجماعة؟ الجواب: لكل أحد من العلماء رأي في هذا والمقصود ألا تخرج عن إطار كتاب الصلاة لتعلقها بالصلاة. وجوب تنظيف المساجد وتطييبها: ٢٤٠ - عن عائشة ﵁ قالت: «أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور, وأن تنظف وتطيب». رواه أحمد, وأبو داود, والترمذي, وصحح إرساله. قولها ﵂: «أمر» الأمر هو طلب الفعل على وجه الاستعلاء بأن يقول السيد لعبده: افعل كذا, فإن كان على وجه التذلل فهو دعاء ومسألة, وإن كان من القرين لقرينه فهو التماس, هكذا قال علماء البلاغة, فإذا توجه الأمر من الله أو من رسوله فهو أمر يقصد به الفعل. وقولها ﵂: «أمر ببناء المساجدد». «أمر» لم تذكر الصيغة التي وقعت من النبي ﷺ , هل قال مثلًا: ابنو المساجد في الدور, أو قال: لا تخلو الدور من المساجد, أو ما أشبه ذلك؟ فيقال: الأصل أن يحمل قول الصحابي أمر بكذا على الأمر الحقيقي, وهو ابنوا المساجد. فإن قال: قائل: ربما يفهم الصحابي الخبر أمرًا؟ فالجواب: هذا بعيد أن يفهم الصحابي الخبر أمرًا, ثم أبعد منه أن يحدث بما لا يتيقن أن النبي ﷺ أراده, فقول بعض العلماء ﵏: إن الصحابي إذا عبر بكلمة «أمر» ليس صريحًا في الأمر لاحتمال أن يظن الخبر أمرًا, هذا قول ضعيف جدًا ولا يعول عليه؛ لأن الصحابي يعلم صيغة الأمر؛ ولأنه لا يمكن أن يتكلم بما لا يعلم أن النبي ﷺ أراده. وقولها ﵂: «ببناء المساجد في الدور» الدور جمع دار, والمراد بها: الأحياء, وسميت دورًا لاجتماع الدور فيها, «وأن تنظف وتطيب» تنظف من الأذى, وأعظمه النجاسة والقذر, وتطيب

стр. 549

يحتمل أن المراد بالتطهير: وضع الطيب فيها إما بالبخور, أو بالأدهان أو ما أشبه ذلك, ويحتمل أن يراد بالتطيب: إزالة آثار التنظيف, كقول عائشة ﵂ في السواك الذي دخل به أخوها على النبي ﷺ وهو محتضر قالت: «فقضمته وطيبته». أي: جعلته طيبًا يمكن التسوك به, والمعنيان كلاهما صحيح, فإن تطييب المساجد بهذا وهذا من الأمور المطلوبة. في هذا دليل على مسائل: منها: حرص النبي ﷺ أن تجتمع أمتته في هذه العبادة العظيمة - الصلاة - في مكان واحد؛ ولذلك أمر ببناء المساجد. ومنها: أن بناء المساجد فرض كفاية؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب؛ والمقصود من بناء المساجد: هو تحصيل المسجد, وهذا يكفي من الواحد والاثنين والثلاثة والأربعة, فيكون بناؤها فرض كفاية, وقد ورد في فضل بناء المساجد أحاديث منها قوله ﷺ : «من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنة». لأن الجزاء من جنس العمل. ومنها: أنه يجب أن يوضع فغي كل حي مسجد وهذا يختلف, يعني: من ناحية الحكم يختلف إذا كانت الأحياء صغيرة متقاربة, هل نقول: يلزم أن نبني في كل حي مسجدًا؟ لا, لكن إذا كانت كبيرة أو متباعدة وجب أن نبني في كل مسجدًا؛ لأن المقصود لا يحصل إلا بهذا. من فوائد هذا الحديث: مشروعية تنظيف المساجد وهو نوعان: نوع واجب, وذلك بتنظيفها من القذر, ودليل هذا قوله ﷺ حين بال الأعرابي قال: «أريقوا على بوله سجلًا من ماء» أو قال: «ذنوبًا من ماء». ويدل لذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود﴾ [البقرة: ١٢٥]. والثاني: تنظيف عن الأذى الذي ليس بقذر, فهذا الأصل فيه أنه سنة كأن تلقط ورقة ساطقة أو ريشة ساقطة أو ما أشبه ذلك, لكن إن خيف أن تجتمع هذه الأوساخ حتى تكون رائحة سيئة خبيثة, فالتنظيف حينئذٍ يكون واجبًا لإماطة الأذى. ومن فوائد هذا الحديث: تطييب المساجد, وهو كما قلنا في الشرح «تطييب» بمعنى: إزالة أثر الأذى والقذر وما أشبه ذلك, وتطييب بمعنى: وضع الطيب فيها, وكلاهما مشروع. فإن قال قائل: ما بالك تفصل هذا التفصيل مع أن الحديث واحد: «أمر ببناء المساجد وأن تنظف وتطيب»؟

стр. 550

قلنا: لأن سنة النبي ﷺ يفسر بعضها بعضًا, فيجب أن يحمل ما دل منها على شيء على ما تقتضيه النصوص الأخرى؛ لأن الشرع يكمل بعضه بعضًا, فلا يمكن أن نأخذ بحديث وندع الأحاديث الأخرى, كما لا يمكن أن نأخذ بآية وندع الآيات الأخرى. ومن فوائد هذا الحديث: هل يمكن أن نقول: يجب على أهل الأحياء أن يصلوا في مساجدهم؟ هذا فيه شيء من الثقل, أما وجه القول بالوجوب فلأننا نقول: إذا لم يكن الناس يأتون إلى هذه المساجد صار بناؤها عبثًا وإضاعة مال ولا فائدة منه, ومعلوم أن الشريعة لا تأتي بمثل هذا, فيكون وجوب بناؤها دليلًا على وجوب الحضور إليها, وإلا فلا فائدة, فإن استقام هذا الاستدلال فذلك المطلوب, وإن لم يستقم قلنا: إن وجوب الحضور إلى المساجد له أدلة أخرى, وأنه لا يجوز أن يتخلف الناس عن المساجد ويصلون في بيوتهم. وقوله: «وصحح إرساله الترمذي». الإرسال في اصطلاح المحدثين: تارة يراد به ما رفعه التابعي أو الصحابي الذي لم يسمع من النبي ﷺ , يعني: تارة يريدون بالمرسل هذا, وهذا هو المرسل الخاص الذي أسنده التابعي إلى النبي ﷺ أو الصحابي الذي لم يسمع من النبي ﷺ , فالذين لم يبلغوا التمييز في حياة النبي ﷺ إذا رووا الحديث فهو مرسل؛ لأنهم يسمعوه منه, فنقطع أن بينهم وبين النبي ﷺ واسطة كمحمد بن أبي بكر فإنه ولد في عام حجة الوداع فلو أسند حديثًا إلى الرسول ﷺ لقلنا: إنه مرسل, ولكن هل هو حجة - أعني: مرسل الصحابي - أو لا؟ الصحيح: أنه حجة؛ لأن الصحابي لا يمكن أن يسند إلى النبي ﷺ حديثًا جازمًا به إلا إذا كان رواه عن صحابي أو تابعي ثقة؛ لأن عندهم من الأمانة والخشية لله والتعظيم لرسول الله ﷺ ما ليس عندنا, وتارة يطلق المرسل عند المحدثين على ما سقط منه راوٍ في أي مكان من السند, وهذا يعلم بالتتبع, لكن لا تظن أنه كل ما قيل في الكتب المصنفة إنه مرسل؛ يعني: أنه رفعة التابعي أو الصحابي الذي لم يسمع من النبي ﷺ ؛ لأننا بالتتبع وجدنا أنهم قد يطلقون المرسل على ما سقط منه راو أو أكثر في أي مكان. إذا تعارض مرسل وواصل فهل نأخذ بالمرسل لأنه أحوط, أو نأخذ بالواصل لأن معه زيادة علم؟ الصحيح: الثاني أننا نأخذ بالواصل, والقول بأننا نأخذ بالمرسل لأنه أحوط يقابل بأننا نأخذ بالواصل لأنه أحوط, حتى لا تدع سنة النبي ﷺ , فالصحيح أنه إذا كان الواصل ثقة فإننا نأخذ بوصله؛ لأن الوصل زيادة, وزيادة الثقة مقبولة. ***

стр. 551

النهي عن اتخاذ القبور مساجد: ٢٤١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قاتل الله اليهود: اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». متفق عليه. وزاد مسلم: «والنصارى». وفي رواية في غير هذا الحديث: «لعنة الله على اليهود والنصارى». «قاتل» بمعنى: أهلك يتعين هذا؛ لأن من قاتل الله فهو هالك على كل حال, وجاءت بلفظ المقاتلة؛ لأنه لما كان هذا المعاند المخالف لشريعة الله سميت الدعوة عليه بالإهلاك مقاتلة كقتال المتنازعين, اليهود هم الذين يزعمون أنهم أتباع موسى, سموا بذلك إما لأن جدهم يسمى يهوذا, ولكنه عرب فصار يهودًا, وإما أنه من هاد يهود بمعنى: رجع لقولهم: ﴿إنا هدنا إليك﴾ [الأعراف: ١٥٦]. وقوله تعالى: ﴿يحكم بها النبيون الذين أسلموا﴾ لمن ﴿للذين هادوا﴾ [المائدة: ٤٤]. ويحتمل أن يكون هذا راجعًا للأمرين جميعًا: أنهم هادوا؛ أي: رجعوا إلى الله وتابوا من عبادة العجل, وأن جدهم كان يسمى بهذا الاسم, ثم قال: «اتخذوه قبور أنبيائهم مساجد» هذه الجملة تعليل للحكم الذي قبلها يعني: كأنه قيل: لم؟ فقال: اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد, أي: صاروا يصلون عند القبور سواء بني عليها أو لم يبن؛ لأنه إذا اتخذ هذا المكان مصلى فقد اتخذه مسجدًا بلا شك سواء بنى عليه بناية أو لم يبن, وزاد مسلم: «والنصارى»؛ النصارى هم أتباع عيسى, وسموا نصارى إما لقولهم: ﴿نحن أنصار الله﴾ [الصف: ١٤]. وإما نسبة إلى بلدهم «الناصرة» وهي معروفة, ويمكن أن يقال للوجهين جميعًا. أسئلة: - للمساجد معنيان ما هما؟ - ما حكم بناء المساجد في المدن والقرى؟ - هل يمكن أن يستدل بهذا على وجوب صلاة الجماعة؟ - قولها: «تنظف وتطيب» ما الفرق بينهما؟ - ما هو الدليل على أن مثل هذا يكون تطيبًا؟ - «قاتل الله اليهود» , ما المراد بـ «قاتل»؟ ولماذا جاءت بلفظ المقاتلة؟ - ما معنى قوله: «اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»؟ ***

стр. 552

٢٤٢ - ولهما: من حديث عائشة ﵂: «كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا» , وفيه: «أولئك شرار الخلق». قوله: «ولهما» أي: للبخاري ومسلم «كانوةا» أي: النصارى «كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح» هذا أعم من كونه نبيًا أو غير نبي, الصالح هو المستقيم في دينه سواء كان نبيًا أو غير نبي «بنوا على قبره مسجدًا» وهذا يوضح معنى قوله: «اتخذوةا قبور أنبيائهم مساجد» , وفيه: «أولئك شرار الخلق» يعني: عند الله «أولئك» بالكسر؛ لأن الكاف اسم للإشارة تكون حسب المخاطب, واسم الإشارة يكون حسب المشار إليه, وفي هذا امتحان للطالب. فإذا قيل لك: أشر إلى واحد مخاطبًا اثنين كيف تقول: «ذلكما» كما قال عن يوسف: ﴿ذلكما﴾ يخاطب صاحبي السجن ﴿مما علمني ربي﴾ [يوسف: ٣٧]. أشرف إلى أنثى مخاطبًا أنثى؟ «تلك» هذه هي اللغة المشهورة الفصحى أن الكاف تكون بحسب المخاطب, إن مفردًا مذكرًا صارت مفردًا مذكرًا, وإن مثنى صارت للتثنية, وإن جمعت جمع ذكور صارت للجمع بالميم, وإن جمعت جمع إناث صارت بالجمع بالنون قال الله تعالى: ﴿قالت فذالكن الذي لمتنني فيه﴾ [يوسف: ٣٢]. «فذلكن» تشير إلى واحد وهو يوسف, ولهذا أتى بـ «ذا» تخاطب نسوة جماعة, فيه لغة أخرى أن الكاف بالفتح والإفراد مطلقًا على اعتبار الشخص, وإذا كان المخاطب جماعة أو منثى فهو باعتبار الجنس باعتبار الشخص لكونها مفردًا مذكرًا وباعتبار الجنس لكونها مفردة لا مثناة, ولا مجموعة, فيه لغة ثالثة: أنه إذا خوطب بها النساء فهي بالإفراد والكسر, مطلقًا وإذا خوطب بها الرجال فهي بالإفراد والكسر لكن اللغة الأولى هي الفصحى هنا «أولئك شرار الخلق» المخاطب أنثى واحدة والمشارة إليه جماعة وهم الذين يبنون على قبور صالحيهم. في هذا الحديث من الفوائد: أن الشرك عظيم جدًا, وذلك لعظم وسائله وذرائعه, فأصل المسجدلا إذا بني على القبر إنما يصلى لله لكن في هذا المكان هذا هو الأصل, لكن لما كان يخشى أن صاحب القبر يعبد صار البناء على قبره من كبائر الذنوب, والتعظيم في الوسيلة يدل على عظم الغاية. ومن فوائد هذا الحديث: حماية الشريعة لجانب التوحيد حماية كاملة بحيث سدت جميع الوسائل التي قد تؤدي إلى الشرك. ومنها: تحريم بناء المساجد على القبر؛ لأن النبي ﷺ وصف الدين يبنون المساجد على القبور بأنهم شرار الخلق.

стр. 553

ومنها: أن البناء على القبور فيه التشبه باليهود والنصارى, فيكون هذا الواقع في هذه الأمة مصداقًا لقول النبي ﷺ : «لتركبن سنن من كان قبلكم» , قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟ ». وعلى هذا فالذي يبني مسجدًا على القبر مشابه تمامًا لليهود والنصارى. ومن فوائد الحديث: وجوب هدم المسجد المبني على القبر, وجه الدلالة: أن البناء هذا من كبائر الذنوب ولا يجوز إقرار الكبائر, هذه واحدة. ثانيًا: أن النبي ﷺ أمر بهدم المسجد الضرار. مع أنه لم يبن على قبر لكن فيه مضارة لمسجد إلى جانبه, فما كان وسيلة إلى الشرك فهدمه من باب أولى. ومنها: مسألة اختلف فيها هل تصلح الصلاة في هذا المسجد الذي بني على القبر أو لا تصح؟ في هذا خلاف بين أهل العلم منهم من قال: إنها تصح؛ لأن المحرم هو بناء المسجد, وهو منفصل عن الصلاة, ولم يرد عن النبي ﷺ أنه نهى عن الصلاة في المساجد المبنية على القبور فهو كما لو صلى الإنسان في مكان مغصوب, والراجح أن الإنسان إذا صلى في مكان مغصوب فصلاته صحيحة مع الإثم وهذا مذهب الأئمة الثلاثة, القول الثاني: أن الصلاة فيه لا تصح؛ لأنه منهي عنها بطريق اللزوم, وهو أن الصلاة في هذا المسجد وسيلة إلى عبادة صاحب القبر فتكون منهيًا عنها نهي الوسائل, وإذا كان العمل منهيًا عنه صار إيجابه مضادة لله ورسوله, فيقتضي المنع منع تنفيذ هذا الشيء لقول النبي ﷺ : «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» وهذا القول أقرب للصواب, إن الصلاة في المساجد المبنية على القبور حرام غير صحيحة, لاسيما إذا كان المصلي ممن ينظر إليه النار نظر إمامة؛ أي: أنهم يقتدون به, فهنا يتضاعف الإثم ويقوى القول بأن الصلاة غير صحيحة. ومن فوائد هذا الحديث: أن الشرع يتفاضل لقوله: «أولئك شرار الخلق» وهو كذلك كما أن الخير يتفاضل, ويلزم من هذا أن تتفاضل الأعمال, ويلزم لزومًا آخر أن يتفاضل العمال, وهذا هو الحق أن الأعمال تتفاضل صالحها وسيئها, وأن العمال يتفاضلون بحسب أعمالهم, وعليه فنقول: الإيمان يزيد وينقص؛ لأن العمل من الإيمان؛ إذا تفاضل العمل لزم من ذلك تفاضل الإيمان, وهذا هو الحق أن الإيمان يتفاضل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية, ويزيد أيضًا لقوة الآيات المشاهدة وضعفها, فإن الإنسان كلما شاهد الآيات ازداد إيمانًا بالله ولهذا قال إبراهيم ﵊: ﴿رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ [البقرة: ٣٦٠]. والإنسان يشاهد هذا في نفسه كلما رأى آية عظيمة خارجة عن المألوف

стр. 554

فإنه يزداد إيمانًا بلا شك, وقولنا: خارجة عن المألوف؛ لأن المألوفات قد لا تؤثر في الإنسان تأثيرًا بينًا لأنها مألوفة عنده كطلوع الشمس وغروبها, لا شك أنها من آيات الله العظيمة ومع ذلك هي عند الناس مألوفة لا تؤثر ذلك التأثير, لكن لو يحصل كسوف أو أشياء أخرى في الشمس أو القمر ازداد الإنسان إيمانًا؛ إذن الإيمان يزيد باليقين القار في القلب وبالأعمال. قال ﵀: حكم دخول الكافر للمسجد: ٢٤٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: «بعث النبي ﷺ خيلًا, فجاءت برجل, فربطوه بسارية من سواري المسجد». الحديث. متفق عليه. «بعث خيلًا» أي: للقتال والجهاد في سبيل الله, «فأسروا رجلًا» جاءوا به إلى النبي ﷺ , وهذا الرجل يقال له: ثمامة بن أثال, جاءوا به وكان قد خرج يعتمر فأصابوه في الطريق فأتوا به وهو من أشراف أهل اليمامة وله كلمة فيهم, ربطه النبي ﷺ بسارية أي: بعمود من ساري المسجد, والغرض من ربطه شيئان: الأول: أن يشاهد صلاة المسلمين. والثاني: أن فيه نوع من الإهانة أن يكون رجل يربط بعمود من عمد المسجد, هذا فيه نوع من الإهانة, لأنه كان شريف قومه. وقول المؤلف ﵀: « .... الحديث» يعني: إلى آخر الحديث يشير إلى أن الحديث مطول, وأنه اختصره وأتى بالشاهد فقط, القصة: أنه لما جاءوا به وربطوه في المسجد مر به النبي ﷺ وقال له: «ماذا عندك؟ قال له: «إن تقتل تقتل ذام دم» يعني: تقتل مستحقًا للقتل, وإن تنعم تنعم على شاكر, وإن أردت المال فسل ما تشاء, ثلاثة أشياء خير النبي ﷺ فيها «إن تقتل تقتل ذا دم» , أي: مستحقًا للقتل, و «إن تنعم تنعم على شاكر» , «وإن تريد المال فسل ما شئت» تركه النبي ﵊ جاء في اليوم الثاني ومر به, وقال: «ماذا تريد؟ » قال: ما قلته: «إن تنعم تنعم على شاكر» , ولم يذكر إن تقتل تقتل ذا دم, ولا إن كنت تريد المال فسل, أتى بشيء واحد يعرض بأن النبي ﷺ يمن عليه ويطلقه وأنه سينعم على شاكر فتركه, في اليوم الثالث مر به وقال: «ماذا عندك» فأعاد عليه قال: عندي ما قلت لك, فأمر النبي ﷺ بإطلاقه؛ فوقع هذا المن من رسول الله ﷺ موقعه من هذا الرجل الكبير, فخرج من المسجد وذهب واغتسل, ثم جاء فدخل المسجد, وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله, تشهد وأعلن ذلك في مسجد الرسول ﷺ فبشره النبي ﷺ , يعني: بشره بالخير, ثم أقسم أنه كان لا يرى وجها أبغض إليه من وجه الرسول ﷺ قال: وإن وجهك اليوم لأحب الوجوه إلي, وكنت لا أرى دينًا أبغض إلي من دينك, وإن دينك اليوم أحب إلي من كل دين. فسر النبي ﷺ بذلك

стр. 555

وأمره أن يذهب إلى عمرته؛ فذهب واعتمر ودخل مكة يلبي بغير تلبية المشركين, تلبية المشركين يقولون: لبيك اللهم لبيك, لبيك لا شريك لك لبيك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك, هو قد دخل بالتلبية الخالصة بالتوحيد فأنكرت عليه قريش, وقالوا له: صبأت, قال: لا, أسلمت مع محمد ﷺ , والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة إلا بأذن النبي ﷺ , لما قال هذا وكانوا هموا بقتله قال بعضهم لبعض: لا تقتلوه يحبس عنا الطعام؛ لأن مكة غير ذي زرع, فتركوه ومنع صدور الحنطة إليهم, فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده وتقول: أنت تصل الرحم وتكسب المعدوم, وذكروا من صفاته ﵊ وأخبروه بما قال ثمامة بن أثال, فشفع النبي ﷺ إلى ثمامة أن يبعث إليهم بالحنطة صلة للرحم. وتعظيمًا للبيت, وإن كان هؤلاء مشركين. هذه قصة ثمامة بن أثال, وفيها عبر وهي: أن المن قد يكون خيرًا من الانتقام, فإن النبي ﷺ لو قتله قتله على الكفر ولم يستفد هذه الفائدة العظيمة: إعلانه في مكة التي أهلها مشركون أنه تابع لرسول الله ﷺ , ولا أن يحصل أنهم يتشفعون به إلا ثمامة ليرسل لهم الطعام. وفيه أيضًا: دليل على أنه يجوز للإمام أن يمن على الأسير بغير فداء؛ لأن الرسول ﷺ من عليه. نرجع إلى المقصود من المؤلف لسياق هذا الحديث: ففيه دليل على جواز ربط الأسير من حيث الجملة سواء في المسجد أو في السوق أو في البيت المهم ربط الأسير, والأسير يخير فيه الإمام بين أمور: القتل, والمن مجانًا, والفداء بأسير مسلم, والفداء بمال, أو منفعة يخير فيه, وهل هذا التخيير على حسب شهوته وإرادته, أو على حسب المصلحة؟ الثاني؛ لأن كل من له ولاية على شيء فالوةاجب عليه أن يراعي المصلحة فيما خير فيه, لا يراعي مصلحته الشخصية, فاختار النبي ﷺ من هذه الأربعة خيارات أن يمن عليه, فإذا كان الإنسان يعلم أن هذا الأسير إذا من عليه لكونه شريفًا يرى أن المن عليه كبير أن يمن عليه وتكون العاقبة والنتيجة حميدة. من فوائد هذا الحديث: جواز دخول الكافر المسجد؛ لأن ثمامة ما ربط في اسارية إلا بعد دخوله المسجد, فهل يجوز دخول الكافر المسجد أو لا؟ يجوز, بعض العلماء يقول: لا يجوز مطلقًا, واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: ٢٨]. وقالوا: إذا كان الكافر يمنع من دخول حرم مكة وإن كان في غير المساجد, فالمساجد التي هي بيوت الله من باب أولى, وأجابوا عن حديث ثمامة بأنه منسوخ, ولكن هذا ليس بصواب؛ لأن لمكة وحرمها من التعظيم والتشريف

стр. 556

والإكرام ما ليس لغيرها؛ ولهذا لا يوجد بقعة يشرع لقاصدها أن يحرم إلا مكة, فلا يمكن أن يقاس عليها غيرها, وادعاء النسخ يحتاج إلى شيئين: الأول: العلم بالتاريخ. والثاني: تعذر الجمع, فإن لم يتعذر الجمع فهو واجب, وإذا لم نعلم التاريخ فيجب التوقف, إذن الصحيح أنه يجوز أن يدخل الكافر المسجد, ولكن هل هذا بلا قيد أو بقيد؟ يجب أن يكون بقيدة, فإذا علمنا أنه دخل المسجد ليأخذ صورة يعرضها على قومه ويقول: انظروا إلى مساجد المسلمين, وانظروا إلى الكنائس عندنا كيف تكون الكنائس مرصعة بالذهب وموشاة بالنقوش وما أشبه ذلك, وهذه مساجدالمسلمين, فهذا يمنع منعًا باتًا ولا يمكن أن يمكن من دخول المسجد لما في ذلك من الضرر على المسلمين فهذا يمنع, كذلك إذا خيف منه الإضرار بالمسجد كتخريق فرشه وإفساد أنواره وما أشبه ذلك, فإنه يمنع بلا شك؛ لأن هذا لو وقع من غير الكافر منع فكيف بالكافر. الثالث: أن يدخل المسجد لمصلحة المسجد كرجل مهندس فني دخل ليصلح المسجد يصلح أضواءه أو مكبر الصوت فيه أو غير ذلك فهذا لا شك أنه جائز؛ لأن دخوله الآن لمصلحة المسجد وليس في دخوله ضرر. الرابع: أن يدخل المسجد ليطلع على صلاة المسلمين لا لقصد الشماتة بهم, ولكن ليتعرف على الإسلام كيف هو وكيف العبادات فهذا جائز, بل مطلوب لعل في ذلك دعوة له للإسلام فهذا مطلوب. الخامس: أن يدخل المسجد ينتفع بدخوله كما لو دخل ليشرب من الثلاجة التي في المسجد أو دخل المسجد لهبوب رياح باردة, أو لحرارة شمس أو ما أشبه ذلك فهنا نمكنه من الدخول حتى يرى أن في الإسلام فسحة, وأن الإسلام يراعي مصلحة البشر إذا لم يكن في ذلك ضرر على الدين, والقاعدة أنه إذا تضمن دخول الكافر المسجد إضرار بالمسجد أو بسمعة المسلمين فإنه يمنع, وإذا كان لمصلحة الداخل كشرب ماء, أو استظلال عن شمس, أو اتقاء لبرد فهذا جائز, وإذا كان للدعوة إلى الإسلام ومعرفة عمل المسلمين في صلاتهم فهذا مطلوب, وكذلك لو كان لمصلحة المسجد إذا لم يوجد مسلم يقوم مقامه, فإذا وجد مسلم يقوم مقامه فلا ينبغي أن يؤتى بكافر. ومن فوائد هذا الحديث: أن في مسجد النبي ﷺ سواري؛ أي: أعمدة وهذا معروف, ولكن كلما قلت الأعمدة في المسجد فهو أفضل حتى لا تحول الأعمدة بين المصلين. فإذا قال قائل: وهل يجوز أن يصلي الناس بين الأعمدة في الجماعة؟

стр. 557

نقول: أما إذا كان العمود صغيرًا لا يقطع الصف فلا بأس, وأما إذا كان واسعًا يقطع الصف فهذا يكره, إلا إذا دعت الحاجة إلى هذا كالحرمين في أيام المواسم فإن الناس يحتاجون إلى أن يصلون بين السوةاري حتى لو كان حجمها صغيرًا, لأن الحاجة داعية لذلك. أسئلة: - ما اسم الرجل الذي أسره المسلمين؟ - ما مكانته في قومه؟ - ما نتيجة من الرسول عليه؟ حكم إنشاد الشعر في المسجد وشروطه: ٢٤٤ - وعنه ﵁ «أن عمر ﵁ مر بحسان ينشد في المسجد, فلحظ إليه, فقال: قد كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك». متفق عليه. يقول: أن عمر ﵁ أمير المؤمنين مر بحسان بن ثابت أشهر شعراء النبي ﷺ وأكثرهم شعرا في النبي ﷺ وأصحابه, وهو الشاعر المشهور, يقول: مر به عمر وهو أمير على المؤمنين ينشد في المسجد, يعني: يتلوا قصائده, وهل هو بغناء أو لا؟ نقول: لا يشترط أن يكون بغناء, الإنشاد هو إلقاء الشعر سواء كان بغناء أو بغير غناء, «فلحظ إليه» أي: نظر إليه نظر خفية كالمنتقد له, ففهم ذلك حسان ﵁ فقال: «قد كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك»: قد كنت أنشد فيه - أي المسجد -, وفيه من هو خير منك يعني: رسول الله ﷺ , ومعنى الحديث ظاهر: أن حسانًا ﵁ كان ينشد في المسجد فلما رأى عمر ﵁ ينظر إليه نظر إنكار أجابه ودافعه بأنه كان ينشد وفيه رسول الله ﷺ . ففي هذا الحديث فوائد؛ منها: جواز إنشاد الشعر في المسجد لهذا الحديث, وهل نقول: إنه بإقرار عمر, أو بإقرار النبي ﷺ ؟ الثاني بإقرار النبي ﷺ , لكن هذا مشروط بأن يكون موضوع الشعر موضوعًا مفيدًا وليس موضوع لهوٍ وإنشاد للمآثر وما أشبه ذلك مما ينشد عن السابقين فيكون الشعر فيه مصلحة. الشرط الثاني: ألا يؤذي بذلك أحدًا, فإن آذى المصلين فإنه يمنع للأذية, ودليل هذا الشرط أن النبي ﷺ منع آكل البصل والثوم من دخول المسجد لئلا يتأذى الناس بالرائحة, فكيف إذا تأذوا بما يسمعون من أصوات هذا المنشد يشوش عليهم صلاتهم ودعاءهم وقراءتهم, وغير ذلك! ! الشرط الثالث: ألا يلزم منه تجمع الناس عنده حتى يشوش على أهل المسجد؛ لأنه إذا

стр. 558

كان المنشد جيد الإنشاد حسن الصوت فإنه لابد أن يسلب عقول الناس ويتجمعوا إليه فإذا حصل هذا منع لئلا يشوش على الناس, ولئلا تحصل الفتنة بهذا الرجل فيزدحم الناس عليه. ومن فوائد هذا الحديث: أدب عمر ﵁؛ حيث إنه لم ينكر عليه رأسًا, لكن لحظك عليه لحظة؛ لأنه - أي: عمر ﵁ كان في قلبه أن هذا الرجل لا يمكن أن ينشد في المسجد إلا عن برهان لكن مع ذلك لم يتركه بل لحظه. وفيه من الفوائد: بأنه أخبره أأن النبي ﷺ يقره. ومن فوائد هذا الحديث: جواز العمل بالإشارة, ولاسيما التي تظهر على وجه افنسان فهو يشبه العمل بالفراسة, يؤخذ من فهم حسان أن عمر ينكر عليه, وهذا شيء مفطور عليه الناس أنهم يحسون برضا الإنسان وكراهة الإنسان فيما يظهر على وجهه, وقد قال الله تعالى: ﴿سيماهم في وجوههم من أثر السجود﴾ [الفتح: ٢٩]. وقال: ﴿تعرفهم بسيماهم﴾ [البقرة: ٢٧٣]. وقال: ﴿ولو نشاء لأريناكهم فلعرفناهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول﴾ [محمد: ٣٠]. فالعمل بمثل هذه القرائن له أصل في الشريعة, لكن هل يكون هذا بينة ملزمة أو لا؟ الجواةب: لا, لكنه قرينة ينبغي بعد وجودها أن يبحث الإنسان. ومن فوائد هذا الحديث: جرأة الصحابة ﵃ بالحق وذلك في قول حسان: «قد كانت أنشد فيه وفيه من هو خير منك» لأن هذه بالنسبة لعمر ﵁ عبارة قوية, وكان يغني عنها لو شاء بأن يقول: قد كنت أنشدفيه وفيه رسول الله ﷺ . وفيه أيضًا: العمل بإقرار النبي ﷺ , وأن ما أقره فهو حجة؛ لأن حسانًا استدل بإقرار النبي ﷺ إياه على الإنشاد في المسجد, ولا شك أن النبي ﷺ لا يقر على باطل؛ ولهذا جعل العلماء سنة النبي ﷺ ثلاثة أقسام: القول, والفعل, والإقرار, يعني: إقرار غيره على الشيء, ولكن ما أقر عليه فإما أن يكون مما يتعبد به فيكون عبادة, وإما أن يكون مما لا يتعبدبه فلا يكون عبادة, ولكن يكون جائزًا. ولكن الذي يقره من العبادات هل يكون من سنته التي يدعى إليها جميع الناس أو لا يكون؟ الجواب: سبق لنا هذا, وقلنا: إنه لا يكون من سنته التي يدعى إليها الناس, وضربنا لهذا أمثلة؛ منها: إقرار النبي ﷺ الرجل الذي كان يقرأ لقومه في سفره فيختم بـ ﴿قل هو الله أحد﴾. فأقره لكن النبي ﷺ لم يسنه لأمته لم يقل لأمته إذا قرأتم القرآن فاختموا بـ ﴿قل هو الله أحد﴾ , أو هو يفعله أيضًا لكنه من باب الجائز, لكن إقرار مثل هذا الفعل من السنة, ففرق بين أن تقول:

стр. 559

الفعل من السنة, أو الإقرار من السنة, نحن لا ننكر على هذا الرجل إذا التزم بـ ﴿قل هو الله أحد﴾ يختم بها لا ننكر عليه؛ لأن النبي ﷺ أقره لكننا لا نقول للناس اختموا قراءة الصلاة بـ ﴿قل هو الله أحد﴾ , ومن ذلك الوصال في الصوم هو جائز, لكن المبادة بالفطر أفضل منه حتى قال النبي ﷺ : «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر». ومن ذلك أيضًا إقراره عائشة ﵂ على الإتيان بعمرة حينما أنشأت الإحرام بالعمرة لتكون متمتعة, ولكن حال بينها وبين إتمامها أنها حاضت في أثناء الطريق فأمرها النبي ﷺ أن تدخل الحج على العمر لتصير قارنة وأخبرها أنها بذلك حصل لها حج وعمرة, فقال لها: «طوافك بالبيت وبالصفا والمروة يسعك لحجك وعمرتك» , لكنها لم تطلب نفسها إلا بأن تأتي بعمرة مستقلة حتى لا يفخر عليها زوجات النبي ﷺ ويقلن: أتينا بعمرة وحجة وأنت أتيت بالحج, وحينئذ لا نقول: يسن لكل امرأة أحرمت متمتعة ثم حاضت قبل أداء العمرة وقرنت أن تعتمر بعد الحج, لكن لو فعلت فلا حرج, لا نقول: إنها مبتدعة, أو ننهاها عن هذا, بل نقول: لا حرج؛ لأن النبي ﷺ لم يعط أمته كلامًا عامًا, ويقول: من اعتمرت متمتعة ثم حاضت قبل أن تؤدي العمرة فلتأت بها بعد الحج, بل إن ظاهر محاورته مع عائشة أن الأفضل عدم ذلك؛ ولهذا جاء في بعض روايات مسلم أن النبي ﷺ كان قد قال لها ذلك مداراة لها؛ لأن الرسول ﷺ لا يحب أن يكون الإنسان قلقًا في شيء من عبادته, ما دام الأمر واسعًا فليفعل. ومن فوائد الحديث: بيان حرمة المساجد وأن ذلك أمر مشهور عند الناس؛ وذلك لأن عمر لحظ حسانًا, وحسان أخبر بأنه يفعل ذلك في عهد النبي ﷺ . حكم إنشاد الضالة في المسجد: ٢٤٥ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من سمع رجلًا ينشد ضالةً في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك, فإن المساجد لم تبن لهذا». رواه مسلم. قوله: «من سمع رجلًا ينشد» كلمة «رجل» يعني: أن رجل, حتى لو فرض أنه لو سمع امرأة فالحكم واحد, «ينشد ضالة» أي: يسأل عنها من رأى ضالته, من عينها, من حفظها, وما أشبه ذلك من العبارات, والضالة هي الضائع من المواشي, وهي ضالة الإبل, ضالة الغنم, ضالة البقر, فمن سمع من ينشدالضالة «فليقل: لا ردها الله عليك» الجملة هنا خبرية؛ لأن الفعل فيها ماض منفي, والمراد بها: الدعاء, يعني: أنك إذا سمعته تدعو الله ألا يردها عليه, «فإن

стр. 560

المساجد لم تبن لهذا» يحتمل أن تكون هذه الجملة تعليلًا من النبي ﷺ للحكم, ويحتمل أن تكون مقرونة بالقول لهذا المنشد, بمعنى أن نقول: عندما نسمع من ينشد الضالة «لا ردها الله عليك» فإن المساجد لم تبن لذلك, ويحتمل أن نقتصر على قوله: «لا ردها الله عليك» ونقول: إن النبي ﷺ علل الدعاء بعدم ردها أن المساجد لم تبن لذلك الاحتمال متوازن, ولكن في هذه الحال ينظر ما تقتضيه الحال إذا كان قولها لهذا الذي ينشد فيه طمأنينة فالأولى أن تقال: وإذا كانت ربما تفتح باب الجدل؛ لأن قوله: «هذه المساجد لم تبن لهذا» لكن ما المعنى؟ فالأولى حذفها فينظر الإنسان في هذه المصلحة, فإن لم تتبين المصلحة فالأفضل أن يقولها؛ لأنها لا شك سوف تقنع هذا المنشد إذا بين له أن المساجد لم تبن لهذا؛ إذن لأي شيء بنيت؟ قلنا كما قال الرسول ﵊ لقراءة القرآن والذكر والصلاة, والعلم وما أشبه هذا. من فوائد هذا الحديث: تحريم إنشاد الضالة في المسجد, وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أباح لنا, بل أمرنا أن ندعو الله تعالى ألا يردها عليه, ولا شك أن من دعا على صاحب الضالة ألا يردها عليه لا شك أن عدوان, والعدوان لا يجوز إلا إذا كان في مقابل عدوان, يعني: لو سمعت رجلًا ينشد ضالة في السوق, هل يجوز أن تقول: لا ردها الله عليك؟ لا يجوز, وما كان ممنوعًا فإنه لا يباح إلا لدفع ما هو مثله أو أعظم, وعلى هذا فنقول: في هذا الحديث دليل على تحريم إنشاد الضالة في المسجد. وهل يقاس على الضالة اللقطة؛ لأن الضالة هي الضائع من الحيوان: إبل, أو بقر, أو عنز, واللقطة من غير الحيوان, فهل نقول: إن إنشاد اللقطة كإنشاد الضالة؟ الجوةاب: نعم, والقياس قياس جلي لقوله ﷺ : «فإن المساجد لم تبن لهذا» , نقول: وكذلك لو أنشد ضائعًا غير ضالة فالحكم واحد, وهل مثل ذلك لو نشدها يعني: يطلب من هي له مثل أن يكون شخص وجد شيئًا في السوق, دخل المسجد وقال: أيها الناس, من ضاع له كذا وكذا, أو هذا يختلف عن الأول؟ الأول: يطلب ماله, وهذا يطلب التخلي عن مال غيره, فالصورتان بينهما فرق لا شك, فهل هما سواء في الحكم؟ الجواب: لا ليسا سواء في الحكم؛ لأن الثاني محسن, ولكن يقال: العلة «فإن المساجد لم تبن لهذا» تنطبق عليه؛ لأن المساجد ليس موضع إنشاد الضائع أو الضال؛ ولهذا فرق بعضهم فقال: إن كان وجدها في المسجد فليقل: لمن هذا؟ لأن الناس محصورون في المسجد, وإن كان وجدها خارج المسجد فليطلب صاحبها عن الأبواب خارج المسجد, وهذا القول جيد وربما لا يسع الناس العمل إلا به, فمثلًا نحن هنا في المسجد حينما قمنا وجد أحدنا قلمًا, أو ساعة, أو كتابًا فله أن يقول: لمن هذا الكتاب؟ لمن هذا القلم؟ أما لو كان شيئًا وجده في الشارع ثم وجد الناس مجتمعين فقال: هذه فرصة فجعل يسأل لمن هو له, فهنا

стр. 561

القول بالتحريم أولى, والمذهب أنه مكروه وليس بمحرم؛ لأنه في الحقيقة في منزلة بين منزلتين, لكن الذي يظهر أنه محرم للتعليل الذي ذكره النبي ﷺ في قوله: «فإن المساجد لم تبن لهذا» , ويمكن أن تحصل المصلحة بإنشادها عند باب المسجد يصوت بأعلى صوته ويسمعه أهل المسجد أو الذين يخرجون منه رويدًا رويدًا. وهل يحرم ما يفعله بعض الناس اليوم: إذا وجدوا شيئًا علقوه في قبلة المسجد؟ الجواب: هذا لا بأس به؛ ففيه مصلحة من جهة أن صاحبه يجده وانتفاء مضرة, لكن هذه المسألة يخشى منها شيء وهو أن يأخذ هذه اللقطة غير صاحبها ولاسيما إن كانت مفاتيح أو أشياء خطيرة, فإذا خشي هذه المفسدة فالأولى أن يجتمع أهل المسجد أو أهل الحي, ويجعلون اصطلاحًا بينهم: أن من وجد شيئًا في المسجد يسلمه إما للمؤذن وإما للإمام, وقدرت جرت عادة الناس عندنا من قبل على هذا إذا وجد الإنسان شيئًا في المسجد أعطاه للمؤذن, وإذا ضاع لإنسان شيء في المسجد ذهب إلى المؤذن رأسًا, وهذا أحسن من أن يعلق. من فوائد هذا الحديث: أنه لا يجوز إحداث شيء في المساجد ينافي ما بنيت له لقوله: «فإن المساجد لم تبن لهذا» , ولكن هل يجوز أن يضع أهل الحي الطعام في المساجد عند الإفطار, أو عند عيد الفطر؛ لأنه في الأعياد جرت عادة بعض الناس أن أهل الحي يجتمعون كل واحد منهم يأتي بطعام ويجلسون عليه جميعًا, فهل يجوز أن يجعل ذلك في المسجد؟ الجواب: نعم؛ لأن هذا فيه خير وإحسان, والأكل في المسجد من حيث هو ليس حرامًا, ولا ينافي ما بني المسجد له, اللهم إلا إذا كانوا يأتون بالغداء أو العشاء في وقت يجتمع الناس فيه للصلاة حينئذ يمنعون من أجل مراعاة الناس. ومن فوائد هذا الحديث: حسن تعليم النبي ﷺ حيث يقرن الأحكام بعللها, وقرن الحكم بعلته يفيد ثلاث فوائد: الأولى: زيادة طمأنينة النفس؛ لأن الإنسان متى علم من الحكم ازداد طمأنينة, والنفس البشرية لا شك أنها عندما يحصل لها زيادة علم فإنه أبلغ في الطمأنينة, كما قال إبراهيم ﵊ لما قال: ﴿رب أرني كيف تحي الموتى﴾ قال الله له: ﴿أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ [البقرة: ٢٦٠]. ولهذا نجد الصحابة أنفسهم وهم أشد الناس إيمانًا وأقواهم إيمانًا بالرسول ﵊ يسألونه عن بعض الأشياء التي تخفى عليهم, لما وضع الجريد على القبرين اللذين يعذبان ماذا قالا؟ قالا: لم صنعت هذا يا رسول الله؟ فأخبرهم.

стр. 562

فقرن الأحكام بالعلل فيه هذه الفائدة العظيمة, وهي زيادة الطمأنينة بأن الإنسان يأتي بالحكم ويلتزم الحكم إذا علم علته ونفسه مطمئنة تمامًا. الفائدة الثاني: بيان أن هذه الشريعة الإسلامية مبنية على الحكم ووضع الأشياء في مواضعها, وليست تشريعات خالية من الحكمة وهذه فائدة عظيمة؛ ولهذا لا تجد شيئًا في الشريعة الإسلامية إلا وله حكمة, فإما أن تكون معلومة لنا, وإما أن تكون أفهامنا قاصرة, لكن من حكمتها: الابتلاء؛ أن الله تعالى يبتلي الإنسان بعبادة يقوم بفعلها وهو لا يدري ما الحكمة فيها, وهذه حكمة لا شك لأنها تفيد زيادة التعبد والتذلل لله , وإن مقام الإنسان أن يقول: سمعنا وأطعنا. الفائدة الثانية: أنه إذا كانت هذه العلة متعدية أمكن القياس على المعلول في حكمه, مثال ذلك: قول الله ﵎: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتةً أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ [الأنعام: ١٤٥]. وحديث أنس أن الرسول ﷺ أمر أبا طلحة فنادى يوم خيبر: «إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس». هنا نقيس على ذلك كل رجس, ونقول: كل رجس فهو حرام, والرجس هو النجس؛ ولهذا من القواعد المقررة: «أن كل نجس حرام, وليس كل حرام نجسًا»؛ فالسم مثلًا حرام وليس بنجس, الدخان حرام وليس بنجس, لكن لحم الخنزير نجس فهو حرام, فهاتان قاعدتان مفيدتان: كل نجس حرام وليس كل حرام نجسًا, فهذه ثلاثة قواعد في ذكر العلة المقرونة بالحكم. ومن فوائد هذا الحديث: أن الله قد يقدر للإنسان ما يهتدي به إلى ضالته أو تأتي الضالة نفسها مأخوذة من قوله: «لا ردها الله عليك» , وحينئذ ينبني على هذه الفائدة أن تلجأ إلى الله كلما ضاع لك شيء فقل: «اللهم رده علي»؛ لأن الذي يرده هو الله , فقد يأتي الرد بدون فعل أي سبب من الإنسان, ودليل ذلك في القصة التي ذكرها الرسول ﵊ قال: «لله أشد فرحًا بتوبة عبده من الرجل الذي ضاعت ناقته وعليها طعامه وشرابه, فلما أيس منها نام تحت شجرة ينتظر الموت, وإذا بخطامها قد تعلق بالشجرة فأخذها وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك, أخطأ من شدة الفرح». من الذي ردها علي؟ الله وإلا فالرجل قد تعب وأيس منها, فالمهم أنه إذا حصل ضياع من أي شيء من أموةالك فالجأ إلى الله فإن الله تعالى قادر على ردها, ويؤخذ من هذا أيضًا: أن ما كان أهل الجاهلية يستعملونه من الاستعانة بالجن في رد الضالة باطل, وكذلك الاستعانة بسيد الجن في مكانة باطل؛ لأن هذا إنما يملكه الله .

стр. 563

أسئلة: - ما شروط إنشاد الشعر في المسجد؟ - هل في هذا دليل من السنة على جواز إنشاد الشعر في المسجد؟ - ألا يقول قائل: إن حسان منهم لأنه أراد أن يدفع عن نفسه؟ هذا غير وارد, ودليله أن عمر اقتنع به. - سمع رجلًا يقول: من حفظ لي الجمل الأورق, وهو في المسجد ماذا يقول له؟ حكم البيع والشراء في المسجد: ٢٤٦ - وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد, فقولوا له: لا أربح الله تجارتك». رواه النسائي, والترمذي وحسنه. «إذا رأيتم» كلمة «رأيتم» محتمل أن يكون المراد بالرؤية: العلم, ويحتمل أن يراد بالرؤية: رؤية البصر, والاحتمالان لا يتناقضان؛ لأن من رأى القائل ببصره فقد علمه, ومن كان أعمى ولكن سمع فقد علم, وعلى هذا فإذا أردنا أن نجعلها أعم قلنا: المراد بالرؤية هنا: رؤية العلم. «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع» الفرق أن البائع هو الذي طلبت منه السلعة, والمبتاع هو الذي طلب السلعة, وهذا التعريف أعم من أن يقول: البائع من باع المتاع, والمتاع من بذل التقود؛ لأنه أحيانًا يكون المبيع هو المطلوب؛ فلهذا نقول: الفرق بينهما أن البائع سلعته مطلوبة, والمشتري طالب سلعة. إذا باع ثوبًا بعمامة أيهما المبيع؟ الثوب, إذا باع ثوبًا بدينار؟ فالمبيع الثوب, إذا باع دينارًا بثوب؟ نقول: أيهما أقوى الآن هل مطلوب الدينار أو الثوب؟ الدينار هو المبيع, والمعروف عند الفقهاء أن ما دخلت عليه الباء هو الثمن؛ لأن الباء للمعاوضة والبدلية, فما دخلت عليه الباء هو الثمن والثمن يكون باذله من؟ المشتري سواء كان الذي دخلت عليه الباء هو النقود أو المتاع, وعليه فإذا قلت: بعت عليك ثوبًا بدينار, فالثمن الدينار, وإذا قلت: بعت عليك دينارًا بثوب, فالثمن الثوب. قوله: «من يبيع أو يبتاع في المسجد, فقولون: لا أربح الله تجارتك» قولوا له: الأمر موجه للجميع, فهل مطلوب من كل فرد, أو المقصود الجمع دون المجموع؟ الثاني هو المراد, والمعنى الأول محتمل, فعلى الثاني إذا قالها واحد من الناس كفى, وعلى الأول لابد أن يقول ذلك كل من سمعه, وأيهما أبلغ في الزجر؟ أنه من الجميع؛ فقولوا: لا أربح الله تجارتك؛ أي: لا

стр. 564

جعل فيها ربحًا, والتجارة هي: الأموال التي يطلب فيها الربح من أي نوع كانت, من ثياب, أو أوان, أو أخشاب, أو حديد, أو سيارات, أو مكائن, أو غير ذلك, كل ما يطلب فيه الربح فهو تجارة؛ ولهذا ندعو عليه بما يناقض قصده؛ لأنه إنما باع واشترى في المسجد بقصد الربح فتدعو عليه بما يناقض قصده «لا أربح الله تجارتك» , ويقال في تعليل هذا ما قلنا في تعليل إنشاد الضالة, أي: أن المساجد لم تبن لهذا, أي: للبيع والشراء, وإنما بنيت لذكر الله تعالى وقراءة القرآن, والصلاة وما أشبه ذلك. في هذا الحديث: جواز البيع والشراء, وجهه: أنه لما منع في المسجد علم أنه في غير المسجد جائز. ومن فوائده: تحريم البيع والشراء في المسجد سواء وقع الإيجاب والقبول في المسجد, أو وقع أحدهما خارج المسجد والثاني في المسجد لقوله: «من يبيع أو يبتاع» , قد يقع الإيجاب خارج المسجد والقبول داخل المسجد, كما لو وقع ذلك من رجلين عند دخول المسجد, فقال أحدهما للآخر: بعت عليك كذا, فقال الثاني: قبلت, فهو داخل في الحديث؛ لأنه قال: «من يبيع أو يبتاع». المثال فيما تأخر الإيجاب لو أن القبول هو الذي تأخر, ولكن القبول صار خارج المسجد والإيجاب كان داخل المسجد يصح أو لا يصح؟ كرجلين اتجها إلى باب المسجد وقبل الخروج قال أحدهما للآخر: بعت عليك كتابي هذا, وبعد الخروج قال الثاني: قبلت, فكلاهما محرم. ومن فوائد هذا الحديث: أنه إذا وقع البيع والشراء في المسجد فهو باطل, وجهه: أن كل شيء نهي عنه من عبادة أو معاملة إذا فعل على الوجه المنهي عنه كان باطلًا لقول النبي ﷺ : «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل». هذا دليل التعليل, ولو أننا صححنا ذلك لكان لازمه أن ينفذ العقد, وفي هذا مضادة ومحادة لله ﵎ إذ إن النهي عنه ماذا يقتضي؟ يقتضي عدمه, وعدم تعاطيه, فإذا صححناه صار ذلك معاكسًا لما جاء به الشرع. ومن فوائد هذا الحديث: أنه يجوز في المسجد ما سوى البيع كالهبة, والإبراء من الدين, وعقد النكاح, واستيفاء الدين والقرض, وما أشبه ذلك لعدم دخولها في البيع والشراء, وعلى هذا فلو أن شخصًا استوفى دينه من غريمه في المسجد فهو جائز, ولو أبرأه - أي: الدائن أبرأ غريمه من الدين في المسجد - فهو جائز.

стр. 565

عقد الضمان والكفالة جائز أو لا؟ جائز ليس بيعًا ولا شراء, وأبو قتادة ضمن الدين - دين الميت - والظاهر أنه كان في المسجد. عقد النكاح يجوز أو لا؟ يجوز؛ لأن جميع ما سبق ليس بيعًا ولا شراء. عقد الإجارة جائز أو لا؟ الإجارة بيع لكنها بيع المنافع, وعلى هذا فلو اتفق صاحب الدار والمستأجر وعقدا ذلك في المسجد فالإجارة باطلة, ولكن ماذا نفعل لو تعاقدا في المسجد ثم إن المستأجر استوفى المنفعة؟ نقول: العقد غير صحيح, ويفرض لصاحب الدار أجرة المثل لا الأجرة التي عقد عليها, فإذا قدر أنه أجره بعشرة آلاف وكانت أجرة المثل فيها خمسة آلاف فكم للمؤجر؟ خمسة آلاف فقط, ولو كان العكس فاستأجرها بخمسة آلاف وكانت أجرة مثلها عشرة فكم على المستأجر؟ عشرة آلاف؛ لأنه لما تعذر إلزامها بما جرى به العقد, رجعنا إلى قيمة المثل في العرف. الخياطة في المسجد: لو أن شخصًا حائكًا أو خياطًا بيده صار في المسجد وجعل يخيط فيه ما الحكم؟ الجواب: إن كانت الخياطة لنفس الخائط كرجل يرقع ثوبه فلا بأس, ولو كانت الخياطة بأجرة فهذا لا يجوز؛ لأنه صار تجارة, والتجارة في المساجد لا تجوز, أما إذا صنع الإنسان ذلك لنفسه أو تبرع به لشخص آخر فلا بأس. والخلاصة: أن ما كان عقد معاوضة فهو كالبيع, وما كان تبرعًا أو ليس فيه معاوضة أصلًا - يعني: ليس صالحًا للمعاوضة - فهو جائز. الطلاق على عوض: لو أن الرجل اتفق مع زوجته أن يخالعها في المسجد يصح الخلع أو لا؟ يصح؛ لأن هذا العوض في أحد الطرفين ليس ماليًا إنما هو الفراق والفسخ, فهو غير داخل في البيع, لو أن رجلًا باع أو اشترى في المسجد لا للتجارة لكن مر به إنسان وفي يده رغيف وهو في المسجد وهو جائع فاشترى منه الرغيف أيجوز أو لا يجوز؟ إن نظرنا إلى قوله: «لا أربح الله تجارتك» قلنا: هذا خاص بما كان للتجارة دون ما كان لغيرها والفرق ظاهر؛ لأنه لو أجيزت التجارة في المسجد للبيع والشراء لبقيت المساجد أمكنة للتجارة, لكن الشيء النادر الذي يفعله الإنسان للحاجة أو ما أشبه ذلك, الظاهر أنه لا يدخل في هذا إلا أننا قد ننهى عنه احتياطًا ولئلا يغتر الناس بفعل الفاعل, لأن الناس ما لذي أدراهم أن هذا للتجارة أو غير التجارة. هنا مسألة يحتاج الناس إليها: إذا وقف عليك فقير وأنت في المسجد وأردت أن تتصدق عليه بخمسة ريالات وليس معك إلا فئة عشرة فهل يجوز أن تقول للفقير: هذه فئة عشرة
следующие страницы →