Полный текст (3 515 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
القول بالتحريم أولى, والمذهب أنه مكروه وليس بمحرم؛ لأنه في الحقيقة في منزلة بين منزلتين, لكن الذي يظهر أنه محرم للتعليل الذي ذكره النبي ﷺ في قوله: «فإن المساجد لم تبن لهذا» , ويمكن أن تحصل المصلحة بإنشادها عند باب المسجد يصوت بأعلى صوته ويسمعه أهل المسجد أو الذين يخرجون منه رويدًا رويدًا.
وهل يحرم ما يفعله بعض الناس اليوم: إذا وجدوا شيئًا علقوه في قبلة المسجد؟ الجواب: هذا لا بأس به؛ ففيه مصلحة من جهة أن صاحبه يجده وانتفاء مضرة, لكن هذه المسألة يخشى منها شيء وهو أن يأخذ هذه اللقطة غير صاحبها ولاسيما إن كانت مفاتيح أو أشياء خطيرة, فإذا خشي هذه المفسدة فالأولى أن يجتمع أهل المسجد أو أهل الحي, ويجعلون اصطلاحًا بينهم: أن من وجد شيئًا في المسجد يسلمه إما للمؤذن وإما للإمام, وقدرت جرت عادة الناس عندنا من قبل على هذا إذا وجد الإنسان شيئًا في المسجد أعطاه للمؤذن, وإذا ضاع لإنسان شيء في المسجد ذهب إلى المؤذن رأسًا, وهذا أحسن من أن يعلق.
من فوائد هذا الحديث: أنه لا يجوز إحداث شيء في المساجد ينافي ما بنيت له لقوله: «فإن المساجد لم تبن لهذا» , ولكن هل يجوز أن يضع أهل الحي الطعام في المساجد عند الإفطار, أو عند عيد الفطر؛ لأنه في الأعياد جرت عادة بعض الناس أن أهل الحي يجتمعون كل واحد منهم يأتي بطعام ويجلسون عليه جميعًا, فهل يجوز أن يجعل ذلك في المسجد؟ الجواب: نعم؛ لأن هذا فيه خير وإحسان, والأكل في المسجد من حيث هو ليس حرامًا, ولا ينافي ما بني المسجد له, اللهم إلا إذا كانوا يأتون بالغداء أو العشاء في وقت يجتمع الناس فيه للصلاة حينئذ يمنعون من أجل مراعاة الناس.
ومن فوائد هذا الحديث: حسن تعليم النبي ﷺ حيث يقرن الأحكام بعللها, وقرن الحكم بعلته يفيد ثلاث فوائد:
الأولى: زيادة طمأنينة النفس؛ لأن الإنسان متى علم من الحكم ازداد طمأنينة, والنفس البشرية لا شك أنها عندما يحصل لها زيادة علم فإنه أبلغ في الطمأنينة, كما قال إبراهيم ﵊ لما قال: ﴿رب أرني كيف تحي الموتى﴾ قال الله له: ﴿أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ [البقرة: ٢٦٠]. ولهذا نجد الصحابة أنفسهم وهم أشد الناس إيمانًا وأقواهم إيمانًا بالرسول ﵊ يسألونه عن بعض الأشياء التي تخفى عليهم, لما وضع الجريد على القبرين اللذين يعذبان ماذا قالا؟ قالا: لم صنعت هذا يا رسول الله؟ فأخبرهم.
стр. 562
فقرن الأحكام بالعلل فيه هذه الفائدة العظيمة, وهي زيادة الطمأنينة بأن الإنسان يأتي بالحكم ويلتزم الحكم إذا علم علته ونفسه مطمئنة تمامًا.
الفائدة الثاني: بيان أن هذه الشريعة الإسلامية مبنية على الحكم ووضع الأشياء في مواضعها, وليست تشريعات خالية من الحكمة وهذه فائدة عظيمة؛ ولهذا لا تجد شيئًا في الشريعة الإسلامية إلا وله حكمة, فإما أن تكون معلومة لنا, وإما أن تكون أفهامنا قاصرة, لكن من حكمتها: الابتلاء؛ أن الله تعالى يبتلي الإنسان بعبادة يقوم بفعلها وهو لا يدري ما الحكمة فيها, وهذه حكمة لا شك لأنها تفيد زيادة التعبد والتذلل لله , وإن مقام الإنسان أن يقول: سمعنا وأطعنا.
الفائدة الثانية: أنه إذا كانت هذه العلة متعدية أمكن القياس على المعلول في حكمه, مثال ذلك: قول الله ﵎: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتةً أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ [الأنعام: ١٤٥]. وحديث أنس أن الرسول ﷺ أمر أبا طلحة فنادى يوم خيبر: «إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس». هنا نقيس على ذلك كل رجس, ونقول: كل رجس فهو حرام, والرجس هو النجس؛ ولهذا من القواعد المقررة: «أن كل نجس حرام, وليس كل حرام نجسًا»؛ فالسم مثلًا حرام وليس بنجس, الدخان حرام وليس بنجس, لكن لحم الخنزير نجس فهو حرام, فهاتان قاعدتان مفيدتان: كل نجس حرام وليس كل حرام نجسًا, فهذه ثلاثة قواعد في ذكر العلة المقرونة بالحكم.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الله قد يقدر للإنسان ما يهتدي به إلى ضالته أو تأتي الضالة نفسها مأخوذة من قوله: «لا ردها الله عليك» , وحينئذ ينبني على هذه الفائدة أن تلجأ إلى الله كلما ضاع لك شيء فقل: «اللهم رده علي»؛ لأن الذي يرده هو الله , فقد يأتي الرد بدون فعل أي سبب من الإنسان, ودليل ذلك في القصة التي ذكرها الرسول ﵊ قال: «لله أشد فرحًا بتوبة عبده من الرجل الذي ضاعت ناقته وعليها طعامه وشرابه, فلما أيس منها نام تحت شجرة ينتظر الموت, وإذا بخطامها قد تعلق بالشجرة فأخذها وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك, أخطأ من شدة الفرح». من الذي ردها علي؟ الله وإلا فالرجل قد تعب وأيس منها, فالمهم أنه إذا حصل ضياع من أي شيء من أموةالك فالجأ إلى الله فإن الله تعالى قادر على ردها, ويؤخذ من هذا أيضًا: أن ما كان أهل الجاهلية يستعملونه من الاستعانة بالجن في رد الضالة باطل, وكذلك الاستعانة بسيد الجن في مكانة باطل؛ لأن هذا إنما يملكه الله .
стр. 563
أسئلة:
- ما شروط إنشاد الشعر في المسجد؟
- هل في هذا دليل من السنة على جواز إنشاد الشعر في المسجد؟
- ألا يقول قائل: إن حسان منهم لأنه أراد أن يدفع عن نفسه؟ هذا غير وارد, ودليله أن عمر اقتنع به.
- سمع رجلًا يقول: من حفظ لي الجمل الأورق, وهو في المسجد ماذا يقول له؟
حكم البيع والشراء في المسجد:
٢٤٦ - وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد, فقولوا له: لا أربح الله تجارتك». رواه النسائي, والترمذي وحسنه.
«إذا رأيتم» كلمة «رأيتم» محتمل أن يكون المراد بالرؤية: العلم, ويحتمل أن يراد بالرؤية: رؤية البصر, والاحتمالان لا يتناقضان؛ لأن من رأى القائل ببصره فقد علمه, ومن كان أعمى ولكن سمع فقد علم, وعلى هذا فإذا أردنا أن نجعلها أعم قلنا: المراد بالرؤية هنا: رؤية العلم. «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع» الفرق أن البائع هو الذي طلبت منه السلعة, والمبتاع هو الذي طلب السلعة, وهذا التعريف أعم من أن يقول: البائع من باع المتاع, والمتاع من بذل التقود؛ لأنه أحيانًا يكون المبيع هو المطلوب؛ فلهذا نقول: الفرق بينهما أن البائع سلعته مطلوبة, والمشتري طالب سلعة.
إذا باع ثوبًا بعمامة أيهما المبيع؟ الثوب, إذا باع ثوبًا بدينار؟ فالمبيع الثوب, إذا باع دينارًا بثوب؟ نقول: أيهما أقوى الآن هل مطلوب الدينار أو الثوب؟ الدينار هو المبيع, والمعروف عند الفقهاء أن ما دخلت عليه الباء هو الثمن؛ لأن الباء للمعاوضة والبدلية, فما دخلت عليه الباء هو الثمن والثمن يكون باذله من؟ المشتري سواء كان الذي دخلت عليه الباء هو النقود أو المتاع, وعليه فإذا قلت: بعت عليك ثوبًا بدينار, فالثمن الدينار, وإذا قلت: بعت عليك دينارًا بثوب, فالثمن الثوب.
قوله: «من يبيع أو يبتاع في المسجد, فقولون: لا أربح الله تجارتك» قولوا له: الأمر موجه للجميع, فهل مطلوب من كل فرد, أو المقصود الجمع دون المجموع؟ الثاني هو المراد, والمعنى الأول محتمل, فعلى الثاني إذا قالها واحد من الناس كفى, وعلى الأول لابد أن يقول ذلك كل من سمعه, وأيهما أبلغ في الزجر؟ أنه من الجميع؛ فقولوا: لا أربح الله تجارتك؛ أي: لا
стр. 564
جعل فيها ربحًا, والتجارة هي: الأموال التي يطلب فيها الربح من أي نوع كانت, من ثياب, أو أوان, أو أخشاب, أو حديد, أو سيارات, أو مكائن, أو غير ذلك, كل ما يطلب فيه الربح فهو تجارة؛ ولهذا ندعو عليه بما يناقض قصده؛ لأنه إنما باع واشترى في المسجد بقصد الربح فتدعو عليه بما يناقض قصده «لا أربح الله تجارتك» , ويقال في تعليل هذا ما قلنا في تعليل إنشاد الضالة, أي: أن المساجد لم تبن لهذا, أي: للبيع والشراء, وإنما بنيت لذكر الله تعالى وقراءة القرآن, والصلاة وما أشبه ذلك.
في هذا الحديث: جواز البيع والشراء, وجهه: أنه لما منع في المسجد علم أنه في غير المسجد جائز.
ومن فوائده: تحريم البيع والشراء في المسجد سواء وقع الإيجاب والقبول في المسجد, أو وقع أحدهما خارج المسجد والثاني في المسجد لقوله: «من يبيع أو يبتاع» , قد يقع الإيجاب خارج المسجد والقبول داخل المسجد, كما لو وقع ذلك من رجلين عند دخول المسجد, فقال أحدهما للآخر: بعت عليك كذا, فقال الثاني: قبلت, فهو داخل في الحديث؛ لأنه قال: «من يبيع أو يبتاع». المثال فيما تأخر الإيجاب لو أن القبول هو الذي تأخر, ولكن القبول صار خارج المسجد والإيجاب كان داخل المسجد يصح أو لا يصح؟ كرجلين اتجها إلى باب المسجد وقبل الخروج قال أحدهما للآخر: بعت عليك كتابي هذا, وبعد الخروج قال الثاني: قبلت, فكلاهما محرم.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه إذا وقع البيع والشراء في المسجد فهو باطل, وجهه: أن كل شيء نهي عنه من عبادة أو معاملة إذا فعل على الوجه المنهي عنه كان باطلًا لقول النبي ﷺ : «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل». هذا دليل التعليل, ولو أننا صححنا ذلك لكان لازمه أن ينفذ العقد, وفي هذا مضادة ومحادة لله ﵎ إذ إن النهي عنه ماذا يقتضي؟ يقتضي عدمه, وعدم تعاطيه, فإذا صححناه صار ذلك معاكسًا لما جاء به الشرع.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه يجوز في المسجد ما سوى البيع كالهبة, والإبراء من الدين, وعقد النكاح, واستيفاء الدين والقرض, وما أشبه ذلك لعدم دخولها في البيع والشراء, وعلى هذا فلو أن شخصًا استوفى دينه من غريمه في المسجد فهو جائز, ولو أبرأه - أي: الدائن أبرأ غريمه من الدين في المسجد - فهو جائز.
стр. 565
عقد الضمان والكفالة جائز أو لا؟ جائز ليس بيعًا ولا شراء, وأبو قتادة ضمن الدين - دين الميت - والظاهر أنه كان في المسجد.
عقد النكاح يجوز أو لا؟ يجوز؛ لأن جميع ما سبق ليس بيعًا ولا شراء.
عقد الإجارة جائز أو لا؟ الإجارة بيع لكنها بيع المنافع, وعلى هذا فلو اتفق صاحب الدار والمستأجر وعقدا ذلك في المسجد فالإجارة باطلة, ولكن ماذا نفعل لو تعاقدا في المسجد ثم إن المستأجر استوفى المنفعة؟ نقول: العقد غير صحيح, ويفرض لصاحب الدار أجرة المثل لا الأجرة التي عقد عليها, فإذا قدر أنه أجره بعشرة آلاف وكانت أجرة المثل فيها خمسة آلاف فكم للمؤجر؟ خمسة آلاف فقط, ولو كان العكس فاستأجرها بخمسة آلاف وكانت أجرة مثلها عشرة فكم على المستأجر؟ عشرة آلاف؛ لأنه لما تعذر إلزامها بما جرى به العقد, رجعنا إلى قيمة المثل في العرف.
الخياطة في المسجد: لو أن شخصًا حائكًا أو خياطًا بيده صار في المسجد وجعل يخيط فيه ما الحكم؟ الجواب: إن كانت الخياطة لنفس الخائط كرجل يرقع ثوبه فلا بأس, ولو كانت الخياطة بأجرة فهذا لا يجوز؛ لأنه صار تجارة, والتجارة في المساجد لا تجوز, أما إذا صنع الإنسان ذلك لنفسه أو تبرع به لشخص آخر فلا بأس.
والخلاصة: أن ما كان عقد معاوضة فهو كالبيع, وما كان تبرعًا أو ليس فيه معاوضة أصلًا - يعني: ليس صالحًا للمعاوضة - فهو جائز.
الطلاق على عوض: لو أن الرجل اتفق مع زوجته أن يخالعها في المسجد يصح الخلع أو لا؟ يصح؛ لأن هذا العوض في أحد الطرفين ليس ماليًا إنما هو الفراق والفسخ, فهو غير داخل في البيع, لو أن رجلًا باع أو اشترى في المسجد لا للتجارة لكن مر به إنسان وفي يده رغيف وهو في المسجد وهو جائع فاشترى منه الرغيف أيجوز أو لا يجوز؟ إن نظرنا إلى قوله: «لا أربح الله تجارتك» قلنا: هذا خاص بما كان للتجارة دون ما كان لغيرها والفرق ظاهر؛ لأنه لو أجيزت التجارة في المسجد للبيع والشراء لبقيت المساجد أمكنة للتجارة, لكن الشيء النادر الذي يفعله الإنسان للحاجة أو ما أشبه ذلك, الظاهر أنه لا يدخل في هذا إلا أننا قد ننهى عنه احتياطًا ولئلا يغتر الناس بفعل الفاعل, لأن الناس ما لذي أدراهم أن هذا للتجارة أو غير التجارة.
هنا مسألة يحتاج الناس إليها: إذا وقف عليك فقير وأنت في المسجد وأردت أن تتصدق عليه بخمسة ريالات وليس معك إلا فئة عشرة فهل يجوز أن تقول للفقير: هذه فئة عشرة
стр. 566
وأعطني خمسة أو لا يجوز؟ هي مصارفة لا شك, لكن هل أراد بها التجارة؟ إنما أراد بها دفع حاجة أخيه فهذا جائز, وقد كان الناس أدركناهم في المسجد الحرام يبيعون ماء زمزم يدورون به على الناس في فخار - دورق - ويسقون الحجاج بفلوس هذه تحل لأنها ليست تجارة, حتى لو فرض أن حامل الدورق طلب بنفسه الفلوس من الناس فهذا جائز؛ لأن قول الرسول ﷺ : «لا أربح الله تجارتك» يدل على أن المراد بذلك ما كان للتجارة, ولكن كما قلت لكم الأولى المنع منه لئلا يتهم الإنسان؛ ولأن نية التجارة في القلب لا يطلع عليها.
ومن فوائد الحديث: تعظيم المساجد, وأنها ليست محلًا لكسب الدنيا, وأنها للآخرة فقط.
حكم إقامة الحدود في المسجد:
٢٤٧ - وعن حكيم بن حزام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقام الحدود في المساجد, ولا يستفاد فيها». رواه أحمد, وأبو داود بسندٍ ضعيفٍ.
قوله ﵊ إن صح الحديث عنه -: «لا تقام الحدود» الحدود: جمع حد وهي في اللغة: المنع, ومنه حدود الأرض تمنع من دخول الجيران بعضهم على بعض, والمراد بها هنا: العقوبات المقدرة على المعاصي, فنقول: الحدود جمع حد, وهي عقوبة مقدرة شرعًا في معصية للتكفير عن صاحبها ومنع غيره منها؛ لأن الحدود تكفير, ولننظر في الحدود: حد الزنا, حد القذف, حد السرقة, حد قطاع الطريق هذه أربعة, حد الخمر مختلف فيه والصحيح أنه ليس حدًا كما سيأتي, السادس: قتل المرتد عده بعضهم وليس بصحيح؛ لأن قتل المرتد ليس حدًا بدليل أن المرتد لو تاب بعد القدرة عليه يرفع عنه القتل, والحد لا يرفع بعد القدرة عليه, القصاص عده بعضهم من الحدود وهو غلط؛ لأن القصاص حق للآدمي, قال الله تعالى: ﴿فمن عفى له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف﴾ [البقرة: ١٧٨]. الحدود الواضحة التي ليس فيها إشكال: حد الزنا, حد السرقة, حد قطاع الطريق, حد القذف, أربعة لا إشكال فيها.
«لا تقام الحدود في المساجد» والحكمة من ذلك أنه يخشى من تلوث المسجد هذا من وجه, يخشى من أفعال منكرة قد تقع فيه من المحدود أو من الناس الذين يحضرون, يخشى من الصراخ والعويل في المساجد, وهذا ينافي حرمتها.
قوله: «ولا يستفاد فيها» أي: لا يقتص في المساجد سواء كان القصاص في النفس أو فيما
стр. 567
دونها, مثال القصاص في النفس أن يقتل رجل آخر وتمم شروط القصاص فيقتص منه, قال الله تعالى: ﴿والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص﴾ [المائدة: ٤٥]. فلا يستفاد في المساجد ولو ربما دون النفس؛ وذلك لما ذكرنا آنفا.
في هذا الحديث فوائد منها: إثبات الحدود لقوله: «لا تقام الحدود» , وهذا يدل على أن هذا حدودًا تقام, وحكم إقامة الحدود فرض كفاية كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ حين خطب على المنبر وذكر الرجم, وقال: «أخشى إن طال بالناس زمان أن يقولوا: لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله ».
إقامة الحدودفرض على كل واحد؟ نعم, يعني: على كل من فعل المعصية التي توجب الحد, ولا فرق بين الشريف والوضيع, والذكر والأنثى, ولا تجوز المحاباة فيها إلا من تاب قبل القدرة عليه فإنه يسقط عنه الحد.
ومن فوائد هذا الحديث: تحريم إقامة الحدود في المساجد؛ لأن الأصل في النهي التحريم؛ ولأن المعنى يقتضيه لأنه يحصل بذلك ما ينافي تعظيم المسجد.
ومن فوائد هذا الحديث: ثبوت القود لقوله: «ولا يستفاد فيها» , والقود واجب, لكن له شروط, وبماذا يسقط؟ إذا عفا صاحب الحق سقط.
وفي هذا الحديث تحريم القود في المساجد للنهي عنه, ولأن ذلك ينافي حرمة المساجد وتعظيمها.
أسئلة:
- هل يجوز البيع والشراء في المسجد؟
- هل المحرم للتجارة فقط؟
- هل يدخل القصاص في الحدود أو لا؟
- أين الدليل على أن القصاص يسقط بالعفو؟
تمريض المرضى في المسجد:
٢٤٨ - وعن عائشة ﵂ قالت: «أصيب سعد يوم الخندق, فضرب عليه رسول الله ﷺ خيمة في المسجد, ليعوده من قريب». متفق عليه.
«أصيب سعد» هو سعدبن معاذ ﵁, سيد الأوس وأفضلهم وأشهرهم, وقولهم: «يوم الخندق» أي: في غزوة الخندق, وذلك أنه أصابه سهم في أكحله, الأكحل: أسفل الإبهام,
стр. 568
والغالب أنه ينزف منه الدم ويموت الإنسان, لكنه دعا الله ألا يميته حتى يقر عينه في بني قريظة؛ لأنهم كانوا حلفاءه, «فضرب عليه النبي ﷺ خيمةً في المسجد» أي: مسجده, والخيمة: هي عبارة عن خبار ينفرد به الإنسان, والمراد بالمسجد: مسجد النبي ﷺ , فـ «أل» في قوله: «في المسجد» للعهد الذهني؛ لأن العهود ثلاثة: الذهني: وهو ما يفهم بالذهن. والذكري: وهو ما سبق له ذكر. والحضوري: وهو ما عبر عن الوقت الحاضر, كقوله تعالى: ﴿الآن وقد عصيت قبل﴾ [يونس: ٩١]. وقوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣]. فـ «أل» هنا للعهد الحضوري.
العهد الذهني: هو الذي يكون معلومًا عند الناس كما لو تقول: سنذهب إلى القاضي للتحاكم عنده, من القاضي؟ قاضي البلدة المعروف؛ لأن هذه تعين الإنسان بعينه.
العهد الذكري: أن يسبق لهذا المذكور؛ أي: للذي دخلت عليه «أل» ذكر مثل قول الله تعالى: ﴿كما أرسلنا إلى فرعون رسولا (١٥) فعصى فرعون الرسول﴾ [المزمل: ١٦]. من الرسول؟ الأول الذي هو موسى ﵊, إذن المسجد هنا للعهد الذهني؛ لأنه معروف عندهم.
«ليعوده من قريب» اللام هنا للتعليل, أي: فعل ذلك لأجل أن يعوده من مكان قريب. وقوله: «من قريب» أي: من مكان قريب.
هذه القصة سعدبن معاذ ﵁ سيد الأوس كما قلنا, وكانت بني قريظة حلفاء لهم, لما أصيب وكانت بنو قريظة قد نقضوا العهد سأل الله ألا يميته حتى يقر عينه في بني قريظة, فاستجاب الله دعاءه, بقي جرحه ملتئمًا لم ينزف الدم حتى حصلت غزوة بني قريظة ونزلوا على حكم سعد بن معاذ ﵁, وظنوا أنه كقضية عبد الله بن أبي ابن سلول أنه سيطلب العفو والتجاوز, لكن هناك فرق بين سعد بن معاذ, وعبد الله بن أبي ابن سلول: الثاني منافق, والأول مؤمن, نزلوا على حكمه ﵁, فأرسل النبي ﷺ إليه من يأتي به من المسجدإلى بني قريظة وحضر, فلما حكموه قال: حكمي نافذ على هؤلاء, وأشار إلى النبي ﷺ , لكنه قد غضب بصره احترامًا للنبي ﷺ قال: وعلى هؤلاء - يعني: على بني قريظة -, قالوا: نعم, اتفق الخصمان على أن يكون هو الحكم بينهم, فحكم ﵁ أن تقتل المقاتلة, وأن تغنم الأموال, وأن تسبى الذرية مع أنهم كانوا حلفاءه, وكان مقتضى العهد أن يطلب العفو عنهم, لكنه بإيمانه بالله ورسوله حكم بهذا, فشهد له النبي ﷺ أنه حكم فيهم يحكم الله من فوق سبع سماوات ﵁ في هذا المكان الضيق الضنك وفق للصواب, حصل ما حصل ثم رجع إلى خيمته فانبعث الدم من أكحله ومات ﵁, أقر الله عينه في بني قريظة أيما قرار, حيث كان هو الحكم فيهم, وهذا من
стр. 569
إجابة دعوته, وقد اهتز عرش الله لروحه, وفي هذا يقول القائل: [الطويل]
وما اهتز عرش الله من أجل هالكٍ ... سمعنا به إلا لسعدٍ أبي عمرو
﵁, وجمعني وإياكم وإياه في دار النعيم المقيم حتى نذكره بهذا ونذكر ذلك إن شاء الله تعالى.
في هذا الحديث فوائد: أولًا: جواز ضرب الخيمة في المسجد, ولكن بشرط أن يكون الذي تضرب عليه الخيمة أهلًا لذلك من كونه سيدًا وشريفًا في قومه, وإلا فلا يمكن أن تضرب خيمة لكل إنسان مرض, الشرط الثاني: ألا يتأذى المسجد وأهله, وهذا أخذناه من النصوص العامة أن النبي ﷺ نهى أن يؤذى أهل المسجد, حتى قال للرجل الذي يتخطى الرقاب: «اجلس فقد آذيت». فهذان شرطان, والثالث: أن يكون هذا الغرض صحيح, الغرض الصحيح ما ذكره في الحديث.
ومن فوائد هذا الحديث: بيان منزلة سعدبن معاذ ﵁ عن النبي ﷺ حين خصه بهذه الفضيلة أن يمرض في مسجده حتى يعوده من قريب.
ومن فوائد هذا الحديث: حسن خلق النبي ﷺ ومعاملته لأمته, حيث كان يعود مرضاهم, ويزور أصحاءهم, ويتواضع حتى للعجوز والطفل الصغير ﵊.
ومن فوائد هذا الحديث: مشروعية عيادة المريض, وضابط المريض الذي يعاد: أنه هو الذي ينقطع من الخروج من بيته, أما المريض الذي يخرج فهذا لا يعاد؛ لأنه لا حاجة إلى عيادته.
ومن فوائد هذا: أن قرب مكان العيادة سبب لوجودها وهذا هو الواقع؛ يعني: لو كان هناك مسلم مريضًا وهو قريب منك سهل عليك أن تعوده, فإذا كان بعيدًا شق عليك وربما لا تعوده في الأسبوع إلا مرة.
١٤٩ - وعنها ﵂ قالت: «رأيت رسول الله ﷺ يسترني, وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد ... ». الحديث. متفق عليه.
قولها: «يسترني» يعني: عن الرجال وهي تنظر إلى الحبشة وهي جزء من أفريقيا, قدم منها أناس أسلموا إلى المدينة ليتعلموا دينهم من النبي ﷺ , وكان أهل الحبشة أهل مرح ولعب, فما
стр. 570
استطاعوا أن يملكوا أنفسهم أن يلعبوا في المسجد برماحهم ونبلهم.
وقولها: «يلعبون في المسجد» «أل» للعهد الذهني كما سبق؛ أي: مسجد النبي ﷺ , وكان هذا أيام عيد, فتكلم فيهم عمر ﵁ فقال: «دعهم حتى يعلم اليهود أن في ديننا فسحة».
هذا الحديث فيه فوائد عظيمة:
منها: جواز اللعب بالرماح والنبال وما أشبه ذلك في المسجد هكذا نقول, لكن هل هو من السنة أو من الأمر الجائز؟ الثاني: من الأمر الجائز, ولا نقول للناس إذا كان يوم العيد: هاتوا النبادق والسيوف والعبوا في المسجد, ولكن هذا مشروط بشيئين: ألا يتأذى المسجد وأهله بهذا اللعب. الشرط الثاني: أن يكون ذلك لغرض صحيح وهو أن يعلم أعداء الإسلام أن دين الإسلام دين يسر وسهولة, وأعطاء النفوس حظها من المرح واللعب في الأيام المناسبة.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا حرج في أيام الأعياد أن تقام مثل هذه الأفعال؛ لأن النبي ﷺ أٌر الحبشة على هذا, لكن قلنا: لابد أن يكون هناك مصلحة إذا كان في المسجد, أما في غير المسجد فهو من الأمور المباحة؛ ولهذا لما أنكر أبو بكر ﵁ على الجارتين اللتين كانتا تغنيان قال النبي ﷺ : «دعهما فإنها أيام عيد». وهذا مما يدل على كمال الإسلام أنه يعطي النفوس بعض الحرية والانطلاق في المرح واللعب؛ لأن الطبيعة البشرية لا يمكن أن تبقي النفس مكبوتة لا تتحرك ولا تمرح ولا تمزح لابد من شيء ولكنه في الحدود الشرعية.
ومن فوائد هذا الحديث: حسن خلق النبي ﷺ في معاملة أهله, وقد قال عن نفسه ﷺ : «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي». اللهم صل وسلم عليه. وهكذا ينبغي للإنسان أن يدخل السرور على أهله حتى في هذه الأمور بشرط ألا يحصل في ذلك مفسدة, فإن حصل في ذلك مفسدة فلا يمكن الإنسان أهله أن يذهبوا إلى محل الألعاب واللهو, وهناك مثلًا رجال ينظرون وأناس يخشى منهم الفتنة, لكن لا بأس أن يخرجهم في بعض الأحيان حتى يحصل لهم من الفرح والمرح ما هو مقيد بالشريعة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن النبي ﷺ كان يقول: لها أشبعت؟ حتى قالت: شبعت, يعني: لم يجعلها تتفرج لمدة وجيزة ثم يصرفها, أبقاها حتى انتهت رغباتها وكذلك ينبغي في معاملة الأهل لاسيما في الشابات من بنات أو زوجات أو ما أشبه ذلك؛ لأن لكل مقام مقالًا, ولكن
стр. 571
الشابة يجب أن يقدر لها قدرها.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز نظر المرأة إلى الرجال, وجهه: أن عائشة تنظر إلى الحبشة وهم رجال وأقرها النبي ﷺ .
فإن قال قائل: كيف تقولون بهذا, وقد قال الله تعالى: ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن﴾ [النور: ٣١].
فالجواب: أن الله قال: ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن﴾ و «من» للتبعيض, والتبعيض لا يقتضي الكل, لو كان لفظ الآية: (وقل للمؤمنات يغضضن أبصارهن) لكان في هذا إشكال مع هذا الحديث, لكن ﴿يغضضن من أبصارهن﴾ , وعليه فنقول: الآية لا تعارض هذا الحديث؛ لأن لما دخلت عليها (من) صار الواجب غض بعض البصر, ومتى يكون واجبًا؟ إذا خيفت الفتنة, لو كانت المرأة تنظر إلى الرجال تتمتع بالنظر إليهم أو تتلذذ بالنظر إليهم صار هذا حرامًا.
فإن قال قائل: ما الجواب عن حديث عبد الله بن أم مكتوم حين دخل على زوجتي الرسول ﷺ فأمرهما أن تحتجبا عنه, فقالا: يا رسول الله, إنه رجل أعمى, فقال: «أفعمياوان أنتما؟ ».
فالجواب: أن هذا حديث ضعيف لا يصح, وإذا كان ضعيفًا سقطت المعارضة به؛ لأنه لا يقاوم الصحيح إلا ما كان صحيحًا, أما إذا كان ضعيفًا فلا يعتبر معارضًا, قال أهل العلم: ويدل لذلك أننا نحن لم نؤمر بالحجاب؛ لأنه لو كان يحرم على المرأة أن تنظر إلى الرجل لقلنا للرجل: غط وجهك كما قلنا تغطي وجهها حين صار نظر الرجال إليها محرمًا, وقول المؤلف ﵀: «الحديث». وتقرأ الحديث بالنصب, ويكون التقدير: اقرءوا الحديث, أو أكملوا الحديث, وربما نقول: هي منصوبة بنزع الخافض؛ يعني: إلى الحديث؛ أي: إلى نهايته.
٢٥٠ - وعنها ﵂: «أن وليدة سوداء كان لها خباء في المسجد, فكانت تأتيني فتحدث عندي ... ». الحديث. متفق عليه.
قوله: «وعنها» أي: عائشة ﵂, «أن وليدة سوداء» يعني: عبدة أمة, و «سوداء» هذا وصف لبيان الواقع, وليس بشرط أن تكون سوداء أو بيضاء, «كان لها خباء في المسجد» الخباء هو: الخيمة الصغيرة, «فكانت تأتيني فتحدث عندي»؛ تأتيها أي: في بيتها؛ لأن بيت عائشة ﵂ إلى جنب المسجد, وله باب على المسجد.
стр. 572
ساق المؤلف هذا الحديث لفائدة: وهي جواز ضرب الخباء للأمة إذا لم يكن لها من يكفلها وهذا ضرورة, ولعل هناك أيضًا أشياء خاصة اقتضت ذلك؛ لأن هذه القضية قضية عين, لا نستطيع أن نقول: يستفاد منها أن تضرب الأخبية للإماء, فهذه قضية عين اقتضت أن يضرب لهذه الوليدة خباء في المسجد.
ومن فوائد هذا الحديث: أن تحدث الناس بعضهم إلى بعض من طريق السلف؛ لأن الإنسان لابد أن يتكلم مع الناس فهو مدني بالطبع, ومن ثم نرى الرجل إذا كان منزويًا لا يحدث الناس ولا يحدثونه نجد أنه يكون في نفسه انقباض, ولو أنه انطلق لكان خيرًا له.
فإن قال قائل: كثرة الكلام يخشى منها؛ لأن النبي ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت».
فالجواب: أن الخير نوعان: خير في ذات الكلام؛ كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والتسبيح, وما أشبه ذلك, وخير لغيره - يعني: لغير ذات الكلام - وهو أن يكون الكلام من الكلام المباح لكنه يريد أن يحدث إخوانه لإدخال السرور عليهم والانبساط فهذا خير, حتى لو كان مضمون الكلام ليس خيرًا في ذاته؛ لأن إدخال السرور على إخوانه من الأشياء المطلوبة التي يثاب الإنسان عليها.
أسئلة:
- هل يجوز أن يضرب خباء في المسجد, وهل لذلك شروط؟
- هل يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجال؟
- ما هو الدليل على جواز ذلك؟ حديث عائشة. وجه الدلالة: إقرار النبي.
- كيف تجمع بين هذا الحديث, وقوله تعالى: ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن﴾ [النور: ٣١]؟
٢٥١ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها». متفق عليه.
«البزاق»: هو الريق الغليظ سواء كان نخامة أو غير نخامة, وأما الريق الخفيف الذي لا يؤثر فهذا لا يسمى بزاقا, وقوله: «في المسجد» «أل» للعهد الذهني أو للاستغراق؟ الثاني؛ أي: في كل مسجد, وقوله: «خطيئة» أي: سيئة؛ لأنها من خطئ يخطئ فهو خاطئ, بخلاف أخطأ يخطئ فهو مخطئ, فهذا مما يعذر به, خطيئة أي: سيئة, «وكفارتها» أي: سترها والتجاوز عنها, «دفنها»
стр. 573
يعني: أن تدفن هذه النخامة, وهذا ظاهر فيما إذا كان المسجد قد فرش بالحصباء, أو الرمل أو ما أشبه ذلك, أما ما كان مفروشًا بالفرش القطنية أو الصوفية كما في وقتنا الآن فكفارتها فركها حتى تزول.
في هذا الحديث: دليل على احترام المساجد, وأنه يجب أن تصان عن كل هذا, وجه ذلك: أن النبي ﷺ وصف البزاق في المسجد بأنه خطيئة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الشيء يداوي بضده, جهه. قوله: «كفارتها دفنها» , فإن البزاق في المسجد يبرز صورة البزاق, فإن دفنه زال ذلك.
ومن فوائد هذا الحديث: أن البزاق طاهر, وجهه: أن النبي ﷺ قال: «كفارتها دفنها» , ولم يقل: يصب الماء عليها, كما قال في بول الأعرابي: «أريقوا عليه سجلًا من ماء».
ومن فوائد هذا الحديث: أن البزاق في المسجد خطيئة ولو أراد الإنسان أن يدفنها, وجه ذلك: أن النبي ﷺ وصفها بأنها خطيئة, ثم ذكر كفارتها, ومن المعلوم أن الإنسان لا يحل له أن يفعل الخطايا ويكفرها, لكن الكفارة تكون إذا وقعت الخطيئة دون قصد, أما إذا فعلت الخطيئة بنية التكفير فهذا لا يجوز.
ولهذا لو أن إنسانًا قال: إنه يجامع في نهار رمضان مع عزمه علىأن يكفر أيحرم أو لا يحرم؟ يحرم, مع أن التكفير يستر الذنب ويتجاوز به عنه.
كذلك لو قال إنسان في واجبات الحج التي تجبر بالدم: إنه يريد ألا يبيت في منى لا يرمي الجمرات ولا يطوف للوداع, ولكنه مستعد أن يذبح عن كل واجب فدية أيجوز؟ لا يجوز؛ ولهذا يغلط بعض الناس حيث يظن أن الإنسان مخير بين ترك الواجب والفدية, فيقال: لا, الأمر ليس إليك, لكن إذا فات الأمر بغير قصد فإنك تفدي, أما أن تكون مخيرًا فهذا يعني هدم النسك بالكلية؛ إذ لو قلنا بذلك لاقتصر الحاج على الأركان والباقي يفدي عنه ويمشي لأهله, فتجده يحرم ويقف بعرفة, يحرم من أين؟ من أي مكان أراده؛ لأن الإحرام من الميقات واجب, لكن أصل الإحرام ركن, أحرم, ووقف بعرفة وطاف وسعى أربعة أشياء فعلها والباقي قال: نفدي عنه كونه من الميقات هذه فدية, المبيت بمزدلفة فدية, رمي الجمار فدية, المبيت في منى فدية, طواف الوداع فدية, الحلق أو التقصير فدية, البقاء بعرفة إلى الغروب فدية, هذه سبع يقول: ما يهمني, يشتري له ثورًا ويذبحه ويقول في أمان الله, هذا لو قلنا بأن الإنسان مخير بين هذا وهذا, لكن نقول: الواجب يجب فعله, لكن إذا فات فوات الحرص فإنه يفدي.
إذن نأخذ من هذا الحديث: تحريم البزاق في المسجد, ولكن لكل داء دواء: «كفارتها دفنها».
стр. 574
ومن فوائد هذا الحديث: أن مسجد النبي ﷺ مفرش بالتراب بما تتغطى به النخامة لقوله: «كفارتها دفنها» , وبهذا نجيب على من أنكر وجود هذه العلامات على تسوية الصف - الخطوط - وقال: هذه بدعة؛ لأن النبي ﷺ لم يفعلها؛ فيقال: مسجد النبي ﷺ ليس صالحًا لها؛ لأن ليس مفروشًا بالقطن أو الصوف أو ما أشبه ذلك, مفروش بالحصباء, إذا كان مفروشًا بالحصباء كيف يمكن أن نصب عليه شيئًا يجعل له لونًا معينًا, لا يمكن, قالوا: يمكن أن يخط خط والصحابة ما خطوا خطا؟ والجواب: هذا الخط يزول بالمشي عليه, وحينئذ يكون الخط عبثًا, قالوا: يمكن أن يوضع خيط, قلنا: الخيط أيضًا يعثر به الناس ولا يمكن, ونحن لا نقول: إن وضع هذه الخطوط عبادة بذاتها لكنه وسيلة لعبادة مقصودة شرعًا وهي تسوية الصف, ولهذا استرحنا لما كان المسجد مفروشًا بالرمل كان الإنسان يتعب خصوصًا في الصفوف التي ليست على الأعمدة: هذا يتقدم وهذا يتأخر لما جاءت هذه الخطوط - والحمد لله - استراح الإنسان فهي مقصودة لغيرها, كما أن تأليف الكتب وطباعتها وتبويب أبواب الفقه كل هذا ليس موجودًا في عهد الرسول ﷺ ؛ وهل لأحد أن ينكره؟ لا يمكن؛ لأنه وسيلة لمطلوب شرعًا, وهذا مثله, ولهذا يجب على طالب العلم أن يتنبه لهذه المسألة وهي ما إذا كان فعل الشيء مقصودًا بالذات, وما إذا كان وسيلة لمقصود شرعي ثابت الأول بدعة, والثاني جائز بل هو مطلوب.
فإن قال قائل: أهل البدع يقولون: إننا نتقرب إلى الله تعالى.
قلنا: إذن هي عندكم مقصودة لذاتها, فهي بدعة, إذا قالوا: إن إحياء ذكرى المولد النبوي من أجل أن تقوى المحبة للرسول ﷺ , قلنا: قد جعل الله تعالى لمحبة رسوله أسبابًا أقوى من هذه وأدوم, أسبابًا تكون مع الإنسان إلى موته ليلًا ونهارًا, فإن كل عبادة يفعلها الإنسان وهو يشعر بأنه متأس بالرسول ﷺ سوف يذكره لا بلسانه لكن بقلبه, ثم إعلان ذكرى الرسول ﵊ في الأذان في اليوم والليلة خمس مرات على الأقل, وقد تكون ثلاث مرات إذا كان هناك جمع, وقد تكون ست مرات وسبع مرات, إذا كان هناك أذان أول في آخر الليل وأذان أول في الجمعة فانتبهوا لهذه الفائدة, ما فعل لذاته فلابد أن يثبت بنص؛ يعني: ما نتقرب إلى الله بذاته فلابد أن يثبت بنص, وما كان وسيلة لمقصود شرعي فهو على حسب ذلك المقصود.
فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذا الحديث, وبين أمر الرسول ﷺ أن يبصق الإنسان عن يساره, أو تحت قدميه؟
قلنا: الحمد لله ليس بينهما تعارض, يجمل قوله: «عن يساره أو تحت قدميه» على ما كان خارج المسجد, وأما ما كان في المسجد فليبصق في ثوبه أو في منديله أو بين يديه, ويحك
стр. 575
بعضه ببعض حتى تزول.
ومن فوائد هذا الحديث: أن المعصية ولو يسيرة تسمى خطيئة؛ لأن الخطيئة: ما جانب الصواب, يقال: أخطأ فلان وأصبا فما جانب الصواب فهو خطأ, ومعلوم أن المعصية وإن قلت تجانب الصواب.
أسئلة:
- هل البزاق طاهر أو نجس؟ طاهر.
- من أين يؤخذ؟
- هل هذا يدل على أن الإنسان إذا أراد أن يدفن البزاق فله فعله؟
- هل هناك شيء يمكن أن نقيس هذه المسألة عليه ويكون فيه الاقتناع؟ المجامع في رمضان ونيته التكفير.
- هل يدل هذا الحديث على أن مسجد النبي ﷺ مفروش بالتراب؟
زخرفة المساجد وزينتها:
٢٥٢ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد». أخرجه الخمسة إلا بالترمذي, وصححه ابن خزيمة.
«وعنه» يعني: عن أنس, «لا تقوم الساعة» يعني: ساعة البعث, والساعة تقوم إذا أنهى ﵎ هذا العالم نفخ في الصور فصعق الناس, ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون, فالساعة لا تقوم حتى يصل الأمر إلى هذا, «حتى يتباهى الناس في المساجد» يتباهون؛ أي: يتفاخرون أيهما أبهى مسجده؛ فهذا يقول: مسجدنا أبهى؛ شيدناه تشييدًا فاخرًا؛ لأن فيه رسوم, لأن فيه جص مثلًا, وما أشبه ذلك, ومن ذلك أنهم يتباهون بفراش المسجد, أيضًا يقول: مسجدنا قد فرش بالفرش الفاخر الغالي, وما أشبه ذلك.
إذن أخبرنا النبي ﷺ عن أمر يكون قبل قيام الساعة, فهل هذا يعني أنه من أشراط الساعة؟ قد يوحي هذا بأنه من أشراط الساعة, ولكنه ليس بصريح, ولهذا لا يمكن أن نقول: إن الناس منذ صاروا يتباهون بالمساجد فهو دليل على قرب الساعة, وأنه من أشراطها, وهذا يقع - أي: مثل هذا التغير - كقول النبي ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تعود - يعني: بلاد العرب - مروجًا وأنهارًا». هل
стр. 576
معنى ذلك أنه علامة من أشراط الساعة؟ لا, لكنها لا تقوم الساعة حتى يكون هذا.
يستفاد من هذا الحديث: إثبات قيام الساعة, وهو أمر ثابت بالقرآن والسنة والإجماع, وهو من أركان الإيمان؛ لقوله: «لا تقوم الساعة» , فمن أنكر قيام الساعة فقد كفر؛ لأن الله قد أثبته في القرآن, والنبي ﷺ أثبته في السنة, والمسلمون أجمعوا على هذا, وكل إنسان ينكر خبرًا أخبر الله به ورسوله من غير تأويل فإنه كاذب؛ لأن هذا هو التكذيب, أما التأويل فينظر إذا كان النسخ يحتمل التأويل فهو شبهة تمنع ردته, وإذا كان لا يحتمل فإنه تأويله لا يسمى تأويلًا, ولكن يسمى تحريفًا ولا يفيد صاحبه.
ومن فوائد الحديث: إثبات آية من آيات الرسول ﷺ لقوله: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى» , وهل حصل هذا؟ نعم, حصل هذا يتباهى الناس بالمساجد من قديم الزمان, ولا يزالون يزدادون في التباهي.
ومن فوائد هذا الحديث: الإشارة إلى أن الأفضل ألا تكون المباهاة في المساجد؛ وجهه: ومن فوائد هذا الحديث: الرد على من أنكر على من بنى المساجد وعلى وجه متواضع, وقال: سبحان الله تبنى بيتك على وجه مشيد ومزخرف وبيت الله أولى, ويقول الآخر: كيف تبنى الكنائس على وجه فخم محسن ومساجد المسلمين لا يفعل فيها هذا؟ نقول: لأن المسلمين لا تهمهم المظاهر, وإنما الذي يهمهم هو المعاني التي بنيت من أجلها المساجد وهي إقامة الصلاة, وقراءة القرآن, والذكر, وما أشبه ذلك.
٢٥٣ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أمرت بتشييد المساجد». أخرجه أبو داود, وصححه ابن حبان.
«ما أمرت» أي: ما أمرني الله أن أشيد المساجد, والتشييد أي: طيها بالشيد, والشيد هو: الجص, وقوله: «المساجد» جمع مسجد, والمراد: ما بني للصلاة فيه.
قوله ﵊: «ما أمرت» يستفاد منه فوائد:
أولًا: أن النبي ﷺ يؤمر وينهى, فهو إذن عبد من عباد الله ؛ لأن الله تعالى يأمره وينهاه.
ومنها: أن النبي ﷺ لا يأتي بالشريعة من عند نفسه, بل هو ينتظر أمر الله إذا أمره الله
стр. 577
فعل, وإن لم يأمره أمسك.
ومن فوائد هذا الحديث: الإشارة إلى عدم تشييد المساجد؛ لأنها لو كان تشييدها خيرًا لأمر بها النبي ﷺ ؛ لأنه ما من خير إلا أمر به النبي ﷺ ودل الناس عليه, إما من نفسه ابتداءًا أو من الله .
ومن فوائد هذا الحديث: أن الأولى أن تكون المساجد متواضعة, يعني: متواضع فيها في بنائها, وأما زخرفتها خلاف مقصود الشارع؛ لقوله: «ما أمرت بتشييد المساجد» , هذا إذا كان التشييد لا يلزم منه محظور, أما إذا كان فيه محظور فإنه ينهى عنه, ولا يقتصر على القول بأننا ما أمرنا بذلك, فمن هذا ما ينشر في قبلة المسجد, في بعض المساجد ينشر الله وإلى جانبه محمد, والذي ينظر إليهما يعتقد أنهما سواء, وأن الرسول ﷺ ند لله تعالى؛ لأن الحرف واحد ولفظ الجلالة على اليمين, ولفظ محمد على اليسار, وهذا لا شك أنه دخيل على الإسلام, فالمسلمون لم يكونوا يكتبون في القبلة شيئًا, بل يكرهون ذلك كما نص عليه الإمام أحمد ﵀ فكيف إذا كتبت مثل هذه العبارة؟ أرى أن من رأى أحد المساجد فيها هذه الكتابة أن يبلغ المسئولين في وزارة الشئون الإسلامية حتى تبرأ ذمته.
وفي هذا الحديث: أن ابن عباس ﵄ قال: «لتزخرفنها كما زخرفتها اليهود والنصارى» , وهذا هو الذي حصل أنها زخرفت, أحيانًا يدخل الإنسان المسجد ويقول: ما هذا أهذا قصر ملك أم حجرة تاجر, حتى إنه في بعض الأحيان تجد الفراش لينًا كأنه فراش ×××, وهذا من الترف الزائد الذي لا ينبغي أن يعتاده المسلمون, نسأل الله الهداية.
٢٥٤ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «عرضت علي أجور أمتي, حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد». رواه أبو داود, والترمذي واستغربه, وصححه ابن خزيمة.
«عرضت علي» يعني: أوحي إلي بها؛ لأن الأجور إنما تكون بعد؛ يعني: في يوم القيامة, فالذي عرض عليه أنه ﵊ بين له ثوابها, وقوله: «أجور أمتي» يعني: الثواب, وسمى الله ﵎ أجرًا من كرمه ﵎ كأن العبد يعامل ربه معاملة الأجير لأجيره, أو الأجير لمستأجره, ومعلوم أن الأجير مع المستأجر يتعامل بمعاوضة فيلزمه أن يسدد الأجر, فكأن الله تعالى جعل العمل والثواب عليه مثل عقد الإجارة, ونظير ذلك قوله تعالى:
стр. 578
﴿من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا فيضاعفه له﴾ [البقرة: ٢٤٥]. من المعلوم أن الله غني عنا وعن قرضنا, لكن شبه معاملته بالقرض لوجوب وفاء القرض على المستقرض, وكأن الله تعالى ضمن للعامل أن يثنيه, كما أن المقترض يردد القرض على مقرضه, وقوله: «أجور أمتي» المراد بها: أمة الإجابة؛ لأن أمة الدعوة من لا يستجيب منهم ليس له أجر؛ ولهذا نقول: إن الأمة إذا جاءت في الحديث فلها معنيان:
المعنى الأول: أمة الدعوة, وهذه تشمل كل إنسان بلغ التكليف من بعثة الرسول ﷺ , هذه أمة الدعوة. أمة الإجابة هم الذين استجابوا للرسول ﷺ واتبعوا شريعته.
يقول: «عرضت علي أجور أمتي» والعارض هو الله , والمعنى: أن بين للرسول ﷺ أجور أمته حتى في هذه المسألة وهي: «حتى القذاة» , وهي: القذى التي تكون في العين وهو شيء يسير جدا جدا, ولولا أن القذاة تكون في العين ما أحس بها, فهي عبارة عن أذى صغيرة كقطعة الصلصلة الصغيرة, أو حبة رمل, أو ما أشبه ذلك. «يخرجها الرجل من المسجد» تنظيفًا للمسجد.
فيستفاد من هذا الحديث: أن النبي ﷺ أطلعه الله على أجور الأمة؛ لقوله: «عرضت علي أجور أمتي».
ومن فوائده: الحث على تنظيف المسجد؛ لأن النبي ﷺ جعل في ذلك أجرًا, وإن كان القذى يسيرًا, ولكن إذا كان القذى نجسًا وجبت إزالته وتطهير موضعه, وإن لم يكن نجسًا فإن كان مؤذيًا للمصلين وجب إزالته أيضًا, وإن لم يكن مؤذيًا ولكنه خلاف النظافة التامة فإنه يستحب إزالته.
ومن فوائد هذا الحديث: تعظيم شأن المساجد, وأنه ينبغي أن تكون نظيفة منقاة من كل أذى, وهذا لا يعارض ما سبق من أن النبي ﷺ لم يرخص في تشييد المساجد؛ لأن هذا ما يكون في الأراضي في أرض المسجد من الأذى ونحوه.
تحية المسجد:
٢٥٥ - وعن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلين ركعتين». متفق عليه.
قوله: «إذا دخل أحدكم المسجد» المسجد: المكان المعد للصلاة الذي تقام فيه الصلاة, وليس المراد: كل مصلى, بل المساجد المعهودة المفتوحة للناس يصلون فيها, و «أل» في قوله: «المسجد» للاستغراق؛ أي: أي مسجد تدخله صغيرًا كان أو كبيرًا جامعًا كان أو للصلوات الخمس, «فلا يجلس» أي: في المسجد إذا كان يريد الجلوس, «حتى يصلي ركعتين» وهاتان
стр. 579
الركعتان تسميان عند أهل العلم: تحية المسجد.
ففي الحديث فوائد: منها مشروعية الصلاة عند دخول المسجد قبل أن يجلس؛ لقوله: «فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» , وهل هذه المشروعية على سبيل الوجوب, أو على سبيل الاستحباب؟ اختلف في هذا أهل العلم, وأكثرهم على أنها على سبيل الاستحباب, وحجة القائلين بالوجوب: أن النبي ﷺ نهى أن يجلس حتى يصلي ركعتين, والأصل في النهي التحريم؛ لأن هذه عبادة, والأصل أن النهي في العبادات التحريم, ومن الأدلة أن النبي ﷺ كان يخطب الناس يوم الجمعة فدخل رجل فجلس, فقال له: «أصليت؟ » قال: لا. قال: «قم فصل ركعتين وتجوز فيهما». وجه الدلالة: أن النبي ﷺ قطع الخطبة وهي موجهة إلى الناس والناس مشرئبون لسماعها فقطعها ليخاطب هذا الرجل.
ثانيًا: أنه أمره أن يصلي ويتجوز في صلاته, مع أن الصلاة هذه سوف يتشاغل بها عن استماع الخطبة, والتشاغل عن استماع الخطبة محرم؛ لأن النبي ﷺ قال: «إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب, فقد لغوت». هذا مع أنه نهى عن منكر.
وجه ثالث: أنه قال: «تجوز فيهما» مما يدل على أن هذه الصلاة شبه ضرورة تتقدر بقدرها, ولا شك أن هذا استدلال قوي, فالقول بالوجوب قوي جدًا.
أما حجة القائلين بأنها لا تجب فاحتجوا بأمور منها: أن النبي ﷺ قال للرجل الذي أخبره بأن عليه خمس صلوات في اليوم والليلة, قال: هل علي غيرها؟ قال النبي ﷺ : «لا, إلا أن تطوع». فقوله: «لا» يشمل كل صلاة سواء كانت ذات سبب أم لا, ولكن في هذا الاستدلال شيء من النظر؛ لأن مراد النبي ﷺ بذلك الصلوات الخمس الدائمة, فليس يوجد صلاة دائمة بدوام الأيام وواجبة غير هذه الصلوات الخمس, نعم يستدل بهذا الحديث على عدم وجوب صلاة الوتر؛ لأنها صلاة تتكرر في اليوم والليلة, فيستدل بهذا الحديث على عدم وجوبها.
ويقال في الرد على هذا الدليل: صلاة دخول المسجد لها سبب عارض فتقييد بسببها؛ كصلاة الكسوف مثلًا على قول من يرى أنها واجبة, فإنها خارجة عن الخمس لكن لها سبب أوجبها, وكصلاة العيد فإنها واجبة وهي خارجة عن الصلوات الخمس لكن لها سبب وهو العيد, فمراد النبي ﷺ بقوله: «لا, إلا أن تطوع»: الصلوات التي تدور بدوران الأيام.
كذلك أيضًا يقال في رد هذا الاستدلال: لو أن الإنسان نذر أن يصلي وجبت عليه الصلاة؟
وجبت عليه الصلاة مع أنها ليست من الصلوات الخمس, لكن لها سبب وهو النذر, فالمهم
стр. 580
أن الاستدلال بهذا الحديث لا يستقيم.
قالوا: ومن الأدلة على أنها ليست واجبة: أن النبي ﷺ كان يأتي إلى الجمعة فيبدأ بالخطبة ولا يصلي ركعتين, وهذا يدل على أن تحية المسجد ليست بواجبة, فهذا الاستدلال قد يقول قائل: إن فيه شيئًا النظر؛ لأن الخطيب لا يجلس في الخطبة إلا بين الخطبتين, وهو جلوس يسير لإظهار الفرق بين الخطبتين بالفعل وبالقول, أما بالقول فيسكت عند الخطبة الأولى, وأما بالفعل فيجلس, وأيضًا الخطبة تبع للصلاة – صلاة الجمعة – وهو لن يجلس بعد الجمعة بل سيبدأ بصلاة الجمعة فضعف الاستدلال.
استدلوا أيضًا: بأن النبي ﷺ لما دخل مكة ودخل المسجد الحرام بدأ بالطواف, ثم صلى بعد ذلك ركعتين, وهذا الاستدلال أيضًا في نظر؛ لأن النبي ﷺ ابتدأ الطواف وجعل يمشي ولم يجلس, فإنه – ﵊ – لم يجلس, بل طاف ثم صلى ركعتين.
فالمهم: أن القول بوجوب تحية المسجد قول قوي لا يكاد الإنسان يأتي بدليل واضح يدل على عدم وجوبها.
استدلوا أيضًا: بعدم الوجوب بقصة كعب بن مالك ﵁ حين دخل المسجد حين تاب الله عليه وتلقاه الناس يهنئونه, ولم يذكر في الحديث أنه صلى ركعتين, لكن هذا الاستدلال أيضًا فيه شيء من النظر؛ لأنه قد يقال: إن كعب بن مالك ليس على وضوء, ومن ليس على وضوء لا تجب عليه الصلاة, وكيف يمكن أن نقول بوجوب الصلاة وهو على غير وضوء.
فإن قال قائل: إن كعب بن مالك يحكي عن نفسه أنه جاءت البشرى بعد صلاة الفجر والأصل بقاء وضوئه, فقد دخل المسجد وهو على وضوء.
قلنا: هذا متعينًا, وإذا كان الاحتمال في الاستدلال بطل الاستدلال به.
استدلوا أيضًا: بقصة الثلاثة الذين دخلوا المسجد؛ فأحدهم جلس في الحلقة, والثاني وراء الحلقة, والثالث ولى, ولم يذكر أن النبي ﷺ أمرهم بالصلاة.
والجواب أن يقال في هذا الاستدلال: إن هذه قضية عين, فلعل النبي ﷺ شاهدهم حين دخلوا فصلوا, وليس في الحديث أنهم لم يصلوا ركعتين, على كل حال: فالإنسان إذا أراد أن يبرئ ذمته فلا يجلس إذا دخل المسجد وهو على طهارة حتى يصلي ركعتين.
من فوائد هذا الحديث: أن الركعتين تصليان كل وقت لعموم قوله: «إذا دخل أحدكم المسجد» , فإن «إذا» ظرف زمان يطلق غير مقيد, فيصلي تحية المسجد في أي وقت دخل حتى بعد صلاة الفجر, حتى بعد صلاة العصر, حتى عند قيام الشمس عند الزوال, ويصلي تحية المسجد متى دخل, وقيل: لا يصلي تحية المسجد؛ لأن النبي ﷺ قال: «لا صلاة بعد صلاة الصبح
стр. 581
حتى تطلع الشمس, ولا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس». وهذا نهي عن الصلاة, عن أي صلاة؛ لأن (لا) نافية للجنس, فيكون نفيها نصا في التعميم فلا يصلي, ولكن الجواب عن هذا أن يقال: هذا الحديث «لا صلاة بعد صلاة الصبح ولا صلاة بعد صلاة العصر» خاص في الوقت, عام في الصلاة؛ كيف؟ خاص في الوقت من صلاة الفجر إلى طلوع الشمس ومن صلاة العصر إلى الغروب, وهو عام في الصلاة, وحديث أبي قتادة عام في الوقت خاص في الصلاة, فبينهما عموم وخصوص من وجه كل واحد منهما أعم من الآخر, وحينئذ ننظر أيهما أقوى عمومًا, فإذا نظرنا أيهما أقوى عمومًا تبين أن الأقوى حديث أبي قتادة: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» , فيؤخذ بعمومه ويقال: في أي وقت تدخل المسجد لا تجلس حتى تصلي ركعتين, وهذا القول هو الراجح أن تحية المسجد ليس فيها وقت نهي.
فإن قال قائل: هل يمكن أن يقاس عليها بقية النوافل التي ليس لها سبب كسنة الوضوء, وصلاة الاستخارة, فيما يفوت وما أشبه هذا؟
فالجواب: نعم, يقاس عليها؛ لأن العلة واحدة, وهي وجود السبب, فلقوة هذا السبب ارتفع النهي, وأيضًا في بعض ألفاظ حديث النهي: «لا تتحروا الصلاة» , وهذا يدل على أن المقصود بذلك من يتحرى الصلاة ويصلي في وقت النهي, وهو الذي يصلي صلاة تطوع ليس لها سبب, فالصواب إذن: الرواية الأخرى عن الإمام أحمد, وهي مذهب الشافعي واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا نهي عن كل صلاة ذات سبب, من ذلك مثلًا ركعتا الوضوء, وركعتا الطواف, وركعتا الاستخارة فيما يفوت وغير ذلك.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لو صلى فريضة عند دخوله المسجد لكفى, وجه الدلالة: أن الفريضة يصدق عليها أنها ركعتان, فإذا دخل المسجد وصلى صلاة الفجر وجلس فقد أدى ما عليه؛ لأن الحديث عام فلا يجلس حتى يصلي ركعتين, والمقصود هو افتتاح المسجد بصلاة ركعتين, وهذا يحصل بالفريضة كما يحصل بالنافلة.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لو صلى ركعة واحدة لم تجزئه كما لو كان الإنسان لم يوتر فدخل المسجد فأوتر بركعة واحدة فإنه لا يجزئ لظاهر الحديث؛ لأنه قال: «حتى يصلي ركعتين» ولم يطلق, يعني: لم يقل: حتى يصلي, لو قال: حتى يصلي فلا إشكال, وكذلك لو دخل وصلى صلاة المغرب فإنه لم يصل ركعتين بل صلى ثلاثة, لكن يقال: إن النبي ﷺ قال هذا في الشيء الدائم, أما الشيء النادر فإذا سمي صلاة شرعًا أجزئ عن ركعتين, وعلى هذا فإذا دخل المسجد
стр. 582
في آخر الليل ولم يوتر فأوتر بركعة ثم جلس فقد أدى ما عليه, ويكون قول الرسول ﷺ : «حتى يصلي ركعتين» بناء على الغالب, وإلا فلو صلى ركعة أو ثلاث ركعات لأدى ما عليه.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه إذا دخل المصلى فلا تحية عليه, المصلى الذي عده الإنسان مكانًا للصلاة في بيته أو في مزرعته أو ما أشبه ذلك؛ لأن هذا المصلي لا يسمى مسجدًا.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه إذا دخل مصلى العيد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين؛ لأن مصلى العيد مسجد.
فإن قال قائل: ما هو الدليل على أن مصلى العيد مسجد؟
فالجواب: الدليل على هذا أن النبي ﷺ أمر النساء أن يخرجن لصلاة العيد ليشهدن الخير ودعوة المسلمين, وأمر الحيض أن يعتزلن المصلى, وهذا الحكم خاص بالمساجد؛ أعني: أن الحائض لا تدخل المسجد, خاص بالمساجد, فلما ذكر النبي ﷺ حكمًا خاصًا بالمساجد ثابتًا لمصلى العيد دل ذلك على أن مصلى العيد مسجد؛ ولهذا قال فقهاؤنا ﵏ – أعني: الحنابلة -: مصلى العيد مسجد لا مصلى الجنائز, كيف مصلى الجنائز؟ لأنهم كانوا يجعلون للجنائز مصلى خاصًا خارجًا عن المسجد فلا يكون هذا المسجد الذي ترك للصلاة على الأموات ليس له حكم المساجد بخلاف مصلى العيد.
فإن قال قائل: أليس النبي ﷺ في صلاة العيدلما دخل لم يصل ركعتين؟
فالجواب: بل صلاهما؛ لأن صلاة العيد من حين يأتي الإمام يشرع فيها.
فإن قال قائل: الناس يخرجون إلى مصلى العيد مبكرين وهو وقت نهي, فما الجواب؟
الجواب: أما على قول من يرى أنه لا تصلى تحية المسجد وقت النهي فإنه لا يصلي, وأما على القول الراجح أنه يصلي تحية المسجد ولو وقت النهي؛ لأنه لا فرق بين مصلى العيد والمساجد الأخرى.
ومن فوائد هذا الحديث: تعظيم المساجد, وهذا هو الشاهد لسياق هذا الحديث في باب المساجد؛ بحيث لا يجلس الإنسان فيها حتى يؤدي التحية لله . ثم قال المؤلف ﵀:
стр. 583
٧ - باب صفة الصلاة
أي: هيئتها القولية والفعلية، وإنما عقد العلماء- ﵏ لصفة الصلاة بابًا، وصفة الحج بابًا، وللصيام بابًا، وللزكاة بابًا، لأن العبادة لا تصح إلا بشرطين:
أحدهما: الإخلاص لله. ... والثاني: المتابعة لرسول الله ﷺ .
ولا تمكن المتابعة إلا إذا علمنا كيف نعمل، أما أن نتخرص ونعمل فلا يصح، وحينئٍذ يتبين أنه لابد للإنسان أن يعرف صفة النبي ﷺ ليصلي كما صلى، لاسيما وأنه قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي". وحينئٍذ نأخذ صفة الصلاة من السنة، ونستعين على ذلك بما كتبه أهل العلم- ﵏ في كتب الفقه.
بدأ المؤلف بحديث ينبغي أن يكون أصلًا في الموضوع وهو حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا قمت إلى الصلاة ... إلخ". والمؤلف ﵀ يختصر الأحاديث فلا يأتي إلا بالشاهد، وليته لم يفعل؛ لأن مثل هذا الحديث قصة ينبغي أن تروي كما هي من أولها إلى آخرها؛ ولأن ما حذفه فيه فوائد كثيرة، لكن يجاب عن هذا بأن المؤلف أراد أن يكون هذا الكتاب مختصرًا.
أسئلة:
- لماذا احتاج العلماء- ﵏ إلى التبويب لصفة الصلاة؟
- هل ورد عن النبي ﷺ الأمر بأن نصلي على الصفة التي صلاها؟
٢٥٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها". أخرجه السبعة، واللفظ للبخاري.
حذف المؤلف أول الحديث، لأنه ليس له علاقة واضحة بهذا الباب, ولكن ليته لم يحذفه؛ لأن فيه فوائد وهو سطر أو أقل، وأوله: أن رجلًا دخل المسجد وصلى لكن دون أن يطمئن في الصلاة، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فرد ﵇، قال: السلام عليك، قال: "عليك السلام" ثم قال: "ارجع فصل فإنك لم تصل". "ارجع فصل" ليس فيها إشكال، "فإنك لم تصل" نفى أن يكون صلى مع أنه صلى بالفعل، لكن هذه صلاة غير مجزئة بل غير صحيحة، فلهذا نفى أن يكون قد صلى، وهذا نفى الوجود الشرعي أو الحسي؟ الشرعي قال: "لم تصل"، فرجع
стр. 584
الرجل وصلى كما صلى أولًا، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فرد ﵇ وقال: "ارجع فصل فإنك لم تصل" فرجع للمرة الثانية وصلى كالأول، ثم جاء فسلم فرد ﵇ وقال: "ارجع فصل فإنك لم تصل" ثلاث مرات، قال: والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني، سبحان الله! صحابي لا يعرف كيف يصلي، ويقول هذا الأسلوب العجيب، قال: والذي بعثك بالحق ولم يقل: والله يا رسول الله، قال: والذي بعثك بالحق إشارة إلى أنه سيلتزم بما قال الرسول- ﵊؛ لأنه مبعوث بالحق، وإذا كان قد أقر بأنه مبعوث بالحق فإنه يلزم أن يعمل بما قال، "والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا" ولم يسكت ﵁، بل طلب العلم: "فعلمني"؛ فعلمه النبي ﷺ وقال له: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء" أي: إذا أردت القيام، واعلم أنه يعبر بالفعل عن إرادته إذا كانت الإرادة جازمة قريبة من الفعل، فإذا كانت الإرادة جازمة قريبة من الفعل بهذين القيدين أطلق الفعل على الإرادة، ومنه كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: "أعوذ بالله من الخبث والخبائث" إذا دخل يعني: أراد الدخول، هنا: "إذا قمت إلى الصلاة" يعني: إذا أردت القيام جازمًا قريبًا "فأسبغ الوضوء" أسبغ بمعنى: أكمل، كما في قول الله تعالى: ﴿وأسبغ عليكم نعمه، ظاهرًة وباطنًة﴾ [لقمان: ٢٠]. أي: أكملها، "أسبغ الوضوء"، "الوضوء" يقال: بفتح الواو وبضم الواو، فإن قيل بضم الواو فالمراد به: الفعل، يعني: حركات المتوضئ، وإن قيل بالفتح فالمراد به: الماء الذي يتوضأ به، وكذلك نظائره كالطهور والطهور، والسحور والسحور، وحينئٍذ "ما من مسلم يتوضأ فيحسن الوضوء" بضم الواو، "تسحروا فإن في السحور بركة". هل بالفتح أو بالضم؟ هذا يحتمل أن المعنى: فإن في فعلكم بركة، ويحتمل أن المعنى: أن في الطعام الذي تأكلونه في آخر الليل بركة، وكلاهما صحيح، إذن فإن في السحور بركة، يجوز أن تقرأه: في السحور، أو في السحور.
"فأسبغ الوضوء" أي: للفعل، "ثم استقبل القبلة فكبر" لم يذكر النبي ﷺ شيئًا من الشروط سوى الوضوء واستقبال القبلة، فإما أن يكون الرجل، لم يخل بشئ؛ لأنه مشاهد فهو مستور عورته ورجل يميز يعني بقية الشروط معروفة.
فيبقى علينا إذا كنت تعلل بعدم ذكر الشروط بأنه يرى لو أخل بها فلماذا ذكر الوضوء؟
فالجواب: أن النبي ﷺ علم من حال هذا الرجل الذي لا يحسن أن يصلي أن فيه احتمالًا كبيرًا أنه لا يحسن الوضوء، وهذا واضح، "ثم استقبل القبلة فكبر" أي: قل: الله أكبر، وهذه تكبيرة الإحرام، وسميت بذلك لأن الإنسان إذا كبر دخل في حريم الصلاة كما أنه إذا لبى دخل في حريم النسك، "ثم استقبل القبلة فكبر" أي قل: الله أكبر هذا التكبير، ولم يقل: كبر الله، لأن
стр. 585
الأمر معلوم، "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" "اقرأ" يعني: بعد التكبير، ولم يذكر النبي ﷺ الاستفتاح، إما رفقًا بحال هذا الرجل لئلا تكثر عليه الطلبات فيضيع بعضها بعضًا؛ وإما لأنه- أي: الاستفتاح- غير واجب، ولاشك أن الاستفتاح غير واجب لقول النبي ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب".
"ما تيسر معك من القرآن" "معك" بمعنى: عندك، والتيسر ضد التعسر بأن يكون الإنسان حافظًا فهذا الذي يريد أن يقرأه سهلًا عليه أن يقرأه من القرآن؛ أي: كلام الله ، وسمي قرآنًا، لأنه يقرأ ويتلى، أو لأنه مجموع مجتمع بعضه إلى بعض، ومنه القرية لأنها مجتمعة بعضها إلى بعض، فقرأ يقرأ قرآنًا يكون من هذا الباب، ولا مانع أن تقول: إنه مشتق من هذا من القراءة التي هي التلاوة، ومن القراءة التي هي جمع الشيء، قوله: "من القرآن" مصدر كالرجحان، والغفران، والشكران، يعني: أنه مصدر على وزن "فعلان" فهل هو بمعنى فاعل، أو بمعنى مفعول، إن كان بمعنى فاعل فالمعنى: أن كلام الله جامع لأحكام شرعية عقدية اجتماعية كل شيء، وتؤيده قوله ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيٍء﴾ [النحل: ٨٩]. أو هو بمعنى مفعول، أي: مقروء؛ لأن الناس يقرءونه؟ نقول: هو صالح لهذا وهذا، وليس بينهما منافاة، بل يكون بمعنى هذا وهذا، فهو قارئ أي: جامع للأحكام التي تحتاجها الأمة، وهو بمعنى مقروء فيكون بمعنى مقروء فيكون بمعنى اسم الفاعل، واسم المفعول.
"ثم اركع حتى تطمئن راكعًا" الركوع هو انحناء الظهر تعظيمًا لمن يركع له، وسيأتي- إن شاء الله- بيان الواجب منه، الركوع: حتى الظهر تعظيمًا لمن يركع له، "حتى تطمئن راكعًا" يعني: حتى تستقر، مأخوذ من الطمأنينة وهي الاستقرار.
"ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا" اللفظ: "حتى تعتدل"، وفيه رواية: "حتى تطمئن"، فيحمل هذا اللفظ "حتى تعتدل" على اللفظ الآخر، "حتى تطمئن" وتكون أفعال الصلاة كلها على حد سواء.
فإذا قال قائل: لماذا لا نأخذ بلفظ: "تعتدل" لأنه أيسر؟
قلنا: إذا أخذنا بلفظ: "تعتدل" أهملنا لفظ: "تطمئن"، وإذا أخذنا بلفظ "تطمئن" فقد أخذنا بهذا وهذا.
"ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا" السجود هو: الخرور من القيام إلى الأرض بحيث يضع الإنسان جبهته على الأرض إجلالًا لله وقوله: "تطمئن ساجدًا" كما قلنا في "تطمئن راكعًا" ولا يخفى عليكم أن كلمة "ساجدًا" و" راكعًا" منصوبان على الحالية.
стр. 586
"ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا" أي" قاعدًا، ولم يبين في الحديث كيف الجلوس، "ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا" السجدة الثانية.
"ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" "افعل ذلك" المشار إليه: القراءة، الركوع، الرفع منه، السجود، الرفع منه، السجود مرة ثانية، ثم الرفع، القيام، وقوله: "في صلاتك كلها" يحتمل أن المعنى: في كل الصلاة المعينة، ويحتمل: في كل الصلوات المقبلة، فأيهما أعم، فيكون المعنى: افعل هذا في جميع صلاتك كما فعلت في الركعة الأولى افعل في الركعة الثانية، وافعل في الصلاة المقبلة. ولابن ماجه بإسناد مسلم: "حتى تطمئن قائمًا" الإسناد صحيح، والمعنى لا ينافي قوله: "حتى تعتدل قائمًا" فنقول: نرجح ما اتفق عليه السبعة فلا منافاة.
في هذا الحديث الذي يترجم عنه بأنه حديث المسيء في صلاته هذه العبارة لم ترد عن الصحابة، فلا أحب أن يعبر بها؛ لأن الإساءة إنما تكون في الغالب عن قصد، وهذا الرجل لم يقصد، وعليه إذا لم تثبت عن الصحابة، فنقول: الأولى أن يعبر فيقال: حديث الجاهل في صلاته؛ لأنه جاهل هذا هو حقيقة الأمر.
في هذا الحديث فوائد: ملاحظة النبي ﷺ لأصحابه؛ يعني: ليس يجلس بين أصحابه يحدثهم ويغفل عن الناس الذين يدخلون، بل يراقب- ﵊؛ لأنه ﷺ رسول إلى الخلق، فيراقب أفعالهم ليهديهم الصراط المستقيم، ولاشك أن الرسول ﷺ قد راقب هذا الرجل.
ومن فوائد الحديث: مشروعية السلام وتكراره ولو لم يطل الفعل، وجهه: أن النبي ﷺ أقر هذا الرجل على تكرار السلام.
ومنها: أنه إذا سلم الإنسان ولو كرر السلام إذا كان تكراره مشروعًا فإنه يرد عليه، أما إذا كان سلامه غير مشروع فهل يرد عليه أو لا؟ الجواب: لا، لا يجب الرد؛ ولهذا قال الفقهاء- ﵏: من سلم على شخص في حال لا يسن فيها السلام فإنه لا يجب رد السلام عليه، كالمشتغل بالقراءة وما أشبه ذلك، ويدل لهذا أن الصحابة إذا أرادوا أن يسألوا الرسول- ﵊ ليسوا يسلمون عليه ما داموا معه فلا حاجة أن يلقى السؤال فيسلم، السلام للقادم أو ما كان في حكم القادم.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز إقرار الإنسان على عمل فاسد من أجل إصلاح العمل؛ لأن النبي ﷺ أقر الرجل على الصلاة في المرة الثالثة، وهو يعلم أنه لو كان عنده علم لاطمئن في صلاته لكن بشرط- يعني: إذا أقررناه على العمل الفاسد- أن نبين الصحيح، ويدل لهذا قصة عائشة ﵂ في بريرة. وكانت أمة لقوم من الأنصار كاتبوها- يعني: باعوا نفسها عليها- على تسع أواٍق
стр. 587
من الفضة، خرجت الأمة تطلب من الناس المعونة، فأتت إلى عائشة، فقالت لها عائشة: إن أراد أهلك أن أعدها لهم وولاؤك لي فعلت؛ يعني: أنقدها نقدًا، وليست مؤجلة وتعرفون الكتابة لابد أن تكون مؤجلة، وهل عرفتم الكتابة؟ هي شراء العبد نفسه من سيده ذهبت إلى أهلها، وقالت لهم، فقالوا: لا، الولاء لنا، فرجعت إلى عائشة وقالت: إن أهلها أبوا إلا أن يكون الولاء لهم، وكان النبي ﷺ يسمع، فقال: "خذيها واشترطي لهم الولاء"، فأخذتها واشترطت الولاء لهم، مع أن هذا الشرط باطل، أبطله النبي ﷺ ، وإنما أقرها على هذا الباطل من أجل أن يبين إبطاله وإن شرط وهذه مصلحة ولذلك اشترط عليها الولاء لهم، ثم قام النبي ﷺ خطيبًا وأبطل الشرط، فإقراره على شرطه مع أنه فاسد- والشروط الفاسدة كلها حرام سواء التزمها الإنسان أم لم يلتزمها- من أجل أن يبين أن الشرط الفاسد لا ينفذ ولو شرط، إقرار النبي ﷺ هذا الرجل على صلاته الباطلة من أجل أن يبين أن من فعل الصلاة الباطلة فإنها لا تجزؤه حتى يقيمها كما أمره الله.
أسئلة:
- هذا الحديث له اسم عند أهل العلم يعرف به ما هو؟
- وما هو الاسم الذي قلنا إنه ينبغي أن يكون عليه؟
- ما الذي حذف من الحديث؟
- هل لما حذف له تعلق بصفة الصلاة؟
- ما معنى قوله: "أسبغ الوضوء"؟ ... - ما معنى الركوع؟
- ما معنى قوله: "اطمئن"؟
- قوله: "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها"؟
ومن فوائد الحديث: أن من ترك شيئًا من الواجبات جاهلًا فلا إعادة عليه، إلا إذا كان في وقت يطالب به، وهذه قاعدة مفيدة، فهذا الرجل لم يؤمر بالإعادة إلا مما كان في وقته، وعلى هذا فلو قدر أن إنسانًا له سنة أو سنتان يصلي ولا يطمئن ثم جاء يسأل في وقت الضحى هل نأمره بإعادة صلاة الفجر وما قبلها؟ لا، وهذا الحكم تشهد له أصول الشريعة، فإن الله تعالى قال: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وهذا يعم جميع المحظورات كما هو معروف، ويعم الواجبات التي جاءت السنة بعدم قضائها، ويدل لهذا أيضًا أن الجاهل بالشريعة كالذي لم يبعث إليه رسول، وقد قال الله- ﵎ ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. وقال- ﵎: ﴿رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ [النساء: ١٦٥]. وقال تعالى: ﴿وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولًا يتلوا عليهم ءايتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون﴾ [القصص: ٥٩].
стр. 588
ويدل لهذا أيضًا: أن النبي ﷺ لم يأمر المستحاضة التي كانت تدع الصلاة وقت استحاضتها بانية على الأصل، وهو أن الأصل أن الدم حيض فلم يأمرها بالإعادة، ويدل لهذا أيضًا أن النبي ﷺ لم يأمر عمار بن ياسر ﵁ حين تمرغ على الصعيد من أجل التطهر من الجنابة وصلى بهذا ولم يأمره بالإعادة؛ لأنه كان جاهلًا وبنى على قياس ليس بصحيح بعد أن تبين الحكم بالنص، المهم أن هذه قاعدة تنفعك، ولكن هل نطلق العذر بهذا النوع من الجهل، أو نقول: إذا لم يفرط؟ هذه مسألة في الحقيقة تحتاج إلى تحر.
قد تقول: إنه إذا كان في بادية ولا يطرأ على باله وجوب هذا الشيء وليس عنده علماء وكل من حوله جهال ليس في الصلاة فقط حتى في الصيام مثلًا، لو فرض أن امرأة بلغت بالحيض لا بالسن ولم يطرأ على بالها ولا على بال أهلها أنها تصوم حتى تبلغ خمس عشرة سنة، وهي قد بلغت في السنة الثانية عشرة فتركت قبل الخامسة عشرة ثلاث رمضانات فإننا لا نأمرها بالقضاء، ونقول: استجدي النشاط على الطاعة في المستقبل، لكن لو كان هذا الذي جهل الأمر في مدينة العلم فيها واسع وكثير والعلماء كثيرون لكنه تهاون ولم يسأل، أو قيل له: اسأل، فقال: ﴿يا أيها الذين ءامنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ [المائدة: ١٠١]. فهذا ليس بمعذور؛ لأنه أمكنه ونبه على هذا ولم يفعل.
فالحاصل: أن الجهل المطبق الذي لا يطرأ على بال الإنسان وجوب الشيء وهو في غفلة تامة لا في تغافل، فهذا لا يلزم بقضاء ما فات من الواجب.
فإن قال قائل: هذا واضح فيما إذا كان الحق بين العبد وبين ربه، ولكنه إذا كان الحق يتعلق به حق الغير، كما لو كان لا يزكي على ماله جهلًا منه بوجوب الزكاة، فهل يلزمه أن يزكي لما مضى، أو نقول: هو على القاعدة؟
الظاهر: الثاني، لأن حق الفقراء في الزكاة ليس حقًا محضًا، بل هو أوجبه الله لهم، يعني: ليس كالذين الذي نقول: يجب على الإنسان قضاء الدين ولو طالت المدة، بل هذا حق أوجبه لهم ففيه شائبة أكبر من حق الله من شائبة المخلوق، هل نقول مثل ذلك لو أن شخصًا ترك واجبًا من واجبات الحج، ولم يعلم أن فيه الفدية، هل نقول: تسقط عنه؟ الجواب: لا، وجه ذلك: أن الفدية ليس لها وقت معين، فإذا لم يكن لها وقت معين فمتى ذكر أو علم وجب عليه أن يقوم بها.
ومن فوائد هذا الحديث: حسن فهم الصحابة- ﵃، فهذا الرجل أعرابي لما أراد أن يقسم على أنه لا يعرف غير هذا؛ عدل عن الإقسام بالله إلى الإقسام بصفة تشعر بأنه ملتزم بما يقوله النبي ﷺ لقوله: "والذي بعثك بالحق"، وهل نقول: إنه إذا حلف على شيء فإنه يختار من أسماء الله ما يناسبه؟ الجواب: في هذا تفصيل، أما إذا كان الشيء يحتاج إلى ذكر المناسب فليذكره، وأما إذا كان لا يحتاج فالقسم بالله أولى- يعني: بلفظ الله-.
стр. 589
ومن فوائد هذا الحديث: أن طلب التعليم لا يدخل في السؤال المذموم، لأن الرجل قال: "علمني"، وليس كالمال؛ يعني: سؤال العلم أهون بكثير من سؤال المال؛ لأن المال النفوس مجبولة على محبته، فسؤال الغير المال يكون ثقيلًا عليهم، لكن العلم ليس ثقيلًا على النفوس وبذله سهل، فسؤاله ليس فيه كراهة إطلاقًا، بل قد نقول: إنه واجب، ولكن هل نقول: إن الإنسان ينبغي أن يسأل في الوقت المناسب، أو يسأل ولو شق على المسئول؟ الأول: أحيانًا لا يناسب السؤال، لاسيما إذا لم يكن ضروريًا فهنا لا تسأل تحرج صاحبك، ربما يتحمل ويتحمل ويتحمل، لكن مع إحراج؛ مثل أن يكون محتاجًا إلى أن يقضي حاجته، أو محتاجًا إلى موعد قرره من قبل أو ما أشبه ذلك، ويعلم هذا بحال العالم الذي تريد أن تسأله فرق بين أن يكون متأهبًا لتلقي الأسئلة، وأن يكون على عجل، فلا تسأل إلا عن المسائل الضرورية فلا بد منها.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه يشرع الوضوء لكل صلاة؛ لقوله: "إذا قمت إلى الصلاة" وهذا يعم جميع الصلوات، ولكنه ليس على سبيل الوجوب إلا على من أحدث؛ ولهذا قال أهل العلم: يستحب تجديد الوضوء عند كل صلاة؛ لأنهم أخذوا هذا من عموم قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ [المائدة: ٦]. ولكن لا يجب إلا عن حدث؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه يصلي أحيانًا الصلوات الخمس كلها بوضوء واحد.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الوضوء شرط لصحة الصلاة؛ لأنه أمر به للصلاة وهو سابق عليها، وكل ما يجب للصلاة قبلها فهو من شروطها؛ لأن الأركان نفس ماهية العبادة والشروط سابقة تقضي قبل الدخول في العبادة، لكن بعضها قد يلزم أن يصحب العبادة إلى آخرها كاستقبال القبلة، والطهارة، وستر العورة، وما أشبه ذلك.
ومن فوائد هذا الحديث: عدم التفصيل في المجمل إذا كان معلومًا؛ لقوله: "أسبغ الوضوء"، ولم يبين كيف الوضوء؛ لأنه معلوم على أنه ربما يكون هذا الرجل لا يعرف الوضوء لكن لو كان لا يعرفه لقال: علمني؛ لأن المقام مقام تعليم.
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب استقبال القبلة؛ لقوله: "ثم استقبل القبلة"، وسبق لنا أن استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة إلا في مواطن، ما هي؟ يسقط في النافلة في السفر، وعند الخوف، وعند العجز، كمريض لا يمكن أن يوجه للقبلة، وأسير، وما أشبه ذلك، وإذا اجتهد وأخطأ.
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب تكبيرة الإحرام لقوله بلفظ: "الله أكبر"، فلو أتى بلفظ يدل عليها مثل أن يقول: الله أعظم، لا يجزئ إلا "الله أكبر" بهذا اللفظ، لو قال: الله أجل، أو أعظم، أو أعلم ما يكفي، ولها شروط في الواقع: يشترط أن تكون بهذا اللفظ، ويشترط الترتيب بين الكلمتين "الله أكبر" فلو قلت: الأكبر الله، لم يجزئ؛ لأن الألفاظ الأذكار توفيقية، ويشترط ألا يمد
стр. 590
الهمزة لا في الجزء الأول منها ولا في الثاني، فلو قال: الله أكبر ما أجزأت، ولو قال: الله أكبر ما أجزأت؛ لأنه يحول الجملة إلى استفهامية، يشترط أيضًا ألا يمد الباء فتقول: الله أكبار، قال أهل العلم بأن "أكبار" جمع كبر كأسباب جمع سبب، والكبر: من أسماء الطبل فلا يجزئ، فلو قال: الله ومدها مدًا طويلًا يمد اللام في الله طويلًا جدًا هل يجزئ أو لا؟ الظاهر أنه يجزئ، لكنه أخطأ من حيث التجويد.
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب قراءة القرآن حسب ما تيسر باللسان لقوله: "اقرأ ما تيسر معك من القرآن"، وهذا الحديث مجمل، لكن بينت السنة أنه يجب أن يقرأ الفاتحة لقول النبي ﷺ : "لا صلاة لمن يقرأ بفاتحة الكتاب"، فإن عجز عنها قرأ ما يكون بقدر آياتها وكلماتها؛ يعني: يعد آيات تكون على قدر كلمات الفاتحة أو أزيد، فإن لم يعرف شيئًا فالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير.
ومن فوائد هذا الحديث: الإشارة إلى تيسير الشريعة الإسلامية لقوله: "ما تيسر معك من القرآن"، إذا قدر أنه حين دخل الوقت لم يكن يعرف الفاتحة لكن بإمكانه أن يتعلمها، فهل نقول: آخر الصلاة حتى تتعلمها وتقرأ، أو صل في أول الوقت بدون قراءة؟
الأول نقول: إذا كان يمكنه أن يتعلمها قبل خروج الوقت فليفعل؛ لأنه قادر على أن يأتي بالركن قبل خروج الوقت، أما إذا كان لا يستطيع فليصل في أول الوقت على الحال التي يستطيعها.
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب الركوع لقوله: "اركع" وهو من الأركان، لأن الله تعالى عبر به عن الصلاة التعبير بالجزء عن الكل يدل على أنه ركن فيه، هكذا ذكر العلماء هذه القاعدة المفيدة، وقد عبر الله بالركوع عن الصلاة في قوله تعالى: ﴿واركعوا مع الراكعين﴾ [البقرة: ٤٣]. وقوله: ﴿يا أيها الذين ءامنوا اركعوا واسجدوا﴾ [الحج: ٧٧].
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب الطمأنينة وهي الاستقرار، وهل المراد: الاستقرار بقدر الذكر الواجب، أو الاستقرار وإن كان أقل؟ هذان قولان للعلماء، منهم من يقول: يجب أن يستقر بقدر ما يقول: سبحان ربي العظيم. ومنهم من يقول: الاستقرار وإن لم يكن بقدر قول سبحان ربي العظيم، ولكن لو ركع بأسرع مما يقول: سبحان ربي العظيم، وقلنا: إن سبحان ربي العظيم واجبة في الصلاة ومن تركها عمدًا بطلت صلاته لترك الواجب، لكن إذا قلنا: إنها ليست بواجبة أو نسي فصلاته صحيحة، إذا قلنا: أن المراد الطمأنينة ولو أقل من الذكر الواجب، ذكرنا أن الراكع ينحني لكن إذا كان لا يستطيع أن ينحني فماذا يصنع؟ يومئ برأسه وينحني بقدر ما يستطيع، وهذا يأتينا- إن شاء الله- في صلاة أهل الأعذار، وإذا كان أحدب صفته قائمًا وراكعًا على حد سواء فماذا يصنع؟ النية له هي الركوع، ولهذا عبارة الفقهاء: "والأحدب
стр. 591
يجدد للركوع نية"؛ يعني ينوي الركوع الأحدب الذي لا يمكنه، قال ابن عقيل ﵀: "كفلك في العربية" ما معناها؟ معناها: أن فلك تصلح للمفرد والجمع فتقال في المفرد، وتقال في الجمع، قال الله- ﵎: ﴿والفلك التي تجرى في البحر﴾ [البقرة: ١٦٤]. هذا مفرد أم جمع؟ مفرد تجري، وقوله: ﴿حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم﴾ [يونس: ٢٢]. هذه جمع، لا شك أن التشبيه هذا قاله على سبيل التقريب وإلا ما يشبه الفقه بالنحو، ويذكر أن أبا يوسف صاحب أبي حنيفة والكسائي كانا عند هارون الرشيد فادعى الكسائي أن من كان جيدًا في علم النحو أمكنه أن يتلف الفقه، قال: لأنه مادام أجاد فنا من الفنون يمكنه أن يتلف فنًا آخر، فقال له أبو يوسف: أرأيت لو سها في سجود السهو؟ قال الكسائي: لا، قال من أين أخذت هذا؟ قال: من قواعد النحو، قال: عندي قاعدة أن المصغر لا يصغر، والسجود بالنسبة للصلاة مصغر، هذه ذكرت في حاشية الروض المربع، والله أعلم بصحتها.
إذا كان الإنسان لا يمكنه الركوع لكنه يمكنه القيام فماذا يصنع؟ يومئ فيه الركوع ويحني ظهره بقدر المستطاع، إذا كان ظهره منحنيًا كالراكع فكيف يركع؟ بالنية. "ثم اركع حتى يطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا" "وتطمئن قائمًا"؛ يعني: لابد من الاعتدال والطمأنينة، الطمأنينة كما قال الفقهاء: السكون وإن قل، وعلى القول الآخر: السكون بقدر الذكر الواجب، ومعلوم أن القيام بعد الركوع ليس فيه ذكر واجب إلا قول: "ربنا لك الحمد" للإمام والمنفرد، أما المأموم فإنه يقول: "ربنا ولك الحمد"، في حال نهوضه من الركوع، "ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا"، ولم يبين في هذا الحديث كيف السجود وعلى أي عضو يسجد، ولكن قد جاءت به السنة في مواضع أخرى يسجد على الأعضاء السبعة، وهي: الجبهة، ويتبعها الأنف واليدان؛ أي: الكفان، والركبتان، وأطراف القدمين، ويقال في "حتى تطمئن" ما قيل في "حتى تطمئن راكعًا".
ومن فوائد هذا الحديث أيضًا: وجوب الرفع من السجود والجلوس بين السجدتين لقوله: "ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا"، هل نقول" يكتفي بالقول: إن الجلوس بين السجدتين من الأركان، أو لابد أن نقول: الرفع من السجود والجلوس، يعني: نعدهما شيئين؟ الجواب: الثاني؛ لأننا نقول: الرفع الجلوس.
فإن قال قائل: إذا جلس فقد رفع، فلا حاجة أن نقول: الرفع.
والجواب: أن يكون هناك حاجة لو أنه كان ساجدًا وسمع وجبة- يعني: شيء له صوت، ثم فزع وهو ساجد، وقام وقال: ما دام قمت (لا أرجع) يستقيم أولا يستقيم؟ لا يستقيم؛ لأنه لابد
стр. 592
أن يكون الرفع متعبدًا به لله وهذا ما نوى، ويذكر أن بعض أهل العلم قال: الرفع من الركوع والجلوس بين السجدتين، وإن كان بعضهم قال: يغني عن قولنا: الرفع من السجود طول الجلوس بين السجدتين، "ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا".
ومن فوائد هذا الحديث: أن الإنسان إذا جلس بعد السجدة الأولى أجزأه الجلوس على أي صفة كانت؛ لأن النبي ﷺ في هذا الحديث لم يقيده بصفة، لكن دلت السنة أن الجلوس يختلف بين التشهدين وبين الجلسة بين السجدتين في التشهدين، إذا كان في الصلاة تشهدان يكون الجلوس في التشهد الأول افتراشًا والجلوس للتشهد الثاني توركًا، ووضع اليدين سواء في الجلوس بين السجدتين يكون افتراشًا ويكون إقعاء على قول بعض العلماء، والصحيح: أنه لا يسمى إقعاء، ووضع اليدين قال الفقهاء: إنهما تكونان مبسوطتين على الفخذين، ولكن السنة تدل على أن وضع اليدين بين السجدتين كوضعهما في التشهدين، "ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا" ويقال فيها كما قلنا في الأولى.
ومن فوائد الحديث: أن السجود مرتين ركن من أركان الصلاة، فلو نسي إحدى السجدتين في الركعة الأخيرة ثم سلم فهل تصح صلاته لو أتى بسجود السهو؟ لا تصح؛ لأن سجود السهو لا يغني عن الركن، لكن لو ترك التشهد الأول صح، ولهذا أخطأ بعض المأمومين الذي نسى السجدة الثانية في الركعة الأخيرة، ثم تشهد وسلم فقيل له: إنه نسى السجدة الأخيرة، فانصرف وسجد سجدتين للسهو، فخاطبه بعض المؤمنين قال: ما سجدنا إلا رمة واحدة، قال: هاتان السجدتان تجبران ما نقص؟ خطأ، وجهله نوعه مركب، فالسجدتان لا تجزآن عن الأركان؛ ولهذا لم يعتد النبي ﷺ بهما حين سلم قبل أن يتم.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الإحالة على العموم لقوله: "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" وقد جاء تعليم النبي ﷺ على هذا الوجه، فإن عمر ﵁ لما سأل النبي ﷺ عن الكلالة قال: "ألم تكفك آية الصيف". فأحاله على آخر سورة النساء، فإنها صريحة في تبين معنى الكلالة، فالإحالة لا بأس بها في مسائل العلم لكن بشرط أن تكون معلومة، أما إذا أحاله على شيء قد يخفى فيقول الحكم كذلك بشرط، هذا ما يعرف حتى تعرف المسألة المحال عليها، وأما مع الجهالة فلا يجوز:
أسئلة:
- هل هذا الحديث له سبب، ما هو؟
стр. 593
- كم رده النبي ﷺ وما الحكمة في ترديده؟
- قوله: "إذا قمت إلى الصلاة" ما معناها، وهل يشمل كل صلاة؟
- الإسباغ ما معناه؟
- قوله: "ثم استقبل القبلة" ما معناه؟
- متى يسقط استقبال القبلة؟
- ما هو الدليل على سقوط استقبال القبلة حال الخوف؟
- رجل كبر في الصلاة وقال: الله اكبر هل تجزئه، ولماذا؟
- ما هو الدليل على أن ذلك يكون استفهامًا؟
- قوله: "اقرأ ما تيسر معك" إذا تيسر ﴿قل هو الله أحد﴾ هل تكفيه؟
- ما هو حد الركوع الواجب؟ أنه يمكن مس ركبتيه بيديه هذا حده أكثر العلم، وبعضهم قال: أن يكون الركوع التام أقرب منه إلى القيام التام.
- ما هي الطمأنينة؟
- قوله: "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" ما المراد به؟
* نرجع إلى شرح بقية الروايات الخاصة بالحديث:
- ولابن ماجه بإسناد مسلم: "حتى تطمئن قائمًا".
بدل "حتى تعتدل قائمَا"، والفرق بينهما ظاهر؛ لأنه مجرد الاعتدال بلا طمأنينة لا يكفي، فلا بد من الطمأنينة.
فإن قال قائل: هذا مشكل- وهو حقيقة إشكال- كيف تكون القضية واحدة، والقصة واحدة، والمكان الواحد، والزمان واحد، والقائل واحد، ثم يقول بعض الرواة: "حتى تطمئن"، وبعض الرواة: "حتى تعتدل" مع أن الثاني أتى بلفظ يخالف، قال: "حتى تعتدل" فما هو الجواب على هذا الإشكال؛ لأن القضية ليست متعددة حتى نقول: إن الرسول ﷺ قال مرة: "حتى تعتدل"، ومرة: "حتى تطمئن"؟
الجواب: أن يكون هذا سهل، وهو أن النبي ﷺ قال: "حتى تطمئن، أو حتى تعتدل" لكن البعيد لا يسمعها كما يسمعها القريب، فقد يكون أحد الراويين سمعة يقول: "حتى تعتدل" والثاني سمعه يقول: "حتى تطمئن".
стр. 594
فإن قال قائل: هذا مقبول إذا كان الصحابي اثنين، لكن إذا كان الصحابي واحدًا، نقول: الصحابي من روى عنه عدد كثير فسمعه أحد الرواة يقول: "حتى تعتدل"، وآخر يقول: "حتى تطمئن"، وإنما قلنا ذلك لأن من قال: "حتى تطمئن" فقد أتى بمعنى "حتى تعتدل"، وزيادة فنأخذ بهذا ونقول: حتى تعتدل تحمل على حتى تعتدل وتطمئن، وكما في الجلوس بين السجدتين فإنه قال: "حتى تطمئن ساجدًا". قال:
٢٥٧ - ومثله في حديث رفاعة بن رافع عند أحمد وابن حبان: "حتى تطمئن قائمًا".
هذا ليس فيه إشكال، السبب: تعدد الصحابي، وكما قلنا: أن القريب يسمع أكثر مما يسمع البعيد على أن فيه احتمالًا أن النبي ﷺ قال: "حتى تعتدل"، ثم أعاد وقال: "حتى تطمئن" فنقول: الحمد لله ليس هناك تناقض، والمراد: الطمأنينة. قال:
- ولأحمد: "فأقم صلبك حتى ترجع العظام".
أخذ بعض العلماء من هذا أنه إذا رفع من الركوع أرسل يديه، وقال: "حتى ترجع العظام" يعني: إلى طبيعتها، ومن جملة العظام اليدان، لكن هذا المأخذ مغالاة في التعميم؛ لأن الكلام على العظام التي تتأثر بالركوع وهي الصلب والورك وما أشبه ذلك، ثم لدينا حديث أحسن من هذا في الدلالة، وهو ما رواه البخاري عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل كفه اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة" كلمة "في الصلاة" تشمل كل الصلاة، لكن من المعلوم أنه يخرج الركوع، لأن اليدين على الركبتين، ويخرج السجود؛ لأن اليدين على الأرض، ويخرج الجلوس؛ لأن اليدين على الفخذين، يبقى الوقوف الذي قبل الركوع، والذي بعده يدخل في العموم، الإمام أحمد ﵀ قال: إن الإنسان إذا رفع من الركوع مخير. الآن استثنينا الركوع والسجود والجلوس من عموم "في الصلاة" والعادة أن المستثنى يكون أقل من المستثنى منه هذا هو الراجح، حتى إن بعضهم لم يصحح الاستثناء إذا كان المستثنى أكثر قالوا مثلًا: إن الرجل إذا قال للشخص: له عندي عشرة إلا سبعة يلزمه عشرة؛ لأن هذا الاستثناء غير صحيح، إذا كان المستثنى أكثر فاذكر المستثنى، واقصر عليه قل: عندي له سبعة دراهم، أما أن تقول عشرة إلا سبعة، فهذا قلب.
على كل حال: الذي يظهر لي والذي نعمل به ومشايخنا هو أن ما بعد الركوع كالذي قبل
стр. 595
الركوع، إلا شيخنا عبد الرحمن ﵀ فإنه اتبع في ذلك نص الإمام أحمد، وقال: إن الإنسان مخير بين أن يضع اليد اليمنى على اليسرى وأن يرسل، ورأيته يرسل كثيرًا.
- وللنسائي وأبي داود من حديث رفاعة بن رافع: "إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى ثم يكبر الله تعالى، وبحمده، ويثنى عليه".
- وفيها: "فإن كان معك قرآن فاقرأ وإلا فاحمد الله، وكبره، وهلله".
قال: "لا تتم"، ولم يقل: لا تصح، أو لا تقبل، وفرق بين التعبيرين بين "لا تتم"، أو "لا تصح أو لا تقبل"، أو ما أشبه ذلك، "حتى يسبغ الوضوء"، كما أمره الله لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق واسمحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ [المائدة: ٦]. "كما أمره الله تعالى" أي: ترفع سبحانه عن كل نقص، فتعالى في مكانه وتعالى في صفاته. "ثم يكبر الله تعالى" وهذه تكبيرة الإحرام. "ويحمده ويثنى عليه" هذا الاستفتاح، وفيها- أي: في هذه الرواية-: "فإن كان معك قرآن فاقرأ، وإلا فاحمد الله وكبره وهلله".
في هذه الرواية في حديث رفاعة فوائد:
منها: أن ما ذكره النبي ﷺ هو الذي تتم به الصلاة، وتمامها هنا يتناول الواجب والمستحب كما سيتبين.
ومن فوائدها: أن الوضوء شرط لصحة الصلاة ويكون سابقًا.
ومنها: وجوب الترتيب في الوضوء لقوله: "كما أمره الله".
ومنها: أنه لو مسح المغسول وغسل الممسوح لم يجزئه، ما هو الممسوح، الرأس، والمغسول؟ الباقي؛ لأن قوله: "كما أمر الله" هو أمر بالغسل: الوجه واليدين والرجلين، وأمر بمسح الرأس، فلو مسح المغسول وغسل الممسوح لكان غير صحيح؛ لأمه لم يتوضأ كما أمر الله، ولقول النبي ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد". أي: مردود على صاحبه، فأما إذا مسح المغسول فلا شك أن وضوءه لا يصح؛ لأن المسح دون الغسل، ولا يمكن أن يجزئ الأدنى عن الأعلى.
لو قائل: إذا غسل المسموح، فالغسل أكمل.
فيقال في الجواب عن هذا: الغسل أكمل لكن الشرح أكمل فيجب اعتناق الشرع، والله ، يقول: ﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملًا﴾ [الملك: ٢].
فإن قال قائل: إن إيجاب المسح في الرأس رخصة؛ لأنه لو أمر الناس أن يغسلوا رءوسهم في الوضوء لشق عليهم ذلك، في أيام الشتاء المشقة ظاهرة؛ لأن الشعر سيحتقن فيه الماء وهو
стр. 596
خطر على الإنسان، خاصة في أيام الشتاء تحصل أذية وهي تسرب الماء من الشعر إلى البدن والثياب فيتأذى بذلك الإنسان.
فإذا قال قائل: إن مسح الرأس بدلًا عن غسله من باب الرأس، والإنسان إذا فعل ما هو أعلى من الرخصة فإنه يصح كما لو صام الإنسان في السفر فله ذلك؟
فالجواب على هذا أن نقول: هذه الرخصة موافقة تمامًا لروح الشريعة الإسلامية وهي التيسير، فهذا الرجل خالف لا من جهة اللفظ ﴿وامسحوا برءوسكم﴾، ولا من جهة روح الدين الإسلامي التسهيل والتيسير، وأما الصيام فلولا أنه ثبت أن النبي ﷺ كان يصوم في السفر. لقلنا: من صام في السفر لم يجزيء كما قال ذلك أبو محمد علي بن حزم يقول: لو صام في السفر فصيامه غير صحيح، لابد أن يقضي. ولكن هذا القول مردود على قائله؛ لأن النبي ﷺ كان يصوم في السفر ولا إشكال في هذا.
لو قال قائل: لو غسل ومسح؛ يعني: صب الماء على رأسه، ثم مسحه كالعادة هل يجزئ أو لا؟
هنا نقول: الخلاف الآن في الصفة يعتبر ماسحًا لكنه مسح فيه غلو، والمسألة فيها خلاف: من العلماء من قال: إذا غسل بعد المسح فإنه لا يصح، ومنهم من يقول: إن أمر يده على رأسه صح واعتبر المسح. ولو قال قائل: إنه لا يصح حتى لو مسح لكان له وجه من أجل المخالفة: ﴿وامسحوا﴾.
ومن فوائد هذا الحديث: أن النبي ﷺ أرشد الأمة إلى فعل أوامر الله لقوله: "كما أمر الله". وهذه نقطة مهمة جدًا؛ أي: أن الإنسان يفعل العبادة امتثالًا لأمر الله، كثير منا يفعله على أنها عبادة واجبة فقط، ولا يستشعر من الفعل أنه مطيع لله ، وهذه تفوت الناس كثيرًا ونحرم خيرًا كثيرًا بهذا الفوات، عندما تتوضأ أنو أنك تمتثل أمر الله حين قال: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ حتى يتم لك الإخلاص والانقياد والذل، أيضًا تلاحظ شيئًا آخر وهو أتباع الرسول ﷺ والتأسي به حتى تتم لك المتابعة مع الإخلاص، شيء ثالث: وهو احتساب الأجر، لأن الإنسان إذا توضأ خرجت خطايا أعضائه مع آخر قطرة من الماء، كون الإنسان ينوي الاحتساب هذا مهم جدًا، ولهذا قال النبي ﷺ : "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا"، "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا". "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا". انتبه لهذا أنك محتسب الأجر على الله ،
стр. 597
وهذا يؤدي أنك تحب الله ، حيث إنك ترجو هذا الثواب، وما أكثر الذي يفوتنا من هذه الأمور، فنسأل الله أن يوقظنا وإياكم.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لابد من التكبير، وسبق في رواية أبي هريرة.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي أن تقدم الثناء والحمد على الله قبل القراءة لقوله: "يحمد الله ويثنى عليه"، هل هناك حمد وثناء؟ نعم: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك". يحمد الله ويثنى عليه. قلنا: هذا دعاء الاستفتاح، فإنه فيه الحمد والثناء، فهل هذا يرجح أن تستفتح: بـ "سبحانك اللهم وبحمدك" أم ماذا؟ اختار ابن القيم ﵀ أنه يرجح، وقال: إن الاستفتاح بـ "ٍسبحانك اللهم وبحمدك" أرجح من الاستفتاح بقولك: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي". وذكر نحو عشرة أوجه تدل على رجحان هذه ذكره في زاد المعاد. لكنه غير مسلم له؛ لأن حديث: "اللهم باعد" أصح بكثير من هذا، فقد أخرجه الشيخان وغيرهما. والراجح في هذا: أن نعمل بهذا تارة، وهذا تارة، فتارة نقول: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقي الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد"، وفي بعض الأحيان نقول: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك".
فلو قال قائل: أفلا يمكن أن نجمع بينهما؟
فالجواب: لا، لا نجمع بينهما، لأن أبا هريرة لما سأل النبي ﷺ ماذا يقول بين التكبير والقراءة، قال: أقول: "اللهم باعد .. الخ". ولو كان يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك" لذكره.
قوله: "فإن كان معك قرآنًا فاقرأ" وهذا مطلق فيحمل على المقيد، وهو أن الواجب أن تكون القراءة بفاتحة الكتاب، وقوله: "وإلا" يعني: وإلا لم يكن معك قرآن "فاحمد الله" يعني قل: "الحمد لله، والله أكبر، ولا إله إلا الله"، هذا البدل الآن هل يساوي المبدل منه أم لا؟
الجواب: لا، يساوي آية وبعض آية من الفاتحة؛ ولهذا نقول: البدل لا يشترط أن يساوي المبدل منه، انظر إلى الصيام في كفارة اليمين كم؟ ثلاثة أيام، والإطعام عشرة مساكين، فلا يشترط أن يكون البدل مساويًا المبدل منه، وسيأتي إن شاء الله.
- ولأبي داود: "ثم اقرأ بأم الكتاب وبما شاء الله".
الواو للجمع، يعني: اقرأ بالأمرين بفاتحة الكتاب وبما شاء الله، أم الكتاب هي الفاتحة،
стр. 598
وسميت أمًا؛ لأن الأم ما يئول إليه الشيء ويقصد؛ ولهذا سمى كتاب الأعمال إمامًا، كما قال ﴿وكل شيٍء أحصيناه في إمام مبين﴾ [يس: ١٢]. لأنه يقتدى به. "أم الكتاب": الفاتحة، جميع معاني القرآن الإجمالية تشتمل عليها الفاتحة، ففيها حمد وثناء وربوبية وإلهية وعبادة وأخبار الأمم السابقة في الإجمال، وأحوال الخلق ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: قسم أنعم الله عليهم، وهم الذين علموا الحق وعملوا به، وقسم غضب الله عليهم وهم الذين علموا الحق ولم يعملوا به كاليهود، وقسم أرادوا الحق فضلوا عنه كالنصارى، المهم أن فاتحة الكتاب جمعت المعاني التي جاء بها القرآن، ومن أراد المزيد من ذلك فليرجع إلى كتاب ابن القيم "مدارج السالكين" فإنه أتى فيه بالعجب العجاب حول الكلام على الفاتحة وما تضمنته.
- ولابن حبان: "ثم بما شئت".
بدل "بما شاء الله" والمعنى الواحد، لأن ما شاء الله لابد أن يشاءه العبد، وما شاءه العبد فقد حصل بعد مشيئة الله فهما متلازمان.
من فوائد الحديث: أولًا: الرد على الجبرية؛ لقوله: "إذا قمت" فأثبت للإنسان قيامًا بإرادته، ومن وجه آخر: "فأسبغ الوضوء" فيه رد على الجبرية، لأننا لو قلنا: إن الإنسان مجبر على عمله ما صح أننا نأمره بشيء؛ لأننا إذا وجهنا إليه أمرًا بشيء وهو مجبر صار هذا من تكليف ما لا يطاق.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الوضوء شرط لصحة الصلاة لقوله: "أسبغ الوضوء" ثم وهو كذلك، وإسباغ الوضوء هو إكماله، وهو نوعان: إكمال واجب، وهو أن يقتصر فيه على مرة واحدة مرتبًا، وإسباغ كامل وهو أن يأتي به مرتين أو ثلاثة، فقد جاءت السنة بمرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثة ثلاثة، وعلى وجه مختلف السنة أن يغتسل وجهه ثلاثًا ويديه مرتين، ورجله مرة، فليفعل الإنسان هذا، وهذا لتحصل له السنة على جميع وجوهها.
فإن قال قائل: لم يذكر النبي ﷺ الغسل من الجنابة؟
فالجواب: أن الغسل من الجنابة بالنسبة للوضوء قليل نادر، والنبي ﷺ يتكلم على الكثير الغالب، ونحن نعلم من طريق آخر أنه لابد لمن قام إلى الصلاة أن يغتسل من الجنابة كما في الآية الكريمة: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ [المائدة: ٦].
ومن فوائد الحديث: وجوب استقبال القبلة لقوله: "ثم استقبل القبلة"، والقبلة إن كان الإنسان يمكنه أن يشاهد الكعبة- شرفها الله- وجب أن يستقبل عينها، وإن كان لا يمكنه ذلك استقبل الجهة حتى لو كان في المسجد الحرام، وكان الناس يعانون في المسجد الحرام من
стр. 599
تحرى الاتجاه إلى الكعبة لكن الرئاسة العامة للحرمين- بارك الله فيهم- جعلوا الآن خطوطًا في الأماكن التي ليس فيها بلاط متجه للكعبة من أجل أن يكون التحري منضبطًا.
سقوط استقبال القبلة في ثلاثة أحوال العجز، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]. كإنسان مريض على سريره لا يستطيع أن يتجه فيسقط عنه الاستقبال.
الثاني: الخوف، لقول الله تعالى: ﴿فإن خفتم فرجالًا أو ركبانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]. والخائف إذا كان هاربًا لا يتسنى له أن يقف ليستقبل القبلة، لأنه خائف لو وقف أدركه العدو، لو وقف إذا كان هاربًا من نار أدركته النار، لو وقف إذا كان هاربًا من الماء أدركه الماء المهم الخائف.
الثالث: النافلة في السفر فإنه يسقط استقبال القبلة ويتجه الإنسان حيث كان وجهه، دليل هذا أن النبي ﷺ كان يصلي على راحلته حيثما توجهت به، والأفضل أن يستقبل القبلة عند تكبيرة الإحرام فإن لم يفعل فلا حرج، هذه ثلاث أحوال يسقط بها استقبال القبلة.
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب التكبيرة الأولى لقوله: "فكبر" يعني: يقول: "الله أكبر"، هذه التكبيرة لا يمكن أن يدخل الإنسان في الصلاة إلا بها، لو وقف واستشعر عظمة الله ، وقال: الله أجل، الله أعظم، فإن ذلك لا يجزئه، لابد أن يأتي بالتكبيرة، والتكبيرة لها شروط وقد سبقت. أن يقول: الله أكبر بهذا اللفظ، ولا يجزيء غيرها إلا لإنسان لا يستطيع.
والتكبيرات [التي هي] غير تكبيرة الإحرام قيل: إنها سنة، وقيل: إنها واجب، والقائلون بأنها واجب يستثنون تكبيرة واحدة وهي ما إذا أدرك الإمام راكعًا فهنا يكبر للإحرام قائمًا، وإذا أهوى إلى الركوع فالتكبير في حقه سنة، وعللوا ذلك بأنه اجتمعت عبادتان في وقت واحد فاكتفى بإحداهما، وهي تكبيرة الإحرام؛ ولأن الإنسان يأتي في الغالب مستعجلًا فلا يتمكن من التكبيرة فصارت في حقه غير واجبة.
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب قراءة ما تيسر من القرآن بعد التكبيرة لقوله: "فكبر ثم اقرأ" وعلى هذا لو قرأ قبل أن يكبر فقراءته غير معتد بها لابد أن تكون القراءة بعد دخوله في الصلاة لقوله: "ثم اقرأ ما تيسر".
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لابد من قراءة، والقراءة لابد فيها من عمل وهو تحريك الفم والشفتين، وعلى هذا فلو قرأ بقلبه لم يصح، يعني: لو أمر القرآن على قلبه فإنه لا يصح؛ لأنه لم يقرأ؛ ولهذا نقول: إن من قرأ آية الكرسي في ليلة لم يزل عليه من الله حافظًا فلابد أن يقرأها بالنطق فلو أمرها على قلبه لم تنفعه.
وهل يشترط أن يسمع نفسه أو يكفي أن يبين الحروف؟ في هذا قولان لأهل العلم، منهم من قال: لابد أن يسمع نفسه، ومنهم من قال: النص عام، فإذا نطق بالقرآن مبينًا للحروف فإنه
стр. 600
يكفيه؛ وهذا القول أقرب للصواب؛ لأنه يصدق عليه أنه قرأ، ولأننا لو قلنا: إنه يشترط أن يسمع نفسه لانفتح على الإنسان باب الوسواس فيقول: هل أنا أسمعت نفسي أو لا، ثم إن رفع صوته زيادة شوش على الناس، فالراجح أنه لا يشترط أن يسمع نفسه، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهل نقول هذا في كل قول اعتبر فيه النطق أنه لابد أن يسمع نفسه أو لا؟ مثلًا لو طلق الإنسان زوجته، وقال: زوجتي طالق، بكلام لم يسمعه لكنه نطق به، فهل تطلق أو لا؟ نقول: أما على القول بأنه لا يشترط في القول إسماع النفس فإنها تطلق، وأما على القول بأنه يشترط إسماع النفس فقالوا: إنها تطلق أيضًا احتياطيًا للطلاق، وأوجبنا إسماع نفسه في القراءة احتياطًا للركن أن يأتي به، والقول الراجح في الأمرين: أنه لا يشترط إسماع نفسه لا في الطلاق ولا في القراءة، لكن لو أطلق وسواس، يعني: بعض الناس- نسأل الله العافية- يصاب بالوسواس في الطلاق، هو طلق لكن بغير إرادة هل يقع الطلاق أم لا؟ لا يقع الطلاق، لأنه مغلوب عليه، وقد قال النبي ﷺ : "لا طلاق في إغلاق".
ومن فوائد هذا الحديث: " تيسير هذه الشريعة الإسلامية التي اسأل الله أن يتوفاني وإياكم عليها كلها يسر؛ ولهذا قال: "ما تيسر معك من القرآن"، وهكذا كل أوامر الشريعة على هذا الأساس، اسمع قول الله : ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العشر﴾ [البقرة: ١٨٥]. واسمع قوله: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨]. واسمع توصية النبي ﷺ لرسله الذين يبعثهم إلى دعوة الناس يقول: "يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين". ومن تأمل الشريعة وجدها مبنية على ذلك إن وجئت الأوامر من أصلها وجدتها ميسرة إن جئت الأوامر حين الصعوبة تجد أنها تيسر والحمد لله.
فإن قال قائل: هل يقرأ القرآن بلغته أو باللغة العربية؟
فالجواب: باللغة العربية؛ لأنه لا يصدق عليه أنه قرأ القرآن إلا إذا قرأه باللغة العربية، "اقرأ ما تيسر من القرآن" اللغة غير العربية لا تسمى قرآنًا.
فإن قال قائل: إذا كان لا يستطيع إلا لغته نقول: الحمد لله يأتي بدل القرآن بالذكر الذي يتلى في أثناء هذا الحديث: "احمد الله وكبره وهلله"؛ لأن الذكر لا يشترط أن يكون باللغة العربية.
فنقول: الآن أنت عاجز عن الفاتحة، "هلل واحمد وكبر" بلغتك.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الذي يلي القراءة الركوع: "ثم اركع"، فلوسها واستفتح، ثم ركع، ثم قام، وقرأ الفاتحة، فإن ذلك لا يصح، بل عليه أن يعيد الركوع مرة ثانية؛ لأن النبي ﷺ رتب هذه الأركان بـ "ثم".
следующие страницы →