Полный текст (3 515 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
مبنية على الرحمة لا على التأسف والخطأ والخطل والزلل بل على الرحمة، "الرحمن" باعتبار الوصف، و"الرحيم" باعتبار الفعل.
"الرحمن" باعتبار قيام الرحمة به، وأنها رحمة واسعة، ولهذا جاء على هذا الوجه "رحمن" على وزن فَعْلان، وهذا الوزن في اللغة العربية يدل على الامتلاء والسعة كما يقال: غضبان أي: ممتلئ غضبًا، سكران ممتلئ سكرًا، وما أشبه ذلك.
"الرحيم" باعتبار الفعل بمعنى: راحم، وقد فسر بعض أهل العلم "الرحمن": ذو الرحمة العامة، و"الرحيم": ذو الرحمة الخاصة بالمؤمنين، لقوله تعالى: ﴿وكان بالمؤمنين رحيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]. ﴿مالك يوم الدين﴾ وفي قراءة: ﴿ملك﴾ والقراءتان كل واحدة تحمل معنًى؛ فـ "مالك" من المُلك وهو التصرف، و "مَلِك" من الملكوت وهو السلطان، فإذا جمعت القراءتين نتج من ذلك أن الله تعالى مَلِك مالك، في المخلوقات ملك لكن ليس بمالك. الملك غير المالك بالمعنى العام هو الذي ليس له سلطة في مملكته، السلطة لغيره والتدبير لغيره، لكن يُسمى مَلِكًا بالوراثة هذا مَلِك لكن غير مالك، يوجد الآن في بريطانيا التي تُسمى العظمة ملكةٌ مالكة أم غير مالكة؟ غير مالكة، وزوجها الذي يسمى ملك غير مالك، ويوجد مالك غير ملك كل واحد منكم معه كتاب هو مالك له ولكنه ليس مَلِكًا.
و"يوم الدين" هو يوم الجزاء؛ لأن الدين تارة يُطلق على العمل، وتارة يُطلق على الجزاء، قال الله- ﵎: ﴿لكم دينكم ولي دين﴾ [الكافرون: ٦]. هذا دين العمل، وقال الله تعالى: ﴿وما أدراك ما يوم الدين * ثم ما أدراك ما يوم الدين * يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله﴾ [الانفطار: ١٧ - ١٩]. وهذا يبين الجزاء، ومن الأمثال السائرة: "كما تدين تدان" أي: كما تعمل تُجازى.
فـ "مالك يوم الدين" أي: مالك يوم القيامة، وخص ملكه بهذا اليوم؛ لأنه في هذا اليوم تتلاشى جميع الملكوتات لا مَلِك، لا أحد في هذا اليوم، يستوي الملك ويستوي أدنى واحد من رعيته، بل من كان أكرم عند الله فهو أعلى وأكبر، يقول الله- في ذلك اليوم: ﴿لمن الملك اليوم لله الواحد القهار﴾ [الانفطار: ١٦]. يجيب نفسه؛ لأنه لا ملك لأحد في ذلك اليوم، الملك كله لله- ، وإلا فمن المعلوم أن الله مالك يوم الدين ومالك الدنيا أيضًا كما قال- : ﴿قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه﴾ [المؤمنون: ٨٨].
﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ إياك نعبد؛ أي: لا نعبد إلا إياك، ووجه كونها بهذا المعنى: أنه قُدم المعمول وهو "إياك" وتقديم المعمول على عامله يدل على الحصر، بل القاعدة أعم من هذا وهي "تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر"، والعبادة هي التذلل لله- مع المحبة والتعظيم، مأخوذ من قولهم: طريق مُعَبَّد أي: مذلل للسالكين، ونحن نقول بدله: طريق
стр. 632
مزفلت، فالطريق المعبد المذلل للسالكين اشتق منه العبادة أن الإنسان يقوم بعبادة الله تعالى تذللًا له ومحبة وتعظيمًا هذه لله.
﴿وإياك نستعين﴾ أي: نطلب العون منك لا من غيرك؛ أي: نطلب أن تعيننا على جميع أمورنا في الدنيا والآخرة، ولهذا حذف المستعان عليه لإفادة التعميم. "وإياك نستعين" نقول فيها بالنسبة للاختصاص كما قلنا في "إياك نعبد" أي: لا نستعين إلا إياك.
فإن قال قائل: ألسنا نستعين بغير الله؟
فالجواب: نستعين به على أنه سبب لا على أنه مستقل، واستعانتنا بالسيد استعانة بالله تعالى؛ لأننا نعلم أن الله تعالى إذا لم يُسخر هذا الرجل الذي استعنا به لم ينفعنا بشيء، فحقيقة الاستعانة بالمخلوق أنها استعانة بالله خالقه- ؛ لأنه هو الذي يُسخر لمن استعانه، ومع هذا نقول: الاستعانة المطلقة في كل شيء لا تكون إلا لله- .
﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ اهدنا الصراط: الهداية هنا يراد بها: هداية الإرشاد والعلم وهداية التوفيق والطاعة، ودليل ذلك حذف حرف الجر، أي: أنك لم تقل: "اهدنا إلى الصراط المستقيم" فيكون المعنى: اهدنا إليه وفيه، اهدنا إلى هذا العلم وفيه، هذا التوفيق، و"الصراط المستقيم" هو دين الإسلام، وسُمي صراطًا؛ لأنه طريق واسع يسع كل من يدخله، قيل: والصراط لا يكون صراطًا إلا إذا كان طريقًا واسعًا، وكان طريقًا سهلًا، وكان طريقًا مستقيمًا ثلاث أوصاف: واسع، سهل، مستقيم، قالوا: والاشتقاق يدل عليه؛ لأن صَرَطَ الشيء أي: ابتلعه بسرعة، ويُقال في اللغة العامية عندنا: "ظراط الشيء" يقول: أعطيته لحمًا فظرطه بسرعة، يعني: بلعه مباشرة بدون أن يعض بها.
إذن الصراط ما جمع ثلاثة أوصاف: السعة، والسهولة، والاستقامة، والاستقامة يعني: أنه لا اعوجاج فيه ولا ارتفاع ولا نزول؛ لأن الارتفاع والنزول هو في الحقيقة انحراف، عرج طريقًا من اليسار وعرجه طولًا وعلوًّا ونزولًا تكون المسافة واحدة، وقوله: "المستقيم" هذا من باب التأكيد؛ يعني: الذي لا اعوجاج فيه، وهذا مستفاد من معنى الصراط، لكنه أظهر هذا الوصف للتشويق إليه، هذا الصراط المستقيم صراط مَنْ؟ ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾، والذين أنعم الله عليهم أربعة أصناف كما قال الله تعالى: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾ [النساء: ٦٩]. هؤلاء أنعم الله عليهم نعمة الهداية العلمية ونعمة الهداية العملية.
﴿صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم﴾ الغضب هو وصف لله- قائم بذاته على وجه الحقيقة، لكن هنا لم يقل: غير الذين غضبت عليهم بخلاف الإنعام قال: ﴿الذين أنعمت
стр. 633
عليهم﴾، والحكمة من هذا: تلافي إضافة الغضب إلى الله- في هذا السياق وإلا فقد اضاف الله الغضب إلى نفسه في مواضع أخرى كما قال- : ﴿من لعنه الله وغضب عليه﴾ [المائدة: ٦٠]. وقال في قاتل العمد: ﴿وغضب الله عليه ولعنه﴾ [النساء: ٩٣]. أي فائدة أخرى أن من غضب الله عليه غضب عليه أولياء الله؛ لأن أولياء الله يحبون ما أحبه الله ويكرهون ما كره الله، فلما كان الغضب من الله ومن أولياء الله صار التعبير باسم المفعول أعمُّ، فمَن المغضوب عليهم؟ المغضوب عليهم يُعرف صنفهم إذا قسمت أقسام الناس في هذه السورة، ﴿ولا الضالين﴾ الضال: الذي لم يهتد للطريق، يطلب الطريق لكن ضلّ، كما لو خرج الإنسان في البرية ثم ضلَّ الطريق فهو يبحث عنه، وقد يسلك طريقًا فيه هلاكه وهو لا يدري، فالضال هو مَنْ جهل الحق بعد طلبه، ﴿المغضوب عليهم﴾: هم الذين علموا الحق وخالفوه: ﴿الذين أنعم الله عليهم﴾ هم الذين علموا الحق واتبعوه، فالأقسام ثلاثة: عالم بالحق متبع له، فهذا أنعم الله عليهم، وعالم بالحق خالفه فمغضوب عليهم، وطالب للحق لم يوفق له الضال، هذه أقسام حاصرة، على رأس المغضوب عليهم: اليهود: وعلى رأس الضالين: النصارى، ولهذا جاء في الحديث وإن كان فيه نظر تفسير ﴿المغضوب عليهم﴾ باليهود، و ﴿الضالين﴾ بالنصارى.
وهذه السورة في الواقع إذ تأملها الإنسان وتعمق فيها علم الحكمة من كونها أم القرآن، وأم الكتاب؛ لأن جميع معاني القرآن ترجع إليها، فيها علم التاريخ، أحوال الأمم، الرسل، كل شيء، كل الموضوعات التي اشتمل عليها القرآن أساسها موجود في الفاتحة، ولهذا استحقت أن توصف بأنها "أم القرآن"، واستحقت أنها لا تصح صلاة أحد إلا بقراءتها وهذه مزية عظيمة، آية الكرسي أعظم آية، ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلث القرآن، ومع ذلك تصح الصلاة بدونهما، لكن هذه لها هذه المزية؛ لأنها قد جمعت معاني القرآن الكريم، ومن أراد التوسع فيها فعليه بكتاب "مدارج السالكين" لابن القيم، فقد أتى فيه بالعجب العجاب حول تفسير هذه السورة العظيمة.
فتقول: "وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه" "كان" أي: النبي- ﷺ ، "إذا ركع" يعني: حنى ظهره "لم يشخص رأسه ولم يصوبه" الإشخاص: الرفع، والتصويب: التنزيل، فهو لا يرفعه ولا ينزله، بل يجعله محاذيًا لظهره، ثم كيف حال الظهر؟ دلت الأدلة الأخرى على أنه يسوي ظهره تمامًا حتى لو صُبَّ الماء لاستقر من شدة تسوية الظهر، ولكن بين ذلك؛ يعني كيفية استواء ظهره المشار إليه في الحديث بأنه لا يكون فيه الإشخاص والتصويب.
стр. 634
"وكان إذا رفع من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائمًا" لم تذكر التكبير أو التسبيح أو التحميد؛ لأنها أرادت أن تتكلم على الأفعال التي هي الأركان.
"وكان إذا رفع لم يسجد حتى يستوي قائمًا" يستوي أي: يعتدل، وقد مرَّ علينا أنه لابد من الطمأنينة، "وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي ساجدًا" هذا فيه طي، إذا رفع من السجدة أفادت: أنه يسجد بعد الرفع من الركوع، فإذا سجد وقام لم يسجد الثانية حتى يستوي جالسًا.
"وكان يقول في كل ركعتين التحية" يعني: في الفرائض، كل ركعتين يقول فيها التحية، إن كانت ثنائية فجميع التحية، وإن كانت ثلاثية أو رباعية فالركعتان الأوليان يقتصر فيهما على التشهد الأول، وقولها: "التحية" هذا من باب التعبير بالبعض عن الكل، والمراد: جميع التحيات.
"وكان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى" كان يفرش اليسرى يعني: يجلس عليها وينصب اليمنى، وقد أخرجها من جانبه الأيمن، فيكون أصابع اليمنى إلى الأرض وظهر اليسرى إلى الأرض، ولم تفصل- ﵂، لكن سبق في حديث أبي حُميد التفصيل وهو أنه في التشهد الأخير يتورك.
"وكان ينهي عن عقبة الشيطان" يعني: جلسته على عقبيه، وهل هو الإقعاء الذي ذكره ابن عباس- ﵄ أن النبي- ﷺ كان يفعله إذا جلس، أو هو الإقعاء الذي هو كإقعاء الكلب؟ ظاهر الحديث أنه الأول؛ يعني: أن قوله: "عقبة" في معنى: العقيبة؛ أي: الجلوس على عقبيه، وسيأتي في الفوائد كيف نجمع بين هذا وبين حديث ابن عباس.
"وينهي أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع" وهذا في حال السجود؛ لأنه لا يمكن أن يفترش الذراعين إلا إذا سجد، لو أراد أن يفترش ذراعيه في الجلوس لا يمكن، وفي القيام من باب أولى.
إذن ينهى عن افتراش الذراعين في حال السجود، وقولها: "افتراش السبع" من باب التشبيه للتقبيح؛ لأنه يكون كالسبع، والإنسان منهي عن التشبه بالحيوان فإنه مُكرم عليه فكيف ينزل بنفسه للتشبه بالحيوان، لاسيما وهو يناجي الله- في الصلاة؟ !
"وكان يختم الصلاة بالتسليم" يعني: أن النبي- ﷺ إذا انتهى من الصلاة سلَّم، و"أل" في قولها "بالتسليم" يُحتمل أن تكون لبيان الحقيقة، ويحتمل أن تكون للعموم، فإن قلنا: إنها لبيان الحقيقة صارت التسليمة الواحدة كافية؛ لأنها يحصل بها التسليم، وإن قلنا: إنها للعهد صار المراد بالتسليم التسليمتين.
قال: "أخرجه مسلم وله علة".
стр. 635
من فوائد هذا الحديث: ضبط عائشة- ﵂ لأحوال النبي- ﷺ في أقواله وأفعاله وعباداته ومعاملاته؛ لأن أخص الناس به زوجاته، فإنهن يعلمن من السر ما لم يعلمه غيرهن.
ومنها: سعة علمها- ﵂، حيث ساقت هذا الحديث كله بجمله وأفراده.
ومنها: مشروعية افتتاح الصلاة بالتكبير، وهذا التكبير ركن من أركان الصلاة لا تنعقد الصلاة إلا به، ويجب أن يكون التكبير بهذا اللفظ "الله أكبر" فلو أتى بمعناه لم يصح، واختلف العلماء- ﵏ فيمن لا يعرف الأذكار إلا بلغته، هل يأتي بها بلغته أو يكلف أن يتعلمها بالعربية؟ والصواب: أن يأتي بها بلغته، أما القرآن فقد عُلم أنه لا يجوز أن يُترجم حرفيًّا، أما أن ينقل معناه فلا مانع، ولا يقرأ بغير العربية، وأما الأذكار فلا بأس، والله- يعلم لغة كل قوم.
ومن فوائد هذا الحديث: أن النبي- ﷺ لا يجهر بالاستفتاح ولا بالتعوذ ولا بالبسملة لقولها: "والقراءة بالحمد لله رب العالمين".
ومنها: أن الإنسان لا يُقدِّم السورة التي بعد الفاتحة على الفاتحة، لم يكن هذا مشروعًا فإن تعمد على وجه التلاعب فصلاته باطلة، وإن تعمد لا على وجه التلاعب فصلاته غير باطلة، لكنه أخطأ، وإن نسي فإنه لا شيء عليه، ولكن يعيد السورة بعد الفاتحة، وهل يسجد للسهو؟ قيل: إنه يسجد للسهو استحبابًا لا وجوبًا؛ لأن مثل هذا القول لا يُبطل الصلاة عمده، لكنه أتى به في غير موضعه وقالوا كل من أتى بقول مشروع في غير موضعه فإنه يستحب له أن يسجد للسهو، وعلى هذا فمن نسي وقرأ السورة قبل الفاتحة قلنا له: اقرأ الفاتحة، ثم اقرأ السورة، ثم اسجد للسهو استحبابًا، ولا نقول: إنه واجب؛ لأن الإنسان لو تعمده لم تبطل صلاته.
ومن فوائد هذا الحديث: مشروعية الركوع في الصلاة، وهو ركن من أركان الصلاة؛ لأن الله تعالى عبّر به عن الصلاة، وإذا عبر الله بالبعض عن الكل دل ذلك على أنه لابد من وجود هذا البعض في الكل، وهذه القاعدة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ في "كتاب الإيمان" حيث ذكر فيه أنه إذا عبَّر عن الشيء ببعضه دلَّ على أن هذا البعض واجب في ذلك الكل. هل عبّر الله تعالى عن الصلاة بالركوع؟ نعم، في قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين﴾ [البقرة: ٤٣]. الركوع الواجب منه الانحناء، ولكن هل له ضابط؟ قيل: إن ضابط الانحناء أن يُمَكِّن المعتدل في طول يديه وقصرهما من مس الركبتين، وقيل: إن الواجب أن يكون إلى الركوع الكامل أقرب منه إلى القيام الكامل، وذلك لأن الانحناء قد يكون أقرب إلى القيام، وقد يكون أقرب إلى الركوع، وقد يكون مساويًا، يعني: ليس انتصابًا ولا ركوعًا تامًّا، قالوا: الواجب هو أن يكون إلى الركوع الكامل أقرب منه إلى القيام الكامل، وأظن أن هذا متقارب، بمعنى: أنك لو نظرت إلى الرجل المعتدل في طول الذراعين وجدت أنه إذا أمكنه أن يمسَّ ركبتيه كان إلى الركوع الكامل أقرب منه إلى القيام الكامل.
стр. 636
ومن فوائد هذا الحديث: أن السنة في الركوع ألا يرفع رأسه ولا ينزله عن ظهره، لقولها- ﵂: "لم يشخص رأسه ولم يصوبه"، ولكن بين ذلك، ومعلوم أنه إذا كان الرأس بين ذلك سوف يكون مساويًا في الظهر، وهل يشمل هذا أن يصوب الظهر مع الرأس، أو يشخص الظهر مع الرأس؟ نعم، نحن مثلًا لدينا أربعة أشياء:
الأول: أن يرفع الرأس والظهر.
والثاني: أن ينزل الرأس والظهر؛ لأن بعض الناس تجده عندما يركع ينزل مرة بظهره ورأسه.
والثالث: أن يكون الظهر مستويًا، ولكن يرفع رأسه.
والرابع: أن يكون الظهر مستويًا، ولكن ينزل الرأس، فهي نفت الارتفاع والانخفاض في الرأس سواء؛ أي: أن استواء الظهر والرأس في هذه الحالة يكون سواء ارتفاعًا وانخفاضًا، إلا أن الرأس ينزل، بينما الظهر يبقى مستويًا، فالاعتدال هو المفروض، ولهذا ذُكِرَ "أن من صفة النبي- ﷺ في ركوعه أنه لو صبَّ الماء على ظهره لاستقر".
ومن فوائد هذا الحديث: مشروعية الرفع من الركوع لقولها- ﵂: "وكان إذا رفع من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائمًا" يعني: حتى يستقر قائمًا، وهذا الرفع ركن من أركان الصلاة، فلو أن الإنسان وهو راكع سجد قبل أن ينهض فقد ترك ركنًا من أركان الصلاة؛ إذن لابد أن يرفع حتى يستوي قائمًا.
ومن فوائد هذا الحديث: مشروعية السجود لقولها: "وكان إذا رفع من السجدة"، والرفع من السجود ركن من أركان الصلاة لابد منه.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه يجب البقاء بعد السجود قاعدًا حتى يستقر لقولها: "إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالسًا"، وهذا الجلوس حكمه ركن من أركان الصلاة.
ومن فوائد هذا الحديث: التشهد في كل ركعتين سواء كانت ثنائية أو ثلاثية أو رباعية؛ الثنائية كالفجر يتشهد في الثانية، الثلاثية كالمغرب، الرباعية كالظهر والعصر والعشاء، هذه التحية هل هي ركن أو لا؟ نقول: مقتضى سياق الحديث أن تكون ركنًا؛ لأنها ذكرتها مع الأركان، ولكن السنة يفسر بعضها بعضًا ويقيد بعضها بعضًا، ثبت عن النبي- ﷺ أنه ترك التشهد الأول ذات يوم وجير هذا الترك بسجود السهو، والأركان لا تُجبر بسجود السهو، فدل هذا على أن التشهد واجب، ولكنه يسقط بالسهو ويُجبر بسجدتين قبل السلام كما فعل النبي- ﷺ تمامًا.
فإن قال قائل: هل كلامها هذا يشمل الفرض والنفل؟
стр. 637
فالجواب: أنه يشمل الفرض والنفل؛ لأن ما يثبت في الفرض يثبت في النفل، وما يثبت في النفل يثبت في الفرض إلا بدليل، والدليل على أن ما ثبت في النفل يثبت في الفرض، وما ثبت في الفرض ثبت في النفل إلا بدليل: أن الصحابة- ﵃ لما حكوا أن النبي- ﷺ كان يصلي على راحلته حيثما توجهت به، قالوا غير هذا: أنه لا يصلي عليها المكتوبة، فاستثناؤهم هذا يدل على أن من المتقرر عندهم أن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل، وعلى هذا فنقول: النفل جاز فيها الركعة الواحدة كالوتر، والخمس بتسليم واحد، والسبع بتسليم واحد، والتسع بتسليم واحد، إلا أنه يجلس عقب الثامنة ويتشهد ولا يُسلم، هذه الثلاث ورد فيها سُنَّتان.:
الأولى: إذا أوتر بثلاثٍ فصفتان: الأولى: أن يسلم من ركعتين ثم يأتي بواحدة، والثانية: أن يوتر بثلاثٍ سردًا دون التشهد؛ لأن النبي- ﷺ نهى أن يشبه الوتر بصلاة المغرب، بقية النوافل يُسلم من كل ركعتين، وعليه فلابد من التشهد في كل ركعتين، وما ورد في فضل أربع ركعات بتسليم واحد فهو ضعيف لا يعوَّل عليه: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى"، وقد صحح كلمة "النهار" كثير من العلماء، ومنهم الشيخ عبد العزيز بن باز- ﵀ حيث ذكر أن هذه اللفظة الزائدة "النهار" تعتبر زيادة صحيحة.
من فوائد هذا الحديث: أن المشروع في جلسة الصلاة أن يفترش المصلي رجله اليسرى وينصب اليمنى، وقد تم شرحها فيما سبق، لكن ظاهر الحديث أنه في كل الصلوات، يعني: الثلاثية والرباعية والثنائية.
وقد يقول قائل: إنه ليس ظاهر الحديث؛ لأنها قالت: "وكان يقول في كل ركعتين التحية، وكان يفترش" أي: يفترش في هذه التحية، وهذا حق كلما جلس الإنسان للتشهد في ركعتين فإنه يفترش.
فقد يقول قائل: ليس ظاهر الحديث أنه في الصلاة الثلاثية والرباعية في كلا التشهدين،
стр. 638
فإن أبى آبٍ إلا أن يقول: ظاهر الحديث أنه يفترش رجله اليسرى وينصب اليمنى في جلسات الصلاة للتحيات الأولى والثانية.
قلنا: هذا الظاهر مرفوع بما جاء صريحًا في حديث أبي حُميد وغيره أنه في الصلاة الثلاثية والرباعية يتورك في التشهد الأخير ولا يفترش، ولهذا اختلف العلماء- ﵏ في هذه المسألة؛ فمنهم من قال: إنه يفترش في جميع جلسات الصلاة في التحيات الأولى والثانية وبين السجدتين، ومنهم من فصّل، وهذا التفصيل هو الصواب.
إذن التشهد الأخير تورك، التشهد الأول افتراش، الجلوس بين السجدتين افتراش.
ومن فوائد هذا الحديث: النهي عن مشابهة الشيطان لقولها: "وكان ينهي عن عقبة الشيطان".
فإذا قال قائل: الحديث نهى عن التشبه بالشيطان في شيء واحد وهو الجلسو، فكيف تُعَمم؟
فالجواب عن هذا: أن النبي- ﷺ أضاف العقبة إلى الشيطان تقبيحًا لها لكونها قعدة الشيطان.
ثانيًا: أن لدينا حديثًا عامًّا وهو: "أن من تشبه بقوم فهو منهم"، ولا يمكن أن يرضى أحد بتشبهه بالشيطان، وسبق القول في عقبة الشيطان أنها: أن ينصب قدميه ويجلس على عقبيه، وظاهر هذا الحديث العموم؛ لأن سواء كانت القعدة بين السجدتين أو في التشهدين، وهذا ما ذهب إليه أصحاب الإمام أحمد- ﵏ وقالوا: إن هذه القعدة مكروهة، ولكن ابن عباس- ﵄ ذكر أن هذا الإقعاء من السُّنة، ولا يبعد أن يكون ابن عباس- ﵄ رأى النبي يفعل ذلك ولم يعلم بما فعله أخيرًا من كونه يفترش أو يتورك، وقولهم: "لا يبعد" ليس معناه يقينًا، لكن لا يبعد هذا كما فعل عبد الله بن مسعود- ﵁ في التطبيق والوقوف بين المأمومين، حيث كان ابن مسعود- ﵁ يقف بين المأمومين، يعني: إذا صاروا ثلاثة وقف بينهما، ولكن هذا الحكم منسوخ؛ لأنه إذا كان الجماعة ثلاثة صار إمامهم أمامهم.
ثانيًا: التطبيق: أن يضع إحدى يديه إلى الأخرى بين فخذيه إذا ركع، ابن مسعود- ﵁ متمسك بهذا مع أنه منسوخ؛ لأن الرجل إذا ركع أين يضع يديه؟ على ركبتيه، فلا يبعد أن يكون ابن عباس- ﵄ كحال عبد الله بن مسعود.
ومن فوائد هذا الحديث: النهي أن يفترش المصلي ذراعيه كافتراش السبع، والسبع هنا
стр. 639
المراد به: الكلب، كيف يفترش؟ إذا سجد يضع الذراعين على الأرض؛ لأن الإنسان مأمور بأن ينصب الذراعين ويعتدل في السجود.
ومن فوائد هذا الحديث: حكمة النبي- ﷺ في قوة التعبير عن العمل، الأول: قالت: "عقبة الشيطان"، والثاني: "افتراش السبع"، وهذا يسمى عند البلاغيين: التشبيه للتقبيح؛ لأن التشبيه أنواع منها: تشبيه للتقبيح.
ومن فوائد هذا الحديث: أن ختام الصلاة بالتسليم، فيشرع عند ختمام الصلاة أن يُسلِّم يقول: "السلام عليكم ورحمة الله"، وسبق في شرح الحديث "أل" للعهد أو لبيان الحقيقة؟ إن قلنا: للعهد فكم يكون التسليم؟ يكون تسليمتين، وإن قلنا: لبيان الحقيقة جاز الاكتفاء بواحدة، والصواب أنه للعهد، وأنه لابد من تسليمتين.
مواضع رفع اليدين وصفته:
٢٦٤ - وعن ابن عمر- ﵄: "أن النبي- ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع". متفق عليه.
٢٦٥ - وفي حديث أبي حميد، عند أبي داود: "يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبر".
٢٦٦ - ولمسلم عن مالك بن الحويرث- ﵁ نحو حديث ابن عمر، لكن قال: "حتى يحاذي بهما فروع أذنيه".
"حذو" يعني: مساويًا لمنكبيه، والمنكب: هو ما بين رأس الكتف والعنق، وقوله: "إذا افتتح الصلاة" يعني: إذا كبر تكبيرة الإحرام، لأنه يفتتح بها الصلاة كما جاء في الحديث عن النبي- ﷺ وكما سبق عن عائشة: "يفتتح الصلاة بالتكبير، وإذا كبّر للركوع" يعني: إذا شرع في التكبير للركوع، ليس المعنى: إذا وصل إلى الركوع، بل إذا شرع. هذان موضعان، الثالث: "وإذا رفع رأسه من الركوع" بعدما يستتم قائمًا يرفع. هذه ثلاثة مواضع.
فتأخذ من هذا الحديث فوائد منها: حرص الصحابة- ﵃ على تتبع أفعال النبي- ﷺ .
ومنها: جواز النظر إلى الأمام، ولننظر هل هذه الفائدة ممكن أن نأخذها من هذا الحديث أو لا؟ الظاهر أننا نأخذها، وأنها ليست إبلاغًا من النبي- ﷺ لابن عمر، يعني: أن النبي- ﷺ لم يقل: إني أرفع يدي إذا كبّرت، ولو كان الأمر كذلك لكان ابن عمر- ﵄ يذكره؛ لأن نسبته إلى قول النبي- صلى الله لعيه وسلم- أبلغ، ويدل على جواز نظر المأموم للإمام ما ثبت في صحيح البخاري وغيره
стр. 640
في أثناء صلاة الكسوف حين قال النبي- ﷺ : "وذلك حينما رأيتموني تقدمت- لما عُرِضت عليه الجنة وذلك حينما رأيتموني تأخرت- لما عرضت عليه النار"، ويدل لذلك أن الصحابة- ﵃ لما سُئلوا كيف تعلمون أن النبي- ﷺ يقرأ؟ قالوا: نعرف ذلك باضطراب لحيته، أي تحركها، وهذا يدل على أن المأموم يرى الإمام، ويدل لذلك- وهو الدليل الخامس-: أن النبي- ﷺ حينما صلى على المنبر أو ما صُنع قال: "فعلت ذلك لتأتموا ولتعلموا صلاتي"، وهذا يدل على أنهم يرونه، ولكن هل هذا سنة مع كل إمام من أجل أن يتحرى المأموم متابعته، أو هي سنة في إمام يقتدى ويتأسى به لعلمه ولتطبيقه السنة؟ الظاهر الثاني؛ أي: أنه إذا كان الإنسان إمامًا عالمًا معروفًا ووجد حوله المأموم جاز أن يفعل ذلك لعلمه ولتطبيقه السنة حتى يقتدي به؛ لأنه ليس كل عالم يطبق السنة، وأما إذا لم يكن عالمًا فالمسألة واضحة أنه لا يقتدى به، والظاهر لي الثاني- والله أعلم- أنه إذا كان الإمام ذا علم ودين يعمل بالسنة فإنه لا بأس أن ينظر إليه المأموم من أجل أن يتعلم صلاته، لكن بشرط ألا يؤدي ذلك إلى الالتفات، فإن أدى إلى الالتفات بكون المأموم بعيدًا في أقصى الصف فلا يفعل؛ لأن الأصل في الالتفات في الصلاة أنه مكروه.
من فوائد هذا الحديث: مشروعية رفع اليدين حذو المنكبين؛ يعني: ليس اليمنى قبل اليسرى، لا.
فإن قال قائل: ما هي الفائدة من ذلك؟
فالجواب: أنها زينة للصلاة، وإشارة إلى رفع الحجاب بينك وبين الله- .
ومن فوائد هذا الحديث: أن الرفع يكون إلى حذو المنكبين، وفي حديث مالك بن الحويرث: "حتى يُحاذي بها فروع أذنيه"، وفي حديث ثالث لم يذكره المؤلف: "حتى يُحاذي شحمة أذنيه"، فهل الصفة واحدة، ويكون الذي ذكر أنه حذو المنكبين اعتبر أسفل الكف، والذي ذكر إلى فروع الأذنين اعتبر أعلى الكف، أو هي صفات متعددة؟ الظاهر الثاني، وأن الأمر في هذا واسع، إذا رفع اليدين إلى حذو المنكبين فسنة، أو دفع إلى شحمة الأذنين فسنة أيضًا، كما أنه إذا رفع يديه إلى فروع الأذنين كذلك فقد فعل سنة، وأما مبالغة بعض الناس أو تساهل بعض الناس فمخالف للسنة مضاد لها، بعض الناس تجده إذا أراد أن يكبر يبالغ إلى
стр. 641
فوق الرأس؛ هذا ليس بصحيح، وبعض الناس يكبر إلى حذو الصدر، هذا أيضًا خلاف السنة، وهل يكون هذا بدعة أو تقصيرًا في السنة؟ فيه احتمال أن الرجل يتعبد لله بهذا، لكن نظرًا لأنه يرى أنه السنة يخرج بهذا عن البدعة، ويكون بذلك جاهلًا فيعلم، يقال: هذا ليس من السنة، لو رفع يديه في الدعاء إلى أعلى صدره أو إلى فروع الأذنين أو إلى أكثر هذا لا بأس، وكلما ازداد ابتهال الإنسان إلى الله ازداد رفع اليدين، حتى أن النبي- ﷺ في دعاء الاستسقاء كان يرفع يديه كثيرًا حتى يرى الرائي أن ظهر الكف إلى السماء، وليس كما فهم بعض العلماء من أنه جعل ظهر كفيه إلى السماء، ثم زاد على ذلك وقال: إذا كان الدعاء لجلب خير فافعل هكذا، وإن كان لدفع شر فقل هكذا؛ هذا لا صحة له، والصواب- كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ أنه للمبالغة في رفع اليدين صارت ظهورهما إلى السماء.
ومن فوائد هذا الحديث: مشروعية رفع اليدين إذا كبّر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، هذه ثلاثة مواضع، بقي موضع رابع يثبت أيضًا في الصحيح عن ابن عمر وهو: "إذا قام من التشهد الأول، ووجه ذلك: أن الصلاة بعد التشهد الأول تخالف هيئتها قبل التشهد الأول؛ يقتصر فيها على الفاتحة، وتُخفف ركعاتها وسجداتها أكثر مما سبق فكأنه دخل في صلاة جديدة، ولكن متى يرفع إذا قام من التشهد الأول؟ يرفع إذا قام، وأما ما ذُكر عن بعض الإخوة الحريصين على اتباع السنة أنه يرفع وهو جالس فهذا غلط لاشك، إنما يرفع إذا قام، وهل يرفع في بقية الانتقالات؟ الجواب: اسمع قول ابن عمر: "كان لا يفعل ذلك في السجود" وروي عن النبي- ﷺ أنه كان يرفع يديه في كل خفض، كلما خفض وكلما رفع، لكن هذا الحديث غير صحيح.
أولًا: لأنه لا يقاوم حديث ابن عمر في الصحة؛ لأن حديث ابن عمر في الصحيحين، وهذا ليس فيهما.
ثانيًا: أنه كما قال ابن القيم- ﵀ في "زاد المعاد": إن الراوي وهم، فأراد أن يقول: يكبر كلما خفض ورفع، فقال: يرفع يديه كلما خفض ورفع.
فإن قال قائل: إنكم تقولون: إن المثبت مقدم على النافي على الوجه الأول؟
فالجواب: نعم، نقول هذا، لكن ابن عمر الآن يعتبر في قوله: "وكان لا يفعل ذلك في
стр. 642
السجود" مثبتًا في الواقع؛ لأن الرجل يراقب الصلاة من أولها إلى آخرها، ويقول: يرفع في كذا، ولا يرفع في كذا وهذا إثبات، وليس كالإثبات والنفي المطلق. صحيح أن الإثبات والنفي المطلق فيه زيادة علم مع المثبت فيقدم، لكن المنهي عنه أن يأتي رجل ويفصل في مثل هذا يقول: كان يفعل كذا في كذا، ولا يفعل هذا في كذا، فهذا صحيح، وأنه نقل متيقن، ولذلك كان القول الراجح أنه لا يُسن رفع اليدين إلا في هذه المواضع الأربعة وهي: عند تكبيرة الإحرام، عند الركوع، عند الرفع منه، عند القيام من التشهد الأول.
لو قال قائل: إذا كان هناك رجل مسبوق وأدرك مع الإمام ثلاث ركعات من الظهر مثلًا وقام يقضي الرابعة هل يرفع يديه أو لا؟ هذا محل نظر، قد نقول بالقياس، وقد نقول بعدم القياس، لأن العبادات ليس فيها قياس تبقى على ما هي عليه، وقد نقول: إن هذه حال نادرة لم تقع للنبي- ﷺ ، وهي في الحقيقة قيام من تشهد، فتشبه تمامًا القيام من التشهد الأول، والأمر في هذا واسع عندي بمعنى: أنه إذا رفع فلا ننهاه، وإذا لم يرفع فلا نأمره.
لكن هنا سؤال: متى يكون الرفع، هل هو مع ابتداء التكير، أو بعد التكبير، أو قبل التكبير؟
فالجواب: أن كله سنة، ورد عن النبي- ﷺ أنه إذا كبّر رفع، وورد أنه يرفع ثم يكبر، وورد أنه يرفع مع التكبير.
حديث أبي حميد يقول: "يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبر"، فيكون الرفع قبل التكبير.
حديث ابن عمر: "يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة"، فيكون الرفع بعد التكبير؛ لأنه لا يعد مفتتحًا للصلاة إلا إذا كبر.
كما جاء أيضًا في الحديث الذي لم يذكره المؤلف: "أنه يكبر مع الرفع"، فيكون هذا مما اختلفت فيه السنة: كبر أولًا ثم ارفع، ارفع أولًا ثم كبر، اجعل التكبير مع الرفع.
أسئلة:
- لو قال قائل: إن قول ابن عمر: "كان لا يفعل ذلك في السجود" نفي وهذا مثبت، والقاعدة أن المثبت مقدم على المنفي، فكيف نقول؟
- هل رفع اليدين مع التكبير أو معه أو بعده؟
* * *
стр. 643
صفة وضع اليدين في القيام:
٢٦٧ - وعن وائل بن حجر ﵁ قال: "صليت مع النبي ﷺ فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره". أخرجه ابن خزيمة.
"صليت مع النبي ﷺ "، المعية هنا تقتضي المصاحبة في المكان، أي: معه في المسجد، أو غير المسجد، المهم أن المعية هنا المصاحبة في المكان، وقوله: "فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره" في أي موضع من الصلاة؟ نرجع إلى البخاري من حديث سهل بن سعد: "أن الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة"، وهذا في القيام الذي قبل الركوع والذي بعده، لكن الفرق بين حديث وائل وحديث سهل: أن حديث وائل بين أين يكون موضع اليدين، ولم يرد حديث صحيح صريح في موضعهما وأمثل ما في ذلك هذا الحديث حديث وائل بن حجر -على ما فيه من المقال- أنه يضع يده على صدره هذا أمثل ما جاءت به السنة، وقيل: على نحره، وقيل: على سرته، وقيل: أسفل، فالأقوال إذن أربعة، وأمثلها وأقربها للسنة حديث وائل أنها على الصدر، أما الذين قالوا: إنها على النحر، فاستدلوا بقول الله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ وقالوا: معنى النحر المأمور به: أن يضع يده اليمنى على اليسرى على النحر، وأما الذين قالوا: على الصدر، فاستدلوا بحديث وائل، وأما الذين قالوا: إنه أسفل من السرة أو على السرة، ففي حديث عن علي ﵁ لكنه ضعيف، فأمثل ما ورد في هذه المسألة هو حديث وائل.
نرى بعض الناس -من العجب العجاب- يضع يده اليمنى على اليسرى على الجنب الأيسر، وسألناهم لماذا؟ فقالوا: لأن القلب في الجانب الأيسر، فمن المناسبة أن تكون اليدان على القلب، وهذا غلط، إحداث شريعة لم ترد بها السنة، ولنا أن نجيبهم ونقول: أيضًا الفهم والإدراك يكون في المخ لأنه -والله أعلم- كان الإنسان يكون به، فهذه المسائل -مسائل العبادات- توقيفية تمامًا.
إذا قال قائل: ما الحكمة من وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة؟
قلنا: الإشارة إلى ذل العبد بين يدي ربه؛ لأن هذه صفة الذليل. هذا من جهة، من جهة أخرى: أنه أتم للخشوع؛ لأنه كأنه والله أعلم أن الإنسان يجمع نفسه على نفسه.
فإن قال قائل: تجد بعض الناس يسدل؛ أي: يرسل يديه إما في جميع القيام، وإما في القيام بعد الركوع.
стр. 644
نقول: هؤلاء -عفا الله عنهم- ليسوا على صواب من جهة السنة، فالإرسال ليس بسنة لا قبل الركوع ولا بعد الركوع، والإمام أحمد ﵀ قال: إنه إذا قام من الركوع يخير بين أن يضع اليمنى على اليسرى أو يرسل، وكأنه -والله أعلم- لم يصح عنده، فقال: إن شاء الأمر على طبيعته وأرسل يديه، وإن شاء وضع اليمنى على اليسرى، لكن الأرجح أن يضع يده اليمنى على اليسرى قبل الركوع وبعد الركوع.
فإن قال قائل: إذا كنت أصلي خلف إمام يرسل يديه، وأنا أرى أن السنة خلاف ذلك، فهل أتابع إمامي أو لا؟ الصواب: لا، لأن وضع اليد اليمنى على اليسرى لا يقتضى مخالفة الإمام ولا في التخلف عنه؛ لأنه يتابعه في القيام والركوع والسجود والقعود، ونظير ذلك: لو كان الإمام لا يرى التورك في التشهد الأخير من الثلاثية والرباعية، وأنا أرى التورك في التشهد الأخير من الثلاثية والرباعية، فهل أوافق الإمام أو لا؟ لا أوافقه؛ لأني إن توركت لا أختلف عليه، وكذلك بالعكس لو كان الإمام يرى التورك وأنا لا أرى التورك فلا يلزمني أن أتابعه في هذا.
مسألة الجلسة في الوتر من الصلاة، يعني: إذا أراد أن يقوم للثانية أو للرابعة يرى الإمام الجلوس فيجلس والمأموم لا يرى الجلوس، فهل يجلس أو لا؟
نقول: يجلس لمتابعة إمامه، لأنه لو لم يتابعه لنهض قبله، وهذه مخالفة، لو كان الأمر بالعكس الإمام لا يرى الجلوس والمأموم يرى الجلوس، فهل يجلس أو لا يجلس؟
يقول شيخ الإسلام ﵀: لا يجلس، لأنه إذا جلس لزم أن يتخلف عنه، والجلسة التي تسمى جلسة الاستراحة ليست كما يفعله بعض الناس الآن تجده يجلس ثم يقوم مع أن حديث مالك بن الحويرث يقول: "حتى يستوي قاعدًا" إذا كان في وتر من صلاة لم ينهض حتى يستوي قاعدًا، ثم وصف قيامه فقال: "فيعتمد بيديه على الأرض ثم يقوم"، وإذا تأملت هذه الصفة وهذا الفعل علمت يقينا -أو قريب اليقين- أن الصواب في جلسة الاستراحة إنما هي للحاجة فقط؛ لأن كونه يعتمد على يديه بعد أن يجلس يدل على أنه لا يستطيع أن ينهض بسرعة، وهذا القول هو الوسط في هذه المسألة: أنها للحاجة سنة، ولغير الحاجة لا؛ لأن النبي ﷺ إنما فعلها عند الحاجة فيما يظهر، وهذا هو الذي يقتضيه المعنى، ومالك بن الحويرث من الوفود، والوفود أكثر ما كانوا في السنة التاسعة بعد أن أخذ النبي ﷺ اللحم.
* * *
стр. 645
حكم قراءة الفاتحة:
٢٦٨ - وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن". متفق عليه.
-وفي رواية لابن حبان والدارقطني: "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب".
-وفي أخرى لأحمد، وأبي داود، والترمذي، وابن حبان: "لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟ قلنا: نعم. قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها".
هذه الاحاديث في بيان حكم قراءة الفاتحة:
الأول: قال رسول الله ﷺ : "لا صلاة لمن يقرأ بأم القرآن" "لا صلاة" هذا نفي للجنس، وهو أعلى أنواع النفي، لأنه نص فيه، ونص في العموم أيضًا، و"صلاة" هنا عامة تشمل كل ما يسمى صلاة، فيدخل في ذلك الفريضة والنافلة وصلاة الجنازة، ولا يدخل في ذلك الطواف، وإن كان قد أثر عن ابن عباس أنه قال: "الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام"، فإن هذا فيما أعلم بالإجماع لا يدخل فيه الطواف.
بقي: هل يدخل فيه سجود التلاوة، سجود الشكر؟ الجواب: لا يدخل، لأهن هذين ليس فيهما قيام، وقراءة القرآن من أذكار القيام.
وقوله: "لا صلاة" كما قلت لكم نفي عام، "لمن لم يقرأ بأم القرآن" أم القرآن: الفاتحة، وسميت بذلك، لأن جميع معاني القرآن ترجع عليها، ففيها التوحيد بأنواعه، وفيها قصص الأنبياء، وفيها أقسام الناس، وفيها الإيمان باليوم الآخر، هي أم القرآن في الحقيقة، وقد أحلتكم فيما سبق على "مدارج السالكين" لابن القيم ﵀.
وفي رواية لابن حبان: "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب".
أتى المؤلف بهذه الرواية؛ لأنها صريحة في عدم الإجزاء "لا تجزئ"، وإن كنا في الحقيقة لا نحتاج إليها، لماذا؟ لأنه قال: "لا صلاة"، والنفي في الأصل يكون لنفي الوجود، فإن وجد ولم يصح أن يكون نفيا للوجود صار نفيًا للصحة ولابد، لأن من ليس بصحيح فوجوده كعدمه شرعًا، فإن لم يمكن أن ينزل على نفي الصحة صار نفيًا للكمال.
هنا لا مانع من أن نقول: إنه لنفي الصحة؛ لأننا لا نعلم أن صلاة صحت بدون قراءة الفاتحة، وحينئذ يتعين أن يكون النفي لنفي الصحة، لكن ابن حجر ﵀ أتى بما هو صريح
стр. 646
لئلا يجادل مجادل فيقول: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن" أي: لا صلاة كاملة كما ذهب إليه بعض الناس، وسيأتي ذكرها في الفوائد.
قال: وفي أخرى لأحمد وأبي داود والترمذي، وابن حبان: "لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟ " هذه بمعنى: كأنكم، وهي مشربة معنى الاستفهام "تقرءون خلف إمامكم؟ قلنا: نعم" أي: نقرأ. قال: "لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" قال النبي ﷺ هذا حين انصرف من صلاة الفجر، وكان الصحابة يقروءن مع النبي ﷺ الفاتحة وغير الفاتحة، فقال لهم: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها". فحكم وعلل؛ فحكم بالنهي عن القراءة خلف الإمام واستثنى الفاتحة، ثم علّل بأنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها.
هذه الروايات فيها فوائد:
أولًا: فضيلة الفاتحة وذلك من وجهين:
الوجه الأول: أن جميع الصلوات لا تصح إلا بها.
الوجه الثاني: أنها هي المصحّحة للصلوات.
ومن الفوائد: أن من لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصلاته باطلة، تؤخذ من النفي، ومن لفظ ابن حبان والدارقطني: "لا تجزئ".
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا فرق بين الإمام والمنفرد والمأموم، وجهه: العموم بدون استثناء، وأما ما ورد من أن "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة"، فهذا حديث مرسل لا يصح لا سندًا ولا حكمًا.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا فرق بين كون الصلاة جهرية أو سرية، وهذه مسألة اختلف فيها العلماء على أربعة أقوال:
الأول: قول من يقول: إن من كان له إمام لم تجب عليه الفاتحة فإنها سنة في حقه، وعلى هذا القول لو أن الإنسان كان مأمومًا ودخل مع الإمام في أول الصلاة وكبر واستفتح، ثم قرأ سورة المزمل ومشى مع الإمام تصح صلاته أو لا؟ تصح؛ لأن قراءة الفاتحة عند هذا سنة وليس بواجب، ولا يخفى ما في هذا القول من البعد.
القول الثاني: أنها تجب على المأموم في السرية والجهرية، واستدل هؤلاء بالعموم "لا صلاة لمن ... " و"من" اسم موصول تفيد العموم؛ أي: لا صلاة لمن لم يقرأ سواء كان مأمومًا أو منفردًا أو إمامًا، وسواء كانت الصلاة سرية أم جهرية، واستدل هؤلاء أن النبي ﷺ لم يقل: إلا
стр. 647
من سمع قراءة إمامه فلا بأس، وقالوا: إن حديث عبادة بن الصامت في صلاة الفجر نصّ في موضع النزاع فلا عدول لنا عنه، وعلى هذا القول لا تسقط عن المأموم لو نسيها، فإذا نسي أن يقرأ في إحدى الركعات؛ قلنا: قد فاتت ركعة، ائت بركعة بدلها، إلا أنها تسقط عن المسبوق إذا جاء والإمام راكع فإنه يركع بدون فاتحة، دليل ذلك حديث أبي بكرة ﵁ أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع فدخل في صلاته ولم يأمره النبي ﷺ بإعادة الركعة.
والقول الثالث: أنها واجبة على الإمام، وعلى المأموم ليست واجبة، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرءان فاستمعوا له، وأنصتوا لعلكم ترحمون (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. وقالوا: هذا عام، والمأموم تبع لإمامه، واستدلوا أيضًا بمعنى معقول وهو أنه كيف نلزم المأموم بقراءة الفاتحة في الجهرية وقد استمعها وأمن عليها، والمستمع المؤمن كالفاعل بدليل قول الله ﵎ في قصة موسى وهارون، قال موسى: ﴿ربنا إنك ءاتيت فرعون وملأه زينة وأمولًا في الحيوة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أمولهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم (٨٨)﴾ [يونس: ٨٨] فقال الله تعالى: ﴿قد أجيبت دعوتكما﴾ [يونس: ٨٩]. ومعلوم أن الداعي موسى بنص القرآن، ولكن هارون كان يؤمن، فجعل الله تعالى دعوة موسى دعوة لهارون، فدل ذلك على أن قراءة الإمام في الجهرية التي يسمعها المأموم ويؤمن عليها أنها قراءة له، فاستدلوا إذن بالنص والمعنى، وقالوا: إذا لم نقل: إن قراءة الإمام قراءة للمأموم في الجهرية فما فائدة الجهر حينئذ، وما الفائدة من كون الإمام يقرأ والمأموم يقرأ؟ وهذا القول كما ترى قول قوي جدًا أثرًا ونظرًا.
والقول الرابع: أن قراءة الفاتحة واجبة على الإمام والمأموم والمنفرد، واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، وبقوله "لعلكم تقرءون خلف إمامكم". قالوا: نعم. قال: "لا تفعلوا إلا بأم الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها"، وهذا قاله ﷺ حين انفتل من صلاة الفجر وهو نصٌّ في موضع النزاع، وأجابوا عما استدل به القائلون بالتفصيل بين السرية والجهرية بأن قوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرءان فاستمعوا له، وأنصتوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] عام مخصص بالأدلة الدالة على وجوب قراءة الفاتحة، فيكون المعنى: إذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا إلا في الفاتحة فلابد منها، واستدلوا على المعنى المعقول والقياس بأنه لا فائدة من جهر الإمام بالقراءة إذا كان لا يغني عن قراءة المأموم، بأن هذا قياس في مقابلة النص فلا يعتبر، وحقيقته: أننا نشهد الله أنه لولا حديث عبادة بن الصامت لكان القول الواضح الجلي أن المأموم إذا سمع قراءة إمامه فلا قراءة عليه؛ لأنه يسمعها ويؤمن عليها فهي كقراءته بنفسه، لكن ماذا نقول وقد قال النبي ﷺ ، وقد انفتل من صلاة الفجر: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن"؟ على هذا
стр. 648
القول يقولون: إنها تسقط عن المأموم إذا كان مسبوقًا ولا يعيد قراءة الفاتحة، واستدل هؤلاء بحديث أبي بكرة ﵁ حين دخل المسجد والنبي ﷺ راكع، فركع قبل أن يدخل في الصف، ثم دخل في الصف، فلما سأل النبي ﷺ : "من فعل هذا؟ " قال: أنا. قال: "زادك الله حرصًا ولا تعد"، ولم يأمره بقضاء الركعة التي لم يدرك منها إلا الركوع وما بعده، ولو كان لم يدركها لأمره النبي ﷺ بقضائها كما أمر الذي لا يطمئن في صلاته أن يعيد الصلاة، وهذا واضح.
فيستثنى من ذلك على هذا القول: المسبوق إذا أدرك بعض الفاتحة ثم ركع الإمام هل نقول: إنه يكملها ثم يتابع ولو رفع الإمام من الركوع؟ الجواب: لا، إن تمكن من إدراكها قبل أن يرفع فعل، وإن لم يتمكن فإنه يركع؛ لأنه الآن مسبوق وهو يريد أن يدرك الركوع، ولو أكمل الفاتحة لفاته الركوع.
هناك قول خامس أشد من هذه الأقوال يقول: إن قراءة الفاتحة واجبة على الإمام والمأموم والمنفرد والمسبوق والذي أدرك الصلاة من أولها، وإلى هذا ذهب بعض المتأخرين ومنهم الشوكاني في "شرح المنتقى" وقال: "لا تصح"، وأجاب عن حديث أبي بكرة بأن النبي ﷺ قال له: "ولا تعد" ولكن هذه الإجابة ساقطة؛ لأن النبي ﷺ قال: "لاتعد" وكلمة "لا تعد" ننظر هل المعنى: لا تعد إلى السرعة لإدراك الركعة، أو المعنى: لا تعد إلى الركوع قبل أن تدخل في الصف، أو المعنى: إلى الاعتداد بالركوع إذا لم تدرك الفاتحة؟ كل هذا محتمل، نقول: أما الأول: لا تعد إلى الإسراع فهذا صحيح، والثاني: لا تركع قبل الدخول في الصف فذلك صحيح، الثالث: فيه احتمال، ولكن يبعده أن النبي ﷺ لم يأمره بإلغاء هذه الركعة، ولو كان هذا العمل مردودًا -أي: عدم قراءة الفاتحة في حال السبق- لبينه له النبي ﷺ كما بين ذلك لمن صلّى وهو لا يطمئن.
إذن الصواب في هذه المسألة: أن قراءة الفاتحة واجبة على الإمام والمأموم والمنفرد في السرية والجهرية إلا المسبوق، وكما قلت لكم: إنه لولا حديث عبادة بن الصامت لكان القول المتعين هو التفريق بين السرية والجهرية وأن الإنسان إذا سمع قراءة إمامه الفاتحة سقطت عنه؛ لأنه استمعها وأمن عليها، ولكن لا نستطيع أن نتجاسر على هذا القول، وحديث عبادة نصّ في الموضوع على أن القول بالتفصيل هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، واختيار شيخنا عبد الرحمن بن سعدي ﵀، والقول بالوجوب مطلقًا هو اختيار شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀ فقد ذهب إلى أنها واجبة على المأموم مطلقًا بكل حال، ولولا النص لقلنا بالتفصيل كما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
* * *
стр. 649
أحكام البسملة:
٢٦٩ - وعن أنس ﵁ "أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بـ ﴿الحمد لله رب العالمين (٢)﴾. متفق عليه.
-زاد مسلم: "لا يذكرون: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم (١)﴾ [الفاتحة: ١] في أول قراءة ولا في آخرها".
-وفي رواية لأحمد، والنسائي، وابن خزيمة: "لا يجهرون بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ ".
-وفي أخرى لابن خزيمة: "كانوا يسرون".
-وعلى هذا يحمل النفي في رواية مسلم، خلافًا لمن أعلها.
هذه الأحاديث في بيان البسملة: هل يجهر بها كما يجهر بالفاتحة أو لا؟
أما إذا قلنا بأنها آية من الفاتحة فلابد من الجهر بها، فلا يسر بها كما لا يسر بباقي الآيات.
وإذا قلنا: إنها ليست من الفاتحة فإنه لا يجهر بها، بل يسر كما يسر بالاستفتاح.
والعلماء في هذه المسألة مختلفون:
منهم من قال: إنها من الفاتحة وهو مذهب الشافعي ﵀، وعلى هذا القول يجهر بها؛ لأنها بعض آياتها.
ومنهم من قال: ليست من الفاتحة كما هو مذهب الإمام أحمد ﵀، وهذا القول هو الراجح، ودليله: أن النبي ﷺ قال فيما يرويه عن الله: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال: ﴿الحمد لله رب العالمين (٢)﴾ قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال ﴿الرحمن الرحيم (٢)﴾ قال: أثنى علي عبدي، وإذا قال: ﴿ملك يوم الدين (٤)﴾ قال: مجدني عبدي، وإذا قال: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين (٥)﴾ قال الله: هذا بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهدنا الصراط المستقيم (٦) صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضآلين (٧)﴾ قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل".
وأنت إذا قسمت الفاتحة نصفين تبين لك أن أول آياتها ﴿الحمد لله رب العلمين﴾ هي الأولى، ﴿الرحمن الرحيم﴾ هي الثانية، ﴿ملك يوم الدين﴾ الثالثة، ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ الرابعة، هي الوسطى من السبع، وهي التي بين الإنسان وبين ربه، والثلاث الأول لله ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ الخامسة، ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ السادسة، ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضآلين﴾
стр. 650
السابعة، وهذه الثلاث للإنسان: فثلاث لله، والثلاث الأخيرة للآدمي، والرابعة الوسط بين الله وبين العبد، ثم إننا لو قلنا: إن البسملة من الفاتحة لزم أن تكون آياتها ثمانية آيات، أو أن تكون آياتها الأخيرة بطول غيرها مرتين فلا تناسب؛ لأننا لو قلنا: البسملة من الفاتحة صارت الأولى: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، الثانية: ﴿الرحمن الرحيم﴾، الثالثة: ﴿ملك يوم الدين﴾، الرابعة: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾، الخامسة: ﴿اهدنا الصرط المستقيم﴾، السادسة: ﴿صرط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضآلين﴾، السابعة وهذه طويلة فلا تناسب الآيات بعضها مع بعض، ثم المعنى كما علمتم لا يتناسب.
فالصواب الذي عندي كالمقطوع به: أن البسملة ليست من الفاتحة، وإذا لم تكن منها فلا تعامل معاملة الفاتحة، ولهذا كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر لا يجهرون بها، ولو كانت من الفاتحة لجهروا بها.
تكميلًا لكلامنا الأول نقول: إذا قلنا: إن البسملة من الفاتحة؛ لزم أن تكون الفاتحة ثماني آيات متناسبة أو سبع آيات مع طول الأخيرة، وهي ليست ثماني آيات بالنص والإجماع، فإن النبي ﷺ قال: "هي السبع المثاني"، فلا يمكن أن نقول: إنها ثماني آيات.
إذن نقول في حديث أنس ﵁ فوائد منها: الاستدلال بفعل النبي ﷺ أنه لا يقرأ بالبسملة، الاستدلال بفعل أبي بكر، الاستدلال بفعل عمر، وهنا نقاش وهو أن يقال: لماذا لا يستدل بفعل الرسول ﷺ وحده أليس كافيًا؟ بلى، لكنه ذكر أبا بكر وعمر لفائدتين:
الفائدة الأولى: أن هذا الحكم لم ينسخ، بل قد بقي بعد وفاة النبي ﷺ .
الفائدة الثانية: أن ذلك إجماع؛ لأنه قد مضى عهدان بعد عهد النبوة والخلفاء لا يقرءون البسملة، فيكون هذا إجماعًا، وتكون البسملة لا تقرأ بالنص والإجماع.
ومن فوائد هذا الحديث: فضيلة الفاتحة؛ حيث تقرأ قبل كل شيء من القرآن لقوله: "يفتتحون الصلاة".
ومن فوائد هذا الحديث: إطلاق الكل على الجزء؛ لقوله: "يفتتحون الصلاة"، والمراد: بـ"يفتتحون" القراءة؛ لأن الصلاة تفتتح بالتكبير، ومن بعده دعاء الاستفتاح، لكن عنوا بالصلاة هنا: قراءة الصلاة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن المحكي يبقى على ما هو عليه لا يغير؛ لأن اللفظ الذي عندي بـ ﴿الحمد لله رب العلمين﴾ على الحكاية، ولو أعملت الباء مسلطة على الحمد لقال "بالحمد" ولمسلم: "لا يذكرون ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ في أول القراءة ولا في آخرها" وهذا نفي لذكر البسملة وهل المراد: أنهم لا يبسملون سرًا ولا جهرًا؟
стр. 651
نقول: نعم هذا ظاهر اللفظ؛ لأنه جزم بأنهم لا يذكرونها، ولكن سيأتي في ألفاظ أخرى ما يؤيد ما ذكره ابن حجر ﵀ أن المراد: لا يجهرون بها، وهذا الحمل متعين من أجل أن تتفق الروايات على هذا المعنى.
وفي رواية لأحمد والنسائي وابن خزيمة: "لا يجهرون بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، وهذا نفي للجهر، فيدل على أنهم يسرون بها؛ لأن نفي الأخص يدل على وجود الأعم، وفي أخرى لابن خزيمة: "كانوا يسرون"، وهي بمعنى: لا يجهرون، لكنها صرحت بالأخص. قال: وعلى هذا يحمل النفي في رواية مسلم، أين رواية مسلم؟ "لا يذكرون ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ "، فيحمل المعنى على أنهم لا يجهرون بها.
سؤال:
سبق لنا القول الراجح أن البسملة ليست من الفاتحة، فما هو وجه الرجحان؟
٢٧٠ - وعن نعيم المجمر ﵁ قال: "صليت وراء أبي هريرة ﵁ فقرأ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾. ثم قرأ بأم القرآن، حتى إذا بلغ: ﴿ولا الضآلين﴾. قال: آمين، ويقول كلما سجد، وإذا قام من الجلوس: الله أكبر، ثم يقول إذا سلم: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ . رواه النسائي وابن خزيمة.
"المجمر" سمي بذلك؛ لأنه كان يجمر المسجد؛ أي: يأتي بالبخور والجمر ويضع فيه العود حتى يخرج منه الدخان طيب الرائحة.
قال: "صليت وراء أبي هريرة فقرأ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ ... إلخ" قوله: "فقرأ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ "، لم يبين هل قرأها جهرًا أو قرأها سرًا؟ لكن الذي يظهر من السياق أنه قرأها جهرًا، ثم قوله: "حتى إذا بلغ ﴿ولا الضآلين﴾ قال: آمين"، أيضًا لم يتبين هل قالها سرًا أو جهرًا؟ لكن سياق الحديث يدل على أنها كانت جهرًا، وأن الصلاة كانت جهرية، "وكان أيضًا يقول: كلما سجد، وإذا قام من الجلوس: الله أكبر)) كلما سجد، وإذا قام من الجلوس يعني: التشهد الأول يقول: "الله أكبر"، ومن المعلوم أن النبي ﷺ قد صح عنه أنه يقول: الله أكبر إذا خفض وإذا رفع، وهذه تسمى تكبيرات الانتقال، فاختلف العلماء ﵏ هل هي واجبة أو لا كما سيأتي في الفوائد -إن شاء الله-.
стр. 652
ثم يقول إذا سلم: "والذي نفسي بيده إني لأشبهكم" هذا قسم، أقسم ﵁ أنه أشبههم صلاة بصلاة النبي ﷺ ، وأقسم بالذي نفسه بيده، والمراد: نفسه بيده تصريفًا وقبضًا وتأجيلًا، فالذي بيده الأنفس لله إن شاء قبضها وإن شاء أجلها، وإن شاء أضلها وإن شاء هداها كما قال : ﴿ونفس وما سوها (٧) فألهمها فجورها وتقوها﴾ [الشمس: ٧ - ٨]. وكان النبي ﷺ يقسم بهذا أحيانًا.
"إني لأشبهكم" الجملة جواب القسم، وعليه فتكون هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم، وإن، واللام.
"إني لأشبهكم"، وإنما أقسم ﵁ حثًا للناس وترغيبًا لهم أن يفعلوا مثل فعله؛ لأن القسم مما يزيد طمأنينة وقبولًا، "لأشبهكم صلاة بصلاة رسول الله ﷺ " (صلاة) هذه منصوبة على أنها تمييز؛ لأن ما جاء من بعد اسم التفضيل يكون تمييزًا لقوله تعالى: ﴿أنا أكثر منك مالًا وأعز نفرًا﴾ [الكهف: ٣٤]. فـ ﴿مالًا﴾ تمييز و ﴿نفرًا﴾ تمييز أيضًا.
في هذا الحديث فوائد منها: جواز الجهر بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾؛ لأن أبا هريرة ﵁ جهر بذلك، ولكن هل الجهر هنا من أجل أن من السنة الجهر بها أو للتعليم كما فعل عبد الله بن عباس ﵁ حين جهر بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة وقال: ليعلموا أنها سنة؟ في هذا احتمال، وإذا كان فيه احتمالان فالواجب أن يرد إلى المحكم، والمحكم أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا لا يجهرون بها، وهذا هو المعتمد، وعليه فيكون فعل أبي هريرة ﵁ من باب التعليم والإيضاح، ولهذا أقسم في آخر الحديث أنه أشبه الناس صلاة بصلاة رسول الله ﷺ .
ومن فوائد هذا الحديث: تسمية الفاتحة بـ"أم القرآن"، وأم الشيء مرجعه، وسميت الفاتحة "أم القرآن"؛ لأن جميع معاني القرآن موجودة فيها؛ ففيها التوحيد، وفيها الفقه، وفيها السير، وفيها الإيمان باليوم الآخر، وفيها أقسام الناس المنحصرة وهي: المهديون، والذين أنعم الله عليهم، والضالون، والمغضوب عليهم؛ لذلك سميت "أم القرآن"، ومن ثم قراءتها في الصلاة صارت ركنًا لا تصح الصلاة إلا به.
ومن فوائد هذا الحديث: التأمين بعد قوله: ﴿ولا الضآلين﴾ والتأمين سنة، وهو اسم فعل بمعنى: اللهم استجب، واسم الفعل عند النحويين: "ما دل على معنى الفعل ولم يقبل علامته"، هذا هو اسم الفعل، فإن قبل علامته فهو فعل إما ماض، أو مضارع، أو أمر، ويقال: آمين، ولا يقال: آمّين، وإن كان بعضهم ذكر أنها لغة ولكنها رديئة جدًا؛ لأن آمّين بتشديد الميم بمعنى: قاصدين، لكن آمين بمعنى: اللهم استجب، ويجوز قصر الهمزة فيقال: "أمين"، لكنها لغة ضعيفة أيضًا إلا أنها ليست كالأولى، والمد هو الصواب "آمين".
стр. 653
وهل يقولها المأموم بعد قول الإمام: ﴿ولا الضالين﴾، أو ينتظر حتى يؤمن الإمام؟ القول الأول هو المتعين أنه يقولها المأموم، إذا قال الإمام: ﴿ولا الضالين﴾ لما في صحيح مسلم ﵀ عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا قال الإمام: ﴿ولا الضالين﴾ فقولوا: آمين".
وأما قوله: "إذا أمن الإمام فأمنوا" فليس تعني: ألا تؤمنوا حتى يؤمن، ولكن معناها: إذا أمن أي: إذا بلغ محل التأمين، ومتى يبلغه؟ إذا قال: ﴿ولا الضالين﴾، أو المعنى: إذا شرع في التأمين فأمنوا، وليس المعنى: إذا انتهى منه، لأنه إذا جاء المحتمل صريحًا في أحد الاحتمالين تعين حمله على هذا الصريح.
ومن فوائد هذا الحديث: التكبير عند كل سجود وإذا قام من الجلوس، وهذا التكبير يسمى تكبير الانتقال، والتكبيرات ثلاثة أنواع:
أولًا: تكبيرة لا تنعقد الصلاة بدونها وهي تكبيرة الإحرام.
ثانيًا: تكبيرة مستحبة، وهي تكبيرة المسبوق إذا أدرك الإمام راكعًا فإنه يكبر للإحرام أولًا قائمًا، ثم يكبر للركوع استحبابًا لا وجوبًا.
الثالث: بقية التكبيرات، والصحيح أنها واجبة؛ يعني: أن من تعمد تركها فلا صلاة له، ومن نسيها يجبر ذلك بسجود السهو، ويدل لهذا أن النبي ﷺ واظب على التكبير، ولم يحفظ عنه أنه ترك التكبير أبدًا، فمواظبته عليه مع قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" يدل على وجوبها وأنه لابد منها، وهذا هو القول الراجح، ومقابله أن التكبيرات ما عدا تكبيرة الإحرام ليست بواجبة، وأنها سنة، والصواب أنها واجبة، وأن من تعمد تركها عالمًا بوجوبها بطلت صلاته، ومن نسيها جبر ذلك بسجود السهو.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الإقسام لتحقيق الشيء وإن لم يستقسم القائل، من أين يؤخذ؟ من قوله: "والذي نفسي بيده إني لأشبهكم"، وإن شئت فقل: من أجل أن تسلم من اللفظ لإقسام أبي هريرة، فينبغي للإنسان إذا كان الموضع مما يحتاج إلى توكيد، فينبغي له أن يؤكده بالقسم، لأن هذه طريقة القرآن والسنة، لا يقول: أنا أخبر والذنب على من لا يقبل الخبر، هذا ليس بصحيح، أنت مخبر داع إلى الله فأكد خبرك بما يؤكده لتتم الدعوة إلى الله. صحيح ليس عليه إلا البلاغ، وقد يقال: إنه إذا دعت الحاجة إلى الإقسام ولم يقسم فإنه لم يأت بوسيلة القبول وهي القسم، وقد أمر الله نبيه ﷺ أن يقسم في ثلاثة مواضع من القرآن:
стр. 654
الموضع الأول: قوله: ﴿ويستنبئونك أحق هو﴾ -أي: القرآن- ﴿قل إى وربى إنه لحق﴾ [يونس: ٥٣].
الموضع الثاني: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا﴾ [التغابن: ٧].
الموضع الثالث: ﴿وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربى لتأتينكم﴾ [سبأ: ٣]. لأهمية المقسم عليه، فأمر الله نبيه أن يقسم، أما إقسام النبي ﷺ فقد بلغت فوق ستين مرة، وأما في القرآن فحدث ولا حرج كثيرة جدًا، المهم أنه ينبغي للإنسان في المواطن التي تحتاج إلى قسم أن يقسم، وليس من شرط ذلك أن ينكر المخاطب أو أن يظهر منه التردد، وإن كان البلاغيون يقولون: إنه لا ينبغي القسم إلا إذا أنكر المخاطب، فهذا ربما يقال اصطلاحًا، أما من حيث الشرع فإنك تقسم على كل أمر له أهمية، وينبغي للناس أن يؤمنوا به ويقبلوه.
ومن فوائد هذا الحديث: دقة التعبير في أساليب كل الصحابة ﵃ حيث قال: "إني لأشبهكم" والشبه لا يقتضي المماثلة في كل وجه، ولكن يقصد المقاربة التامة خلافًا للمعاصرين الذين يقول القائل منهم القول، وربما يكون خطأ ويقول: هذا هو السنة تحقيقًا، لكن أبا هريرة يقول: "إني لأشبهكم"، وهذا لا ينبغي للإنسان أن يفعله في مثل هذه الأمور، بألا يجزم بالكمال؛ لأنه ربما يكون هناك نقص وهو لا يعلمه، فاحترز في الكلام حتى لا يؤخذ عليك، واعلم أن الناس لو أخذوا عليك مرة واحدة كلامًا فسيكون هذا هدمًا للحصن الذي تتحصن به وسيؤخذ عليك، ويقال: ألم يقل كذا وكذا، فيعارضوا القول الصواب الذي قاله؛ لأنه أخطأ فيما سبق، فاحترز غاية الاحتراز، لا في الشروط فقط بل في الأحكام أيضًا، لا تجمل الأحكام إذا كانت تحتاج إلى تفصيل، بل فضل الكلام إذا احتاج إلى زيادة، بعض الناس قد يفتي بالإجمال يقول: لو طولت المخاطب لا يفهم، نقول: يا أخي، فصل للمخاطب، لو كان يحتاج إلى التفصيل ففصل له.
٢٧١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قرأتم الفاتحة فاقرءوا: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ [الفاتحة: ١]. فإنها إحدى آياتها". رواه الدارقطني، وصوب وقفه.
"وهو الصواب" أي: وقفه، "إذا قرأتم الفاتحة" يعني: أم القرآن، وتسمى أم القرآن، وأم الكتاب، والفاتحة، لأنه افتتح بها المصحف.
стр. 655
"فاقرءوا ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ فإنها إحدى آياتها" هذا لو صح عن النبي ﷺ لكان مشكلًا، وجه الإشكال: أنه يخالف عمل النبي ﷺ الذي بقي إلى موته واستمر عليه الخلفاء الراشدون، لكن الحمد لله أنه لم يصح وأنه موقوف، وإذا كان موقوفًا فهو من قول أبي هريرة.
شروط كون قول الصحابي حجة:
ومعلوم أن قول الصحابي ليس بحجة؛ لأن العلماء اختلفوا في قول الصحابي هل هو حجة أو لا؟ فمنهم من قال: إن قوله في التفسير حجة بكل حال حتى ألحقهم بعضهم بالمرفوع كالحاكم ﵀، مثلًا قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم﴾ [لقمان: ٦]. أقسم ابن مسعود أن ذلك هو الغناء، فهل نقول: إن تفسير ابن مسعود لهذه الآية بالغناء مرفوع؟ يرى بعض العلماء ذلك أن تفسير الصحابي للقرآن بمنزلة المرفوع إلى النبي ﷺ ، وعلى هذا فيكون حجة، وقد سبق لنا في التفسير أن المرجع في تفسير القرآن إلى القرآن، ثم السنة، ثم إلى أقوال علماء الصحابة.
ومن العلماء من قال: إن قول الصحابي ليس بحجة مطلقًا سواء في تفسير آية أو في حكم، لأنه لا معصوم إلا محمد ﷺ ، والصحابي يجوز عليه الخطأ، ويجوز ألا يرفع خطؤه بوحي، وعلى هذا فلا حجة.
ومنهم من فرق بين علماء الصحابة وفقهائهم فقال: إن قولهم حجة دون غيرهم، وأنتم تعلمون أن الأعرابي لو جاء إلى بعيره وأناخها عند النبي ﷺ وشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله وانصرف إلى أهله لكان صحابيًا، فهل مثل هذا يحتج بقوله في أمور الدين وأحكام الدين؟ يرى بعض العلماء أن الخلاف الذي حصل بين العلماء يستثنى منه هذه المسألة، لأن مثل هذا ليس عنده من الفقه ما يجعل قوله حجة، لكن العلماء الفقهاء من الصحابة قولهم حجة لأنهم أقرب إلى الصواب من غيرهم، وعلى هذا القول لابد من شروط:
الشرط الأول: ألا يخالف النص، فإن خالف النص فإنه مردود حتى لو كان قول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، لأن الحجة بما قاله الله ورسوله.
وعلى هذا لو قال قائل: هل يمكن أن أحدًا من هؤلاء الأئمة الأعلام الخلفاء الراشدين يخالف النص؟
الجواب: نعم ممكن، لكن نعلم علم اليقين أنه لن يخالف النص عمدًا هذا مستحيل لما نعلم من أحوالهم لكن قد يخالفه خطأ، وأمثلة هذا كثيرة، وانظر إلى حديث الطاعون -أعاذنا الله وإياكم والمسلمين منه- حينما صار أمير المؤمنين عمر إلى الشام، في أثناء الطريق قالوا له: يا أمير المؤمنين، وقع في الشام طاعون يموت في اليوم آلاف كيف تقدم بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 656
على هذا البلاء؛ فتوقف، وكان من عادته ﵁ أنه في الأمور العامة لا يعتد برأيه يشاور، مع أن رأيه قريب جدًا من الصواب، وكان يصيب كثيرًا في عهد النبي ﵊ حتى قال النبي ﷺ في عمر: "إن يكن فيكم محدثون فعمر"، لكن توقف وشاور الصحابة الأنصار والمهاجرين والكبراء منهم، ولم يصل إلى نتيجة إلا أنه ترجح أن يرجع فأمر بالرجوع، فحصل بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح ﵁ مناقشة والقصة مشهورة، حتى جاء عبد الرحمن بن عوف وأخبرهم أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليها".
انظر الآن كل الذين مع عمر لم يبلغهم هذا الخبر، فجائز أن الصحابي الكبير يخفى عليه الحكم؛ لأنه لم يبلغه النص، أرأيتم عمر بن الخطاب أنكر على القارئ الذي قرأ من القرآن آية، أنكر عليه؛ لأن عمر لم يسمعها من الرسول، حتى احتكما إلى النبي ﷺ وأقر هذا وهذا، مع أن إنكار شيء من القرآن ليس بهين، لكن أنكره عمر لأنه ما بلغه.
فالمهم: أنه يشترط لكون قول الصحابي حجة -والصحابي كما سمعتم أولًا هو من كان فقيهًا- ألا يخالف النص، فإن خالف النص فلا، ولهذا قال عبد الله بن عباس ﵁: "يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟ ! ". يوشك أن تنزل على الناس حجارة من السماء؛ لأنهم خالفوا قول الرسول ﷺ لقول أبي بكر وعمر مع أن قول أبي بكر وعمر له تأويل في مسألة المتعة -متعة الحج- كان النبي ﷺ حين قدم مكة لحجة الوداع أمر بالتمتع، وأن من لم يسق الهدي فإنه يجعلها عمرة، وحتم في ذلك وغضب لما لم يقبلوا، أما أبو بكر وعمر فرأيا ﵁ أن يقوم الناس أيام الحج بالحج فقط ويجعلوا العمرة في وقت آخر حتى يكون البيت دائمًا معمورًا بالزوار وقالوا: إن النبي ﷺ أمر بذلك لكون أهل الجاهلية يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، فأراد أن يبين أنها ليست من أفجر الفجور، فتأولا ﵁ وأمرا بإفراد الحج. فعلى كل حال تقول:
الشرط الأول: ألا يخالف النص.
الشرط الثاني: ألا يخالف صحابيًا آخر، فإن خالف صحابيًا آخر فإنه لا يكون حجة؛ لأننا نقابل هذا الصحابي بالصحابي الآخر، فماذا نصنع؟ نقدم من نرى أنه أرجح لعلمه الواسع، فإذا
стр. 657
لم يترجح عندنا أحد القولين حينئذ نقول: ليس كل قول على الآخر حجة، وننظر نحن في الأدلة هل تدل على أحد القولين أو لا.
بحثنا هذا يعود إلى قول أبي هريرة ﵁: (فإنها إحدى آياتها) فالصواب: أن البسملة ليست إحدى آيات الفاتحة، وأنها آية مستقلة تفتح بها السّور، إلا سورة براءة فإن الصحابة ﵃ حذفوها يعني: لم يبدءوها بالبسملة؛ لأنه وقع عندهم اشتباه، ولكن هذا الاشتباه -يا إخوان- لا تظنوا أنه لما اشتبه عليهم الأمر حذفوا شيئًا من القرآن؛ لأن الأصل عدم الفصل، فهم ساروا على قاعدة والمواضيع التي في سورة براءة قريبة من المواضيع التي في سورة الأنفال، ونحن نعلم أنها هكذا أنزلت، بمعنى: أن نعلم أنه لا بسملة؛ لأنه لو كان بسملة لم يكن الله تعالى ليضيعها، فقد قال تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر: ٩].
التأمين وأحكامه:
٢٧٢ - وعنه ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته وقال: آمين». رواه الدارقطني وحسنه، والحاكم وصححه.
-ولأبي داود والترمذي من حديث وائل بن حجر نحوه ...
هذه أيضًا فيها دليل على استحباب التأمين وأن الإمام يرفع صوته بذلك، وكذلك المأموم لقول النبي ﷺ : "إذا أمن الإمام فأمنوا"، وظاهر هذا أن نقتدي بالإمام تمامًا، فإذا جهر جهرنا بالتأمين وهذا هو القول الراجح بل المتعين، وأما من ذهب من العلماء بأنه لا يجهر بـ"آمين" فهو ضعيف ما دامت السنة ثبت بها رفع الصوت بـ"آمين" فهذا هو المتعين، والقول بأن هذا من باب التعليم قول في الحقيقة لا يمكن أن يثبت قائله على قدم إلا عند المضايقة في المناظرة.
انتبه: أحيانًا بعض العلماء ﵏ يأتون بجواب يحملهم عليه المضايقة في المناظرة فيقولون: لعله كذا، ونضرب مثلًا أوضح من هذا وهو الجهر بالذكر أدبار الصلوات؛ ثبت عن النبي ﷺ فيما رواه البخاري عن عبد الله بن عباس أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي ﷺ فهذا صريح؛ لأنه مرفوع.
стр. 658
قال بعض أهل العلم: إنما رفع صوته بذلك ليعلم الناس، هل هذا الجواب صحيح؟ لا؛ لأن الرسول ﷺ أراد أن يعلم أصحابه بالقول دون أن يحدث بدعة في دينه وهو رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة، فيقول للناس: اذكروا الله كذا وكذا مثل ما علم الأنصار قال: "تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين"، فكيف يواظب على شيء هو بدعة لأجل أن يعلم الناس، أليس يستطيع أن يعلم بقوله؟ بلى، ولا شك، فإذن نقول: لماذا لم نجهر بـ"سبحان ربي الأعلى" في السجود و"سبحان ربي العظيم" في الركوع، لماذا لم نجهر بالاستفتاح ليعلم الناس؟ فهذا الجواب إنما قاله من قاله عند المضايقة؛ لأنه لا يستطيع أن يقول: هذا غير صحيح، لأنه ثابت فيجيب بهذا الجواب البارد، وانتبهوا لهذا إذا طالعتم كتب الخلاف تجدون العجب العجاب من أجوبة العلماء ﵏، وسبب ذلك: أنهم يعتقدون أولًا ثم يستدلون ثانيًا، فإذا اعتقدوا شيئًا وجاءت النصوص بخلافه حاولوا أن يجيبوا عن ذلك بأجوبة قد تكون مستكرهة أحيانّا؛ لأن هذه الأدلة أثبت، بخلاف ما يعتقدون فتجدهم يلوون أعناق الأدلة إلى ما يريدون، وهذه خطيرة جدًا، ولولا إحسان الظن بالعلماء ﵏ لكانت المسألة خطيرة، لكنا وقعنا فيما وقع فيه بنو إسرائيل من تحريف الكلم عن مواضعه، ولهذا أنصح نفسي وإياكم أن نطالع الأدلة على أننا لا نعتقد شيئًا أبدًا حتى تدل الأدلة عليه، أو أن نعتقد ولكن نستدل، فإذا وجدنا الدليل يخالف ما اعتقدنا أخذنا به وتركنا الأول، وما أكثر ما يتراجع العلماء الأئمة عن أقوالهم إذا تبين لهم الحق، بل حتى الخلفاء الراشدون إذا تبين لهم الحق رجعوا إليه.
أسئلة:
-لماذا سميت الفاتحة بـ"أم الكتاب"؟
-ما هو الضابط في الضال؟
-ما هو الضابط في المغضوب عليهم؟
-ما هو إعراب آمين؟
-ما معنى قوله: "وإذا قام من الجلوس قال الله أكبر"؟
-ما معنى صوب وقفه؟
-هل قول الصحابي حجة؟
стр. 659
متى تسقط الفاتحة:
٢٧٤ - وعن عبد الله بن أبى أوفى ﵁ قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا، فعلمني ما يجزئني منه. فقال: قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ... ". الحديث رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبان، والدارقطني، والحاكم.
قوله: "لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا" يعنى: لا أستطيع أن أقرأ القرآن في الصلاة، أو المعنى: أن آخذ شيئًا من القرآن في الصلاة، وليس المعنى: أنه لا يستطيع أن يأخذ شيئًا من القرآن بالتعليم، فإن هذا بعيد لاسيما في عهد الصحابة ﵃.
قوله: "فعلمني ما يجزئني منه" "من" هنا بدلية؛ أي: ما يجزئني بدلا عنه، وتأتي "من" للبدل، ومثالها قوله تعالى: ﴿ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون﴾ [الزخرف: ٦٠]. هنا يتعين أن تكون "من" بمعنى: بدلكم، وليس المعنى: أن يجعل الله منا ملائكة، لا المعنى: أن يجعل بدلكم ملائكة، ومنه قولك: "بعت هذا الشيء بكذا" فإن "الباء" هنا للبدل.
يقول: "فقال: قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم"، قال: "قل: سبحان الله" أي: تسبيحًا لله ، و"سبحان" اسم مصدر منصوب على المفعولية المطلقة وعاملها محذوف وجوبًا، ومعنى التسبيح: تنزيه الله ﵎ عن كل ما لا يليق به من فعل أو وصف مأخوذ من قولهم: "سبح في الماء": إذا مشى فيه وأبعد، وقوله: "الحمد لله" الحمد: هو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، فإذا جمعت سبحان مع الحمد حصل الكمال المطلق، الكمال الخالي من أي نقص، الخلو من النقص يستفاد من قوله: "سبحان"، والكمال من قوله: "الحمد لله".
وقوله: "ولا إله إلا الله" كلمة الإخلاص -نسأل الله أن يميتنا وإياكم عليها- كلمة الإخلاص أي: لا معبود حق إلا الله فكل ما يعبد من دون الله وإن سمي إله فإنه باطل لا يصح أن يسمى بذلك كما قال الله : ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل﴾ [الحج: ٦٢]. إذا كان لا معبود إلا الله، فسيأتي -إن شاء الله- في الفوائد أن ذلك يستلزم ألا تعبد أحدًا سوى الله ؛ لأنك أقررت بأنه لا معبود حق إلا الله.
"والله أكبر" يعني: أكبر من كل شيء في الذات والوصف، وفي كل شيء، فإن الله -تبارك
стр. 660
وتعالى- قال في كتابه العزيز: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ [الزمر: ٦٧] ﴿وله الكبرياء في السماوات والأرض﴾ [الجاثية: ٣٧]. الكبرياء في المعنى، ولا يوصف أحد بالكبر سوى الله من وصف بالكبر سوى الله فهو ناقص، فالكبر وصف نقص بالنسبة للمخلوق، ووصف كمال بالنسبة للخالق.
"ولا حول ولا قوة إلا بالله" حول بمعنى: تحول؛ فهي اسم مصدر؛ لأنها دلت على معنى المصدر ولم تضمن حروفه، المعنى: لا تحول ولا قوة على التحول إلا بالله؛ فالأول: الإرادة، والثاني: الفعل، أو إن شئت فقل: الثاني القوة ويترتب عليها الفعل، والمعنى: أنه لا أحد يستطيع أن يتحول من حال إلى أخرى إلا بالله، والباء هنا في قوله "إلا بالله" للاستعانة، و"العلي" أي: ذو العلو مكانة ومكانًا، فإن الله فوق كل شيء، وهو العلي بصفاته عن كل شيء، فيشمل هنا العلو المعنوي والعلو الحسي، "العظيم" أي: ذو العظمة في جميع صفاته، علمه عظيم، قدرته عظيمة، سمعه عظيم.
فهذه خمس جمل تجزئ عن الفاتحة لمن لم يستطيع أن يقرأها.
قال: "الحديث"، الحديث يقولون: إنه يجوز أن تقرأه بالنصب يعني: أكمل الحديث، أو يكون مجرورًا على نزع الخافض على تقدير المضاف، أي: إلى آخر الحديث.
في هذا الحديث فوائد وهي: سقوط قراءة الفاتحة عمن عجز عنها، ولكن هل يجب على الإنسان أن يتعلم الفاتحة أو لا؟ الجواب: يجب، وإذا لم يتعلمها، يعني: لم يجد من يعلمه إلا بأجرة وجب عليه أن يستأجره ويعلّمه إياها، لأن قراءة الفاتحة واجبة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ومن فوائد هذا الحديث: أن من عجز عن القرآن أجزأه ما ذكره، ولكن لو عجز عن الفاتحة وقدر على غيرها، فهل يلزمه أن يقرأ غيرها دون هذا الذكر، أو ينتقل من الفاتحة إلى هذا الذكر؟ الظاهر الأول، ولكن ظاهر الحديث: الثاني، وقد يقال: إن هذا ليس ظاهر الحديث؛ لأنه يقول: "لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا"، فيعم الفاتحة وغيرها، والأول هو الذي مشى عليه الفقهاء ﵏ وقالوا: إذا كان لا يستطيع الفاتحة ولكن معه شيء من القرآن وجب عليه أن يقرأ ما معه من القرآن، سواء كان بقدر الفاتحة أو أكثر أو أقل، لكن لا يلزمه ما زاد على الفاتحة، فلو فرضنا أنه يحفظ سبع آيات الآية منها أطول من آيات الفاتحة لم يلزمه إلا مقدار الفاتحة، وإذا لم يحفظ من القرآن إلا أقل من الفاتحة لم يلزمه سواها، وهل يكتفي به أو يكمل من هذا الذكر؟ نقول: يكتفى به؛ لأن ما معه من القرآن من جنس الفاتحة فيكتفي به.
стр. 661
ومن فوائد هذا الحديث: أن الإنسان مؤتمن على دينه، فإذا قال: لا أستطيع. لا تقول: احلف أنك لا تستطيع؛ لأن النبي ﷺ لم يستحلفه، وعلى هذا لو وجب على الإنسان كفارة ظهار وقال: لا أجد رقبة تحلفه؟ لا، قال: لا أستطيع أن أصوم تحلفه؟ لا، إذا قال: لا أستطيع أن أطعم تحلفه؟ لا، وكل هذا قد جاءت به السنة وذلك في حديث من جامع في نهار رمضان، فإن النبي ﷺ لم يستحلف الرجل، ولا يجوز أن يحلف الإنسان على دينه؛ لأنه مؤتمن عليه، ولو قال الرجل: إني قد أخرجت زكاتي نحلفه؟ لا نحلفه، ولو قلنا له: صل. فقال: صليت لا نحلفه؛ لأن الإنسان مؤتمن على دينه.
ومن فوائد هذا الحديث: أن هذه الكلمات الخمس تجزئ عن الفاتحة، مع أنها من حيث الكم أقل من الفاتحة أو أكثر؟ أقل، فيترتب عليه فائدة: وهي أن المبدل لا يلزم أن يكون مساويًا للمبدل منه. وهذا واضح وله أمثلة؛ مثًلا في كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام بدل الصيام إطعام عشرة مساكين؛ فصار البدل ليس كالمبدل منه، فلا يلزم من كون الشيء بدلًا عن الآخر أن يكون مساويًا له.
ومن فوائد هذا الحديث: الجمع بين تنزيه الله تعالى عن كل ما لا يليق به والثناء عليه بما هو أهل له لقوله: "سبحان الله، والحمد لله"، وهذا هو غاية ما يكون من وصف الكمال.
ومنها: الإشارة إلى أنه يبتدأ بالتخلية قبل التحلية؛ يعني: يبتدأ بالشيء المنفي قبل الشيء المثبت، ووجهه: ليرد الشيء المثبت على شيء خال مما ينافيه، تؤخذ من قوله: "سبحان الله، والحمد لله"، بل حتى كلمة الإخلاص فيها هذا "لا إله" نفي، "إلا الله" إثبات، وقد قيل: التخلية قبل التحلية، وهذا كما أنه في المعقولات هو أيضًا في المحسوسات، فالإنسان عندما يريد أن ينظف المكان هل يأتي بالأشياء التي تجمل، أو يزيل الأشياء المؤذية الوسخة أولًا؟ الثاني، فهو في المحسوسات والمعقولات.
ومن فوائد هذا الحديث: تنزيه الله ﵎ عن كل ما يليق به لقوله: "سبحان الله" ووصفه بالكمال لقوله: "الحمد لله".
ومنها: فضيلة كلمة الإخلاص "لا إله إلا الله"، وإذا اعتقد الإنسان هذا الاعتقاد صادقًا فإنه ينتفي عنه أن يعبد أي شيء سوى الله ويكون مقصوده الأعظم هو الله لا يلهيه عن ذلك دنيا ولا مناصب ولا أولاد ولا غيرها، ومعلوم أن عبادة غير الله أنواع كثيرة: من سجد لصنم فقد عبد غير الله فيكون كاذبًا في قوله لا إله إلا الله، ومن تعلق قلبه بالدنيا وليس له هم إلا الدنيا فإنه لم يحقق عبادة الله، ولهذا قال النبي ﷺ : "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم،
стр. 662
تعس عبد الخميصة، تعس عبد القطيفة"، فسمى النبي ﷺ الذين يتعلقون بهذه الأشياء عبادّا لها، ومن المعلوم أنه ليس المعنى: أن الإنسان يسجد للدينار أو للدرهم، لكن المعنى أن قلبه متعلق بهذه الأشياء، فمحبته لها زاحمت محبة الله .
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يمكن أن يتحول أحد من حال إلى أخرى أو يقوى على ذلك إلا بالله، ويتفرع على هذا أن يعتمد الإنسان على ربه غاية الاعتماد حتى في أيسر الأشياء يعتمد على الله، ولهذا جاء في الحديث: "ليسأل أحدكم ربه حتى شراك نعله".
فأنت يا أخي المسلم اعتمد على الله في كل شيء، لا تعتمد على حولك وقوتك، فإنك إن فعلت هزمن ووكلت إليها ولم يحصل مقصودك، ولكن إذا اعتمدت على الله- يسر لك الأمر، ولهذا لو قال الإنسان: "والله لأفعلن كذا" فإن الغالب أنه لا ييسر له ذلك، وإذا قال: "والله إن شاء الله" يسر له؛ لأنه علق ذلك بمشيئة الله تعالى.
كيفية القراءة في الصلاة:
٢٧٥ - وعن أبي قتادة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يصلي بنا، فيقرأ في الظهر والعصر -في الركعتين الأوليين- بفاتحة الكتاب وسورتين، ويسمعنا الآية أحيانًا، ويطول الركعة الأولى، ويقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب". متفق عليه.
أبو قتادة ﵁ بين أن النبي ﷺ يقرأ في صلاة الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورتين ولم يبين هاتين السورتين، لكن السنة ثبتت أن الغالب أنها تكون من أوساط المفصل: "الشمس وضحاها"، "والليل إذا يغشى"، وما أشبه ذلك.
وقوله: "يسمعنا الآية أحيانًا" يعني: أنه ﵊ يتقصد أن يرفع صوته ليسمع من وراءه لقوله: "يسمعنا"، وهذا يدل على الإرادة، لم يقل: ونسمع منه الآية، ولو قال: نسمع منه الآية لكان ربما يكون جهره بها تلقائيًا، لكن قوله: "يسمعنا" يدل على أنه يريد هذا، والحكمة من ذلك إما لينتبه المصلون، وإما ليعلموا أنه يقرأ سورة، وإما لأن الآية التي جهر بها تحمل معنى خاصًا ينبغي التنبه له، المهم أنه يسمعهم الآية.
стр. 663
وقوله: "أحيانًا" أي: وأحيانًا لا يسمعنا، ولكن حذف الطرف الثاني للعلم به من قوله: "يسمعنا الآية أحيانًا".
ويقول ﵁: "يطول في الركعة الأولى" يعني: أطول من الثانية، فإذا قرأ بمقدار خمس دقائق في الأولى قرأ في الثانية بمقدار ثلاث دقائق؛ يعني: بعد الفاتحة وورد أيضًا - وسيأتينا إن شاء الله - أنه يجعل صلاة العصر على النصف من صلاة الظهر، فتكون القراءة في الظهر أطول من قراءته في العصر.
أسئلة:
- سبق لنا أن بعض الواجبات يسقط إلى بدل، نريد مثلًا على ذلك؟
- ومن الواجبات من يسقط إلى غير بدل، مثل؟
- إذا عجز عن البدل فماذا يكون؟ يسقط عنه، مثاله: كفارة القتل الخطأ.
- ما الدليل على الاقتصار في الركعتين الأخريين من الظهر والعصر بالفاتحة فقط من حديث أبي قتادة؟
نعود للفوائد:
من فوائد هذا الحديث: حرص الصحابة على نقل السنة بدون تغيير ولا زيادة ولا نقص؛ لأن أبا قتادة نقل السنة في قراءة الظهر والعصر في الركعتين الأخريين على وجه مفصل، وهكذا يجب على من ورث الصحابة في نقل السنة ألا يزيد ولا ينقص ولا يغير.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي أن يسمع الآية أحيانًا في قراءة الظهر والعصر، دليله: فعل النبي ﷺ .
فإن قال قائل: أما يخشى أن يشوش هذا على من وراءه من الناس؟
فالجواب: نعم ربما يشوش، لكن الذين وراءه قراءتهم تبع لقراءة الإمام، فلا يخل ذلك بقراءتهم.
ومن فوائد حديث أبي قتادة: حكمة الشريعة في أنه كلما كثر العمل ازداد تخفيفًا، ومن ذلك ما حصل في صلاة الكسوف، فإن النبي ﷺ كان يطول في القراءة أول ما يقرأ على آخر القراءة، وهذه من السياسة الحكيمة؛ لأن النفوس مهما كانت في الحرص على الطاعة لابد أن يلحقها كسل أو ملل، فروعي هذا وصارت العبادة تخفف.
فإن قال قائل: ألسنا في رمضان نكثر من الصلاة في العشر الأواخر أكثر من العشر الأول والأوسط؟
فالجواب: بلى، لكن لمزية اختصت بها العشر الأواخر وهي ليلة القدر، فهل مثل ذلك إذا كان المعلم يراعي التلاميذ فيشدد عليهم في أول الحفظ وفي الآخر يخفف، يعني: مثلًا أنه
стр. 664
قال: احفظوا "بلوغ المرام" واقرءوا عليه فكان في أول الأمر يشدد عليه وفي آخر الكتاب يخفف، هل نقول: هذا أيضًا من السياسة الشرعية؟ الظاهر نعم صحيح، فإنه لا يمكن أن نجعل أول الشيء مثل آخره، بل لابد أن نراعي أحوال الناس.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا تسن الزيادة على قراءة الفاتحة في الركعتين الأخريين في الظهر والعصر.
مقدار القراءة في صلاتي الظهر والعصر:
٢٧٦ - وعن أبي سعيد الخدري رضي اله عنه قال: "كنا نحرز قيام رسول الله ﷺ في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر: ﴿الّم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة، وفي الأخريين قدر النصف من ذلك، وفي الوليين من العصر على قدر الأخريين من الظهر، والأخريين على النصف من ذلك". رواه مسلم.
هذا الحديث يقول "كنا نحرز" الحزر بمعنى: التقدير والحرص، فمعنى "نحرز" يعني: نخرص، ونقدر أن النبي ﷺ كان يفعل كذا، ومن المعلوم أن الحزر ليس كالمتيقن أيهما أولى بالترجيح؟ المتيقن.
يقول " فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر: ﴿الّم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة، وهي معروفة، وهي طويلة، ﴿الّم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة من طوال المفصل، بل هي خارجة عن المفصل؛ لأن المفصل سوره قصار، ولهذا سمي مفصلًا، لكن ﴿الّم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة خارجة عن المفصل فهي طويلة؛ وظاهر كلامه أن الركعة الأولى كالثانية؛ لأنه قال: "في الركعتين الأوليين"، أما في الركعتين الأخريين فيقول: "قدر النصف من ذلك" وهذا واضح في أن القراءة في العصر أقصر من ذلك، يقرأ في الركعتين الأوليين قدر النصف من ﴿الّم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة وفي الأخريين قدر النصف من ذلك، فتكون العصر أطول ما فيها كأقصر ما في الظهر والحكمة في ذلك - والله أعلم - أن الناس بعد العصر يشتغلون بالتجارة والبيع والشراء وما أشبه ذلك؛ فلهذا روعي التقصير في صلاة العصر، وإلا فوقتها طويل، لأنه سيمتد إلى اصفرار الشمس، أو إلى أن يصير ظل كل شيء مثله، فوقتها طويل يحتمل أن يقرأ ﴿الّم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة وما هو أطول، لكن مراعاة لأحوال الناس؛ لأن الشريعة الإسلامية تراعي أحوال الناس، أرأيتم الذين رأوا التجارة واللهو وهم يستمتعون إلى خطبة النبي ﷺ خرجوا وما بقى معه إلا اثنا عشر رجلًا من أهل المسجد، كلهم خرجوا لا للهو بل للتجارة، ولهذا قال: ﴿وإذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهُوًا انفَضُّوا إلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]. أي: إلى التجارة لا إلى اللهو، واللهم: هو الذي كان
стр. 665
يصحب التجارة، وهو أنه جرت العادة أن الركب إذا جاءوا وأقبلوا إلى المدينة جعلوا يضربون بالدف لأجل أن يفزعوا الناس وينبهوهم على أنه قد جاءت عير فلما سمعوا هذا خرجوا لأنهم في حاجة شديدة، خرجوا يريدون ماذا؟ يريدون التجارة، والضمير واضح قال: ﴿انفَضُّوا إلَيْهَا﴾، ولم يقل "انفضوا إليه" أي: إلى اللهو، قال: ﴿انفَضُّوا إلَيْهَا وتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجَارَةِ واللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ١١] ثم أرشدهم الله ، فالنفوس مجيولة على محبة ما يربحها وعلى ما يناسبها فلذلك خفف في صلاة العصر من أجل أن ينتشر الناس في طلب الرزق.
في هذا الحديث فوائد منها: البناء على غلبة الظن، وهذه قاعدة شرعية، ولكن هل هي مطردة، أو فيما إذا تعذر اليقين؟ الجواب: في بعض الأحوال تكون مطردة ويكتفي الإنسان بغلبة الظن، وفي بعض الأحيان لابد من اليقين، فإذا كان هنا أصل يبنى عليه فلابد من يقين يرجع ذلك الأصل ولا يكتفى بالظن، وإذا لم يكن هناك أصل يبنى عليه، فإن من التيسير على العباد أنه يكتفي بغلبة الظن، مثال ذلك: إنسان شك وهو يطوف هل طاف ستة أشواط أو سبعة، وغلب على ظنه أنها سبعة ماذا نقول؟ يكتفي بغلبة الظن؛ لأنه ليس هناك شيء يعارض، فيكتفي بغلبة الظن ويبني على ظنه ولا يلتفت للشك، ولا يعود نفسه الشك، وإذا كان على طهارة فأحس بحركة وغلب على ظنه أنه أحدث من هذه الحركة هل يبني على غلبة الظن؟ نعم، لأن لدينا أصل وهو الطهارة، فالأصل بقاؤها، فلا يمكن أن يزيلها غلبة الظن، ومن أين أخذنا من هذا الحديث البناء على غلبة الظن؟ من قوله: "حزرنا".
ومن فوائد هذا الحديث: أن طول القراءة بالركعتين الأوليين على حد سواء؛ لأنه قال: في الركعتين الأوليين قدر ﴿الّم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة، وهذا يعارض حديث أبي قتادة؛ لأن حديث أبي قتادة: "كان يطول في الأولى ويقصر في الثانية" فبأيهما نأخذ؟ هل نأخذ بما يدل عليه حديث أبي قتادة؛ لأنه يقين، ما قال: إنه ظن، بل جزم به فهو متيقن له، ونقول: إن الخرص قد يخطئ، فقد يظن الظان أن الثانية كالأولى وهي أقل منها وهذا وارد، أو نقول: يمكن الجمع بين الحديثين، فالأغلب أن النبي ﷺ كان يجعل الأولى أطول من الثانية، وأحيانًا تكون الأولى والثانية متساويتين، فيكون يفعل هذا أحيانًا وهذا أحيانًا، أحيانًا تكون الثانية أطول من الأولى كما في سورتي الجمعة والمنافقون، أو سبح والغاشية، أيهما أطول الجمعة والمنافقون أو سبح والغاشية؟ إذن نقول: الغالب من فعل النبي ﷺ أنه يجعل الركعة الأولى أطول من الثانية وربما جعلهما متساويتين، وربما زاد في الركعة الثانية على الأولى، لكن لا تكون زيادة الثانية على الأولى زيادة بينة كزيادة النصف مثلًا بل زيادة يسيرة بل قال بعض أهل العلم: نقدم حديث أبي قتادة، وعلل ذلك بأن حديث أبي قتادة مبني على يقين، وحديث أبي سعيد
стр. 666
مبني على ظن، والظان قد يتوهم، وأيضًا حديث أبي سعيد انفرد به مسلم، وحديث أبي قتادة أخرجه الشيخان، فهو أقوى سندًا وأقوى دلالة، وعلى هذا حكم أصحابنا فقهاء الحنابلة ﵏ في هذه المسألة، وقالوا: إنه يطيل في الأولى ويقصر في الثانية بدون تفصيل، والأمر في هذا واسع - والحمد لله - إذا زاد إذا تساوت الركعتان، وإن طالت الأولى فهو المفضل لما ذكرنا من الوجهين من حيث الثبوت ومن حيث الدلالة.
من فوائد حديث أبي سعيد: أن صلاة العصر تكون أكثر من صلاة الظهر؛ لأن الأولى من ركعات العصر على قدر الأخيرة من ركعات الظهر، وهذه الفائدة لم توجد في حديث أبي قتادة، ووجهه ظاهر وهو ما بينته لكم من جهة أن الناس محتاجون بعد العصر إلى البيع والشراء وما أشبه ذلك، الناس في صلاة الظهر مشغولون فلا يحضرون في أول الوقت؛ حيث إنهم مشتغلون في فلائحهم وأحوالهم، فناسب أن تطال الركعة الأولى في الظهر حتى يتمكن البعيد من إدراك الركعة الأولى.
ومن فوائد الحديثين: بيان تمام سياسة الشريعة الإسلامية، وأن الشريعة الإسلامية بكل ما تحمله معنى هذه الكلمة؛ سياسة الناس في عباداتهم، وسياسة للناس في معاملتهم، وسياسة للناس في علاقتهم التي تسمى في عصرنا (الدبلوماسية)، ومن فصل السياسة عن الشريعة فقد أخطأ خطأ عظيمًا. كل الشريعة سياسة، كل الشريعة أعلى أنواع الدبلوماسية؛ لأنها من عند الله ، هو الذي شرعها للعباد ورتبها لهم غاية الترتيب، وسبحان الله كيف يقول القائل: إن الشريعة الإسلامية أثبتت السياسة بين الرجل وبهيمته: لا تحمل البهيمة فوق ما تطيق، ولا تمنعها من العلف والشراب، ولا تبيتها في مكان حار في أيام الصيف؛ فيقتلها الحر، أو في أيام الشتاء فيقتلها البرد، هذه سياسة، فكيف لا تبرم وتبين وتثبت السياسة بين الدول، وأقرأ سورة (براءة) تجد غاية ما يكون من السياسة في العلاقات بين الدول الكافرة والدول المسلمة، لكن لما ضيقت الكنيسة الخناق على الناس في العبادة، ورأوا أنهم لا يستطيعون أن يجمعوا بين الدنيا والآخرة فصلوا الدين عن السياسة، وجعلوا للسياسة مجرى وللدين مجرى آخر.
وكذلك أيضًا قالوا في الاقتصاديات مع أن الشرع منظم لها غاية التنظيم، ألم ينهى النبي ﷺ عن إضاعة المال؟ ألم يقل الله : ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]؟ ، ألم يقل النبي ﵊: "لا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه"، وما أكثر الأمثلة على هذا، لكن في الحقيقة أن كثيرًا من الباحثين - ولاسيما العصريون - عندهم
стр. 667
شيء من الجهل في الشريعة، وعندهم الضعف الشخصي؛ وعندهم أنهم يدارون، ولا أستطيع أن أقول: يداهنون؛ لأن هذه تهمة عظيمة، لكن يدارون غيرهم، ولو مشوا على يريد الله ورسوله لبرزوا على غيرهم غاية البروز ولأخذ غيرهم منهم كما اخذ الآن من الإسلام كثيرًا من الأخلاق الفاضلة مثل الصدق والنصح، يمكن أن تجد احد المسلمين يغشك في السلعة عند البيع، والكافر لا يغشي وهذا وارد، بعض المسلمين لا ينفذ العمل المستأجر عليه كما ينبغي والكافر ينفذ، وإن كنا لا نردي بهذا مدح الكافرين، لكن قصدهم في إحسان المعاملة لئلا يجتمع حشف وسوء كيلة.
فالحاصل: أن الدين الإسلامي دين سياسة في عبادة الله ، وفي معاملة الناس، وفي الأخلاق، وفي العلاقات الدولية، وفي كل شيء فنحتاج إلى نظر، يعني: كثير من طلبة العلم تجده مثلًا يقرأ الحديث: "لا يبع بعضكم على بيع بعض" وما أشبه ذلك من الأحاديث، فينظر إليها من زاوية واحدة فقط وهي تحريم البيع على بيع المسلم والخطبة على خطبته، ولكن لا يتكلم على المعنى المهم وهو السياسة في العلاقات بين الناس؛ لأنك إذا بعت على بيعه فسوف يكون في قلبه شيء عليك، مهما كنت معه في المصاحبة والقرب، لو بين مثل هذه الأمور فضلًا عن شرح الأحاديث حتى يتبين للناس سمو الدين الإسلامي ويتقبلوه ويعتنقوه عن قناعة فضلًا عما يكون بين العبد وربه فهذا هو الغاية.
قدر قراءة النبي ﷺ في المغرب والعشاء والفجر:
٢٧٧ - وعن سليمان بن يسار ﵄ قال: "كان فلان يطيل الأوليين من الظهر، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل وفي العشاء بوسطه وفي الصبح بطواله. فقال أبو هريرة: ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله ﷺ من هذا". أخرجه النسائي بإسناد صحيح.
قوله: "كان فلان يطيل الأوليين من الظهر". "كان فلان" أبهم هذا الرجل ولم يعين اسمه، إما أن يكون نسيانًا من الناقلين عن سليمان بن يسار، أو لسبب من الأسباب، وفي مثل هذا الحال لا يهمنا تعيين الشخص؛ لأنه لا يختلف فيه الحكم، فلا يضر أن يكون هذا الشخص مجهولًا.
يقول: "كان يطيل الأوليين من الظهر ويخفف العصر" يشبه حديث أبي سعيد السابق: أن النبي ﷺ كان يطيل في قراءة الظهر ويخفف في قراءة العصر، وسبق بيان السبب في ذلك، "ويقرأ في المغرب بقصار المفصل". والمفصل: هو ما كثرت فواصله لقصر سوره. قال أهل العلم: ويبدأ بـ "ق" وينتهي بـ"الناس"، وطواله من "ق" إلى "عم"، وقصاره من الضحى إلى آخر القرآن،
стр. 668
وأوساطه ما بين ذلك؛ ولا يضر أن يكون في أوساطه ما هو طويل وفي قصاره ما هو طويل أيضًا؛ لأن العبرة بالغالب والأكثر.
"قال أبو هريرة ﵁ ما صليت وراء أحد أشبه بصلاة رسول الله ﷺ من هذا". إذن فالأفضل على العموم أن تكون قراءة الإنسان في الفجر بطوال المفصل، وفي المغرب بقصار المفصل وفي العشاء بأوساطه، وكذلك في الظهر والعصر، فثلاث صلوات تكون بأوساط المفصل، وصلاة بطواله، وصلاة بقصارها هذا هو الغالب، وقد يكون الأمر بالعكس، ويدل على تطويل القراءة في الفجر أن الله تعالى عبر عنها في القرآن، فقال ﵎: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. أي: وأقم قرآن الفجر، وهذا يدل على أن القرآن في الفجر ذو شأن كبير، ولذلك عبر عن الصلاة به هذا هو الغالب، وإن خرج الإنسان على الغالب وقرأ بطواله أو أوساطه في المغرب فا بأس، فقد قرأ النبي فيها بسورة الطور، وبسورة المرسلات، وبسورة الأعراف، كذلك لو قرأ في صلاة الفجر بقصاره فلا بأس، لاسيما إذا كان لسبب كان يكون الإنسان في سفر أو مريضًا أو ما أشبه ذلك.
٢٧٨ - وعن جبير بن مطعم ﵁ قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالطور". متفق عليه
سمع ذلك وهو أسير من جملة أسرى بدر ﵁، فسمع النبي ﷺ يقرأ بسورة الطور في صلاة المغرب يقول ﵁: فلما بلغ قول الله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ (٣٥)﴾ [الطور: ٣٥]. كاد قلبي يطير لقوة هذا الدليل المفحم المقنع حتى دخل الإيمان في قلبه، ثم اطمئن الإيمان في قلبي بعد ذلك؛ لأن هذه الآية دليل واضح على أن الخلق حادث بعد أن لم يكن وأن الذي أحدثه هو الله؛ لأنه لا يمكن لأحد أن يقول: أنه حادث من غير شيء، إذ أن الدليل العقلي يقتضي أن كل حادث له محدث؛ لأنه كان عدمًا ثم حدث فلابد له من محدث، ولا يمكن أن يقول قائل: إن الشيء أحدث نفسه بنفسه؛ لأنه قبل الحدوث كان عدمًا، والعدم لا يحدث شيئًا، فتعين الآن أن هناك محدثًا ليس بحادث هو الله ، وهذا من الأدلة التي تسمى بالسبر والتقسيم؛ يعني: أن نحصر الأشياء الممكنة ثم نقول: أهذا أو هذا أو هذا، حتى نصل إلى البرهان، ومثل ذلك قول الله ﵎ فيمن أعطاه الله مالًا وولدًا: ﴿وقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا ووَلَدًا﴾ قال الله له: ﴿أَطَّلَعَ الغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٧ - ٧٨]. والجواب: لا هذا ولا هذا؛ فإذن هو كاذب في أمله حيث قال: ﴿لأُوتَيَنَّ مَالًا ووَلَدًا﴾ ولذلك قال : ﴿كَلاَّ﴾ يعني: لم يطلع على الغيب، ولم يتخذ عهدًا عند الله ﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ ونَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذَابِ مَدًا﴾ [مريم: ٧٩].
стр. 669
هذا الحديث هل نقول: أنه يؤخذ منه أنه يستحب أن يقرأ بسورة الطور، أو نقول: أحيانًا؟
الجواب: أحيانًا؛ لأن السورة التي لم يلازم عليها النبي ﷺ لا تكون مشروعة بعينها، مجرد أنه فعلها مرة أو سمعت منه مرة لا يدل على أنها مقصودة بعينها، وقد أشار إلى هذه القاعدة ابن دقيق العيد في "شرح العمدة" وشرحه في الحقيقة شرحًا قويًا متينًا يستفيد منه طالب العلم المرتفع قليلًا انتفاعًا عظيمًا، ولذلك تجد أهل العلم يكثرون النقل عنه، عنده قدرة على صيغ القواعد والاستدلال بالأمور العقلية، فيقول: إذا كانت السورة يلازمها النبي ﷺ قلنا: إنها سنة بعينها كما نقول في سبح والغاشية في الجمعة، وفي العيد، وفي ﴿الّم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة، أما إذا كان يقرؤها مرة، فنقول: من السنة ان تقرأها مرة، وهذا القول قول تطمئن له النفس، ولهذا لا نقول للناس: اقرءوا في صلاة المغرب بسورة الطور، بل نقول: نعم اقرأ لها أحيانًا.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا بأس أن يخرج الإنسان عن القاعدة العامة في صلاة المغرب وفي القراءة بقصار المفصل، فإن سورة الطور من طوال المفصل كما لا يخفى.
صفة القراءة في فجر الجمعة:
٢٧٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: ﴿الّم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإنسَانِ﴾ [الإنسان: ١]. متفق عليه.
"كان يقرأ" سبق لنا أن "كان" تفيد الدوام غالبًا لا دائمًا، "يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة ﴿الّم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة وهي معروفة يقرؤها كاملة ويسجد فيها، ويقرأ في الركعة الثانية ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإنسَانِ، والسورتان بينهما تشابه من حيث الموضوع لا من حيث الكثرة أو القلة؛ لأن بينهما فرقًا بينًا، لكن موضوعهما متقارب.
الحكمة من قراءة ﴿الّم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة: هي أن فيها مبدأ الإنسان ومنتهاه، والثواب والعقاب، ويوم الجمعة فيه مبدأ الخلق، وفيه قيام الساعة؛ يعني: فيه المبدأ والمنتهى، فكان من المناسب أن يذكر الناس بهذا في أول اليوم، وأول صلاة في الجمعة هي صلاة الفجر هذا هو السبب في قراءة هاتين السورتين، كذلك سورة الإنسان فيها ذكر المبدأ والمعاد، والثواب والعقاب، ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١]. ﴿هَلْ﴾ حرف استفهام لكنها ليست للاستفهام بل للتقرير؛ يعني: قد أتى على الإنسان حين من الدهر ﴿لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ قبل أن يولد الإنسان ليس شيئًا، ثم ولد وخلق من أمشاج، ثم جعل له السمع والبصر، ثم هدي السبيل سواء كان كافرًا أو شاكرًا ﴿إنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إمَّا شَاكِرًا وإمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٣]. هذا التفصيل تفصيل للضمير الهاء في ﴿إنَّا هَدَيْنَاهُ﴾ يعني: أن الله هداه السبيل سواء كان شاكرًا أو كفورًا بين
стр. 670
له السبيل، لكن الكافر استحب العمى على الهدى، والمؤمن وفق لإتباع الهدى، ثم ذكر ثواب هؤلاء وهؤلاء فقال: ﴿إنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلَ وأَغْلالًا وسَعِيرًا (٤)﴾ [الإنسان: ٤]. آية واحدة في بيان عقوبة الكافرين لماذا؟ لأنه ما ذكر من أوصاف الكافرين إلا وصفًا واحدًا هو الكفر، فلم يذكر في العقاب إلا شيئًا واحدًا سلاسل وأغلالًا وسعيرًا، ولأن رحمة الله ﵎ سبقت غضبه، فكان من المناسب أن تكون آيات الرحمة تبسط وتقال، وآيات العقوبة تكون دون ذلك.
وفي الأوصاف التي خالفها الكفار ذكر ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ويَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) ويُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٧ - ٨]. ويحلفون لله في ذلك ﴿إنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً ولا شُكُورًا (٩)﴾ [الإنسان: ٩].وعملهم دائر بين الخوف والرجاء ﴿إنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٠]. فسجل أوصافًا متعددة فتناسب أن يذكر الثواب مفصلًا؛ وهذا من بلاغة القرآن التي ولا شك فيها سورة ﴿الّم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة أيضًا مبدأ الخلق ومنتهاه، والثواب والعقاب، وليس كما يظن بعض الجهال من انه ميز فجحر الجمعة بالسجدة، ولذلك تجد بعضهم يقرأ أي آية فيها سجدة ربما لا يقرأ إلا آيات قليلة فيها سجدة، ويقول: حصلت السنة؛ لأنه بعقله أن ﴿الّم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة من اجل السجدة وهذا غلط عظيم، خصت هذه السورة لما فيها من ذكر ما يقع في هذا اليوم من ابتداء الخلق وانتهائه ثم العقوبة والثواب، ومن الجهل أن بعض الأئمة يقرأ قبل آية السجدة آيتين أو ثلاثًا وبعدها آيتين أو ثلاثة، ويقول: الحمد لله السجدة وحصلناها هذا جهل عظيم، بعضهم يقرأ بعض السورة إما من أوسطها أو أولها أو آخرها وهذا غلط عظيم أيضًا؛ لأنه إذا فعل هذا كأنما يعترض على السنة، وأن الأولى والأجدر أن يقرأ للناس بهذا دون أن تقرأ السورة كاملة، ومنهم من يرى أنه الحاذق فيتحذلق ويقرأ نصف سورة السجدة ونصف سورة الإنسان! ! كل هذا من الجهل، ونحن نقول لهؤلاء: إما أن تأتوا بالسنة على وجهها، وإما أن تقرءوا ما تيسر من القرآن من وجه آخر، وأما أن تجعلوا السنة عضين تعملون ببعض دون البعض فهذا لا تقرون عليه.
من فوائد هذا الحديث: استحباب ﴿الّم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة في فجر الجمعة في الركعة الأولى وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَى﴾.
٢٨٠ - وللطبراني من حديث ابن مسعود "يديم ذلك".
يعني: يقرأ كل جمعة بهذا، فيستفاد من هذه الزيادة: أنه لا عبرة بقول من قال من العلماء:
следующие страницы →