Полный текст (3 515 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
الثالث: إذا كان خلف إمام يصلي جالسا من أول صلاته فإنه يصلي جالسا ويتربع، في القيام قبل الركوع واضح أنه يتربع في القيام بعد الركوع يتربع أيضًا لأنه قيام وإن كان قصيرًا لكنه يتربع في حال الركوع.
قال الفقهاء- ﵏: إنه يثني رجليه؛ أي: يكون جلوسه كالجلوس بين السجدتين في هذا الركوع لكن هذا فيه نظر، والصواب أنه يبقى متربعا؛ وذلك الراكع إذا كان قائما تبقى رجلاه منصوبتين كالقيام من قبل، وعلى هذا نقول: إذا تربع في حال القيام قبل الركوع فإنه يتربع في حال القيام بعد الركوع على القول الراجح، وأما بقية الجلسات فإنه إما مفترش وإما متورك
الدعاء بين السجدتين:
٢٩١ - وعن ابن عباس ﵃: ((أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين: اللهم اغفر لي، وارحمني، وأهدني، وعافني، وارزقني)) ١. رواه الأربعة إلا النسائي، واللفظ لأبي داود، وصححه الحاكم.
قوله ﵁: ((كان يقول بين السجدتين)) تقدم الكلام على ((كان)) وأنها تقتضي الاستمرار غالبًا، يقول: ((اللهم اغفر لي)) أي: يا الله اغفر لي، وماذا تعني كلمة اغفر لي؟ تعني شيئين:
الأول: ستر الذنوب عن العباد.
والثاني: التجاوز عنه فلا عقوبة، وإنما قلنا: إنها تعني الأمرين؛ لأن أصلها مأخوذة من المغفر، المغفر شيء يوضع على الرأس عند القتال ليتقي به المقاتل سهام العدو، فهو جامع بين الستر والوقاية، وقوله: ((وارحمني)) يعني: أفض على من رحمتك حتى يزول المكروه بالمغفرة ويحصل المطلوب بالرحمة.
فإن قال قائل: أليس المغفور له مرحومًا؟
فالجواب: بلى، لكن إذا اجتمعا افترقا.
((وارحمني وأهدني)) أي: هدايتين: هداية توفيق، وهداية العلم والإرشاد؛ لأن من الناس من يحرم الهدايتين، ومن الناس من تحصل له هداية العلم والإرشاد دون التوفيق، لكن إذا حصلت هداية التوفيق فالغالب أنها مصحوبة بهداية العلم، أنت إذا سألت الله أن يهديك ماذا تريد؟ الاثنين: هداية العلم والإرشاد وهداية التوفيق، هداية العلم والإرشاد لكل أحد، أوجب الله على نفسه أن يهدي عباده هداية إرشاد فقال : ﴿إن علينا للهدى﴾ [الليل: ١٢]. جملة مؤكدة بإن واللام
стр. 702
مصدرة بما تقتضي الإيجاب، أوجب الله على نفسه أن يهدي عباده هداية العلم والإرشاد، وقال : ﴿إنا هدينه السبيل إما شاكرا وإما كفورا﴾ [الإنسان: ٣]. يعني: هديناه السبيل سواء كان شاكرًا أو كان كفورًا، والمراد بالهداية هنا: هداية علو وإرشاد، وقال : ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾ [فصلت: ١٧]. هديناهم يعني: دللناهم بالعلم والإرشاد، فالمهم أن قول المصلي أو غير المصلي إذا سأل الله الهداية يريد الهدايتين هداية العلم والإرشاد وهداية التوفيق، ولهذا جاءت في سورة الفاتحة غير معداة بحرف بل ﴿أهدنا الصراط﴾، وليست أهدنا إلى الصراط؛ لأنه لو قال: أهدنا إلى الصراط صار الأمر ظاهرًا بأن المراد: هداية العلم والإرشاد، أهدنا إليه يعني: دلنا إليه، لكن أهدنا هنا هذه تدل على أنه يركب الطريق المستقيم، ولا يمكن أن يركبه إلا بعد العلم.
((وأهدني وعافني)) من ماذا؟ عافني من كل مرض سواء كان مرضًا نفسيًا، أو مرضًا قلبيًا، أو مرضًا جسميا عضويا أو كليًا، انوها بقلبك أنك تسأل العافية من كل شيء، لكن ما هو الأهم؟ الأهم: العافية من أمراض القلوب، اللهم عافنا من أمراض القلوب والأبدان، العافية من أمراض القلوب أهم؛ لأنه إذا مرض القلب، ثم مات خسر الإنسان دنياه ولآخرته، لكن أمراض الأبدان غايتها ونهايتها أن يموت الإنسان، ولا بد منه؛ ولهذا لما جاء ملك الموت إلى موسى- ﵊ يقبض روحه وصقه فرجع إلى الله وقال: أرسلتني إلى رجل لا يريد الموت. قال: اذهب إليه وقل له يضع يده على جلد ثور، فله ما تحت يده من السنوات يعيشها، فبلغ موسى قال: ثم ماذا؟ قال: ثم الموت لابد من هذا، مهما طالت بك الحياة فلابد من الموت.
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يومًا على آلة حدباء محمول
قال: إذن الآن، وسأل الله أن يدينه من الأرض المقدسة مقدار رمية بحجر.
المهم يا إخوان أن أقول: إن المرض الذي يسأل الإنسان العافية منه هو جميع الأمراض، لكن أهمها مرض القلب، اللهم أحيي قلوبنا يا رب العالمين.
((وعافني وارزقني)) وارزقني ماذا؟ أكل، شرب، لباس، سكن، نكاح، كل شيء، ومن ذلك رزق الدين؛ العلم والإيمان والعمل الصالح، وهذا أهم الأرزاق أن يرزقك الله علمًا وإيمانًا وعملا، هذا أفضل شيء.
من فوائد الحديث: أن الجلسة بين السجدتين جلسة دعاء؛ لأن النبي ﷺ كان يخصها بالدعاء.
стр. 703
ومنها: أن النبي ﷺ مفتقر إلى مغفرة الله ورحمته وما ذكرنا في الحديث.
ومنها: أنه ليس للنبي ﷺ من خصائص الربوبية شيء؛ إذ لو كان شيء لتصرف لنفسه.
ومنها: الجمع بين سؤال المغفرة والرحمة، فالمغفرة لفعل المعاصي، والرحمة لترك الطاعات؛ أي: أن الإنسان إذا سأل الله المغفرة فالمراد: مغفرة الذنوب الواقعة، وإذا سأل الرحمة فالمراد: أن الله يرحمه بفعل الطاعات.
ومنها أيضًا: حاجة النبي ﷺ إلى الهداية لقوله: ((وأهدني))، وعرفتم في الشرح أن الهداية نوعان: هداية علم وإرشاد، وهداية توفيق وسداد، وذكرنا لهذا أمثلة، فمن الأول العلم والإرشاد قوله تعالى: ﴿إن علينا للهدى﴾ [الليل: ١٢]. ((علينا)) هذه للوجوب، والمراد بالهدى: البيان والإرشاد، ومنه قوله تعالى: ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾ [فصلت: ١٧]. ومنه قوله تعالى: ﴿إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلنه سميعا بصير* إنا هديناه السبيل﴾ [الإنسان: ٣، ٢]. أي: بينا له السبيل ﴿إما شاكرا وإما كفورا﴾ [الإنسان: ٣]. إذا سألت الهداية فما المراد؟ الهدايتان.
ومنها: أن النبي ﷺ محتاج إلى العافية في بدنه والعافية في دعوته وشريعته لقوله: ((وعافني)) وسبق لنا معنى العافية وأنها عافية الدين والدنيا.
ومنها أنه ﷺ محتاج إلى الرزق لقوله: ((وارزقني))، وبينا أن الرزق عام.
ومن فوائد الحديث: أننا ندعو الله- ﵎ بهذة الجمل، لقول النبي ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) ١. وهذا دليل خاص، الدليل العام ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الأخر وذكر الله كثيرا﴾ [الأحزاب: ٢١].
ومنها: هل يقتصر على هذا الدعاء أو يزاد فيه؟ فالجواب: لا بأس بالزيادة ما لم يتخذها الإنسان عبادة، فإن اتخذها عبادة صار فيها نوع استدراك على ما جاء عن النبي ﷺ ، وعلى هذا فهل يجوز للإنسان أن يدعو لأولاه في هذا الجلوس؟ نعم، لكن بعد أن يأتي بالوالد؛ لأن الوالد مقدم.
ومنها: لو اقتصر على بعض هذه الجمل، مثلا على سؤال المفغرة، على سؤال الرحمة، على سؤال العافية، هل يجزئه في هذا المكان، أو لابد من ذكر الخمس: ((أغفر لي وارحمني وأهدني وعافيني وارزقني))؟ ذكر الفقهاء- ﵏ أن الواجب من هذه الخمس سؤال المغفرة.
ومنها: بيان ضعف من قال من الفقهاء: إن الواجب أن يؤدي سؤال المغفرة بلفظ: ((رب اغفر لي))، والصواب: أن ذلك ليس بواجب، وأنه لا فرق بين أن يقول: ((اللهم اغفر لي)) أو يقول: ((رب اغفر لي)).
стр. 704
حكم جلسة الاستراحة:
٢٩٢ - وعن مالك بن الحويرث ﵁ ((أنه رأى النبي ﷺ يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا)). رواه البخاري.
قوله: ((رأى النبي ﷺ وكانت هذه الرؤية حين وفد مالك بن الحويرث ومن معه إلى المدينة لتلقي العلم من رسول الله ﷺ والدين، والظاهر أنه كان في عام الوفود، في السنة التاسعة من الهجرة، وقوله ﵁ ((فإذا كان في وتر من صلاته))، الوتر: هو الركعة الأولى أو الركعة الثالثة فيما إذا كان في الصلاة الرباعية، وعلى هذا فإذا كان في الصلاة الثنائية يكون الوتر الركعة الأولى، وكذلك في الثلاثية، لكن في الرباعية يكون الوتر في موضعين: في الركعة الأولى، وفي الركعة الثالثة، وقوله: ((لم ينهض)) يعني: للقيام، ((حتى يستوي قاعدًا)) يستوي يعني: يستقر قاعدًا، ((قاعدًا)) حال من فاعل ((يستوي)).
في هذا الحديث فوائد منها: الاقتداء بفعل النبي ﷺ دون أن يأمر بذلك لقوله: ((إذا كان في وتر من صلاته))، ولم يسقه مالك بن الحويرث إلا من أجل أن يأخذ به الناس، ولولا ذلك لكان سياقه عبثا لا فائدة منه.
ومنها: أن الإنسان ينبغي له أن يجلس إذا كان في وتر من صلاته اقتداء بالنبي ﷺ ، لكن هذا يعارض أحاديث كثيرة تدل على عدم الجلوس، وأن الإنسان ينهض من السجود إلى القيام بدون جلوس، فكيف نجمع بينهما؟ قال بعض العلماء: نجمع بينهما بأن نقول: حديث مالك بن الحويرث في آخر عمره- ﵊ فيكون هو المعتمد؛ لأننا نأخذ بالآخر، فالآخر من هدي النبي ﷺ ، وقال بعضهم: إنها لا تسن مطلقا؛ لأن أكثر الأحاديث على عدم ذكرها، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وفصل قوم فقالوا: إذا كان الإنسان لا يستطيع أن ينهض رأسا من السجود إلى الوقوف فيجلس ليعطي جسده حظه من الراحة، فجمعوا بين الأحاديث وقالوا: إن هذا هو الظاهر؛ لأن مالك بن الحويرث ﵁ إنما قدم المدينة عام الوفود بعد أن أخذ النبي ﷺ اللحم؛ ولهذا لم يأت في أي حديث الأمر بهذه الجلسة إنما هي داخلة في العموم: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))، وعلى هذا فمن احتاج إليها لكبر أو مرض أو وجع في الركبتين أو ما أشبه ذلك فليجلس، ومن لا فلا.
وهذا القول المفصل هو الراجح، وعليه اعتمد ابن القيم ومن قبله الموفق رحمة الله، وبه تجتمع الأدلة.
стр. 705
ولكن هنا سؤال: إذا كان الإنسان إماما فالأمر إليه إن شاء جلس وإن شاء لم يجلس، لكن هل يسن أو لا يسن؟ على حسب التفصيل الذي سمعتم، لكن إذا كان مأمومًا فهل يجلس أو لا يجلس؟ فالجواب: المأموم نبع للإمام، إن جلس الإمام جلس، وإن لم يجلس فلا يجلس لقول النبي ﷺ : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)). فإن جلس فاجلس، وإن لم يجلس فلا تجلس، لكن هل هذا على سبيل الوجوب إذا لم يجلس الإمام ألا أجلس، أو على سبيل الاستحباب؟
صرح شيخ الإسلام بأنه على سبيل الاستحباب؛ يعني: إذا كان المأموم يرى الجلسة سنة، أو كان في الحالة التي يكون فيها الجلسة سنة؛ فالأفضل ألا يجلس إذا كان الإمام لا يجلس، وكأنه رحمة الله، عدل عن القول بالوجوب؛ لأن الجلسة هذه خفيفة لا تؤدي إلى مخالفة ظاهرة للإمام، وإلا لكان الأصل أنه لا يجوز الجلوس من أجل متابعة الإمام.
فإن قال قائل: لا يجلس تبعًا لإمامه، وأن نقول: لو أن الإمام ترك التورك تدينا والمأموم يرى أنه سنة فإنه يتورك، ولو ترك الإمام رفع اليدين عند الركوع والرفع منه والقيام للتشهد فاقتدينا؛ فإن المأموم يرفع يديه إذا كان يرى ذلك، فما الفرق؟
فالجواب: ظاهر الجلسة فيها نوع مخالفة للتخلف عن الإمام، وأما الرفع فليس فيه التخلف، غاية ما هنالك أنه خالفه في كونه رفع يديه، وكذلك يقال في التورك؛ لأن بعض العلماء يقول: لا يتورك وبعض العلماء يقول: يتورك في كل تشهد بعده سلام، وعلى هذا فيتورك في الفجر في الثنائية، وإذا كنت لا أرى التورك فلا أتورك، هذا هو الفرق.
هل قال أحد بوجوب جلسة الاستراحة؟ الجواب: حكي بعضهم الإجماع على أنه لا قائل بذلك، وادعى بعض المتأخرين المتشددين في إتباع السنة أن ذلك واجب؛ يعني: الجلسة للاستراحة، واستدلوا بأنه جاء في بعض روايات البخاري لما ذكر السجدة الثانية قال: ((ثم ارفع حتى تستوي قاعدًا))، لكن هذه الرواية أشار البخاري ﵀ نفسه إلى أنها شاذة، وإذا كانت شاذة فلا عمل عليها.
فالصواب: أن تجعل جلسة الاستراحة سنة لمن احتاج إليها لمرض، أو كبر، أو وجع في الركب، أو ما أشبه ذلك، وإلا فلا، ثم حديث مالك أمامنا الآن يقول: ((حتى يستوي قاعدًا)) لابد من استقرار، ولهذا سماها الفقهاء جلسة الاستراحة، أما ما يفعله بعض الناس الآن يريد أن يجلس الجلسة تجده يجلس لحظة ثم يقوم، وهذا لم يأت بالسنة، فإما أن يستوي قاعدًا، وإما أن يترك، أما أن يأتي بنصف السنة فهذا كالذي يقرأ: ﴿الم* تنزيل﴾ السجدة في فجر الجمعة ويقسمها نصفين.
стр. 706
هذه الجلسة هل لها ذكر؟ الجواب: لا، ليس لها ذكر، هل لها تكبير؟ الجواب: لا، ليس لها تكبير، وهذا دليل واضح على أنها جلسة غير مقصودة؛ لأنه لو كانت مقصودة لكان لها ذكر كسائر الجلسات، ولو كانت مقصودة لافتتحت بالتكبير واختتمت بالتكبير كسائر الجلسات، ويؤيد ذلك أن في حديث مالك بن الحويرث أن الرسول ﷺ إذا أراد أن يقوم من الجلسة اعتمد على يديه، وهذا واضح أنه كان يشق عليه أن ينهض مباشرة، وإلا لما احتاج إلى الاعتماد على اليدين، وهذه أيضًا مما توهم فيها بعض الناس بأن الاعتماد على اليدين في هذه الحال سنة، وليس بسنة؛ لأنه واضح أنه يقول: ((اعتمد على يديه))، والاعتماد على الشيء لا يكون إلا عند الحاجة إليه، وإلا فلا حاجة إلى الاعتماد.
فإن قال قائل: إذا صار الإنسان في حال تشرع له جلسة الاستراحة، فمتى يكبر إذا رفع من السجود، هل يكبر إذا قام من الجلسة، أو يكبر إذا نهض من السجود؟
الجواب: الثاني؛ لأن الأحاديث: ((وإذا رفع من السجود كبر))، فيكبر عند أول رفعه من السجود، وهذا لا إشكال فيه إذا كان الإنسان منفردا أو كان مأموما، لكن الإشكال إذا كان إماما وكبر حين ينهض من السجود ثم جلس فإنه يخشى من مسابقة المأمومين له، فهل نقول: إنه يكبر إذا قام من السجود، والمأموم إذا عرف من حال الإمام أنه يكبر إذا قام من السجود فسوف لا يسابق الإمام، وهذا هو المتعين أنه يكبر إذا قام من السجود وهو إذا كبر إذا قام من السجود ورآه الناس جالسا جلسوا معه وزال الإشكال.
القنوت وأحكامه:
٢٩٣ - وعن أنس ﵁ ((أن النبي ﷺ قنت شهرًا بعد الركوع يدعو على أحياء من العرب ثم تركه)). متفق عليه.
هذه مسألة القنوت في الفرائض، القنوت في الوتر لا تسن المداومة عليه، ولهذا قال بعض العلماء: إنه لا يسن القنوت في الوتر إلا في رمضان، وقال آخرون: لا يسن إلا في النصف الآخر من رمضان لا في بقية السنة، وظاهر فعل النبي ﷺ في تهجده أنه لا يقنت؛ لأن جميع الواصفين لتهجده لا يذكرون القنوت، لكن النبي ﷺ قد علم الحسن بن علي ﵃ دعاء القنوت وفيه: ((اللهم أهدني فيمن هديت)).
أما في الفرائض فلا قنوت لا قبل الركوع، ولا بعد الركوع، وحديث أنس في قنوت النبي ﷺ شهرًا ثم تركه؛ هذا لسبب، وما شرع لسبب فإنه يزول بزواله.
стр. 707
قوله: ((شهرًا)) ظرف زمان، ولم يقل: من أوله ولا من وسطه ولا من آخره، فيكون المراد: مدة الشهر سواء من أوله أو وسطه أو آخره، والشهر إذا أطلق فهو ما بين الهلالين، ولا عبرة بالأيام ما دامت الأهلة ترى وتشاهد، وهل ينبني على ذلك أن جميع ما قدر بالشهور هل يعتبر بالأيام وتكمل (٣٠) يومًا، أو بالأهلة؟ الجواب: الثاني، ولهذا إن امرأة توفي عنها زوجها وقلنا: تعتد أربعة أشهر وعشرا، فالمعتبر الهلالية من أول العدة إلى آخرها، وقول من قال: إنها بالعدد إذا مات في أثناء الشهر تكون بالعدد بالنسبة للشهر الأول والأخير، وبالأهلة بالنسبة لما بينهما فقول ضعيف والصواب أن المعتبر الأشهر الهلالية هكذا إذا أطلقت.
وقوله: ((يدعو على أحياء من العرب، ثم تركه)) ((تركه)) يعني: ترك القنوت، لأي سبب هو قنت- ﵊ لانجاء المستضعفين، فلما أنجاهم الله توقف، وهؤلاء قنت عليهم شهرا ثم تركه، إما لأن المسألة برزت عن أولها وزال ما في نفوس الناس، وتكره لئلا يكون سنة راتبة أو لسبب من الأسباب لا نعلمه، فما هو القنوت؟ القنوت في الأصل: الدعاء بإخلاص وإلحاح، وله معان كثيرة، حتى إنه يطلق على ((السكوت)) كما في قوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨]. ويطلق على الدعاء المعروف في قنوت الوتر: ((اللهم أهدنا فيمن هديت)) .. ألخ، ويطلق على الدعاء المناسب للحادثة، وهذا هو المراد في هذا الحديث، إذن المراد بالقنوت في هذا الحديث: دعاء النبي ﷺ المناسب للحادثة، ولما كان الناس يقنتون في فتنة البوسنة كان بعض الأئمة- كما بلغني- يدعو بدعاء القنوت يقول: ((اللهم أهدنا فيمن هديت))، وهذا لا مناسبة له أصلا.
في هذا الحديث من الفوائد: جواز القنوت بالدعاء على أحياء من العرب أو غير العرب إذا كانوا مؤذين للمسلمين، ولكن هل هذا في كل مصيبة نزلت؟ لا، بدليل أن النبي ﷺ لم يقنت على العرب الذين حصل منهم ما حصل، كذلك أيضا في الأحزاب نزل بالمسلمين نازلة عظيمة وصفها الله تعالى بقوله: ﴿إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا﴾ [الأحزاب: ١٠]. ولم يقنت في بدر كان له عريش يدعو الله فيه لا في الصلاة، وعليه فليس كل نازلة يقنت لها، ثم القنوت لمن؟ هل كل واحد يقنت؟ فيه أقوال للعلماء: المذهب أنه لا يقنت إلا الإمام الأعظم فقط، الإمام الأعظم مثلًا هنا في السعودية هو الملك فهد لا غيره، فجميع الناس في جميع المساجد لا يقنتون، وعللوا ذلك بأنه لما قنت النبي ﷺ لم يقنت أحد سواه في مساجد المدينة، ولم يأمر أحدا أن يقنت. هذه واحدة.
ثانيًا: قالوا: إن المعني بشئون المسلمين هو الإمام الأعظم ليس كل أحد، فيكون مشروعية القنوت خاصا به، وهذا القول له وجهة نظر، لكن إذا أذن بالقنوت لجميع المساجد صار
стр. 708
مشروعًا، بماذا يكون مشروعا؟ بإذن الإمام وأمره فيكون مشروعًا، فإن لم يأمر فليس بمشروع.
فإذا قال قائل: إن قلوبنا تفطر وأكبادنا تتفطر إذا سمعنا ما نسمع عن أخبار إخواننا في مشارق الأرض ومغاربها، كيف لا نقنت، لا نستطيع أن نصبر.
قلنا: الحمد لله، هل إجابة الدعاء مخصوصة بالقنوت؟ لا، ادع لهم في السجود، في الجلوس بين السجدتين، فيما بعد التشهد، بين الأذان والإقامة، في آخر الليل، في جميع الأحوال والأوقات التي ترجى فيها الإجابة.
يرى بعض أهل العلم أن القنوت إذا نزلت بالمسلمين نازلة مشروع لكل مصل حتى الإنسان في بيته يصلي الفريضة يقنت، وهذا قد يقال: إنه وجيه إذا قنت الإنسان في بيته؛ لأنه لا يظهر فيه مخالفة ولي الأمر، أما أن يقنت في مسجده لكونه إماما دون إذن فهذا يؤدي إلى الفوضى، ولو فتح الباب لكان كل واحد يعتقد أن هذه النازلة نازلة عظمى، تحتاج إلى قنوت فيقنت، ثم لو فتح الباب صار بعض الناس يقنت وبعض الناس لا يقنت، فماذا يقول العامة؟ يقول العامة في الذي يقنت: هذا هو المؤمن حقا الذي في قلبه غيرة على المسلمين، والآخر اتركه ما في قلبه غيرة ميت، وهذا معناه: القدح في بعض أئمة المسلمين.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه إذا رأى الإمام المصلحة في ترك القنوت فإنه يقطعه، قد يرى المصلحة في ترك القنوت إذا رأي من الناس مللا أو تضجرا أو ما أشبه ذلك، الحمد لله الأمر واسع فإذا اشتدت الأزمة أعاده.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا ينبغي أن يطيل الإمام القنوت لقوله: ((يدعو على أحياء من العرب))، وهذا يحصل بمطلق الدعاء بدون إطالة، خلافا لبعض الناس الذين يطيلون القنوت، ولاسيما في قنوت الوتر في رمضان، حتى بلغني أن بعض الناس يجعل القنوت خطبة موعظة وهذا غلط، أنت إذا كان فيك رغبة للدعاء وصدرك منشرح به، لكن وراءك من ليس كذلك، وخير الكلام ما قل ودل، سمعنا أن بعضهم يبقى في قنوت الوتر في رمضان (٤٥) دقيقة؛ هذا فيه مشقة على الناس، أنت إن أطلت أطل خمس دقائق، وإلا فالحمد لله القنوت الذي علمه النبي ﷺ الحسن بن علي لا يستغرق دقيقتين، فالمهم مراعاة الناس في هذه المسألة.
القنوت عند النوازل هل يكون في الفجر والمغرب فقط، أو في جميع الصلوات؟ الثاني، في جميع الصلوات: الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ثبت ذلك عن النبي ﷺ ،
стр. 709
ومن خصه بالفجر والمغرب قال: لأن المغرب مستقبل فرائض الليل، والفجر مستقبل فرائض النهار، ولكن ما دامت السنة ثبتت بأنه يقنت في جميع الصلوات فلا عدول عنها.
-ولأحمد والدارقطني نحوه من وجه آخر، وزاد: ((وأما في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا)).
وهذه الزيادة ضعيفة، وقد أنكرها ابن القيم إنكارًا شديدًا وحق له أن ينكرها؛ لأن المعروف عن النبي ﷺ أنه لما ترك القنوت على هؤلاء تركه مطلقًا، ولا يمكن أن يدعي مدع أن الرسول ﷺ واظب على قنوت الوتر في الصبح ثم لا يعرفه كبار الصحابة؛ لأنه لو فعل هذا طول حياته لكان نقله أمرًا ضروريا، فالصواب: أن القنوت في الفجر كغيره، إن وجدت نازلة نزلت بالمسلمين قنت فيها كما يقنت في غيرها وإلا فلا.
٢٩٤ - وعنه ﵁ أن النبي ﷺ ((كان لا يقنت إلا إذا دعا لقوم، أو دعا على قوم)). صححه ابن خزيمة.
هذا بيان سبب القنوت: الدعاء لقوم كمستضعفين مضطهدين، أو على قوم كمعتدين ظالمين.
إذا نزلت بالمسلمين نازلة لا تتعلق بالآدمي كالأوبئة والفيضانات والزلازل، فهل يقنت الإنسان أو لا يقنت؟ الجواب: لا يقنت؛ لأن هذه تقع كثيرًا في حياة النبي ﷺ ولم يكن يقنت لها، وكل شيء وجد سببه في عهد النبي ﷺ ولم يفعله مع عدم المانع ففعله بدعة، وهذه قاعدة ينبغي أن يعض عليها الإنسان بالنواجذ؛ لأنها مفيدة جدًا، وبه ندحض حجة الذين يقولون بالاحتفال بمولد النبي ﷺ أو بالاحتفال بذكرى بدر، أو بالاحتفال بذكرى القادسية، أو ما أشبه ذلك، فبدر موجود في عهد النبي ﷺ مرت عليه في حياته إحدى عشرة مرة، والقادسية أيضًا مرت بزمن الخلفاء الراشدين ولم يحتفلوا بها، فنقول: ما دام السبب موجود في عهد النبي ﷺ ولم يفعل مقتضاه ولا مانع فإن فعله يكون بدعة.
стр. 710
حكم القنوت في الفجر:
٢٩٥ - وعن سعد بن طارق الأشجعي ﵁ قال: ((قلت لأبي: يا أبت، إنك قد صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، أفكانوا يقنتون في الفجر؟ قال: أي بني، محدث)). رواه الخمسة، إلا أبا داود.
قال: ((قلت لأبي: إنك قد صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي)) وهؤلاء هم الذين يصدر الناس عن سنتهم، لقول النبي ﷺ : ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)).
((أفكانوا يقنتون في الفجر؟ )) والاستفهام هنا استفهام استعلام واستهداء واسترشاد، الهمزة للاستفهام، والفاء عاطفة، وإذا كانت عاطفة لزم من هذا ألا تكون الصدارة للهمزة؛ لأن العطف يقتضي أن يكون هناك معطوف عليه، اختلف المعربون في مثل هذا التركيب، فمنهم من قال: إن الهمزة داخله على شيء محذوف يقدر بما يناسبه، فتكون همزة مصدرة في جملتها المحذوفة، ومنهم من قال: بل إن الفاء عاطفة على ما سبق، إن كان قد سبق كلام، وتكون مزحلقة، بمعنى: أن الأمر يتطلب أن تكون الفاء عاطفة على مقدر مناسب للمقام، ونسلم كذلك أيضًا تأتي الهمزة وبعدها الواو مثل: ﴿أو لم يسيروا في الأرض﴾، نقول فيها مثل قولنا في ((أفكانوا يقنتون)) الهمزة للاستفهام، و ((الواو)) حرف عطف، والمعطوف عليه مقدر بما يناسب المقام.
وقوله: ((أي بني، محدث)) ((أي)) حرف نداء؛ لأن حروف النداء ستأتينا في الألفية بعد زمن قريب إن شاء الله، وإن كان بعضكم يقول: بعد عشر سنين، الله أعلم.
حروف النداء كثيرة، ((أي)) للقريب، فهي تنوب مناب الياء لكنها للقريب، و ((بني)) مصغرة، هل التصغير للرأفة والعطف والحنان، أو لأن الابن صغير؟ الأول؛ لأن ظاهر سؤاله أنه كبير فاهم، فيكون هذا التصغير للرأفة والرحمة والتلطف مثل ما يقول العوام عندنا: يا وليدي ما تدر ما الحل، ((يا وليدي)) بدل ((يا ولدي)) تحننًا وتعطفًا، وقوله: ((محدث)) خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو محدث وهذا في غاية ما يكون من الإنكار؛ لأنه إذا كان محدثًا، فكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.
стр. 711
في هذا الحديث فوائد منها: حرص السلف الصالح على العلم، حتى الأولاد يسألون آباءهم.
ومنها: جواز سؤال الابن لأبيه عن مسائل العلم، ومعنى ((جواز)) أي: أنه ليس بممنوع، وإلا فالأصل أن يسأل.
ومن فوائد الحديث: أن ما ورد عن الخلفاء الراشدين فهو حجة، ومنها أنه سأل عن الخلفاء الراشدين لئلا يقال: إنه في حياة النبي ﷺ كان موجودًا ثم نسخ، ليبين أنه ليس بموجود، ولذلك لم يفعله الخلفاء الراشدين.
ومنها: التلطف بالابن وكذلك البنت بما يدل على الحنان والرأفة والرقة لقوله: ((أي بني))، وهل يؤخذ أيضًا الرفق والعطف والحنان من حرف النداء ((أي)) بدل الياء؟ الجواب: نعم، يمكن أن يؤخذ لأنه ما دام ينادي بها القريب، فكأن هذا المنادي يقول لمن يخاطبه: أنت مني قريب.
ومنها: أن القنوت في الفجر بدعة وهو كذلك؛ لأن النبي ﷺ لم يفعله إلا لسبب، فإذا فعلته بدون سبب فهذا إحداث في دين الله ما ليس منه.
ومنها: التحذير عن الشيء ببيان وصفه المنفر عنه بدلًا عن ذكر حكمه لقوله: ((أي بني محدث))؛ لأن نفور النفس من الشيء المحدث المبتدع أشد من أن يقال: هذا حرام، أو ما أشبه ذلك.
دعاء القنوت:
٢٩٦ - وعن الحسن بن علي ﵃ أنه قال: ((علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في قنوت الوتر: اللهم أهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت)). رواه الخمسة، وزاد الطبراني والبيهقي: ((ولا يعز من عاديت))، زاد النسائي من وجه آخر في آخره: ((وصلى الله تعالى على النبي)).
الحسن بن علي بن أبي طالب هو سبط رسول الله ﷺ ، وهو مع أخيه الحسين ﵃ سيدا شباب أهل الجنة، ولكن أيهما أفضل؟ الحسن بن علي أفضل من أخيه؛ لأن النبي ﷺ خصه
стр. 712
ذات يوم وقال: ((إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين من المسلمين)). ووقع كما أخبر النبي ﷺ ، فإنه لما مات علي بن أبي طالب ﵁ بايع بعض الناس الحسن، وقالوا: إنه أحق بالخلافة، ولما خاف الفتنة ﵁ تنازل عن الخلافة لمعاوية ﵁، فانطفأت بذلك فتنة عظيمة وشكر المسلمون الحسن ﵁، والعجب أن الرافضة تتعلق بالحسين أكثر من تعلقها بالحسن؛ وذلك لأن قصة مقتل الحسين تهيج الأحزان، وهم يريدون تهيج أحزان الناس، حتى بزعمهم يتشيعون للحسين ﵁ ويعطفون عليه، ويكرهون معاوية وأمراءه، فالمسألة سياسية لا دينية، والمسألة لإضلال الناس لا لهدايتهم، نسأل الله أن يهديهم سواء السبيل.
قال: ((علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في قنوت الوتر)) ظاهر اللفظ: أن هناك كلمات أخرى لقوله: ((في قنوت الوتر))، ولم يقل: أقنت بهن في الوتر. ((اللهم أهدني فيمن هديت)) اللهم بمعنى: يا الله أهدني فيمن هديت، الهداية هنا تشمل هداية العلم والإرشاد وهداية التوفيق والسداد؛ يعني: العلم والعمل. وقوله: ((فيمن هديت)) أي: في جملة من هديت، وفيها نوع توسل إلى الله بأفعال الله.
((وعافني فيمن عافيت)) المعافاة: السلامة من كل ما يؤذي من أمراض وهموم وعدوان على الغير، ولهذا قال بعض العلماء: المعافاة أن يمنع الله شرك عن الناس، ويمنع شر الناس عنك، فهي لفظ عام، وتشمل المعافاة في أمور الدين وأمور الدنيا، ونقول: ((فيمن عافيت)) كما قلنا ((فيمن هديت)).
((وتولني فيمن توليت)) والمراد هنا: الولاية الخاصة؛ لأن الله ولي كل أحد بالمعنى العام وهو التدبير والتصريف وما أشبه ذلك، ولاية خاصة وهي الولاية التي تقتضي العناية، فمن علامات من تولاه الله: اللطف به، ودلالته على الخير إعانته عليه، وهذا الأخير هو المراد بهذا الدعاء.
((وبارك لي فيما أعطيت)) أي: أنزل البركة لي فيما أعطيت من علم وولد ومال وغير ذلك مما أعطى الله؛ لأن الله تعالى إذا أنزل البركة في شيء سد ما يسده غيره بأضعاف مضاعفة، وإذا نزعت البركة من شيء فإنه أسرع ما يزول ولا ينتفع به الإنسان، البركة في العلم أن الله يوسع العلم للإنسان، ويوسع انتشار العلم على يديه، ويجعله عاملًا بعلمه، كل هذا من بركة العلم.
وقوله: ((وقني شر ما قضيت)) ((وقني)) فعل أمر ونون الوقاية وياء المتكلم فهي من ثلاث كلمات؛ القاف التي هي فعل أمر، والنون التي للوقاية، والياء التي هي ضمير، ومعنى ((قني)): اجعل لي وقاية من شر ما قضيت، بحيث لا يرد على، أو إذا ورد علي لم يضرني، فوقاية الشر على وجهين:
стр. 713
الأول: ألا ينزل بالإنسان شر.
والثاني: أنه إذا نزل لا يضره.
كلمة ((ق)) فعل أمر من وقى، حذف منها حروف العلة وهي الواو في أولها والألف في آخرها ولها نظائر مثل ((ع)) من الوعي ((ف)) من الوفاء، وقد ذكر الخضري ﵀ في حاشيته على شرح ابن عقيل عدة كلمات من هذا النوع، وعلى هذا لو قال قائل: زن ((ف)) أمرًا من وفى، فما وزنها؟ الآن وفى يفي ما الذي حذف منها؟ الفاء واللام، فيكون ((ف)) على وزن ((ع)). ((ع)) من الوعي.
وقوله: ((شر ما قضيت)) أي: شر الذي قضيته، فالشر هنا في المقضي وليس في القضاء، واعلم أن أفعال الله لها جهتان:
الجهة الأولى: صدورها من الله ، فليس في شر إطلاقًا، كلها خير، أما من حيث المفعول المخلوق فهذا فيه خير وفيه شر، قال الله تعالى: ﴿قل أعوذ برب الفلق* من شر ما خلق﴾ [الفلق: ١ - ٢]. فما وقع من الشر بالنسبة لفعل الله فهو خير، وبالنسبة للمفعول فمنه خير ومنه شر.
مثال ذلك: إن الله يقدر الجدب والقحط، القحط: قلة المطر، والجدب: قلة النبات نفس هذا الشيء شر، لا يلائم الطبيعة، وربما يضر، لكن كون الله يقدره خير؛ لأن فيه مصلحة أشار الله إليها في قوله: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾ [الروم: ٤١].
كذلك المرض من حيث هو مرض شر، لكن من حيث تقدير الله له خير؛ وذلك لأن أي مريض ربما يحمله مرضه إلى اللجوء إلى الله وكم من إنسان كان مرضه سببا لاستقامة دينه، ولأجل أن يعرف الإنسان به قدر نعمة العافية؛ لأنه لا يعرف العافية إلا من ابتلي بضدها، كما قال الأول ((وبضدها تتميز الأشياء))، وأيضًا ما يترتب على هذا المرض من كفارة الذنوب والثواب عند الاحتساب؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((والشر ليس إليك)). يعني: لا ينسب الشر إلى الله قضاء وقدرًا وإنما ينسب الشر إلى المقضيات والمخلوقات أما فعل الله فكله خير، هذا هو الفرق بين القضاء والمقضي، القضاء خير كله يجب علينا أن نرضاه، المقضي منه خير ومنه شر، ولا يجب علينا أن نرضى به إذا كان معصية لله، لو قدر الله انتشار الفواحش والربا والخمر فنحن نرضى بقضاء الله أي يكون الله قضى أن تنتشر هذه الأشياء، لكن بالنسبة لهذه الأشياء لا نرضاها، ولهذا قال ابن القيم ﵀ في النونية:
стр. 714
فلذاك نرضى بالقضاء ونسخط ال مقضي مضا الأمرين متحدان
إذن ((شر ما قضيت)) لا يقال: هذا يعارض قول النبي ﷺ : ((الشر ليس إليك))، ((وقني شر ما قضيت)) وقوله: ((قضيت)) اعلم أن القضاء نوعان: قضاء شرعي، وقضاء كوني، أما الشرعي فمثاله قوله تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ [الإسراء: ٢٣].هذا قضاء شرعي، وهل يلزم امتثال النفي له؟ لا، من الناس من يعبد الله وحده، ومن الناس من يشرك، الثاني: القضاء الكوني القدري، وهذا لابد أن ينفذ في الإنسان على كل حال مثل قوله تعالى: ﴿فلما قضينا عليه الموت﴾ [سبأ: ١٤]. هذا قضاء قدري، ومثل قوله تعالى: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا﴾ [الإسراء: ٤]. هذا قضاء قدري؛ لأن الله لا يقضي عليهم شرعا أن يفسدوا في الأرض بل ينهاهم عن هذا.
قوله: ((وقني شر ما قضيت)) القدري أو الشرعي؟ القدري؛ لأن الشرعي ليس فيه شر.
((وقني شر ما قضيت فإنك تقضي ولا يقضى عليك))، تقضي: تحكم بما شئت، ولا يقضى عليك لا أحد يحكم عليك، واسمع إلى قوله تعالى: ﴿والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء﴾ [غافر: ٢٠]. لا حق ولا باطل، لأنهم لا يملكون نفعا ولا ضرا، وتأمل بلاغة القرآن لم يقل: لا يقضون بالحق، لأنهم لا يقضون بشيء ولا يملكون القضاء بشيء، وهل يقضي على نفسه؟ نعم يقضي على نفسه، قال الله ﵎: ﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾ [الأنعام: ٥٤]. ((كتب)) بمعنى: أوجب، فهو يقضي على نفسه، ويقضي على غيره، لكنه لا يقضي عليه فإنه لا يذل، والمعروف أنه بدون فاء ((إنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت))، إنه لا يذل من واليت: أي من كنت وليا له، والمراد بالولاية هنا: الولاية الخاصة، أما الولاية العامة الشاملة لجميع الخلق، فهذه قد يذل من يولى، لكن الولاية الخاصة لا يمكن أن يذل، ((تباركت ربنا وتعاليت)) تباركت ربنا؛ أي: عظم شأنك وحلت البركة باسمك، ((ربنا)) يعني: يا ربنا ((تعاليت)) ترفعت عن كل نقص، و ((تعاليت)) أيضًا يمكن أن نحملها معنى آخر أي: ترفعت فوق كل شيء؛ أي: علوا ذاتيا.
وزاد الطبراني: ((ولا يعز من عاديت)) بعد قوله: ((لا يذل من واليت)) يعني: لا يمكن لمن كان عدوا لله أن تكتب له عزة، والعزة هي الغلبة والرفعة والظهور على الغير.
وزاد النسائي من وجه آخر في آخره: ((وصلى الله تعالى على النبي)) يعني: يختم الدعاء بالصلاة على النبي ﷺ .
في هذا الحديث فوائد منها: أهمية هذا الدعاء؛ لأن النبي ﷺ علمه سبطه، فدل ذلك على فضله وأهميته.
стр. 715
ومنها: مشروعية هذا الدعاء في قنوت الوتر؛ لأن قال: ((علمني كلمات أقولهن في قنوت الوتر)).
ومنها: أنه قد يظهر منه أن قنوت الوتر أوسع من هذا، ولهذا قال: ((أقولهن في قنوت الوتر))، و ((في)) للظرفية، ويحتمل أن المعنى: أن هذا هو قنوت الوتر فقط والعمل على الأول، وأنه لا بأس بأن يزيد في قنوت الوتر ما يناسب الحال، ولكن لا يطيل إذا كان إماما إطالة تمل من وراءه وتتعب من وراءه.
ومنها: ثبوت القنوات في الوتر لقوله: ((في قنوت الوتر))، ولكن هل ورد عن النبي ﷺ أنه كان يقنت في الوتر؟ لكن تعليمه الحسن يكفي في إثبات مشروعيته، ولكن مع ذلك الذي أرى الأ يداوم عليه حتى نأخذ بالسنة القولية والسنة الفعلية.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الإنسان مفتقر إلى الهداية: هداية العلم والإرشاد، وهداية التوفيق منه- وهو كقوله: ((اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم)).
ومن فوائد هذا الحديث: سؤال العافية، وأن الإنسان مفتقر إليها؛ لأن الإنسان مفتقر إلى الكمال وإلى زوال النقص، فالكمال: ((اللهم أهدني))، وزوال النقص: ((عافني)) ويشمل العافية من مرض القلب ومرض البدن، أما مرض القلب فإنه يدور على شيئين: شبهة وشهوة، ولست أريد بالشهوة: شهوة الجماعة، لكن أريد بالشهوة: الهوى مرض القلب؛ إما شبهة بالأ يعرف الحق أو يلتبس عليه الحق نسال الله العافية، وإما شهوة بألا يريد الحق يتبع هواه، وهو يعلم أن الحق في خلافه.
ومن فوائد هذا الحديث: سؤال العبد ربه أن يبارك له فيما أعطاه؛ لأن الله إذا لم يبارك في الشيء لم ينتفع به العبد، وإذا بارك فيه انتفع به واتسع انتفاعه، وللبركة أسباب كثيرة منها: في المعاملات قال النبي ﷺ : ((البيعان بالخيار؛ فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما))، ومنها- أي: من أسباب البركة-: لعق الصفحة والأصابع بعد الأكل، ومنها: ألا يكيل الإنسان طعام البيت، يعني مثلا: إنسان أتى بكيس رز للبيت لا يكيله؛ لأنه إذا كاله نزعت منه البركة، وإذا تركه أنزل الله فيه البركة، يأخذ كل يوم ما يحتاج بدون ما يكيله ويمضي هكذا جاءت به السنة.
стр. 716
ومن فوائد هذا الحديث: أن ما بأيدينا من خير، علم أو مال أو ولد أو جاه فهو من الله لقوله: ((فيما أعطيت)).
ومن فوائد هذا الحديث: سؤال العبد ربه أن يقية شر المخلوقات من الإنس والجن والحيوان والقريب والبعيد، بل ومن نفس الإنسان كما جاء في الحديث: ((نعوذ بالله من شرور أنفسنا))، وفي القرآن الكريم: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي﴾ [يوسف: ٥٣].
ومن فوائد هذا الحديث: أن في مقضيات الله ما هو خير وما هو شر وهذا من حكمة الله؛ لأنه لا يمكن أن يعرف الخير إلا إذا كان شرا لو كانت مقضيات الله كلها خير ما عرفنا الشر أبدًا، لو كانت مخلوقات الله- ﵎ كلها على نمط واحد مهتدين ما عرفنا الكافر من المؤمن؛ ولا يمكن أن نعرف الأشياء إلا بضدها.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الله- له الحكم المطلق من كل وجه لقوله: ((إنك تقضي ولا يقضى عليك))، وهذه المسألة على أربعة أقسام: من الناس من لا يقضي ولا يقضى عليه، ومنهم من يقضي ويقضى عليه، ومنهم من يقضي ولا يقضى عليه، وهذا خاص بالله ، ومنهم من لا يقضي ويقضى عليه ولا شك أن أعلى الأقسام ما يثبت لله من ذلك وهو أنه يقضي ولا يقضى عليه، وهذا خاص به- ﵎.
ومن فوائد هذا الحديث: تمام سلطان الله تعالى يكون القضاء بيده، وأنه لا أحد يسلط عليه فيقضي عليه.
ومنها: أن من والاه فلا ذل له لقوله: ((ولا يذل من واليت)).
فإن قال قائل: أليس النبي ﷺ وأصحابه قد وصفهم الله بالذل في قوله تعالى: ﴿وأنتم أذلة﴾ [آل عمران: ١٢٣]؟
فالجواب: بلى، والمراد بالذل هنا: الذل النسبي، يعني: بالنسبة لقوة الكفار أنتم أذلة ومع ذلك نصركم الله.
إذن من فوائد هذا الحديث: أنه لا يذل من والاه الله لا في الدنيا ولا في الآخرة، لا يذله أمام نفسه ولا أمام غيره، فإنه يغلب نفسه الأمارة بالسوء، ويفعل ما به رضا الله ولا يرد على هذا ما يقع بعض الأحيان من ذل أولياء الله لأن هذا الذل شيء طارئ عاقبته العزة كما قال الله- ﵎ في سورة آل عمران حين بين الفوائد العظيمة في غزوة أحد التي
стр. 717
انهزم فيها المسلمون: ﴿ويتخذ منكم شهداء﴾ [آل عمران: ١٤٠]. وهذه غنيمة، ومنها أنه من أجل أن يمحق الكافرين، ومعنى ذلك: أن الكافر إذا انتصر ازداد طمعا فقاتل، فإذا قاتل صارت الهزيمة عليه هو، وقد ذكر ابن القيم ﵀ على قصة أحد فوائد عظيمة فقهيه وعقدية من أحب أن يراجعها فليفعل فإنه مفيد، فصار هذا الأمر أمرًا طارئا، لكن عواقبه العز.
((تباركت ربنا وتعاليت)) تبارك هذه فعل يوصف الله به ومعنى تبارك: أنه متعال، وأنه ذو بر وإحسان، فكل ما في الكون من بركة فهو من آثار تباركه- ﵎.
فإن قال قائل: هل هذا الفعل مختص بالله، بمعنى: أنه لا يجوز أن يقول لشخص: تباركت؟
فالجواب: إن كان مطلقا فلا يجوز، وإن قيده بأن قال: تباركت علينا، أي: أصابتنا البركة لحضورك؛ فهذا لا بأس به بشرط أن تكون هذه البركة محسوسة معلومة، مثل أن يكون مجلس هذا الذي قدم إلى البيت مجلس علم ودعوة وإرشاد، بعض الناس يكون فيه بركة كما قال أسيد بن حضير لما أنزل الله آية التيمم بسبب انحباس الناس في طلب عقد عائشة ﵂ أنزل الله آية التيمم، وآية التيمم فيها فرج وتيسير قال: ((ما هذه أول بركتكم يا آل أبي بكر))، أما إن قصد التبارك الشخصي الجسدي فهو لا يجوز إلا واحد من الخلق- وهو رسول الله ﷺ .
((تعاليت)) من العلو، والتاء هذه تدل على المبالغة؛ أي: ترفعت عن كل نقص، وترفعت أيضًا فوق كل شيء، فالتعالي هنا يشمل التعالي المعنوي والتعالي الذاتي.
ثم قال: زاد الطبراني والبيهقي ((ولا يعز من عاديت)) هذه ضد قوله: ((لا يذل من واليت)) من عاداه الله فلا عزة له وهو وإن صار له عزة في الوقت فالعاقبة الذل، واسمع إلى قول الله في سورة المنافقون قال: ﴿ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ [المنافقون: ٨]. ويعنون بالأعز: هم أنفسهم، والأذل يعنون به: رسول الله ﷺ ، فقال الله ردًا عليهم: ﴿ولله العزة وللاسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون﴾ [المنافقون: ٨]. كان المتوقع أن يكون الجواب: والله هو الأعز ورسوله والمؤمنون، لكن لو كانت العبارة هكذا لصار للمنافقين عزة، لكن النبي ﷺ وأصحابه أعز، لكن نفى عنهم العزة مطلقا ولله العزة وحده ولرسوله وللمؤمنين، وهذا نظير قول الله تعالى: ﴿والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء﴾ [غافر: ٢٠]. لا حق ولا باطل ﴿إن الله هو السميع البصير﴾ [غافر: ٢٠]. هذا نفي العز لمن عادى الله، كما أنه أيضًا قد يحصل العز لمن عادى الله لمصالح أخرى.
ثم قال: ((وصلى الله تعالى على النبي)) يعني: محمد ﷺ هذه زادها النسائي، والصلاة على
стр. 718
النبي يعني: طلب الصلاة عليه من الله، أنت إذا قلت: صلى الله على نبينا محمد، فهو مثل قولك: ((اللهم صل على محمد)) وإن قولك: ((صلى الله على محمد)) خبرًا، لكنه بمعنى الدعاء، فالمعنى واحد، لكن ما هي الصلاة على النبي؟ قيل: إن الصلاة على النبي يعني: الرحمة، فمعنى ((اللهم صل على محمد)): اللهم ارحمه، لكن هذا القول ضعيف يضعفه قول الله تعالى: ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ [البقرة: ١٥٧]. والعطف يقتضي المغايرة، لكن لنا أن نقول: إن الصلاة أخص من الرحمة؛ لأنها تفيد معنى الصلة، فهي أخص من الرحمة، وإن كان فيها رحمة لكن ليست الرحمة العامة، ونقل العلماء عن أبي العالية ﵀ من التابعين أنه قال: ((صلاة الله على عبده: ثناؤه عليه في الملأ الأعلى))، وهذا الكلام لأبي العالية يحتاج إلى نقل صحيح عن النبي ﷺ ، فإن صح عن النبي ﷺ وجب قبوله، وإن لم يصح فلا يجوز أن نفسره بهذا؛ أي: بأنها ثناؤه عليه في الملأ الأعلى؛ لأن هذا يحتاج إلى دليل، ولكنا نقول: هو رحمة أخص من الرحمة العامة، وهذا لا يضرنا. أبو سيف محمد يحيي.
كثيرًا ما يقول الناس: ((فلان- ﵁))، ((فلان ﵀) التعبير هذا صحيح أو لا؟ صحيح، لأنه ليس خبرا حتى نقول: إن هذا من باب الشهادة بما لا يعلم العبد، ولكنه دعاء، والدعاء يأتي بلفظ الماضي، بعض الناس المتأخرين عدلوا عن كلمة: (﵀) إلى كلمة: ((يرحمه الله))، ولكنهم عدلوا وما عدلوا في الواقع؛ لأن ((يرحمه الله)) دعاء وهي بمعنى: (﵀) وإن كان المضارع يفيد الاستمرار فهي أبلغ إذا جعلناها خبرًا. لذلك نرى أن يسير الناس على ما سار عليه العلماء السابقون، كل العلماء السابقين يقولون: (﵀)، ((تغمده الله برحمته)) وما أشبه ذلك، ولكن مع هذا لا نحرم أن يقول الإنسان: ((يرحمه الله))، أما لو كان مخاطبا فنعم يقال: ((يرحمه الله))، وقد قالت عائشة: ((يرحم الله أبا عبد الرحمن)) تعنى: عبد الله بن عمر، كذلك أيضًا قال بعض الصحابة لصاحب له رآه ميتا: ((يرحمك الله يا أبا فلان))، يخاطبه، فالشاهد: أن ((يرحم)) و ((رحم)) معناهما واحد، لكن إتباع ما كان عليه الناس أولًا أولى.
٢٩٧ - وللبيهقي عن ابن عباس ﵄ قال: ((كان رسول الله ﷺ يعلمنا دعاء ندعو به في القنوت من صلاة الصبح)). وفي سنده ضعف.
((كان رسول الله ﷺ يعلمنا دعاء))، وأطلق الدعاء لم يبينه، ولا ندري ما هذا الدعاء، وإذا جاء مطلقا فلنا أن ندعو بما شئنا، ولكن قوله: ((ندعو به في صلاة الصبح)) هذا ضعيف، لأن
стр. 719
النبي ﷺ لم يقنت في الفرائض إلا بسبب، لم يجعل القنوت في الفرائض لا في الصبح ولا في غيره سنة مطلقة.
حكم تقديم اليدين قبل الركبتين للسجود:
٢٩٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه". أخره الثلاثة.
- وهو أقوى من حديث وائل بن حجر: "رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه". أخرجه الأربعة.
فإن للأول شاهدًا من حديث ابن عمر ﵁ صححه ابن خزيمة، وذكره البخاري معلقًا موقوفًا.
"لا يبرك كما يبرك البعير"، يعني: لا يضع يديه قبل ركبتيه، لأن البعير إذا برك قدم يديه قبل ركبتيه وهذا مشاهد، ثم قال: "وليضع يديه قبل ركبتيه"، والمراد باليدين هنا: الكفان؛ لأن اليد إذا أطلقت فهي الكف كما في قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالًا من الله والله عزيز حكيم﴾ [المائدة: ٣٨]. والمراد: الأكف، وقال في التيمم: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيدكم منه﴾ [المائدة: ٦]. والمراد: الكفان فقط، فيكون قوله: "وليضع يديه" يعني: الكفين، "قبل ركبتيه" فينحني قبل أن يصل إلى الأرض، هذا مدلول الحديث.
فيؤخذ منه: أنه يشرع للمرء إذا أراد السجود أن يقدم يديه ثم ركبتيه لئلا يتشبه بالبعير لو قدم الركبتين، لأن البعير إذا برك يبرك على ركبتيه كما هو مشاهد.
ومن فوائده أيضًا: التفصيل بعد الإجمال، حيث قال: "فلا يبرك كما يبرك البعير"، ثم قال: "وليضع" وهذا من حسن التعليم لأن الإنسان يجمل ثم يفصل؛ لأنه إذا ورد النص مجملًا تطلعت النفس إلى معرفته، فإذا جاء التفصيل صار واردًا على محلٍ قابل، بل متطلع له، ولكن عند التأمل يتبين أن الحديث متناقض، لأن قوله: "فلا يبرك كما يبرك البعير" ثم قال: "وليضع يديه" متناقضان؛ لأن المعروف أن البعير إذا أراد أن يبرك يضع يديه أولًا ثم يبرك، ولهذا قال ابن القيم ﵁: إن آخر الحديث منقلب على الراوي، والراوي بشر يخطئ ويصيب، وأن صواب العبارة الأخيرة: "وليضع ركبتيه قبل يديه" وما قاله ﵁ متجه.
стр. 720
قال بعض الذين يؤيدون أن يضع اليدين قبل الركبتين: إن ركبة البعير في يديه.
وجوابنا على هذا أن نقول: صحيح، لكن النبي ﷺ لم يقل: فلا يبرك على ما يبرك عليه البعير، بل قال: "كما يبرك"، والتشبيه هنا للهيئة والكيفية وليس للعضو المسجود عليه، وإذا فسرنا الحديث بذلك صار غير متناقض، وصار أوله وآخره سواء.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينهى الإنسان أن يتشبه بالبهائم في صلاته؛ لأن الإنسان منهي عن التشبه بالهائم حتى في غير الصلاة، فكيف بالصلاة؟ ولهذا قال النبي ﷺ : "لا يفترش أحدكم ذراعيه افتراش السبع"، ونهى أن ينقر الإنسان صلاته نقر الغراب، ونهى أن يرجع الإنسان في هبته، ومثله بالكلب يقيء ثم يعود في قيئه، ووصف الرجل يتكلم والإمام يخطب يوم الجمعة أنه كمثل الحمار، وهلم جرًا، مما يدل على أن الإنسان لا يتشبه بالحيوان؛ لأن الله تعالى قد كرمه وفضله على الحيوان؛ فلا يوعز نفسه إلى أسفل وأوضع.
فإن قال قائل: أرأيتم لو كان الإنسان لا يستطيع أن يقدم ركبتيه إما لألمٍ أو كبرٍ أو ضعفٍ أو مرضٍ أو ما أشبه ذلك فهل يقدم اليدين؟
فالجواب: نعم، يقدم اليدين؛ لأن ذلك هو الممكن في حقه، وقد قال الله- ﵎ ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وقال تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]. وأما حديث وائل بن حجر الذي قال المؤلف: إن الحديث الذي قبله أقوى منه؛ يعني: حديث أبي هريرة يقول: "كان النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه"، أخرجه الأربعة، لماذا كان أقوى؟ يقال: لأن الأول له شاهد من حديث ابن عمر ﵁ صححه ابن خزيمة، وذكره البخاري معلقًا موقوفًا. هذا الاستدلال لا يحتاج إليه؛ لأن الحديث الأول حديث أبي هريرة يطابق الثاني على حسب التأويل الذي شرحناه، وحينئذٍ لا نحتاج إلى ترجيح.
صفة وضع اليدين في التشهد:
٢٩٩ - وعن ابن عمر ﵁ "أن رسول الله ﷺ كان إذا قعد للتشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، واليمنى على اليمنى، وعقد ثلاثًا وخمسين، وأشار بأصبعه السبابة". رواه مسلم.
- وفي روايةٍ له: "وقبض أصابعه كلها، وأشار بالتي تلي الإبهام".
هذا الحديث في بيان وضع اليدين في التشهد يقول: "كان النبي ﷺ إذا قعد في التشهد وضع
стр. 721
يده اليسرى على ركبته اليسرى" على الركبة من غير إلقام لها فيضعها وضعها، أما اليمنى فيقول: "واليمنى على اليمنى" يعني: على الركبة اليمنى على طرفها، "وعقد ثلاثًا وخمسين"، هذا اصطلاح عند الدرب بدل أن يقول: ثلاث وخمسين فهو يعقد بأصبعه كذا ... ، وهو أن يقبض أصابعه كلها حتى الإبهام يضمها إلى الثلاثة، ويبقي السبابة قائمة ويشير بها كما جاء في الحديث.
قال: "وأشار بأصبعه السبابة"، ولكن متى يسير هل يبقى مشيرًا دائمًا، أو يشير بالتحريك إذا دعا؟ الثاني هو المراد، ويبقى مشيرًا بها؛ لأنه إذا ضم الأربعة هكذا بقيت كأنه يشير قائمة هكذا، وهذه إحدى الصفتين. والصفة الثانية: أنه يحلق الإبهام مع الوسطى، يعني: يقبض الخنصر والبنصر، ويحلق الإبهام مع الوسطى، أي: يجعلهما حلقة، ويبقي السبابة قائمة، وإذا دعا حركها إشارةً إلى علو الله- .
يؤخذ من هذا الحديث: مشروعية وضع اليدين على الوصف المذكور في التشهد، لكن لو وضعها على غير هذه الصفة، لو وضع اليدين كلتيهما مبسوطتين، هل يجزئ أو لا؟ يجزئ، لأن هذا على سبيل الأفضلية فقط.
ومن فوائد هذا الحديث: أن ظاهره أنه لا يفعل هذا في الجلوس بين السجدتين؛ لأنه قال: إذا قعد في التشهد"، وأما الجلوس بين السجدتين فظاهر النص أنه لا يفعل، ولكن الجواب عن هذا من وجهين، لأننا نرى أن وضع اليدين بين السجدتين كوضعهما في التشهدين، فالجواب أن يقال إذن: إن ذكر بعض أفراد العام لحكمٍ مناسبٍ للعام يعني لا يخالفه، ولا يعد ذلك تخصيصًا كما نص على ذلك أهل الأصول ومنهم الشيخ الشنقيطي ﵀ في كتابه "أضواء البيان"، ومقال ذلك لو قلت لك: أكرم الطلبة، ثم قلت: أكرم عبد الله وهو منهم، هل يعد هذا تخصيصًا؟ لا يعد، نقول: هذا ذكر بعض أفراد العام بحكمٍ يطابق العام، فيكون ذكره بالتخصيص من باب العناية به، ولو قلت: أكرم الطلبة، ثم قلت، لا تكرم عبد الله وهو منهم يكون تخصيصًا؟ نعم، لأن الحكم هنا مخالف للعموم، فيقول: إن قول ابن عمر ﵁: "إذا قعد للتشهد" هذا خاص، لكن له رواية أخرى: "إذا قعد في الصلاة" وهذه عامة، فيكون ذكر التشهد من باب ذكر أفراد العام بحكمٍ لا يخالفه، ثم إنه قد روى الإمام أحمد ﵀ في المسند عن وائلٍ بن حجر نصًا صريحًا في الموضوع، فيه أن النبي ﷺ يضع اليد اليمنى بين السجدتين كما وصف في التشهد، وهذه الرواية صحح إسنادها بعضهم وجودها بعضهم، وعلى هذا تكون مؤيدة للقول بالعموم.
قال بعض العلماء معلًا رواية الإمام أحمد: إنها شاذة؛ لأن أكثر الرواة لم يذكروها، وإني
стр. 722
أتعجب من هذا الكلام، لأن الشاذ: ما رواه الثقة مخالفًا لم هو أرجح منه، وهنا لم يرد عن الثقات أن النبي ﷺ كان يبسط يديه اليمنى على فخذه اليمنى، لو ورد لقلنا: هذه شاذة، وما دام لمن يرد فإننا نقول لمن قال: إن اليد اليمنى توضع على الفخذ مبسوطة كاليسرى نقول: عليك بالدليل، لم يرد في أي نصٍ مما اطلعت عليه أن النبي ﷺ كان إذا جلس بين السجدتين يضع يده اليمنى مبسوطة، وهذا واضح، وكنت أرى- فيما سبق- أن اليد اليمنى تكون مبسوطة بين السجدتين، وتكون في التشهد مضمومة الأول والثاني، وأقول: إن حكمة الشارع أنه جعل لكل جلسةٍ خصيصة، فالجلسة في التشهد الأخير لها خصيصة ما هي؟ التورك، الجلسة في التشهد الأول لها خصيصة عن جلسة ما بين السجدتين، وهي ضم الأصابع، والجلسة التي بين السجدتين تكون اليد مبسوطة، فتكون كل جلسةٍ لها مزية، وهذا قياس نظري، لكن لما رأيت صاحب زاد المعاد ابن القيم- ﵀ ذكر أنه يضع اليد اليمنى بين السجدتين كما يضعها في التشهد، واستدل بحديث وائل بن حجر الذي ذكرته في المسند، قلنا: النص مقدم على القياس، وموقفنا أن نتبع ما جاءت به السنة.
أسئلة:
- هل يجوز للإنسان عند السجود أن يقدم يديه؟
- أين تكون اليدان في حال القيام؟
- أي تكون اليدان عند السجود؟
- أين تكون اليدان عند الجلوس؟
صيغ التشهد ومعانيها:
٣٠٠ - وعن عبد الله ابن مسعودٍ ﵁ قال: التفت إلينا رسول الله ﷺ فقال: "إذا صلى أحدكم فليقل: التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، اشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو". متفق عليه، واللفظ للبخاري.
- وللنسائي: "كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد".
هذا الحديث روي عن عبد الله بن مسعودٍ على وجهين:
الوجه الأول: ما ذكره المؤلف.
стр. 723
والثاني: قال: "علمني رسول الله ﷺ التشهد كفي بين كفيه كما يعلمنا السورة من القرآن".
وهذا أبلغ، لأن قوله: "علمني" ثم قال: "كفي بين كفيه" يدل على عناية النبي ﷺ بهذا، يعني: كأن الرسول أمسك بكف ابن مسعودٍ وجعلها بين كفيه من أجل أن ينتبه.
"كما يعلمنا السورة من القرآن" يعني: اعتنى بهذا اعتناءً بالغًا، أما اللفظ الثاني فهو أن الرسول ﷺ التفت إلى أصحابه وقال: "إذا صلى أحدكم فليقل: التحيات لله" ... إلخ.
قوله: "إذا صلى" لم يبين في هذا اللفظ موضع هذا التشهد، لكن بين في ألفاظٍ أخرى أنه في التشهد، وقوله: "فليقل" اللام للأمر، وتسكن بعد الفاء كما هي القاعدة.
"التحيات لله" "أل" للاستغراق، أي: جميع التحيات لله، و"التحيات" جمع تحية: وهي: الإكرام والتعظيم وما أشبه ذلك.
وقوله: "لله" اللام هنا لها معنيان المعنى الأول: "الاختصاص، والمعنى الثاني: الاستحقاق، أما الاختصاص فلا أحد يقال له التحيات على العموم، وأما الاستحقاق، فلأن الله- ﵎ أحق من يحيا، فاللام هنا دالة على معنين: الاختصاص والاستحقاق، و"لله"﵎ اسم رب العالمين- جلا وعلا-، و"الصلوات" الواو حرف عطف جملة على جملة، وليس عطف مفرد على مفرد؛ لأن الجملة الأولى تامة لقوله: "التحيات لله"، وعلى هذا نعرب "الصلوات والطيبات" على أنها مبتدأ والخبر محذوف؛ أي: "والصلوات لله والطيبات لله، ولا يصح أن نقول: إنها معطوفة على التحيات، لأن هذه الجملة "التحيات لله" استكملت أركانها.
"الصلوات" ما المراد بالصلوات؟ هل المراد بالصلوات: الدعوات؛ يعني: أنه هو أحق من يدعى، أو المراد بالصلوات: العبادة المعروفة؟ من حيث اللغة: يحتمل المعنيين، لكن من حيث الدلالة الشرعية لا يحتمل إلا المعنى الثاني وهي العبادة المعروفة، ويؤيد ذلك أمران:
الأمر الأول: أن معنى الصلاة في اللغة نقل إلى معنى شرعي فصار له حقيقة شرعية؛ وهي العبادة المعروفة، فيجب أن تحمل الصلاة على المعنى الشرعي؛ أنها نقلت.
الأمر الثاني: أن هذا التشهد في الصلاة، فكان من المناسب ذكر الصلاة على وجه الخصوص، وهذا الأمر الثاني خاص بهذه المسألة؛ أما الأول فهو عام، كلما دار الأمر بين المعنى اللغوي والشرعي في لسان الشارع حمل على المعنى الشرعي، إلا أن يفسر من عند النبي ﷺ فهنا نأخذ بما فسره مثل قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقةً تطهرهم وتزكيهم بها وصلي عليهم﴾ [التوبة: ١٠٣]. هذه معناها: الدعاء وليس معناها: العبادة المعروفة، ودليل ذلك أن النبي ﷺ كان إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: "اللهم صل عليهم".
стр. 724
"والطيبات" الطيب: ضد الخبيث، وضد ما ليس بطيبٍ ولا خبيث، فما هي الطيبات؟ الطيبات تشمل أشياءً كثيرةً لا تحصر.
أولًا: الطيبات من الأوصاف كلها لله ، قال النبي ﷺ : "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا".
ثانيًا: الطيبات من الأفعال، فكل أفعالٍ لله طيبة، حتى الأفعال التي يكون فيها ضرر على قومٍ هي في الحقيقة طيبة لما تتضمنه من الحكمة.
المعنى الثالث في الطيبات: الطيبات من الأعمال، فلله الطيبات من العمال، وأما الخبائث فلا يقبلها الله لقول النبي ﷺ : "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا" وأما الخبيث فلا يقبله.
ثم قال: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" هذا سلام على النبي ﷺ ، ولكنه هل هو السلام الذي هو التحية المعروفة بين الناس؟ الجواب: لا، ولذلك لا يجهر الصحابة بهذا حتى يرد الرسول- ﵊، ولو كان هو السلام بالخطاب المعروف لأبطل الصلاة، لكنه دعاء للنبي ﷺ بالسلامة.
فإن قال قائل: إذا كان دعاء فما فائدة الخطاب: السلام عليك أيها النبي؛ لأنه إذا كان دعاء فالدعاء للغائب؟
فالجواب: أن هذا يدل على قوة استحضار الداعي، كأنما النبي ﷺ أمامه يخاطبه، ولذلك نقول: إن هذا الدعاء بهذا اللفظ باقٍ إلى يوم القيامة كما سيأتي في الفوائد.
وقوله: "أيها النبي": هذا منادى حذفت منه ياء النداء، والأصل: يا أيها النبي، و"النبي" يقال: النبيء، ويقال: النبي وهو الأكثر، أما على الوجه الأول: "النبيء" فهو فعيل بمعنى فاعل، وبمعنى مفعول، لأن كلمة فعيل نأتي للمعنيين جميعًا، إذا جعلناه بمعنى: فاعل صار معناه: المنبئ عن الله وإذا جعلناه بمعنى: مفعول صار المعنى: المنبأ من الله، وكلا المعنيين صحيح ما دام اللفظ يحتمل هذا وهذا، وهو صادق بالمعنيين، فليكن للمعنيين، فإن قلنا: "النبيء" اسم مفعولٍ بمعنى: الذي أنبأه الله أو اسم فاعلٍ بمعنى: الذي ينبئ عباد الله بما أوحى الله إليه فهذا كلاهما صحيح لقول الله : ﴿نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم* وأن عذابي هو العذاب الأليم﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠]، أما إذا كانت بدون همزة النبي فقيل: إنها بمعنى المهموز، ولكنها حذفت الهمزة تخفيفًا، وقيل: إنها بمعنى الرفيع الشأن الرفيع المنزلة، وأنه مشتق من "النبوة" لا من "النبأ" ألا يمكن أن نقول في النبي بدون همز: إنه صالح للمعنيين؟ جميعًا؟ بلى، يصح، فنقول: هو رفيع المنزلة: وهو منبئ من الله، وهو منبي لعباد الله، إن النبي ﷺ يوصف بأنه نبي ويوصف بأنه رسول كما قال تعالى: ﴿محمد رسول الله﴾ [الفتح: ٢٩]. وقال: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ [المائدة: ٦٧].
стр. 725
السلام ما معناه؟ معناه: الدعاء له بالسلامة من كل مؤذٍ.
إذا قال قائل: أليس النبي ﷺ سالمًا من كل مؤذ؟
فالجواب: بلى، لكن قد يأتيه الأذى، ولهذا كان دعاء الرسل يوم القيامة عند الصراط: "اللهم سلم سلم"، فهو معرض للأذى. هذه واحدة.
ثانيًا: السلامة من الأذى أو العدوان، عليه لئلا يعتدي أحدٌ على قبره، وقد وقع هذا: حاول اثنان من الملاحدة أن يتوصلوا إلى جسد النبي ﷺ ليأخذاه ذكروا أن بعض الخلفاء رأى في المنام وهو في بلد الخلافة، أن شخصين يحفران خندقًا ليتوصلا به إلى الجسد الشريف، تكررت الرؤيا عليه، ففزع من هذا فزعًا عظيمًا، وارتحل بنفسه من بلد الخلافة إلى المدينة، ثم قال: ادع لي كل من كان في المسجد، أو كل من كان في المدينة، فدعاهم أي: دعوا الناس إليه، فنظر في وجوههم فلم يجد الرجلين اللذين وصفا له في المنام، فقال: ادع أهل المدينة قالوا: لا يوجد أحد إلا رجلان غريبان في المسجد فقال: عليّ بهما، فلما جاءا وجد الوصف الذي رأى في المنام ينطبق عليهما، فأمسك بهما، وحقق معهما، وإذا هما يحفران خندقًا من محلٍ بعيدٍ في الليل، ويسكنان في النهار في المسجد، ثم أمر أن تحفر الأرض التي حول القبر إلى الجبل الحصي وتصب رصاصًا لا يقدر عليه أحد، وهذا من حماية الله تعالى للنبي ﷺ .
"السلام عليك أيها النبي" قلنا: إنه السلامة من الأذى، هل يمكن أن يكون هناك أذى معنوي؟ قلنا: نعم، العدوان على شريعته لا شك أنه من الأذى، فحينئذٍ يكون "السلام عليك أيها النبي"، نسأل الله تعالى أن يسلم هذه الشريعة التي هي شريعة محمد ﷺ من كل ما يؤذيها، ولهذا قال بعض أهل العلم في قوله تعالى: ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾ [الكوثر: ٣]. قالوا: وكذلك شانئ سنته هو الأبتر، فصارت السلامة عامة في كل شيء.
"ورحمة الله" الرحمة صفة وجودية، والسلام صفة عدمية، فيدعو له أولًا بانتفاء الأذى عنه، ثم بحصول الرحمة له، فيكون إيجادًا بعد إعدام، ورحمة الله للنبي ﷺ ثابتة، ولكننا نقول هذا تأكيدًا كما أمرنا الله أن نصلي عليه مع أنه قال: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ [الأحزاب: ٥٦]. لكن هذا من باب التأكيد من وجه، ومن باب مصلحتنا من وجهٍ آخر، لأننا إذا صلينا عليه امتثالًا لأمر الله أثبنا على هذا، وقضينا بعض حقوقه ﷺ ، وحصلنا على خيرٍ كثيرٍ بالصلاة عليه، إذا صلينا عليه واحدة صلى الله علينا بها عشرًا- صلوات الله وسلامه عليه-.
"ورحمة الله وبركاته" البركات زيادة الخيرات وثبوت الخيرات؛ لأنها مأخوذة من البركة وهي: مجمع الماء، وعادةً يكون كثيرًا ثابتًا.
стр. 726
"السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" بدأ بالرسول- ﵊ قبل النفس، لأن حق الرسول علينا أعظم من حقوقنا على أنفسنا، ولهذا الترتيب في التشهد ترتيب عجيب أولًا: حق الله ، ثم حق الرسول- ﵊.
"التحيات لله والصلوات والطيبات" هذا لله، "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" هذه للرسول، "السلام علينا" لأنفسنا، "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" هذا، عام وبدأنا بأنفسنا؛ لأن ذلك هو الأولى، ابدأ بنفسك، "وعلى عباد الله الصالحين"، وهذه العبودية الشرعية، وتشمل كل عبدٍ صالح سواء من هذه الأمة، أو من الأمم السابقة، أو من الملائكة، أو من الجن، كل عبدٍ صالحٍ يدخل في هذا العموم، "وعلى عباد الله الصالحين"، فهذه الجملة من أجمع الجمل.
"أشهد ألا إله إلا الله" أشهد إقرارًا باللسان واعتقادًا بالجنان، فلا يكفي النطق باللسان ولا الإقرار بالجنان لابد من الأمرين، إذن "أشهد" يعني: أعترف بلساني وأعتقد بقلبي، "أن لا إله إلا الله" أي: لا إله حق، وليس معناه نفي الألوهية فيمن سوى الله، لأنه يوجد من سمي إلهًا ولكنه باطل، فيتعين أن يكون المعنى: لا إله حق، فالخبر إذن محذوف وتقديره: "حق"، وقد زعم بعض المعربين أن تقدير الخبر: "موجود" أي: لا إله موجود، وهذا غلط عظيم، لأنك لو قلت: لا إله موجود إلا الله صارت الأصنام آلهة وإلهًا؛ فهذا التقدير خطأ عظيم، والذي قدره من النحاة غفلوا عن مستلزماته، فيجب أن نقدره بكلمة "حق" لدلالة القرآن على هذا ﴿ذلك بأن الله هو الحق﴾ [الحج: ٩]. وعلى هذا يكون قوله: "لا إله" ليس خبلا "لا" بل هو يدل من خبرها المحذوف. "أشهد أن لا إله إلا الله" في نسختي: "لا شريك له" وهذا غير صحيح، "وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله" أشهد بلساني معتقدًا بجناني بأن محمدًا رسول الله، ذكر باسمه فقط دون اسم أبيه وذلك للعلم به، واسم الأب أو الجد أو القبيلة إنما هو من أجل التعيين، ومحمد رسول الله ﷺ متعين، وعليه إذا تعين اسم الإنسان باسم أبيه فقط يكفي.
"أشهد أن محمدًا عبده ورسوله" هذه الشهادة واجبة، "أشهد أن محمدًا عبده" أي: المتعبد له المتدلل له، وهو أشد لناس عبادةً، حتى كان يقوم في الليل- صلوات الله وسلامه عليه- حتى تتورم قدماه، ويقول: "أفلا أكون عبدًا شكورًا" ورسوله أي: مرسله على الناس جميعًا، بل إلى الإنس والجن كما قال الله تعالى: ﴿وأرسلناك للناس رسولًا وكفى بالله شهيدًا﴾ [النساء: ٧٩].
قال: "ثم يتخير من الدعاء ما أعجبه إليه". "ثم ليتخير" اللام هذه للإباحة، ويتخير بمعنى: يختار: أي: يرى ما هو خير، "وأعجبه إليه" أي: أسره إلى نفسه فيدعو به.
стр. 727
رواية النسائي: "كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد" وماذا يقولون؟ ليت المؤلف ﵀ أتى بها، كانوا يقولون قبل أن يفرض عليهم التشهد: "السلام على الله من عباده السلام، على جبريل السلام، على ميكائيل"، وما أشبه ذلك، فقال النبي ﷺ : "لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام" لأنك لو قلت: السلام على الله لأوهم هذا أن الرب يمكن أن يلحقه نقص وضرر فتدعو له بالسلامة مع أنه هو السلام السالم من كل نقص، ولكن قولوا: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"، فإنكم إذا قلتم ذلك سلمتم على كل عبدٍ صالح في السماء والأرض، سواءً كان من الملائكة، أو من بني آدم السابقين، أو من الجن كل عبدٍ صالح في السماء والأرض فإنه تشمله هذه الكلمة: "عباد الله الصالحين"، ووجه ذلك في اللغة: أنها جمع مضاف، والجمع المضاف يكون للعموم، بل المفرد المضاف يكون للعموم.
- ولأحمد: "أن النبي ﷺ علمه التشهد، وأمره أن يعلمه الناس".
"علمه" أي: علم ابن مسعود التشهد، وأمره أن يعلمه الناس حتى لا يظن الظان أن ذلك خاص به.
في هذا الحديث فوائد عظيمة منها: مشروعية هذا الدعاء وأنه فرض، والفرض هو الشيء اللازم الذي لا انفكاك عنه، ولكن هو ركن في الصلاة أو ليس بركن؟ دلت السنة على أنه ليس بركنٍ في التشهد الأول، ووجه ذلك: أن النبي ﷺ لما قام عنه ساهيًا جبره بسجود السهو، ولو كان ركنًا لأتى به، أما في الأخير وهو الذي يعقبه السلام سواء كانت الصلاة ثنائية أو ثلاثية أو رباعية فإنه ركن لا تصح الصلاة إلا به.
ومن فوائد هذا الحديث: حرص النبي ﷺ على حفظ السنة والعناية بها، يؤخذ هذا من اللفظ الذي حذفه المؤلف، وهو قوله- أعني ابن مسعود-: "علمني رسول الله ﷺ التشهد كفي بين كفيه كما يعلمنا السورة من القرآن"، لأن هذا القبض يوجب انتباه المخاطب، وأن يعتني بما يقال له.
فإن قال قائل: هل يمكن أن ينبه المخاطب بقبض يدٍ واحدة؟
الجواب: نعم، يمكن.
فإن قال قائل: وهل يسن في السلام أن يقبض الإنسان بيديه كلتيهما، يعني: في المصافحة، أو تكفي يد واحدة؟
فالجواب: أننا لا نعلم أن السنة جاءت إلا بالمصافحة بيدٍ واحدة وهي اليمنى، لكن جرت العادة عند الناس أنهم أحيانًا يقبضون على الكف فيكون بين الكفين، أو يمسكون الذراع- ذراع اليد- إشارةً إلى إكرام هذا المسلم، فإذا كان الإنسان يفعلها أحيانًا دون أن يتخذها سنةً فأرجو ألا يكون به بأس إن شاء الله.
стр. 728
ومن فوائده: أن الله- جل وعلا- مستحق لهذه التعظيمات "التحيات لله" ومنها: العناية بالصلاة، حيث خصها بالذكر بقوله: "والصلوات".
ومن فوائد هذا الحديث: أن الله هو المستحق للطيبات لا في أفعاله وأوصافه ولا في أفعال خلقه، فهو طيب، وأوصافه طيبة، وأفعاله طيبة، فلا يقبل إلا الطيب.
ومن فوائد هذا الحديث: مشروعية السلام على النبي ﷺ المقرون بـ"أل" لقوله: "السلام عليك" وقد ورد بالتنكير، لكن الذي في الصحيحين هو المعروف "السلام"، وعلى رواية التنكير يكون التنكير للتعظيم، أي: سلام عظيم عليك أيها النبي.
فإن قال قائل: هل هذا السلام- الذي يقوله المصلي- هل هو سلام المتلاقيين، أو هو مجرد دعاء لغائب؟
فالجواب: الثاني، ولهذا لا يجهر الصحابة بهذا السلام حتى يسمعه النبي ﷺ ولا يرد، وهم أيضًا لا يشعرون بهذا فهو دعاء لغائب.
فإن قال قائل: إذا كان دعاء لغائب فلماذا لم يرد بصيغة السلام على النبي كما وردت التحيات بصيغة الغائب، : "التحيات لله" حتى يتناسق الكلام؟
فالجواب: أن الإنسان لما عظم الرب ، ومن تعظيمه تعظيم رسول الله ﷺ ، استحضر الإنسان بقلبه كأن النبي ﷺ أمامه فقال: "السلام عليك" هذا من وجه، من وجهٍ آخر: إن الالتفات عن مساق الكلام يوجب الانتباه، انظر إلى الفاتحة: ﴿الحمد لله رب العالمين* الرحمن الرحيم* مالك يوم الدين﴾ كلها بصيغ الغائب، ثم قال: ﴿إياك نعبد﴾ لم يقل: إياه نعبد، كأن الإنسان لما أثنى على الله بهذه الأوصاف العظيمة صار كأنه استحضر ذلك بقلبه، وكأنه الإنسان يخاطب الله .
ومن فوائد هذا الحديث: أن النبي ﷺ يجوز عليه الأذية أن يؤذى وأن يضر لقوله: "السلام عليك أيها النبي"، وأما السلام على الله فعرفتم أن النبي ﷺ نهى عن ذلك وقال: "إن الله هو السلام" ولا يمكن أن يلحقه نقص.
ومن فوائد هذا الحديث: ثبوت نبوة النبي ﷺ لقوله: "السلام عليك أيها النبي"، ورد في صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود من طريقٍ آخر قال: "كنا نقول والنبي ﷺ حي: السلام عليك، فلما مات صرنا نقول: السلام على النبي"، وعندي أن هذا اجتهاد من عنده ﵁، ولكنه ليس بصوابٍ من وجهين أو أكثر:
стр. 729
الوجه الأول: أن النبي ﷺ علم عبد الله بن مسعود هذا الحديث، ولم يقيد، لم يقل: ما دمت في حياتي، بل أمره أن يعلمه الناس بهذه الصيغة.
ثانيًا: أن الذي يسلمون على النبي ﷺ ليسوا يسلمون عليه كتسليم المقابل لمقابله حتى نقول: إن المقابلة فاتت بموته، لكن يقولون ذلك على وجه الادعاء لا على وجه المخاطبة.
ثالثًا: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ علم الناس التشهد، وهو خليفة على منبر النبي صلى الله عيه وسلم بلفظ: "السلام عليك أيها النبي"، وهذا بمشهد الصحابة، وبعد موت النبي ﷺ ، ولم ينكر عليه أحد، وهو- بلا شك- أعلم من عبد الله بن مسعودٍ ﵁ وأفقه، حتى قال النبي ﷺ : "إن يكن فيكم محدثون فعمر"، فالصواب المتعين الذي جرى عليه الناس كلهم فيما نعلم أن كل الفقهاء على أن اللفظ الصحيح في ذلك هو: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته".
ومن فوائد هذا الحديث: أن النبي ﷺ مفتقر إلى رحمة الله، ولهذا شرع لنا أن ندعو له بذلك، وكذلك مفتقر إلى أن يبارك الله له في عمله، ولهذا أمرنا أن ندعو له بذلك.
فإن قال قائل: الرحمة والبركة ثابتتان للرسول- ﵊ فكيف ندعو له بهما؟
فالجواب أن نقول: الصلاة ثابتة للرسول- ﵊ وقد أخبر الله بها أنه يصلى على رسوله قبل أن يأمرنا بذلك، فقال : ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
إذن فصلاتنا عليه ودعاؤنا له بالرحمة والبركة ليس لأنه محتاج، إذ إن هذا ثابت له، لمن من باب التوكيد من وجه، ومن باب كتابة الأجر لنا من وجهٍ آخر. ثالثًا: ولربما يكون من أسباب أن صلاة الله عليه ورحمة الله له وبركاته دعاؤنا.
ومن فوائد هذا الحديث: إثبات الرحمة لله، واعلم أن الرحمة تطلق على معنيين: المعنى الأول: أن تكون صفة لله ، وهذا كثير وهو الأصل كما قال : ﴿وربك الغفور ذو الرحمة﴾ [الكهف: ٥٨].
الثاني: أن تطلق على آثار رحمة الله لا على الرحمة بل على آثارها، مثل قول الله- ﵎: ﴿وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته﴾ [الشورى: ٢٨]. المراد: آثار الرحمة وذلك بنبات الأرض ونحوها، ومنه قوله تعالى في الحديث القدسي في الجنة: "أنت رحمتي أرحم بها من أشاء"، هذه رحمة مخلوقة من آثار رحمة الله بالمناسبة ﴿وهو الذي ينزل
стр. 730
الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته﴾ ما المراد برحمته؟ المطر وما ترتب عليه من النبات، في سنةٍ من السنوات أتانا المطر وتدارك علينا ليلًا ونهارًا، وتهدمت كثير من البيوت هنا، حتى كان المطر في المساجد ينزل من السطح إلى الطابق الأرضي وتضرر الناس ورفع الله عنهم الضرر وأصبح بعض العوام يقول في قوله تعالى: ﴿وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته﴾: إن رحمة الله هي الشمس، لماذا؟ لأنه حصل لها رفع الأذى والضرر.
ومن فوائد هذا الحديث: أن النبي ﷺ مفتقر إلى بركة الله ، هذا وهو النبي، فكيف بنا نحن؟ نحن أشد فقرًا إلى بركة الله من النبي ﷺ بركة في العمل، بركة في العلم، بركة في الجاه، بركة في الأموال، بركة في الأولاد، كل هذا نحتاج إليه، أحيانًا يضيع الوقت على الإنسان يومًا كاملًا ما استفاد شيء فانتبه لهذا! إذا عرفت أنك لا تنتج أو لا تعمل كثيرًا فاحذر احذر احذر، لأن الله قال: ﴿ولا تطع من أغفلنا قبله عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا﴾ [الكهف: ٢٨]. ضائع.
من فوائد هذا الحديث: الرد على الذي يعتلقون بالرسول- ﵊ يطلبون منه كشف الضر وجلب النفع، وجه ذلك أن نقول: إن النبي ﷺ عبد ومحتاج إلى الرحمة وإلى البركة.
ومنها: المنحة من الله أن يبارك في عمله وعمره وجميع أحواله.
ومنها: ما سبق في آداب الكل والشرب من صحيح مسلمٍ من لعق الأصابع، والاجتماع على الطعام، وأن يأكل من أعلاه.
ومنها: أن الإنسان إذا بورك له في شيءٍ فليلزمه، لا يبقى كل ساعةٍ له رأي، فمثلًا إذا شرع يحفظ "عمدة الأحكام" فليستمر، لا يقول: إذا أخذ ما أخذ أعدل إلى كتابٍ آخر، ومن ذلك أيضًا: أن يراجع المسألة ويتبع الفهرس يطلب مكان هذه المسألة، بعض الناس يتتبع الفهرس إذا رأى عنوانًا يعجبه أخذه ثم ترك الذي من أجله كان يطالع الفهرس، وهذا غلط، هذا يضيع عليه الوقت، ما دمت أنك تريد مسالةً معينةً لا تعدل إلى غيرها، إذا أعجبك بحث في هذا الفهرس ضع عليه علامةً وإذا انتهيت من المسألة ارجع إليه، هذا إذا أردت البركة في العلم وفي الوقت، وأما إذا كنت كلما صار أمام عينيك عنوان أعجبك تترك المسألة التي من أجلها تراجع الفهرس فيضيع عليك الوقت فهذه من البركة، المهم: أن أسباب البركة كثيرة.
مسألة: ودعاء الإنسان ربه بالبركة ليس معناه: أن يمسك عن فعل الأسباب، يعني: إذا دعوت الله بشيءٍ فلابد أن تفعل أسبابه، وإلا كان تركك الأسباب طعنًا في حكمة الله ، إنسان يقول: "اللهم ارزقني ذريةً صالحة"، نقول: تزوج يا رجل. قال: هذا بيد الله من أين تأتي الذرية؟ من الزواج، وليست الذرية تنبت من السطح، بل لابد من الزواج أولًا؛ يقول: "اللهم ارزقني رزقًا واسعًا" وجلس نام على فراشه، وقال: الله يرزق الحيات في جحورها. نقول: هذا
стр. 731
غلط، قال الله : ﴿هو الذي جعل لكم الأرض ذلولًا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه﴾ [الملك: ١٥]. وقال : ﴿فإذا قضيت الصلاة- يعني الجمعة- فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرًا﴾ [الحجرات: ١٠]. فإذا كنت تريد البركة، أو أي شيءٍ تريده فافعل الأسباب، وإلا كنت طاعنًا في حكمة الله من حيث لا تشعر.
"السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"، نقول في السلام: ما قلنا في السلام على الرسول، بمعنى: أن يسلمنا الله من كل الآفات العقلية والفكرية والجهل وغير ذلك، وفي هذا الترتيب مناسبة عظيمة: أول ما في هذا التشهد هو الثناء على الله الذي حقه هو أحق الحقوق، ثم بعد ذلك الرسول ﷺ ، لأن حقه أعظم من حقوق الأنفس والأولاد والآباء، ثم حق الإنسان.
"السلام علينا" تبدأ بنفسك، "وعلى عباد الله الصالحين": الرابع: حق العموم، وأظن أننا نسينا أن نقول: "علينا" على من؟ قيل: على الأمة الإسلامية لأنها كواحد، وقيل: إن قوله "علينا" يعني: "من حولنا إذا كان يصلي في بيته، فالمراد: نفسه وأهل بيته إذا كان في جماعة، فالمراد: هو والجماعة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الإنسان إذا دعا فليبدأ بنفسه، الدليل: "السلام علينا"، فبدأ بنفسه.
ومن فوائد هذا الحديث: فضيلة الصلاح: "اللهم اجعلنا من الصالحين"، كل صالحٍ يدعو له المسلمون في كل صلاة وهو لا يدري، فإذا أوصاك واحد بالدعاء مثلًا تقول: الحمد لله أنا أدعو لك في كل صلاةٍ إن كنت صالحًا، لأن الحديث يقول: "على عباد الله الصالحين".
ومن فوائد هذا الحديث: أن من عباد الله من ليس بصالح، لأنه قيد العباد بالصالحين فقال: "عباد الله الصالحين". فمن هو من عباد الله وهو ليس بصالح؟ هو من كان عبدًا لله بالعبودية الكونية القدرية لا الشرعية، كل الخلق عبيد لله ، قال تعالى: ﴿إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا﴾ [مريم: ٩٣]. لكن العبد الصالح هو الذي أريد بهذا الحديث.
ومن فوائد هذا الحديث: أن اللفظ العام يشمل جميع أفراده، دليل ذلك: أن النبي ﷺ قال: "إذا فعلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبدٍ صالحٍ في السماء والأرض"، مع أن الإنسان حين يدعو بهذا قد لا يستحضر العموم، لكن نقول: اللفظ موضوع للعموم، فنأخذ من ذلك أن العموم يشمل جميع الأفراد، ولهذا قال الفقهاء: لو قال الإنسان: "بيوتي وقف" يثبت الوقف لكل البيوت؟ نعم. لأنه لفظ عام، ولكن اللفظ العام يجوز للمتكلم له أن يريد بض الأفراد، مثل قول الله تعالى: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم﴾ [آل عمران: ١٧٣]. من القائل؟ واحد، فالمراد بالناس هنا: الجنس لا العموم، ﴿إن الناس قد جمعوا لكم﴾ من الناس؟ أبو
стр. 732
سفيان ومن معه، فهنا أراد الله بهذا العموم شيئًا خاصًا، وهذا ما يعبر عنه أصول الفقه بالعام الذي أريد به الخاص، إذا قال الإنسان: "بيوتي وقف"، ثم قال: "أردت من بيوتي ثلاثة" وهن ثلاثون بيتًا يقبل أو لا يقبل؟ يقبل؛ لأنه يجوز أن يريد المتكلم لا باللفظ العام بعض أفراده، ويسمى العام الذي أريد به الخصوص، قال: "نسائي طوالق" وعنده أربع يطلقن؟ يطلقن، إذا قال: "ما أردت إلا فلانة؟ " يقبل؛ لأنه أراد بهذا الآن الخصوص فيصح. لكن لو قال: "نسائي الأربع طوالق" ثم قال: "ما أردت إلا فلانة". لا يقبل، لأنه نص على العدد فلا يقبل.
الشاهد: أن الأصل في العام أنه يشمل جميع الأفراد، ولذلك لو جاء ذلك في لفظ عام: وقال: يخرج منه كذا وكذا؛ فلك أن تطالبه بالدليل؛ لأن الحجة معك، تقول: ما الدليل على أن هذا الفرد خرج من العموم والإنسان عنده دليل من النبي ﷺ : "إذا فعلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبدٍ صالحٍ في السماء والأرض"، إذا دلت القرينة على أن المراد المخصوص، يعني مثلًا قال: أكرم الطلبة، ومعلوم أن الطلبة فيهم صنف مهملون، وفيهم صنف يحضرون بالأبدان ولا يحضرون بالقلوب، والرجل قال لخادمه: أكرم الطلبة، هل يكرم كل الطلبة؟ إذا نظرنا إلى اللفظ قلنا إنه: يكرمهم كلهم، لكن إذا نظرنا للمعنى وأنه إنما أراد إكرام من هو مجتهد نحمل اللفظ على الخاص بالقرينة.
ومن فوائد هذا الحديث: الإقرار لله بالتوحيد، الإقرار باللسان المطابق بالقلب: "أشهد أن لا إله إلا الله".
ومنها: أن التعبير بـ"أشهد" يدل على كمال اليقين، لأن الأصل في الشهادة ما شوهد، فإذا كمل اليقين عبر عنه بالشهادة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن لا إله حق إلا الله وجميع الآلهة باطلة، قال الله : ﴿إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان﴾ [النجم: ٢٣]. نقول: لما قالت قريش: إن اللات إله هل صار بذلك إلهًا؟ أبدًا، ولا العزى ولا هبل ولا غيرها، كل مما سوى الله ممن يتعبد له فهو باطل.
ومن فوائد هذا الحديث: علو قدر النبي ﷺ وعظيم حقه لقوله: "وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، ووجه ذلك: أن النبي ﷺ ذكر هذه الشهادة بعد شهادة أن لا إله إلا الله، فدل هذا على أن حق النبي ﷺ بعد حق الله ولا يشاركه مخلوق في هذا الحق.
فإن قال قائل: ألم يقل الله تعالى: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وبالوالدين إحسانًا﴾ [النساء: ٣٦]؟
فالجواب: بلى، لكن عباد الله لا تتحقق حتى يشهد الإنسان أن محمدًا رسول الله ويتبع شريعته، ولهذا لا يشكل عليك أن الله لم يذكر حق الرسول في هذه الآية، لأننا نقول: عبادة الله تتحقق إلا باتباع الرسول ﷺ ولا يتبع إلا بعد الشهادة له بالرسالة.
стр. 733
ومنها: أن النبي ﷺ عبد لا يعبد، هو عبد فلا يستحق أن يعبد، لأنه لو يستحق أن يعبد لكان ربًا، ولكنه عبد.
ومنها: إثبات الرسالة للنبي ﷺ لقوله: "ورسوله"، وإثبات العبودية والرسالة فيهما فائدة الرد الغالين والمفرطين في حق الرسول- ﵊؛ وجه ذلك: أن الغالين قالوا: إن الرسول ﷺ له تأثير في المخلوقات وله حق في الربوبية؛ وهذا يكذبه قوله: "عبده"، والثاني: المفرطون قالوا: إنه ليس برسول، أو إنه رسول إلى العرب خاصةً، وفي الجمع بين العبودية والرسالة رد على الطائفتين جميعًا.
ومن فوائد هذا الحديث: رفع الإشكال الذي أورده بعض العلماء في قوله: "السلام عليك أيها النبي"، ولم يقل: "أيها الرسول"؛ لأن الحديث جمع بين الوصفين: النبوة في أول الحديث، والرسالة في آخر الحديث؛ فصار ذكر الرسالة بعد ذكر النبوة تصريح بالمضمون، ولو ذكر في الأول الرسول لكان إثباتًا لنبوة بطريق اللزوم وليس بالتصريح، وهنا نذكر حديث البراء بن عازب الذي علمه النبي ﷺ إياه بقوله عند النوم وفيه: "آمنت بنبيك الذي أرسلت" فلما أعادها البراء على النبي ﷺ قال: آمنت برسولك الذي أرسلت، قال: "لا، بنبيك الذي أرسلت"، فمن العلماء من قال إن النبي ﷺ رد عليه حفاظًا على الألفاظ النبوية في الأذكار فلا تغير ولو إلى معنى يتضمن المغير، ومنهم من قال: المراد أنه لو قال: برسولك الذي أرسلت، لم يتعين أنه النبي؛ لأن الله أرسل جبريل كما قال : ﴿إنه لقول رسولٍ كريم* ذي قوةٍ عند ذي العرش مكين﴾ [التكوير: ١٩ - ٢٠]. وجبريل ليس بنبي، فإذا قال: "برسولك الذي أرسلت" لم يتعين أن يكون المراد به النبي ﷺ ، فإذا قال: "بنبيك الذي أرسلت" تعين أن يكون المراد: النبي ﷺ .
وهناك وجه آخر في عدم تغييره التعبير وهو: أنه لو قال: "برسولك الذي أرسلت" لصار دلالة ذلك على النبوة من باب اللزوم، فإذا قال: "بنبيك الذي أرسلت" صار من باب التصريح، يعني: ليس ضمنًا.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الصلاة على النبي ﷺ لا تدخل في هذا التشهد لأن النبي ﷺ لم يأمر بها بل قال: "ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه".
ومنها: جواز الدعاء بكل ما يريده الإنسان وهو يصلي لأنه قال: "ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه"، لو دعا بشيءٍ من أمور الدنيا جاز خلفًا لبعض العلماء الذي يقول: إذا دعا في الصلاة بشيءٍ من أمور الدنيا بطلت الصلاة، هذا خلاف الحديث، الحديث: "ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه"، يجوز أن يدعو الله بأن ينجح في الاختبار؟ نعم يجوز، وإذ أعجبه شيئًا
стр. 734
محرمًا ودعا به يجوز أو لا يجوز؟ لا يجوز حتى لو أعجبه، لأن هذا من الاعتداء في الدعاء، والله تعالى يقول: ﴿ادعوا ربكم تضرعًا وخفية﴾ [الأعراف: ٥٥].
ومن فوائد هذا الحديث أن للإنسان أن يفكر في الصلاة فيما يرى أن يفعل، يعني: يفكر يطول أو لا يطول، يدعو بكذا أو لا يدعو بكذا، لأن هذا حديث النفس ولا يؤثر؛ لأنه لا يمكن أن يتخير الأعجب إلا بعد أن يفكر.
إذا قال قائل: تفكيره هذا هل يعد نقصًا في الصلاة؟
الجواب: لا، لأن هذا مما يتعلق بالصلاة كتفكيره في معنى "سبحان ربي العظيم" و"سبحان ربي الأعلى" وما أشبه ذلك.
ومن فوائد هذا الحديث: أن التشهد فرض لقوله في رواية النسائي: "قبل أن يفرض علينا التشهد" ولكن هل هو فرض لازم وهو ركن، أو فرض يجبر بغيره؟ فيه تفصيل، أما التشهد الأول فقد دلت السنة على أنه يجبر بغيره وذلك بسجود السهو، وأما التشهد الأخير فهو فرض لابد منه، إذا لم يرد عن النبي ﷺ وقوع حادثة تدل على أنه يجبر بغيره.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي للعالم أن يقول لمن يفهم: "علم الناس"، لأن النبي ﷺ أمر ابن مسعودٍ أن يعلمه الناس.
ومنها: جواز التوكيل في إبلاغ العلم، وهذا له شواهد، الذين يبعثهم الرسول ﷺ إلى الناس هم وكلاء له ونواب عنه، ولكن بشرط أن يكون هذا الذي قام بتعليم الغير فاهمًا عارفًا، أما الإنسان الذي لا يتصور الشيء أو لا يفهمه لا يجوز أن يتحدث، في سنةٍ من السنوات تكلمنا عن ليلة النصف من شعبان وقلنا: إن الناس يظنون أن ليلة النصف من شعبان يكتب فيها ما يكون في السنة وهذا ليس بصحيح، وإنما الذي يكتب فيها ما يكون في السنة هي ليلة القدر وهي في رمضان في العشر الأخير. بعض العوام قال: فلان- يعني: أنا- يؤكد أن ليلة النصف هي ليلة المحو والكتب، يكتب فيها كل شيء، عكس ما أريد، حتى ذكروا لنا أن ناسًا من الرياض لما قدم إليهم جعل يجادل ويقول: أنت أفقه من الشيخ؟ فالمسكين فهم العكس، فأقول: لابد لمن ينقل كلام العلماء أن يكون متقنًا له عارفًا لمعناه لئلا يضل.
٣٠١ - ولمسلم: عن ابن عباسٍ ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله ... ". إلى آخره.
تقدم لنا ذكر التشهد الذي كان النبي ﷺ يعلمه ابن مسعود وأمره أن يعلمه الناس وهو: "التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا
стр. 735
وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول عبده ورسوله: ، وفيه صفة أخرى: حديث ابن عباسٍ ﵄ أن النبي ﷺ علمه التشهد: "التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله"، وهذه تختلف في هذه الجمل عن حديث ابن مسعود أيهما نختار؟ اختار بعض العلماء تشهد ابن مسعود، وقال: لأنه ثابت في الصحيحين، فهو أقوى من حديث ابن عباسٍ الثابت في مسلم، ولأنه فيه عطف لهذه الجمل: "التحيات لله، والصلوات والطيبات"، أما هذا فليس فيه عطف، والعطف يقتضي المغايرة، فيكون حديث ابن مسعود الأعلى معنى أكثر من حديث ابن عباس، ولهذا رجحوا حديث ابن مسعودٍ ﵄، ولكن الصحيح: أنه لا ترجيح ما دام يمكن العمل بالحديثين جميعًا كما هو القاعدة المتبعة فيما إذا وردت النصوص مختلفة وأمكن الجميع بينها، فإننا لا نلجأ إلى الترجيح، لأن الترجيح معناه: الأخذ بالراجح وإهمال الآخر، وهذا لا ينبغي، والجمع هنا ممكن، وإذا بالجمع فكيف نجمع؟ هل نقولهما في آنٍ واحد، ونقول: "التحيات لله، والصلوات والطيبات، التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله"؟ لا، ولكن نقول هذا أحيانًا وهذا أحيانًا لنعمل بالسنة، وهذا هو الصحيح أنه ينبغي للإنسان أن يتشهد بما دل عليه حديث ابن مسعود أحيانًا، وأحيانًا بما دل عليه حديث ابن عباسٍ حتى يأتي بالسنة على وجهيها، وفي هذا أيضًا فائدة: إذا تشهد بهما جميعًا وهو حفظ السنة، ولذلك الذين يستمرون على حديث اين مسعودٍ لو تسألهم عن حديث ابن عباسٍ ما يعرفونه، فإذا عمل بالنصين جميعًا صار في ذلك حفظ للسنة.
وقد سبق لنا فائدة إتيان بعض العبادات على وجوهٍ متنوعة، وقلنا: من فائدتها أن تنوع الذكر سكون أبلغ في الثناء على الله، لأن في هذا الذكر ما ليس في الثاني.
وقلنا أيضًا من فوائده: أن الإنسان يستحضر ما يقول، لأنه إذا ذكر الله بهذا الذكر في هذه المرة ثم ذكره بالذكر الآخر في المرة القادمة صار قلبه حاضرً، أما إذا لزم ذكرًا واحدًا فصار- كما يقولون- كالآلة الأوتوماتيكية يفعله على العادة بخلاف ما إذا جعل نفسه تتطلع مرةً إلى هذا ومرةً إلى هذا، صار عنده استحضارًا أكبر.
الفائدة الثالثة: أن هذا أيسر على المكلف فيما كانت الأنواع بعضها أيسر من بعض، فإن هذا قد يكون في بعض الأحيان ما يناسبه إلى الأسهل والأيسر، مثال ذلك: أذكار الصلوات، الذكر خلف الصلوات فيه عدة وجوهٍ منها: أن تذكر الله فتقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، كل الأربع تذكرها (٢٥) مرةً فيكون المجموع مائة.
ومنها: أن تقول: "سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله (٣٣)، الحمد لله (٣٣)، الله أكبر (٣٤) فيجتمع مائة.
стр. 736
ومنها: أن تقول: سبحان الله، والحمد لله والله أكبر (٣٣) وتمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير، فيجتمع منها المائة.
ومنها: أن تقول: سبحان الله (١٠) مرات، والحمد لله (١٠)، والله أكبر (١٠)، مرات، وهذا يجتمع منها ثلاثون إذن هذا أيسر ربما في بعض الحالات يكون هذا أنسب لك لكونك مشغولًا أو ما أشبه ذلك.
فالمهم: أن من جملة فوائد إتيان العبادات على وجودهٍ متنوعة: أنه قد يكون في ذلك تيسير على المكلف، وهذه القاعدة هي التي نص عليها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وكثير من أهل العلم أن العبادات الواردة على وجوهٍ متنوعة ينبغي للإنسان أن يعمل بها كلها كل واحدةٍ من آنٍ لآخر.
ومن ذلك أيضًا- ومع الأسف لا نعمل به-: القراءات الواردة في القرآن، فإنه ينبغي للإنسان أن يتعلمها، وأن يقرأ بها، أحيانًا بهذه القراءة وأحيانًا بهذه القراءة، لأن الكل وارد عن رسول الله- ﵊ وثابت عنه، فإذا لزمنا قراءة قارئٍ واحدٍ أغفلنا بقية القراءات، وإذا فهمنا القراءات كلها وقرأنا به ما استطعنا كان هذا أحسن وأوفق وأشد اتباعًا للسنة حتى لا تلزم طريقة واحدة، فالقراءات المعروفة السبع ينبغي لطالب العلم أن يتعلمها، ولاسيما الصغير، لأنه إذا تعلمها من صغره لا ينساها، الكبير قد يتعلمها لكن ينسى ما كان يعرفه من قبل، لكن الصغير يسهل عليه أنت يتعلم القراءات السبع، ويقرأ أحيانًا بهذا وأحيانًا بهذا، لكن لا يقرؤه عند العامة، لأنه إذا قرأه عند العامة صار في ذلك فتنة، فإن العامة إذا قرأ عليهم قارئ في كتاب الله ما لا يعرفون أنكروا عليه إنكارًا شديدًا، ثم إذا صح ما قاله صار في قلوبهم شيء من القرآن، فلهذا أن تقرأ القراءات لا ينبغي عند العامة؛ لما في ذلك من الفتنة، وهذا من أحد الأسباب التي جعلت أمير المؤمنين عثمان ﵁ يوحد المصاحف على مصحفٍ واحد، فإن الناس بدءوا يختلفون في القراءات وحصل بذلك فتنة، فرأى ﵁ بتوفيق الله له وللأمة والحمد لله- أن يجمع الناس على مصحفٍ واحدٍ على لغة قريش، وهذا المصحف الواحد متضمن للقراءات السبع ما تخرج عنه.
* * *
стр. 737
صفة الصلاة على النبي ﷺ :
٣٠٢ - وعن فضالة بن عبيد ﵁ قال: "سمع رسول الله ﷺ رجلًا يدعو في صلاته، ولم يحمد لله، ولم يصل على النبي ﷺ فقال: عجل هذا، ثم دعاه، فقال: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه، ثم يصلي على النبي ﷺ ثم يدعو لما شاء". رواه أحمد، والثلاثة، وصححه الترمذي، وابن حبان، والحاكم.
هذا الحديث- كما ترون- مطلق أو مجمل، لم يبين الرسول- ﵊ كيف يحمد الله، وكيف يثنى عليه، وكيف يصلى عليه ﷺ ، فيمكن أن يفصل بالتشهد، لأن التشهد أوله ثناء على الله، ثم سلام على النبي ﷺ وعلى عباد الله الصالحين، ثم صلاة على النبي ﷺ ثم بعد ذلك يدعو الإنسان، فيحمل هذا الحديث الذي أجمل فيه الرسول- ﵊ حمد الله، والثناء عليه، والصلاة على رسوله ﷺ على التشهد، وأنه ينبغي للإنسان في تشهده أن يبدأ بالتشهد، ثم بالسلام على النبي ﷺ ، ثم على عباد الله الصالحين، ثم الصلاة على النبي ﷺ والتبرك، ثم يدعو، والأفضل في هذا المقام وفي غيره: أن يتخير الإنسان من الأدعية ما وردت به السنة قبل كل شيء، حتى وإن لم يكن من الدعاء الواجب فإنه ينبغي أن يختاره قبل كل شيء، ثم بعد هذا يدعو بما شاء، هذا هو الأفضل، ولا نقول كما قال بعض الناس: لا تدع إلا بما جاءت به السنة ولا تزد عليه، فإن هذا خطأ، لأن الرسول- ﵊ قال في حديث ابن مسعود: "ثم ليتخير من الدعاء ما شاء" وأطلق، فنقول: ما وردت به السنة هو خير مما تدعو به أنت، ثم بعد ذلك تدعو بما شئت، مما وردت به السنة ما سيأتي- إن شاء الله تعالى- وهو أمر النبي ﷺ أن يستعيذ الإنسان من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، فإن الدعاء هذا واجب عند كثيرٍ من أهل العلم، حتى إن أحد التابعين- وهو طاوس- لما صلى ابنه لم يدع بذلك أمره أن يعيد الصلاة.
فالدعاء بهذا- أي: التعوذ من هذه الأربعة- واجب عن بعض أهل العلم، وهو أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد ﵀، فلا ينبغي للإنسان أن يدعه، وكون الناس يتهاونون به لاسيما في صلاة التراويح هذا من الجهل، كيف يتساهل بهذا الدعاء العظيم؟ تستعيذ بالله من
стр. 738
كل شرٍ في الحقيقة من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال. لو جمعت لك هذه الأدعية جمعها لك الرسول- ﵊ متى تحصل هذه الأدعية الجامعة النافعة التي أمرت أن تدعو الله بها في التشهد الأخير وتدعها على أساس أنها ليست بواجبة، وما يدريك أنها ليست واجبة، إذا كان الرسول أمر بها، فلقائلٍ أن يقول: ما أمر به الرسول فالأصل فيه الوجوب، وألزمت بأن تقولها، وإن كان جمهور أهل العلم يرون أنها ليست بواجبة، ولكنهم متفقون على أنها من السنة، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يدعها.
٣٠٣ - وعن أبي مسعودٍ الأنصاري ﵁ قال: قال بشير بن سعد: يا رسول الله، أمرنا الله أن نصلي عليك، فكيف نصلي عليك؟ فسكت، ثم قال: قولوا: "اللهم صل على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، كما بارك على إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما علمتم". رواه مسلم.
- وزاد ابن خزيمة فيه: "فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ "
تقدم لنا التشهد الذي علمه النبي ﷺ بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وذكرنا أن اختلاف الروايتين، بل اختلاف الصيغتين أن هذا مما جاءت به السنة في بعض العبادات، وبينا أن العبادات الواردة على وجوهٍ متنوعةٍ أن الصحيح فيها أن يفعل الإنسان هذا تارةً وهذا تارةً، لأجل أن يجمع بين السنن ويفعل جميع ما ورد، وبينا أن تنوع العبادات من رحمة الله بالعباد ومن حكمته لم يتضمنه من المصلحة، وأشرنا إليها فيما سبق، فالصلاة على النبي ﷺ بعد التسليم عليه أمر الله تعالى بها في القرآن فقال: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. فأمر الله تعالى بالصلاة عليه، السلام علمه النبي- ﵊ أصحابه بأن أمرهم أن يقولوا: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته". أما الصلاة فلم يعلمهم، ولكن إذا صلى الإنسان على أي صيغةٍ كانت حصل بذلك الامتثال، لأن ما طلبه بشير بن سعد ﵁ ليس كطلب اليهود في قصة البقرة التي أمروا أن يذبحوها فقالوا: ما هي؟ ما هي؟ ما هي؟ وإنما أراد ﵁ أن يتبين له الكمال وإلا فإنه يعرف، وكل عالمٍ باللسان العربي يعرف أن المطلق يكتفى فيه بأي صيغةٍ كانت، فلو أن الإنسان قال: "اللهم صل على محمد" لكان قد امتثل قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه﴾، ولكن
стр. 739
بشيرًا ﵁ أراد الكمال، كما أن قوله: ﴿وسلموا تسليمًا﴾ لو قال: السلام على رسول الله كفى، ولكن الرسول- ﵊ علمهم صفةً أكمل: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، فكان بشيرًا ﵁ أراد أن يتعلم من الرسول ﷺ الصيغة الكاملة فقال: "قولوا: اللهم صل على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليت على إبراهيم، اللهم بارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركت على إبراهيم في العالمين".
قوله: "اللهم صل على محمد" اختلف العلماء في معنى الصلاة على النبي ﷺ ، فقال بعضهم: إن الصلاة من الله: الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن الآدميين: الدعاء، ولكن هذا لا دليل عليه، بل إن الدليل على خلافه، لأن الله قال في القرآن: ﴿أولئك علهم صلوات من ربهم ورحمة﴾ [البقرة: ١٥٧]. فدل على ذلك أن الصلاة غير الرحمة، وهنا أضافها الله؟ على نفسه ﴿عليهم صلوات من ربهم ورحمة﴾، فدل هذا على أن الصلاة من الله ليست هي الرحمة، إذ لو كان كذلك لكان الله تعالى عطف الشيء على نفسه، وهذا خلاف بلاغة القرآن.
فما هي الصلاة من الله؟ أحسن ما قيل في ذلك ما قاله أبو العالية ﵀: "بأن الصلاة من الله على عبده ثناؤه عليه في الملأ الأعلى" أن الله تعالى يذكره بالصفات الحميدة في الملأ الأعلى من الملائكة- عليهم الصلاة والسلام- الذي يحملون العرش ومن حوله، هؤلاء هم الملأ الأعلى، فيثني الله على عبده محمد- ﵊ بأن يصفه بصفاتٍ كثيرةٍ صفات المحامد التي يستحقها ﷺ ، وأما صلاتنا نحن فإذا قلنا: "اللهم صل على محمد" فإننا ندعو الله أن يثني عليه في الملأ الأعلى وكذلك الملائكة؛ فإن دعاء الملائكة بالصلاة على الإنسان معناه: أنها تسأل الله أن يثني عليه في الملأ الأعلى كما جاء في الحديث الصحيح في منتظر الصلاة، الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه تقول: "اللهم صل عليه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه"، وهذا أيضًا مما يدل على أن الصلاة غير الرحمة، بل هي أبلغ.
والحاصل: أن معنى قولك: "اللهم صل على محمد": اللهم أثن عليه في الملأ الأعلى، أي: اذكره بصفات الكمال في الملأ الأعلى، وهذا من رفع الذكر له ﷺ الذي أخبر الله به في قوله: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ [الشرح: ٤]. إذا كان كذلك فقد ثبت عن النبي ﷺ أن فيما أوحاه الله إليه أن من صلى عليه مرةً واحدةً صلى الله عليه بها عشرًا، فأنت إذا قلت: "اللهم صل على محمد" تسأل الله أن يثني عليه مرة، فإن الله يثني عليك عشر مرات، ولهذا ينبغي الإكثار من
стр. 740
الصلاة على النبي ﷺ لاسيما في يوم الجمعة، فإن الرسول أمر أن نكثر عليه في هذا اليوم من الصلاة.
"اللهم صل على محمدٍ وعلى آل محمد"، "على محمد" من الذي قال: "قولوا: اللهم صل على محمد"؟ محمد- ﵊ وهو أعلم الناس بما يستحق من الأوصاف، وهو أيضًا أنصف الناس للأمة بما يعلمها من الصفات الكاملة والصيغ المحبوبة إلى الله وإلى رسوله، وبهذا عرفنا أن قول بعض الناس: "اللهم صل على سيدنا محمد" أنه قول مخالف لما جاءت به السنة، وأنك لا تقل: "اللهم صل على سيدنا محمد" هو سيد لك قلته أم لم تقله، لكن إذا كنت تعتقد أنه سيد حقيقةً فالتزم قوله، لأن السيد هو المتبوع، فإذا كنت تقول: "سيد" لا تخرج عن قوله، ولا تخرج عن توجيهه وإرشاده وتعليمه، وهو لم يقل لأمته: "قولوا: اللهم صل على سيدنا" قال: "قولوا: اللهم صل على محمد"، وأنت إذا كنت تعتقد أنه سيدك حقيقة، فإن السيد لابد أن يكون مطاعًا.
"اللهم صل على محمد" ومحمد اسمه، وله أسماء أخرى منها: أحمد، وقد ذكر هذين الاسمين في القرآن فقال: ﴿محمد رسول الله والذين معه﴾ [الفتح: ٢٩]. ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾ [آل عمران: ١٤٤]. وقال عن عيسى أنه قال لبني إسرائيل: ﴿ومبشرًا برسولٍ يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ [الصف: ٦]. وتأمل الحكمة في إخبار عيسى بأنه أحمد دون محمد، لأن أحمد اسم تفضيلٍ مبني من اسم الفاعل واسم مفعولٍ فهو حامد محمود، ليتبين بذلك فضله في بني إسرائيل؛ لأن أحمد اسم تفضيل، والصحيح أنه مأخوذ من المبني للفاعل والمبني للمفعول، يعني: هو أحمد الناس لله، وهو أحق الناس أن يحمد- ﵊، فهو جامع بين الأمرين: اسم فاعلٍ واسم مفعول، ولهذا جاء بلفظ أحمد، ولا شبهة للنصراني في قوله: "إن الذي بشر به عيسى أحمد، وإن نبيكم أيها العرب اسمه محمد". نقول: لا مانع من أن يسمى الإنسان باسمين أو أكثر، فالمسيح اسمه المسيح، واسمه عيسى فله اسمان، ولا مانع من ذلك، ثم إن عيسى- ﵊ بشركم به، وجاءكم محمد بالبينات، ولهذا قال ﴿فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين﴾ [الصف: ٦]. وهل جاءكم أحد غير محمد- ﵊ ما جاءكم إلا محمد، فلا شبهة له فيما ادعى.
والحاصل: أن محمدًا علم من أسمائه ﷺ وله أسماء متعددة، واعلم أن أسماء النبي صلى الله عليه وسلم
следующие страницы →