Полный текст (3 515 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
خطر على الإنسان، خاصة في أيام الشتاء تحصل أذية وهي تسرب الماء من الشعر إلى البدن والثياب فيتأذى بذلك الإنسان.
فإذا قال قائل: إن مسح الرأس بدلًا عن غسله من باب الرأس، والإنسان إذا فعل ما هو أعلى من الرخصة فإنه يصح كما لو صام الإنسان في السفر فله ذلك؟
فالجواب على هذا أن نقول: هذه الرخصة موافقة تمامًا لروح الشريعة الإسلامية وهي التيسير، فهذا الرجل خالف لا من جهة اللفظ ﴿وامسحوا برءوسكم﴾، ولا من جهة روح الدين الإسلامي التسهيل والتيسير، وأما الصيام فلولا أنه ثبت أن النبي ﷺ كان يصوم في السفر. لقلنا: من صام في السفر لم يجزيء كما قال ذلك أبو محمد علي بن حزم يقول: لو صام في السفر فصيامه غير صحيح، لابد أن يقضي. ولكن هذا القول مردود على قائله؛ لأن النبي ﷺ كان يصوم في السفر ولا إشكال في هذا.
لو قال قائل: لو غسل ومسح؛ يعني: صب الماء على رأسه، ثم مسحه كالعادة هل يجزئ أو لا؟
هنا نقول: الخلاف الآن في الصفة يعتبر ماسحًا لكنه مسح فيه غلو، والمسألة فيها خلاف: من العلماء من قال: إذا غسل بعد المسح فإنه لا يصح، ومنهم من يقول: إن أمر يده على رأسه صح واعتبر المسح. ولو قال قائل: إنه لا يصح حتى لو مسح لكان له وجه من أجل المخالفة: ﴿وامسحوا﴾.
ومن فوائد هذا الحديث: أن النبي ﷺ أرشد الأمة إلى فعل أوامر الله لقوله: "كما أمر الله". وهذه نقطة مهمة جدًا؛ أي: أن الإنسان يفعل العبادة امتثالًا لأمر الله، كثير منا يفعله على أنها عبادة واجبة فقط، ولا يستشعر من الفعل أنه مطيع لله ، وهذه تفوت الناس كثيرًا ونحرم خيرًا كثيرًا بهذا الفوات، عندما تتوضأ أنو أنك تمتثل أمر الله حين قال: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ حتى يتم لك الإخلاص والانقياد والذل، أيضًا تلاحظ شيئًا آخر وهو أتباع الرسول ﷺ والتأسي به حتى تتم لك المتابعة مع الإخلاص، شيء ثالث: وهو احتساب الأجر، لأن الإنسان إذا توضأ خرجت خطايا أعضائه مع آخر قطرة من الماء، كون الإنسان ينوي الاحتساب هذا مهم جدًا، ولهذا قال النبي ﷺ : "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا"، "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا". "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا". انتبه لهذا أنك محتسب الأجر على الله ،
стр. 597
وهذا يؤدي أنك تحب الله ، حيث إنك ترجو هذا الثواب، وما أكثر الذي يفوتنا من هذه الأمور، فنسأل الله أن يوقظنا وإياكم.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لابد من التكبير، وسبق في رواية أبي هريرة.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي أن تقدم الثناء والحمد على الله قبل القراءة لقوله: "يحمد الله ويثنى عليه"، هل هناك حمد وثناء؟ نعم: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك". يحمد الله ويثنى عليه. قلنا: هذا دعاء الاستفتاح، فإنه فيه الحمد والثناء، فهل هذا يرجح أن تستفتح: بـ "سبحانك اللهم وبحمدك" أم ماذا؟ اختار ابن القيم ﵀ أنه يرجح، وقال: إن الاستفتاح بـ "ٍسبحانك اللهم وبحمدك" أرجح من الاستفتاح بقولك: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي". وذكر نحو عشرة أوجه تدل على رجحان هذه ذكره في زاد المعاد. لكنه غير مسلم له؛ لأن حديث: "اللهم باعد" أصح بكثير من هذا، فقد أخرجه الشيخان وغيرهما. والراجح في هذا: أن نعمل بهذا تارة، وهذا تارة، فتارة نقول: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقي الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد"، وفي بعض الأحيان نقول: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك".
فلو قال قائل: أفلا يمكن أن نجمع بينهما؟
فالجواب: لا، لا نجمع بينهما، لأن أبا هريرة لما سأل النبي ﷺ ماذا يقول بين التكبير والقراءة، قال: أقول: "اللهم باعد .. الخ". ولو كان يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك" لذكره.
قوله: "فإن كان معك قرآنًا فاقرأ" وهذا مطلق فيحمل على المقيد، وهو أن الواجب أن تكون القراءة بفاتحة الكتاب، وقوله: "وإلا" يعني: وإلا لم يكن معك قرآن "فاحمد الله" يعني قل: "الحمد لله، والله أكبر، ولا إله إلا الله"، هذا البدل الآن هل يساوي المبدل منه أم لا؟
الجواب: لا، يساوي آية وبعض آية من الفاتحة؛ ولهذا نقول: البدل لا يشترط أن يساوي المبدل منه، انظر إلى الصيام في كفارة اليمين كم؟ ثلاثة أيام، والإطعام عشرة مساكين، فلا يشترط أن يكون البدل مساويًا المبدل منه، وسيأتي إن شاء الله.
- ولأبي داود: "ثم اقرأ بأم الكتاب وبما شاء الله".
الواو للجمع، يعني: اقرأ بالأمرين بفاتحة الكتاب وبما شاء الله، أم الكتاب هي الفاتحة،
стр. 598
وسميت أمًا؛ لأن الأم ما يئول إليه الشيء ويقصد؛ ولهذا سمى كتاب الأعمال إمامًا، كما قال ﴿وكل شيٍء أحصيناه في إمام مبين﴾ [يس: ١٢]. لأنه يقتدى به. "أم الكتاب": الفاتحة، جميع معاني القرآن الإجمالية تشتمل عليها الفاتحة، ففيها حمد وثناء وربوبية وإلهية وعبادة وأخبار الأمم السابقة في الإجمال، وأحوال الخلق ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: قسم أنعم الله عليهم، وهم الذين علموا الحق وعملوا به، وقسم غضب الله عليهم وهم الذين علموا الحق ولم يعملوا به كاليهود، وقسم أرادوا الحق فضلوا عنه كالنصارى، المهم أن فاتحة الكتاب جمعت المعاني التي جاء بها القرآن، ومن أراد المزيد من ذلك فليرجع إلى كتاب ابن القيم "مدارج السالكين" فإنه أتى فيه بالعجب العجاب حول الكلام على الفاتحة وما تضمنته.
- ولابن حبان: "ثم بما شئت".
بدل "بما شاء الله" والمعنى الواحد، لأن ما شاء الله لابد أن يشاءه العبد، وما شاءه العبد فقد حصل بعد مشيئة الله فهما متلازمان.
من فوائد الحديث: أولًا: الرد على الجبرية؛ لقوله: "إذا قمت" فأثبت للإنسان قيامًا بإرادته، ومن وجه آخر: "فأسبغ الوضوء" فيه رد على الجبرية، لأننا لو قلنا: إن الإنسان مجبر على عمله ما صح أننا نأمره بشيء؛ لأننا إذا وجهنا إليه أمرًا بشيء وهو مجبر صار هذا من تكليف ما لا يطاق.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الوضوء شرط لصحة الصلاة لقوله: "أسبغ الوضوء" ثم وهو كذلك، وإسباغ الوضوء هو إكماله، وهو نوعان: إكمال واجب، وهو أن يقتصر فيه على مرة واحدة مرتبًا، وإسباغ كامل وهو أن يأتي به مرتين أو ثلاثة، فقد جاءت السنة بمرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثة ثلاثة، وعلى وجه مختلف السنة أن يغتسل وجهه ثلاثًا ويديه مرتين، ورجله مرة، فليفعل الإنسان هذا، وهذا لتحصل له السنة على جميع وجوهها.
فإن قال قائل: لم يذكر النبي ﷺ الغسل من الجنابة؟
فالجواب: أن الغسل من الجنابة بالنسبة للوضوء قليل نادر، والنبي ﷺ يتكلم على الكثير الغالب، ونحن نعلم من طريق آخر أنه لابد لمن قام إلى الصلاة أن يغتسل من الجنابة كما في الآية الكريمة: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ [المائدة: ٦].
ومن فوائد الحديث: وجوب استقبال القبلة لقوله: "ثم استقبل القبلة"، والقبلة إن كان الإنسان يمكنه أن يشاهد الكعبة- شرفها الله- وجب أن يستقبل عينها، وإن كان لا يمكنه ذلك استقبل الجهة حتى لو كان في المسجد الحرام، وكان الناس يعانون في المسجد الحرام من
стр. 599
تحرى الاتجاه إلى الكعبة لكن الرئاسة العامة للحرمين- بارك الله فيهم- جعلوا الآن خطوطًا في الأماكن التي ليس فيها بلاط متجه للكعبة من أجل أن يكون التحري منضبطًا.
سقوط استقبال القبلة في ثلاثة أحوال العجز، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]. كإنسان مريض على سريره لا يستطيع أن يتجه فيسقط عنه الاستقبال.
الثاني: الخوف، لقول الله تعالى: ﴿فإن خفتم فرجالًا أو ركبانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]. والخائف إذا كان هاربًا لا يتسنى له أن يقف ليستقبل القبلة، لأنه خائف لو وقف أدركه العدو، لو وقف إذا كان هاربًا من نار أدركته النار، لو وقف إذا كان هاربًا من الماء أدركه الماء المهم الخائف.
الثالث: النافلة في السفر فإنه يسقط استقبال القبلة ويتجه الإنسان حيث كان وجهه، دليل هذا أن النبي ﷺ كان يصلي على راحلته حيثما توجهت به، والأفضل أن يستقبل القبلة عند تكبيرة الإحرام فإن لم يفعل فلا حرج، هذه ثلاث أحوال يسقط بها استقبال القبلة.
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب التكبيرة الأولى لقوله: "فكبر" يعني: يقول: "الله أكبر"، هذه التكبيرة لا يمكن أن يدخل الإنسان في الصلاة إلا بها، لو وقف واستشعر عظمة الله ، وقال: الله أجل، الله أعظم، فإن ذلك لا يجزئه، لابد أن يأتي بالتكبيرة، والتكبيرة لها شروط وقد سبقت. أن يقول: الله أكبر بهذا اللفظ، ولا يجزيء غيرها إلا لإنسان لا يستطيع.
والتكبيرات [التي هي] غير تكبيرة الإحرام قيل: إنها سنة، وقيل: إنها واجب، والقائلون بأنها واجب يستثنون تكبيرة واحدة وهي ما إذا أدرك الإمام راكعًا فهنا يكبر للإحرام قائمًا، وإذا أهوى إلى الركوع فالتكبير في حقه سنة، وعللوا ذلك بأنه اجتمعت عبادتان في وقت واحد فاكتفى بإحداهما، وهي تكبيرة الإحرام؛ ولأن الإنسان يأتي في الغالب مستعجلًا فلا يتمكن من التكبيرة فصارت في حقه غير واجبة.
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب قراءة ما تيسر من القرآن بعد التكبيرة لقوله: "فكبر ثم اقرأ" وعلى هذا لو قرأ قبل أن يكبر فقراءته غير معتد بها لابد أن تكون القراءة بعد دخوله في الصلاة لقوله: "ثم اقرأ ما تيسر".
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لابد من قراءة، والقراءة لابد فيها من عمل وهو تحريك الفم والشفتين، وعلى هذا فلو قرأ بقلبه لم يصح، يعني: لو أمر القرآن على قلبه فإنه لا يصح؛ لأنه لم يقرأ؛ ولهذا نقول: إن من قرأ آية الكرسي في ليلة لم يزل عليه من الله حافظًا فلابد أن يقرأها بالنطق فلو أمرها على قلبه لم تنفعه.
وهل يشترط أن يسمع نفسه أو يكفي أن يبين الحروف؟ في هذا قولان لأهل العلم، منهم من قال: لابد أن يسمع نفسه، ومنهم من قال: النص عام، فإذا نطق بالقرآن مبينًا للحروف فإنه
стр. 600
يكفيه؛ وهذا القول أقرب للصواب؛ لأنه يصدق عليه أنه قرأ، ولأننا لو قلنا: إنه يشترط أن يسمع نفسه لانفتح على الإنسان باب الوسواس فيقول: هل أنا أسمعت نفسي أو لا، ثم إن رفع صوته زيادة شوش على الناس، فالراجح أنه لا يشترط أن يسمع نفسه، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهل نقول هذا في كل قول اعتبر فيه النطق أنه لابد أن يسمع نفسه أو لا؟ مثلًا لو طلق الإنسان زوجته، وقال: زوجتي طالق، بكلام لم يسمعه لكنه نطق به، فهل تطلق أو لا؟ نقول: أما على القول بأنه لا يشترط في القول إسماع النفس فإنها تطلق، وأما على القول بأنه يشترط إسماع النفس فقالوا: إنها تطلق أيضًا احتياطيًا للطلاق، وأوجبنا إسماع نفسه في القراءة احتياطًا للركن أن يأتي به، والقول الراجح في الأمرين: أنه لا يشترط إسماع نفسه لا في الطلاق ولا في القراءة، لكن لو أطلق وسواس، يعني: بعض الناس- نسأل الله العافية- يصاب بالوسواس في الطلاق، هو طلق لكن بغير إرادة هل يقع الطلاق أم لا؟ لا يقع الطلاق، لأنه مغلوب عليه، وقد قال النبي ﷺ : "لا طلاق في إغلاق".
ومن فوائد هذا الحديث: " تيسير هذه الشريعة الإسلامية التي اسأل الله أن يتوفاني وإياكم عليها كلها يسر؛ ولهذا قال: "ما تيسر معك من القرآن"، وهكذا كل أوامر الشريعة على هذا الأساس، اسمع قول الله : ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العشر﴾ [البقرة: ١٨٥]. واسمع قوله: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨]. واسمع توصية النبي ﷺ لرسله الذين يبعثهم إلى دعوة الناس يقول: "يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين". ومن تأمل الشريعة وجدها مبنية على ذلك إن وجئت الأوامر من أصلها وجدتها ميسرة إن جئت الأوامر حين الصعوبة تجد أنها تيسر والحمد لله.
فإن قال قائل: هل يقرأ القرآن بلغته أو باللغة العربية؟
فالجواب: باللغة العربية؛ لأنه لا يصدق عليه أنه قرأ القرآن إلا إذا قرأه باللغة العربية، "اقرأ ما تيسر من القرآن" اللغة غير العربية لا تسمى قرآنًا.
فإن قال قائل: إذا كان لا يستطيع إلا لغته نقول: الحمد لله يأتي بدل القرآن بالذكر الذي يتلى في أثناء هذا الحديث: "احمد الله وكبره وهلله"؛ لأن الذكر لا يشترط أن يكون باللغة العربية.
فنقول: الآن أنت عاجز عن الفاتحة، "هلل واحمد وكبر" بلغتك.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الذي يلي القراءة الركوع: "ثم اركع"، فلوسها واستفتح، ثم ركع، ثم قام، وقرأ الفاتحة، فإن ذلك لا يصح، بل عليه أن يعيد الركوع مرة ثانية؛ لأن النبي ﷺ رتب هذه الأركان بـ "ثم".
стр. 601
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب الركوع والطمأنينة فيه لقوله: "اركع"، وسبق لنا تعريفه ومقدار الواجب منه، وكذلك مقدار الواجب من الطمأنينة.
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب الرفع من الركوع لقوله: "ثم ارفع"، وهل يشترط قصد الرفع من الركوع أو لا؟ الجواب: نعم يشترط، وعلى هذا فلو أن إنسانًا كان راكعًا، ثم سمع سقوط شيء، ثم قام هل يعتد بهذا القيام أم لا؟ فالجواب: أنه لا يكفي؛ لماذا؟ لأن النبي ﷺ نص [عليه بقوله]: "ثم ارفع"، فلا بد من إرادة الرفع ونية الرفع.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لابد من القيام، القيام بعد الركوع لقوله: "حتى تعتدل قائمًا" والرواية الأخرى: "حتى تطمئن"، فلو رفع قليلًا من الركوع وهو منحن لم يجزيء، اللهم إلا أن يصيبه شيء ما يستطيع أن يستقيم، فهنا نقول: اتق الله ما استطعت؛ لأن أحيانًا يصاب الإنسان بما يسمى بشد العصب، لا يستطيع أن ينهض فنقول: اتق الله ما استطعت.
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب السجود بعد الرفع من الركوع لقوله: "اسجد" وهذا مطلق، لكن جاء في حديث ابن عباس ﵂ أنه لابد من السجود على سبعة أعضاء: الجبهة، ويتبعها الأنف، والكفين، والركبتين، وأطراف القدمين، وبأيهما يبدأ بالركبتين، أم باليدين الحديث هنا ليس فيه شيء، فإذا رجعنا إلى الأصل- بقطع النظر عن ورود السنة- وجدنا الترتيب الجسدي أن يبدأ بالركبتين ثم بالكفين، ثم الجبهة من الأنف، وهذا هو المطابق للحال الطبيعة، وهو أيضًا المطابق للسنة، لأن النبي ﷺ قال: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير". والبعير إذا برك يبدأ باليدين، هذا المعروف كل إنسان يشاهد البعير إذا برك يبدأ باليدين فينحط مقدم جسمه قبل مؤخره، وقد جاء في نفس الحديث المذكور: "ولبضع يديه قبل ركبتيه"، فاختلف العلماء – ﵏ – في هذا؛ منهم من أخذ بآخر الحديث، ومنهم من لم يأخذ به، وقال: الأصل في الحديث الجملة الأولى وهي المطابقة أيضًا للأحاديث الأخرى مثل: "إذا سجد أحدكم فلا يفرض يديه افتراض السبع". وقالوا: العمل على الجملة الأولى فماذا نصنع في الجملة الثانية، قال ابن القيم ﵀ في "زاد المعاد": إنها منقلبة على الراوي، وقال: إن انقلاب الشيء على الراوي ليس بغريب، وذكر لهذا أمثلة، وصدق ﵀ أنها منقلبة عند التأمل؛ لأنه إذا قال: "لا يبرك كما يبرك البعير" كان الذي يتوقع السامع أن يقول: "ولبضع ركبتيه قبل يديه"، لكن قال: "وليضع يديه"، حاور بعض الإخوان الذين يقولون: إنه يضع اليدين قبل
стр. 602
فقال: إن ركبتي البعير في اليدين، فنقول: إن النبي ﷺ لم يقل: فلا يبرك على ما يبرك عليه البعير، بل قال: "فلا يبرك كما يبرك ... "، فالنهي عن الكيفية لا عن العضو الذي يسجد عليه، وهذا واضح لمن تأمله، فتقديم الركبتين إذن موافق للترتيب الطبيعي للبدن، وهو أيضًا موافق للسنة.
أسئلة:
- ما معنى الطمأنينة؟
- هل يشترط أن تكون بقدر الذكر الواجب أو لا؟
- كيف قال النبي ﷺ : "إنك لم تصل" مع أن الرجل صلى؟
- النفي يكون على ثلاثة وجوه بمراحل، ما هي؟
- كيف أمره النبي ﷺ أن يصلي ثلاث مرات في الحديث، ولماذا صبر عليه؟
- لماذا قال: "والذي بعثك بالحق"، ولم يقل: والله؟
- قوله: "ثم يكبر ويحمد الله ويثني عليه" ما المراد به؟
- أم الكتاب هي الفاتحة لماذا سميت بهذا؟
٢٥٨ - وعن أبي حميد الساعدي ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﷺ إذا كبر جعل يديه حذو منكبه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره، فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقاٍر مكانه، فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه وإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى، ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته" أخرجه البخاري.
قال المؤلف- رحمه الله تعالى- فيما نقله في سياق الحديث في صفة صلاة النبي ﷺ وعلمنا بصفة صلاة النبي ﷺ أمر ضروري؛ لأن كل عمل لا يقبل إلا بأمرين: إخلاص، ومتابعة. والمتابعة لا تمكن إلا إذا عرفنا كيف كان النبي ﷺ يتعبد الله حتى نتابعه.
قوله: "اجعل" تفسرها الرواية الأخرى "رفع"، و "حذو" بمعنى: حذاء، أي: مساويًا لها، وأصل هذه المادة: المساواة، ومنه الحذاء؛ لأن كل واحد من الحذاءين يساوي الثاني.
"حذو منكبيه" المنكب: هو الكتف، وهل يجعل الكف، أو أطراف الأصابع، أو أسفل الكف؟ كل هذا وردت به السنة، وعلى هذا يكون من العبادات المتنوعة، لكن سياق الحديث الذي معنا "جعل يديه حذو منكبيه" نقول: إذا أشكل علينا هل المراد أعلى اليدين أو أسفل اليدين، فيحمل على الوسط، ولم يبين كيفية الأصابع هل هو يفرق بين الأصابع هكذا أو يضم؟ وهل هو يقول هكذا كأنه طائر، أو يقول هكذا؟ يفهم هذا من أحاديث أخرى غير هذا.
стр. 603
"وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه" يعني: ضم يديه على ركبتيه حتى تتمكن اليدان من الركبتين، وقد عبر الفقهاء عن ذلك بكونه يقبض ركبتيه.
"ثم هصر ظهره" هصر: يعني نزل، وضده أن يقوس الظهر وهنا تقويس الظهر، وهصر الظهر ومساواته مع الرأس، المشروع: الثاني، أن يهصر ظهره ويساويه مع رأسه، أما أن يحتودب فلا، وقد جاء في الحديث: أن النبي ﷺ يهصر ظهره ويجعل رأسه حياله حتى لو صب عليه الماء لاستقر من شدة المساواة. بعض الناس تجده يقوس ظهره، وبعض الناس يعدل ظهره لكن يرفع رأسه وظهره، وبغض الناس يهصر ظهره ورأسه حتى ينزل كثيرًا، ولكن الأمر في ذلك واسع، يعني: كله جائز وكله مجزيء، لكن خير الهدى هدي محمد ﷺ ، اعرف كيف كان النبي ﷺ يركع واركع مثله.
"فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه" إذا رفع يعني: من الركوع. "استوى" يعني: اعتدل، والاستواء في الأصل بمعنى الكمال، ويطلق على معان كثيرة حسب ما يتقيد به، فإن جاء مطلقًا فهو بمعنى الكمال، ومنه قول الله- ﵎: ﴿ولما بلغ أشده واستوى﴾ [القصص: ١٤]. أي: كمل في العقل وذلك ببلوغه أربعين سنة.
الثاني: ويأتي مقيدًا بـ "على" ومنه قوله –﵎: ﴿وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستوأ على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٣]. فيكون بمعنى: "على"، ومنه قوله تعالى: ﴿الرحمان على العرش استوى﴾ [طه: ٥]. أي: علا على العرش.
الثالث: وتأتي مقيدة بـ "إلى" نقول: "استوى إلى كذا" ومعناه: قصد إلى كذا على وجه تام في الإرادة والقدرة، "استوى إلى كذا" أي: انتهى إليه على وجه تام من الإرادة والقدرة، ومنه قول الله- ﵎: ﴿ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات﴾ [البقرة: ٢٩]. على أحد التفسيرين.
الرابع: أن يقيد بالواو فتكون بمعنى التساوي، نقول: استوى فلان والباب، يعني: تساوى مع الباب، "استوى فلان والسقف" هذا في الغالب، ومنه قولهم: "استوى الماء والخشبة" يعني: تساوى مع الخشبة، ويسمون هذه (الواو) واو المعية وتنصب ما بعدها يسمى مفعولًا معه، وبالمناسبة نذكر لكم بيتًا في المفاعيل يقول:
إن المفاعيل خمس مطلق وبه ... وفيه معه له فانظر إلى المثل
ضربت ضربا أبا عمر غداة أتى ... وسرت والنيل خوفًا من عقابك لي
стр. 604
"ضربت ضربًا" يعني: مفعولًا مطلقًا، وإن شئت فقل: مصدرًا، "أبا عمرو" مفعولًا به، "غداة أتى" مفعولًا فيه، و "سرت والنيل" مفعولًا معه، "خوفًا من عقابك لي" مفعولًا لأجله.
يقول: "استوى حتى يعود كل فقاٍر مكانه" فقار يعني: فقرات الظهر، إذا اعتدل الإنسان بعد الركوع عادت كل فقرة إلى مكانها.
"فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما" إذا سجد وضع يديه على الأرض "غير مفترش" لا يفرش الذراعين بل ينصب الذراعين، "ولا قابضهما" أي" قابض يديه؛ يعني: يضمهما إلى صدره بل يفرج؛ لأن هذا أقوم وأنشط، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة، إذن يكون سجوده بالنسبة للرجلين على صدور القدمين؛ لأنه لا يتم استقبال أطراف أصابع القبلة إلا إذا كان على الصدور، ولهذا قال النووي رجمه الله: ينبغي إذا سجد أن ينصب قدميه، يعني: يظهر حتى تتجه الأصابع إلى القبلة.
"وإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى" إذا جلس في الركعتين، يعني: في التشهد الأول أو الأخير في الصلاة الثنائية، لأن الأخير في الصلاة الثنائية جلوس في الركعتين.
"جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى" كيف يجلس على اليسرى؟ يجعل ظهرها إلى الأرض وبطنها إلى آليته، فيجلس عليها وينصب اليمنى يستقبل بأطراف أصابعها القبلة ويجعلها منصوبة.
"وإذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته" قدمها يعني: أخرجها من يمينه، وليس المعنى: قدمها إلى الأمام، المعنى: أنه يقدمها إلى الجنب، "وينصب الأخرى" أي: اليمنى وجلس على مقعدته.
هذا الحديث ذكر فيه عدة صفات لصلاة النبي ﷺ منه: مشروعية التكبير لقوله: "إذا كبر"، وهذه تكبيرة الإحرام، وحكمها أنها ركن لا تنعقد الصلاة إلا بها، فلم أن الإنسان نسى ثم استفتح وقرأ الفاتحة بدون تكبير فصلاته لا تصح، لا فرضًا ولا نفلًا.
ولو أتى بثناء غير التكبير؛ فإن قال: الله أعظم، الله أجل، الله أعلم. هل يصح؟ الجواب: لا يصح؛ لأن العبادات توفيقية، فلو قال: الله أعلم، الله أجل فقد عمل عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله فيكون مردودًا.
إذن لابد أن يقول المصلي: "الله أكبر"، لو قال: "الله أكبر" لم يصح لأمرين:
أولًا: لأنه مخالف للنص فهو عمل ليس عليه أمر الله ورسوله.
ثانيًا: لأنه دون قوله: الله أكبر، لأن معنى الله أكبر يعني: أكبر من كل شيء، لكن "الله أكبر" هو بمنزلة قول القائل: هذا ولدي الأكبر، فلا يدل على أنه أكبر من كل شيء.
стр. 605
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي رفع اليدين إلى المنكبين، وليس مفرقًا بين أصابعه، بل الأصابع مضمومة متجهة إلى القبلة. فما هي الحكمة من هذا الرفع؟
قال بعض أهل العلم: الحكمة الإشارة إلى رفع الحجاب بينك وبين الله لأن الإنسان في الدنيا غافل، فإذا أقبل على الصلاة أقبل على الله، فكأنه يرفع الحجاب بينه وبين ربه هذه واحدة.
ثانيًا: أنه زينة للصلاة، وهذا أمر مشاهد؛ ولو أنك تكبر بدون رفع تشعر بأن الصلاة ناقصة فهو زينة للصلاة وكمال، ولهذا كان مشروعًا في كل تكبيرات الجنازة؛ لأنه يحصل به الفرق بين أركان صلاة الجنازة يعني: الفرق الظاهر الحسي، وقد جاءت السنة- والحمد لله- بذلك أنك ترفع في صلاة الجنازة في كل التكبيرات.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه يسن للمصلي إذا ركع أن يمكن يديه من ركبته، يعني: يثبت يديه على ركبته كالقابض عليهما، فلو جعل يديه تتدلى وهو راكع لم تحصل له السنة، ولكن الركوع مجزيء، وكذلك لو أنه مس الركعتين مسا دون أن يمكن اليدين فإن الركوع مجزيء لكن لم يحصل له السنة.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي للراكع أن يهصر ظهره لا يرفع فيحتودب بل يصهره، وفي حديث عائشة "أنه ﷺ لم يشخص رأسه ولم يصوبه" يعني: لم يرفعه ولم ينزله، وعلى هذا فيكون مساويًا لظهره تمامًا، وهذا هو الأفضل، فإن احتودب أو نزل أكثر أو أرتفع فالركوع مجزيء لكن فاتت السنة.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لابد في الرفع من الركوع أن يطمئن حتى تعود الفقرات إلى محلها وقد سبق في حديث أبي هريرة أنه لابد من الطمأنينة، فلو لم يفعل، ورفع ثم نزل ساجدًا فصلاته غير صحيحة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن السنة عند السجود ألا تفترش الذراعين، لقوله: "غير مفترض"، بل قد جاء النهي في ذلك، فقد نهى النبي ﷺ أن يفترض الرجل ذراعيه في السجود افتراض السبع، ويعني السبع: الكلب، والكلب إذا ربض وشاهدته وجدته قدم ذراعيه وبسطهما على الأرض.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينهي الإنسان عن التشبيه بالحيوان لاسيما في العبادة، ولم
стр. 606
يأت التشبه بالحيوان إلا في مقام الذم، فلننظر من الذين شبهوا بالحمار؟ اليهود الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها، فشبههم الله بالحمار الذي يحمل أسفارًا، أي: كتبًا، وهل يمكن أن ينتفع الحمار بالكتب إذا كانت على ظهره؟ لا يمكن، وجاء التشبيه بالحمار، لأنه أبلد الحيوانات، وكذلك أيضًا شبه بالحمار الرجل يتكلم يوم الجمعة والإمام يخطب كما في المسند أن الذي يتكلم يوم الجمعة والإمام يخطب كالحمار.
من الذي شبه بالكلب؟ الذي آتاه الله العلم ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه، ولم يتبع ما آتاه الله من العلم فهذا كمثل الكلب عليه يلهث أو تتركه يلهث، وكذلك في الذي يرجع في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه، ونهى النبي ﷺ عن نقٍر كنقر الغراب، يعني: في الصلاة.
فالمهم أن بني آدم كرمهم الله وفضلهم على كثير ممن خلق، فلا ينبغي أن يضعوا أنفسهم موضعًا غير لائق بهم.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي للساجد أن يقبض يديه إلى أضلاعه لقوله: "غير منقوش ولا قابض".
فإن قال قائل: أرأيتم لو كان المكان ضيقًا كما يوجد في مواسم الحج والعمرة هل نقول: فرج أو لا؟
لا، لماذا؟ لأنه يؤذي جاره، وترك السنة من أجل دفع الأذية أولى من الأذية.
أسئلة:
- ما معنى قوله: "إذا كبر جعل يديه حذو منكبيه"؟
- هل هذا الرفع سنة أو واجب؟
- ما معنى قوله: " غير مفترش ولا قابضهما".
- هل يستثنى من الإبعاد شيء أي الذراعين؟
- ما معنى قوله: "جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى"؟
- "وإذا جلس في الركعة الأخيرة" ما المراد بقوله: "في الركعة الأخيرة"؟
؟ ؟ للفوائد:
من فوائد حديث أبي حميد: أنه ينبغي للساجد أن يستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة، أطراف الأصابع هي الأصابع، وعلى هذا فيهصر رجله حتى تستقبل الأصابع القبلة.
وهل يجزئ أن يضع أطراف الأصابع على الأرض بدون استقبال القبلة؟
стр. 607
الجواب: نعم يجزئ لعموم قوله في حديث ابن عباس: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم" إلى أن قال: "أطراف القدمين"، لكن السنة أن تستقبل الأصابع القبلة.
وماذا تكون الرجلان في هذه الحال أمفرقتين أم مضمومتين؟
قال بعض أهل العلم: تكون مفرقتين، حتى حدد بعضهم أن ذلك بمقدار شبر، ومعلوم أن التحديد يحتاج إلى توقيف، ولو قال هذا القائل: إنه يفرج بين رجليه حسب الطبيعة والناس يختلفون: بعض الناس عريض وبعضهم دقيق، يعني: لو قيل: إنه يجعل الرجلين على طبيعتهما لا يضم بعضهما إلى بعض ولا يفرج، لكن كونه يحدد بالشبر لا، ومع هذا نقول: إن ظاهر السنة أن يضم بعضهما، أي: بعض القدمين إلى بعض؛ لأنه هكذا جاء في صحيح ابن خزيمة ﵀، وأيضًا جاء في صحيح مسلم عن عائشة لما فقدت النبي ﷺ وطلبته وجدته ساجدًا ناصبًا قدميه، فوقعت يدها عليهما منصوبتين، وهذا يدل على أنهما مضمومتان وإلا لما أحاطت يدا المرأة بهما، وأبدى بعض العلماء الحكمة في ذلك وهو أن هذا أستر للعورة فيما لو كان الثوب قصيرًا، فإن صحت هذه العلة فهي، وإن لم تصح فالسنة هي المتبعة لقوله: "استقبل بأصابع رجليه القبلة".
ومن فوائد هذا الحديث: أنه إذا جلس في التشهد الأول جلس مفترشًا، والافتراش: أنه يجلس على اليسرى وينصب اليمنى، وهي يطيل هذا الجلوس أو لا؟
قال بعضهم: إنه يطيل هذا الجلوس فيقرأ التشهد الأول والصلاة على النبي ﷺ والتبريك، والأرجح أنه لا يفعل هذا، وأن يقتصر على قوله: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"؛ لأن محل الدعاء الطويل، إنما هو التشهد الأخير، ولهذا قال النبي ﷺ في حديث ابن مسعود لما ذكر التشهد إلى قوله: "وأن محمدًا عبده ورسوله" قال: "ثم ليتخير من الدعاء ما شاء".
وذكر ابن القيم ﵀ في "زاد المعاد" أن النبي ﷺ كان يخفف هذا التشهد، حتى كأنما جلس على الرضف يعني: الحجارة الحامية، لكن الحديث هذا فيه نظر؛ لأن بعض أهل العلم ضعفه، فالأرجح أنه لا يصلى على النبي ﷺ في هذا التشهد كما هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀.
لو جلس على غير هذه الصفة؛ يعني: لو جلس متربعًا يجوز أو لا؟ نعم يجوز، لكن لا ينبغي إلا لعذر، ولو جلس مقعيًا فسيأتي الكلام عليه أنه مكروه؛ لأن النبي ﷺ نهى عنه.
стр. 608
ومن فوائد هذا الحديث: أنه في الركعة الأخيرة يتورك، وصفته كما جاء في حديث أبي حميد أنه يقدم رجله اليسرى، أي: يخرجها من يمينه، وليس المعنى يمدها أمامه، ولكن يقدمها، أي: لا يقعد عليها، بل يقدمها حتى تخرج من يمينه، وينصب اليمنى ويجلس على مقعدته، هذا هو التورك، والحكمة من مونه يجلس هذا الجلوس لها وجهان:
الوجه الأول: الفرق بين التشهدين الأول والثاني، حتى إذا دخل أحد ووجده متوركًا عرف أنه في التشهد الأخير هذه واحدة.
الوجه الثاني: أن مدته أطول من التشهد الأول، فكان الأيسر أن يتورك ليتورك على الأرض فيكون طمأنينته على الأرض أكثر.
هذا التورك معروف أنه في الثلاثية والرباعية، لكن هل يتورك في الصلاة الثنائية في التشهد الأخير؟ في هذا خلاف بين أهل العلم بعضهم قال: يتورك؛ لأن طول الجلوس موجود حتى في الثانية فيتورك، وبعضهم قال: لا يتورك، وهذا هو الأرجح، لأنه وإن وجدت العلة الأولى وهي طول الجلوس، فقدت العلة الثانية وهي الفرق بين التشهدين، فالصحيح: أن التورك إنما يكون في التشهد الأخير، في كل صلاة فيها تشهدان وهي الثلاثية والرباعية والوتر إذا أوتر بتسع، فإنه سيجلس في الثامنة ويتشهد ولا يسلم، ثم يقوم إلى التاسعة ويتشهد، فهنا نقول: تورك؛ لأن في هذه الصلاة تشهدين.
وهل هناك صفة للتورك غير هذه؟ نعم، هناك صفة أخرى، وهي: أن يفرش رجليه اليمنى واليسرى ويخرجهما من يمينه، وهذه أحيانًا تكون أريح للإنسان؛ لأن بعض الناس يصعب عليه أن ينصب اليمنى مع التورك ويكون إسدالهما على اليمنى أسهل فيتورك.
هذا التورك فيه صفة ثالثة أنه يسدلهما من اليمين ويجعل اليسرى بين الفخذ اليمنى وساقها كالمعلق. هذه أيضًا أحيانًا تكون مريحة للإنسان، لو كان الإنسان في تعب فهذه أريح من غيرها، لأنها تشد العضلة عضلة الساق، وعضلة الرجل اليسرى، فعلى كل حال هذه مسألة ثانوية، أعني: مسألة الراحة وعدم الراحة، المهم: السنة ثلاث صفات للتورك فأيهما تختار؟ سبق لنا أن القول الراجح في هذه المسألة: أن تعمل بهذه تارة وبهذه تارة، وبينا أن لذلك ثلاث فوائد:
الفائدة الأولى: تمام التأسي بالنبي ﷺ .
الثانية: أن ذلك أحضر لقلب العبد؛ لأنه إذا عدل عما كان يألفه من قبل فسيعدل بنية حضور القلب.
الثالثة: أن في ذلك حفظًا للسنة؛ لأنه إذا اقتصر على صفة وترك الأخرى فيها لأجزأه ذلك؛ لأن الكل وارد، وقد سبق أن قلنا: إن الأمر فيه واسع، ولكن الأفضل أن نعمل هذه السنة وهذه مرة أخرى، هذه ثلاث فوائد وأهمها التأسي بالنبي ﷺ .
стр. 609
ومن فوائد هذا الحديث: حرص الصحابة- ﵃ على حفظ السنة، فإن هذا الحديث فيه طول، لكن الصحابه ﵃ أحرص الناس على حفظ سنة النبي ﷺ .
صفة الاستفتاح ومعانيه:
٢٥٩ - وعن علي بن أبي طالب ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض ... إلى قوله: من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك ... إلى آخره". رواه مسلم.
- وفي رواية له: "إن ذلك في صلاة الليل".
قوله: " إذا قام إلى الصلاة" ظاهر الحديث: إذا قام قبل أن يكبر فيقول هذا قبل التكبير، لكن في بعض الألفاظ: "وكبر" نقله بعض الشراح عن رواية مسلم ولم أرها فيه يعني: في صحيح مسلم، بل إذا قام إلى الصلاة.
وعلى هذا فنقول: يحتمل أن يكون هذا قبل التكبير أو بعده، فإن كان بعد التكبير فهو أحد الوجوه في صفة الاستفتاح، وإن كان قبله فليس كذلك.
قال: "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض" وجهت، أي: جعلته وجاهه، والمراد بالوجه هنا: الوجه الحسي والوجه المعنوي.
أما الوجه الحسي: فهو الوجه الذي في الرأس.
وأما الوجه المعنوي: فهو القلب، فيكون المراد: وجهت قلبي ووجهي.
وقوله: "للذي فطر" هذا بيان الجهة التي وجهها إليها وهو الذي فطر السموات والأرض، يعني: الله كما قال تعالى: ﴿فاطر السموات والأرض﴾ [فاطر: ١]. قال أهل العلم: والفطر هو فعل الشيء أولًا، فيكون معنى "فطر السموات" أي: خلقها على غير مثال سبق، يعني: هذه أول مرة تخلق السموات والأرض على هذه الصورة، و "السموات والأرض" تقدم الكلام عليها كثيرًا، وبينا السموات سبع بنص القرآن والسنة، وأن الأرضين وهي أيضًا سبع على ظاهر القرآن وصريح السنة.
إلى قوله: "من المسلمين"، قوله من؟ قول الله تعالى، لأن الآية هكذا: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
إذن فصوابها إلى قوله: "وأنا أول المسلمين".
قوله: "حنيفًا وما أنا من المشركين" حنيفًا يعني: مائلًا عن الشرك، فالاستقامة في قوله:
стр. 610
"وجهت وجهي للذي" وعدم الميل إلى الشرك في قوله: "حنيفًا"، وأكد ذلك بقوله: "وما أنا من المشركين" ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين﴾ [الأنعام: ١٦٢].
المراد بـ ﴿صلاتي﴾: الصلاة المعروفة المعهودة شرعًا، ﴿ونسكي﴾؛ قيل المراد بذلك: النسيكة وهي الذبيحة، فالمراد بالنسك: الذبائح التي يتقرب بها الإنسان إلى الله واستدل أصحاب هذا القول بقوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر: ٢]، فذكر النحر بعد الصلاة، وقيل المراد بالنسك: العبادة، فعلى الأول يكون عطف نسك على صلاة من باب عطف المتباينين، وعلى الثاني من باب عطف العام على الخاص.
وأيهما أولى أن نقول: المراد بالنسك: جميع العبادات، أو المراد بالنسك الذبيح؟ الأول أولى، لماذا؟ لأنه يشمل الذبيحة وغيرها وكلما كان المعنى أشمل وأعم فهو أولى.
وقوله: ﴿لله رب العالمين﴾ اللام هذه للإخلاص، وقوله: ﴿رب العالمين﴾ أي: خالق العالمين مالكهم مدبرهم، و "العالم" كل من سوى الله فهو عالم من الإنس والجن والملائكة وغيرهم، وسموا عالمًا؛ لأنهم علم على خالقهم ، وجمعوا باعتبار الأجناس والأنواع فإنهم أجناس وأنواع.
﴿لا شريك له﴾ هذا تأكيد للنفي، و ﴿بذلك﴾ أي: بما ذكر من الإخلاص واجتناب الشرك ﴿أمرت﴾ والآمر هو الله ، ولم يسم للعلم به، كقوله تعالى: ﴿وخلق الإنسان ضعيفًا﴾ لم يسم الخالق لماذا؟ للعلم به.
﴿وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾ أورد بعض العلماء إشكالًا على هذا وقالوا: كيف يكون أول المسلمين وقد سبقه أمم وأنبياء ورسل كلهم مسلمون؟ فقيل: المعنى أول المسلمين من هذه الأمة فتكون الأولية نسبية؛ أي: باعتبار هذه الأمة، وقيل: إن الأولية هنا أولية صفة لا أولية زمن يعني: أنا أسبق الناس إلى الإسلام، وعلى هذا المعنى فلا نحتاج إلى أن نقول: إن الأولية نسبية؛ لأننا نعلم أن أشد الناس انقيادًا وإسلامًا لله: الرسول ﷺ ومن المعلوم أننا نحن إذا قلنا: ﴿وأنا أول المسلمين﴾ لا يمكن أن نريد أول المسلمين زمنًا، لأن هذا يكذبه الواقع، لكنك تقر بأنك أول من يؤمن بهذا ويسلم لله ، سبقًا زمنيًا أو حاليًا؟ حاليًا.
قوله: "اللهم أنت الملك" اللهم، أي: يا الله هذا أصلها، فحذفت ياء النداء وعوض عنها الميم، وذلك لكثرة الاستعمال، وللتيمن بذكر الله ، قبل أداة النداء وعوضت عنها الميم، قالوا: لأنها جارية على الجمع، فكأن الداعي جمع قلبه على الله، وكانت في الآخر تيمنًا بالبداءة باسمه- جل وعلا-، وعلى هذا فنقول: "اللهم" منادي مبني على الضم في محل نصب.
"أنت الملك" يعني: ذا الملك التام والسيطرة التامة، فهو- ملك الملوك لا مالك إلا الله وملكه جامع بين الملك الذي هو مطلق التصرف وبين الملك الذي هو
стр. 611
السيطرة التامة، ولهذا جاء في سورة الفاتحة قراءتان: ﴿مالك يوم الدين﴾، و ﴿ملك يوم الدين﴾، فإذا ضممت القراءتين بعضهما إلى بعض نتج عن ذلك أنه مالك ملك في الدنيا، قد يكون الإنسان ملكًا وليس بملك، فالإنسان يملك السيارة وليس بملك، يملك شاته وليس بملك، فإذا جمعت القراءتين نتج منهما أنه ملك مالك – .
"لا إله إلا أنت" أسأل ما معنى لا إله إلا أنت؟ لا معبود حق إلا أنت، إذن "إله" بمعنى: مألوه، يعني: لا معبود حق إلا أنت، وأما ما عبد من دون الله فهو وإن سمي إلهًا فليس بإله؛ لأنه ليس بحق كما قال : ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو البطل﴾ [الحج: ٦٢].
"أنت ربي وأنا عبدك" هذا من تحقيق الربوبية والإلوهية، تحقيق الربوبية في قوله: "أنت ربي"، والإلوهية في قوله: "وأنا عبدك" لأن العبد لابد أن يتعبد بما أراد معبوده ... إلخ.
كأن المؤلف ﵀ لم يسقه تمامًا كله اختصارًا أو اقتصارًا؛ لأنه مقيد لصلاة الليل، وليس استفتاحًا عامًا في كل الصلوات، فلذلك لم يسقه تامًا ﵀.
في هذا الحديث فوائد منها: جواز الاستفتاح بها الذكر، دليل ذلك وروده عن النبي ﷺ أن المصلي موجه وجهه الظاهر والباطن إلى الله .
ومن فوائده أيضًا: أن الذي فطر السموات والأرض هو الله- ﵎ لم يخلقهما أحد سواه ولم يشارك في خلقهما أحد سواه، ولم يعنه على خلقهما أحد قال الله- ﵎: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرٍة في السموات ولا في الأرض﴾ يعني: على وجه الاستقلال- ﴿وما لهم فيهما من شرك﴾ – على وجه المشاركة- ﴿وما له منهم من ظهير﴾ [سبأ: ٢٢] أي: ما لله منهم من مساعد ومعين، فنفي الله – ﵎ الاستقلال والمشاركة والمعاونة؛ لأن الكل له .
نشرح ما حذفه المؤلف: ﴿حنيفًا وما أنا من المشركين﴾ ﴿حنيفًا﴾: أي: مائلًا عما سواه، ﴿وما أنا من المشركين﴾ من باب التأكيد، فيستفاد من ذلك: أن المعاني العظيمة ينبغي أن تؤكد بمؤكدات معنوية لا بالتأكيد المعروف عند النحويين.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الصلاة وسائر العبادات يجب أن تكون خالصة لله لقوله: ﴿إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين﴾.
ومن فوائد الحديث: الاستدلال على استحقاق الإلوهية بثبوت الربوبية لقوله: ﴿لله رب العلمين﴾. والله- ﵎ يحتج على الذين يشتركون به في ألوهيته بإقرارهم بربوبيته؛ يعني: كيف تؤمنون بأنه رب وهو الخالق وحده ثم تعبدون معه غيره، هذا مناف للعقل.
стр. 612
ومن فوائد هذا الحديث: أن محيا الإنسان ومماته لله؛ يعني: هو الذي يتصرف للإنسان في حياته وكذلك بعد مماته؛ لكمال ربوبيته –﵎.
يتفرع على هذه الفائدة: أنك لا تسأل لإصلاح حياتك أو مماتك إلا الله ، لأنه هو الذي يملك هذا ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين﴾ وإجابة الله –﵎ الدعاء لمن لجأ إليه لا نحصي أفرادها، بل ولا أنواعها، بل ولا أجناسها، لو أنك تدبرت القرآن وجدت أن أدعية الرسل- عليهم الصلاة والسلام- كيف تستجاب لهم، وإذا تأملت التاريخ وجدت كيف يستجاب الدعاء لمن اتبعوهم بإحسان، وإذا تأملت عصرك وجدت أيضًا أمثلة على إجابة الدعاء، فإذا كان محياك ومماتك لله فلا تلجأ إلا إليه، لا تلجأ لأحد، لكن لا بأس أن تستعين بمن جعله الله تعالى سببًا بشرط أن تعتقد أنه سبب لا أصل، وإلا فمن المعلوم أن الإنسان يجوز أن يطلب من أخيه أن يساعده في شيء، أو فقير يطلب من غني أن يعطيه من الصداقة هذا شيء جائز، لكن يجب أن تعتقد أنه سبب، ولهذا قد لا ينفع، قد يحصل لك المطلوب وقد لا يحصل.
ومن فوائد هذا الحديث: أن النبي ﷺ مكلف بأوامر الله لقوله: ﴿وبذلك أمرت﴾ فهل إذا أمر هو-﵊ يكون أمره أمر لنا؟ الجواب: نعم؛ لأنه إمامنا، ومخاطبة الإمام بالآمر مخاطبة لمن وراءه، ولهذا لو قال الإمام لقائد الجند أي: العسكر: يا فلان، اذهب إلى الناحية الفلانية، المراد: هو ومن كان تابعًا له، فالأوامر الموجهة للرسول ﷺ له وللأمة، وليعلم أن الأوامر الموجهة للرسول ﷺ على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما هو خاص به بلا إشكال، مثاله قوله تعالى: ﴿ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك ووزرك الذي أنقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك﴾ [الشرح: ١ - ٤]. لمن الضمائر؟ للرسول، ولا يتعداه لغيره، خاص به بلا إشكال.
القسم الثاني: أوامر دل الدليل المقارن على أنها عامة له ولأمته، مثل قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١]. الخطاب أولًا للنبي ﷺ ، ثم صار لعامة الأمة في نفس الآية: ﴿إذا طلقتم﴾ ولم يقل: إذا طلقت، وهذا واضح أن الخطاب الأول ليس خاصًا بالرسول ﷺ .
القسم الثالث: ألا يكون فيه دليل على هذا ولا على هذا، فهل يكون خطابًا للأمة من الأصل، أو يقال: هو خطاب خاص بالرسول ﷺ والأمة تفعله تأسيًا به لا على أنها مواجهة بالخطاب؟ فيه قولان للعلماء، والخلف بينهما قريب من اللفظ؛ لأن الكل متفقون على أن الأمة تمتثل أمرًا أو نهيًا.
стр. 613
ومن فوائد الحديث: الإخلاص لله في قوله: "اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت" وهذا فرض على كل مخلوق أن يخلص لله في ألوهيته.
ومن فوائد هذا الحديث: إقرار النبي ﷺ بأن الله ربه وهو عبده لقوله: "اللهم أنت ربي وأنا عبدك" وهو ﷺ أقوم الناس عبادة لله حتى قال- ﵊: "إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم لما أتقي". وكان يقوم الليل حتى تتورم قدماه، فقيل له: يا رسول الله، كيف تفعل ذلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ ! قال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا".
الربوبية والألوهية كلاهما ينقسم إلى عام وخاص؛ اجتمعت الربوبية العامة والخاصة في قول الله تعالى- نقلًا عن السحرة-: ﴿قالوا ءامنا برب العالمين* رب موسى وهارون﴾ [الأعراف: ١٢١ - ١٢٢]. أين العامة؟ قوله: ﴿برب العالمين﴾، الخاصة: ﴿رب موسى وهارون﴾، كذلك العبودية تنقسم إلى عامة وخاصة، فقول الله- ﵎: ﴿إن كل من في السماوات والأرض إلا ءاتي الرحمن عبدًا﴾ [الأعراف: ٩٣]. هذه عامة، كل من في السموات وهم عبيد لله لا يمكن أن يخرجوا عن قضائه وقدره قيد أنملة ولا شعرة، وقول الله- ﵎: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. هذه خاصة، والخاصة فيها ما هو أخص وهي عبودية الرسل؛ فإن عبودية الرسل أخص من عبودية بقية المؤمنين؛ لأنهم قاموا بالرسالة والعبادة، كما تقول مثلًا: المهاجرون جمعوا بين الهجرة والنصرة، والأنصار أخذوا بالنصرة فقط؛ فهم أنصاره وليسوا بمهاجرين.
الرسل- عليهم الصلاة والسلام- قاموا بالعبادة كما قام غيرهم من المؤمنين، ولكنهم- عليهم الصلاة والسلام- زادوا على العبادة القيام بأعباء الرسالة، وإبلاغ الرسالة ليس بالأمر الهين صعب صعب صعب، ولهذا لما قال : ﴿إنا نحن نزلنا عليك القرءان تنزيلًا﴾ قال: ﴿فاصبر لحكم ربك﴾ [الإنسان ٢٢ - ٢٣]، لأن هذا تحميل يحتاج إلى صبر وهو كذلك، المسألة ليست هينة، الإنسان الذي يجابه الناس وكلهم مشركون معاندون ويحتاجون إلى دعوة، ولا يخفى علينا ما حصل للإنسان من المضايقة إذا دعا ولم يجد قبولًا، بل إذا أراد محاضرة في المسجد وجاء إلى المسجد الذي فيه محاضرة ولم يجد إلا صفًّا ونصفًا ماذا يكون؟ أزمة نفسية أم لا؟ أزمة نفسية يضيق صدره كيف لم يأت إلا هذا العدد القليل، لكن يجب أن يتسلى الإنسان بأمرين:
الأمر الأول: النبي ﷺ كم بقي يدعو الناس سرًّا مختفيًا؟
والثاني: أن وسائل نقل العلم الآن- والحمد الله- اتسعت، فالذي لم يحضر إلى مجلس العلم اليوم نفسه يمكنه أن يكون شاهدًا؛ أي: يكون حاضرًا بالسماع- سماع الأشرطة- وهذا لا
стр. 614
شك أن يسلي الإنسان ويهون عليه المسألة، تجد مثلًا بعض المدرسين يأتي من مكان بعيد وإذا جاء إلى المسجد يجد نصف صف من الطلبة، بعض الناس لما وجدهم نصف صف قال: انتهى الأمر لابد لي من الرجوع، لا اصبر- أيها المعلم-؛ لأن الذي لم يحضر الدرس يستطيع أن يسمع الأشرطة.
نرجع الآن إلى أقسام العبودية صارت قسمين: الأول: عامة، والثاني: خاصة، والثانية فيها ما هو أخص.
قال المؤلف ... إلخ ما ذكره، وتمامه: "وظلمت نفسي واعترفت بذنبي"، يقول النبي ﷺ : "ظلمت نفسي واعترفت بذنبي" ظلم النفس إما بتقصير في واجب أو بفعل محرم، فيستفاد من هذا إثبات أن النبي ﷺ ظالم لنفسه؛ لأنه يخشى- ﵊ أن يكون فرط في واجب، والمتتبع لسيرته يعلم أنه ﷺ أطهر الناس وأبعدهم عن المعاصي، لكن لكمال تواضعه لله وخشيته وخوفه من التقصير في الواجب قال: "ظلمت نفسي".
ومن فوائد هذا الحديث: إثبات أن النبي ﷺ له ذنب، من أين نأخذه؟ من قوله: "اعترفت بذنبي". يقول بعض الناس: إن النبي ﷺ لا يذنب ولا أدري ماذا يكون موقفهم من مثل هذا الحديث؟ قالوا: الذنب للأمة، هل يمكن أن الرسول يعترف بذنب أمته؟ الاعتراف لمن عليه الحق، ثم نقول لهم: ألم يقرءوا قول الله تعالى: ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ [محمد: ١٩]. هذه لا يستطيع أحد أن يقول: ﴿لذنبك﴾، أي: ذنب أمتك، لكن خصوصية الرسول –﵊ أنه لو فعل شيئًا فإنه لا يقر عليه بل ينبهه الله ، دليل هذا قول الله تعالى: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفورٌ رحيمٌ * قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ [التحريم: ١ - ٢]. فنبهه الله وفتح له باب المغفرة والرحمة، وقال : ﴿عفا الله عنك﴾ [التوبة: ٤٣]. هل هناك عفو بدون تفريط في شيء؟ لا، ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين﴾ [التوبة: ٤٣]. وما يضر الأنبياء إذا صدر عنهم معصية ثم ينبههم الله عليها، ثم استغفروا فغفر لهم ماذا يضرهم؟ لا يضرهم شيء بل يكون أحسن من الحال الأولى، هذا آدم عصى واجتباه الله بعد أن استغفر وقال: ﴿لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين﴾ [الأعراف: ١٤٩]. نوح سأل ما ليس له به علم؛ وذلك لأن ولده ليس من أهله وهو لا يعلم ذلك ﴿إنه عملٌ غير صالح فلا تسئلن ما ليس لك به علم إني أعظم أن تكون من الجاهلين﴾ [هود: ٤٦]. فالمهم أن الرسل- عليهم الصلاة والسلام- قد يقع منهم الخطأ، ولكن ميزتهم وخصيصتهم أنهم لا يقرون عليه.
لكن هنا شيء يجب أن نعلم أن الرسل معصومون منه وهو ما يخل بالأمانة، هذا شيء محال
стр. 615
عليهم؛ لأننا لو جوزنا هذا لادعى مدعٍ أنهم قد يكونون قد خانوا الرسالة، وهذا لا يمكن، يمتنع عليهم الكذب، فإنه لا يمكن أن يفعلون بأي حال من الأحوال لا جدًّا ولا مزحًا، يمكن أن يتأولوا ويأتوا بالتورية هذا ممكن، أما الكذب الصريح فلا يمكن هذا في حقهم، حتى إن النبي لا يمكن أن يشير بعينه على خلاف ما يفهمه مخاطبه يعني: لا يخون ولو بلحظة البصر؛ لأن هذا نوع من الخيانة، فالمهم أن ما يتعلق بالأمانة والصدق هم ممنوعون مما يخل به، كذلك ممنوعون مما يخل بالشرف والأخلاق هم ممنوعون منه بتاتًا؛ لأنهم إنما بُعثوا بمكارم الأخلاق، وبُعث النبي ليتمم مكارم الأخلاق، لكن ما يقع منهم من الذنوب فهي ترجع إلى ما تقتضيه النفس ويخطئ فيه الاجتهاد فقط.
ومن فوائد هذا الحديث: أن النبي- ﷺ مفتقر إلى دعاء الله لقوله: "فاغفر لي ذنوبي جميعًا".
ومن فوائد هذا الحديث: التوسل إلى الله- ﵎ بذكر صفته لقوله: "إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت"، فإذا كان لا يغفر الذنوب إلا أنت فإلى من نرجع؟ إليه- ؛ لأنه لا ملجأ لنا ولا منجى في طلب المغفرة إلا إليه- .
وقوله: "واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئ الأخلاق لا يصرف عني سيئها إلا أنت"، "اهدني لأحسن الأخلاق" أي: هداية علم وإرشاد، وأحسن الأخلاق أي: أكملها وأتمها، والأخلاق جميع خلق وهو الصفة الباطنة، والخَلق الصفة الظاهرة، فالإنسان خَلق وخُلق، الخُلق في الباطن والخَلق في الظاهر، وهذا يشمل الأخلاق فيما بين الإنسان وفيما بينه وبين العباد، "أحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت" هذا إظهار افتقار لله وتوسل له بهذه الصفة، وهي أنه لا يستطيع أحد أن يهدي لأحسنها إلا الله .
قال: "واصرف عني سيئ الأخلاق لا يصرف عني سيئها إلا أنت" عكس ما سبق، اصرفها عني بحيث لا أهتدي لها ولا أتلبس بها "لا يصرف عني سيئها إلا أنت".
"لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك" لبيك، أي: إجابة لك، وهي- كما ترون- بصيغة التثنية، وهل المراد الدلالة على التكرار، أو المراد حقيقة التثنية؟ الأول هو المراد؛ أي: أن المعنى: إجابة لك بعد إجابة مثل قوله تعالى: ﴿ثم ارجع البصر كرتين﴾ [الملك: ٤]. المراد: مطلق التعدد؛ أي: كرة بعد كرة، فيشمل إلى ما شاء الله، ومعنى "لبيك": إجابة، وهو واضح في كلام
стр. 616
الناس، إذا دعاك رجل تقول له: لبيك، وقيل المعنى: إقامة من قولهم: ألب في المكان؛ إذا أقام فيه، ولا مانع من أن نقول: إجابة لك وإقامة على طاعتك؛ فيكون شاملًا للمعنيين، "وسعديك" أي: إسعادًا بعد إسعاد، والمراد بـ "سعديك" أي: معونتك وإسعادك؛ أي: أكون سعيدًا، ونقول فيه كما قلنا في "لبيك" أن المراد بذلك: مطلق التكرار لا التثنية.
"والخير كله في يديك" أي: الخير في الدنيا والآخرة كله لله هو الذي يقدره، وهو الذي يعطيه من شاء ويمنعه من شاء على ما تقتضيه حكمته وعدله.
"والشر ليس إليك" يعني: الشر لا ينسب إلى الله ؛ لأن أفعاله كلها خير وليس فيها شرٌّ بوجه من الوجوه، حتى ما يكون من المخلوقات من الشرور فإنه لا يكون شرًّا بالنسبة لإيجاد الله له، "والشر ليس إليك أنا بك وإليك" أنا بك، أي: وجودي بك وقوتي بك وعملي بك، فالباء هنا للاستعانة، "وإليك": الغاية والقصد، ففي الأول استعانة، وفي الثاني إخلاص إليك وحدك لا أرجع لغيرك، "أنا بك وإليك تباركت وتعاليت" تباركت أي: حلت البركة فيك" بمعنى: أن اسمك مبارك وذكرك مبارك وكلامك مبارك، وكل ما يصدر عن الله فإنه مبارك، "فتعاليت" أي: ترفعت مكانًا ومنزلة، وهو أبلغ من قوله: "علوت"؛ لأن فيها- أي: في تعاليت- إشارة إلى الترفع ترفعه عن كل سفور- .
"أستغفرك": أطلب مغفرتك، والمغفرة ستر الذنب والتجاوز عنه، "وأتوب إليك": أرجع إليك من معصيتك إلى طاعتك، وهي بمعنى: أسألك التوبة، فهي خبر بمعنى الدعاء، نرجع إلى فوائد الحديث من قوله: "واهدني لأحسن ... ".
ومن فوائد هذا الحديث: أن النبي ﷺ مفتقر إلى الله- ﵎؛ وذلك بطلب دعائه إياه، ولو كان غنيًّا عن الله ما احتاج أن يدعوه.
ومن فوائد هذا الحديث: أن كل أحد محتاج إلى حسن الأخلاق بل إلى أحسنها؛ لأنه إذا كان النبي ﷺ محتاجًا لذلك فمن دونه من باب أولى.
فإن قال قائل: أو ليس الله تعالى قد قال: ﴿وإنك لعلى خلقٍ عظيمٍ﴾ [القلم: ٤].
فالجواب: بلى، فيقول: إذن ما الفائدة من قوله: "اهدني لأحسن الأخلاق" فنقول:
أولًا: أن النبي ﷺ في هذا الحديث دعا إلى ما هو أكمل مما أخبر الله به عنه: "لأحسن الأخلاق" هذه واحدة.
ثانيًا: أن الدعاء قد يكون المراد به: الثبات على أحسن الأخلاق، وإن كان في الداعي أصل الخلق الحسن، لكن يسأل الله أن يثبته.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا قادر على الهداية لأحسن الأخلاق إلا الله لقوله: "لا يهدي لأحسنها إلا أنت".
ومن فوائده: التوكل على الله بصفاته المناسبة لما يدعو به الإنسان لقوله: "لا يهدي لأحسنها إلا أنت".
ومن فوائد هذا الحديث: أن الإنسان محتاج إلى أمرين بالنسبة للأخلاق: خلو من الأخلاق السيئة، واتصاف بالأخلاق الكاملة، ولهذا قال: "اصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت"، ولا يكمل الإنسان إلا بهذا: بالخلو من الأخلاق السيئة، والاتصاف بالأخلاق الحسنة.
стр. 617
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا بأس بالتلبية في غير الأحرام لقول النبي ﷺ : "لبيك"؛ وذلك لأن "لبيك" بمعنى: أجاب وأقام، وهو في كل عبادة بحسبها، فالذي يقول في دعاء الاستفتاح "لبيك" لا يريد أنه دخل في النسك، يريد أنه لبى الله في غير العبادة، ومن خصال النبي ﷺ وأخلاقه: أنه إذا رأى في الدنيا ما يعجبه قال: "لبيك إن العيش عيش الآخرة"، كلما رأى ما يعجبه. افترض أنك مثلًا رأيت سيارة فخمة أعجبتك ماذا تقول؟ تقول: "لبيك إن العيش عيش الآخرة"، رأى قصرًا أنيقًا أعجبه ماذا يقول؟ يقول: "لبيك إن العيش عيش الآخرة"، فيقول: "لبيك" من أجل أن يجلب نفسه إلى عبادة الله؛ لأن النفس قد تنصرف إلى زهرة الدنيا، ويقول: إن العيش عيش الآخرة، يسلي نفسه أنه إذا فاته عيش الدنيا فالعيش عيش الآخرة، وهذا حق، ولهذا هؤلاء الذين عندهم القصور وعندهم السيارات هل سيخلدون في هذه القصور، هل ستبقى لهم هذه السيارات؟ أبدًا، إذن هذا العيش ليس بشيء، العيش حقيقة هو عيش الآخرة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن النبي ﷺ مفتقر إلى الله تعالى في الإسعاد لقوله: "وسعديك".
ومن فوائده: أن الخير بيد الله، وإذا كان بيد الله فمن تطلب أن يعطيك الخير؟ الله حتى في الأمور التي يكون فيها البشر سببًا اسأل الله، لو أنت مثلًا عند الطبيب ليعالجك لا تجعل قلبك معلقًا بالطبيب وحده، اجعله معلقًا بالله ؛ لأن الخير في يده- .
ومن فوائد هذا الحديث: أن الشرَّ لا يُنسب إلى الله لقوله: "والشر ليس إليك"، وهنا إشكال بل إشكالات:
الأول: إذا قلنا: إن الشر ليس يُنسب إلى الله، فهل نقول: إن الشر غير مُقدر لله؟ قد يقول قائل: إن الشر غير مقدر لله؛ لأن الرسول – ﷺ قال: "الشر ليس إليك". فالمعاصي والفساد والقحط والجدب ليس من تقدير الله؛ لأنه شر، والشر ليس إليه. هذا واحد.
стр. 618
الإشكال الثاني: كيف تجمع بين هذا وبين قول النبي- ﷺ في الإيمان بالقدر: "أن تؤمن بالقدر خيره وشره". والقدر من الله خيره وشره، فأثبت أن في قدر الله شرًّا.
الجواب: أما الأول فنقول: إن النبي- ﷺ قال: "الشر ليس إليك"، ولم يقل: الشر ليس منك، أي: لا يُنسب إليه الشر، فيقال: إن الله شرير حاشاه وكلا، وفرق بين العبارتين، وإذا عرفت الفرق بين العبارتين تبين أنه لا حجة لبعض القدرية الذين يقولون: إن الله مقدر للخير وليس مقدرًا للشر، ويستدلون بهذا الحديث.
نقول: أمعنوا النظر، افهموا العبارة: "الشر ليس إليك" غير "الشر ليس منك" هذه واحدة، أما الجمع بين هذا الحديث وحديث الإيمان بالقدر: "أن تؤمن بالقدر خيره وشره" فنقول: المراد بالشر الذي في الإيمان بالقدر: شر المخلوقات المفعولات لا شر الخالق الفاعل، ففعل الله ليس فيه شر؛ الشر في المفعولات يعني: في المخلوقات؛ يعني: مثلًا خلق الله سِباعًا وثعابين وعقارب كل هذه شرور بالنسبة للإنسان، يخلق الله تعالى الزلازل والصواعق والفيضانات كلها شر بالنسبة للإنسان، لكن بالنسبة لإيجاد الله لها وفعله لها هل هي شر؟ لا؛ والله هي خير عظيم لها فوائد جمة، أشار الله تعالى إلى بعضها في القرآن، قال الله تعالى: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾ [الروم: ٤١].
والرجوع إلى طاعة الله خير عظيم، ﴿ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء﴾ [الشورى: ٣٧] هذا خير أيضًا.
ومن الخير: أن تعلم كمال قدرة الله ؛ حيث خلق للناس ما فيه منفعة عظيمة وكثيرة، انظر إلى الذئب جسمه بالنسبة للبعير صغير كيد من أيديه ومع ذلك انظر ضرره على الخلق وانظر نفع البعير.
قال الله : ﴿ولهم فيها منافع ومشارب﴾ [يس: ٧٣]. فيتبين بذلك قدرة الله كيف خلق من الضار نافع، ومن الحِكم: أن كثيرًا من الناس لا يقرأ الأوراد ولا يلتفت إليها إلا إذا خاف من ذات الشرور، ولولا ذات الشرور ما اهتم بالأوراد ولا بالذكر هذه فائدة، وهناك فوائد أخرى تظهر للمتأمل.
يتبين الآن أن إيجاد الله تعالى لهذه الشرور ليس شرًّا بالنسبة إلى الله، بل هو خير عظيم يظهر للمتأمل، وبذلك صدق قول الرسول ﷺ : "والشر ليس إليك".
هل يجوز أن يقول الإنسان: بيدك الخير والشر؟
الجواب: لا؛ لأنه إذا قال هذا نسب الشر إلى الله، إذا قال هذا خالف ما جاءت به السنة: "الخير في يديك والشر ليس إليك".
стр. 619
ومن فوائد هذا الحديث: أن الإنسان لا تقوم مصالح دينه ودنياه إلا إذا آمن بهذه القضية العظيمة، التي أشار إليها النبي- ﷺ بقوله: "أنا بك وإليك"؛ ففيه الإشارة إلى الاستعانة بالله والإخلاص له بقوله: "أنا بك وإليك".
ومن فوائد هذا الحديث: البركة العظيمة فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته لقوله: "تباركت"، وقد فسرها الإمام محمد بن عبد الوهاب- ﵀ فقال: "تباركت" أي: أن البركة تُنال بذكرك، وهذا لاشك أنه داخل في المعنى، لكن المعنى أعم، فكل ما يصدر من الله فهو خير وبركة ولاسيما في الشرائع، رجل سمَّى الله حين ذبح الذبيحة فكانت حلالًا، والآخر لم يُسم فكانت حرامًا، والفعل واحد، والسكين واحد، وإنهار الدم واحد، والذبح واحد، التي سمَّى عليها الله طيبة- حلال- طاهرة، والثانية خبيثة حرام نجسة، كله بسبب ذكر الله ، إذا سمَّى الإنسان على الأكل بارك الله فيه، وإذا لم يُسم شاركه الشيطان ونُزعت منه البركة، وهلُمَّ جرًّا. تجد البركة في كل ما يتعلق بالله ينبني على هذه الفائدة: ألا تطلب البركة إلا من الله .
ومن فوائد هذا الحديث: تنزه الله- ﵎ عن كل ما لا يليق بجلاله لقوله: "تعاليت" يستدل بها أيضًا على علوه تعالى المكاني، وأنه تعالى فوق كل شيء.
ومن فوائد هذا الحديث: أن النبي- ﷺ وهو المعصوم- يسأل الله المغفرة، ويتفرع منها: أن سؤالنا نحن للمغفرة أشد إلحاحًا؛ لأن الواحد منا لا يدري هل غُفرت له الذنوب أو لم تُغفر، فهو يأتي بالأسباب الموجبة للمغفرة، لكن لا يعلم هل تحصل المغفرة أو لا؛ لأنه قد يكون السبب الذي عُلقت عليه المغفرة في حقه ناقصًا لا يقوى على أن يكون سببًا لمحو الذنوب ومغفرتها.
ومن فوائد هذا الحديث: افتقار النبي- ﷺ إلى مغفرة الله لقوله: "أستغفرك".
ومن فوائد الحديث: أن النبي- ﷺ مفتقر إلى التوبة إلى الله ومَن دونه من باب أولى. انتهى الكلام على هذا الحديث، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا من المتأسين به.
٢٦٠ - وعن أبي هريرة- ﵁ قال: كان رسول الله- ﷺ إذا كبر للصلاة سكت هنيهةً قبل أن يقرأ، فسألته، فقال: "أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد". متفق عليه.
قوله: "إذا كَبَّر للصلاة" أي: إذا قال: الله أكبر، والمراد بذلك: تكبيرة الإحرام، "سكت هُنَيْهَةٌ" أي: سكت سكوتًا قليلًا، فـ "هنيهة" وصف لموصوف محذوف، والتقدير: سكوتًا هنيهة؛ أي: قليلًا "قبل أن يقرأ فسألته". هنا اختصر المؤلف الحديث، وليته لم يصل إلى هذا القدر من
стр. 620
الاختصار، قال أبو هريرة: "بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ "، هذه الجملة التي حذفها المؤلف فيها فوائد، لكن كأن المؤلف- ﵀ يختصر الحديث بقدر ما يريد أن يكون دليلًا عليه وعلى المسائل الفقهية، لكن نقولها: قال: "بأبي أنت وأمي" بأبي متعلق بمحذوف، والتقدير: أفديك بأبي وأمي؛ يعني: أجعل أبي وأمي فداء لك.
"أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ " يعني: أخبرني عن هذا السكوت ما تقول؟ والمراد بالسكوت هنا: عدم الرفع بالصوت، والأصل في السكوت: هو الإمساك عن القول، يقال: تكلم وسكت، ولكن المراد به هنا: عدم رفع الصوت بدليل قوله: "ما تقول". قال: أقول: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب"، "اللهم" يعني. يا الله، "باعد بيني وبين خطاياي" أي: اجعلها بعيدة عني، "كما باعدت بين المشرق والمغرب" وهذا أبلغ ما يكون في البُعد كما قال الله تعالى في القرآن: ﴿حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين﴾ [الزخرف: ٣٨] باعد بيني وبينها حتى لا أفعلها؛ لأنها بعيدة المنال، و"الخطايا" جمع خطيئة، وهي ما خَطئ به الإنسان؛ أي: فعله عن عمد، وأما ما أخطأ به فهو ما فعله عن غير عمد.
"اللهم نقني من خطاياي كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس" هذه الخطايا المتلبس بها.
"نقني منها" أي: خلصني منها، "كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس". وخصَّ الثوب بالأبيض؛ لأن الأبيض يظهر عليه أثر الدنس أكثر مما يظهر على غيره، ولهذا تجد الإنسان في الشتاء إذا لبس ثياب الشتاء السوداء متى يغسل الثوب بعد كم؟ بعد شهر، وإذا لبس البياض في الصيف يغسله كل أسبوع؛ لأن الأبيض يؤثر فيه الوسخ أكثر من غيره، ويظهر فيه أثر الوسخ أكثر من غيره، فلهذا قال: "كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس" هذا تنقية الإنسان من الذنوب.
قال: "اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبَرَد" هذا الغَسل يزيل الأثر نهائيًّا فهنا خطايا لم يتلبس بها الإنسان، فماذا يقول؟ باعد بيني وبينها، خطايا تلبس بهذا وتلطخ بها يقول: "اللهم نقني من خطاياي" تنقى منها: تخلص، وتركها يحتاج إلى غسل يزيل أثرها بالكلية، انظر للترتيب، ترتيب طبيعي مناسب للواقع.
وقوله: "بالماء" معروف، "الثلج": تجمد الماء، "البرد": هو الثلج النازل من السحاب، كونها تُغسل بالماء ليس فيه إشكال؛ لأن الماء مزيل، لكن البَرَد والثلج أيهما أشد إزالة الماء الحار أو الثلج والبرد؟ الماء الحار، لكن القضية ليست قضية ثوب يُغسل لكنها قضية ذنوب، والذنوب في الأصل حارة وعقوبتها النار، والشيء إنما يُداوى بضده، فلذلك ذكر الثلج وذكر البرد.
هذا الحديث- كما رأيتم- حديث تستفتح به الصلاة بعد تكبيرة الإحرام، فإذا أضفناه إلى ما سبق وإلى ما يلحق تبين أن الاستفتاح له أنواع كما سيذكر- إن شاء الله- في الفوائد.
стр. 621
من فوائد هذا الحديث: مشروعية التكبير عند الدخول في الصلاة، وهذه تكبيرة الإحرام، وقد سبق أنها ركن من أركان الصلاة، وأنه لا يدخل الإنسان في صلاته إلا بها لا في الفريضة ولا في النافلة، فلو نسي أن يكبر لم تنعقد الصلاة، لا نقول: بطلت صلاته، بل لم تنعقد صلاته، والفرق بين قولنا: لم تنعقد الصلاة وقولنا: بطلت؛ أن بطلت فيما صح أولًا ثم طرأ عليه البطلان، وأما لم تنعقد فهو لم يصح ابتداءً.
ومن فوائد الحديث: مشروعية الإسرار بالاستفتاح لقوله: "سكت هنيهة".
ومن فوائده: أن السكوت يطلق على القول الذي لا يُسمع مع أنه- أي: القائل المتكلم- تكلَّم ولم يسكت.
ومنها: أن الصلاة ليس فيها سكوت بل كلها ذكر، دليل ذلك أن أبا هريرة- ﵁ سأل النبي- ﷺ ماذا يقول؟ ولم يقل لِمَ سكت؟ قال: ماذا تقول؟ وهو دليل على أن الصلاة ليس فيها سكوت مطلق بل لابد فيها من ذكر.
ومن فوائد هذا الحديث: تأدب الصحابة- ﵃ مع النبي؛ لأن أبا هريرة قدَّم ما يفيد الأدب في قوله: "بأبي أنت وأمي، أرأيت سكوتك".
ومن فوائد هذا الحديث: جواز فداء النبي- ﷺ بالأبوين، لأن النبي- ﷺ أقرَّه على ذلك، فالدليل هو إقرار النبي- ﷺ على ذلك، وهل يُفدى الأبوان بغير النبي- ﷺ ؟ الجواب: نعم، إذا كان هذا الذي افتديته بالأبوين له مقام في الإسلام من علم أو مال أو ما أشبه ذلك.
ومن فوائد هذا الحديث: مشروعية الاستفتاح بهذا الدعاء؛ لأن النبي- ﷺ كان يستفتح به، وهل يُقال: إنه خاصٌّ بالصلاة الجهرية، أو يقال: كما ثبت في الصلاة الجهرية ثبت في السرية؟ الثاني، لكن لما كانت الصلاة السرية لا يُجهر فيها بشيء لم يكن مستغربًا أن يسكت بين القراءة والتكبير.
إذا قال قائل: كيف نجمع بين هذا الحديث والأحاديث الأخرى التي تدل على أن النبي- ﷺ يستفتح بغير ذلك؟
فالجواب: أن هذا من تنوع العبادات، وتنوع العبادات أنواعًا، منها ما يكون التنوع فيه في أذكارها، ومنها ما يكون التنوع فيه في أعدادها، ومنها ما يكون التنوع فيه بأوقاتها حسب ما يقتضيه الحال، فمثلًا صلاة العشاء كان النبي- ﷺ تارة يُقدمها وتارة يؤخرها بحسب الحال، الوتر تارة يوتر بخمس، أو سبع، أو تسع، أو إحدى عشرة هذا تنوع بالعدد، التنوع بأذكارها الاستفتاح في التشهد، الذكر بعد الرفع من الركوع هذا متنوع بأذكارها.
فإذا قال قائل: ما هو الجواب عن هذا الحديث مع أحاديث أخرى تدل على الاستفتاح بغيره؟
стр. 622
فالجواب: أن هذا من باب تنوع العبادات، ثم هل يقتصر الإنسان على نوع منها أو يفعل هذا مرة وهذا مرة، أو يجمع بينها؟ نقول: الأفضل أن يفعل هذا مرة وهذا مرة، وألا يجمع بينها إذا دلَّ الدليل على هذا، وأما من تمسك بنوع منها واقتصر عليه فهذا على خير لاشك، لكن تمام التأسي بالرسول- ﷺ أن يفعل هذا مرة وهذا مرة.
وفي فعل العبادات المتنوعة على وجوهها فوائد ثلاث:
الفائدة الأولى: تمام التأسي بالنبي- ﷺ .
والفائدة الثانية: أحْضَر للقلب؛ لأنه لو لزم شيئًا واحدًا صار يقوله بغير حضور قلب.
الثالثة: أحفظ للسُّنة. هذه ثلاث فوائد في كون الإنسان يفعل العبادات المتنوعة التي جاءت على وجوه تارة هذه وتارة هذه، لكن ما أمكن جمعه فإنه يُجمع كأذكار الصلوات بعد التسليم هذه وردت بهذا وبهذا وبهذا، ولكن العلماء قالوا: إنه يُجمع بينها ولا يُقتصر على نوع لإمكان الجمع، والجمع بينها مع إمكانه أحوط في التأسي بالنبي- ﷺ ؛ لأنه قد ينقل عنه بعض الصحابة ما لم يسمعه الآخر، فالاحتياط أن يأتي بكل ما ورد متى أمكن الجمع.
إذا قال قائل: ألا يمكن الجمع في أدعية الاستفتاح؟
فالجواب: لا يمكن؛ لأن أبا هريرة لما سأل النبي- ﷺ ما تقول؟ قال: أقول كذا، وهذا يدل على أنه لا جمع.
ومن فوائد هذا الحديث: ما دلَّ عليه هذا الاستفتاح من الأدعية العظيمة وهو:
أولًا: المباعدة بين الإنسان وبين الذنوب: "اللهمَّ باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب"، وهذا قبل الفعل.
والثاني: "اللهمَّ نقني من خطاياي كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس"، فيشرع الدعاء بهذه الجملة لأجل تنقية الإنسان من الذنوب، وهذا دون الأول.
ثالثًا: أنه ينبغي الدعاء بالجملة الأخيرة: "اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد" وبذلك يعود ثوب الإنسان نظيفًا.
ومن فوائد هذا الحديث: أن النبي- ﷺ قد يُخطئ؛ لأنه قال: "اللهم نقني من خطاياي"، "اللهم اغسلني من خطاياي"، لو كان الدعاء مقصورًا على الجملة الأولى "اللهم باعد" لقلنا: إن هذا لا يدل على أنه يُخطئ، لكن لما جاءت "نقني" و"اغسلني" دل هذا على أنه يُخطئ، ولكن الله تعالى أجاب دعاءه فغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
فلو قال قائل: إذا كان قد غُفر له ما تقدم وما تأخر فما فائدة الدعاء؟
стр. 623
فالجواب من وجهين:
الأول: أن الدعاء نفسه عبادة.
والثاني: أنه قد يكون من أسباب مغفرة ذنوبه ما تقدم منها وما تأخر: أدعيته التي يكررها دائمًا- ﵊، كما أننا الآن أخبرنا الله- أنه يصلي هو ملائكته على النبي- ﷺ ومع ذلك أمرنا أن نصلي عليه، لكن مع الفرق بين هذا والذي قبل: أن صلاتنا على النبي- ﷺ منفعتها لنا أكثر، فهو من مصلحتنا ومنفعتنا من صلى عليه مرة واحدة صلى الله عليه بها عشرًا.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الأشياء تداوى بضدها لقوله: "بالماء والثلج والبرد" وآثار الذنوب العقوبة بالنار وهي حارة فناسب أن يكون الغَسل بالماء والثلج والبرد، وهذا هو الموافق للفطرة والطبيعة أن الأدواء تعالج بأضدادها، ولهذا قال النبي- ﷺ "الحمى من قيح جهنم فأبردوها بالماء". الحمى: حمى البدن سخونة قال: "أبردوها بالماء البارد"، والماء البارد يزيلها وهذا مجرب، مع أن المريض لاشك أنه يتعب جدًّا ويتأذى به لكن يصبر؛ لأن الحمى إذا مس الإنساء ماء ساخنًا تأذى به، لكن يُقال: هذا دواء، فكما أن تشرب دواءً مرًّا وتصبر على مرارته أو دواء كريه الرائحة وتصبر، فاصبر على برودة هذا فإنه شفاء، يوجد بعض الناس بجعل المريض أمام المكيف من أجل أن يبرد، ولكن هذا قد يكون له سلبيات، إنما لو أتيت بخرقة نظيفة ووضعتها على وجه المريض أو كمادات لنفع بذلك نفعًا عظيمًا، قصدي من هذا المثال أن الأدواء تُقابل بضدها.
٢٦١ - وعن عمر- ﵁ أنه كان يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك ولا إله غيرك". رواه مسلم بسند منقطع، ورواه الدارقطني موصولًا وموقوفًا.
"موصولًا وموقوفًا" يعني: عن عمر: هذا الاستفتاح كان عمر يجهر به يُعلمه الناس كما جهر ابن عباس- ﵁ في قراءة الجنازة وقال: ليعلموا أنها سُنة، فكان عمر- ﵁ يقرأ هذا الاستفتاح ويجهر به؛ لأنه ثناء على الله- ثناء محض، لكن الثناء على الله متضمن للدعاء في الواقع؛ لأن المُثنى على الله ماذا يريد؟ يريد الثواب، فهو متضمن للدعاء.
قوله: "سبحانك اللهم" تنزيه الله تعالى عن كل ما لا يليق به من أوصاف العيوب أو مماثلة المخلوقين، والله- منزه عن أمور ثلاثة:
الأول: عن كل صفة نقص كالعمى والصمم والخرس وما أشبه ذلك، هذا وكل صفة نقص فالله تعالى مُنزه عنها.
стр. 624
الثاني: كل نقص في صفاته- يعني: صفات الكمال- لا يمكن أن يلحقها نقص؛ فقوته لا يلحقُها ضعف، وقدرته لا يلحقها عجز، وعلمه لا يسبقه جهل ولا يلحقه نسيان. كل صفات الكمال التي اتصف بها- جل وعلا- فإنه منزه عن نقصها، ليس فيها نقص بكل حال من الأحوال، حياته لم تسبق بعدم ولا يلحقها فناء، وهلُمَّ جرًّا.
الثالث: مماثلة المخلوقين؛ منزه عن مماثلة المخلوقين سمعًا وعقلًا، قال الله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١]. وقال تعالى: ﴿هل تعلم له سميا﴾ [مريم: ٦٥]. وقال تعالى: ﴿ولم يكن له كفوًا أحد﴾ [الإخلاص: ٤]. وقال تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون﴾ [البقرة: ٢٢]. والنصوص في هذا كثيرة.
إذن متنزه عن أمور ثلاثة، فإن قال قائل: الثالث داخل في ضمن الأول؛ لأن مماثلة المخلوق عيب. قلنا: لكن النص عليها أولى؛ حتى لا يظن الظان أن الكمال في المخلوق كالكمال في الخالق!
"سبحانك اللهم" اللهم يعني: يا الله، وسبق الكلام عليها، "وبحمدك" قيل: المعنى: وبحمدك سبحت، فيكون هذا ثناء على الله وحمدًا لله أن وفق القائل بالتسبيح. إذا قيل إن التقدير: وبحمدك سبحت، ولكن هذا قول ضعيف، والصواب أن الباء للمصاحبة، وأن الواو من باب عطف الصفات بعضها على بعض، والمعنى: ومع تسبيحي إياك أحمدك؛ فيكون في الأول نفي النقص، ويكون في الثاني إثبات الكمال، ولاشك أن هذا أعلى من الأول، المعنى: أن الإنسان إذا قال: "سبحانك اللهم وبحمدك" فقد جمع لله بين نفي ما لا يليق به وإثبات كماله- وذلك بحمده، فالباء للمصاحبة، والواو من باب عطف الصفات مثل: ﴿سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى * والذي أخرج المرعى﴾ [الأعلى: ١ - ٤].
"وتبارك اسمك" يعني: اسم الله- مُبارك ما خالط شيئًا إلا نزلت فيه البركة، وهل المراد: كلمة اسم الله، أو كل اسم الله؟ الثاني؛ لأن "اسم" هنا مفرد مضاف فيعمُّ، كل أسماء الله فيها بركة، ولذلك نتوسل إلى الله تعالى بها، فنقول: يا رحمن ارحمنا، يا غفور اغفر لنا، ولولا أن فيها بركة ما صحَّ أن نتوسل إلى الله تعالى بها، هذه معنى "تبارك اسمك".
ومن بركات اسم الله- : أنه لو سمى الإنسان على الذبيحة حلَّت ولو ترك التسمية لم تحل، ومن بركته: أن الإنسان إذا أتى أهله وقال: "باسم الله، اللهمَّ جنبني الشيطان وجَنِّب الشيطان ما رزقتنا، ثم قُدِّر بينهما ولد لم يضرَّه شيطان أبدًا". والأمثلة على ذلك كثيرة.
"وتعالى جدُّك" "تعالى": تَرفَّع وعَظُمَ، وقوله: "جدك" أي: غناك؛ لأن الجد بمعنى: الغنى، وربما يكون أوسع من هذا المعنى يكون الغنى والقوة وما أشبه ذلك، ومنه قول الذاكر: "ولا
стр. 625
ينفع ذاك الجدِّ منك الجدُّ"، "وتعالى جدك، ولا إله غيرك" أي: لا معبود حق غير الله، والمعبودات من دونه باطلة. قال الله تعالى: ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير﴾ [الحج: ٦٢].
من فوائد هذا الحديث: أنه يُسن الاستفتاح بهذا الذكر، دليله إن شئت فقل: فعل النبي- ﷺ وإن لم تطمئن لذلك لكون الإسناد منقطعًا، فقيل: دليله فعل أمير المؤمنين عمر، وقد قال النبي- ﷺ : "عليكم بسنتي وسُنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي"، ونحن نُشهد الله أن عمر- ﵁ منهم؛ فإذا جاءت سُنة عن أبي بكر، أو عمر، أو عثمان، أو علي ولم تأتِ سُنة نبوية بخلافها كانت سُنة نبوية، يعني: ليست كفعل الرسول، لكن سُنة أمرنا النبي- ﷺ باتباعها: "عليكم بسنتي وسُنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي"، أما إذا جاءت السُّنة النبوية بخلافها فلاشك أن الأصل مُقدَّم على الفرع، ولهذا احتَّج بعض الناس في صلاة التراويح، وقال: ثلاثًا وعشرين سُنة عمر، ماذا نقول؟ نقول: سُنة النبي- ﷺ أفضل، ثم هل صح هذا عن عمر، من يقول أنه صح عن عمر؟ غاية ما هنالك حديث يزيد بن رومان أن الناس كانوا يقومون في رمضان بثلاثٍ وعشرين: وهذا على ما فيه من انقطاع لا يصح إضافته لعمر؛ لأنه مضاف إلى زمن عمر، وعمر ليس كالنبي- ﷺ ما فُعل في عهده فهو حُجة، يعني: عمر قد تخفى عليه هذه السُّنة، وليس هناك وحي يُقوِّم ما اعوج مع أنه- ﵁ صحَّ عنه- الموطأ- بأصح إسناد أنه أمر أُبي بن كعب، وتميم الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، وهذا لاشك أصلب بكثير من حديث يزيد بن رومان؛ لأن من البعيد جدًّا جدًّا جدًّا أن يُخالف عمر هَدْي النبي- ﷺ .
على كل حال نعود للحديث: نقول: هذا إن صحَّ عن النبي- ﷺ أنه استفتح بهذا الدعاء، وإن لم يصح فهو سُنة عمر- ﵁ وعمر له سُنة متبعة.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي للقدوة والأسوة في عباد الله أن يجهر بما يخفى على الناس؛ لأن عمر كان يجهر به كما جهر ابن عباس بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة وقال: "ليعلموا أنها سنة"، وهل من ذلك ما جاء عن أبي قتادة أن النبي- ﷺ كان يسمعهم في صلاة الظهر أو العصر القراءة أحيانًا؟ نعم، قد يقال: هذا منه حتى يعرفوا أنه يقرأ سورة مع الفاتحة، وقد يقال: ليس منه، لكن النبي- ﷺ يريد أن يوقظهم بعض الشيء؛ لأن الإمام إذا أراد الصلاة السرية قد يسهى المصلون، فإذا رفع صوته أحيانًا صار هذا كالتنبيه.
стр. 626
أسئلة:
ما معنى: "سبحانك اللهم وبحمدك"؟
"لا إله غيرك" أين الخبر؟
هل فعل عمر حُجة؟
هل نجمع بين هذا الدعاء والذي قبله؟
ومن فوائد هذا الاستفتاح: تنزيه الله- ﵎ عن كل ما لا يليق به لقوله: "سبحانك".
ومن فوائده: إثبات الكمالات لله- لقوله: "وبحمدك"؛ لأن الحمد هو وصف المحمود بالكمال سواء كان على وجه الكمال المُتعدي أو اللازم.
ومن فوائد هذا الحديث: أن اسم الله- ﵎ مُبارك، يعني: أنه تحل البركة بذكره لقوله: "وتبارك اسمك".
ومن فوائده: أن عظمة الله- ﵎ فوق كل عظمة وغناه فوق كل غنى لقوله: "وتعالى جدك".
ومن فوائده: انفراد الله- ﵎ بالألوهية، وأنه لا إله غيره، وكل ما سواه باطل.
ومن فوائد هذا الحديث: مشروعية الاستفتاح بهذا الذكر، فيكون من باب العبادات المتنوعة، والصحيح في هذه المسألة: أن في العبادات المتنوعة أن الإنسان يفعل هذا تارة وهذا تارة، وقد بيَّنا فوائد ذلك، وهو واضح والحمد لله.
الاستعاذة ومعناها:
٢٦٢ - ونحوه عن أبي سعيد الخدري- ﵁ مرفوعًا عند الخمسة وفيه: وكان يقولو بعد التكبير: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه، ونفخه، ونفثه".
"أعوذ" بمعنى: أعتصم، والعوذ إنما يكون مما يخاف منه ويُكره، وأما "ألوذ" فهي فيما يُؤمل ويُرجى، فالعوذ: فرار: واللياذ: إقبال؛ لأن العوذ مما يخاف منه، واللياذ: مما يرغب فيه، وعليه قول الشاعر [البسيط]:
يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به مما أحاذره
لا يجبر الناس عظمًا أنت كاسره ... ولا يهيضون عظمًا أنت جابره
стр. 627
وهو يخاطب بشرًا بما لا يليق إلا بالله- لكن هكذا الشعراء يُغالون في القدح ويغالون في المدح: ﴿والشعراء يتبعهم الغاون * ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون * إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٤].
إذن "أعوذ بالله": أعتصم به، "السميع" أي: المتصف بالسمع، وسمعُ الله- ﵎ نوعان: سمع إجابة، وسمع إدراك، وهو في هذا يشمل الأمرين جميعًا، وتفاصيل ذلك أظنها لا تحتاج إلى إعادة، لأنها معلومة لكم، "العليم" أي: ذو العلم، وعلم الله- ﵎ محيط بكل شيء جملةً وتفصيلًا سابقًا ولاحقًا وحاضرًا، وآيات إثبات علم الله- كثيرة وهو من صفات الكمال، وإنما ذُكرا هذان الاسمان، لأن "السميع" بمعنى: المجيب مناسب تمامًا لقولك: "أعوذ"، و"العليم" كذلك مناسب لقولك: "أعوذ"؛ لأن ما من مُعيذ إلا وعنده علم كيف يعيذ.
"من الشيطان الرجيم"، "الشيطان" هو إبليس، مشتقٌّ من: شَطَنَ إذا بَعُد؛ لأنه- أعني: الشيطان- بعيد من رحمة الله- والعياذ بالله-، ويدل على أنه مشتق من شَطَنَ أنه متصرف كما قال- : ﴿وحفظناها من كل شيطان رجيم﴾ [الحجر: ١٧].
إذن هو مشتق من شَطَنَ إذا بَعُد لبعده عن ﵀، والمراد به: الجنس لا الشيطان المعني الذي أبى أن يسجد لآدم، وقوله: "الرجيم" تصلح أن تكون بمعنى: المرجوم، وتصلح أن تكون بمعنى: الراجم؛ لأن (فعيلًا) تأتي بمعنى (فاعل)، وتأتي بمعنى (مفعول)، وعليه فنقول: إذا كانت بمعنى الرجم، فالمعنى: أنه يرجم بني آدم بالمعاصي ويحملهم عليها حملًا، وإذا قلنا: بمعنى مفعول، أي: مرجوم؛ لأنه مطرود بعيدٌ من رحمة الله- .
"من همزه ونفخه ونفثه" هذه ثلاثة أشياء: الهمز، والنفخ، والنفث، "الهمز" قيل: إنه اسم للجنون؛ لأن الشيطان قد يُصيب الإنسان بالجنون.
وأما "النفخ" فمن الكبر، واشتقاقه ظاهر؛ لأن الإنسان إذا أصيب بالكبر- والعياذ بالله- انتفخ الشيطان، ينفخ الإنسان حتى يكون مستكبرًا.
وأما "النفث" فقيل: إنه الشعر؛ لأن الشعراء يتبعهم الغاوون، قال الله- : ﴿هل أنبئكم على من تنزل الشياطين * تنزل على كل أفاك أثيم * يلقون السمع وأكثرهم كاذبون﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٣] فيه احتمال في ذهني لكن ما رأيته، إن المراد بالهمز يعني: اللمز الخفيف الذي يحمل الإنسان على المعصية، والنفخ يعني: شدة الأمر بالمعصية، والنفث أشدُّ، لكنني لم أر هذا، ومن اطلع عليه في اللغة أو غريب الحديث فليخبرنا به، أما المشروع فكما سمعتم أولًا لو حدث للإنسان هذا فلا بأس.
وقوله: "بعد التكبير" أي: بعد التكبير والاستفتاح، وإنما احتجنا لهذا التقدير؛ لأن الاستعاذة إنما تكون عند القراءة، والقراءة لا تكون إلا بعد الاستفتاح.
стр. 628
فمن فوائد هذا الحديث: الذي زاده أهل السنن: استحباب هذا الذكر "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ولمزه ونفثه"، فإن اقتصر على "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" أجزأ، لكن هل تجب الاستعاذة أو لا؟ يعني: هل تجب سواء كانت في الصلاة، أو خارج الصلاة؟ الجمهور على أنها ليست بواجبة، وذهب بعض أهل العلم إلى أنها واجبة؛ لأن الله أمر بها فقال: ﴿فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم * إنه ليس له سلطان على الذين ءامنوا وعلى ربهم يتوكلون * إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٠]. قالوا: فإن الله أمر ثم قال: ﴿إنه ليس له سلطان﴾، وفي هذا إشارة إلى أنه إذا لم يستعذ الإنسان فقد يُسلط الشيطان عليه، والقول بوجوب التعوذ عند قراءة القرآن قول قوي لا شك؛ أولًا: لأن الله أمر به.
ثانيًا: لئلا يحول الشيطان بينك وبين تدبر القرآن، والنشاط في قراءته؛ لأن الإنسان عند قراءة القرآن يبتلى بأمرين: إما الكسل وعدم الاستمرار فيه، وإما عدم التدبر، فإذا استعذت بالله من الشيطان الرجيم؛ حماك الله منه ووفِّقت للاستمرار في القراءة والتدبر.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الاستعاذة من الأمور الخفية لا تكون إلا بالله، انتبه للقيد: "من الأمور الخفية"، الاستعاذة من الأمور الحسية تكون بالله وبغيره، ولكنها لا تكون بمن لا يمكن أن يُعيذ، الاستعاذة من الأمور الخفية لا تكون إلا بالله؛ لأنه لا يقدر عليها إلا الله كالاستعاذة من الشياطين.
الاستعاذة من الأمور الحسية تكون بالله وبغيره بشرط أن يكون المستعاذ به قادرًا على الاستعاذة، أما إذا كان غير قادر فلا، فلو استعاذ الإنسان بصاحب القبر من شخص تسور عليه بيته فهذا شرك، لماذا؟ لأنه لا يقدر، ولولا اعتقاد هذا المستعيذ بأمر خفي سري يعتقده في هذا القبر ما فعل، استعاذ هذا الرجل بجاره حين قفز عليه السارق يجوز أو لا؟ يجوز، ولهذا جاء في الحديث: "من وجد مُعاذًا فَلْيَعذ به" لما ذكر ما ذكر من الفتن قال: "مَنْ وجد مُعاذًا فليعذبه"، هذا حكم الاستعاذة، الاستغاثة نفس الشيء، إذا استغاث عن شيء خفي لا يمكن أن يُغيث منه المخلوق فهذا لا يجوز إلا لله وحده إن استغاث على دفع شيء محسوس فهذا جائز بشرط أن يكون المستغاث به قادرًا.
ومن فوائد هذا الحديث: إثبات هذين الاسمين الكريمين من أسماء الله وهما: "السميع"، و"العليم" وما تضمناه من وصف.
ومن فوائد الحديث: الحذر من الشيطان من وجهين:
أولًا: لأننا أمرنا بالاستعاذ بالله منه.
стр. 629
والثاني: بانه وصف بأنه "رجيم" يرجم الإنسان بالمعاصي.
ومن فوائد هذا الحديث: أن للشيطان هَمزًا ونفخًا ونفثًا، ولولا أن له ذلك ما صح أن يستعاذ من هذه الثلاثة.
أخيرًا: ما موقع "من همزه ونفخه ونفثه" مما قبلها؟ ارتباطها بالإعاذة العامة.
أوضاع منهي عنها في الصلاة:
٢٦٣ - وعن عائشة- ﵂ قالت: "كان رسول الله- ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة: بـ ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ [الفاتحة: ٢]. وما كان إذا ركع لم يشخص رأسه، ولم يصوبه ولكن بين ذلك، وكان إذا رفع من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائمًا، وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالسًا، وكان يقول في كل ركعتين التحية، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى، وكان ينهى عن عقبة الشيطان، وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع، وكان يختم الصلاة بالتسليم". أخرجه مسلم وله علة.
قولها: "يستفتح الصلاة بالتكبير" أي: يبدأ بقوله: "الله أكبر"، والصلاة هنا عامة تشمل الفريضة والنافلة وذات الركوع وما ليس فيها ركوع.
وقولها: "بالتكبير" أي: يقول: "الله أكبر"، و"القراءة" في إعرابها وجهان: النصب، والجر، فعلى قراءة الجر يسقط الاستفتاح، يكون معنى الحديث: يستفتح الصلاة بالتكبير وقراءة الحمد لله رب العالمين، وعلى قراءة النصب "والقراءة" أي: يستفتح القراءة بـ ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ وعلى هذا لا يمنع أن يكون قبلها استفتاح، ولهذا ترجح رواية النصب القراءة بـ "الحمد لله رب العالمين"، الحمدُ كيف كان بـ "الحمدُ" والباء حرف جر؟ القراءة بالحمدُ لله رب العالمين" أي: بهذه السورة، وعليه نقول: "الباء" حرف جر، و"الحمد لله رب العالمين" مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة التي منع من ظهورها الحكاية ... إلخ السورة، هذه السورة هي سورة الفاتحة، وسميت سورة الفاتحة؛ لأنه افتتح بها القرآن الكريم، وليس لأنها أول ما نزل؛ لأن الآيات الأربع في سورة ﴿اقرأ﴾ هي أول ما نزل، هذه السورة لها خصائص عجيبة:
أولًا: أنها أعظم سورة في القرآن.
وثانيًا: أن قراءتها ركن لكل صلاة لا تصح الصلاة إلا بها.
стр. 630
وثالثًا: أنها رقية من كل مرض، أي مرض اقرأ عليه الفاتحة؛ لأن النبي- ﷺ قال: "وما يدريك أنها رقية"، وأطلق كل مرض اقرأ عليه الفاتحة، لكن بصدق تجد الأثر.
﴿الحمد لله رب العالمين﴾، الحمد، هو وصف المحمود بالكمال، وليست ثناء على الله بالجميل الاختياري كما هو معروف في بعض الكتب؛ لأن الذي يمنع من قولنا: الثناء ما جاء في الحديث الصحيح: "إن الإنسان إذا قال: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: ﴿الرحمن الرحيم﴾، قال: أثنى علي عبدي".
إذن المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، واللام في قوله "لله" للاستحقاق وللاختصاص، للاستحقاق باعتبار الحمد هو المستحق، والاختصاص هو الحمد كله. من أين عرفنا الحمد كله؟ من "أل" الدالة على الاستغراق، الاختصاص من اللام في قوله: "لله" و"الله" عَلَمٌ على رب العالمين لا يُسمى به غيره، "رب العالمين" هذا نعت، يعني: وصفًا، ولكنه كالتعليل لما سبق وهو ألوهية الله- فهو مستحقٌّ للألوهية؛ لأنه رب العالمين، أي: خالقهم ومالكهم ومدبرهم، والمراد بـ "العالمين" هنا: ما سوى الله، وسُمُّوا عالمين من العلم، لأنهم عَلم على الله- ففي كل المخلوقات آية لله رب العالمين كما قال الناظم [المتقارب]:
فيا عجبًا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد
فالخلق كله علم على الله، وإن شئت تأمل في نفسك تجد العجب العجاب، في الصفات المعنوية والصفات الخلقية والصفات الخلقية تجد العجب العجاب، لو سألت الأطباء ما في هذا البطن من المعامل المكررة للطعام يدخل الطعام أصنافًا مصنفة ويخرج صنف واحد، ويدخل فيه القاسي واللين ويخرج على صفة واحدة، هذا المعامل في الحقيقة لها أقوام توزع هذا يذهب هنا وهذا يذهب هنا، شيء عجيب، ولهذا قال الله- : ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾ [الذاريات: ٢١]. خذ كل شيء، وما أحسن أن تطالع لهذا الغرض كتاب "مفتاح دار السعادة" لابن القيم- ﵀ تجد العجب العجاب.
إذن "العالمين" جميع المخلوقات سُمُّوا بذلك؛ لأنهم عَلَم على خالقهم- جل وعلا-، "الرحمن الرحيم" ما أحسن هذا الوصف بعد قوله: "رب العالمين" للإشارة إلى أن ربوبيته- -
стр. 631
مبنية على الرحمة لا على التأسف والخطأ والخطل والزلل بل على الرحمة، "الرحمن" باعتبار الوصف، و"الرحيم" باعتبار الفعل.
"الرحمن" باعتبار قيام الرحمة به، وأنها رحمة واسعة، ولهذا جاء على هذا الوجه "رحمن" على وزن فَعْلان، وهذا الوزن في اللغة العربية يدل على الامتلاء والسعة كما يقال: غضبان أي: ممتلئ غضبًا، سكران ممتلئ سكرًا، وما أشبه ذلك.
"الرحيم" باعتبار الفعل بمعنى: راحم، وقد فسر بعض أهل العلم "الرحمن": ذو الرحمة العامة، و"الرحيم": ذو الرحمة الخاصة بالمؤمنين، لقوله تعالى: ﴿وكان بالمؤمنين رحيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]. ﴿مالك يوم الدين﴾ وفي قراءة: ﴿ملك﴾ والقراءتان كل واحدة تحمل معنًى؛ فـ "مالك" من المُلك وهو التصرف، و "مَلِك" من الملكوت وهو السلطان، فإذا جمعت القراءتين نتج من ذلك أن الله تعالى مَلِك مالك، في المخلوقات ملك لكن ليس بمالك. الملك غير المالك بالمعنى العام هو الذي ليس له سلطة في مملكته، السلطة لغيره والتدبير لغيره، لكن يُسمى مَلِكًا بالوراثة هذا مَلِك لكن غير مالك، يوجد الآن في بريطانيا التي تُسمى العظمة ملكةٌ مالكة أم غير مالكة؟ غير مالكة، وزوجها الذي يسمى ملك غير مالك، ويوجد مالك غير ملك كل واحد منكم معه كتاب هو مالك له ولكنه ليس مَلِكًا.
و"يوم الدين" هو يوم الجزاء؛ لأن الدين تارة يُطلق على العمل، وتارة يُطلق على الجزاء، قال الله- ﵎: ﴿لكم دينكم ولي دين﴾ [الكافرون: ٦]. هذا دين العمل، وقال الله تعالى: ﴿وما أدراك ما يوم الدين * ثم ما أدراك ما يوم الدين * يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله﴾ [الانفطار: ١٧ - ١٩]. وهذا يبين الجزاء، ومن الأمثال السائرة: "كما تدين تدان" أي: كما تعمل تُجازى.
فـ "مالك يوم الدين" أي: مالك يوم القيامة، وخص ملكه بهذا اليوم؛ لأنه في هذا اليوم تتلاشى جميع الملكوتات لا مَلِك، لا أحد في هذا اليوم، يستوي الملك ويستوي أدنى واحد من رعيته، بل من كان أكرم عند الله فهو أعلى وأكبر، يقول الله- في ذلك اليوم: ﴿لمن الملك اليوم لله الواحد القهار﴾ [الانفطار: ١٦]. يجيب نفسه؛ لأنه لا ملك لأحد في ذلك اليوم، الملك كله لله- ، وإلا فمن المعلوم أن الله مالك يوم الدين ومالك الدنيا أيضًا كما قال- : ﴿قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه﴾ [المؤمنون: ٨٨].
﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ إياك نعبد؛ أي: لا نعبد إلا إياك، ووجه كونها بهذا المعنى: أنه قُدم المعمول وهو "إياك" وتقديم المعمول على عامله يدل على الحصر، بل القاعدة أعم من هذا وهي "تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر"، والعبادة هي التذلل لله- مع المحبة والتعظيم، مأخوذ من قولهم: طريق مُعَبَّد أي: مذلل للسالكين، ونحن نقول بدله: طريق
стр. 632
مزفلت، فالطريق المعبد المذلل للسالكين اشتق منه العبادة أن الإنسان يقوم بعبادة الله تعالى تذللًا له ومحبة وتعظيمًا هذه لله.
﴿وإياك نستعين﴾ أي: نطلب العون منك لا من غيرك؛ أي: نطلب أن تعيننا على جميع أمورنا في الدنيا والآخرة، ولهذا حذف المستعان عليه لإفادة التعميم. "وإياك نستعين" نقول فيها بالنسبة للاختصاص كما قلنا في "إياك نعبد" أي: لا نستعين إلا إياك.
فإن قال قائل: ألسنا نستعين بغير الله؟
فالجواب: نستعين به على أنه سبب لا على أنه مستقل، واستعانتنا بالسيد استعانة بالله تعالى؛ لأننا نعلم أن الله تعالى إذا لم يُسخر هذا الرجل الذي استعنا به لم ينفعنا بشيء، فحقيقة الاستعانة بالمخلوق أنها استعانة بالله خالقه- ؛ لأنه هو الذي يُسخر لمن استعانه، ومع هذا نقول: الاستعانة المطلقة في كل شيء لا تكون إلا لله- .
﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ اهدنا الصراط: الهداية هنا يراد بها: هداية الإرشاد والعلم وهداية التوفيق والطاعة، ودليل ذلك حذف حرف الجر، أي: أنك لم تقل: "اهدنا إلى الصراط المستقيم" فيكون المعنى: اهدنا إليه وفيه، اهدنا إلى هذا العلم وفيه، هذا التوفيق، و"الصراط المستقيم" هو دين الإسلام، وسُمي صراطًا؛ لأنه طريق واسع يسع كل من يدخله، قيل: والصراط لا يكون صراطًا إلا إذا كان طريقًا واسعًا، وكان طريقًا سهلًا، وكان طريقًا مستقيمًا ثلاث أوصاف: واسع، سهل، مستقيم، قالوا: والاشتقاق يدل عليه؛ لأن صَرَطَ الشيء أي: ابتلعه بسرعة، ويُقال في اللغة العامية عندنا: "ظراط الشيء" يقول: أعطيته لحمًا فظرطه بسرعة، يعني: بلعه مباشرة بدون أن يعض بها.
إذن الصراط ما جمع ثلاثة أوصاف: السعة، والسهولة، والاستقامة، والاستقامة يعني: أنه لا اعوجاج فيه ولا ارتفاع ولا نزول؛ لأن الارتفاع والنزول هو في الحقيقة انحراف، عرج طريقًا من اليسار وعرجه طولًا وعلوًّا ونزولًا تكون المسافة واحدة، وقوله: "المستقيم" هذا من باب التأكيد؛ يعني: الذي لا اعوجاج فيه، وهذا مستفاد من معنى الصراط، لكنه أظهر هذا الوصف للتشويق إليه، هذا الصراط المستقيم صراط مَنْ؟ ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾، والذين أنعم الله عليهم أربعة أصناف كما قال الله تعالى: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾ [النساء: ٦٩]. هؤلاء أنعم الله عليهم نعمة الهداية العلمية ونعمة الهداية العملية.
﴿صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم﴾ الغضب هو وصف لله- قائم بذاته على وجه الحقيقة، لكن هنا لم يقل: غير الذين غضبت عليهم بخلاف الإنعام قال: ﴿الذين أنعمت
стр. 633
عليهم﴾، والحكمة من هذا: تلافي إضافة الغضب إلى الله- في هذا السياق وإلا فقد اضاف الله الغضب إلى نفسه في مواضع أخرى كما قال- : ﴿من لعنه الله وغضب عليه﴾ [المائدة: ٦٠]. وقال في قاتل العمد: ﴿وغضب الله عليه ولعنه﴾ [النساء: ٩٣]. أي فائدة أخرى أن من غضب الله عليه غضب عليه أولياء الله؛ لأن أولياء الله يحبون ما أحبه الله ويكرهون ما كره الله، فلما كان الغضب من الله ومن أولياء الله صار التعبير باسم المفعول أعمُّ، فمَن المغضوب عليهم؟ المغضوب عليهم يُعرف صنفهم إذا قسمت أقسام الناس في هذه السورة، ﴿ولا الضالين﴾ الضال: الذي لم يهتد للطريق، يطلب الطريق لكن ضلّ، كما لو خرج الإنسان في البرية ثم ضلَّ الطريق فهو يبحث عنه، وقد يسلك طريقًا فيه هلاكه وهو لا يدري، فالضال هو مَنْ جهل الحق بعد طلبه، ﴿المغضوب عليهم﴾: هم الذين علموا الحق وخالفوه: ﴿الذين أنعم الله عليهم﴾ هم الذين علموا الحق واتبعوه، فالأقسام ثلاثة: عالم بالحق متبع له، فهذا أنعم الله عليهم، وعالم بالحق خالفه فمغضوب عليهم، وطالب للحق لم يوفق له الضال، هذه أقسام حاصرة، على رأس المغضوب عليهم: اليهود: وعلى رأس الضالين: النصارى، ولهذا جاء في الحديث وإن كان فيه نظر تفسير ﴿المغضوب عليهم﴾ باليهود، و ﴿الضالين﴾ بالنصارى.
وهذه السورة في الواقع إذ تأملها الإنسان وتعمق فيها علم الحكمة من كونها أم القرآن، وأم الكتاب؛ لأن جميع معاني القرآن ترجع إليها، فيها علم التاريخ، أحوال الأمم، الرسل، كل شيء، كل الموضوعات التي اشتمل عليها القرآن أساسها موجود في الفاتحة، ولهذا استحقت أن توصف بأنها "أم القرآن"، واستحقت أنها لا تصح صلاة أحد إلا بقراءتها وهذه مزية عظيمة، آية الكرسي أعظم آية، ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلث القرآن، ومع ذلك تصح الصلاة بدونهما، لكن هذه لها هذه المزية؛ لأنها قد جمعت معاني القرآن الكريم، ومن أراد التوسع فيها فعليه بكتاب "مدارج السالكين" لابن القيم، فقد أتى فيه بالعجب العجاب حول تفسير هذه السورة العظيمة.
فتقول: "وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه" "كان" أي: النبي- ﷺ ، "إذا ركع" يعني: حنى ظهره "لم يشخص رأسه ولم يصوبه" الإشخاص: الرفع، والتصويب: التنزيل، فهو لا يرفعه ولا ينزله، بل يجعله محاذيًا لظهره، ثم كيف حال الظهر؟ دلت الأدلة الأخرى على أنه يسوي ظهره تمامًا حتى لو صُبَّ الماء لاستقر من شدة تسوية الظهر، ولكن بين ذلك؛ يعني كيفية استواء ظهره المشار إليه في الحديث بأنه لا يكون فيه الإشخاص والتصويب.
стр. 634
"وكان إذا رفع من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائمًا" لم تذكر التكبير أو التسبيح أو التحميد؛ لأنها أرادت أن تتكلم على الأفعال التي هي الأركان.
"وكان إذا رفع لم يسجد حتى يستوي قائمًا" يستوي أي: يعتدل، وقد مرَّ علينا أنه لابد من الطمأنينة، "وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي ساجدًا" هذا فيه طي، إذا رفع من السجدة أفادت: أنه يسجد بعد الرفع من الركوع، فإذا سجد وقام لم يسجد الثانية حتى يستوي جالسًا.
"وكان يقول في كل ركعتين التحية" يعني: في الفرائض، كل ركعتين يقول فيها التحية، إن كانت ثنائية فجميع التحية، وإن كانت ثلاثية أو رباعية فالركعتان الأوليان يقتصر فيهما على التشهد الأول، وقولها: "التحية" هذا من باب التعبير بالبعض عن الكل، والمراد: جميع التحيات.
"وكان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى" كان يفرش اليسرى يعني: يجلس عليها وينصب اليمنى، وقد أخرجها من جانبه الأيمن، فيكون أصابع اليمنى إلى الأرض وظهر اليسرى إلى الأرض، ولم تفصل- ﵂، لكن سبق في حديث أبي حُميد التفصيل وهو أنه في التشهد الأخير يتورك.
"وكان ينهي عن عقبة الشيطان" يعني: جلسته على عقبيه، وهل هو الإقعاء الذي ذكره ابن عباس- ﵄ أن النبي- ﷺ كان يفعله إذا جلس، أو هو الإقعاء الذي هو كإقعاء الكلب؟ ظاهر الحديث أنه الأول؛ يعني: أن قوله: "عقبة" في معنى: العقيبة؛ أي: الجلوس على عقبيه، وسيأتي في الفوائد كيف نجمع بين هذا وبين حديث ابن عباس.
"وينهي أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع" وهذا في حال السجود؛ لأنه لا يمكن أن يفترش الذراعين إلا إذا سجد، لو أراد أن يفترش ذراعيه في الجلوس لا يمكن، وفي القيام من باب أولى.
إذن ينهى عن افتراش الذراعين في حال السجود، وقولها: "افتراش السبع" من باب التشبيه للتقبيح؛ لأنه يكون كالسبع، والإنسان منهي عن التشبه بالحيوان فإنه مُكرم عليه فكيف ينزل بنفسه للتشبه بالحيوان، لاسيما وهو يناجي الله- في الصلاة؟ !
"وكان يختم الصلاة بالتسليم" يعني: أن النبي- ﷺ إذا انتهى من الصلاة سلَّم، و"أل" في قولها "بالتسليم" يُحتمل أن تكون لبيان الحقيقة، ويحتمل أن تكون للعموم، فإن قلنا: إنها لبيان الحقيقة صارت التسليمة الواحدة كافية؛ لأنها يحصل بها التسليم، وإن قلنا: إنها للعهد صار المراد بالتسليم التسليمتين.
قال: "أخرجه مسلم وله علة".
стр. 635
من فوائد هذا الحديث: ضبط عائشة- ﵂ لأحوال النبي- ﷺ في أقواله وأفعاله وعباداته ومعاملاته؛ لأن أخص الناس به زوجاته، فإنهن يعلمن من السر ما لم يعلمه غيرهن.
ومنها: سعة علمها- ﵂، حيث ساقت هذا الحديث كله بجمله وأفراده.
ومنها: مشروعية افتتاح الصلاة بالتكبير، وهذا التكبير ركن من أركان الصلاة لا تنعقد الصلاة إلا به، ويجب أن يكون التكبير بهذا اللفظ "الله أكبر" فلو أتى بمعناه لم يصح، واختلف العلماء- ﵏ فيمن لا يعرف الأذكار إلا بلغته، هل يأتي بها بلغته أو يكلف أن يتعلمها بالعربية؟ والصواب: أن يأتي بها بلغته، أما القرآن فقد عُلم أنه لا يجوز أن يُترجم حرفيًّا، أما أن ينقل معناه فلا مانع، ولا يقرأ بغير العربية، وأما الأذكار فلا بأس، والله- يعلم لغة كل قوم.
ومن فوائد هذا الحديث: أن النبي- ﷺ لا يجهر بالاستفتاح ولا بالتعوذ ولا بالبسملة لقولها: "والقراءة بالحمد لله رب العالمين".
ومنها: أن الإنسان لا يُقدِّم السورة التي بعد الفاتحة على الفاتحة، لم يكن هذا مشروعًا فإن تعمد على وجه التلاعب فصلاته باطلة، وإن تعمد لا على وجه التلاعب فصلاته غير باطلة، لكنه أخطأ، وإن نسي فإنه لا شيء عليه، ولكن يعيد السورة بعد الفاتحة، وهل يسجد للسهو؟ قيل: إنه يسجد للسهو استحبابًا لا وجوبًا؛ لأن مثل هذا القول لا يُبطل الصلاة عمده، لكنه أتى به في غير موضعه وقالوا كل من أتى بقول مشروع في غير موضعه فإنه يستحب له أن يسجد للسهو، وعلى هذا فمن نسي وقرأ السورة قبل الفاتحة قلنا له: اقرأ الفاتحة، ثم اقرأ السورة، ثم اسجد للسهو استحبابًا، ولا نقول: إنه واجب؛ لأن الإنسان لو تعمده لم تبطل صلاته.
ومن فوائد هذا الحديث: مشروعية الركوع في الصلاة، وهو ركن من أركان الصلاة؛ لأن الله تعالى عبّر به عن الصلاة، وإذا عبر الله بالبعض عن الكل دل ذلك على أنه لابد من وجود هذا البعض في الكل، وهذه القاعدة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ في "كتاب الإيمان" حيث ذكر فيه أنه إذا عبَّر عن الشيء ببعضه دلَّ على أن هذا البعض واجب في ذلك الكل. هل عبّر الله تعالى عن الصلاة بالركوع؟ نعم، في قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين﴾ [البقرة: ٤٣]. الركوع الواجب منه الانحناء، ولكن هل له ضابط؟ قيل: إن ضابط الانحناء أن يُمَكِّن المعتدل في طول يديه وقصرهما من مس الركبتين، وقيل: إن الواجب أن يكون إلى الركوع الكامل أقرب منه إلى القيام الكامل، وذلك لأن الانحناء قد يكون أقرب إلى القيام، وقد يكون أقرب إلى الركوع، وقد يكون مساويًا، يعني: ليس انتصابًا ولا ركوعًا تامًّا، قالوا: الواجب هو أن يكون إلى الركوع الكامل أقرب منه إلى القيام الكامل، وأظن أن هذا متقارب، بمعنى: أنك لو نظرت إلى الرجل المعتدل في طول الذراعين وجدت أنه إذا أمكنه أن يمسَّ ركبتيه كان إلى الركوع الكامل أقرب منه إلى القيام الكامل.
следующие страницы →