Полный текст (3 515 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
ومنها: أن تقول: سبحان الله، والحمد لله والله أكبر (٣٣) وتمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير، فيجتمع منها المائة.
ومنها: أن تقول: سبحان الله (١٠) مرات، والحمد لله (١٠)، والله أكبر (١٠)، مرات، وهذا يجتمع منها ثلاثون إذن هذا أيسر ربما في بعض الحالات يكون هذا أنسب لك لكونك مشغولًا أو ما أشبه ذلك.
فالمهم: أن من جملة فوائد إتيان العبادات على وجودهٍ متنوعة: أنه قد يكون في ذلك تيسير على المكلف، وهذه القاعدة هي التي نص عليها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وكثير من أهل العلم أن العبادات الواردة على وجوهٍ متنوعة ينبغي للإنسان أن يعمل بها كلها كل واحدةٍ من آنٍ لآخر.
ومن ذلك أيضًا- ومع الأسف لا نعمل به-: القراءات الواردة في القرآن، فإنه ينبغي للإنسان أن يتعلمها، وأن يقرأ بها، أحيانًا بهذه القراءة وأحيانًا بهذه القراءة، لأن الكل وارد عن رسول الله- ﵊ وثابت عنه، فإذا لزمنا قراءة قارئٍ واحدٍ أغفلنا بقية القراءات، وإذا فهمنا القراءات كلها وقرأنا به ما استطعنا كان هذا أحسن وأوفق وأشد اتباعًا للسنة حتى لا تلزم طريقة واحدة، فالقراءات المعروفة السبع ينبغي لطالب العلم أن يتعلمها، ولاسيما الصغير، لأنه إذا تعلمها من صغره لا ينساها، الكبير قد يتعلمها لكن ينسى ما كان يعرفه من قبل، لكن الصغير يسهل عليه أنت يتعلم القراءات السبع، ويقرأ أحيانًا بهذا وأحيانًا بهذا، لكن لا يقرؤه عند العامة، لأنه إذا قرأه عند العامة صار في ذلك فتنة، فإن العامة إذا قرأ عليهم قارئ في كتاب الله ما لا يعرفون أنكروا عليه إنكارًا شديدًا، ثم إذا صح ما قاله صار في قلوبهم شيء من القرآن، فلهذا أن تقرأ القراءات لا ينبغي عند العامة؛ لما في ذلك من الفتنة، وهذا من أحد الأسباب التي جعلت أمير المؤمنين عثمان ﵁ يوحد المصاحف على مصحفٍ واحد، فإن الناس بدءوا يختلفون في القراءات وحصل بذلك فتنة، فرأى ﵁ بتوفيق الله له وللأمة والحمد لله- أن يجمع الناس على مصحفٍ واحدٍ على لغة قريش، وهذا المصحف الواحد متضمن للقراءات السبع ما تخرج عنه.
* * *
стр. 737
صفة الصلاة على النبي ﷺ :
٣٠٢ - وعن فضالة بن عبيد ﵁ قال: "سمع رسول الله ﷺ رجلًا يدعو في صلاته، ولم يحمد لله، ولم يصل على النبي ﷺ فقال: عجل هذا، ثم دعاه، فقال: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه، ثم يصلي على النبي ﷺ ثم يدعو لما شاء". رواه أحمد، والثلاثة، وصححه الترمذي، وابن حبان، والحاكم.
هذا الحديث- كما ترون- مطلق أو مجمل، لم يبين الرسول- ﵊ كيف يحمد الله، وكيف يثنى عليه، وكيف يصلى عليه ﷺ ، فيمكن أن يفصل بالتشهد، لأن التشهد أوله ثناء على الله، ثم سلام على النبي ﷺ وعلى عباد الله الصالحين، ثم صلاة على النبي ﷺ ثم بعد ذلك يدعو الإنسان، فيحمل هذا الحديث الذي أجمل فيه الرسول- ﵊ حمد الله، والثناء عليه، والصلاة على رسوله ﷺ على التشهد، وأنه ينبغي للإنسان في تشهده أن يبدأ بالتشهد، ثم بالسلام على النبي ﷺ ، ثم على عباد الله الصالحين، ثم الصلاة على النبي ﷺ والتبرك، ثم يدعو، والأفضل في هذا المقام وفي غيره: أن يتخير الإنسان من الأدعية ما وردت به السنة قبل كل شيء، حتى وإن لم يكن من الدعاء الواجب فإنه ينبغي أن يختاره قبل كل شيء، ثم بعد هذا يدعو بما شاء، هذا هو الأفضل، ولا نقول كما قال بعض الناس: لا تدع إلا بما جاءت به السنة ولا تزد عليه، فإن هذا خطأ، لأن الرسول- ﵊ قال في حديث ابن مسعود: "ثم ليتخير من الدعاء ما شاء" وأطلق، فنقول: ما وردت به السنة هو خير مما تدعو به أنت، ثم بعد ذلك تدعو بما شئت، مما وردت به السنة ما سيأتي- إن شاء الله تعالى- وهو أمر النبي ﷺ أن يستعيذ الإنسان من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، فإن الدعاء هذا واجب عند كثيرٍ من أهل العلم، حتى إن أحد التابعين- وهو طاوس- لما صلى ابنه لم يدع بذلك أمره أن يعيد الصلاة.
فالدعاء بهذا- أي: التعوذ من هذه الأربعة- واجب عن بعض أهل العلم، وهو أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد ﵀، فلا ينبغي للإنسان أن يدعه، وكون الناس يتهاونون به لاسيما في صلاة التراويح هذا من الجهل، كيف يتساهل بهذا الدعاء العظيم؟ تستعيذ بالله من
стр. 738
كل شرٍ في الحقيقة من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال. لو جمعت لك هذه الأدعية جمعها لك الرسول- ﵊ متى تحصل هذه الأدعية الجامعة النافعة التي أمرت أن تدعو الله بها في التشهد الأخير وتدعها على أساس أنها ليست بواجبة، وما يدريك أنها ليست واجبة، إذا كان الرسول أمر بها، فلقائلٍ أن يقول: ما أمر به الرسول فالأصل فيه الوجوب، وألزمت بأن تقولها، وإن كان جمهور أهل العلم يرون أنها ليست بواجبة، ولكنهم متفقون على أنها من السنة، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يدعها.
٣٠٣ - وعن أبي مسعودٍ الأنصاري ﵁ قال: قال بشير بن سعد: يا رسول الله، أمرنا الله أن نصلي عليك، فكيف نصلي عليك؟ فسكت، ثم قال: قولوا: "اللهم صل على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، كما بارك على إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما علمتم". رواه مسلم.
- وزاد ابن خزيمة فيه: "فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ "
تقدم لنا التشهد الذي علمه النبي ﷺ بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وذكرنا أن اختلاف الروايتين، بل اختلاف الصيغتين أن هذا مما جاءت به السنة في بعض العبادات، وبينا أن العبادات الواردة على وجوهٍ متنوعةٍ أن الصحيح فيها أن يفعل الإنسان هذا تارةً وهذا تارةً، لأجل أن يجمع بين السنن ويفعل جميع ما ورد، وبينا أن تنوع العبادات من رحمة الله بالعباد ومن حكمته لم يتضمنه من المصلحة، وأشرنا إليها فيما سبق، فالصلاة على النبي ﷺ بعد التسليم عليه أمر الله تعالى بها في القرآن فقال: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. فأمر الله تعالى بالصلاة عليه، السلام علمه النبي- ﵊ أصحابه بأن أمرهم أن يقولوا: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته". أما الصلاة فلم يعلمهم، ولكن إذا صلى الإنسان على أي صيغةٍ كانت حصل بذلك الامتثال، لأن ما طلبه بشير بن سعد ﵁ ليس كطلب اليهود في قصة البقرة التي أمروا أن يذبحوها فقالوا: ما هي؟ ما هي؟ ما هي؟ وإنما أراد ﵁ أن يتبين له الكمال وإلا فإنه يعرف، وكل عالمٍ باللسان العربي يعرف أن المطلق يكتفى فيه بأي صيغةٍ كانت، فلو أن الإنسان قال: "اللهم صل على محمد" لكان قد امتثل قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه﴾، ولكن
стр. 739
بشيرًا ﵁ أراد الكمال، كما أن قوله: ﴿وسلموا تسليمًا﴾ لو قال: السلام على رسول الله كفى، ولكن الرسول- ﵊ علمهم صفةً أكمل: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، فكان بشيرًا ﵁ أراد أن يتعلم من الرسول ﷺ الصيغة الكاملة فقال: "قولوا: اللهم صل على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليت على إبراهيم، اللهم بارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركت على إبراهيم في العالمين".
قوله: "اللهم صل على محمد" اختلف العلماء في معنى الصلاة على النبي ﷺ ، فقال بعضهم: إن الصلاة من الله: الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن الآدميين: الدعاء، ولكن هذا لا دليل عليه، بل إن الدليل على خلافه، لأن الله قال في القرآن: ﴿أولئك علهم صلوات من ربهم ورحمة﴾ [البقرة: ١٥٧]. فدل على ذلك أن الصلاة غير الرحمة، وهنا أضافها الله؟ على نفسه ﴿عليهم صلوات من ربهم ورحمة﴾، فدل هذا على أن الصلاة من الله ليست هي الرحمة، إذ لو كان كذلك لكان الله تعالى عطف الشيء على نفسه، وهذا خلاف بلاغة القرآن.
فما هي الصلاة من الله؟ أحسن ما قيل في ذلك ما قاله أبو العالية ﵀: "بأن الصلاة من الله على عبده ثناؤه عليه في الملأ الأعلى" أن الله تعالى يذكره بالصفات الحميدة في الملأ الأعلى من الملائكة- عليهم الصلاة والسلام- الذي يحملون العرش ومن حوله، هؤلاء هم الملأ الأعلى، فيثني الله على عبده محمد- ﵊ بأن يصفه بصفاتٍ كثيرةٍ صفات المحامد التي يستحقها ﷺ ، وأما صلاتنا نحن فإذا قلنا: "اللهم صل على محمد" فإننا ندعو الله أن يثني عليه في الملأ الأعلى وكذلك الملائكة؛ فإن دعاء الملائكة بالصلاة على الإنسان معناه: أنها تسأل الله أن يثني عليه في الملأ الأعلى كما جاء في الحديث الصحيح في منتظر الصلاة، الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه تقول: "اللهم صل عليه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه"، وهذا أيضًا مما يدل على أن الصلاة غير الرحمة، بل هي أبلغ.
والحاصل: أن معنى قولك: "اللهم صل على محمد": اللهم أثن عليه في الملأ الأعلى، أي: اذكره بصفات الكمال في الملأ الأعلى، وهذا من رفع الذكر له ﷺ الذي أخبر الله به في قوله: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ [الشرح: ٤]. إذا كان كذلك فقد ثبت عن النبي ﷺ أن فيما أوحاه الله إليه أن من صلى عليه مرةً واحدةً صلى الله عليه بها عشرًا، فأنت إذا قلت: "اللهم صل على محمد" تسأل الله أن يثني عليه مرة، فإن الله يثني عليك عشر مرات، ولهذا ينبغي الإكثار من
стр. 740
الصلاة على النبي ﷺ لاسيما في يوم الجمعة، فإن الرسول أمر أن نكثر عليه في هذا اليوم من الصلاة.
"اللهم صل على محمدٍ وعلى آل محمد"، "على محمد" من الذي قال: "قولوا: اللهم صل على محمد"؟ محمد- ﵊ وهو أعلم الناس بما يستحق من الأوصاف، وهو أيضًا أنصف الناس للأمة بما يعلمها من الصفات الكاملة والصيغ المحبوبة إلى الله وإلى رسوله، وبهذا عرفنا أن قول بعض الناس: "اللهم صل على سيدنا محمد" أنه قول مخالف لما جاءت به السنة، وأنك لا تقل: "اللهم صل على سيدنا محمد" هو سيد لك قلته أم لم تقله، لكن إذا كنت تعتقد أنه سيد حقيقةً فالتزم قوله، لأن السيد هو المتبوع، فإذا كنت تقول: "سيد" لا تخرج عن قوله، ولا تخرج عن توجيهه وإرشاده وتعليمه، وهو لم يقل لأمته: "قولوا: اللهم صل على سيدنا" قال: "قولوا: اللهم صل على محمد"، وأنت إذا كنت تعتقد أنه سيدك حقيقة، فإن السيد لابد أن يكون مطاعًا.
"اللهم صل على محمد" ومحمد اسمه، وله أسماء أخرى منها: أحمد، وقد ذكر هذين الاسمين في القرآن فقال: ﴿محمد رسول الله والذين معه﴾ [الفتح: ٢٩]. ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾ [آل عمران: ١٤٤]. وقال عن عيسى أنه قال لبني إسرائيل: ﴿ومبشرًا برسولٍ يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ [الصف: ٦]. وتأمل الحكمة في إخبار عيسى بأنه أحمد دون محمد، لأن أحمد اسم تفضيلٍ مبني من اسم الفاعل واسم مفعولٍ فهو حامد محمود، ليتبين بذلك فضله في بني إسرائيل؛ لأن أحمد اسم تفضيل، والصحيح أنه مأخوذ من المبني للفاعل والمبني للمفعول، يعني: هو أحمد الناس لله، وهو أحق الناس أن يحمد- ﵊، فهو جامع بين الأمرين: اسم فاعلٍ واسم مفعول، ولهذا جاء بلفظ أحمد، ولا شبهة للنصراني في قوله: "إن الذي بشر به عيسى أحمد، وإن نبيكم أيها العرب اسمه محمد". نقول: لا مانع من أن يسمى الإنسان باسمين أو أكثر، فالمسيح اسمه المسيح، واسمه عيسى فله اسمان، ولا مانع من ذلك، ثم إن عيسى- ﵊ بشركم به، وجاءكم محمد بالبينات، ولهذا قال ﴿فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين﴾ [الصف: ٦]. وهل جاءكم أحد غير محمد- ﵊ ما جاءكم إلا محمد، فلا شبهة له فيما ادعى.
والحاصل: أن محمدًا علم من أسمائه ﷺ وله أسماء متعددة، واعلم أن أسماء النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 741
أعلام وأوصاف، فهي من حيث دلالتها على الذات أعلام، ومن حيث دلالتها على المعنى أوصاف، فـ"محمد" اسم مفعول من حمدت، وجاء بلفظ التشديد للمبالغة لكثرة الخصال التي يحمد عليها ﷺ .
"اللهم صل على محمدٍ وعلى آل محمد" من هم آل محمد؟ قال بعض العلماء: آل الرسول ﷺ هو أزواجه وقراباته، وقال آخرون: بل آله: أتباعه على دينه، والصحيح: أن "آل" من الكلمات المشتركة التي تصلح لهذا ولهذا، فإن قيل: آل: أصحابه وأتباعه، فالمراد بـ"الآل": الأقارب لكن المؤمنون منهم، لأن غير المؤمن من قرابة الرسول- ﵊ ليس من آله، بدليل أن الله قال لنوحٍ لما قال: ﴿إن ابني من أهلي﴾ [هود: ٤٥]. قال: ﴿إنه ليس من أهلك﴾ [هود: ٤٦]. وعلى هذا فآل النبي إذا جيء بالآل والأصحاب والأتباع صار المراد بالآل: الأقارب المؤمنون، وصار المراد بالصحابة: أصحابه، وبالأتباع: كل من تبعه إلى يوم القيامة، وأما إذا جاءت "آل" مفردة فإنها للأتباع على الدين، والآل تطلق على الأتباع على الدين وإن كانوا غير قرابة، قال الله تعالى: ﴿ويوم تقوموا الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ [غافر: ٤٦]. يعني: أتباعه على ما هو عليه من الباطل.
وقوله: "كما صليت على إبراهيم"، هذه الكاف كثر خوض العلماء فيها وأوردوا إشكالًا، فقالوا: "كما صليت" المعروف أنه المشبه أدنى من المشبه به، وهنا ضبه الصلاة المطلوبة لمحمدٍ- ﵊ بالصلوات التي كانت على إبراهيم، ومعلوم أن محمدًا- ﵊ أشرف الخلق عند الله- ، فكيف تطلب صلاة دون الصلاة على إبراهيم على هذه القاعدة، ولكن نقول: إن الكاف هنا ليست للتشبيه ولكنها للتعليل، يعني: "اللهم صل على محمد"، لأنك صليت على إبراهيم، وهذا كقوله تعالى: ﴿واذكروه كما هداكم﴾ [البقرة: ١٩٨]. يعني: لأنه هداكم، وإذا كانت للتعليل صارت الفائدة منها التوسل إلى الله- بإنعامه السابق اللاحق، يعني: فكأنما هذه عادتك وكرمك وإحسانك وقد صليت على إبراهيم، فإنا نسألك أن تصل على محمدٍ ﷺ ، وقوله: "إبراهيم" هو أبو الأنبياء وهو مع نوحٍ هما اللذان جعلت في ذريتهما النبوة والكتاب كما قال تعالى: ﴿ولقد أرسلنا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب﴾ [الحديد: ٢٦]. وبهذا نعرف بأن من قال إن إدريس قبل نوح فإن قوله خطأ؛ لأن الله قال: ﴿وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب﴾، قال: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوحٍ والنبيين من بعده﴾ [النساء: ١٦٣]. فلا نبي قبل نوح، وقوله: كما صليت على إبراهيم، إبراهيم ﷺ هو أبو الأنبياء وهو الذي أمرنا باتباع ملته، لأن ملته الحنيفة- ﵊ ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين﴾ [النحل: ١٢٣].
стр. 742
إبراهيم- ﵊ من أشد الناس صبرًا على أقدار الله، صبر على أمرٍ يتعجب الإنسان من صبره عليه، كان له ابن وحيدًا فريدًا أتاه على كبر، ولم يكن له ولد غيره، ومن المعلوم بطبيعة البشر أن الإنسان يحب ولده، ولاسيما إذا أتاه على كبر ﴿فلما بلغ معه السعي﴾ [الصافات: ١٠٢]. لم يكن في حالة طفولةٍ لم يلتفت إليه ولم يكن في حال كبر انعزل عنه وفارقه، بل كان في أشد حالٍ يتعلق بها الوالد بولده، قد بلغ معه السعي وصار يمشي معه، أمره الله تعالى بأن يذبح ابنه، سبحان الله العظيم! إن هذا لهو البلاء المبين أمره الله أن يذبحه، فعرض ذلك على الابن امتحانًا له لا استشارة له، أو أخذ برأيه لكن ليمتحنه قال: ﴿إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى﴾ [الصافات: ١٠٢]. كان جواب الابن سديدًا عظيمًا: ﴿قال يا أبت افعل ما تؤمر﴾ الله أكبر! هذا هو المفروض أن يكون ابنك عونًا لك على طاعة ربك، ومع ذلك من الذي سيفقد الحياة؟ هذا الابن، فقدم طاعة الله على فقد حياته ﴿افعل ما تؤمر﴾ أيضًا لم يقل: افعل ما رأيت، ﴿افعل ما تؤمر﴾ إشارةً إلى أن هذا الأمر لابد أن يطاع، ﴿ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾ [الصافات: ١٠٢]. انظر الأمر، ما قال: إن شاء الله افعل ما تؤمر، لكن فيما يتعلق بفعل نفسه قال: ﴿ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾ وفعلًا صبر، ﴿فلما أسلما﴾ [الصافات: ١٠٣]. يعني: استسلما لأمر الله استسلامًا تامًا كاملًا ﴿وتله للجبين﴾ [الصافات: ١٠٣]. أي: على الجبين، وإنما تله على الجبين، وتله أيضًا ليس بالفرق الكامل لأجل ألا يعجز عن كبح نفسه في امتناعه من ذبحه، جعل جبينه إلى الأرض حتى لا يشاهد وجهه حين ذبحه ﴿فلما أسلما وتله للجبين﴾ أتى الفرج من رب العالمين- ، ولهذا حذف الجواب ليذهب في تقديره كل مذهب، كل ما يمكن أن تقدره جوابًا فهو صالح إذا كان السياق يساعد عليه ﴿فلما أسلما وتله للجبين* وناديناه أن يا إبراهيم﴾ [الصافات: ١٠٤].
وقول من قال من المعربين: إن الواو هنا زائدة غلط، ولكنها عاطفة على شيْ محذوف ﴿قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين﴾ [الصافات: ١٠٥]. صدق الرؤيا؛ لأنه فعل كل الأسباب التي أراد ما بقي إلا أن يذبحه.
وقول من قال- بناءً على ما جاء في الإسرائليات-: إنه وضع السكين على رقبته فانقلبلت وما أشبه ذلك، كل ذلك كذب، لأنه لم يذكر في القرآن، ولأنه لو كان الأمر كذلك لعرف أن المسألة امتحان وانتهى الأمر، لكن جاء الفرج من الله ﴿قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين* إن هذا لهو البلاء المبين﴾ [الصافات: ١٠٥، ١٠٦]. يعني بالبلاء: الاختبار المظهر لصدق المختبر، و ﴿مبين﴾ هنا بمعنى: مظهر: قال تعالى: ﴿وفديناه بذبحٍ عظيم﴾ [الصافات: ١٠٧]. إلخ، ولهذا سمي إبراهيم ﵇ خليل الرحمن كما قال تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلًا﴾
стр. 743
[النساء: ١٢٥]. وكما اتخذ الله إبراهيم خليلًا اتخذ النبي ﷺ خليلًا كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا".
وبهذا نعرف أن ما يوجد في بعض صيغ الصلاة على الرسول- عليه والصلاة والسلام- أن إبراهيم خليل الرحمن، ومحمد حبيب الرحمن، هذا غلط عظيم، وفيه تنقص للرسول- ﵊ لماذا؟ لأن الخليل أشرف من الحبيب، كل مؤمنٍ حبيب الله ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ [البقرة: ٢٢٢]. والله يحب المؤمنين وما أشبه ذلك، لكن الخلة لا، ما تعلم أن أحدًا خليل الله إلا محمدًا وإبراهيم هذا الذي نعلمه، وعلى هذا فالذي يقول: محمد حبيب الله وإبراهيم خليل الله مخطئ، بل محمد خليل الله وإبراهيم خليل الله، والخليل أشرف وأعظم مرتبةً من الحبيب.
وأما قوله: "إنك حميد مجيد" فالحميد فعيل بمعنى فاعل وبمعنى مفعول، فحميد بمعنى فاعل، أي: حامد، فالله حامد لكل من يستحق الحمد من عباده، ولذلك يثني على من يستحق الحمد من الأنبياء والصالحين، فهو فاعل، أي: فاعل للحمد، ومنه "سميع" بمعنى: سامع، وبصير بمعنى: مبصر، ومحتمل أن يكون (حميد) بمعنى: محمود، لأن الله- محمود على كل حال، وهو محمود أيضًا على نعمه السابغة الكثيرة، وإذا كان اللفظ محتملًا للمعنيين ولا تناقض بينهما، فإن الصحيح أنه شامل لهما، وهذا ما يعرف عند العلماء بالمشترك، فإذا كان اللفظ المشترك صالحًا للمعنيين بدون تناقضٍ ولا تنافر، فإن الأول حمله على المعنيين جميعًا ما لم يوجد دليل على أن المراد أحدهما.
وقوله: "وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد" البركة: كثرة الخير واستقرار الخير، ومنه سميت البركة لكثرة ما فيها من الماء وقراره، فمعنى البركة: أن نسأل الله أن ينزل الخير الكثير على محمدٍ ﷺ وكذلك على آل محمدٍ ﷺ بأن يجعل فيهم الخير الكثير الدائم من علمٍ نافعٍ وعملٍ صالحٍ ومصالح في الدنيا والآخرة، وبهذا عرفنا أن هذه الصلاة التي علمها النبي- ﵊ أمته هي أفضل ما يكون من صيغ الصلاة، وأن تلك الصيغة التي ابتدعها من ابتدعها من الناس كلها عند هذه الصيغة لا تساوي شيئًا، ونحن نحث جميع من أرادوا الصيغة المفضلة في الدعاء والذكر والصلاة على النبي ﷺ وغيرها على أن يلتزموا بما جاء في الشرع، فإنه خير من كل ما أحدث، وكثير مما أحدث تجده دائمًا قليل البركة وقليل النفع.
* * *
стр. 744
الدعاء بعد التشهد وأحكامه:
٣٠٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال". متفق عليه.
- وفي روايةٍ لمسلم: "إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير".
هذا الحديث أمر فيه النبي- ﵊ إذا تشهدوا أن يتعوذوا بالله من أربع، ولكن هذا في التشهد الأخير كما تقيده رواية مسلم، لأن التشهد الأول ينبغي تخفيفه وعدم الإطالة فيه، لكن في التشهد الأخير تدعو بما شئت، ولكنك لا تختار دعاءً خيرًا مما أرشد إليه النبي ﷺ وهو الاستعاذة من هؤلاء الأربع.
وقوله- ﵊ "فليستعذ" اللام فيها للأمر، والأصل في الأمر الوجوب، ولهذا ذهب طائفة من أهل العلم أنه يجب على الإنسان أن يستعيذ بالله من هذه الأربع في كل صلاة، حتى إن بعضهم قال: إن وجوبها أوكد من وجوب الصلاة على النبي التي ذهب كثير من أهل العلم أنها ركن، وأمر طاوس- وهو أحد التابعين- ابنه لما لم يتعوذ من هذه الأربع أن يعيد الصلاة، وهذا يدل على أنه يراها واجبة أو ركن، وعلى هذا فلا ينبغي للإنسان أن يخل بها لسببين: الأول: أمر النبي- ﵊، السبب الثاني: ما تشتمل عليه هذه الأمور العظيمة من وقاية.
قوله: "اللهم إن أعوذ بك من عذاب جهنم" وجهنم هي النار- نعوذ بالله منها- وسميت جهنم، لأنه مجهمة مظلمة- والعياذ بالله- ما فيها خير ولا نور، وقعرها بعيد، حتى إن الرسول- ﵊ كان مع أصحابه ذات يومٍ فسمع وجبة؛ يعني: صوت شيءٍ وقع، فقال: "أتدرون ما هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين سنةٍ يهوي فيها الآن في قعرها"- والعياذ بالله-، وعذاب جهنم لا يتصور وليس له نظير، ولا يمكن أن يبلغه الخيال- والعياذ بالله-، لأنه عذاب دائم مستمر ﴿لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون﴾ [الزخرف: ٧٥]. حتى إنهم يقولون: ﴿يا مالك ليقض علينا ربك﴾ [الزخرف: ٧٧]، يتمنون الهلاك، ولكنه لا يحصل لهم، حتى إنهم يقولون لخزنة جهنم: ﴿ادعوا ربكم يخفف عنا يومًا من العذاب﴾ [غافر: ٤٩]. هؤلاء الكفار قالوا: "يخفف"، ولم يقولوا: يرفع عنا يومًا، أو دائمًا، فلم يسألوا التخفيف
стр. 745
الذي يكون دائمًا، لأن ذلك غير حاصل، وهم أيضًا آيسون من هذا، ولهذا ما سألوا الدفع ولو ساعةً من نهار، لأنهم قد علموا أن ذلك لا يمكن، وأيضًا هم ليس عندهم من الجرأة ما يدعون الله. قالوا لخزنة جهنم: ﴿ادعوا ربكم﴾، أما هم- والعياذ بالله- فإنهم أذل في نفوسهم من أن يدعو الله ، ولعل هذا- والله اعلم- بعد أن يقول لهم الرب : ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. هذا العذاب لا يتصور، يموتون من العطش فإذا استغاثوا- بعد أن يلحق بهم العطش ما يلحق- يغاثوا بماءٍ كالمهل يشوي الوجوه. "المهل": الرصاص المذاب- والعياذ بالله- أو أشد من ذلك، يشوي الوجوه قبل أن يصل إليها، ثم إذا شربوه- والعياذ بالله- يقول الله : ﴿وسقوا ماءً حميمًا فقطع أمعاءهم﴾ [محمد: ١٥]. ﴿كالمهل يغلي في البطون* كغلي الحميم﴾ [الدخان: ٤٥ - ٤٦]، هذا غيثهم والعياذ بالله، ومع ذلك تحترق جلودهم، وكلما نضجت جلودهم يقول الله : ﴿بدلناهم جلودًا غيرها﴾ [النساء: ٥٦]. لا لتخفيف الألم عنها ولا لكي تبرأ، ولكن ﴿ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزًا حكيمًا﴾ [النساء: ٥٦]. وتأمل مثل قوله: ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم﴾ [النساء: ٥٦]. تدل على التكرار وأن ذلك دائمًا متكرر- والعياذ بالله-.
هذا العذاب العظيم الذي ما نحيط بوصفه فضلًا عن تصور حقيقته، هذا العذاب العظيم جدير بكل مؤمنٍ أن يسأل الله أن يعيذه منه في كل صلاةٍ ما أعظمها من فائدةٍ أن يعيذك الله من هذا العذاب، ولهذا كان القول بوجوب الاستعاذة من هذه الأربع قولًا قويًا جدًا.
أما قوله: "ومن عذاب القبر" ففيه إثبات عذاب القبر، وأنه كائن لا محالة وهو كذلك، وقد دل عليه الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة، أما الكتاب فإن الله تعالى يقول في آل فرعون: ﴿النار يعرضون عليها غدوًا وعشيًا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ [غافر: ٤٦]. وفي قراءة: ﴿أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾، وفي قوله: ﴿غدوًا وعشيًا﴾ ﴿ويوم تقوم الساعة﴾ دليل على أن هذا العرض يكون قبل قيام الساعة، وكذلك قوله تعالى: ﴿ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم﴾ [الأنعام: ٩٣ [. وكأنهم يشحون بأنفسهم أن تخرج فتتفرق في الجسم فينزعونها نزعًا شديدًا كما ينزع السفود من الصوف المبلول- والعياذ بالله- ﴿أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون﴾ [الأنعام: ٩٣]. ﴿اليوم﴾ "أل" هذه للعهد الحضوري كما هو معروف في علم النحو ﴿عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون﴾ [الأنعام: ٩٣]. وكقوله تعالى: ﴿ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق﴾ [الأنفال: ٥٠]. الشاهد قوله: ﴿يضربون وجوههم وأدبارهم﴾ هذه آيات عظيمة تدل على ثبوت عذاب القبر.
أما الأحاديث فكثيرة جدًا بحيث تكاد تبلغ حد التواتر، فمنها حديث ابن عباسٍ ﵄ أن
стр. 746
النبي ﷺ مر بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير". يعني: ما يعذبان في أمرٍ شاقٍ عليهما، ولذلك جاء في روايةٍ في الصحيح: "بلى إنه كبير"، فهما يعذبان في أمرٍ كبير، أي: في أمرٍ عظيم شاق عليهما تركه، ولكنه كبير بهذه الذنوب، "أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول" يعني: لا يبالي إذا أصاب البول ثوبه أو بدنه ولا يهتم بذلك حتى يتطهر، "وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة" ينم بين الناس فيفسد بين الناس- العياذ بالله-، ولذلك قال النبي- ﵊: "لا يدخل الجنة نمام".
استنبط بعض العلماء من حديث ابن عباسٍ مسألةً مهمةً فقال: إذا كان الإنسان يعذب في قبره، لأنه لا يستنزه من البول الذي يشترط لصحة الصلاة الاستنزاه منه، فما بالك بالذي يترك الصلاة، لأن هذا الذي أخل بالاستنزاه من البول ترك شرطًا من شروط الصلاة فقط، فكيف بالذي يدع الصلاة بالكلية؟ ! فأنا لا أشك في أن الذي يدع الصلاة بالكلية كافر، بل هو أكفر من اليهود والنصارى، بمعنى انه: لو كان في بيتٍ من بيوتنا يهود ونصارى ما رضينا بذلك، لكن الذين لا يصلون لا مع الجماعة ولا في بيوتهم يكون أكفر من اليهود والنصارى، لأنهم مرتدون، لا تحل ذبائحهم، ولا تحل لنا نساؤهم، ولا يدفنون مع المسلمين، ولا يغسلون، ولا يدخلون مكة وحرمها، لأنهم مرتدون لا يجوز أن يبقوا لحظةً في الدنايا إلا بعدما يستتابون ثلاثة أيامٍ على القول بالاستتابة ثم إذا لم يصلوا يقتلون، ولا يقتلون حدًا، لأن الحد يطهر المحدود، ويوجب أن يكون المحدود مسلمًا يدفن مع المسلمين ويصلى عليه، لكنهم يقتلون كفرًا، فيخرج بهم إلى أماكن يرمثون فيها رمثًا؛ لأنهم ليس لهم حرمة، إذا حشروا يوم القيامة يحشرون مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف، فأنا لا أشك في أن من ترك الصلاة تركًا مطلقًا أنه كافر خارج عن الإسلام- والعياذ بالله- والأدلة عندنا في ذلك من الكتاب والسنة وأقوال السلف ظاهرة، وقد سقناها عدة مرات، حتى إن عبد الله بن شقيق- وهو من التابعين- كان يقول: "كان أصحاب النبي ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة". وهذا نقل للإجماع، وقد نقل غيره من علماء المسلمين أيضًا الإجماع على أن الصحابة مجمعون على كفر تارك الصلاة.
ولهذا أنا أعجب من بعض الناس الذين يستنكرون هذا القول، ويقولون: أن الإمام أحمد
стр. 747
انفرد به، والحقيقة: أن استنكارهم إياه لعدم التأمل الجيد في الأدلة، ولو تأملوا الأدلة تأملًا جيدًا لوجدوا أن الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأقوال الصحابة والنظر الصحيح كلها متطابقة على أن تارك الصلاة كافرًا كفرًا مخرجًا عن الملة، وأما انفراد الإمام أحمد ﵀ بذلك فيعتبر من مناقبه، ومن دلالة فهمه لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأقول الصحابة، وتعظيمه للآثار الواردة، فنحن لا نقدح في أحدٍ من أهل العلم الذي يقولون بخلاف ذلك؛ لأن هذه مسألة اجتهادية، ولكننا نعيب على من عاب على من يقول ذلك كأنه يلزم أو يشير بكلامه إلى الإمام أحمد ﵀ لانفراده بذلك.
ولكنه لا شك أن من تأمل الكتاب والسنة وأقوال السلف والمعاني الصحيحة خاليًا من الاعتقاد والتمذهب لا شك أنه يتبين له، أن القول الراجح المتعين به هو القول بكفر تارك الصلاة كفرًا مطلقًا مخرجًا عن الملة- والعياذ بالله- ومما ينبغي لكل مستدلٍ أن يستدل قبل أن يعتقد حتى يكون اعتقاده مبنيًا على استدلالٍ سواءً كان هذا الاعتقاد في الأمور العلمية أو في الأمور الحكمية يعني: حتى الحكم لا تحكم على شيءٍ إلا بعد أن تبنيه على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، أما إذا اعتقدت ثم أردت أن تبني الأدلة على الاعتقاد فهذا خطر عظيم، ولذلك تجد بعض الناس يتعصب للذي يعتقد ثم يريد أن يستدل، تجده أحيانًا يحاول أن يرد الأدلة إلى ما كان يعتقد إما بتأويلٍ أو بتعميمٍ أو بتخصيصٍ حسب ما بكون موافقًا لما يذهب إليه، وهذه مسألة خطيرة جدًا بالنسبة لطالب العلم، والذي أدعوكم جميعًا إليه هوأان يكون اعتقادكم المبني سواء كان هذا الاعتقاد مبنيًا على أمورٍ علميةٍ كالاعتقاد في أسماء الله وصفاته وأخباره، أو على أمورٍ حكمية أن يكون ذبك مبنيًا على الدليل بأن تستدل أولًا ثم تحكم ثانيًا بقدر المستطاع، قد لا يستطيع الإنسان أن يصل إلى الحق بالدليل، إما لأنه ليس عنده الأدلة الكافية للاستدلال؛ أنه ما عنده علم، وإما أن المسألة تأتيه في حالةٍ لا يتمكن من البحث والاستدلال والمناقشة، فيكون في هذه الحال مضطرًا إلى التقليد، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إن التقليد بمنزلة أكل الميتة". إذا لم تجد طعامًا فكله لا يحل إلى للضرورة، لأن الله يقول: ﴿فاسألوا أهل الذكر﴾ بشرطٍ وهو ﴿إن كنتم لا تعلمون﴾، أما من أمكنه أن يعلم فإنه لا يجوز له أن يقلد، لكن كما قلت لكم قد لا يستطيع الإنسان ولا يتمكن له أن يصل إلى الدليل، إما لكون
стр. 748
المسألة فورية ولا يتمكن، وإما لكونه غير أهلٍ للبحث والنظر في أدلة أهل العلم، وحينئذٍ يكون فرضه التقليد وقد اتقى الله ما استطاع.
لكن مع ذلك طالب العلم- أقول لنفسي ولكم- حتى لو اضطر في بعض الأحيان إلى التقليد لعدم التمكن من الاستدلال فلا يدع المسألة، بل يبحث ويجتهد حتى يفتح الله تعالى عليه، ثم إما أن يكون الأمر اتضح له بأنه على صواب أو أنه على خطأ، فإن كان على صوابٍ فليحمد الله وليستمر، وإن كان على خطأ فليستعتب وليرجع إلى الصواب.
٣٠٥ - وعن أبي بكرٍ الصديق ﵁ أنه يقول لرسول الله ﷺ : "علمني دعاءً أدعو به في صلاتي. قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم". متفق عليه.
أولًا: اعرف أهمية هذا الدعاء وقدره لمن سال، ولمن سئل: فالسائل: أبو بكرٍ الصديق ﵁، وهو أحب الصحابة إلى النبي ﷺ ، وهو صاحب في هجرته، إذن لابد أن يكون لهذا الدعاء، شأن كبير، والمسئول: النبي- ﵊، فسوف يعلم الصديق ﵁ أجمع دعاءٍ وأنفعه. وقوله: "علمني دعاءً أدعو به في صلاتي" في هذا دليل على طلب العلم حتى من الكبراء، وأن الإنسان لا ينبغي له أن يأنف من طلب العلم، أو يقول: أنا عندي علم فلا تعلون، هذا أبو بكرٍ ﵁ أعلم الصحابة ومع ذلك سأل النبي ﷺ ان يعلمه دعاء.
وفي قوله: "علمني دعاءً أدعو به في صلاتي" دليل على أن الدعاء في الصلاة من أفضل ما يكون، فإن الصلاة فيها السجود الذي قال فيه النبي- ﵊: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"، وأمرنا أن نجتهد فيه بالدعاء، وقوله: "في صلاتي" لم يبين الموضع، فهل يكون في السجود أو بين السجدتين، أو بعد التشهد؟ ظاهر صنيع المؤلف ﵀ أنه يكون بعد التشهد، لأنه ذكره في أدعية التشهد، ولكن الحقيقة أنه- أعني: الحديث- ليس فيه دليل على ذلك، فأنت لو دعوت الله في حال السجود أو بعد التشهد فكله حسن وحسب ما تيسر لك.
قال النبي- ﵊: "اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" هذا جمع بين الاعتراف والسؤال والثناء، فجمع كل أنواع ما يدعى به، لأن دعاء الله إما أن يكون بالاعتراف وذكر الحال، أو بالثناء المجرد، أو بهذا وبهذا جميعًا، فهنا دعاء وثناء وذكر حال، أما الاعتراف وذكر الحال ففي قوله: "اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا" هذا اعتراف من الإنسان بأنه ظالم لنفسه
стр. 749
ظلمًا كثيرًا، وفي رواية: "ظلمًا كثيرًا"، والفرق بينهما: أن الكبر باعتبار الكيفية والكثرة باعتبار الكمية، وأكثر الروايات على: "كثيرًا".
وقوله: "ظلمت نفسي" لماذا قال: "ظلمت نفسي" والإنسان لا يظلم نفسه وإنما يظلم غيره؟ نقول: لأن نفسك أمانة عندك، يجب عليك أن ترعاها حق رعايتها، فلهذا إذا نقصتها شيئًا مما يجب لها فإنك تكون ظالمًا لها، وبماذا يكون ظلم النفس؟ ظلم النفس يدور على شيئين: إما تفريط في واجب، أو انتهاك لمحرم هذا ظلم النفس، فمن فرط في واجباته فقط ظلم نفسه، ومن انتهك محارم الله فقد ظلم نفسه، ولهذا قال : ﴿ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه﴾ [الطلاق: ١].
وقوله: "ولا يغفر الذنوب لا أنت" هذا الثناء ثناء على الله بأنه لا أحد يغفر الذنوب إلا الله كما قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾ [آل عمران: ١٣٥]. لو اجتمع الخلق كله على أن يغفروا لك زلةً من الزلات في حق الله فإن ذلك لا يمكن، أما الذنوب التي بينك وبين الخلق فيمكن أن يغفروا لك كما قال الله تعالى: ﴿قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله﴾ [الجاثية: ١٤]. وقال تعالى: ﴿وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم﴾] التغابن: ١٤]. لكن في حق الله تعالى لا يمكن لأحدٍ أن يغفر لك ذنبًا وإنما الذي يغفره الله .
وقوله: "ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر ليه مغفرةً من عندك" هذا الدعاء "فاغفر لي" وقد سبق لنا مرارًا وتكرارًا أن المغفرة: ستر الذنب والتجاوز عنه؛ لأنها مأخوذة من المغفر الذي يغطى به الرأس عند الحرب، والمغفر يغطي الرأس ويقيه السهام ففيه ستر ووقاية، وقوله: "فاغفر لي مغفرةً من عندك" نكرها "مغفرة" لأن التنكير يدل على التعظيم، ثم زادها تعظيمًا بقوله: "من عندك" فأضافها إلى الله لن المغفرة من الكريم تكون أعظم وأكبر.
وقوله: "وارحمني" عطف على "فاغفر لي" وذلك أن الإنسان محتاج إلى معونة الله تعالى في شيئين: غفران لذنوبٍ مضت، ورحمة يسلم بها من ذنوبٍ مستقبلة، والمغفرة للذنوب الماضية والرحمة للعصمة من الذنوب في المستقبل وجه آخر، قد يقال: المغفرة بها زوال المكروب، والرحمة بها حصول المطلوب، لأن الله يذكر نعمه على عباده ويجعلها من آثار رحمته، وكله صحيح، فأنت إذا سالت الله المغفرة والرحمة، تسأل الله مغفرة ما سلف والرحمة في العصمة مما يستقبل، أو تسأل الله مغفرة الذنوب التي بها زوال المكروب والرحمة التي بها حصول المطلوب.
стр. 750
ثم قال: "إنك أنت الغفور الرحيم" هذا كالتعليل للدعاء، لأنه سال شيئين هما المغفرة والرحمة، ثم أتى بعدهما باثنين من أسماء الله يتضمنان ذلك ومهما "إنك أنت الغفور الرحيم"، و"أنت" هنا يقول أهل النحو: إنها ضمير فصل، وضمير الفصل له ثلاث فوائد: التوكيد، والثاني: الحصر، والثالث: التمييز بين الخبر والصفة، ولهذا سمي فصلً يفصل. فأنت إذا قلت: "زيد الفاضل" يحتمل ان تكون "الفاضل" صفة لزيد والخبر ما بعد خبر، ولكن إذا قلت: "زيد هو الفاضل" يتعين أن تكون "الفاضل" خبرًا، ولهذا سمي ضمير فصل، والصحيح من أقوال المعربين: أنه حرف لا محل لله من الإعراب كما قال تعالى: ﴿لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم﴾ [الشعراء: ٤٠]. الغالبون أم الغالبين؟ ﴿الغالبين﴾ بالياء، فدل هذا على أنها لا محل لها من الإعراب، هذا الدعاء الذي علمه النبي- ﵊ الصديق ﵁ ينبغي للإنسان أن يدعو به في صلاته إما بعد التشهد لقول النبي ﷺ في حديث ابن مسعود: "ثم ليتخير من الدعاء ما شاء"، ولا شك أن ما عينه النبي- ﵊ وأرشد إليه خير مما نعينه نحن؛ لن الأدعية الواردة انفع وأجمع من الدعية المستحدثة، وإن كان الإنسان له أن يدعو بما شاء ما لم يكن إثمًا، لكن الحفاظ على الأدعية الواردة أحسن، وإما أن يقال: محله السجود لقول النبي- ﵊: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" وأي دعاءٍ دعوت به سواء هذا أو هذا فإنه لا بأس به.
هذا الدعاء قلنا: غنه تضمن ثلاثة أمور يتوسل بها إلى الله في الدعاء: أولًا: الاعتراف والثناء والطلب، وقد يكون الدعاء مجرد إخبار بالحال واعتراف لقول موسى: ﴿رب إني لما أنزلت إلي من خيرٍ فقير﴾ [القصص: ٢٤]. أخبر عن نفسه فقط، والله إذا أخبره عبده بحاله فمعناه: أنه يسأل أن يزيل تلك الحال إلى حالٍ خير منها، وقد يكون الدعاء دعاءً مجردًا فقط مثل قول الإنسان في صلاته: "رب اغفر لي وارحمني" بين السجدتين ما تقدمه ثناء، بل هو دعاء محض، وقد يكون الدعاء ثناءً محضًا؛ يعني: تثني على الله ، "اللهم أنت الكريم العظيم الرحيم" وما أشبه ذلك. فهذا أيضًا من الدعاء، ولهذا قال الرسول- ﵊: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له ... " إلخ، هذا الحديث الذي علمه الرسول- ﵊ أبا بكرٍ جامع للأصناف الثلاثة.
* * *
стр. 751
صفة التسليم وأحكامه:
٣٠٦ - وعن وائلٍ بن حجر ﵁ قال: "صليت مع النبي صلى الله عله وسلم فكان يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته" رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح.
هذا الحديث مما يستغرب على المؤلف ﵀ في تصحيحه، لأن أكثر الذين خرجوه قالوا: إنه ضعيف بزيادة "بركاته"، ولكن بعض أهل العلم كالمؤلف يرى أن سنده صحيح، فإن كان هذا الحديث صحيحًا فإنه ينبغي للإنسان أن يفعله أحيانًا فيقول: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، كما أن نسخ أبي داود أيضًا اختلفت في هذا الحديث ففي بعضها يقولها في التسليمة الأولى فقط، وفي بعضها يقولها في التسليمتين جميعًا، ولكن أكثر الأحاديث الواردة عن الرسول- ﵊ أنه كان يقول: "السلام عليكم ورحمة الله" فقط، ور يزيد: "وبركاته"، وقد أعل لعض العلماء هذا الحديث بالشذوذ وقال: إن الأحاديث الكثيرة المتتابعة عن الرسول- ﵊ ليس فيها: "وبركاته"، ورواة هذا السند أيضًا متكلم فيهم، وما دام الحديث فيه الخلاف في متنه وسنده فالأولى أن يقتصر على ما تضافرت به النصوص: "السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله"، فإن هذا أسلم للإنسان وأبرأ لذمته، لأن إثبات شيءٍ زائدٍ في شريعة الله يحتاج إلى سندٍ صحيح يكون حجة للإنسان بينه وبين ربه إلى يوم القيامة، وما دام أكثر الأحاديث متكاثرة عن الاقتصار على ذلك بدون "وبركاته" فهي أولى لاسيما أنها في بعض الأحيان تحدث تشويشُا، ولكن التشويش بما ثبتت به السنة لا يهم، لأن الناس لو شوشوا أول مرةٍ يعتادون إنما إذا كان الأمر لم يثبت ثبوتًا يطمئن إليه الإنسان فالأولى ألا يفعل، نعم إذا كان الإنسان يريد أن يفعل ذلك فيما بينه وبين نفسه في صلاة النوافل إذا ترجح عنده أن الحديث صحيح، فإن ترجح عنده ضعفه فلا يقوله لا في النوافل ولا في غيرها.
الأذكار دبر الصلوات ومعانيها:
٣٠٧ - وعن المغيرة بن شعبة ﵁ أن النبي ﷺ "كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد". متفق عليه.
هذا من الأذكار التي يقولها النبي ﷺ بعد صلاته، وقد أمر الله بالذكر بعد الصلاة، فقال- جل وعلا-: ﴿فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبكم﴾ [النساء: ١٠٣].
стр. 752
فالذكر بعد الصلاة مأمور به بنص القرآن في الحضر وفي السفر، فهذه الآية جاءت في سياق صلاة الخوف وفي السفر، ولهذا قال بعدا: ﴿فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة﴾ [النساء: ١٠٣]. فالأذكار المشروعة بعد الصلوات مشروعة في الحضر وفي السفر، وقوله : ﴿فاذكروا الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبكم﴾ يدل على تأكد هذا الذكر، لأن الله أمر به في كل الحالات سواءً كنت قائمًا مثل: أن يكون لك شغل فتقوم بعد السلام مباشرةً ملزمًا بهذا الذكر المشروع، وكذلك تؤدى هذه الأذكار إذا كنت قاعدًا، وإذا كنت مريضًا فليكن على جنبك، وهذا يعني: أن هذه الأذكار المشروعة عقب الصلوات أنت مأمور بالإتيان بها أمرًا مؤكدًا سواءً في سفرٍ أو حضر، يعني: تذكر الله ، وهذا الذكر المجمل في كتاب الله بينه النبي- ﵊ بالسنة، لأن السنة تبين القرآن وتفسره، وتقيد مطلقه وتخصص عامه، وربما تأتي بأمورٍ ليست في القرآن في ذاتها ولكنها في القرآن من حيث عمومها، فغن كل ما أتانا الرسول- ﵊ فإن الله أمرنا بقبوله وأخذه، وما نهى عنه فإن الله أمرنا باجتنابه مما كان يقول النبي- ﵊ في أذكار الصلوات هذا الحديث الذي ذكره المغيرة بن شعبة ﵁.
فنقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له"، وما معنى "لا إله إلا الله" يعني: لا معبود حق إلا الله، لا نقول: لا معبود إلا الله، لو قلت ذلك كان ذلك كذبًا؛ لأن هناك من يُعبد من دون الله، ولو قلت: لا موجود إلا الله كان هذا قولًا بوحدة الوجود؛ يعني: أن الخلق كلهم الله اهـ، لأن الخلق موجودون، ولهذا يغلط من قال: لا إله إلا الله، لي: لا موجود إلا الله، وإن قلت: لا إله موجود إلا الله كان ذلك أيضًا خطأ، لأنك إذا قلت: لا إله موجود. قلنا: بل هناك إله موجود كما قال الله تعالى: ﴿واتخذوا من دون الله آلهةً لعلهم ينصرون﴾ [يس: ٧٤]. وقال: ﴿فلا تدع مع الله إلهًا آخر﴾ إذن لا إله حق إلا الله، وفرق بين موجود وبين حق، لأن الموجود منه ما هو حق ومنه ما هو باطل ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل﴾ [لقمان: ٣٠]. فإن الصواب أن "لا" نافية للجنس وأن "إله" اسمها، وأن خبرها محذوف تقديره: حق، وإنما سرنا إلى ذلك حتى لا نفسر بخلاف الواقع أو بتفسيرٍ ليس بصحيح، و"إلا الله" فإن "إلا" أداة استثناء، و"الله" بدل من الخبر المحذوف "إله" بمعنى: مألوه، وليست بمعنى: آله، لكن- مألوه أي: معبود حبًا وتعظيمًا، وأهل الكلام ومن ضاهاهم يجعلون إله بمعنى: آله، ويفسرون الإله بالقادر على الاختراع وعلى الصنع، فيقولون: "لا إله إلا الله" أي: لا قادرة على الاختراع والإبداع إلا الله، ولو كان هذا معنى "لا إله إلا الله" ما أنكره المشركون، لأن المشركين يقرون بهذا أنه لا خالق إلا الله، لكن ﴿إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون* ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعرٍ مجنون﴾ [الصافات: ٣٦]. فلو كان هذا
стр. 753
التفسير هو تفسير "لا إله إلا الله" لكان المشركون موحدين، وهذا التفسير الذي فسر به المتكلمون كلمة الإخلاص من أبطل التفاسير، ولا يصح.
وقوله: "وحده" تأكيد للإثبات، "ولا شريك له" تأكيد للنفي، لأن كلمة الإخلاص تضمنت إثباتًا ونفيًا، تضمنت إثبات الألوهية الحق لله، ونفي الألوهية الحق لغير الله، فلهذا "وحده" يكون تأكيدًا للإثبات و"لا شريك له" يكون تأكيدًا للنفي.
"له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير" "له الملك" جملة خبرية قدم فيها الخبر، وتقديم الخبر يدل على الحصر، "له" يعني: لله وحده الملك، فلا أحد مالك إلا الله، وهو- مالك الملك، ولهذا قال: "له الملك" وجاءت الفاتحة ﴿مالك يوم الدين﴾ و ﴿ملك يوم الدين﴾، وذلك لأن كمال الملك في الملكية والتصرف أو التدبير. الله مالك مالك، والخلق منهم من يكون مالكًا وليس بملك، ومنهم من يكون ملكًا وليس بمالك، هناك أناس يملكون لكن ليس لهم بتدبيرٍ الملك شيئًا، وهناك أناس يدبرون وليس لهم صفة الملك فهم مالكون وليسوا بملوك، أما الرب فإنه ملك الملوك، ومالك الملك، ولهذا قال: "له الملك".
فإن قلت: إن الله تعالى أثبت لغيره ملكًا قال لسليمان: ﴿هب لي ملكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعدي﴾ [ص: ٣٥]. وقال الله تعالى: ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ [المؤمنون: ٦]. وقال: ﴿أو ما ملكتم مفاتحه﴾ [النور: ٦١]. فكيف نقول: إن الملك يختص باله؟
فالجواب: أن الملك الذي لغير الله ملك محدود من حيث الشمول ليس بشامل، ومن حيث التصرف أيضًا ليس بشامل، فأنت إما تملك مالك فقط لا تتملك مال فلان، ومال فلان وملكك لمالكٍ محدود أيضًا لا تملك التصرف المطلق كما تشاء وإنما تتصرف في ملكك كما أذن الله لك، فملكنا محدود مهما كان لنا من الملك، وقوله: "له الملك وله الحمد" الحمد: هو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، وهذا هو الفرق بين الحمد والمدح.
المدح تصف الممدوح بصفات الكمال لكن بدون محبة، لكن الحمد تجد قلبك ممتلئ محبةً لهذا الموصف، فالحمد هو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، وانظر إلى الفائدة في قرن الحمد بالملك ليتبين لك أن ملك الله مبني على الحمد، فكم من ملك لا يُحمد، وكم من مالكٍ لا يُحمد، لكن الرب محمود، فملكه مقرون بالحمد، ولهذا قل: "له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير" كل شيء فالله تعالى قادر عليه، سواء ما يتعلق بأفعاله أو بأفعال الخلق. الله تعالى قادر على أن يوجد المعدوم وبعدم الموجود، وقادر على أن يغير ويحول الشيء من شيءٍ إلى شيء، قدرة مطلقة لا حدود لها، ولا تقيد بشيء، ولا تخصص
стр. 754
بشيء، على كل شيءٍ قدير، ﴿وما كان الله ليعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليمًا قديرًا﴾ [فاطر: ٤٤].
ثم ختم هذا الذكر بشيءٍ من التفصيل من تمام ملك الله فقال: "اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد". "لا مانع لما أعطيت" يعني: أنما أعطى الله العبد فإنه لا أحد يمنعه، ما معنى "ما أعطيت" يعني: ما وصل إلى المعطى بالفعل، أو ما قدرت أن تعطيه؟ ما قدرت أن تعطيه، لأن قوله: "لا مانع" المنع يكون قبل الوصول، فلا أحد يمنع ما أعطاك الله أبدًا وهو كقوله: "ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليبك"، فالذي قدر الله أن يصل إليك ما أحد يمنعه أبدًا لابد أن يصل، "ولا معطي لما منعت" الشيء الذي منعه الله لا يمكن أن يعطيك إياه أحد، ولا يمكن أن يصل إليك مهما بدلت من الأسباب التي توصل إلى هذا الشيء الذي تريده، فإنه لا يمكن أن يصل إليك مادام الله قد منعه.
"ولا معطي لما منعت" إذا آمن الإنسان بهاتين الكلمتين- والإيمان بهما واجب- فإنه يعتمد في رزقه على الله، وفي دفع الضرر على الله، وفي جلب النفع على الله، ويكون دائمًا معتمدًا على ربه معتقدًا أنه- هو حسبه لا غيره.
"ولا ينفع ذا الجد منك الجد" الجد: قال العلماء: هو الحظ والغنة، "ذا الجد" أي: صاحب الجد منك متعلق بـ"ينفع"، ولهذا كلمة" ينفع" إما أن تتضمن معنى: يغني، أو معنى: يمنع، صاحب الغنى وصاحب الحظ لا ينفعه حظه من الله ولا غناه من الله ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروجٍ مشيدة﴾ [النساء: ٧٨]. فصاحب الحظ والغنى في الدنيا مهما كان عنده ما ينفعه فهو غير نافعٍ له في الآخرة كما قال: "ولا ينفع ذا الجد منك الجد"، ما قال: "جده" قال: "الجد"، يعني: حتى ولو كان على جد أعظم شيءٍ فإنه لا يمكن أن ينفعه من الله ، وهذا إذا آمن الإنسان به- ويجب عليه أن يؤمن به- يستلزم أن يكون الإنسان معتمدًا على ربه في حمايته لا على جنده ولا على ماله ولا على نصيبه وحظه، وإنما هو على ربه لا شريك له.
وبهذا التقرير الذي لم نف بما تدل عليه هذه الكلمات العظيمة يتبين أهمية الذكر بعد الصلاة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد". قوله: "اللهم" أصلها: يا
стр. 755
الله لكن حذفت ياء النداء تيمنًا بذكر اسم الله قبله، وعوض عنها الميم للدلالة عليها، واختيرت الميم دون غيرها من الحروف لدلالتها على الجمع، كأن الداعي جمع قبله على الله- .
٣٠٨ - وعن سعدٍ بن أبي وقاص ﵁ "أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ بهن دبر كل صلاة: اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر". رواه البخاري.
قوله: "يتعوذ بهن: هذا فيه عود الضمير على متأخر لفظًا ورتبةً، وهو شاذ وقليل كما قال ابن مالك [الرجز]:
وشذ نحو زان نوره الشجر
ولكن ما دام المعنى واضحًا لأنه لا بأس به، يقول: "كان يتعوذ بهن دبر كل صلاة". "دبر" يحتمل أن يكون معناه: ما بعد الصلاة، ويحتمل أن يكون معناه: آخر الصلاة، لأن آخر الشيء: دبره، فدبر الشيء: هو آخره، وكذلك دبر الشيء: ما بعده، فتسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين المراد: ما بعد الصلاة، وقوله ﷺ لمعاذ: "لا تدعن أن تقول دبر كل صلاة: "اللهم أعني على ذكرك" هذا آخر الصلاة قبل السلام، والمرجح: أن ما كان ذكرًا المراد بالدبر فيه ما بعد الصلاة، وما كان دعاءً فالمراد بالدبر فيه، ما كان في آخر الصلاة، والقرينة التي ترجح ذلك: أن الذكر أمر الله به بعد الصلاة فقال: ﴿فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا﴾ [النساء: ١٠٣]. فيكون كل ذكر دبر الصلاة يكون بعد الصلاة، وأما الدعاء فإننا نرجح أن دبر الصلاة فيه آخرها، وذلك لقول النبي- ﵊ في حديث ابن مسعود: "ثم ليتخير من الدعاء ما شاء، ولأن الإنسان يدعو الله في أثناء الصلاة قبل أن ينصرف منها، وإن كان في صلاته كما قال النبي- ﵊ "يناجي ربه".
وعلى هذا فيكون المشهور أن يتعوذ من هذه الأشياء في آخر الصلوات يقول: "اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن" كلاهما شح ومنع، لكن البخل: منع لبدل المال في محله، والجبن: منع لبدل النفي في محله، ولهذا ضد الجبن: الشجاعة، وضد البخل: الكرم، فالبخل هو الذي يمنع ما ينبغي بذله من المال أو من الأعمال أيضًا، ولهذا جاء في الحديث عن النبي- ﵊: "البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي".
стр. 756
وأما الجبن فإنه يمنع ما ينبغي بذله من النفس، وضده الشجاعة، واعلم أن منع ما لا ينبغي بذله من المال ليس ببخل، ولكنه اقتصاد واعتدال، فإذا كان يتهور بالإنفاق وإنما ينفق المال حسب ما شرعه الله ورسوله فهذا ليس ببخيل، وإنما هو مقتصد ومعتدل في إنفاقه، والله يقول: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا﴾ [الأعراف: ٣١]. ولهذه المناسبة أود أن أنبه على أن بعض الناس يتبع النساء فيما ينفق، حتى إنك تجده يشتري أشياءً ليس لها داعٍ وليس لها حاجة، كل ذلك من أجل إرضاء أهله، وهذا أمر لا ينبغي، لا الذي ينبغي أن يكون الإنسان معتدلًا في إنفاقه، ويمكنه أن يقنع زوجته أو من طلب من أهله أن يشتري كذا وكذا بما يعطيه الله من البيان والإقناع.
وأما الجبن فإنه لا بكون جبنًا إلا إذا كان في موضعٍ ينبغي فيه الإحجام، ولهذا كان لا ينبغي أن تقدم على أمرٍ إلا بعد أن تعرف النتيجة كما قال المتنبي [الكامل]:
الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني
فإذا هما اجتمعتا لنفسٍ مرةٍ ... بلغت من العلياء كل مكان
فالإنسان لا يتهور، بل ينظر ويتأمل، فإذا كان للإقدام مكان أقدم، وإذا كان للإحجام مكان أحجم، وكمل قيل أيضًا- وأظنه للمتنبي-[الطويل]:
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف في موضع الندا
"وضع الندى" يعني: الكرم، "في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندا" فإذا كان حاجة تقتضي الكلام والعفو والصفح صار السيف وضعه مضر بالعلا، فإذا كان الأمر بالعكس صار الكرم وضعه مضرًا بالعلا، فإذا كان الأمر بالعكس صار الكلام وضعه مضرًا بالعلاـ والمهم: أن الجبن الذي هو ضد الشجاعة لا يكون جبنًا إذا كان المقام لا يقتضي الإقدام، ومن ثم ينبغي للإنسان أن يتأمل في أموره، وألا يتعجل حتى يعرف النتائج.
"وأعوذ بك من أرد إلى أرذل العمر" أرذله: أنقصه وأردؤه والإنسان يرد إلى أرذل العمر إما لعله طارئة، وإما لتقدم السن، الكبير إذا كبر يرد إلى أرذل العمر تجده مصل الصبي، بل إنه أبلغ من الصبي؛ لأن الصبي حتى الآن لم يعرف ويرجى أن يعرف، فأهله يتحملون منه هذا الرداء وهذا في عقله؛ لأنهم يؤملون أنه يزول ويترقى العقل والفهم، لكن الذي- والعياذ بالله- وصل إلى الكبر حتى صار عقله بمنزلة الصبي يكون الرجاء فيه بعيدًا، ثم إن هذا الذي رد
стр. 757
إلى أرذل العمر قد عرف بعض الأشياء، ولهذا تجده في بعض الأحيان يصر على أهله أن يأتوا بها، مثلًا إذا كان من أصحاب الغنم صار يهدي بالغنم يوقظ أهله من النوم في وقت الليل ويقول: احضروا لي العنزة الفلانية، وإذا كان من أهل الأموال تجده أيضًا يهدي فيها هذا بتعب، لكن الصبي في باله هذا الشيء؟ أبدًا، ولهذا سمي: "أرذل العمر"، وأرذل صفة اسم تفضيل، يعني: أنه ما في العمر أرذل منه ولو حال الصغر، وهذا يعني: أنه ليس هناك في العمل أرذل من أن يرد إلى أرذل العمر، أقول: أرذل العمر قد يكون طارئًا وقد يكون فارغًا عارضًا، كما لو حصل للإنسان وجع في دماغه من حاجة أو غيره وقد يكون بسبب الكبر.
"وأعوذ بك من فتنة الدنيا وأعوذ بك من عذاب القبر"، "فتنة الدنيا" تقدم لنا معناها وهي تعود على أمرين: إما شبهات، وإما شهوات، الشبهات معناها: أن الإنسان يخفى عليه الحق إما بكثرة البدع والأفكار السيئة، أو لغير ذلك من الأسباب، فتجده يكون حيوانًا- والعياذ بالله- لا يدري أين يذهب، وإما شهوة يكون عارفًا بالحق عالمًا به لكنه تريده نفسه تريد وتهوى خلاف الحق.
النصارى فتنتهم شبهة أم شهوة؟ الآن شهوة، ولكن فيما سبق قبل بعثة الرسول- ﵊ كانت شبهة؛ لأنهم ضالون، واليهود شهوة؛ لأنهم عالمون بالحق.
وكل من خالف الحق عالمًا به فقد فتن فتنة شهوة- والعياذ بالله-، وكل من خالف الحق جاهلًا به، فقد فتن شبهة. كثير من الناس الآن فتنوا في الدنيا فتنة شهوة يعلمون ما أوجبه الله عليهم ولا أظن أن الناس في عصرٍ من العصور المتأخرة كانوا أعلم بالمسائل الشرعية من عصرنا هذا، لكن- والعياذ بالله- صار عندهم شهوات ميل إلى الباطل.
"وأعوذ بك من عذاب القبر" عذاب القبر ثابت كما سبق بالقرآن والسنة وإجماع المسلمين. ما دليله من القرآن؟ عدة آياتٍ منها قوله تعالى: ﴿النار يعرضون عليها غدوًا وعشيًا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ [غافر: ٤٦]. ومنها قوله تعالى: ﴿ولو ترى الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون﴾ [الأنعام: ٩٣]. اليوم "أل" هنا للعهد الحضوري مثلها قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم ... ﴾ يعني اليوم الحاضر، ﴿اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون﴾ [الأنعام: ٩٣]. ومنها: قوله تعالى: ﴿ولو ترى إذ يتوفى الذي كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق﴾ [الأنفال: ٥٠]. "إذ" ظرف، فصار هذا الأمر متى؟ حينما يتوفون.
وأما السنة فدلالتها كثيرة ظاهرة تبلغ إلى قريب التواتر، أما إجماع المسلمين فكل المسلمين يقولون في صلاتهم: "أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر .. إلخ"، فهل
стр. 758
يتعوذ الناس من شيءٍ لا وجود له؟ لا يمكن، لولا أن له وجودًا ما تعوذوا بالله منه، وعلى هذا فيكون عذاب القبر ثابتًا بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، ولكن هذا العذاب من نعمة الله أن الله لا يطلع عليه أحدًا أبدًا إلا من شاء من خلقه، لأنه لو اطلع عليه لما تدافنوا، ولو اطلع الناس عليه لكان في ذلك فضيحة للمقبور، ولو اطلع الناس عليه لكان في ذلك عار على أهله، ولو اطلع الناس عليه لكان في ذلك أذى على أهله، ولكن من حكمة الله أن الله أخفاه، ولو اطلع الناس عليه أيضًا ما كان للإيمان به فائدة، لأنه يكون الآن من أمور الشهادة والفضل، كل الفضل للإيمان بالغيب.
عذاب القبر الأصل أنه على الروح، ولكنها قد تتصل بالبدن، ولاسيما حال الدفن حين يسال الإنسان عن ربه وعن دينه ونبيه، فإنه يضرب بمرزبة من حديدٍ إذا لم يجب، يصيح صيحةً يسمعها كل شيءٍ إلا الثقلين- نعوذ بالله، وقد ثبت عن النبي- ﵊ أنه مر بقبرين في المدينة وقال: "إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول، وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة".
فهذه الخمس كان الرسول- ﵊ يتعوذ بهن في دبر كل صلاة: "اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر".
٣٠٩ - وعن ثوبان ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر الله ثلاثًا، وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام". رواه مسلم.
هذا أيضًا من الأذكار التي ينبغي أن يقولها الإنسان بعد الصلاة: "كان- ﵊ إذا انصرف من صلاته استغفر الله ثلاثًا" يعني قال: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله. ومعنى: "أستغفر الله": أسأل الله المغفرة، والمغفرة هي ستر الذنب مع التجاوز عنه، هذه المغفرة قال العلماء: مشتقة من المغفر، والمغفر هو: الذي يوضع على الرأس من حديدٍ ونحوه ليتقى به السهام إذن فهو ساتر وفي نفس الوقت وقاية.
وقوله: "استغفر ثلاثًا" الحكمة من الاستغفار بعد الانصراف من الصلاة؛ لأن الإنسان لا يخلو من تقصير، فهذا الاستغفار إن كانت الصلاة تامة كان كالطابع لها، وإن كان فيها نقص كان كفارة لها، كما جاء ذلك في كفارة المجلس، فهذا الاستغفار بعد أداء العبادة، وهذا كقوله
стр. 759
تعالى في الحج: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾ [البقرة: ١٩٩].
وقوله: "اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام" لا تقل: إنه لم يذكر فيه هذا الوضع "وتعاليت"، تقول: "تباركت يا ذا الجلال والإكرام"؛ لأن الأذكار توفيقية، ما يزاد فيها إلا ما جاء به النص، والنص هنا ما ذكر "وتعاليت"، فتقول: "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام". ما معنى "أنت السلام"؟ يعني: السالم من كل نقصٍ ومن كل عيب، فالله سلام، أي: سالم من كل نقصٍ ومن كل عيب ..
فإذا قلت: هذه الصيغة فعال كيف تحولها إلى فاعل؟
نقول: هذه من باب الصفة المشتبهة، والصفة المشتبهة تدل على الثبوت والاستمرار، بخلاف اسم الفاعل فإنه قد يدل على الحدث بدون ثبوتٍ واستمرار، فالسلام أبلغ من السالم، ولهذا جاء اسمًا لله "ومنك السلام" هنا السلام بمعنى: التسليم، كالكلام بمعنى التكليم، يقال: كلمته كلامًا وكلمته تكليمًا، فسلام هنا بمعنى: تسليم، أي: منك التسليم، يعني: إنك أنت المسلم لمن تشاء من خلقك، فالسلامة ما تطلب إلا من الله وهو سالم سلام، سالم من كل نقصٍ وعيب.
"تباركت يا ذا الجلال والإكرام"، "تباركت" قلنا: إن المعنى: كثرت خيراتك، لأن أصل البركة الخير الثابت الدائم، مأخوذ من بركة الماء لكثرة الماء فيها وسعتها ودوامه وثبوته فيها، فمعنى: "تباركت" أي: أنك يا ربنا كثير الخيرات والبركات، وهنا لم يقل: بوركت، بل قال: "تباركت" لأن التبارك صفته، بخلاف غيره فإنه يكون مباركًا وليس هو المتبارك، ولهذا قال الله تعالى عن عيسى وعن يحيى: ﴿وجعلني مباركًا﴾ [مريم: ٣١]. أي: لما كنت، لكن تفاعل صفة ذاتية فيه.
"تباركت يا ذا الجلال والإكرام" "ذا" بمعنى: صاحب، "الجلال" بمعنى: العظمة يعني: يا صاحب العظمة، "والإكرام" لها معنيان:
أحدهما: أنه أهل لأن يكرم وأن يعظم.
والثاني: أنه مكرم لمن يستحق الإكرام من خلقه بالثواب الجزيل والثناء، وهذا الإكرام يتعلق بالله وبالخلق، فبالله من حيث إنه محل التكريم والتعظيم وبالخلق، لأنهم مكرمون يكرمهم الله ، ونظيره "الودود" بمعنى: الواد، وبمعنى: المودود، فهو يود من شاء، وغيره أيضًا من أحبابه يودونه، إذن الإكرام صفة تتعلق بالخالق وبالمخلوق، إذن ينبغي لنا- إن سلمنا- أن نقول: "أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنك أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا
стр. 760
الجلال والإكرام، قبل كل ذكر ولهذا تقول عائشة: كان النبي- ﵊ لا يجلس إلا بمقدار ما يقول: "اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام" ثم ينصرف، فدل هذا على أن هذا الذكر قبل كل الأذكار، والمناسبة فيه ظاهرة أيضًا؛ لأنه ينبغي أن يلي الصلاة لأجل أن يكون طابعًا لها أو كفارة لها.
٣١٠ - وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "من سبح الله دبر كل صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين، وحمد لله ثلاثًا وثلاثين، وكبر الله ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسع وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير، غفرت خطاياه، ولو كنت مثل زبد البحر". رواه مسلم.
- وفي روايةٍ أخرى: "أن التكبير أربع وثلاثون".
قوله: "دبر كل صلاة" يعني: المكتوبة، "غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر" يعني: في كثرتها، وزبد البحر كثير لا يحصيه إلا الله ففي هذا دليل على فضيلة هذا الذكر دبر الصلوات، كل صلاة مكتوبة: الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء تسبح الله ثلاثًا وثلاثين فتقول: سبحان الله، سبحان الله، حتى تكمل ثلاثًا وثلاثين، وتقول بعد: الحمد لله الحمد لله حتى تكمل ثلاثًا وثلاثين، وتقول: الله أكبر حتى تكمل ثلاثًا وثلاثين فهذه تسع وتسعون كلمة، يقول تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير".
وفي لفظ لمسلم: أن التكبير أربع وثلاثون بدون: "لا إله إلا الله"، وبالتكبير أربعًا وثلاثين مرة تكمل المائة.
ما معنى "سبحان الله"؟ معنى "سبحان الله": تنزيهًا لله عن كل نقص، فالله كامل من جميع الوجوه، كامل في أسمائه وفي صفاته وفي أفعاله، فأسماؤه كلها حسنى تدل على معانيها الحسنة التي لا أحسن منها، وصفاته كلها عليا، يقول الله : ﴿ولله الأسماء الحسنى﴾ [الأعراف: ١٨٠]. ويقول: ﴿وله المثل الأعلى﴾ [الروم: ٢٧]. يعني: الوصف الأكمل، وكذلك أفعاله، فإن أفعاله كلها حميدة مرتبطة بالحكمة، فهو- يفعل ما يشاء بحكمة، فهو منزه عن العبث، منزه عن اللغو، منزه عن اللهو، منزه الباطل، منزه عن كل عيب، قال الله تعالى: ﴿وما خلقنا السماء والأرض ما بينهما باطلًا﴾ [ص: ٢٧]. ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين* لو أردنا أن نتخذ لهوًا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين﴾ [الأنبياء: ١٧].
стр. 761
وقال : ﴿وما ربك بغافلٍ عما يعملون﴾ [الأنعام: ١٣٢]. وقال تعالى: ﴿ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيامٍ وما مسنا من لغوب﴾ [ق: ٣٨]. على غير ذلك مما يدل دلالةً ظاهرةً على أن الله تعالى منزه عن كل عيب، ولهذا ينزه عن نفي السمع، أو نفي البصر، أو نفي الحكمة، أو نفي المغفرة، أو نفي الرضا، أو ما أشبه ذلك، خلافًا لمن قال- والعياذ بالله-: إن الله تعالى لا سمع له، ولا بصر له، ولا حكمة له، ولا رحمة له، ولا مغفرة له، ولا يحب، ولا يحب- والعياذ بالله- ووصفوه بصفات النقص مدعين أنهم بذلك أثبتوا له الكمال، وهم- والله- إنما أثبتوا له النقص- والعياذ بالله- من حيث لا يشعرون، فلا أحد يصف الله تعالى بأكمل مما وصف به نفسه، وقد وصف نفسه بأنه غفور، وأنه ذو رحمة، وأنه قوي، وأنه حكيم، وأنه سميع بصير، وأنه على كل شيءٍ قدير، وأنه يحب ويحب ويرضى ويسخط، ويفعل ما يشاء- فهو منزه عن كل نقص.
وأما قولك: "الحمد لله"، "الحمد" معناه: وصف المحمود بالكمال، فبالتسبيح يكون التخلي عن كل صفات النقص، وبالحمد يكون الاتصاف بصفات الكمال، فيكون من قال: "سبحان الله والحمد لله" جامعًا لله تعالى بين النفي والإثبات، بين نفي النقص الذي دل عليه: "سبحان الله" وإثبات الكمال الذي دل عليه "الحمد لله".
وأما "الله أكبر" فهي كالطابع على هذا، يعني: أكبر من كل شيءٍ له الكبرياء في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم، وأخبر النبي- ﵊ أن السموات السبع والأرضين السبع في كف الرحمن كخردلةٍ في كف أحدنا، فهو له الكبرياء في السموات والأرض، وأما ختم هذه الكلمات الثلاث بكلمة التوحيد: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير" فهذه الكلمة كلمة الإخلاص التي بعث بها جميع الرسل، ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [الأنبياء: ٢٥]. كل الرسل بعثوا بهذا، ﴿ولقد بعثنا في كل أمةٍ رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ [النحل: ٣٦]. فكل الرسل متفقون على معنى هذه الكلمة، وأنه لا أحد يعبد في السموات أو في الأرض بحقٍ إلا الله .
وقوله: "له الملك وله الحمد" فيه الثناء على الله بتمام الملك وبتمام الصفات وكمالها، "له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير" كل شيء فالله قادر عليه لا يستثنى من هذا شيء فمل شيءٍ تتعلق به القدرة ويمكن أن يوصف الفاعل بأنه قادر عليه فإن الله قدير
стр. 762
عليه، ﴿وما كان الله ليعجزه من شيءٍ في السموات ولا في الأرض إنه كان عليمًا قديرًا﴾ [فاطر: ٤٤].
إذن بعد كل صلاةٍ مكتوبة تقول: سبحان الله ثلاثًا وثلاثين، والحمد لله ثلاثُا وثلاثين، والله أكبر ثلاثًا وثلاثين، وتختم المائة بقولك: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير" أو تقول: "الله أكبر" أربعًا وثلاثين تختم بها المائة، هذا جائز وهذا جائز.
فإن قلت: هل الأفضل أن أفردها، أو الأفضل أن أجمعها؟ يعني: الأفضل أقول: "سبحان الله" حتى أكمل، "الحمد لله" حتى أكمل، "الله أكبر" حتى أكمل، أو الأفضل أن أجمعها فأقول: "سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر"؟
فالجواب: أن تلك الصفتين قد وردت عن النبي- ﵊، فهذا جائز، وهذا جائز وعلى القاعدة السابقة أن العبادات الواردة على وجوهٍ متنوعةٍ ينبغي أن نفعلها على كل وجه.
وقوله: "غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر" ظاهر الأحاديث العموم، "غفرت خطاياه" جمع مضاف والجمع المضاف يفيد العموم، فظاهره أن الخطايا ولو كانت من الكبائر فإنها تغفر له إذا قال هذا الذكر، وهذا ما ذهب إليه بعض أهل العلم، ولكن جمهور أهل العلم يقولون: إن جميع الأحاديث الواردة في مغفرة الذنوب أو تكفير السيئات مقيدة باجتناب الكبائر، والدليل على ذلك قول النبي- ﵊: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن ما اجتنبت الكبائر" قالوا: فإذا كانت هذه الفرائض العظيمة- الصلوات الخمس أعظم فريضة عملية- لا تقوى على تكفير الكبائر، فإن من دونها من باب أولى ألا تكفر بها الكبائر ولا شك أن هذا قول وجيه وهو قول الجمهور، لكن لإطلاقه يرجى أن يكون هو الصواب، وإننا نرجو الله أن يعفو عنه بهذا العمل جميع ذنوبه، لكن لا تجزم إلا إذا اجتنبت الكبائر.
٣١١ - وعن معاذٍ بن جبل ﵁: أن رسول الله ﷺ قال له: "أوصيك يا معاذ: لا تدعن دبر كل صلاةٍ أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك". رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي بسندٍ قوي.
هذا الحديث أوصى النبي ﷺ معاذ بن جبل ﵁ أن يقول دبر كل صلاة، والمراد: كل صلاةٍ مكتوبة، كما جاء ذلك مقيدًا في بعض الروايات يقول: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك"، الإعانة على هذه الأمور يحصل بها سعادة الدنيا والآخرة.
стр. 763
"على ذكرك" يعني: بالقلب واللسان.
"وعلى شكرك": بالقلب واللسان والجوارح.
"وعلى حسن عبادتك": فهو أخص من الشكر، لأن الشكر يحصل بالعبادة، وإن كانت على غير الوجه الأحسن، لكن على حسن عبادتك أخص.
وفي الإعانة على هذه الأمور إعانة على ما فيه سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، وفي سؤال العبد ربه أن يعينه على ذلك عنوان على افتقاره إلى ربه، وأنه- إن لم يعنه فإنه لا يسعد وهو كذلك إذا لم يمدك الله بعونه، فإنه إن وكلك إلى نفسك وكلك إلى ضعفٍ وعجزٍ وعورة، ولهذا قرن الله الاستعانة بالعبادة فقال: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾، وقال: ﴿فاعبده وتوكل عليه﴾ [هود: ١٢٣]. فلابد من استعانة العبد بربه، فإن لم يعنه شغل وعجز عن إدراك العمل.
وفي قوله: "حسن عبادتك" لم يقل: "على عبادتك"، لأن الإنسان قد يعبد ربه، ولكن لا يكون عمله حسنًا إما لعدم إخلاصه، وإما لعدم متابعته، والعمل لا يكون حسنًا إلا بأمرين: بالإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ .
وقوله: "أن تقول دبر كل صلاة" اختلف العلماء في معنى: "دبر"، فقال بعض العلماء: أي بعد الصلاة، وهذا هو المشهور عند أكثر أهل العلم، وقال بعض العلماء: "دبر كل صلاة" أي: في آخر الصلاة قبل السلام، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قال: لأن محل الدعاء آخر الصلاة ليس بعد الصلاة، الذي بعد الصلاة الذكر، وأما الدعاء فهو قبل، وعلى هذا فإذا جاءت كلمة "دبر" إن كان دعاء فهو قبل السلام، وإن كان ذكر فهو بعد السلام، ولهذا دليل من القرآن والسنة، أما من القرآن في الذكر فقال الله تعالى: ﴿فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله﴾ [النساء: ١٠٣]. فجعل محل الذكر بعد الصلاة، فكل ذكرٍ مقيد بدبر الصلاة فالمراد بعدها، وأما في الدعاء فقال النبي ﷺ في حديث ابن مسعود لما ذكر التشهد: "ثم ليتخير من الدعاء ما شاء". وقال: "إذا تشهد أحدكم التشهد الأخير فليقل: أعوذ بالله من عذاب جهنم"، فجعل النبي ﷺ ما بعد التشهد وقبل التسليم محلًا للدعاء، وحديث معاذٍ هذا قد ورد في بعض ألفاظه أن الرسول أمره أن يقول: "في صلاته"، وهذه الرواية تؤيد ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من أنها تقال قبل السلام لا بعده.
* * *
стр. 764
فضل آية الكرسي ومعانيها:
٣١٢ - وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاةٍ مكتوبةٍ لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت؟ . رواه النسائي، وصححه ابن حبان.
- وزاد فيه الطبراني: "و ﴿قل هو الله أحد﴾.
آية الكرسي هي التي ذكر فيها الكرسي وهي قوله تعالى: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيءٍ من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم﴾ [البقرة: ٢٥٥]. هذه آية الكرسي، أما قوله، ﴿لا إكراه في الدين﴾ [البقرة: ٢٥٦]، فهي ليست من آية الكرسي؛ لأن آية الكرسي آية واحدة وهي هذه، وقد سأل النبي ﷺ أبي بن كعبٍ قال: "أي آية أعظم في كتاب الله؟ " قال: "آية الكرسي، فضرب على صدره وقال: "ليهنك العلم أبا المنذر" يعني: هنأه بعلمه؛ حيث علم أن أعظم آيةٍ في كتاب الله هي آية الكرسي، وأما أعظم سورة؟ فإن سورة الفاتحة هي أعظم سورةٍ في كتاب الله، هذه الآية العظيمة من قرأها في ليلةٍ لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح.
ثبت في الصحيح أن الرسول ﷺ جعل أبا هريرة ﵁ وكيلًا عنه على الصدقة- صدقة الفطر- فلما جاء ذات ليلةٍ جاءه رجل- شيطان في صورة رجل- فأخذ من التمر، فأمسكه أبو هريرة وقال: "لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ". فقال: هذا الرجل إنه فقير، وذو عيال، وطلب أن يعفو عنه، أبو هريرة ﵁ رق له وعفا عنه، فلما أصبح وغدا إلى النبي ﷺ قال له النبي ﷺ : "ما فعل أسيرك البارحة؟ "، جاءه الوحي من الله أن هذا الشيطان جاء إلى أبي هريرة بهذه الصورة، فقال: يا رسول الله، إنه شكا إلي أنه ذو عيالٍ وفقر، فأطلقته، فقال له النبي ﷺ : : "كذبك وسيعود" كذب يعني: أخبرك بالكذب وسيعود، قال أبو هريرة: فعلمت أنه سيعود لقول النبي ﷺ فعاد وفعل مثل ما فعل في المرة الأولى، واعتذر بما اعتذر به في المرة الأولى، ولكن لما اعتذر أعطاه أبو هريرة، أعطاه لأن الرسول ﷺ لما قال: "كذبك وسيعود" لم يقل: فلا تعطه، وإلا لما أعطاه، لكن لم يقل له: فلا تعطه، ثم لما غدا أبو هريرة على الرسول ﷺ قال له: "ما فعل أسيرك البارحة؟ " فقال أبو هريرة: شكا إلي أنه ذو عيالٍ وفقر، فقال الرسول ﷺ : "كذبك
стр. 765
وسيعود" فعاد في الليلة الثالثة، ولكنه أمسكه أبو هريرة واعتذر، ولكن قال: "ما أطلقك إلا عند الرسول ﷺ فقال: إني أخبرك بآيةٍ إذا قرأتها لم يزل عليم من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح آية الكرسي، فلما أصبح أبو هريرة غدا إلى النبي ﷺ وأخبره بالخبر فقال: "صدقك وهو كذوب"، صدقك ليس لأنه صاحب عيال، لكن صدقك بأنك إذا قرأت هذه الآية في ليلةٍ لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح.
هذه الآية اشتملت على عشر جمل ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيءٍ من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم﴾ [البقرة: ٢٥٥].
أما معانيها من حيث الإجمال ففي قوله: ﴿لا إله إلا هو﴾ توحيد الله ، وهذه كلمة أعظم كلمةٍ يقولها الإنسان "لا إله إلا الله" بعث بها الرسل، وأنزلت به الكتب، ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [الأنبياء: ٢٥]. وفي الأثر الذي قال الله تعالى فيه لموسى: "لو أن السموات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفةٍ ولا إله إلا الله في كفةٍ مالت بهن لا إله إلا الله" كلمة عظيمة، لأن فيها توحيد الله بالألوهية، "لا إله إلا الله" إثبات ونفي، وهذا هو حقيقة التوحيد، الإثبات بدون نفي ما يدل على التوحيد، والنفي المطلق تعطيل محض، لو قلت: "زيد قائم" ما دل على أن غيره لم يقم، لكن إذا قلت: "لا قائم إلا زيد" دل على أن غيره ليس بقائم، كذلك لو قلت: "لا إله إلا الله" دليل على أنه لا إله إلا الله، ما فيه إله سوى الله، ولكن هذه الجملة فيها خبر مقدر لابد منه وهو: "حق" يعني: لا إله حق إلا الله، و"الله" يدل من ذلك الخبر، لأننا لو قلنا بهذا التقدير فهو يعني: أنه توجد هناك آلهة تعبد من دون الله تسمى: آلهة، لكنها آلهة ليس لها حق في الألوهية، ولهذا قال الله تعالى في آيةٍ أخرى: ﴿إن هي إلا أسماء سميتموها انتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان﴾ [النجم: ٢٣]. فهي وإن عبدت واتخذت إلهًا فإنها ليس لها ألوهية حقيقة، ولهذا نقول: "لا إله حق إلا الله".
وقوله: ﴿الحي القيوم﴾ هذان وصفان ينتظمان جميع الأسماء الحسنى، ولهذا ورد في الحديث
стр. 766
أن اسم الله الأعظم هو الحي القيوم، وقد ذكر هذان الاسمان في كتاب الله في ثلاثة مواضع: في سورة البقرة في آية الكرسي، وفي سورة آل عمران: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم* نزل عليك الكتاب بالحق﴾ [آل عمران: ٢ - ٣]. والموضع الثالث: في سورة طه في قوله: ﴿وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلمًا﴾ [طه: ١١١]. فهما منتظمان لجميع الأسماء الحسنى، "فالحي" معناه: ذو الحياة الكاملة التي لم تسبق بعدمٍ ولا يلحقها فناء، حياة غير الله ناقصة، مسبوقة بعدمٍ وملحوقة بفناء، أما حياة الرب فإنها لم تسبق بعدمٍ ولا يلحقها فناء، حياة غير الله ناقصة، مسبوقة بعدمٍ وملحوقة بفناء، أما حياة الرب فإنها لم تسبق بعدمٍ ولا يلحقها فناء، ثم هي حياة كاملة، كل صفات الكمال تضمها هذه الحياة، بخلاف حياة غيره فهي ناقصة.
"القيوم" يقول علماء النحو: إنها صيغة مبالغة على وزن "فيعول"، إذن معناه: أن هناك شيئًا كثيرًا من القيومية فمعنى القيوم: القائم بنفسه القائم بنفسه على غيره كما قال الله تعالى: ﴿أفمن هو قائم على كل نفسٍ بما كسبت﴾ [الرعد: ٣٣]. أي: أيكون هذا كمن لا يقوم بذلك، من القائم على كل نفسٍ بما كسبت؟ الله ﴿ما من دابةٍ إلا هو آخذ بناصيتها﴾ [هود: ٥٦]، فهو القائم على غيره، ﴿ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره﴾ [الروم: ٢٥]. كل شيءٍ قائم بالله وهو القائم بنفسه.
﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ السنة: هي النعاس، يعني مقدمة النوم، والنوم هو: الاستغراق في الراحة؛ أي: فترة راحة للبدن والعقل، تغيب خلالها الإرادة والوعي جزئيًا أو كليًا، وتتوقف فيها الوظائف البدنية جزئيًا، فالرب لا تأخذه السنة ولا النوم، لماذا؟ لكمال حياته وقيوميته، لكمال حياته لا يحتاج إلى النوم، نحن نحتاج إلى النوم؛ لأن حياتنا ناقصة نحتاج إلى نومٍ نستريح به من تعبٍ سابق، نستجد به النشاط لعملٍ مستقبل، أما الرب فإنه لا يحتاج إلى ذلك لكمال حياته، ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ كذلك لكمال قيوميته، هو القائم على عباده، لو أنه جاز عليه النوم أو النعاس أين يكون تدبير العباد في ذلك اليوم؟ ولمن؟ لا يمكن، فهو لكمال قيوميته لا يمكن أن تأخذه سنة ولا نوم، بل هو ممتنع غاية الامتناع أن يكون- ينام أو تأخذه السنة، ولهذا قال النبي ﷺ : "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام"، وكلمة" "لا ينبغي" في القرآن والسنة معناها: الشيء الممتنع غاية الامتناع، "يرفع القسط ويخفضه"، ، والذي يكون بيده رفع القسط وخفضه لابد أن يكون دائمًا لا تأخذه سنة ولا نوم.
стр. 767
ثم قال: ﴿له ما في السموات وما في الأرض﴾: وهذه الجملة تدل على عموم ملك الله، له ما في السموات وما في الأرض، وعلى اختصاص الله تعالى بذلك الملك، أما عموم الملك فهو مأخوذ من قوله: ﴿ما في السموات﴾ ﴿ما﴾ من الأسماء الموصولة فهي للعموم، وأما انفراده بالملك فهي مأخوذة من تقديم الخبر ﴿له ما في السموات وما في الأرض﴾ ففيها عموم ملكه- .
﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ ﴿من﴾ استفهام بمعنى النفي، من الذي يستطيع أن يشفع عند الله لا بإذنه؟ لا أحد، حتى الرسول ﷺ لا يستطيع أن يشفع إلا بإذن الله، وذلك لكمال سلطانه وعظمته، لا أحد يقدر أن يتكلم ولا بالشفاعة إلا بإذنه، ولهذا ملوك الدنيا كلما كان الملك أهيب في قلوب الناس تجد الكلام في مجلسه أقل، يهابونه في كلامه لعظمته عندهم، فالرب لا أحد يشفع عنده إلا بإذنه ولو كان أقرب الخلق إليه وأعظمهم عنده منزلة، لماذا؟ لكمال سلطانه ، لا أحد يتكلم إلا بإذنه.
﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم﴾ هذه أيضًا جملة تدل على عموم علمه- ﴿ما بين أيديهم﴾ المستقبل، ﴿وما خلفهم﴾ الماضي، فكل ما كان وما يكون فالله عالم به.
﴿ولا يحيطون بشيءٍ من علمه إلا بما شاء﴾ قال بعض العلماء: ﴿من علمه﴾ أي: من معلومه، فعلمه مصدر بمعنى: اسم مفعول كما في الحديث: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد"، "رد" بمعنى: مردود، فعلم بمعنى: معلوم، يعني: لا يحيطون بشيءٍ مما يعلمه الله إلا بما شاء، وقيل: المعنى: لا يحيطون بشيءٍ من علم الله، أي: ما يعلمون شيئًا عن الله إلا بما شاء، يعني: ما نعلم شيئًا من أسمائه، ولا من صفاته، ولا من أفعاله إلا بما شاء، والصحيح كان الآية شاملة لهذا وهذا، فنحن لا نحيط بشيءٍ من معلوماته، ولا بشيءٍ مما يتعلق بعلم ذاته وأسمائه وصفاته إلا بما شاء.
ثم قال: ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾، الكرسي دون العرش، وأقل منه بكثير، وهو واسع للسموات والأرض السموات كم عدد السموات؟ سبع، وهي واسعة أم لا؟ واسعة: ﴿والسماء بنيناها وإنا لموسعون﴾ [الذاريات: ٤٧]. انظر المسافات بين الأرض والسماء الدنيا، والمسافات بين السماء الدنيا والثانية، وبين الثانية والثالثة، وبين الثالثة والرابعة، وكلما اتسعت المسافة ازداد الكبر، قشرة البيضة العليا أوسع من الصفرة التي في جوفها، والبياض الذي تحت القشرة أوسع من الصفرة، إذا كان الكرسي محيطًا بالسموات والأرض فمعناه: أنه عظيم جدًا
стр. 768
وهو دون العرش، ولهذا جاء في الحديث أن السموات السبع والأرضين السبع في الكرسي كحلقةٍ ألقيت في فلاةٍ من الأرض.
ما هي الحلقة؟ أي: حلقة الدرع، وهي حلقة مثل حلقة السلسلة الصغيرة تلقى في فلاةٍ من الأرض تسع نصف الفلاة أو ثلاثة أرباع الفلاة؟ لا، ليست بشيءٍ بالنسبة للفلاة، السموات السبع والأرضين السبع بالنسبة للكرسي كحلقةٍ ألقيت في فلاةٍ من الأرض، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة، يعني: أن هذا شيء لا يتصور من حيث العظمة، علام تدل عظمة هذه المخلوقات؟ تدل على عظمة الخالق- جل وعلا- لأن عظم المخلوق يدل على عظم الخالق، كما أن عظم المصنوع من صنعنا يدل على عظم الصانع، فالرب إذا كان كرسيه قد وسع السموات والأرض فما بالك بالعرش، وهو دليل على عظم الله وكمال قدرته.
﴿ولا يئوده حفظهما﴾ ﴿يئوده﴾ بمعنى: يثقله، ﴿حفظهما﴾ حفظ السموات والأرض بما فيهما من المخلوقات التي لا يحصى أجناسها إلا الله فضلًا عن أنواعها، فضلًا عن أفرادها، لا يثقل الرب حفظ السموات والأرض لكمال علمه وكما قدرته، وكونه حافظًا فيه كمال الرحمة وكمال الإحسان، فهو لكمال العلم والقدرة والرحمة والإحسان يحفظ السموات والأرض ولا يثقله حفظهما.
﴿وهو العلي العظيم﴾ سبحانه وبحمده من هذه عظيمة مخلوقاته، وهذه عظيمة صفاته، فهو العظيم بكل معنى العظمة، وهي العلي بذاته وصفاته، أما العلي بذاته فهو فرق كل شيء، ليس فوق الله شيء، وليس مع الله شيء، بمعنى: أنه ليس شيء محاذيًا لله، وليس شيء فوق الله، بل كل شيء تحت الله هذا علو الذات.
فإن قلت: أليس قد ثبت في الحديث الصحيح: "أن المقسطين على منابر من نورٍ يوم القيامة علي يمين الرحمن" فهل يلزم من ذلك أن يكونوا محاذين له؟
الجواب: لا، لا يلزم، هم على يمين الرحمن لكنهم تحت، ولا يلزم من أن يكونوا محاذين له؛ لأن الله له العلو المطلق من جميع الوجوه، والعلو معناه: أنه لا أحد يساويه، بل كل شيء فهو تحت الله كذلك أيضًا له علو الصفات، ما معنى علو الصفات؟ معناه قوله تعالى: ﴿ولله المثل الأعلى﴾ [النحل: ٦٠]. كل صفة عليا وكمال ليس فيها نقص بوجه من الوجوه فإنها لله- .
стр. 769
بهذه المعاني القليلة التي يتبين بها شيء من هذه المعاني العظيمة يتبين وجه كون هذه الآية أعظم آية في كتاب الله ﴿ولا يئوده حفظهما﴾ إذا قرأها الإنسان في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ؛ لأنه قرأ فيها ﴿ولا يئوده حفظهما﴾ إذن أنا ممن في السموات والأرض، فحفظ الله لي لا يثقله ، ولهذا صار من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح.
يقول (النبي ﷺ في هذا الحديث: "أن من قرأها كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت". المعنى: أنه إذا مات دخل الجنة، الأحياء لا يدخلون الجنة، لكن إذا مات دخل الجنة، وهذا دليل على فضلها، وأنه ينبغي للإنسان أن يقرأها خلف كل صلاة مكتوبة؛ وكذلك ينبغي أن يقرأ معها ﴿قل هو الله أحد﴾ (الإخلاص)؛ وكذلك ورد في بعض الأحاديث: ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ (الفلق)﴾ قل أعوذ برب الناس﴾ (الناس).
وجوب تعلم صفة صلاة الرسول ﷺ :
٣١٣ - وعن مالك بن الحويرث ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "صلوا كما رأيتموني أصلي" رواه البخاري.
مالك بن الحوريرث ﵁ قدم وافدًا مع نحو عشرين رجلًا من قومه، وكان قدومه في آخر حياة النبي ﷺ وهو يتجهز إلى غزوة تبوك، يقول: فمكثنا عنده نحو عشرين ليلة، وكان النبي ﷺ رحيمًا رفيقًا، فلما رأى أنا اشتقنا إلى أهلنا قال لهم: اذهبوا إلى أهليكم فعلموهم وأدبوهم، وأشدهم النبي ﷺ : إرشادات منها: "إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم".
ومنها: "صلوا كما رأيتموني أصلي" قوله: "صلوا كما رأيتموني" هذا يعود إلى كيفية الصلاة في أقوالها وأفعالها وأوقاتها، وهذا الأمر الأصل فيه الوجوب، وأن كل ما صلاة النبي ﷺ فإنا نفعل كما فعل، ولكن بعض أهل العلم عارضة بحديث المسيء في صلاته، وقال: إنه لا يجب من الصلاة إلا ما ذكر في حديث المسيء في صلاته؛ لأن الرسول ﷺ : لو كان هناك شيء واجب لعمله هذا الرجل الذي قال: والله لا أحسن غير لهذا، فلما لم يعلمه علم أنه لا يجب سوى ما ذكر في حديث المسيء في صلاته، وحديث المسيء في صلاته وهو قول الرسول ﷺ له: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تطمئن قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في
стр. 770
صلاتك كلها"، ولكن لا يصح هذا ولا هذا، لا يصح أن نقول: كل ما فعله الرسول ﷺ استنادًا إلى قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ولا يصح أن نقول: لا يجب سوى ما ذكر حديث المسيء في صلاته فإن هذا منقوض، هذا عبد الله بن مسعود يقول: "كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد" وهذا واضح في أن التشهد فرض ومع ذلك ما ذكر في حديث المسيء في صلاته، ومنها: أن الرسول ﷺ صح عنه أنه قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن" مع أن ذلك يذكر في حديث المسيء، بل قال: "اقرأ ما تيسر معك من القرآن"، وإن كان في بعض الروايات في غير الصحيحين: "اقرأ بأم القرآن" لكن الصحيح المحفوظ: "اقر ما تيسر معك من القرآن".
وأما قوله ﷺ : "وصلوا كما رأيتموني أصلي" فإن فيه أشياء غير واجبة مما كان الرسول ﷺ يفعله بالإجماع، فدل على أن هذا الحديث: "صلوا كما رأيتموني أصلي" يتوجه إلى الأمر الوجوبي فيما جب، والأمر الاستحبابي فيما يستحب.
ويستفاد من هذا الحديث: الاقتداء بالفعل لقوله: "صلوا كما رأيتموني" وهذا كقوله وهو يفعل المناسك: "لتأخذوا عني مناسككم"، فالتعليم يكون بالقول ويكون بالفعل، والتعليم بالفعل أقوى تصورًا من التعليم بالقول، لكنك لو أردت أن تشرح لإنسان ما كيفية الصلاة مثلًا، أو تقوم تصلي أمامه أيهما أقرب تصورًا وفهمًا؟ أن تصلي أمامه، ولهذا كان الرسول ﷺ أحيانًا يعلم الناس بالقول، وأحيانًا بالفعل.
ويستفاد من هذا الحديث فائدة مهمة وهي: أنه يؤمر الإنسان بأن يتعلم كيفية صلاة الرسول ﷺ ؛ لأنه إذا أمرنا أن نصلي كما صلى فلا طريق لنا إلى أن نصلي كما صلى إلا بالعلم، وحينئذ نقول: إنك مأمور بأن تتعلم صفة الصلاة من سنة النبي ﷺ .
صلاة المريض:
٣١٤ - وعن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: "صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب وإلا فأوم". رواه البخاري.
عمران بن حصين ﵁ كان أصيب بداء البواسير، وهو داء معروف في المقعدة، فجاء النبي ﷺ يعوده؛ لأن هذه من عادة النبي ﷺ أن يعود المرضى، فقال له: "صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب".
قوله: "صل قائمًا، فإن لم تستطع" المراد بذلك: صلاة الفرض؛ لأن صلاة النفل يجوز أن
стр. 771
يصلي فيها قاعدًا وإن كان قادرًا على القيام، لكنه يكون أجره على النصف من أجر صلاة القائم كما ثبت ذلك في الحديث عن النبي ﷺ .
وقوله: "صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا" بماذا نعرف عدم الاستطاعة؟ هل معناه: أنه لا يمكن أن يعتمد قائمًا أبدًا، أو معناه: أنه يستطيع لكن بمشقة شديدة لا يستحضر معها ما يقول في صلاته، أو أن المراد: أقل مشقة؟ فهذه ثلاث حالات.
نقول: المراد: المشقة التي توجب اشتغالك عما تقوله في صلاتك؛ يعني: إذا كنت لو وقفت شق ذلك عليك مشقة شديدة بحيث لا تدري ما تقول، أو إذا وقفت صار في رأسك دوران وما أشبه ذلك فصل قاعدًا، إذا تمكنت أن تصلي قائمًا على عصا أو مستندًا إلى جدار أو إلى عمود هل يلزمك؟ نعم يلزمك أن تستند إلى جدار أو نحوه، أو تعتمد على عصا ونحوه، إذا استطعت أن تقف قائمًا لكن منحنيًا تفعل أو تجلس؟ تفعل ولو منحنيًا حتى ولو كان انحناؤك كانحناء الراكع تقوم لعموم قوله: "صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا" ولكن كيف تقعد: هل تفترش أو تتورك أو تقعي، أو تتربع؟ نقول: نتربع، إذا صليت قاعدًا فتربع، ويومئ بالركوع والسجود، لكن يكون متربعًا في حال القيام وفي حال الركوع، أما في حال السجود فيسجد، وفي حال الجلوس بين السجدتين أو في التشهد فيكون جلوسه على العادة.
"فإن لم تستطع فعلى جنب" إذا لم تستطع الصلاة قاعدًا فعلى جنب، ونقول في عدم الاستطاعة قاعدًا كما قلنا في عدم الاستطاعة قائمًا تصلي على جنب، على أي الجنبين؟ الرسول ﷺ ما عين، يجزئ على الجنب الأيمن وعلى الجنب الأيسر، لكن الجنب الأيمن أفضل ثم الأيسر، فإن لم تستطع أن تصلي على جنب، أحيانًا لا يستطيع المريض أن يصلي، يعني: لا يقدر أن يومئ برأسه ولا بعينه فإنه يصلي بقلبه يقول: "الله أكبر" ويقرأ الفاتحة وما تيسر، ويقول: "الله أكبر" وينوي أنه ركع، ثم يكبر وينوي أنه رفع، لعموم قوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ (البثرة: ٢٨٦). وقوله: تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (التغابن). وقول النبي ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"، وأما ذهب إليه بعض أهل العلم من أنه إذا عجز عن الأفعال سقطت الصلاة فلا وجه له، فهل الصواب: أنه عجز عن الأفعال طولب بالأقوال؟ لا، إذا كان يستطيع أن يتكلم ولا يتحرك كما لو أصيب- والعياذ بالله- بشلل فماذا يفعل؟ ينوي بقلبه حتى القول ينوي القول بقلبه والفعل بقلبه، لعموم قوله تعالى: ﴿اتقوا الله ما
стр. 772
استطعتم﴾، وقول النبي ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وكيف يرمي برأسه في الركوع؟ ينحني، وفي السجود: ينحني أكثر، فإن لم يستطع الإيماء بالرأس أو ما بالعين عند بعض أهل العلم؛ لأنه ورد فيه حديث لكنه ضعيف، فأخذ به الفقهاء ﵏ فقالوا: "يومئ بعينه"، وهل يومئ بالأصبع؟ لا، الإيماء بالأصبع ما وجدت له أصلًا لا في السنة ولا في أقوال أهل العلم، لكن العامة يستحسنونه قالوا: لأن الأصبع مثل البدن، لكن هذا استحسان عامي لا يعتمد عليه، ما دام أنه لا أصل له في السنة ولا في كلام أهل العلم فإنه لا يعتمد عليه.
٣١٥ - وعن جابر ﵁ قال: "عاد النبي ﷺ مريضًا، فرآه يصلي على وسادةٍ، فرمى بها، وقال: صلى على الأرض إن استطعت، وإلا فأوم إيماءً، واجعل سجودك أخفض من ركوعك". رواه البيهقي، وصحيح أبو حاتم وقفه.
هذا فيه دليل على أنه لا ينبغي للمريض إذا عجز عن الوصول إلى الأرض أن يصنع له وسادة يسجد عليها سواء صح هذا الحديث مرفوعًا أو موقوفًا، وذلك لأننا منهيون عن التكليف، وهذا من التكليف، فما دام الله تعالى قد أوسع علينا- والحمد لله- أن نومئ فلا حاجة أن نأتي بوسادة لنسجد عليها. نعم، لو فرض أن إنسانًا مصابًا بوجع في رأسه أو بعينه، ولا يستطيع أن يتحرك إلا إذا شد رأسه فهو يضع الوسادة، لا لأجل أن يسجد عليها لكن لأجل أن يلين رأسه، هذا يكون الغرض منه ليس هو التعبد، ولكن الغرض هو التطبب لا بأس به، أما إذا كان من أجل أن يسجد عليها تعبدًا لله تعالى فهذا لا ينبغي، ولهذا قال أهل العلم: إنه يكره أن يرفع وسادة يسجد عيها، كأن المؤلف ﵀ أتى بحديث عمران بن حصين بعد حديث مالك ليبين أن عموم قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" مخصوص بهذا الحديث وأمثاله أن من لا يستطيع أن يصلي كما صلى رسول الله ﷺ فليصلي بحسب استطاعته وحاله.
وأعلم أن الصلاة لا تسقط عن المريض أبدًا ما دام عقله ثابتًا، لكن إذا قدر أن هذا المريض لا يستطيع أن يتوضأ، ولا يستطيع أن يتيمم، ولا يستطيع أن يجتنب النجاسة في ثوبه أو بدنه أو مصلاه، فماذا يفعل؟ يصلي على حسب حاله، وهذه مسألة: كثير من العامة يبقى في المستشفى
стр. 773
أو على فراشه في بيته مريضًا لا يصلي، نقول له: لماذا؟ يقول: ثيابي نجسة، أو بدني نجس، هذا ليس بعذر هذا لو ماتا ولم يصل فهو على خطر، ولذلك يجب أن يبين للناس أنه يصلي على حسب حاله؛ ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، وهل يعيد إذا صلى على حسب حاله بدون وضوء ولا تيمم ولا اجتناب نجاسة إذا عافاه الله؟ لا؛ لأنه قد فعل ما أمر به فاتقى الله ما استطاع.
****
٨ - باب سجود السهو وغيره من سجود التلاوة والشكر
هذه ثلاثة أنواع من السجود: سجود السهو، سجود التلاوة، سجود الشكر، أما سجود السهو فسببه: أن يسهو الإنسان في صلاته، وأما سجود التلاوة فسببه: إذا مر بآية سجدة وهو يتلو القرآن يسجد، وأما سجود الشكر فيه: أن تتجدد له نعمة، أو تندفع عنه نقمة، وسيأتي- إن شاء الله تعالى- بين حكم سجود التلاوة والشكر.
أولًا: سجود السهو:
أعلم أن السهو المضاف إلى الصلاة يكون على نوعية؛ تارة يتعدى ب"في" وتارة يتعد ب"عن" فإن تعدى ب"عن" فهو مذموم ومتوعد عليه في قوله تعالى: ﴿فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾ (الماعون: ٤ - ٥). السهو في الصلاة هو إضاعتها وعدم الاهتمام بها وعدم العناية لها، ولهذا قال بعض أهل العلم: الحمد لله الذي لم يقل: "الذين هم في صلاتهم ساهون"، وإنما قال: ﴿الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾، كما خمد الله بعض أهل العلم حيث قال: ﴿والكافرون هم الظالمون﴾ (البقرة: ٢٥٤). ولم يقل: "والظالمون هم الكافرون"؛ لأنه لو قال: "والظالمون هم الكافرون" صار كل ظالم كافرًا، ولو كان ظلمه لا يخرجه من الإسلام.
المهم أن الله توعد الذين هم عن صلاتهم ساهون: ﴿فويل للمصلين﴾ الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾، هم يصلون لكنهم لا يهتمون بصلاتهم، يفرطون في الواجب، أو يفعلون المحرم، وإذا كان الوعيد لمن يصلي وهو ساهٍ عن صلاته، فما بالك بمن لا يصلي أبدًا- والعياذ بالله- إنه أعظم وأشد، أما السهو في الصلاة، فإنه سهو يكون فيها لا عنها؛ بأن ينسى الإنسان شيئًا منها أو ينسى فيزيد شيئًا ليس منها، والنسيان على هذا الوجه أمر جبلي طبع عليه البشر، ولهذا قال النبي ﷺ "إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون"، فالرسول ﷺ ينسى كما ينسى البشر، لكن ما طريقة البلاغ لا يمكن أن ينساه، وإن نسيه نذكره، ﴿سنقرئك فلا تنسى، إلا ما شاء الله﴾ (الأعلى: ٦ - ٧). وقد ثبت في الصحيح من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ سمع رجلًا يقرأ
стр. 774
في الليل فقال: "يرحمه الله، لقد ذكرني آية كنت أنسيتها"، وفي لفظ: "كنت أسقطتها"، يعني: ـسقطها نسيانه، وإنما قال: في الآية: "أنسيتها" ولم يقل: "نسيتها"؛ لأن هذا لا ينبغي في الآية إذا أنسيتها أن تقول: نسيتها، ولهذا قال النبي ﷺ : "بئسما لأحدكم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت، وإنما يقول نسيت". كلمة "نسيت" تدل على أن هناك شيئًا من الإهمال، فقال: "بئسما لأحدكم أن يقول نسيت آية كذا وكذا"، لكن في الأفعال يصلح أن تقول: نسيت أن أسجد، نسيت أن أركع، وما أشبه ذلك، ولهذا لما وقع من النبي ﷺ أن سلم قبل أن يتم صلاته قال: "إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني"، والمهم: أن السهو في الصلاة وهو الذهول عن بعض ما يجب فيها أو عن فعل ما يحرم فيها بحيث يفعله هذا أمر طبيعي جبلي؛ كل البشر ينسون.
ذكر المؤلف ﵀ في باب سجود السهو حديث:
صفة سجود السهو:
٣١٦ - عن عبيد الله ابن بحينة ﵁ "أن النبي ﷺ بهم الظهر، فقام في الركعتين الأوليين ولم يجلس، فقام الناس معه، حتى إذا قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه، كبر وهو جالس، وسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم سلم". أخرجه السعة، وهذا لفظ البخاري.
وفي رواية المسلم: "يكبر في كل سجدة وهو جالس ويسجد ويسجد الناس معه مكان ما نسى من الجلوس".
*فائدة لغوية:
بحينة اسم أمه، واسم أبيه مالك، فهو عبد الله بن مالك ابن بحينة. كيف أحرك "ابن": بالجر، أو بالرفع؟ فهو عبد الله بن مالك ابن بحينة، وقد ذكر العلماء في هذه المسألة -من باب الفائدة- أنه إذا كان الاسم الثالث اسم الجد، فإن كلمة "ابن" الثانية تكون في الإعراب تابعة لما أضيفت إليه "ابن" الأولى، وأيضًا إذا كان مضافًا إلى اسم الجد، فإن الاسم الذي قبله لا ينون، وأيضًا فإنه تكتب الهمزة في "ابن" بين الاسم الأول الذي أضيف إليه "ابن" وبين الاسم الثاني، فهذه ثلاثة فروق، مثلًا: إذا قلنا: "عبد الله بن عباس بن عبد المطلب" لكن "عبد الله بن مالك ابن بحينة" نقول: "عبد الله بن مالك ابن بحينة" ننون "مالك"، ونجعل "ابن" تابع للاسم الأول، ونفصل بينهما بالهمزة.
стр. 775
قوله: "قام من الركعتين ولم يجلي" يعني: ترك التشهد الأول ﷺ ، "فلما قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه كبَّر فسجد سجدتين وهو جالس، ثم سلم مكان ما نسي من الجلوس"، الصورة: كان النبي ﷺ يصلي الظهر، فقام من الركعة الثانية ولم يجلس للتشهد الأول وقام الناس معه، فلما انتهت الصلاة لم يبق إلا أن يسلم سجد سجدتين، يكبر كلما سجد وكلما رفع ثم سلم.
يستفاد من هذا الحديث: أن التشهد الأول ليس بركن؛ لأنه لو كان ركنًا لا تصح الصلاة إلا به لوجوب الرجوع إليه حتى تصح الصلاة، لكنه واجب، خلافًا لمن قال: إنه يستدل بهذا الحديث على أن التشهد الأول ليس بواجب؛ لأن الرسول ﷺ ما رجع إليه، ولو كان واجبًا لرجع إليه، ولكن الصحيح أنه واجب لقول ابن مسعود: "كنا نقول قبل أن يفرض عليما التشهد .. إلخ" وهذا صريح بأن التشهد فرض.
ويستفاد من هذا الحديث: أن الإنسان إذا قام إلى التشهد الأول لا يرجع إليه، لماذا؟ لأنه واجب يسقط بالنسيان، ولو رجع إليه لزاد في صلاته.
وهل يحرم الرجوع إذا استتم قائمًا أولًا؟ يحرم إلا إذا شرع في القراءة، قولان لأهل العلم، والصواب: أنه بمجرد أن يستتم قائمًا يحرم عليه الرجوع سواء قرأ أو لم يقرأ؛ لأنه لا دليل على التخصيص، ففي حديث المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ قال: "إن استتم قائمًا فلا يرجع وعليه السهو"، والنهي الأصل فيه التحريم، فالصواب: أنك إذا استتمت قائمًا ما ترجع، إن ذكرت قبل أن تستتم قائمًا ترجع، ولكن هل عليك سجود السهو؟ يقول الفقهاء ﵏: إنه إذا نهض عن الجلوس وجب عليه أن يسجد للسهو، يعني: ارتفع بحيث تفارق أليتاه عقبيه لا هو نهض ولا استتم، يرجع ويسجد للسهو، ولكن حديث المغيرة بن شعبة الذي أشرت إليه يقول فيه النبي ﷺ : إنه لا سهو عليه، والحديث فيه كلام، فإن من أهل العلم من ضعفه، ولكن الصحيح أنه لا يصل إلى درجة الضعيف، فالفقهاء ﵏ قالوا: إنه لما ارتفع عن مكان الجلوس صار زائدًا في صلاته فوجب عليه سجود السهو، والحديث يقول: "لا سهو عليه"، ووجهه -والله أعلم-: أن النهوض ليس مقصودًا لذاته، وإنما المقصود القيام ولم يصل إلى حده، فكأن هذه الزيادة ملغاة؛ لأنها في الواقع ليست مقصودة، وإنما هي وسيلة أن يصل إلى القيام، وعلى كل حال في هذه الصورة نقول: السجود لا يجب إن سجد بناء على ما قال الفقهاء من أجل أن الحديث فيه كلام وضعف فلا حرج عليه.
ويستفاد من هذا الحديث: أنه يجب على المأمومين أن يتابعون الإمام إذا قام عن التشهد
следующие страницы →