Полный текст (3 515 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
مبني على ظن، والظان قد يتوهم، وأيضًا حديث أبي سعيد انفرد به مسلم، وحديث أبي قتادة أخرجه الشيخان، فهو أقوى سندًا وأقوى دلالة، وعلى هذا حكم أصحابنا فقهاء الحنابلة ﵏ في هذه المسألة، وقالوا: إنه يطيل في الأولى ويقصر في الثانية بدون تفصيل، والأمر في هذا واسع - والحمد لله - إذا زاد إذا تساوت الركعتان، وإن طالت الأولى فهو المفضل لما ذكرنا من الوجهين من حيث الثبوت ومن حيث الدلالة.
من فوائد حديث أبي سعيد: أن صلاة العصر تكون أكثر من صلاة الظهر؛ لأن الأولى من ركعات العصر على قدر الأخيرة من ركعات الظهر، وهذه الفائدة لم توجد في حديث أبي قتادة، ووجهه ظاهر وهو ما بينته لكم من جهة أن الناس محتاجون بعد العصر إلى البيع والشراء وما أشبه ذلك، الناس في صلاة الظهر مشغولون فلا يحضرون في أول الوقت؛ حيث إنهم مشتغلون في فلائحهم وأحوالهم، فناسب أن تطال الركعة الأولى في الظهر حتى يتمكن البعيد من إدراك الركعة الأولى.
ومن فوائد الحديثين: بيان تمام سياسة الشريعة الإسلامية، وأن الشريعة الإسلامية بكل ما تحمله معنى هذه الكلمة؛ سياسة الناس في عباداتهم، وسياسة للناس في معاملتهم، وسياسة للناس في علاقتهم التي تسمى في عصرنا (الدبلوماسية)، ومن فصل السياسة عن الشريعة فقد أخطأ خطأ عظيمًا. كل الشريعة سياسة، كل الشريعة أعلى أنواع الدبلوماسية؛ لأنها من عند الله ، هو الذي شرعها للعباد ورتبها لهم غاية الترتيب، وسبحان الله كيف يقول القائل: إن الشريعة الإسلامية أثبتت السياسة بين الرجل وبهيمته: لا تحمل البهيمة فوق ما تطيق، ولا تمنعها من العلف والشراب، ولا تبيتها في مكان حار في أيام الصيف؛ فيقتلها الحر، أو في أيام الشتاء فيقتلها البرد، هذه سياسة، فكيف لا تبرم وتبين وتثبت السياسة بين الدول، وأقرأ سورة (براءة) تجد غاية ما يكون من السياسة في العلاقات بين الدول الكافرة والدول المسلمة، لكن لما ضيقت الكنيسة الخناق على الناس في العبادة، ورأوا أنهم لا يستطيعون أن يجمعوا بين الدنيا والآخرة فصلوا الدين عن السياسة، وجعلوا للسياسة مجرى وللدين مجرى آخر.
وكذلك أيضًا قالوا في الاقتصاديات مع أن الشرع منظم لها غاية التنظيم، ألم ينهى النبي ﷺ عن إضاعة المال؟ ألم يقل الله : ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]؟ ، ألم يقل النبي ﵊: "لا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه"، وما أكثر الأمثلة على هذا، لكن في الحقيقة أن كثيرًا من الباحثين - ولاسيما العصريون - عندهم
стр. 667
شيء من الجهل في الشريعة، وعندهم الضعف الشخصي؛ وعندهم أنهم يدارون، ولا أستطيع أن أقول: يداهنون؛ لأن هذه تهمة عظيمة، لكن يدارون غيرهم، ولو مشوا على يريد الله ورسوله لبرزوا على غيرهم غاية البروز ولأخذ غيرهم منهم كما اخذ الآن من الإسلام كثيرًا من الأخلاق الفاضلة مثل الصدق والنصح، يمكن أن تجد احد المسلمين يغشك في السلعة عند البيع، والكافر لا يغشي وهذا وارد، بعض المسلمين لا ينفذ العمل المستأجر عليه كما ينبغي والكافر ينفذ، وإن كنا لا نردي بهذا مدح الكافرين، لكن قصدهم في إحسان المعاملة لئلا يجتمع حشف وسوء كيلة.
فالحاصل: أن الدين الإسلامي دين سياسة في عبادة الله ، وفي معاملة الناس، وفي الأخلاق، وفي العلاقات الدولية، وفي كل شيء فنحتاج إلى نظر، يعني: كثير من طلبة العلم تجده مثلًا يقرأ الحديث: "لا يبع بعضكم على بيع بعض" وما أشبه ذلك من الأحاديث، فينظر إليها من زاوية واحدة فقط وهي تحريم البيع على بيع المسلم والخطبة على خطبته، ولكن لا يتكلم على المعنى المهم وهو السياسة في العلاقات بين الناس؛ لأنك إذا بعت على بيعه فسوف يكون في قلبه شيء عليك، مهما كنت معه في المصاحبة والقرب، لو بين مثل هذه الأمور فضلًا عن شرح الأحاديث حتى يتبين للناس سمو الدين الإسلامي ويتقبلوه ويعتنقوه عن قناعة فضلًا عما يكون بين العبد وربه فهذا هو الغاية.
قدر قراءة النبي ﷺ في المغرب والعشاء والفجر:
٢٧٧ - وعن سليمان بن يسار ﵄ قال: "كان فلان يطيل الأوليين من الظهر، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل وفي العشاء بوسطه وفي الصبح بطواله. فقال أبو هريرة: ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله ﷺ من هذا". أخرجه النسائي بإسناد صحيح.
قوله: "كان فلان يطيل الأوليين من الظهر". "كان فلان" أبهم هذا الرجل ولم يعين اسمه، إما أن يكون نسيانًا من الناقلين عن سليمان بن يسار، أو لسبب من الأسباب، وفي مثل هذا الحال لا يهمنا تعيين الشخص؛ لأنه لا يختلف فيه الحكم، فلا يضر أن يكون هذا الشخص مجهولًا.
يقول: "كان يطيل الأوليين من الظهر ويخفف العصر" يشبه حديث أبي سعيد السابق: أن النبي ﷺ كان يطيل في قراءة الظهر ويخفف في قراءة العصر، وسبق بيان السبب في ذلك، "ويقرأ في المغرب بقصار المفصل". والمفصل: هو ما كثرت فواصله لقصر سوره. قال أهل العلم: ويبدأ بـ "ق" وينتهي بـ"الناس"، وطواله من "ق" إلى "عم"، وقصاره من الضحى إلى آخر القرآن،
стр. 668
وأوساطه ما بين ذلك؛ ولا يضر أن يكون في أوساطه ما هو طويل وفي قصاره ما هو طويل أيضًا؛ لأن العبرة بالغالب والأكثر.
"قال أبو هريرة ﵁ ما صليت وراء أحد أشبه بصلاة رسول الله ﷺ من هذا". إذن فالأفضل على العموم أن تكون قراءة الإنسان في الفجر بطوال المفصل، وفي المغرب بقصار المفصل وفي العشاء بأوساطه، وكذلك في الظهر والعصر، فثلاث صلوات تكون بأوساط المفصل، وصلاة بطواله، وصلاة بقصارها هذا هو الغالب، وقد يكون الأمر بالعكس، ويدل على تطويل القراءة في الفجر أن الله تعالى عبر عنها في القرآن، فقال ﵎: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. أي: وأقم قرآن الفجر، وهذا يدل على أن القرآن في الفجر ذو شأن كبير، ولذلك عبر عن الصلاة به هذا هو الغالب، وإن خرج الإنسان على الغالب وقرأ بطواله أو أوساطه في المغرب فا بأس، فقد قرأ النبي فيها بسورة الطور، وبسورة المرسلات، وبسورة الأعراف، كذلك لو قرأ في صلاة الفجر بقصاره فلا بأس، لاسيما إذا كان لسبب كان يكون الإنسان في سفر أو مريضًا أو ما أشبه ذلك.
٢٧٨ - وعن جبير بن مطعم ﵁ قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالطور". متفق عليه
سمع ذلك وهو أسير من جملة أسرى بدر ﵁، فسمع النبي ﷺ يقرأ بسورة الطور في صلاة المغرب يقول ﵁: فلما بلغ قول الله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ (٣٥)﴾ [الطور: ٣٥]. كاد قلبي يطير لقوة هذا الدليل المفحم المقنع حتى دخل الإيمان في قلبه، ثم اطمئن الإيمان في قلبي بعد ذلك؛ لأن هذه الآية دليل واضح على أن الخلق حادث بعد أن لم يكن وأن الذي أحدثه هو الله؛ لأنه لا يمكن لأحد أن يقول: أنه حادث من غير شيء، إذ أن الدليل العقلي يقتضي أن كل حادث له محدث؛ لأنه كان عدمًا ثم حدث فلابد له من محدث، ولا يمكن أن يقول قائل: إن الشيء أحدث نفسه بنفسه؛ لأنه قبل الحدوث كان عدمًا، والعدم لا يحدث شيئًا، فتعين الآن أن هناك محدثًا ليس بحادث هو الله ، وهذا من الأدلة التي تسمى بالسبر والتقسيم؛ يعني: أن نحصر الأشياء الممكنة ثم نقول: أهذا أو هذا أو هذا، حتى نصل إلى البرهان، ومثل ذلك قول الله ﵎ فيمن أعطاه الله مالًا وولدًا: ﴿وقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا ووَلَدًا﴾ قال الله له: ﴿أَطَّلَعَ الغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٧ - ٧٨]. والجواب: لا هذا ولا هذا؛ فإذن هو كاذب في أمله حيث قال: ﴿لأُوتَيَنَّ مَالًا ووَلَدًا﴾ ولذلك قال : ﴿كَلاَّ﴾ يعني: لم يطلع على الغيب، ولم يتخذ عهدًا عند الله ﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ ونَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذَابِ مَدًا﴾ [مريم: ٧٩].
стр. 669
هذا الحديث هل نقول: أنه يؤخذ منه أنه يستحب أن يقرأ بسورة الطور، أو نقول: أحيانًا؟
الجواب: أحيانًا؛ لأن السورة التي لم يلازم عليها النبي ﷺ لا تكون مشروعة بعينها، مجرد أنه فعلها مرة أو سمعت منه مرة لا يدل على أنها مقصودة بعينها، وقد أشار إلى هذه القاعدة ابن دقيق العيد في "شرح العمدة" وشرحه في الحقيقة شرحًا قويًا متينًا يستفيد منه طالب العلم المرتفع قليلًا انتفاعًا عظيمًا، ولذلك تجد أهل العلم يكثرون النقل عنه، عنده قدرة على صيغ القواعد والاستدلال بالأمور العقلية، فيقول: إذا كانت السورة يلازمها النبي ﷺ قلنا: إنها سنة بعينها كما نقول في سبح والغاشية في الجمعة، وفي العيد، وفي ﴿الّم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة، أما إذا كان يقرؤها مرة، فنقول: من السنة ان تقرأها مرة، وهذا القول قول تطمئن له النفس، ولهذا لا نقول للناس: اقرءوا في صلاة المغرب بسورة الطور، بل نقول: نعم اقرأ لها أحيانًا.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا بأس أن يخرج الإنسان عن القاعدة العامة في صلاة المغرب وفي القراءة بقصار المفصل، فإن سورة الطور من طوال المفصل كما لا يخفى.
صفة القراءة في فجر الجمعة:
٢٧٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: ﴿الّم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإنسَانِ﴾ [الإنسان: ١]. متفق عليه.
"كان يقرأ" سبق لنا أن "كان" تفيد الدوام غالبًا لا دائمًا، "يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة ﴿الّم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة وهي معروفة يقرؤها كاملة ويسجد فيها، ويقرأ في الركعة الثانية ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإنسَانِ، والسورتان بينهما تشابه من حيث الموضوع لا من حيث الكثرة أو القلة؛ لأن بينهما فرقًا بينًا، لكن موضوعهما متقارب.
الحكمة من قراءة ﴿الّم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة: هي أن فيها مبدأ الإنسان ومنتهاه، والثواب والعقاب، ويوم الجمعة فيه مبدأ الخلق، وفيه قيام الساعة؛ يعني: فيه المبدأ والمنتهى، فكان من المناسب أن يذكر الناس بهذا في أول اليوم، وأول صلاة في الجمعة هي صلاة الفجر هذا هو السبب في قراءة هاتين السورتين، كذلك سورة الإنسان فيها ذكر المبدأ والمعاد، والثواب والعقاب، ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١]. ﴿هَلْ﴾ حرف استفهام لكنها ليست للاستفهام بل للتقرير؛ يعني: قد أتى على الإنسان حين من الدهر ﴿لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ قبل أن يولد الإنسان ليس شيئًا، ثم ولد وخلق من أمشاج، ثم جعل له السمع والبصر، ثم هدي السبيل سواء كان كافرًا أو شاكرًا ﴿إنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إمَّا شَاكِرًا وإمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٣]. هذا التفصيل تفصيل للضمير الهاء في ﴿إنَّا هَدَيْنَاهُ﴾ يعني: أن الله هداه السبيل سواء كان شاكرًا أو كفورًا بين
стр. 670
له السبيل، لكن الكافر استحب العمى على الهدى، والمؤمن وفق لإتباع الهدى، ثم ذكر ثواب هؤلاء وهؤلاء فقال: ﴿إنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلَ وأَغْلالًا وسَعِيرًا (٤)﴾ [الإنسان: ٤]. آية واحدة في بيان عقوبة الكافرين لماذا؟ لأنه ما ذكر من أوصاف الكافرين إلا وصفًا واحدًا هو الكفر، فلم يذكر في العقاب إلا شيئًا واحدًا سلاسل وأغلالًا وسعيرًا، ولأن رحمة الله ﵎ سبقت غضبه، فكان من المناسب أن تكون آيات الرحمة تبسط وتقال، وآيات العقوبة تكون دون ذلك.
وفي الأوصاف التي خالفها الكفار ذكر ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ويَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) ويُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٧ - ٨]. ويحلفون لله في ذلك ﴿إنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً ولا شُكُورًا (٩)﴾ [الإنسان: ٩].وعملهم دائر بين الخوف والرجاء ﴿إنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٠]. فسجل أوصافًا متعددة فتناسب أن يذكر الثواب مفصلًا؛ وهذا من بلاغة القرآن التي ولا شك فيها سورة ﴿الّم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة أيضًا مبدأ الخلق ومنتهاه، والثواب والعقاب، وليس كما يظن بعض الجهال من انه ميز فجحر الجمعة بالسجدة، ولذلك تجد بعضهم يقرأ أي آية فيها سجدة ربما لا يقرأ إلا آيات قليلة فيها سجدة، ويقول: حصلت السنة؛ لأنه بعقله أن ﴿الّم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة من اجل السجدة وهذا غلط عظيم، خصت هذه السورة لما فيها من ذكر ما يقع في هذا اليوم من ابتداء الخلق وانتهائه ثم العقوبة والثواب، ومن الجهل أن بعض الأئمة يقرأ قبل آية السجدة آيتين أو ثلاثًا وبعدها آيتين أو ثلاثة، ويقول: الحمد لله السجدة وحصلناها هذا جهل عظيم، بعضهم يقرأ بعض السورة إما من أوسطها أو أولها أو آخرها وهذا غلط عظيم أيضًا؛ لأنه إذا فعل هذا كأنما يعترض على السنة، وأن الأولى والأجدر أن يقرأ للناس بهذا دون أن تقرأ السورة كاملة، ومنهم من يرى أنه الحاذق فيتحذلق ويقرأ نصف سورة السجدة ونصف سورة الإنسان! ! كل هذا من الجهل، ونحن نقول لهؤلاء: إما أن تأتوا بالسنة على وجهها، وإما أن تقرءوا ما تيسر من القرآن من وجه آخر، وأما أن تجعلوا السنة عضين تعملون ببعض دون البعض فهذا لا تقرون عليه.
من فوائد هذا الحديث: استحباب ﴿الّم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة في فجر الجمعة في الركعة الأولى وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَى﴾.
٢٨٠ - وللطبراني من حديث ابن مسعود "يديم ذلك".
يعني: يقرأ كل جمعة بهذا، فيستفاد من هذه الزيادة: أنه لا عبرة بقول من قال من العلماء:
стр. 671
ينبغي ألا يديم ذلك لئلا يظن العوام أنها واجبة؛ لأنه ما دام النبي ﷺ يديم هذا فلندم هذا، ولا ينافي الدوام أن يقرأ الإنسان بغيرهما مثلًا في الشهر مرة، أو بالشهرين مرة، العبرة بالأغلب، وهو إذا قرأ ولو مرة في السنة علم الناس أن قراءتهما ليست واجبة.
من فوائد هذا الحديث: حكمة النبي ﷺ حيث كان يقرأ ما يناسب الوقت، فهل نأخذ من هذا أنه ينبغي للإنسان أن يقرأ ما يناسب الحال؟ مثل إذا نزل المطر هل يقرأ آيات المطر الدالة على أن الله تعالى ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته، هل مثلًا إذا اشتد الحر يقرأ آيات الحر مثل قوله: ﴿لا تَنفِرُوا فِي الحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾ [التوبة: ٨١]. لا أستطيع أن أجبر على هذا وأقول: إنه سنة؛ لأن العلة المستنبطة هي على حسب فعل المعلل بها، ولكن الإنسان لا يجزم بأن هذه علة بخلاف العلة المنصوص عليها فإنه يقاس عليها، لكن إذا كانت مستنبطة فلا يستطيع الإنسان أن يقيس؛ لأنه قد تكون العلة غير ما ذكر، وهذه خذها معك مفيدة جدًا أن العلة المستنبطة لا يقاس عليها، وأما العلة المنصوصة فهي التي يقاس عليها لا شك فمثلًا ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإنَّهُ﴾ أي: هذا المطعوم ﴿رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. هذه أستطيع أن أقول: كل نجس حرام، لأن العلة منصوص عليها، وكذلك قول النبي ﷺ : "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث من أجل أن ذلك يجزنه". هنا يمكن أن أقول: كل شيء يحزن أخاك المسلم فهو منهي عنه سواء هذه المناجاة أو غيرها ويكون مناط الحكم هو المعنى الذي دلت عليه العلة، ويكون الحكم المعلل بهذه العلة كأنه مثال. أسئلة:
- ما هو المفضل؟
- لماذا سمي بهذا؟
- ما هو طوال المفضل، وما قصاره، وما أوساطه؟
- هل يجوز للإنسان أن يقرأ في المغرب بطوال المفضل، وما الدليل.
- قراءة ﴿الّم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة سنة في كل وقت أم في وقت دون وقت؟ ما تقول فيمن يقرأ هذه السورة وبعض هذه السورة هل أصاب السنة؟
- لو طرأ عذر وقد شرع في السجدة أو الإنسان هل له أن يقطعه؟ نعم إذا عرض عارض، فالعارض له حكمه.
- لو قرأ الرسول مرة بسورة فما هو الضابط؟
стр. 672
هدي النبي ﷺ في تدبر القراءة في الصلاة:
٢٨١ - وعن حذيفة ﵁ قال: "صليت مع النبي ﷺ فما مرت به آية رحمة إلا وقف عندها يسأل ولا آية عذاب إلا تعوذ منها". أخرجه الخمسة، وحسنه الترمذي.
هذا الحديث قد رواه مسلم ﵀، وكان ينبغي للمؤلف ﵀ أن يذكر أن الذي رواه مسلم في صلاة الليل، قال: "صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة ... " ثم ذكر الحديث، وأنه قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران يقرؤها مترسلًا ﵊ فما مرت به آية رحمه إلا سأل ولا آية وعيد إلا تعوذ ولا آية تسبيح إلا سبح هكذا في مسلم وليت المؤلف ساق رواية مسلم لكان فيها زيادة على ما ساقه الآن وهو أيضًا أصح ممن خرجه فإما أن يكون المؤلف ﵀ في تلك الساعة لم يستحضر رواية مسلم أو لسبب ما ندريه، على كل حال: الحديث في مسلم يقول: "صليت مع النبي ﷺ " يعني: صلاة الليل، وقد صلى حذيفة وابن عباس وابن مسعود كلهم صلوا مع الرسول صلى الله علي وسلم صلاة الليل لكن في ليال مختلفة وقوله "فما مرت به آية رحمة إلا وقف عندها يسأل" آية رحمة يعني مثلًا: ﴿وقُل رَّبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)﴾ ﴿المؤمنون: ١١٨].
فيقف ويقول: "رب أغفر لي وارحمني"، ﴿واعْفُ عَنَّا واغْفِرْ لَنَا وارْحَمْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] هذا دعاء يقول: "آمين"، "ولا آية فيها عذاب إلا تعوذ منها" أي: من العذاب، وليس من الآية، يقول: أعوذ بالله مثل: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَحِيمِ﴾ فقول: أعوذ بالله ولا آية تسبيح إلا سبح مثل: ﴿فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ يقول: "سبحان الله"، لكن (ٍسبح اسم ربك العظيم)، و (سبح اسم ربك الأعلى)، أمر النبي ﷺ أن نجعل في ركوعنا: "سبحان ربي العظيم" وفي سجودنا: "سبحان ربي الأعلى"، وهذا لا يمنع أن نسبح حتى عند انتهاء القراءة.
ففي هذا الحديث فوائد منها: جواز الجماعة في النافلة في البيت، والدليل: فعل حذيفة، أو إقرار الرسول؟ إقرار النبي صلى الله علي وسلم، وهل هذا يعني سنة، بمعني: إذا اجتمع جماعة في بيت عزاب، قالوا: سنجعل لأنفسنا صلاة ليل نتهجد فيها جميعًا، أو أن هذا أحيانًا إذا وجد ضيفًا أو ما أشبه ذلك يقوم صاحب البيت معه في صلاة الليل؟ الجواب: الثاني، أما اتخاذ ذلك راتبة فلا، لكن أحيانًا لسبب لا بأس بذلك لفعل النبي ﷺ .
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي إذا مرت بالمصلي آية رحمة أن يسأل، أو آية عذاب أن يتعوذ، أو آية تسبيح أن يسبح، دليل ذلك: أن النبي ﷺ كان يفعله، وكان يقول: "صلوا كما
стр. 673
رأيتموني أصلي"، ولكن هل هذا خاص بالنافلة وبالتهجد؛ لأن السنة فيهما الإطالة أو هو عام؟ نقول: أما في السورة التي وقع فيها ذلك فلا شك في ثبوتها، بمعنى: أن الإنسان إذا قام يتهجد فليسأل عند آية الرحمة، وليتعوذ عند آية الوعيد، وليسبح عند آية التسبيح؛ لأن هذا مطابق للسنة تمامًا، وأما الفريضة فقد يقول قائل: ما ثبت في الفريضة يثبت في النافلة إلا بدليل، وما يثبت في النافلة يثبت في الفريضة وهذا صحيح، لكن قد يعارض هذا الأصل أن الناقلين لصلاة النبي ﷺ في الفريضة لا يذكرون أنه يقف عند آية الرحمة، ولا عند آية الوعيد، ولا عند آية التسبيح فالظاهر من حال النبي ﷺ أنه لا يفعل ذلك في الفريضة، والفرق بين صلاة الليل والفريضة ظاهر؛ لأن صلاة الليل تستحب فيها الإطالة ولأن الإنسان إما أن يصليها وحده، أو يصليها معه من يكون متابعًا له أطال أم قصر، والفريضة ليست كذلك يصلي معه ناس، وأيضًا قد لا يحبون أن يطيل ووقوفه عند آية الرحمة وآية الوعيد وآية التسبيح قد يكون فيه إطالة عليهم، ولهذا ذهب بعض الفقهاء ﵏ إلى أن الوقوف عند آية الوعيد أو الوعد أو التسبيح في التهجد سنة وفي الفريضة مباحة، بمعنى: أننا لا ننهاه ولا نأمره بذلك وهذا هو الظاهر أن الإنسان لو فعله في الفريضة ولاسيما إذا صادف آخر القراءة فلا ينهى عنه، لكن لا نقول: إنه ينبغي أن تفعله بخلاف صلاة الليل.
ومن فوائد هذا الحديث: أن النبي ﷺ كان يجهر في القراءة إذا كان إمامًا في صلاة الليل وكذلك في الدعاء والتسبيح لأن حذيفة يسمعه، ولا يمكن أن يسمعه إلا إذا جهر، لكن الجهر ليس رفيعًا.
ومن فوائد هذا الحديث: تمام عبودية النبي ﷺ حيث يسبح ربه إذا مررت به آية تسبيح ولعمر الله إنه للأشد الناس وأقواهم عبادة لله .
ومن فوائد هذا الحديث: أن رسول الله ﷺ مفتقر إلى ربه- ﵎ كما أن غيره مفتقر إلى الله وأدلة هذا كثيرة جدًا، حتى إن الله أمره وقال: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩].
ويتفرع على هذه الفائدة الرد على من قالوا: إن النبي ﷺ يدفع الضرر عمن استغاث به في قبره، وهم بذلك مشركون لو كان النبي ﷺ حيا لقاتلهم؛ لأنه هذا هو الشرك أن يدعو النبي ﷺ يغيثهم من الشدة وهو في قبره، لكن الهوى- والعياذ بالله- يعمي ويصم، وما أيسر أن نقول لهؤلاء الجهال المشركين: اقرءوا قول الله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ ولا أَعْلَمُ الغَيْبَ
стр. 674
ولا أَقُولُ لَكُمْ إنِّي مَلَكٌ﴾ ﴿الأنعام: ٥٠] اقرءوا قول الله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًا إلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ ولَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ ومَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] اقرءوا قول الله: ﴿قُلْ إنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًا ولا رَشَدًا (٢١) قُلْ إنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾ ﴿الجن: ٢١] أنا لا أستطيع أن يجيرني أحد ممن الله لو أراد بي شيئًا ﴿ولَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢)﴾ [الجن: ٢٢]. فإذا قال أحدهم: إني دعوته عند القبر الشريف، وتحت الحجرة الشريفة فزال ما بي من الضرر، نقول: هذا حصل عند الدعاء؛ أي: عند دعائك إياه، لا بدعائك إياه. انتبه للفرق حصل عند دعائك إياه، لا بدعائك إياه: فتنة، فإذا قال: كيف لا بدعائه إياه؟ أنا دعوت واستجاب قلنا: اقرأ قول الله : ﴿ومَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥] فإذا قال: نعم، الآية صريحة، لكن قال: ﴿مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ [الأحقاف: ٥] والرسول استجاب لي، فنقول: اقرأ قول الله : ﴿قُلْ إنِّي لا أَمْلِكُ لكُمْ ضَرًا ولا رَشَدًا﴾ ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ ولا أَعْلَمُ الغَيْبَ ولا أَقُولُ لَكُمْ إنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠] وحينئذ لا يستطيع أن يجيب لكن الله قد يفتن الإنسان بتيسير أسباب المعصية له امتحانًا فقد امتحن الله بني إسرائيل في الحيتان يوم السبت بأن حرمت عليهم الحيتان يوم السبت.
إذن لا يمكن الصيد يوم السبت الحرام فماذا فعلوا في هذا اليوم؟ فطال عليهم الأمد فقالوا: مشكل! يوم السبت يأتي الصيد شرعًا أي: أي أن الحيتان تأتي شرعًا طافية يكاد الإنسان يمسكها بيده وفي غير يوم السبت لا يرونها انظر إلى المحنة طال عليهم الأمد قالوا: إذن اصنعوا شباكًا يوم الجمعة فيتساقط فيها الحيتان وخذوا الحيتان يوم الأحد وحينئذ لم تكونوا صدتم يوم السبت فماذا كانت العقوبة؟ أسوأ عقوبة والعياذ بالله قال الله : ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ﴾ - قلًا كونيًا - ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]. فكانوا قردة خاسئين، فالصحابة ﵃ حرم عليهم الصيد حال الإحرام، فسلط الله الصيد وهم محرمون بحيث يمسكون الزاحف، وينالون برماحهم السائر، يعني: الأرانب والظباء يمسكونها مسكًا بأيديهم، والطيور ما تحتاج إلى سهام بالرمح يضرب الرمح فتصيدها، هذا تسهيل أو لا؟ تسهيل لكنه امتحان من الله ، فماذا صنع صحابة رسول الله ﵊؟ تجنبوا ذلك ولم يأخذوا شيئًا ﵃.
الرجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، هذه محنة، لكن قال: إني أخاف الله، والله تعالى قد يبتلي الإنسان بتسهيل أسباب المعصية له فيبلغها، فاحذر إذا تيسرت لك أسباب المعصية أن تقع فيها، فإنها فتنة، حتى لو تيسرت لك لحذر أن تقع فيها، تيسر لك الربا، لا تتعامل به، تيسر لك الزنا؛ لا تقربه، وهلم جرًا.
стр. 675
ومن فوائد هذا الحديث: أن النبي ﷺ يقرأ قراءته مترسلًا، لاسيما في التهجد كما جاء ذلك في حديث حذيفة في صحيح مسلم، وهذا أبلغ في التدبر وفي إتيان الحروف حقها في النطق وصفاتها في المخارج، لكن لا على سبيل ما يفعله المتشددون في التجويد المتشدقون فيه بحيث ربما يخرج الحرف حرفين أو أكثر، ورأيت في هذه السنة في حفل تخرج من يقرأ بالتجويد فإذا به يحمر وجهه، وتنتفخ أوداجه، ويهز كل بدنه ويتكلف، وإذا قرأ جملتين أو ثلاثة تعب ووقف - يعني: دقيقة - كل هذا من أجل أن يطبق ما يزعم أن هذا تلاوة النبي ﷺ .
ومن فوائد هذا الحديث: أن النبي ﷺ إذا مر بآية رحمة سأل، وإذا مر بآية وعيد تعوذ.
هل يفرض الضمير فيقول: "اللهم ارحمني"، "اللهم أعذني من النار" أو يجمعه؟ الثاني، يجمع وينوي عن نفسه وعمن كان مؤتمًا به، ولهذا جاء في الحديث - حديثًا استدل به بعض العلماء - أن الإمام إذا خص نفسه بالدعاء دون المأمومين فقد خانهم، هذا صحيح؛ لو أن الإمام يقول في قنوط الوتر: "اللهم أهدني فيمن هديت"، وهم يقولون: آمين فما الذي بقي لهم؟ ما بقي لهم شيء، فكل الدعاء لنفسه، ويجبرهم على أن يؤمنوا لنفسه وهذه خيانة، ولذلك لو كان معك أحد فأت بضمير الجمع، وانظر إلى الحكمة المبنية على العلم والرحمة كيف جاء في سورة الفاتحة جاءت بصيغة الجمع: ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ (٦)﴾ مع أن القارئ إذا كان يصلي وحده ما معه أحد، لكن لعلم الله - ولا نقول على الله إلا ما نظن أنه حق - لعلم الله أن هذه السورة ستتلى، وسيكون خلف القارئ من يؤمن على دعائه فجاءت بصيغة الجمع ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ (٦)﴾، فهذا الإمام ينهى عن ذلك، وأما التأمين على دعائه فليؤمن المأموم ما دام تبعًا له، وهذا يدل على جهل هؤلاء، وهم بمنزلة العوام.
والزيادة في صحيح مسلم: أن ذلك في صلاة الليل، وفيه أيضًا زيادة: أنه لا يمر بآية تسبيح إلا سبح وذكرنا، هل يتعدى ذلك إلى الفرض أو لا يتعدى، وأشرنا إلى القاعدة، أن ما يثبت في النفل يثبت في الفرض إلا بدليل، وقلنا: إن الذين نقلوا صلاة النبي ﷺ المفروضة لم يذكروا هذا، وانتهينا إلى أنه لا بأس به في الفريضة، وأنه في صلاة الليل مسنون.
* * *
стр. 676
النهي عن القراءة في السجود والركوع:
٢٨٢ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم". رواه مسلم.
قوله: "ألا" أداة استفتاح وتنبيه وهي هنا أداة تنبيه؛ لأن المؤلف ﵀ حذف أول الحديث وهو أنه قال ﷺ : "إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، ألا وإني نهيت"، ولهذا جاءت الواو بعد ألا.
قوله: "ألا وإني نهيت" الواو حرف عطف على ما حذفه المؤلف ﵀ من أول الحديث "نهيت": الناهي هو الله ؛ لأنه لا أحد ينهى الرسول ﵊ إلا الله ، والنهي: طلب الكف على وجه الاستعلاء بصيغة مخصوصة، وهي المضارع المقرون بلا الناهية. هذا هو النهي، فإذا قلت: "لا تفعل كذا" هذا نهي، وإذا قلت: "اترك كذا" فهذا ليس بنهي، مع أنه طلب كف، لكنه ليس بالصيغة المعروفة التي هي المضارع المقرون بلا الناهية، وإذا قال زميلك: "لا تفعل كذا" فإنه ليس بنهي اصطلاحًا، لماذا؟ لأن زميلك إذا قال: "لا تفعل" ليس على وجه الاستعلاء، وإذ قال الغلام لسيده: "لا تكلفني يا سيدي" فهذا ليس بنهي؛ لأنه ليس على وجه الاستعلاء، وإنما هو على وجه الرجاء، فالمهم اضبط القيود حتى تعرف النهي، "طلب الكف على وجه الاستعلاء بصيغة مخصوصة هي لا الناهية" هذا معناه في اللغة وفي عرف العلماء، لكن قد يرد شيء يدل على النهي بدون أن يكون بهذه الصيغة، مثل نصوص الوعيد تتضمن النهي بلا شك وزيادة، ولكنها ليست بالصيغة المعروفة، الجملة التي معنا "نهيت"، ولم يذكر النبي ﷺ الصيغة التي جاءت من الله موجهة إلى الرسول، فلا نستطيع أن نقول: هو بالصيغة المعروفة، بأن قال الله: لا تقرأ القرآن يا محمد راكعًا ولا ساجدًا، أو أنها بصيغة الوعيد على من قرأه، فمع هذا الاحتمال ننظر للراجح، فما هو الأصل الذي يرجح أحد الاحتمالين؟ أنه بصيغة معروفة: "لا تقرأ القرآن".
قوله: "راكعًا" حال من فاعل "أقرأ" "أو ساجدًا"، (أو) للتنويع، ثم لما نهى النبي ﷺ عن هذا، كان من عادته أنه إذا نهى عن شيء ذكر ما يحل محله، قال: "فأما الركوع فعظموا فيه الرب"، لأن الركوع أصلًا للتعظيم، فالانحناء للغير يعني: التعظيم له، فكان من المناسب أن يكون ذكره هو ذكر التعظيم "عظموا فيه الرب"، والأمر بالتعظيم هنا مجمل، لكن بينته السنة
стр. 677
حيث كان النبي ﷺ يقول إذا ركع: "سبحان ربي العظيم"، ولما نزلت آية: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ قال: "اجعلوها في ركوعكم".
وقوله: "الرب"، "أل" هنا للعهد الذهني؛ لأنه معلوم بالذهن، وليس للعهد الذكري ولا للعهد الحضوري، أما العهد الذكري فانتفاؤه لأنها لم يسبق لها ذكر، وأما الحضوري فلأنها لم تأت على الوجه المعروف في "أل" الحضورية، وقوله: "وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء"، لكن مع التسبيح الواجب وهو "سبحان ربي الأعلى"؛ لأن النبي ﷺ كان إذا سجد يقول: "سبحان ربي الأعلى"، ولما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ قال: "اجعلوها في سجودكم"، يعني: قولوا في السجود: "سبحان ربي الأعلى"، وإنما كان ذكر السجود بهذه الصيغة "سبحان ربي الأعلى"، لأن وضع الإنسان جبهته وهي أعلى ما في جسمه تدل على النزول، فكان المناسب أن ينزه الله عما كان عليه العبد الآن، ويقول: هذا من باب ذكر الشيء بمقابله، فأنت لما نزلت جبهتك أثنيت على الله بأنه الأعلى الذي لا يليق به أن يكون نازلًا، "فقمن أن يستجاب لكم" "قمن" لها معنى: حقيق أو حرى المعنى: أنكم إذا دعوتم الله حال السجود فهذا أقرب إلى الإجابة، حري أن يستجاب لكم؛ لأن النبي ﷺ أخبر "أن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"، مع أننا لو نظرنا إلى الأمر الحسي لكان السجود أبعد؛ لأن الإنسان كله يكون في الأرض لكنه لما كان نزولًا لله كان ذلك أقرب إلى الله.
في هذا الحديث دليل على فوائد منها: أن الشيء المهم ينبغي أن يستعمل الإنسان فيه ما يدل على الانتباه لقوله: "ألا" كل شيء تريد أن تنبه عليه وتعتني به فأت بأداة التنبيه، وانظر إلى قول النبي ﷺ : "ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" كيف كرر هذه الأداة التي هي للتنبيه والاستفتاح لأهمية الموضوع.
ومن فوائد هذا الحديث: أن النبي ﷺ عبد يوجه إليه الأمر والنهي لقوله: "ألا وإني نهيت" ومن فوائده أن الأحكام الثابتة للرسول ﷺ هي لأمته لأن النبي ﷺ لم يخبرنا أنه نهي إلا من أجل أن نتأسى به، واعلم أن الخطاب الموجه للرسول ﷺ على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما دل الدليل على أنه خاص به فهو خاص به.
стр. 678
والقسم الثاني: ما دل الدليل على أنه للأمة فقط فهو للأمة.
والثالث: ما لم يدل عليه دليل لا هذا ولا هذا فهو له وللأمة لأن الله تعالى قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ والْيَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]
فهنا لما نهي الرسول- ﵊ هل نقول: إن النهي خاص به أو عام؟ عام؛ لأنه إذا لم يوجد دليل على الخصوصية وجب أن يكون عامًا أي إنسان يقول لك هذا موجه للرسول فقل: نعم، لكنه إذا وجه للرسول فهو موجه لنا؛ لأننا مأمورون بإتباعه.
ومن فوائد هذا الحديث: عظمة القرآن العظيم وجهه: أنه نهى الإنسان المصلي الذي يناجي الله أن يقرأ القرآن في حال الركوع والسجود؛ لأن حالة الركوع والسجود فيها نوع من التواضع من الإنسان، فلا يليق بالقرآن أن يكون تاليه على هذا الحال، أرأيت الآن لو أنك تحدثني وأنت راكب أو تحدثني وأنت ساجد أو تحدثني وأنت قائم أيهما أبلغ في التعظيم؟ وأنت قائم لو حدثني وأنت راكب قلت: هذا الرجل لا يبالي بي ولا يهتم بي، أو واحد مثلًا يحكي كلامًا لشخص يقول: أيها الناس اصبروا فإني سأحدثكم حديثًا عن فلان حضر الناس وجلسوا يتحدثون ماذا يصير هذا؟ غير لائق لهذا قال أهل العلم: لما كان القرآن الكريم عظيم المنزلة كان حقه أن يكون حال ارتفاع الإنسان يعني: وهو قائم.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الإنسان لو قرأ القرآن وهو راكع أو ساجد بطلت صلاته لأنه أتى بقول منهي عنه بخصوص الصلاة فكان مفسدًا لها، فلو أن الإنسان ركع وبدأ يتلو قول الله تعالى: ﴿إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]. فصلاته باطلة؛ لأنه أتى بقول منهي عنه فتبطل صلاته، كما لو تكلم في الصلاة بكلام الآدميين المنهي عنه، وإلى هذا ذهب ابن حزم ﵀، والظاهر أن الظاهرية مثله، وقالوا: هذا منهي عنه بخصوصه، والإنسان إذا قرأ القرآن في حال الركوع، فإنه عاص لله معصية خاصة بالصلاة فتبطلها، لكن أكثر أهل العلم يقولون: إن الصلاة صحيحة ويجيبون عن هذا بأن النهي ليس لذات القرآن ولكن لمحل القرآن وإلا فإن القرآن مشروع في الصلاة فهو من جنس الأذكار المشروعة فيها، فالنهي ليس لذات القرآن، بل لكونه في هذا المحل، وبعدوا بذلك عن القول بإبطال الصلاة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الإنسان لو دعا في سجوده بآية من كتاب الله مثل أن يقول: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وإسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى القَومِ الكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧].
فإن ذلك جائز؛ لأنه لم يقرأ القرآن لكن دعا بالقرآن بخلاف ما لو قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ
стр. 679
رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. فهنا ينهى عنه، ولذلك لو أن الجنب دعا بالآية: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وإسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى القَومِ الكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧] لكان هذا جائزًا لأنه دعا بالقرآن والحديث الذي معنا "أن أقرأ القرآن" بأن يتلوه يريد قراءته، وعليه فإذا دعا بما يوافق القرآن فلا حرج عليه في ذلك ولا إثم عليه.
ومن فوائد هذا الحديث: حسن تعليم النبي ﷺ وحكمته في تعليمه، وهو أنه لما ذكر ما ينهى عنه عوض عنه ما يحل ويؤمر به، كيف هذا؟ أنه لما قال: "نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا وساجدًا" أتى بعوض وهو أن الركوع يعظم فيه الرب، وأن السجود يكثر فيه من الدعاء وهذه الطريقة هي طريقة القرآن الكريم قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وقُولُوا انظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] فنهى عن الكلمة وأتى بعوضها كذلك السنة قال النبي ﷺ : "لا تقولوا: ما شاء الله وشئت، ولكن ما شاء الله وحده"، ولما أوتي إليه بتمر جيد قال: "من أين هذا؟ " قالوا: يا رسول الله، نأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة قال: "أوه عين الربا"، وأرشد ﵊ إلى أن يباع التمر الرديء ويؤخذ القيمة ويشترى بالدراهم تمرًا جيدًا، فلما نهى عن هذه المعاملة أتى بمعاملة بدلها.
وهكذا ينبغي لكم إذا نهيتم الناس عن شيء والناس قد ابتلوا به، أن تذكروا عوضه المباح لئلا توقعوهم في حرج أو لا يمتثلوا ما نهيتم عنه، ثم إذا فعلتم هذا فإنما سرتم على ما سار عليه القرآن وسار عليه النبي ﷺ أما بعض الناس مثلًا يأتي ويوعظ الناس ويقول: هذا حرام، وهذا حرام ويسكت، والناس محتاجون إليه إذا لم يجدوا بدله فلن يمتثلوا ليس هذا بصواب بل يقول: هذا حرام أن يقول: ولكن هذا حلال لأجل أن يكون للناس متسع.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الركوع محل التعظيم: "عظموا فيه الرب"، الواجب: "سبحان ربي العظيم" كما جاءت به السنة، لكن لو قال: "سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان، يجوز أو لا يجوز؟ يجوز؛ لأن هذا من تعظيم الرب، والنبي ﷺ أطلق، لكنه بين أنه يقول: "سبحان ربي العظيم"، وإذا أتى بما يدل على تعظيم الله فهو جائز لا شك لأنه داخل في العموم.
ومن فوائد هذا الحديث: إثبات اسم الرب لله الرب في القرآن الكريم لم يأت إلا مضافًا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾، ﴿رَّبُّ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ﴾، وما أشبه ذلك، لكن السنة
стр. 680
جاءت به معرفًا بـ "أل" في هذا الحديث، وهو كما رأيتم في الصحيحين، وكذلك في السنن: "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب". فالرب عند الإطلاق هو الله- وعلى هذا فيجوز أن تضيفه إلى الأسماء الحسنى لأن النبي ﷺ سمى الله به.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي الاجتهاد في الدعاء حال السجود اجتهد في الدعاء يعني: بالغ فيه ببذل الجهد القلبي والنطقي؛ بمعنى: أن تدعو الله بإخلاص وصدق وافتقار إلى الله ما تدعو على أن هذا الشيء معتاد لك كما يوجد منا في كثير من الأحيان يدعو الإنسان على شيء معتاد لا أدع الله بإلحاح وصدق وإخلاص، نسأل الله أن يعيننا وإياكم على هذا لأن هذا أرجى للإجابة.
ومن فوائد هذا الحديث أن للإنسان أن يدعو بما شاء وجه ذلك: أن النبي ﷺ لم يقيد، لم يقل: الدعاء للآخرة، أو لا تدعو للدنيا فادع بما شئت أما الدعاء للآخرة فواضح الدعاء للدنيا يجوز تقول: "اللهم ارزقني بيتًا ملكًا واسعًا" يجوز أن تقول: "اللهم ارزقني سيارة فخمة" يجوز أن تقول: "اللهم ارزقني لباسًا جديدًا"، أي شيء تدعو به جائز إلا أن تدعو بإثم أو قطيعة رحم، وأما قول بعض العلماء لا يجوز الدعاء بشيء من أمور الدنيا فهذا ضعيف إلى من أذهب إذا احتجت شيئًا في دنياي؟ أدعو غير الله؟ ! ثم إني دعوت في الصلاة التي هي أقرب للإجابة فادع الله بما شئت من أمور الدين والدنيا، إنسان عليه درس صعب فجاء في سجوده فقال: "اللهم سهل علي مادة الإنجليزية" جائز أم غير جائز؟ جائز كل دعاء يجوز ما لم يكن إثًمًا أو قطيعة رحم ادع الله به، وجه ذلك: أن نفس الدعاء عبادة، أنا ما خرجت بدعائي عن عبادة الله نفس الدعاء عبادة، حتى لو سألت شيئًا من أمور الدنيا فهو عبادة، فكيف نبطل الصلاة بذلك؟ فالقول بأنه لا يجوز الدعاء بشيء من أمور الدنيا قول ضعيف ولاسيما وأن لدينا عموم: لما ذكر النبي ﷺ التشهد قال: "ثم ليتخير من الدعاء ما شاء".
ومن فوائد هذا الحديث: أن بعض الأحوال تكون أقرب إلى الإجابة من بعض فهنا الدعاء في السجود أقرب إلى الإجابة من الدعاء في الركوع لأن النبي ﷺ نص عليه وقال: "إنه أحرى"، فالإنسان له أحوال تكون الإجابة فيها أقرب كذلك هناك أزمان تكون الإجابة أقرب: كثلث الليل الآخر، وبين الأذان والإقامة وما أشبه ذلك كذلك يكون بعض الأمكنة أقرب إلى إجابة الدعاء كالكعبة المشرفة وما أشبه ذلك، المضطر يجاب من أي الأنواع؟ من الأحوال.
إذا قال قائل: أليس قد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ لما أنزلت سورة النصر
стр. 681
كان يكثر أن يقول في ركوع وسجوده: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم أغفر لي"؟
فالجواب: بلى، لكن هذا لا ينافي "عظموا فيه الرب"؛ لأنك إذا قلت هذا مرة في الركوع - وأكثر الأذكار تعظيم- لم يخرج عن الحديث، وعليه يكون قول الإنسان: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي" في الركوع لم يتعارض مع هذا الحديث.
أذكار الركوع والسجود ومعانيها:
٢٨٣ - وعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي". متفق عليه.
"كان يقول في ركوعه وسجوده" أي: إذا ركع وإذا سجد بالإضافة إلى تسبيح الأصل وهو "سبحان ربي العظيم" في الركوع و "سبحان ربي الأعلى" في السجود، يقول في الركوع: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك" سبحانك أي: تنزيهًا له عن كل ما لا يليق بعظمته وسلطانه - جل وعلا - فينزه عن كل نقص القدرة لله بلا عجز، والقوة بلا ضعف، والسمع بلا صمم، والبصر بلا عمى .... وهكذا، فالتسبيح أي: التنزيه عن كل ما لا يليق بالله وقالوا: إنه مأخوذ من قولهم: "سبح الرجل في الماء": إذا نزل فيه وأبعد.
وقوله: "اللهم" يعني: يا الله، هذا أصلها، حذفت الياء تبركًا بالبداءة باسم الله ، وعوض عنها الميم حتى لا تنقص الجملة، وصارت الميم في الآخر، لأنها تدل على الضم والجمع فكان قائل: "اللهم" قد جمع قلبه ولسانه على دعاء الله .
"وبحمدك" الواو حرف عطف، والباء للمصاحبة؛ يعني: وذلك تسبيحي مقرون بالحمد، والحمد يكون على كمال الصفات، فإذا جمعنا بين التنزيه وكمال الصفات كمل الموصوف؛ لأنه لا يكمل الشيء إلا بانتفاء وإثبات؛ بانتفاء العيوب وإثبات الكمالات، فلهذا إذا جمع بين التسبيح والحمد؛ فقد جمع بين نفي كل ما لا يليق بالله عن الله وإثبات صفات الكمال لله .
"اللهم اغفر لي" أي: يا الله اغفر لي والمغفرة: هي ستر الذنب والتجاوز عنه، لأنها مأخوذة من المغفر: وهو ما يوضع على الرأس مما يسمى بالبيضة والخوذة ليتقي به سهام العدو، فهو جامع بين الستر والوقاية، ولهذا لا تحل المغفرة إلا بذلك فلو أن الإنسان فضح بذنبه في الدنيا ولم يعاقب عليه في الآخرة، فإنه لا يقال: غفر له؛ لأنه عوقب، وإذا ستر عليه في الدنيا ولكن عوقب عليه في الآخرة، فإنه لا يقال: إنه غفر له، لأنه عوقب عليه، فالمغفرة تتضمن هذين الشيئين وهما الستر والوقاية.
هذا الحديث له سبب وهو: أن الله أنزل على نبيه ﷺ ﴿إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ والْفَتْحُ ... ﴾
стр. 682
الآيات. قالت عائشة: "لم يكن يدع الدعاء بهذا حين أنزلت عليه هذه السورة"، وهي - أعني: السورة - إيذان بقرب أجل النبي ﷺ ، كما فهم ذلك عبد الله بن عباس ﵄، ووافقه على هذا عمر.
في هذا الحديث دليل على فوائد منها: استحباب هذا الدعاء في الركوع والسجود.
فإن قال قائل: أما السجود فواضح؛ لأنه محل دعاء، لكن الركوع أليس النبي ﷺ قال: "الركوع عظموا فيه الرب" والسجود أكثروا فيه من الدعاء؟
فالجواب: بلى، ولكن دعاء الله لا ينافي تعظيمه، ويكون هذا الدعاء مستثنى، فيقال: ادعوا بهذا في الركوع كما فعل النبي ﷺ ، ويكون هذا مستثنى من قوله: "عظموا فيه الرب" والسجود ادعوا فيه.
ومن فوائد هذا الحديث: كمال الله في صفاته لكونه تنزه عن كل نقص واتصف بكل كمال، من أين يؤخذ هذا؟ من قوله: "سبحانك اللهم". هذا التنزه من كل نقص، والثاني: ثبوت صفات الكمال من قوله: "وبحمدك".
ومن فوائد هذا الحديث: طلب النبي ﷺ من ربه أن يغفر له كما أمره الله ﴿واسْتَغْفِرْهُ﴾، وفي هذا إشكال؛ وهو أن الله ﵎ أنزل على نبيه ﷺ : ﴿إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ ومَا تَأَخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [الفتح: ١]. والفتح قد حصل، فيكون المعلول حاصلًا وهو المغفرة، فكيف يدعو بالمغفرة؟
فالجواب: أن هذا من باب كمال التذلل من رسول الله ﷺ لله ، وأن هذا من باب التأكيد لما ثبت، والتوكيد لما ثبت أمر معلوم في اللغة العربية.
فإن قال قائل: لعل هذا من باب تعليم الأمة وليس مقصودًا لذاته؟
فالجواب: هذا جواب سخيف إذ كيف يشرع النبي ﷺ شيئًا في صلاته من أجل التعليم مع أنه يمكن أن يعلم الناس بالقول، ويقول: استغفروا الله كما أمركم بهذا ﷺ ، وهذا الجواب - أعني: أن المقصود بذلك التعليم دون التعبد به - جواب كما قلت لكم سخيف، وقد أجاب به من قال: بعد الصلاة لا يجهر بالذكر، وقال: إن جهر النبي ﷺ بعد الصلاة من أجل تعليم الناس هذا خطأ ومغالطة؛ إذ إن النبي ﷺ يمكنه أن يعلم الناس بالقول دون أن يشرع شيئًا في العبادة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن النبي ﷺ قد يقع منه ما يحتاج إلى المغفرة لقوله: "اللهم اغفر لي" فهل يعني ذلك: أن النبي ﷺ تجوز عليه الذنوب؟ الجواب: نعم، لكن هناك ذنوبًا لا يمكن
стр. 683
أن تقع من النبي ﷺ وهو كل ما ينافي كمال المروءة أو كمال الرسالة، هذا ممنوع مطلقًا؛ فالرسل الكرام - عليهم الصلاة والسلام - يمنعون مما يخل بالمروءة والآداب مثل: الزنا، اللواط، السرقة وما أشبه هذا. هم معصومون منه، معصومون أيضًا مما يخل بالرسالة كالكذب والخيانة، الكذب ينافي الرسالة؛ لأن الكاذب ليس أهلًا للصدق، الخيانة أيضًا تنافي الرسالة؛ إذ إن الخائن لا يمكن أن يوثق بقوله.
أما الذنوب الأخرى التي تقع عن اجتهاد فهذه تقع، وقد قال الله لنبيه ﷺ : ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكَاذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣]. فقال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ﴾ قدم العفو قبل ذكر الذنب، وقال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ واللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١)﴾ [التحريم: ١]. فبين الله أن هذا ذنب، لكنه غفر لقوله: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
ومن ذلك أن الله تعالى قال: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]. فصرح أن له ذنبًا، وكذلك للمؤمنين والمؤمنات، وأما قول من يقول: إن النبي ﷺ كان يقول: "اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، علانيته وسره"، فالمراد: ذنب أمته، فهذا من باب تحريف الكلم عن مواضعه.
ونقول: أأنتم أعلم برسول الله من رسول الله؟ سيقولون: لا، إذن كيف ينسب إلى نفسه ذنبًا وهو لا يفعل الذنب وهو لا شك لو كان، لكان جناية على نفسه ﵊ إذ يصفها بالذنب وهي لم تذنب، فإذا تقرر هذا فاعلم أن الرسل معصومون من الاستمرار في الذنب؛ بمعنى: أنه لابد أن يتوبوا إلى الله إما بانتباه من أنفسهم، وإما بتنبيه من الله، وبهذا يحصل الفرق بينهم وبين سار المؤمنين، فالمؤمن غير معصوم من الاستمرار في المعصية، لكن الرسل معصومون، وبهذا يحصل الفرق بين الذنوب التي تقع من المؤمنين ومن النبيين.
ثم اعلم أيضًا أن الإنسان يكون الذنب له بمنزله صقل الثوب وغسله؛ حيث يخشى من الله ، ويرى الذنب أمام عينيه، ويجد نفسه مستحيًا من الله ﵎، فينيب إليه ويزداد رغبة بالوصول إلى مرضاته، بخلاف الإنسان الذي لم يشعر بالتقصير يستمر على ما هو عليه، ولهذا لما أكل آدم ﵇ من الشجرة وأخرجه الله من الجنة، قال الله تعالى فيه: ﴿وعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وهَدَى﴾ [طه: ١٢١ - ١٢٢]. فكان الاجتباء بعد المعصية. جرب هذا نجد إذا أذنبت ذنبًا وجدت نفسك منكسرة منهزمة أمام الله ، فتكثر من العمل الصالح، وتزداد رغبة فيما عند الله، فيكون هذا الذنب سببًا لتطهير القلب، ويكون الإنسان بعد التوبة خيرًا منه قبل التوبة.
стр. 684
تكبيرات الانتقال وأحكامها:
٢٨٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع، ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد ثم يكبر حين يهوي ساجدًا، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد ثم يكبر حين يرفع، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها، ويكبر حين يقوم من اثنين بعد الجلوس". متفق عليه.
هذا الحديث في بيان التكبيرات- تكبيرات الانتقال وكذلك تكبيرة الإحرام- يقول أبو هريرة ﷺ : "كان النبي إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم"، وهذه تكبيرة الإحرام، وسبق أن لها شروطًا منها: أن تقع بهذا اللفظ، فلو قال: الله أعظم، أو أجل، أو أعز، أو أكرم لم تنعقد الصلاة، فيقول: "الله أكبر".
قال: "ثم يكبر حين يركع" يعني: إذا أهوى إلى الركوع، لأن هذا التكبير تكبير انتقال فيكون حالة الانتقال، قوله: "ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع"، يقول إذا رفع في حال النهوض: "سمع الله لمن حمده"، ومعنى "سمع الله لمن حمده" أي: استجاب لمن حمده، واستجابة الحمد هي الإثابة عليه؛ لأنه ليس دعاء، ولكن متضمن للدعاء؛ لأن كل من أثنى على الله ماذا يريد من الله؟ يريد الثواب والآجر، فالثناء على الله متضمن للدعاء.
يقول: "ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد". "وهو قائم" يعني: بعد أن يستتم قائمًا يقول: ربنا ولك الحمد، "ربنا": منادي منصوب بياء النداء المحذوفة؛ لأنه مضاف، والتقدير: يا ربنا وقله: "ولك الحمد" معطوف على جملة محذوفة بعد النداء؛ يعني: يا ربنا أثبنا ولك الحمد، فالواو حينئذ معطوفة على جملة محذوفة، وسبق معنى الحمد.
"ثم يكبره حين يهوي ساجدًا" ويجوز: "يهوى" بفتح الياء من يهوى أو من هوى، وهذا أيضًا تكبيرة انتقال ما بين القيام والسجود، وقوله: "ساجدًا" حال من فاعل يهوي،
"ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها، ويكبر حين يقوم من اثنتين بعد الجلوس"، هذه التكبيرات- كما تعلمون- متفق على أن تكبيرة الإحرام ركن لابد منه.
ولكن هل يشترط أن تكون بلفظ التكبير، أو تكون بلفظ التكبير وما كان في معناه؟ فيه خلاف، والقول الراجح: أن تكون بلفظ التكبير "الله أكبر"، لو مد الهمزة في "الله" لم تصح؛ لأنها تقلب الجملة الخبرية إنشائية، ولو مد الباء في قوله: "أكبر" لم تصح التكبيرة؛ لأنها تنقل المعني إلى معنى آخر، فـ"أكبار" عندهم في اللغة جمع كبر كأسباب جمع سبب، والكبر هو: الطبل، فالمعنى يفسد بهذا بلا شك.
стр. 685
هل يُشترط أن تكون بالهمزة، أو يجوز أن تكون بالواو؟ اللغة العربية تًجيز أن تبدل الهمزة واوًا إذا ضُم ما قبلها، وعليه كثير من المؤذنين اليوم؛ إذ نجده إذا كبر يقول: "الله أكبر"، والحمد لله أن كانت فيه لغة، كما أننا نحمد الله أن وجدت في إن وأخواتها لغة بنصب الجزأين، وعليه يتخرج صحة قول بعض المؤذنين: "أشهد أن محمدًا رسول الله"، لو سألت المؤذن ماذا تريد بهذه الجملة؟ قال: أنا أريد بها أم محمدًا رسولُ الله، فهو قد اعترف الآن بأن "الرسول" خبر لكنه نصبها، وهي لغة والحمد لله وعليها قول الشاعر:
إنّ حُرَّاسَنَا أُسْدًا -بالنصب-
أمّا على اللغة المشهورة فإنه إذا قال: "أشهد أن محمدًا رسولَ الله" فالجملة لم تتم؛ لأن "الرسول" تكون صفة تحتاج إلى خبر.
وبقية التكبيرات غير تكبيرة الإحرام اختلف فيها العلماء ﵏، منهم من قال: إنها سُنة تصح الصلاة بدونها ولو تركها عمدًا، ومنهم من قال: إنها واجبة ولكنهم اتفقوا على أنها ليست من الأركان.
مَنْ قال: إنها واجبة، يعني: أنه لو تعمد تركها بطلت الصلاة، وإن تركها سهوًا جُبرت بسجود السهو؛ هذا القول هو الراجح أنها واجبة، دليل الوجوب: أن النبي ﷺ كان يُواظب عليها لم يتركها قط، وقد قال: "صلوا كما رأيتموني أُصلي"، وأي شيء واظب عليه النبي ﷺ وقال: "صلوا كما رأيتموني أُصلي" لا يمكن أن نقول: إنه سُنة، وأن الإنسان مُخير بين فعله وتركه من جهة النظر، إن هذه الانتقالات لابد لها من فاصل تميز بعضها عن بعض وذلك بالتكبير.
من فوائد هذا الحديث: أن التكبير يكون عند الانتقال من الركن إلى الركن، ولابد أن يكون فيما بين الركنين، مثلًا إذا أراد أن يسجد يكبر، يكون التكبير ما بين حركته إلى الهوي يسجد لو بدأ به قبل أو كمله بعد، فكمن تركه على المشهور من المذهب، قالوا: لأنه قبل أن يُهوي إلى السجود، ومثلًا في قيام له ذكر خاص، فلا يمكن أن تدخل ذكرًا في غير محله، كذلك في السجود، السجود له ذكر خاص، لو أكملت التكبير في السجود لأدخلت ذكرًا في غير محله، لذا بدأ به قبل أو أكلمه بعدُ فإنه لا يُجزئ، ولكن نعلم أن هذا أمر لو أخذنا به لشققنا على كثير من الأئمة فضلاٌ عن المأمومين.
стр. 686
ولهذا كان القول الراجح في هذه المسألة: أنه لو شرع فيه قبل أن يتحرك إلى الركن الثاني، ولكنه أكلمه في حال الهوي فلا بأس، وكذلك لو أكمل بعد أن وصل إلى الركن الثاني فلا بأس، لو كبَّر التكبير كله قبل أن يهوي فهنا نقول: لا يُجزئ؛ لأنه أتى بذكر مشروع في غير محله وترك ذكرًا واجبًا في محله، كذلك أيضًا لو لم يكبًّر إلا إذا وصل إلى الركن الثاني فإن ذلك لا يُجزؤه، لماذا؟ لأنه ترك ذِكرًا واجبًا في محله وأتى بذِكر في غير محله.
والعجب: أن بعض المجتهدين من الأئمة عن غير علم في حال السجود يقول: لا أكبِّر حتى أصل إلى الأرض، لماذا يا شاطر؟ قال: لئلا يسبقني الناس في السجود، لو كبّرت من حين أهوي لوصل الناس للسجود قبلي، وهذا لا يجوز، لأن الواجب أن يقوم الإنسان بما عليه ومن خالف على نفسه، أما أن أُغير ما شُرع من أجل هذا المأموم فهذا لا يجوز، إذن القول الراجح: أن تكبيرات الانتقال واجبة، وأنه لا حرج أن يبدأ بها قبل أن يتحرك أو يُنهيها بعد أن يصل إلى الركن الثاني.
ومن فوائد الحديث: أن ظاهره أن التكبيرات سواء، يعني: تكبيرة الهُوِي إلى السجود كتكبيرة القيام للجلوس ولا فرق، لأن أبا هريرة لم يقل: وكان يُطيل التكبير في المكان الفلاني، أو يقصرهما في المكان الفلاني، وهذا هو الأصل؛ لأنه لو كان هناك تغيير لنُقل وذُكر، فلما لم يُنقل ويُذكر عُلم أنه لا تغيير، وأن التكبيرات على حد سواء، وهذا هو الراجح وهو الذي يُعد فيما أظنه سُنة النبي ﷺ وكنا قبلُ نسير على حسب ما يعمله مشايخنا ﵏ نفرق بين التكبيرات؛ يعنى: تكبيرة الجلوس بين اثنتين، وتكبيرة الجلوس للتشهد الأول وللتشهد الأخير، حتى صلى معنا بعض طلبة الحديث وقال لي: ما دليلك على هذا التكبير؟ فما لي إلا عمل المشايخ، قال: عمل المشايخ ليس بحجة، عمل المشايخ يُحتج له ولا يُحتج به، وظاهر السُّنة أولى بالإتباع، فقلت: جزاك الله خيرًا، هذا -إن شاء الله- هو الحق، وبدأنا -والحمد لله- نسير على هذا وأول ما بدأت أعمل -يعنى: هذه التكبيرات التي لا يتميز بعضها عن بعض-، بدأ الناس يقولون: سبحان الله، سبحان الله! لماذا؟ لأنّا عودناهم على التفريق بين التكبيرات كما كان عليه عمل المشايخ كما قلت سابقًا، لكن في النهاية حصل الخير وعرفوا الحق.
وفيه من الفوائد مع موافقة ظاهر السُّنة: أن المؤمنين كل واحد منهم يحترز ويحتاط وينتبه، لئلا يقوم في محل الجلوس، أو يجلس في محل القيام، يعني: يضبط نفسه، أما لو كان على حسب التغير لكان آلة ميكانيكية؛ إذا جاء التكبير الذي يُمد قام، وإذا جاء الذي يُخفف جلس، فكان في هذا فائدة ثم فيه فائدة ثالثة: وهي أنه إذا كان بعض المأمومين ليس يشاهد في مكان آخر، كما في
стр. 687
محل النساء مثلًا، وكان الإمام يُميز بين التكبيرات، ثم قال: "الله أكبر" وجلس في الثالثة وسبحوا به، سيقوم بلا تكبير، الذين في المكان الثاني سوف يبقون جالسين؛ لأن هذا التكبير تكبير جلوس، ولا يعلمون أنه تغير في هذا الحال يبقون جالسين، أما إذا كان التكبير لا تمييز فيه فإنه لا تمييز لتكبير الجلوس والقيام، فإذا نبهه الذين في مكانهم وقام، فإذا الذين لا يشاهدونه قد قاموا بناء على هذه الركعة الثالثة مثلًا. فما أكثر إتباع السُّنة بركة حيث يحصل به فوائد كثيرة.
بعض الأئمة يفرق جدًا جدًا في هذا التمييز حتى رأيت من يُفرق بين الجلوس للتشهد الأول والجلوس للتشهد الثاني، وصليت وراءه، فوجدته كلما وصل إلى الجلوس للتشهد الأول جعل يمده مدًا عاديًا مثل بقية الأئمة، وإذ أتى إلى التشهد الأخير يمد طويلًا فتعجبنا؛ لأن هناك أئمة جُهال تجد أحدهم يصلي في الطرقات ويقول: "الله ويخفي آخر التكبير؛ أي: يلفظ بلفظ الجلالة بصوت مرتفع، بينما يخفي آخر التكبير "أكبر" إخفاء عظميًا يغلب على ظني أنه ليس عندهم مستند من الشرع وهو كذلك، لكن مستندهم أنهم يسمعون أئمة الحرم إذا كبروا صار آخر التكبير خفيفًا؛ لأنهم يبعدون عن اللاقطة، فظن بعض هؤلاء أن هذا هو السُّنة، ولذلك يجب على الإمام أن يتعلم، قال بعض الناس: إن هذا التكبير مده أو خفضه حسب الطبيعة، لكن هذا غير صحيح؛ لأنه لو كان حسب الطبيعة لم يكن فرق بين الجلوس للتشهد والجلوس لما بين السجدتين؛ لأنهم في كل رفع يطيلون التكبير بل هو شيء متعمد ليس على حسب الطبيعة يتعمدون المد وغيره، ولم أر في كتب الفقهاء السابقين التمييز بين التكبيرات إلا في التكبيرة من القيام إلى السجود أو من السجود إلى القيام، وذلك لطول المسافة، فيطيلون التكبير، لكن السُّنة أحق أن تُتبع ألا نفرق بين هذا وهذا.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الإمام يقول: "سمع الله لمن حمده"، وبعد أن يستتم قائمًا يقول: "ربنا ولك الحمد"، وهل المأموم مثله، وهل المنفرد مثله؟ الجواب: أما المنفرد فنعم مثله يقول: "سمع الله لمن حمده" حين الرفع، ويقول بعد استكمال القيام: "ربنا ولك الحمد".
أما المأموم، فقال بعض أهل العلم: إنه يقول: "سمع الله لمن حمده"، ويقول: "ربنا ولك الحمد" كالإمام، ولكن القول الراجح في هذه المسألة: أن المأموم إذا قال الإمام: "سمع الله لمن حمده" يقول: "ربنا ولك الحمد"؛ لأن هذا هو صريح الحديث حينما قال النبي ﷺ : "إنما جُعل الإمام ليؤتم به" إلى أن قال: "وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد"، مع أنه قال: "إذا كبر فكبروا"، ففرق بين التكبير وبين التسميع، التكبير قال: "إذا كبر فكبروا"، التسميع، إذا قال:
стр. 688
سمع الله لمن حمده فقل: سمع الله لمن حمده، بل قال: "إذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد" وعلى هذا فالمأموم يقول: "ربنا ولك الحمد" حين نهوضه من الركوع.
*وفي قوله: "ربنا ولك الحمد" سنن متنوعة:
الأولى: "ربنا ولك الحمد" كما في الحديث.
الثانية: "ربنا لك الحمد" بحذف الواو.
والثالثة: "اللهم ربنا ولك الحمد" بالجمع بين اللهم والواو.
والرابعة: "اللهم ربنا لك الحمد". كل هذه ثابتة عن النبي ﷺ ، فهل الأولى المحافظة على واحدة من هذه الصيغ والاستمرار فيه، أو الأولى أن يُقال هذا مرة وهذا مرة، أو الأولى أن يؤخذ بأكثر منها وهو: "اللهم ربنا ولك الحمد"؟ الصواب: الثاني دون الثالث ودون الأول؛ بمعنى: أنك تأخذ بهذا تارة وبهذا تارة، هذا واضح فيما إذا كان الإنسان بُصلي لنفسه، وفيما إذا كان مأمومًا أن ينوع، لكن إذا كان إمامًا فهل يُنوع أو لا ينوع؟
ننظر كما قلنا لكم سابقًا: لأن المسألة تربية وتعظيم للدين، وعلى ذلك فإذا كانوا جماعة طلبة علم فالأولى من الإمام أن ينوع؛ لأن الأمر ليس مُشكلًا عليهم، لكن إذا كانوا عوامًا هل من المستحين أن الإمام يقول: "اللهم ربنا ولك الحمد" اليوم، و"ربنا لك الحمد" غدًا، هذا يُشكل عليهم على أنه سيخالف السُّنة من وجه آخر، وهو أن يجهر بـ "ربنا ولك الحمد" وهو غير محل جهر الإمام لا يجهر بربنا ولك الحمد؛ لأنه يُسمع ويجهر بالتسميع ويكفي.
هذه المسائل يجب أن يراعى فيها أحوال العوام، القراءات الواردة في القرآن الكريم لا شك أنها سُنة، وأن الإنسان ينبغي أن يقرأ بها على الروايات حفاظًا على ما ورد في القرآن، ولأجل أن يعرف أن بعض القراءات يفسر بعضها بعضًا، لكن هل يقرأ بهذه القراءات المخالفة عندما يكون بين أيدي العوام؟ لا، لا يقرأ؛ لأن العوام كما قيل: هوام ما يفقهون الشيء، ثم في ظني أن القرآن سينقص قدره في نفوسهم إذا كان هذا يقرأ كذا، وهذا يقرأ كذا، حتى إني سمعت بعض العوام يسخر بقراءة الإمالة في "طه" و "الشمس وضحاها" وما أشبه ذلك، إذن كيف أقرأ بالإمالة بين العوام؟ إن القراءة بالإمالة تؤدي إلى أن يستهينوا بالقرآن ويسخروا به، القرآن مُعَظم في قلوب الناس لا تقرأ عليهم غير ما يفهمون، ولهذا جاء في حديث علي: "حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذَّب الله ورسوله" ٤، وقد أنكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه
стр. 689
على من قرأ آية من القرآن على خلاف ما قرأها عمر، يعني: كذب بها، لكن قبل أن تثبت عنده روايتها عن النبي ﷺ .
فالعامي إذا أتيت إليه بقراءة خارجة عما يعرف ربما يُنكرها، ويُكذّب بها، ويسخر بالذي قرأها أيضًا؛ لأنه لا يعرف، فلاحظوا هذه المسألة في توجيهاتكم للناس، دعوا الدين محترمًا بين العوام حتى يبقى مؤثرًا في نفوسهم، أنا أذكر أن التهجد في رمضان كان (٢٣) ركعةـ، لأن التراويح عند الناس معظمة جدًا، فبدأ الناس يختصرونها حتى أوصلوها إلى (١٣) ركعة فخفت بذلك عند الناس، لكن -الحمد لله- الآن لما كان أكثر الأئمة يقتصرون على إحدى عشرة وثلاث عشرة بقي التعظيم، فالأصل أن العوام يبقون على ما هم عليه ما لم يُخالف الشرع.
ومن فوائد هذا الحديث: التكبير إذا سجد وإذا رفع من السجود في جميع الركعات، كم يكون من تكبيرة إذا استثنينا تكبيرة الإحرام؟ في الرباعية يكون حوالي (٢١) تكبيرة.
يقول: "ويكبر حين يقوم من اثنتين بعد الجلوس" حين يقوم يعني: إذا شرع في القيام إلى الركعة الثالثة كبّر، وهذه التكبيرة كغيرها؛ أي: أنها من واجبات الصلاة، والواجبات عند أهل الفقه ﵏ يقولون: مَنْ تعمد تركها بطلت صلاته، ومن سها فيها جُبرت بسجود السهو قبل السلام؛ لأنها عن نقص.
أذكار القيام من الركوع ومعانيها:
٢٨٥ - وعَنْ أَبِي سَعِيد الخُدْرِيِّ ﵁ قال: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِن الرُّكُوعِ قال: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ , وَمِلْءَ الأَرْضِ , وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالمَجْدِ أَحَقُّ مَا قَالَ العَبْدُ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، اللَّهُمَّ لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ. رواه مسلم.
يقول: "كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: "اللهم ربنا لك الحمد"، وأما حين رفعه فيقول: "سمع الله لمن حمده"، ولم يشأ أبو سعيد ﵁ أن يقول ذلك؛ لأنه يريد أن يُبين الذكر الذي يكون بعد القيام من الركوع، وسبق الكلام على قوله: "اللهم ربنا لك الحمد" وبيَّنا أن السُّنة وردت في هذا على أربعة أوجه.
قال: "ملء السموات والأرض، وملء ما شئت من شيء بعد": ملء الشيء: ما ملأه، و "السموات"كما نعلم سبعة واسعة عظيمة كما قال : ﴿والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون﴾ [الذاريات: ٤٧]. وملء الأرض: يعني الأرضين السبع كلها، واختلف العلماء في معنى "ملء" فقيل: المعنى أنه لو كان أجسامًا لملأ السموات والأرض، وهذا فيه نظر؛ لأنه إذا كان أجسامًا فسوف
стр. 690
يحصل فرق عظيم في الكمية؛ لأن الأجسام الكبيرة يقل عددها إذا ملأت السموات والأرض، والصغيرة يكثر عددها، وهكذا يختلف اختلافًا كثيرًا في الكمية، وإذا كنا نريد أن تكون الكتلة واحدة لا يحتاج إلى أن نقول: لو كان أجسامًا لملأ ذلك، فإذا كنا نقدر أن هذا الحمد أجسام متفرقة لزم من ذلك أن تختلف الكمية اختلافًا كثيرًا، أرأيت حب البر كم يكون عدده إذا وضعته في الفنجان؟ قل مثلًا: خمسمائة حبه، لكن حب الحمص يكون أقل من هذا بكثير، وإن جعلتها كتلة واحدة لا تقل: أجسامًا، قل: كتلة كالهواء، ملأت هذا هواء، وقيل: معنى ((ملء السموات والأرض)): أن حمد الله مالئ للسموات والأرض؛ لأن كل ما في السموات والأرض فهو مخلوق لله ، وقد حمد الله نفسه على خلق السموات والأرض فقال: ﴿الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور﴾ [الأنعام: ١]. وعلى هذا فمعنى: ((ملء السموات)): أن حمد الله شامل لكل ما في السموات والأرض؛ لأنه خلقه، وهو- محمود على خلقه، وهذا أقرب إلى المعنى أنه لعظم هذا الحمد كان شاملًا لكل ما في السموات والأرض.
قال: ((وملء ما شئت من شيء بعد)) هل الله شاء شيئا بعد هذا؟ نعم، شاء شيئا قبل السموات والأرض وشاء شيئا بعد السموات والأرض، أما ما بعد السموات والأرض فالجنة والنار، وأما قبل السموات والأرض نعرف بعضها ولا نعرف البعض.
لكن كلمة ((بعد)) ألا تعين أن يكون المراد ما بعد فناء السموات والأرض؟
الجواب: البعدية تكون باعتبار الزمن، وعلى هذا تكون ((بعد)) أي: بعد السموات والأرض، وتكون البعدية بمعنى الحال، أو بمعنى وراء، أو بمعنى سوى، فيكون ((ما شئت من شيء بعد)) أي: بعد السموات والأرض السابق واللاحق، وهذا هو الأصح؛ لأن هذا أعم.
((أهل الثناء والمجد)) بفتح اللام أو بضمها؟ هي عندنا بالفتح على أنها منادى، والأصل: ((يا أهل الثناء والمجد)) ويجوز الرفع من حيث الإعراب والمعنى أيضًا، ويكون المعنى: أنت أهل الثناء والمجد، لكن الأول أبلغ، مناداة الله ووصفه بهذا أبلغ؛ لأن النداء به يتضمن الإقرار به، والنداء به والخبر فقد يتضمن الإقرار فقط ((أهل الثناء)) يعني: أنك يا ربنا أهل للثناء، وهو تكرار أوصاف الكمال، كما يقول الله حين يقول المصلي: ﴿الرحمن الرحيم﴾: أثنى على عبدي)) ١. يعنى: أنك أهل لأن يكرر الثناء عليك، و ((المجد)): العظمة والسلطان، ولذلك تجدون في ((سورة البروج)) ما يدل على العظمة من أولها إلى آخرها.
أولها الإقسام بالسماء ذات البروج، ثم في أثنائها بالعرش المجيد، ثم في آخرها ﴿بل هو
стр. 691
قرءان مجيد﴾ [البروج: ٢١]؛ لأن المقام يقتضي هذا؛ لأن الله تحدث فيها عن قوم اعتدوا على أوليائه وفتنوا المؤمنين والمؤمنات، فصار ذكر العظمة والمجد فيها مناسبًا تمامًا.
إذن نعود إلى الحديث: ((المجد)) يعني: العظمة والسلطان، ولا أحد أعظم من الله، ولا أحد أكمل من سلطان الله . ((أحق ما قال العبد)) ((أحق)) بالرفع خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: ذلك أحق ما قال العبد، يعني: أن الثناء على الله وتمجيده وتعظيمه أحق ما قال العبد؛ يعني: أصدق وأوفق وأشد مطابقة للحال، لو أنك أثنيت على واحد من أهل الدنيا قد يكون هذا حقا، وقد يكون باطلًا، لكن إذا أثنيت على الله فهو أحق.
((ما قال العبد وكلنا لك عبد)) كلنا يعني: الخلق والبشر، كلنا عباد الله بالعبودية الشاملة وهي عبودية القدر، وذلك أن العبودية تنقسم إلى قسمين: عبودية شرعية، وعبودية قدرية كونية، فقول الله عن نوح: ﴿إنه كان عبدا شكورا﴾ [الإسراء: ٣]. وقوله عن نبيه محمد ﷺ ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده﴾ [الفرقان: ١]. أي العبودية؟ الشرعية، وقوله: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. هذه عبودية شرعية، وقوله : ﴿إن كل من في السموات والأرض إلا أتي الرحمن عبدا﴾ [مريم: ٩٣]. هذه العبودية القدرية الكونية، فقوله: ((كلنا لك عبد)) هذا يشمل هذا.
((اللهم لا مانع لما أعطيت)) اللهم بمعنى: يا الله ((لا مانع لما أعطيت)) هل المعنى: لا مانع لما أعطيت في الفعل، أو لما قدرت أن تعطيه؟ الثاني؛ يعني: لا أحد يمنع ما قدرت أن تعطيه، مهما بلغت الأمة من قوة فلن تستطيع أن تمنع ما قضى الله أن يعطي من العلم والمال والصحة والبنين والجاه، كل شيء قدر الله أن يعطيه لا أحد يستطيع أن يمنعه.
فإن قال قائل: نجد بعض الناس يمنع فضل الله؟
نقول: نعم، يمنع فضل الله؛ لأن الله لم يقدره، ولو قدره الله ما استطاع أحد أن يمنعه، لكن الله تعالى قد يسلط آحادا من الناس يمنعون فضل الله أن يصل إلى عباد الله، لكن هذا إنما يكون بقضاء الله وقدره.
((ولا معطي لما منعت)) إذا قدر الله أن يمنع هذا الشخص شيئا من فضله ما أحد يستطيع أن يعطيه، فإن أعطاه علمنا أن الله قدره لم يمنعه، وهذا إشارة إلى أن الأمور كلها بيد الله .
((ولا ينفع ذا الجد منك الجد))، الجد يعني: الغنى والحظ، و ((منك)) تدل على أن ((ينفع)) بمعنى: يمنع، يعني: لا يمنع صاحب الجد من الله جده حتى وإن كان ذا سلطان عظيم، وقوة عظيمة، ومال كثير فإنه لا ينفعه هذا من الله شيئا.
من فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي بعد الرفع من الركوع قول: ((اللهم ربنا لك الحمد ... )
стр. 692
الخ، و ((ربنا لك الحمد)) قدم فيها الخبر على المبتدأ لإفادة الحصر والاقتصار، وقرنت الحمد بـ ((أل)) الدالة على الاستغراق؛ يعني: كل الحمد.
ومن فوائده: أن الحمد المطلق لا يستحقه إلا الله ، وأن حمد الناس على ما يفعلونه من خير حمد مقبول ليس على سبيل الإطلاق.
أولًا: لنقص هؤلاء الذين يجودون بالخير عن الكمال.
ثانيًا: لا يجودون بكل الخير، وحينئذ لا يستحقون الحمد المطلق، والذي يستحق الحمد المطلق هو الله .
ومنها: إثبات السموات والأرض، وكون السموات سبعًا معلوم، وكون الأرضين سبعًا معلوم، أما كون السموات سبعًا فمعلوم بالكتاب والسنة، وأما كون الأرضين سبعًا فمعلوم بالسنة الصريحة وبالقرآن في ظاهره، فالسنة الصريحة مثل قوله ﷺ : ((من اقتطع شبرًا من الأرض طوقه الله به يوم القيامة من سبع أرضين))، وأما الظاهر من دلالة القرآن فقوله : ﴿الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن﴾ [الطلاق: ١٢]. والمماثلة هنا في العدد قطعًا لا في الكيفية والصفة؛ لأن السموات أعظم بكثير من الأرض، فتعين أن يكون ذلك فيما يمكن وهو العدد.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الله- له مخلوقات كثيرة غير السموات والأرض فهناك مخلوقات قبل السموات والأرض، وهناك مخلوقات بعدها، وقد مر علينا في ((النونية)) أن العلماء اختلفوا في العرش والقلم أيهما أسبق، وأن القول الراجح هو أن العرش أسبق.
ومن فوائد هذا الحديث: إثبات المشيئة لله لقوله: ((ما شئت من شيء بعد))، واعلموا أن مشيئة الله وإن أطلقت في مواضع فإنها مقرونة بعلم وحكمة، ليس لمجرد المشيئة كما قال ذلك من ينكرون حكمة الله ، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليمًا حكيما﴾ [الإنسان: ٣٠]. فقوله: ﴿إن الله كان عليما حكيما﴾ تشير إلى أن مشيئة الله مبنية على العلم والحكمة.
ومن فوائد الحديث: أن الله تعالى أهل لأن يثنى عليه بكمال الصفات؛ لقوله: ((أهل الثناء)).
ومنها: أنه أهل للمجد وهو العظمة والسلطان.
ومن فوائد الحديث: أن مثل هذا الثناء على الله أحق ما قال العبد، يعني: أثبته وأولاه بالصواب؛ لأن ما يقوله العبد ينقسم إلى أقسام، منها ما هو إثم وزور، ومنها ما هو لغو وباطل، ومنها ما هو قربة وأحق ما يكون هو الثناء على الله .
стр. 693
ومنها: اعترافنا بأن جميع الخلق عبيد لله لقوله: ((وكلنا لك عبد))، وهذا اعتراف بذل العبد للرب ، ولازم هذا الإقرار أن يكون الإنسان مطيعًا لله بامتثال أمره واجتناب نهيه، وإن لم يكن كذلك فليس عبدًا، لأن حقيقة العبودية التذلل للمعبود.
ومنها: تفويض الأمور إلى الله ، وأنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، ويتفرع على هذه الفائدة: أنك لا تعلق قلبك بغير الله؛ لأن الخلق لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، فلا تعلق قلبك يا أخي إلا بربك لأن الخلق لا ينفعونك ولا يضرونك.
ومنها: تمام قدرة الله أنه لا أحد يمنع ما أراد الله إعطاءه، ولا يعطي ما أراد الله منعه، وهذا دليل على كمال القدرة؛ لأن العاجز لا يمكن أن يمنع غيره ولا أن يعطي، وقدرة الله- ﵎ عامة شاملة لكل شيء، فكلما شاء الله شيئا فهو قادر عليه، بل هو قادر على ما لم يشأ، لكنه إذا اقتضت الحكمة أن يشاءه شاءه.
ومنها: أن أهل الحظ والغنى والكمال والسلطان والقصور والمراكب لا تنفعهم هذه من الله ، حتى لو كانت السيارات مصفحة ضد الرصاص فى راد لقضاء الله، لأن الله تعالى قد يقدر على هذا الذي تحصن بهذه الحصون أسباب هلاكه بأشياء ما تخطر له على بال فلا ينفع ذا الجد من الله جده وحظه، بل الله قادر عليه ولو كان في جحر ضب.
أسئلة:
- اشرح قوله: ((اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت))؟
- ما معنى قوله: ((لا ينفع ذا الجد منك الجد))؟
هيئة السجود وأحكامه:
٢٨٦ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة وأشار بيده إلى أنفه، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين)) ١. متفق عليه.
أولًا: يجب أن نعلم أن ابن عباس ﵃ من المكثرين من الرواية عن رسول الله ﷺ مع أنه كان صغيرًا، فهل مثل هؤلاء نحمل كل ما ورد عنهم عن النبي ﷺ على أنه علم الاتصال؟ الجواب: لا؛ لأن هناك أشياء رووها كانت قبل أن يولدوا فلا نحملها على الاتصال كلها، ولكن من توفيق الله أن العلماء قالوا: إن مرسل الصحابي حجة؛ يعني: كأنه متصل، فمثلًا إذا روى ابن عباس حديثًا عن النبي ﷺ وكان وقوعه قبل أن يولد ابن عباس فإننا نحمله على الاتصال، لا نقول: إن هذا مرسل، بل نحمله على الاتصال؛ لأن الصحابي لا يمكن أن يروي
стр. 694
عن أحد إلا وقد تأكد أنه- أي: السند- قد بلغ النبي ﷺ ولهذا قال العلماء: مرسل الصحابي يحمل على الاتصال، فإذا رأينا أحاديث كثيرة عن ابن عباس أو أحاديث كثيرة عن أبي هريرة- مع أنه قد تأخر إسلامه- فإننا نقول: هذه الأحاديث على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما علمنا أنه أدركه؛ فهنا لا إشكال.
الثاني: ما علمنا أنه لم يدركه، فهذا وإن كنا نعلم أنه لم يأخذه من النبي ﷺ مباشرة إلا أننا نعلم أنه لن يأخذه إلا عن صحابي يثق به.
الثالث: ما جهلنا على الاتصال.
قال: قال رسول الله ﷺ : ((أمرت)) الأمر هنا معلوم ولذلك لم يسم؛ لأنه معلوم، وهذا كقوله تعالى: ﴿يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا﴾ [النساء: ٢٨]. الخالق معلوم- وهو الله ، هنا الآمر معروف وهو الله ؛ إذ لا أحد يستطيع أن يأمر النبي ﷺ بشرع إلا الله- ﵎ فهنا حذف الفاعل للعلم بالآمر، وفي رواية في البخاري: ((أمرنا أن نسجد))، فإما أن يكون الراوي نقلها بالمعنى، وإما أن يكون الرسول ﷺ حدث بهذا الحديث في موضعين؛ لأنه لا يمكن أن يقول: ((أمرت أن أسجد)) و ((أمرنا أن نسجد)) في مكان واحد، فإما أن يكون الراوي رواه بالمعنى؛ لأن ما أمر به الرسول فهو أمر لأمته، رواه بالمعنى، وإما أن يكون النبي ﷺ تحدث به في موضعين.
((أمرنا أن نسجد على سبعة أعظم))، وفي لفظ: ((أعضاء))، والمعنى واحد، ((على الجبهة وأشار بيده إلى أنفه)) إشارة إلى أنه بعض منها، فله استقلال وله اتصال، يعني: له استقلال عن الجبهة، وله اتصال بالجبهة، الذي جعله مستقلا الفاصل بين رأس الأنف وأصل الأنف، فإن هذا الفاصل يفصل بينه وبين الجبهة، وأما الاتصال فمن المعلوم أن عظم الأنف متصل بعظم الجبهة؛ ولهذا لم يجعله النبي ﷺ مستقلا ولا منفصلا.
((وأشار بيده إلى أنفه، واليدين)) والمراد باليدين: الكفان، وهذه قاعدة يجب عليك- أيها الطالب- أن تعرفها: إذا أطلقت اليد فهي الكف، وإن قيدت فبما قيدت به، فقوله- ﵎: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما﴾ [المائدة: ٣٨]. المراد الكفان؛ لأنها مطلقة وقوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ [المائدة: ٦]. قيدت بالمرفق، وعلى هذا فيكون قوله تعالى في التيمم: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ يكون المراد باليدين: الكفان فقط ولا يدخل الذراع؛ لأن اليد إذا أطلقت يراد بها الكف.
((واليدين والركبتين)) الركبتان معروفتان وهما: مفصل ما بين الساق والفخذ، ((وأطراف القدمين)) هي الأصابع.
стр. 695
في هذا الحديث فوائد منها: وجوب السجود على هذه الأعضاء السبعة؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب، ولأنه لا يتحقق كمال السجود إلا بذلك.
ومنها: أن النبي ﷺ عبد يتوجه إليه الأمر، أمره سيده- أن يسجد على سبعة أعظم وحينئذ تنتزع خصائص الربوبية من حق الرسول ﷺ ، بل هو الذي انتزعها ﷺ خصائص الربوبية لا تكون إ لا لله ، مهما بلغ العبد من الكمال فإنه لن يستحق شيئا من خصائص الربوبية.
ومنها: أن هذه الأعضاء تسمى أعظما؛ لأنها عظام: اليد، الجبهة، الركبتان، أطراف القدمين.
ومنها: أنه لا تجزئ الجبهة عن الأنف ولا الأنف عن الجبهة؛ لأن النبي ﷺ لما ذكر الجبهة أشار إلى الأنف، فلو وضع إنسان أنفه على الأرض دون الجبهة لم يتم السجود، ولو كان العكس وضع الجبهة دون الأنف لم يتم السجود، وعلى هذا يلفت نظر أولئك الذين يلبسون العقال ويكبونه بحيث يكون العقال يحول بين جباهم أن تصل إلى الأرض؛ لأن بعض الناس يكب العقال؛ يعني: ينزله على الجبهة فترتفع الجبهة.
وهل إذا كان على جبهة الإنسان شيء-كالعقال- لمرض أو نحوه هل يجزئه السجود عليه؟
الجواب: نعم، كما يجزئ السجود في الخفين مع أن أطراف الأصابع لا تمس الأرض.
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب السجود على الركبتين جميعا، فلو رفع إحداهما لم يتم السجود، وفيه أيضًل وجوب السجود على أطراف القدمين وهي الأصابع، وظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن تكون الأصابع موجهة إلى القبلة أو أن نسجد على ظهور الأصابع، فإنه يدخل في قوله: ((أطراف القدمين)).
وهنا مباحث مهمة:
المبحث الأول: لو أن الإنسان عجز عن السجود على الجبهة والأنف لجراح فيهما فهل يسجد على بقية الأعضاء أو لا يسجد؟ ننظر إلى قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]. فإذا طبقنا هذه الآية على هذه المسألة قلنا: يجب السجود على بقية الأعضاء، وعليه فيجب أن يقرب من الأرض ما يمكن، ويضع يديه وركبتيه وأطراف قدميه على الأرض، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]. وقال ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وهذا وسعها، وقال تعالى: ﴿والذين أمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها﴾ [الأعراف: ٤٢].
وقال بعض أهل العلم: إنه عجز عن السجود بالجبهة سقط السجود على بقية الأعضاء لكن هذا القول ضعيف تضعفه الآية ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، نعم، لو فرض أن الإنسان في ظهره مانع يمنع من الانحناء، فهنا نقول: يسقط عنه بقية الأعضاء؛ يعني: لا نقول للرجل الذي لا
стр. 696
يستطيع أن ينحني: ضع يديك على الأرض؛ لأن هذا ليس بساجد، أما إذا كان يستطيع أن ينهصر حتى يقرب من الأرض؛ فهذا يجب عليه أن يسجد على ما يستطيع من الأعضاء.
هناك مبحث آخر: هل يجزئ بعض العضو عن كله، بمعنى: أن يضع الإنسان أطراف الأصابع إذا سجد، أو لابد يبسط راحته؟
فالجواب: هل يقال: إن سجد على يديه؟ نعم هو سجد، لكن ليس على وجه الكمال، فلو وضع أصابعه الخمسة على الأرض مع رفع الراحة أجزأ، لكن الكمال أن يضع الراحة.
مبحث آخر: لو سجد على إحدى يديه ورفع الأخرى هل يجزئ؟ لا يجزئ إلا لعذر، كما لو كانت الأخرى مشلولة أو مكسورة معلقة في عنقه أو ما شبه ذلك، فهنا نقول تجزئ الواحدة لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦].
لو أنه سجد ووضع أحد الكفين على الآخر يجزئ أو لا يجزئ؟ الجواب: لا يجزئ لأن هذا لا يصدق عليه أنه سجد على سبعة أعضاء؛ إذ إنه جعل العضو فوق العضو فلا يجزئ.
مبحث آخر: لو أنه أصيب بحكة في إحدى رجليه، ثم رفع الأخرى وحك بها التي أصابتها الحكة ثم عاد عن قرب هل يصح سجوده أو لا يصح؟ الظاهر لي أنه يصح؛ لأن هذه حاجة، ولأن الزمن يسير.
مبحث آخر: بعض الناس إذا سجد وضع رجله على الرجل الأخرى هل يجزئ أو ل؟ لا يجزئ كما قلنا في اليد.
يلتحق بهذه المباحث: إذا حال بينه وبين موضع سجوده حائل فهل يصح سجوده أو لا يصح؟ ذكرنا الآن أنه إذا كان الحائل أحد الأعضاء فإنه لا يصح، وإذا كان غير أحد الأعضاء فإن كان متصلا به- أي: بالساجد- كالمشلح والغترة والثوب فلا بأس به لحاجة، ولغير حاجة يكون مكروهًا، دليل هذا قول أنس ﵁: ((كنا نصلي مع النبي ﷺ في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه))، فدل هذا على أنهم لا يستعملون بسط الثوب إلا لحاجة.
وعليه نقول: يجب أن يكون الحائل منفصلا؛ لأنه كما سبق أن قلنا: إن كان الحائل أحد الأعضاء فإنه لا يصح، وإن كان غير أحد الأعضاء فإن كان متصلا به- أي: كالمشلح والثوب والغترة، فإن كان لحاجة فلا بأس به، وإن كان لغير حاجة فهو مكروه، وأما الحائل المنفصل فإن كان خاصا بالجبهة والأنف أو بالجبهة وحدها فمكروه؛ لأنه يشبه فعل الرافضة، الرافضة لا يسجدون على شيء إلا على تربة، والتربة عبارة عن حجر من فخار يقال: إنه
стр. 697
مصنوع من قبر علي بن أبي طالب ﵁ أو قبر الحسين، المهم أن هذا مكروه إذا كان لا يتسع إلا للجبهة فقط، أما إذا كان يتسع للجبهة والأنف والكفين فهذا لا بأس به، كلامنا الآن في المنفصل، الدليل على أنه لا بأس أن النبي ﷺ كان يسجد على الخمره وهي بقدر ما يخمر به الرأس؛ يعني: مثلا إذا كانت تسع اليدين والجبهة والأنف فإن ذلك لا بأس به؛ لآنه منفصل، والمنفصل ليس فيه محظور إلا خوف مشابهة الرافضة في فعلهم.
ذكرني حديث أنس: ((إذا لم يستطع أحدنا أن يمكن الجبهة من الأرض)) بفائدة مهمة وهي: أنه لابد في السجود من الاستقرار، فلابد أن يستقر الإنسان، فلو سجد على قطن ومست جبهته وأنفه هذا القطن لكن لم يكبسه، فإن السجود لا يصح؛ لأنه لابد أن يمكن، وبهذا نعرف أن الأولى في المساجد ألا يجعل تحت الفراش إسفنج؛ لأنه ربما يكون بعض المصلين يكتفي بمس الجبهة الفراش فلا يكبسه، ثم إن كوننا نصل إلى هذا النوع من الترف أمر لا يستسيغه الإنسان؛ فهو يعني: أننا نجعل المساجد المخصوصة بالعبادات كفرش النوم، هذا شيء تشمئزه النفس، لكن بعض الناس ابتلى بهذا، نسأل الله أن يهديهم.
هل يصح السجود على الأرجوحة- شيء يتأرجح مثل: الميزان- فلو فرضنا أن هناك خشبة كبيرة يمكن السجود عليها لكنها بأرجوحة؛ فإن ذلك لا يجزئ؛ لماذا؟ لعدم الاستقرار؛ لأن هذا الرجل لو يميل قليلًا لرجحت به الكفة، ولو تقدم قليلًا لرجحت الأخرى؛ ولهذا قال العلماء: لا يصح سجوده لوجوب الاستقرار في السجود وهذا غير مستقر.
هل يصح السجود في الطائرة؟ نعم يصح؛ لأنها مستقرة، فالإنسان يسجد بكل طمأنينة، وكان قد وقع في هذا خلاف أول ما ظهرت الطائرات، ولكن- الحمد لله- الظاهر: أنه انعقد الإجماع على صحة الصلاة فيها.
هذا ما يتعلق بحديث ابن عباس، وقد ذكرنا في أثناء الشرح أن السجود على أطراف القدمين يشمل السجود على بطون الأصابع وعلى ظهورها، ولكن الأفضل أن يكون السجود على بطون الأصابع لتكون الأصابع مستقبلة القبلة، بحيث يمكن مشاهدة القدمين منصوبتين، لكن اليوم نرى كثيرًا من الناس لا يمكن أن يسجد على جميع الأصابع، يسجد على الإبهام وما حوله إما أصبع أو أصبعان، فهل يجزئ هذا أو لا يجزئ؟ الجواب: يجزئ؛ لأننا ذكرنا أن بعض العضو يجزئ، لكن الكمال أكمل.
أسئلة:
- إذا تعذر السجود على الجبهة هل يسقط السجود عنه؟
- إذا كان لا يستطيع أن ينحني إطلاقًا ماذا يفعل؟
стр. 698
٢٨٧ - وعن ابن بحينة ﵁ ((أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى وسجد فرج بين يديه، حتى يبدو بياض إبطيه)). متفق عليه.
((كان إذا صلى)) يقول العلماء- ﵏: إن ((كان)) إذا صار خبرها فعلا مضارعا فإنما تدل على الدوام، ولكن غالبا لا دائما، والدليل على أنها ليست دائمة: أن النبي ﷺ روى عنه أصحابه أنه كان يقرأ في صلاة الجمعة بـ ((سبح)) و ((الغاشية))، ونقلوا عنه أنه كان يقرأ الجمعة بـ ((الجمعة)) و ((المنافقون))، فلو قلنا: إن ((كان)) تدل على الاستمرار والدوام لكان في هذا تناقض، ولكنها تدل على الدوام والاستمرار غالًا، فقوله : ﴿وكان الله على كل شيء مقتدرا﴾ [الكهف: ٤٥]. تدل على الدوام والاستمرار، فالإطلاق بأن ((كان)) تفيد الدوام والاستمرار غير صحيح.
((كان إذا صلى وسجد فرج بين يديه)) الكفين، أم الذراعين والعضدين؟ الثاني هو المقصود؛ لأنه هو الذي به بياض الإبط وبياض الإبط داخله؛ لأن داخل الإبط أبيض من بقية البدن؛ حيث إن بقية البدن يتعرض للشمس والهواء فيسود، بخلاف المناطق الداخلية فإنها تبقى بيضاء.
في هذا الحديث فوائد منها: أنه ينبغي للساجد أن يفرج بين يديه إذا سجد حتى يبدو بياض إبطيه، وإذا كان الإنسان ليس عليه رداء إنما عليه قميص فماذا يصنع؟ نقول: يفرج بحيث لو لم يكن عليه إلا رداء لبان بياض إبطيه، وإلا من المعلوم أن القميص لا يمكن أن يبين بياض الإبط، ويستثنى من هذا- أي: من التفريج- ما إذا كان في جماعة، فإنه لو كان في جماعة وفرج لآذى من بجانبه وأشغله عن صلاته فلا يفرج، إذن تكون هذه المسألة في الإمام والمنفرد، أما من كان مع الجماعة فلا يفرج؛ لأن ترك السنة لدفع الأذى أولى من فعل السنة مع الأذى؛ لأن الأذية تتعدى للغير؛ ولهذا لما خرج النبي ﷺ وهم يقرءون في الليل ويجهرون نهاهم وقال: ((لا يؤذين بعضكم بعضا في القراءة)).
ومن فوائد هذا الحديث: أن بشرة النبي ﷺ كانت بيضاء وهو كذلك فإنه أزهر اللون صلوات الله وسلامه عليه.
٢٨٨ - وعن البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((إذا سجدت فضع كفيك، وارفع مرفقيك)). رواه مسام.
فبين النبي ﷺ في هذا كيف يكون وضع اليدين فقال: ((إذا سجدت فضع كفيك)) يعني: على الأرض، ((وارفع مرفقيك)) يعني: عن الأرض، وليس فيه التفريج، لكن أضف هذا إلى
стр. 699
حديث التفريج يكون ارتفاعا مع التفريج، فصار الساجد يضع الكفين ويرفع المرفقين ويفرج بين اليدين والجنبين هذا هو الأصل. ولكن لو أنه لم يفعل هل يكفي أو لا يكفي؟ يكفي؛ لأن هذا من باب الأفضلية.
وقوله: ((ضع كفيك)) لم يبين كيف يكون الوضع؟ هل يضع الكفين مفرجة بين الأصابع أو مضمومة الأصابع؟ الجواب: يضعها مضمومة الأصابع، وهل يضعها مستقبلة القبلة أو منحرفة يمينًا أو شمالًا، نقول: يضعها مستقبلة القبلة حتى مع المجافاة الأفضل أن تبقى متجهة إلى القبلة، خلافا لما يفعله بعض الناس إذا جافى جعل الأصابع مستقبلة محرفة عن القبلة وهذا غلط، بل تبقى اليدان متجهة إلى القبلة مضموم، وأين يكون مكانها هل هي على حذاء المنكبين، أو على حذاء الأذنين، أو على حذاء الجبهة؟ الجواب: كل هذا وارد إن شئت فقدم حتى تسجد بين الكفين، وإن شئت فأخر حتى تسجد إلى شحمة الأذنين، وإن شئت تأخرت تحاذي المنكبين، الأمر واسع.
وتعلمون أن الصلاة ليست صلاة واحدة صلاها النبي ﷺ فيكون في هذا تناقض، الصلوات لا يحصيها إلا الله، فمرة يفعل كذا، ومرة يفعل كذا، فهل الأفضل أن يقتصر على نوع واحد، أو يأتي بالأنواع كلها؟ الجواب: الثاني؛ لأن عندنا قاعدة العبادات الواردة على وجوه متنوعة فالأفضل أن يفعلها على جميع الوارد هذا تارة وهذا تارة، وذلك للوجوه التالية:
أولًا: أن بذلك تتحقق الأسوة بالرسول- ﵊ لأن النبي ﷺ فعل هذا مرة وهذا مرة.
الثاني: فيه حفظ السنة الأخرى، لأنك لو اقتصرت على واحد من الوجوه نسيت الوجوه الأخرى.
ثالثًا: أن فيه دفعًا للسآمة والملل.
رابعًا: أن فيه انتباها؛ لأن الإنسان إذا صار على وتيرة واحدة صار كأنه ماكينة تشغيل أوتوماتيكية، وإذا كان ينتقل صار ينتبه اليوم على هذا الوجه، والثاني على هذا الوجه، ولذلك إذا اقتصر الإنسان على استفتاح واحد تجده إذا كبر تكبيرة الإحرام شرع في أدعية الاستفتاح بدون شعور، لكن لو كان يستفتح بهذا مرة وهذا مرة صار ذلك أشد انتباها، أهم شيء في هذه الوجوه هو تمام التأسي بالرسول ﷺ .
من فوائد هذا الحديث: أن النبي ﷺ بين لأمته كل شيء تحتاجه حتى في كيفية السجود كيف تسجد؛ لأن هذا من تمام إبلاغ الرسالة صلوات الله وسلامه عليه، ولا أحد أشد من النبي ﷺ في إبلاغ الرسالة.
стр. 700
ومن فوائد هذا الحديث: ما دل عليه لفظه من أن السنة أن يرفع مرفقيه ويضع كفيه على الأرض.
صفة الأصابع في السجود والركوع:
٢٨٩ - وعن وائل بن حجر ﵁: ((أن النبي ﷺ كان إذا ركع فرج بين أصابعه، وإذا سجد ضم أصابعه)). رواه الحاكم.
((كان إذا ركع فرج بين أصابعه))، وأين تكون الأصابع؟ تكون على الركبتين، فيضع يديه على ركبتيه مفرجة الأصابع، هذا هو الأفضل، كأنه قابض على الركبة، أما إذا سجد فإنه يضم أصابعه ولا ينشرها، وهذا ليقع الفرق بين الركوع والسجود أن وضع الأصابع في الركوع مفرق، وأن وضعها في السجود مضموم.
الجلوس في محل القيام وأحكامه:
٢٩٠ - وعن عائشة ﵂ قالت: ((رأيت رسول الله ﷺ يصلي متربعا)). رواه النسائي، وصححه ابن خزيمة.
((رأيت النبي ﷺ ) رؤية عين، ((يصلي متربعًا)) تريد بهذا الجلوس مكان القيام فإنه يصلي متربعًا، التربع أن يجعل الساق والفخذ أربعًا، ما هو اسمه العامي؟ بلغة القصيم ((مفخي))، على كل حال: هذا معنى عرفي عند الناس لكنه في محل القيام، والحكمة من ذلك: أنه إذا تربع صار أريح له وأثبت وأكثر طمأنينة، حتى إن ابن القيم رحمة الله قال في قول النبي ﷺ : ((لا آكل متكئًا)). قال: من الاتكاء التربع على الأكل؛ لأن المتربع جالس جلسة المطمئن، ومن المعلوم أن القيام أطول من غيره من الأركان، فلذلك كان يصلي متربعًا هذا في حال القيام، ومتى يكون الجلوس في محل القيام؟ يكون في النافلة مطلقًا؛ المتنفل يجوز أن يتنفل قائمًا أو قاعدًا، ويكون أيضًا في الفريضة عند العجز عن القيام أو الخوف للقيام، أو متابعة الإمام في الفريضة صلى جالسًا في هذه الأمور الثلاثة عند العجز واضح لقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [البقرة: ١٩٥].
رجل بينه وبين عدوه جدار قصير إن قام رآه العدو وإن صلى قاعدًا لم يره؟ نقول: صل قاعدًا.
стр. 701
الثالث: إذا كان خلف إمام يصلي جالسا من أول صلاته فإنه يصلي جالسا ويتربع، في القيام قبل الركوع واضح أنه يتربع في القيام بعد الركوع يتربع أيضًا لأنه قيام وإن كان قصيرًا لكنه يتربع في حال الركوع.
قال الفقهاء- ﵏: إنه يثني رجليه؛ أي: يكون جلوسه كالجلوس بين السجدتين في هذا الركوع لكن هذا فيه نظر، والصواب أنه يبقى متربعا؛ وذلك الراكع إذا كان قائما تبقى رجلاه منصوبتين كالقيام من قبل، وعلى هذا نقول: إذا تربع في حال القيام قبل الركوع فإنه يتربع في حال القيام بعد الركوع على القول الراجح، وأما بقية الجلسات فإنه إما مفترش وإما متورك
الدعاء بين السجدتين:
٢٩١ - وعن ابن عباس ﵃: ((أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين: اللهم اغفر لي، وارحمني، وأهدني، وعافني، وارزقني)) ١. رواه الأربعة إلا النسائي، واللفظ لأبي داود، وصححه الحاكم.
قوله ﵁: ((كان يقول بين السجدتين)) تقدم الكلام على ((كان)) وأنها تقتضي الاستمرار غالبًا، يقول: ((اللهم اغفر لي)) أي: يا الله اغفر لي، وماذا تعني كلمة اغفر لي؟ تعني شيئين:
الأول: ستر الذنوب عن العباد.
والثاني: التجاوز عنه فلا عقوبة، وإنما قلنا: إنها تعني الأمرين؛ لأن أصلها مأخوذة من المغفر، المغفر شيء يوضع على الرأس عند القتال ليتقي به المقاتل سهام العدو، فهو جامع بين الستر والوقاية، وقوله: ((وارحمني)) يعني: أفض على من رحمتك حتى يزول المكروه بالمغفرة ويحصل المطلوب بالرحمة.
فإن قال قائل: أليس المغفور له مرحومًا؟
فالجواب: بلى، لكن إذا اجتمعا افترقا.
((وارحمني وأهدني)) أي: هدايتين: هداية توفيق، وهداية العلم والإرشاد؛ لأن من الناس من يحرم الهدايتين، ومن الناس من تحصل له هداية العلم والإرشاد دون التوفيق، لكن إذا حصلت هداية التوفيق فالغالب أنها مصحوبة بهداية العلم، أنت إذا سألت الله أن يهديك ماذا تريد؟ الاثنين: هداية العلم والإرشاد وهداية التوفيق، هداية العلم والإرشاد لكل أحد، أوجب الله على نفسه أن يهدي عباده هداية إرشاد فقال : ﴿إن علينا للهدى﴾ [الليل: ١٢]. جملة مؤكدة بإن واللام
стр. 702
مصدرة بما تقتضي الإيجاب، أوجب الله على نفسه أن يهدي عباده هداية العلم والإرشاد، وقال : ﴿إنا هدينه السبيل إما شاكرا وإما كفورا﴾ [الإنسان: ٣]. يعني: هديناه السبيل سواء كان شاكرًا أو كان كفورًا، والمراد بالهداية هنا: هداية علو وإرشاد، وقال : ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾ [فصلت: ١٧]. هديناهم يعني: دللناهم بالعلم والإرشاد، فالمهم أن قول المصلي أو غير المصلي إذا سأل الله الهداية يريد الهدايتين هداية العلم والإرشاد وهداية التوفيق، ولهذا جاءت في سورة الفاتحة غير معداة بحرف بل ﴿أهدنا الصراط﴾، وليست أهدنا إلى الصراط؛ لأنه لو قال: أهدنا إلى الصراط صار الأمر ظاهرًا بأن المراد: هداية العلم والإرشاد، أهدنا إليه يعني: دلنا إليه، لكن أهدنا هنا هذه تدل على أنه يركب الطريق المستقيم، ولا يمكن أن يركبه إلا بعد العلم.
((وأهدني وعافني)) من ماذا؟ عافني من كل مرض سواء كان مرضًا نفسيًا، أو مرضًا قلبيًا، أو مرضًا جسميا عضويا أو كليًا، انوها بقلبك أنك تسأل العافية من كل شيء، لكن ما هو الأهم؟ الأهم: العافية من أمراض القلوب، اللهم عافنا من أمراض القلوب والأبدان، العافية من أمراض القلوب أهم؛ لأنه إذا مرض القلب، ثم مات خسر الإنسان دنياه ولآخرته، لكن أمراض الأبدان غايتها ونهايتها أن يموت الإنسان، ولا بد منه؛ ولهذا لما جاء ملك الموت إلى موسى- ﵊ يقبض روحه وصقه فرجع إلى الله وقال: أرسلتني إلى رجل لا يريد الموت. قال: اذهب إليه وقل له يضع يده على جلد ثور، فله ما تحت يده من السنوات يعيشها، فبلغ موسى قال: ثم ماذا؟ قال: ثم الموت لابد من هذا، مهما طالت بك الحياة فلابد من الموت.
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يومًا على آلة حدباء محمول
قال: إذن الآن، وسأل الله أن يدينه من الأرض المقدسة مقدار رمية بحجر.
المهم يا إخوان أن أقول: إن المرض الذي يسأل الإنسان العافية منه هو جميع الأمراض، لكن أهمها مرض القلب، اللهم أحيي قلوبنا يا رب العالمين.
((وعافني وارزقني)) وارزقني ماذا؟ أكل، شرب، لباس، سكن، نكاح، كل شيء، ومن ذلك رزق الدين؛ العلم والإيمان والعمل الصالح، وهذا أهم الأرزاق أن يرزقك الله علمًا وإيمانًا وعملا، هذا أفضل شيء.
من فوائد الحديث: أن الجلسة بين السجدتين جلسة دعاء؛ لأن النبي ﷺ كان يخصها بالدعاء.
стр. 703
ومنها: أن النبي ﷺ مفتقر إلى مغفرة الله ورحمته وما ذكرنا في الحديث.
ومنها: أنه ليس للنبي ﷺ من خصائص الربوبية شيء؛ إذ لو كان شيء لتصرف لنفسه.
ومنها: الجمع بين سؤال المغفرة والرحمة، فالمغفرة لفعل المعاصي، والرحمة لترك الطاعات؛ أي: أن الإنسان إذا سأل الله المغفرة فالمراد: مغفرة الذنوب الواقعة، وإذا سأل الرحمة فالمراد: أن الله يرحمه بفعل الطاعات.
ومنها أيضًا: حاجة النبي ﷺ إلى الهداية لقوله: ((وأهدني))، وعرفتم في الشرح أن الهداية نوعان: هداية علم وإرشاد، وهداية توفيق وسداد، وذكرنا لهذا أمثلة، فمن الأول العلم والإرشاد قوله تعالى: ﴿إن علينا للهدى﴾ [الليل: ١٢]. ((علينا)) هذه للوجوب، والمراد بالهدى: البيان والإرشاد، ومنه قوله تعالى: ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾ [فصلت: ١٧]. ومنه قوله تعالى: ﴿إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلنه سميعا بصير* إنا هديناه السبيل﴾ [الإنسان: ٣، ٢]. أي: بينا له السبيل ﴿إما شاكرا وإما كفورا﴾ [الإنسان: ٣]. إذا سألت الهداية فما المراد؟ الهدايتان.
ومنها: أن النبي ﷺ محتاج إلى العافية في بدنه والعافية في دعوته وشريعته لقوله: ((وعافني)) وسبق لنا معنى العافية وأنها عافية الدين والدنيا.
ومنها أنه ﷺ محتاج إلى الرزق لقوله: ((وارزقني))، وبينا أن الرزق عام.
ومن فوائد الحديث: أننا ندعو الله- ﵎ بهذة الجمل، لقول النبي ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) ١. وهذا دليل خاص، الدليل العام ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الأخر وذكر الله كثيرا﴾ [الأحزاب: ٢١].
ومنها: هل يقتصر على هذا الدعاء أو يزاد فيه؟ فالجواب: لا بأس بالزيادة ما لم يتخذها الإنسان عبادة، فإن اتخذها عبادة صار فيها نوع استدراك على ما جاء عن النبي ﷺ ، وعلى هذا فهل يجوز للإنسان أن يدعو لأولاه في هذا الجلوس؟ نعم، لكن بعد أن يأتي بالوالد؛ لأن الوالد مقدم.
ومنها: لو اقتصر على بعض هذه الجمل، مثلا على سؤال المفغرة، على سؤال الرحمة، على سؤال العافية، هل يجزئه في هذا المكان، أو لابد من ذكر الخمس: ((أغفر لي وارحمني وأهدني وعافيني وارزقني))؟ ذكر الفقهاء- ﵏ أن الواجب من هذه الخمس سؤال المغفرة.
ومنها: بيان ضعف من قال من الفقهاء: إن الواجب أن يؤدي سؤال المغفرة بلفظ: ((رب اغفر لي))، والصواب: أن ذلك ليس بواجب، وأنه لا فرق بين أن يقول: ((اللهم اغفر لي)) أو يقول: ((رب اغفر لي)).
стр. 704
حكم جلسة الاستراحة:
٢٩٢ - وعن مالك بن الحويرث ﵁ ((أنه رأى النبي ﷺ يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا)). رواه البخاري.
قوله: ((رأى النبي ﷺ وكانت هذه الرؤية حين وفد مالك بن الحويرث ومن معه إلى المدينة لتلقي العلم من رسول الله ﷺ والدين، والظاهر أنه كان في عام الوفود، في السنة التاسعة من الهجرة، وقوله ﵁ ((فإذا كان في وتر من صلاته))، الوتر: هو الركعة الأولى أو الركعة الثالثة فيما إذا كان في الصلاة الرباعية، وعلى هذا فإذا كان في الصلاة الثنائية يكون الوتر الركعة الأولى، وكذلك في الثلاثية، لكن في الرباعية يكون الوتر في موضعين: في الركعة الأولى، وفي الركعة الثالثة، وقوله: ((لم ينهض)) يعني: للقيام، ((حتى يستوي قاعدًا)) يستوي يعني: يستقر قاعدًا، ((قاعدًا)) حال من فاعل ((يستوي)).
في هذا الحديث فوائد منها: الاقتداء بفعل النبي ﷺ دون أن يأمر بذلك لقوله: ((إذا كان في وتر من صلاته))، ولم يسقه مالك بن الحويرث إلا من أجل أن يأخذ به الناس، ولولا ذلك لكان سياقه عبثا لا فائدة منه.
ومنها: أن الإنسان ينبغي له أن يجلس إذا كان في وتر من صلاته اقتداء بالنبي ﷺ ، لكن هذا يعارض أحاديث كثيرة تدل على عدم الجلوس، وأن الإنسان ينهض من السجود إلى القيام بدون جلوس، فكيف نجمع بينهما؟ قال بعض العلماء: نجمع بينهما بأن نقول: حديث مالك بن الحويرث في آخر عمره- ﵊ فيكون هو المعتمد؛ لأننا نأخذ بالآخر، فالآخر من هدي النبي ﷺ ، وقال بعضهم: إنها لا تسن مطلقا؛ لأن أكثر الأحاديث على عدم ذكرها، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وفصل قوم فقالوا: إذا كان الإنسان لا يستطيع أن ينهض رأسا من السجود إلى الوقوف فيجلس ليعطي جسده حظه من الراحة، فجمعوا بين الأحاديث وقالوا: إن هذا هو الظاهر؛ لأن مالك بن الحويرث ﵁ إنما قدم المدينة عام الوفود بعد أن أخذ النبي ﷺ اللحم؛ ولهذا لم يأت في أي حديث الأمر بهذه الجلسة إنما هي داخلة في العموم: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))، وعلى هذا فمن احتاج إليها لكبر أو مرض أو وجع في الركبتين أو ما أشبه ذلك فليجلس، ومن لا فلا.
وهذا القول المفصل هو الراجح، وعليه اعتمد ابن القيم ومن قبله الموفق رحمة الله، وبه تجتمع الأدلة.
стр. 705
ولكن هنا سؤال: إذا كان الإنسان إماما فالأمر إليه إن شاء جلس وإن شاء لم يجلس، لكن هل يسن أو لا يسن؟ على حسب التفصيل الذي سمعتم، لكن إذا كان مأمومًا فهل يجلس أو لا يجلس؟ فالجواب: المأموم نبع للإمام، إن جلس الإمام جلس، وإن لم يجلس فلا يجلس لقول النبي ﷺ : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)). فإن جلس فاجلس، وإن لم يجلس فلا تجلس، لكن هل هذا على سبيل الوجوب إذا لم يجلس الإمام ألا أجلس، أو على سبيل الاستحباب؟
صرح شيخ الإسلام بأنه على سبيل الاستحباب؛ يعني: إذا كان المأموم يرى الجلسة سنة، أو كان في الحالة التي يكون فيها الجلسة سنة؛ فالأفضل ألا يجلس إذا كان الإمام لا يجلس، وكأنه رحمة الله، عدل عن القول بالوجوب؛ لأن الجلسة هذه خفيفة لا تؤدي إلى مخالفة ظاهرة للإمام، وإلا لكان الأصل أنه لا يجوز الجلوس من أجل متابعة الإمام.
فإن قال قائل: لا يجلس تبعًا لإمامه، وأن نقول: لو أن الإمام ترك التورك تدينا والمأموم يرى أنه سنة فإنه يتورك، ولو ترك الإمام رفع اليدين عند الركوع والرفع منه والقيام للتشهد فاقتدينا؛ فإن المأموم يرفع يديه إذا كان يرى ذلك، فما الفرق؟
فالجواب: ظاهر الجلسة فيها نوع مخالفة للتخلف عن الإمام، وأما الرفع فليس فيه التخلف، غاية ما هنالك أنه خالفه في كونه رفع يديه، وكذلك يقال في التورك؛ لأن بعض العلماء يقول: لا يتورك وبعض العلماء يقول: يتورك في كل تشهد بعده سلام، وعلى هذا فيتورك في الفجر في الثنائية، وإذا كنت لا أرى التورك فلا أتورك، هذا هو الفرق.
هل قال أحد بوجوب جلسة الاستراحة؟ الجواب: حكي بعضهم الإجماع على أنه لا قائل بذلك، وادعى بعض المتأخرين المتشددين في إتباع السنة أن ذلك واجب؛ يعني: الجلسة للاستراحة، واستدلوا بأنه جاء في بعض روايات البخاري لما ذكر السجدة الثانية قال: ((ثم ارفع حتى تستوي قاعدًا))، لكن هذه الرواية أشار البخاري ﵀ نفسه إلى أنها شاذة، وإذا كانت شاذة فلا عمل عليها.
فالصواب: أن تجعل جلسة الاستراحة سنة لمن احتاج إليها لمرض، أو كبر، أو وجع في الركب، أو ما أشبه ذلك، وإلا فلا، ثم حديث مالك أمامنا الآن يقول: ((حتى يستوي قاعدًا)) لابد من استقرار، ولهذا سماها الفقهاء جلسة الاستراحة، أما ما يفعله بعض الناس الآن يريد أن يجلس الجلسة تجده يجلس لحظة ثم يقوم، وهذا لم يأت بالسنة، فإما أن يستوي قاعدًا، وإما أن يترك، أما أن يأتي بنصف السنة فهذا كالذي يقرأ: ﴿الم* تنزيل﴾ السجدة في فجر الجمعة ويقسمها نصفين.
следующие страницы →