Полный текст (3 515 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
يصلي فيها قاعدًا وإن كان قادرًا على القيام، لكنه يكون أجره على النصف من أجر صلاة القائم كما ثبت ذلك في الحديث عن النبي ﷺ .
وقوله: "صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا" بماذا نعرف عدم الاستطاعة؟ هل معناه: أنه لا يمكن أن يعتمد قائمًا أبدًا، أو معناه: أنه يستطيع لكن بمشقة شديدة لا يستحضر معها ما يقول في صلاته، أو أن المراد: أقل مشقة؟ فهذه ثلاث حالات.
نقول: المراد: المشقة التي توجب اشتغالك عما تقوله في صلاتك؛ يعني: إذا كنت لو وقفت شق ذلك عليك مشقة شديدة بحيث لا تدري ما تقول، أو إذا وقفت صار في رأسك دوران وما أشبه ذلك فصل قاعدًا، إذا تمكنت أن تصلي قائمًا على عصا أو مستندًا إلى جدار أو إلى عمود هل يلزمك؟ نعم يلزمك أن تستند إلى جدار أو نحوه، أو تعتمد على عصا ونحوه، إذا استطعت أن تقف قائمًا لكن منحنيًا تفعل أو تجلس؟ تفعل ولو منحنيًا حتى ولو كان انحناؤك كانحناء الراكع تقوم لعموم قوله: "صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا" ولكن كيف تقعد: هل تفترش أو تتورك أو تقعي، أو تتربع؟ نقول: نتربع، إذا صليت قاعدًا فتربع، ويومئ بالركوع والسجود، لكن يكون متربعًا في حال القيام وفي حال الركوع، أما في حال السجود فيسجد، وفي حال الجلوس بين السجدتين أو في التشهد فيكون جلوسه على العادة.
"فإن لم تستطع فعلى جنب" إذا لم تستطع الصلاة قاعدًا فعلى جنب، ونقول في عدم الاستطاعة قاعدًا كما قلنا في عدم الاستطاعة قائمًا تصلي على جنب، على أي الجنبين؟ الرسول ﷺ ما عين، يجزئ على الجنب الأيمن وعلى الجنب الأيسر، لكن الجنب الأيمن أفضل ثم الأيسر، فإن لم تستطع أن تصلي على جنب، أحيانًا لا يستطيع المريض أن يصلي، يعني: لا يقدر أن يومئ برأسه ولا بعينه فإنه يصلي بقلبه يقول: "الله أكبر" ويقرأ الفاتحة وما تيسر، ويقول: "الله أكبر" وينوي أنه ركع، ثم يكبر وينوي أنه رفع، لعموم قوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ (البثرة: ٢٨٦). وقوله: تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (التغابن). وقول النبي ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"، وأما ذهب إليه بعض أهل العلم من أنه إذا عجز عن الأفعال سقطت الصلاة فلا وجه له، فهل الصواب: أنه عجز عن الأفعال طولب بالأقوال؟ لا، إذا كان يستطيع أن يتكلم ولا يتحرك كما لو أصيب- والعياذ بالله- بشلل فماذا يفعل؟ ينوي بقلبه حتى القول ينوي القول بقلبه والفعل بقلبه، لعموم قوله تعالى: ﴿اتقوا الله ما
стр. 772
استطعتم﴾، وقول النبي ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وكيف يرمي برأسه في الركوع؟ ينحني، وفي السجود: ينحني أكثر، فإن لم يستطع الإيماء بالرأس أو ما بالعين عند بعض أهل العلم؛ لأنه ورد فيه حديث لكنه ضعيف، فأخذ به الفقهاء ﵏ فقالوا: "يومئ بعينه"، وهل يومئ بالأصبع؟ لا، الإيماء بالأصبع ما وجدت له أصلًا لا في السنة ولا في أقوال أهل العلم، لكن العامة يستحسنونه قالوا: لأن الأصبع مثل البدن، لكن هذا استحسان عامي لا يعتمد عليه، ما دام أنه لا أصل له في السنة ولا في كلام أهل العلم فإنه لا يعتمد عليه.
٣١٥ - وعن جابر ﵁ قال: "عاد النبي ﷺ مريضًا، فرآه يصلي على وسادةٍ، فرمى بها، وقال: صلى على الأرض إن استطعت، وإلا فأوم إيماءً، واجعل سجودك أخفض من ركوعك". رواه البيهقي، وصحيح أبو حاتم وقفه.
هذا فيه دليل على أنه لا ينبغي للمريض إذا عجز عن الوصول إلى الأرض أن يصنع له وسادة يسجد عليها سواء صح هذا الحديث مرفوعًا أو موقوفًا، وذلك لأننا منهيون عن التكليف، وهذا من التكليف، فما دام الله تعالى قد أوسع علينا- والحمد لله- أن نومئ فلا حاجة أن نأتي بوسادة لنسجد عليها. نعم، لو فرض أن إنسانًا مصابًا بوجع في رأسه أو بعينه، ولا يستطيع أن يتحرك إلا إذا شد رأسه فهو يضع الوسادة، لا لأجل أن يسجد عليها لكن لأجل أن يلين رأسه، هذا يكون الغرض منه ليس هو التعبد، ولكن الغرض هو التطبب لا بأس به، أما إذا كان من أجل أن يسجد عليها تعبدًا لله تعالى فهذا لا ينبغي، ولهذا قال أهل العلم: إنه يكره أن يرفع وسادة يسجد عيها، كأن المؤلف ﵀ أتى بحديث عمران بن حصين بعد حديث مالك ليبين أن عموم قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" مخصوص بهذا الحديث وأمثاله أن من لا يستطيع أن يصلي كما صلى رسول الله ﷺ فليصلي بحسب استطاعته وحاله.
وأعلم أن الصلاة لا تسقط عن المريض أبدًا ما دام عقله ثابتًا، لكن إذا قدر أن هذا المريض لا يستطيع أن يتوضأ، ولا يستطيع أن يتيمم، ولا يستطيع أن يجتنب النجاسة في ثوبه أو بدنه أو مصلاه، فماذا يفعل؟ يصلي على حسب حاله، وهذه مسألة: كثير من العامة يبقى في المستشفى
стр. 773
أو على فراشه في بيته مريضًا لا يصلي، نقول له: لماذا؟ يقول: ثيابي نجسة، أو بدني نجس، هذا ليس بعذر هذا لو ماتا ولم يصل فهو على خطر، ولذلك يجب أن يبين للناس أنه يصلي على حسب حاله؛ ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، وهل يعيد إذا صلى على حسب حاله بدون وضوء ولا تيمم ولا اجتناب نجاسة إذا عافاه الله؟ لا؛ لأنه قد فعل ما أمر به فاتقى الله ما استطاع.
****
٨ - باب سجود السهو وغيره من سجود التلاوة والشكر
هذه ثلاثة أنواع من السجود: سجود السهو، سجود التلاوة، سجود الشكر، أما سجود السهو فسببه: أن يسهو الإنسان في صلاته، وأما سجود التلاوة فسببه: إذا مر بآية سجدة وهو يتلو القرآن يسجد، وأما سجود الشكر فيه: أن تتجدد له نعمة، أو تندفع عنه نقمة، وسيأتي- إن شاء الله تعالى- بين حكم سجود التلاوة والشكر.
أولًا: سجود السهو:
أعلم أن السهو المضاف إلى الصلاة يكون على نوعية؛ تارة يتعدى ب"في" وتارة يتعد ب"عن" فإن تعدى ب"عن" فهو مذموم ومتوعد عليه في قوله تعالى: ﴿فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾ (الماعون: ٤ - ٥). السهو في الصلاة هو إضاعتها وعدم الاهتمام بها وعدم العناية لها، ولهذا قال بعض أهل العلم: الحمد لله الذي لم يقل: "الذين هم في صلاتهم ساهون"، وإنما قال: ﴿الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾، كما خمد الله بعض أهل العلم حيث قال: ﴿والكافرون هم الظالمون﴾ (البقرة: ٢٥٤). ولم يقل: "والظالمون هم الكافرون"؛ لأنه لو قال: "والظالمون هم الكافرون" صار كل ظالم كافرًا، ولو كان ظلمه لا يخرجه من الإسلام.
المهم أن الله توعد الذين هم عن صلاتهم ساهون: ﴿فويل للمصلين﴾ الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾، هم يصلون لكنهم لا يهتمون بصلاتهم، يفرطون في الواجب، أو يفعلون المحرم، وإذا كان الوعيد لمن يصلي وهو ساهٍ عن صلاته، فما بالك بمن لا يصلي أبدًا- والعياذ بالله- إنه أعظم وأشد، أما السهو في الصلاة، فإنه سهو يكون فيها لا عنها؛ بأن ينسى الإنسان شيئًا منها أو ينسى فيزيد شيئًا ليس منها، والنسيان على هذا الوجه أمر جبلي طبع عليه البشر، ولهذا قال النبي ﷺ "إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون"، فالرسول ﷺ ينسى كما ينسى البشر، لكن ما طريقة البلاغ لا يمكن أن ينساه، وإن نسيه نذكره، ﴿سنقرئك فلا تنسى، إلا ما شاء الله﴾ (الأعلى: ٦ - ٧). وقد ثبت في الصحيح من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ سمع رجلًا يقرأ
стр. 774
في الليل فقال: "يرحمه الله، لقد ذكرني آية كنت أنسيتها"، وفي لفظ: "كنت أسقطتها"، يعني: ـسقطها نسيانه، وإنما قال: في الآية: "أنسيتها" ولم يقل: "نسيتها"؛ لأن هذا لا ينبغي في الآية إذا أنسيتها أن تقول: نسيتها، ولهذا قال النبي ﷺ : "بئسما لأحدكم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت، وإنما يقول نسيت". كلمة "نسيت" تدل على أن هناك شيئًا من الإهمال، فقال: "بئسما لأحدكم أن يقول نسيت آية كذا وكذا"، لكن في الأفعال يصلح أن تقول: نسيت أن أسجد، نسيت أن أركع، وما أشبه ذلك، ولهذا لما وقع من النبي ﷺ أن سلم قبل أن يتم صلاته قال: "إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني"، والمهم: أن السهو في الصلاة وهو الذهول عن بعض ما يجب فيها أو عن فعل ما يحرم فيها بحيث يفعله هذا أمر طبيعي جبلي؛ كل البشر ينسون.
ذكر المؤلف ﵀ في باب سجود السهو حديث:
صفة سجود السهو:
٣١٦ - عن عبيد الله ابن بحينة ﵁ "أن النبي ﷺ بهم الظهر، فقام في الركعتين الأوليين ولم يجلس، فقام الناس معه، حتى إذا قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه، كبر وهو جالس، وسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم سلم". أخرجه السعة، وهذا لفظ البخاري.
وفي رواية المسلم: "يكبر في كل سجدة وهو جالس ويسجد ويسجد الناس معه مكان ما نسى من الجلوس".
*فائدة لغوية:
بحينة اسم أمه، واسم أبيه مالك، فهو عبد الله بن مالك ابن بحينة. كيف أحرك "ابن": بالجر، أو بالرفع؟ فهو عبد الله بن مالك ابن بحينة، وقد ذكر العلماء في هذه المسألة -من باب الفائدة- أنه إذا كان الاسم الثالث اسم الجد، فإن كلمة "ابن" الثانية تكون في الإعراب تابعة لما أضيفت إليه "ابن" الأولى، وأيضًا إذا كان مضافًا إلى اسم الجد، فإن الاسم الذي قبله لا ينون، وأيضًا فإنه تكتب الهمزة في "ابن" بين الاسم الأول الذي أضيف إليه "ابن" وبين الاسم الثاني، فهذه ثلاثة فروق، مثلًا: إذا قلنا: "عبد الله بن عباس بن عبد المطلب" لكن "عبد الله بن مالك ابن بحينة" نقول: "عبد الله بن مالك ابن بحينة" ننون "مالك"، ونجعل "ابن" تابع للاسم الأول، ونفصل بينهما بالهمزة.
стр. 775
قوله: "قام من الركعتين ولم يجلي" يعني: ترك التشهد الأول ﷺ ، "فلما قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه كبَّر فسجد سجدتين وهو جالس، ثم سلم مكان ما نسي من الجلوس"، الصورة: كان النبي ﷺ يصلي الظهر، فقام من الركعة الثانية ولم يجلس للتشهد الأول وقام الناس معه، فلما انتهت الصلاة لم يبق إلا أن يسلم سجد سجدتين، يكبر كلما سجد وكلما رفع ثم سلم.
يستفاد من هذا الحديث: أن التشهد الأول ليس بركن؛ لأنه لو كان ركنًا لا تصح الصلاة إلا به لوجوب الرجوع إليه حتى تصح الصلاة، لكنه واجب، خلافًا لمن قال: إنه يستدل بهذا الحديث على أن التشهد الأول ليس بواجب؛ لأن الرسول ﷺ ما رجع إليه، ولو كان واجبًا لرجع إليه، ولكن الصحيح أنه واجب لقول ابن مسعود: "كنا نقول قبل أن يفرض عليما التشهد .. إلخ" وهذا صريح بأن التشهد فرض.
ويستفاد من هذا الحديث: أن الإنسان إذا قام إلى التشهد الأول لا يرجع إليه، لماذا؟ لأنه واجب يسقط بالنسيان، ولو رجع إليه لزاد في صلاته.
وهل يحرم الرجوع إذا استتم قائمًا أولًا؟ يحرم إلا إذا شرع في القراءة، قولان لأهل العلم، والصواب: أنه بمجرد أن يستتم قائمًا يحرم عليه الرجوع سواء قرأ أو لم يقرأ؛ لأنه لا دليل على التخصيص، ففي حديث المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ قال: "إن استتم قائمًا فلا يرجع وعليه السهو"، والنهي الأصل فيه التحريم، فالصواب: أنك إذا استتمت قائمًا ما ترجع، إن ذكرت قبل أن تستتم قائمًا ترجع، ولكن هل عليك سجود السهو؟ يقول الفقهاء ﵏: إنه إذا نهض عن الجلوس وجب عليه أن يسجد للسهو، يعني: ارتفع بحيث تفارق أليتاه عقبيه لا هو نهض ولا استتم، يرجع ويسجد للسهو، ولكن حديث المغيرة بن شعبة الذي أشرت إليه يقول فيه النبي ﷺ : إنه لا سهو عليه، والحديث فيه كلام، فإن من أهل العلم من ضعفه، ولكن الصحيح أنه لا يصل إلى درجة الضعيف، فالفقهاء ﵏ قالوا: إنه لما ارتفع عن مكان الجلوس صار زائدًا في صلاته فوجب عليه سجود السهو، والحديث يقول: "لا سهو عليه"، ووجهه -والله أعلم-: أن النهوض ليس مقصودًا لذاته، وإنما المقصود القيام ولم يصل إلى حده، فكأن هذه الزيادة ملغاة؛ لأنها في الواقع ليست مقصودة، وإنما هي وسيلة أن يصل إلى القيام، وعلى كل حال في هذه الصورة نقول: السجود لا يجب إن سجد بناء على ما قال الفقهاء من أجل أن الحديث فيه كلام وضعف فلا حرج عليه.
ويستفاد من هذا الحديث: أنه يجب على المأمومين أن يتابعون الإمام إذا قام عن التشهد
стр. 776
الأول سهوًا، الدليل أن الصحابة قاموا مع النبي ﷺ ولو أنه واجب لنهاهم أن يدعوا الواجب وهو التشهد من أجل متابعة الإمام الواجبة؛ لأنه لا يترك الواجب -وهو التشهد- إلا بواجب، وعلى هذا فيجب على المأمومين إذا قام الإمام على التشهد الأول سهوًا، يجب عليهم أن يقوموا معه، ولا يحل لهم أن يتخلفوا عنه.
ويدل الحديث بالإيماءة: على أن الإمام إذا كان لا يجلس للاستراحة؛ فإنه لا ينبغي للمأموم أن يجلس للاستراحة ولو كان يراها، ولهذا صرح شيخ الإسلام ابن تيمية على أن جلسة الاستراحة هي عند من يرى أنها مشروعة مطلقًا إذا كان مأمومًا فإنه يتابع إمامه في عدم جلوسه، كما أنه لو كان يرى الجلسة وجلس إمامه فإنه يتابع إمامه، ومتابعة الإمام بها أهمية.
ويستفاد من هذا الحديث: أن سجود السهو لمن ترك التشهد الأول، متى يكون؟ قبل السلام؛ لأن النبي ﷺ سجد قبل السلام، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" فلما سجد قبل السلام بسبب التشهد الأول وقد قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" صار محله قبل السلام، وهل ذلك على سبيل الوجوب أو على سبيل الأفضلية؟ ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه قبل السلام وجوبًا؛ لقوله ﷺ "صلوا كما رأيتموني أصلي"، ولم يرد عن النبي ﷺ أنه سجد بعد السلام في حال يكون فيه سجوده قبل السلام حتى نقول: إن المسألة على التخيير والأفضلية، وإنما سجد قبل السلام في موضعه، وبعد السلام في موضعه.
ويستفاد من هذا الحديث: أن الواجبات لا تسقط بالنسيان، بل لابد من فعلها أو فعل ما يكون بدلًا منها، فهنا سقط التشهد الأول، لكن لم يسقط ما يكون بدلًا منه، وهو سجدتا السهو، وعلى هذا نقول: من ترك واجبًا من واجبات الحج فهل يسقط عنه الدم على القول بوجوب الدم لمن ترك واجبًا؟ لا يسقط؛ لن له بدلًا، لكن إذا تركه سهوًا فلا إثم عليه، وإن تركه عمدًا فعليه الإثم والفدية، وإن تركه سهوًا فعليه الفدية دون الإثم.
ويستفاد من هذا الحديث: تيسير هذه الشريعة وتسهيلها وأن الإنسان العامل لا يعدم عمله؛ إذ من الجائز أن يكون من ترك التشهد الأول مع وجوبه أن تكون صلاته باطلة ويلزم بإعادة الصلاة، ولكن من رحمة الله وتيسيره جعل ترك هذا الواجب به بدل يجبره وهو السجود.
ويستفاد من هذا الحديث: فضيلة السجود على غيره من أفعال الصلاة؛ لأنه الذي اختاره الله أن يكون جابرًا، ما جعل الركوع جابرًا، جعل الجابر السجود ليس غير، وهذا دليل على أنه أفضل أركان الصلاة وهو كذلك؛ فإن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد لكن إذا قلت وأيهما أفضل القيام أو السجود؟ نقول: هذا محل خلاف بين العلماء بعضهم قال القيام أفضل وبعضهم قال السجود أفضل، والصحيح أن نقول: القيام أفضل بذكره، والسجود أفضل بهيئته،
стр. 777
أما كون القيام فضل بذكره فلأن القيام فيه كلام الله لا القيام محل القراءة وهي أفضل الذكر، بخلاف التسبيح فإنه ليس كلام الله على أن هذا لا ينفي أن في القرآن تسبيحًا مثل: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ (الأعلى: ١). و ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون﴾ (الروم: ١٧). لكن السجود أفضل بهيئته، ولهذا كان العبد أفضل ما يكون من ربه وهو ساجد، والذي يعنينا في هذا الباب- وبالنسبة لهذا الحديث- أن من ترك التشهد الأول حتى قام فإنه لا يرجع إليه ولكن يجب عليه أن يسجد للسهو قبل السلام هذا الواجب عليه لهذا الحديث، ويعنينا منه أيضًا: وجوب متابعة الإمام فيما إذا ترك التشهد الأول سهوًا؛ لن الصحابة قاموا وتابعوا الرسول ﷺ وأقرهم على ذلك؛ ولولا أن متابعة الإمام واجبة ما سقط بها الواجب الذي هو التشهد.
السجود للسهو بعد السلام وحكمه:
٣١٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: "صلى النبي ﷺ إحدى صلاتي العشي ركعتين، ثم سلم، ثم قام إلى خشيةٍ في مقدم المسجد، فوضع يده عليها، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه، وخرج سرعان الناس، فقالوا: أقصرت الصلاة؟ وفي القوم رجل يدعوه النبي ﷺ ذا اليدين، فقال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: لم أنس ولم تقتصر، فقال: بلى قد نسيت، فصلى ركعتين ثم سلم، ثم كبر، ثم سجد مثل سجوده، أو طول ثم رفع رأسه وكبر، ثم وضع رأسه، فكبر، فسجد مثل سجوده، أو أطول ثم رفع رأسه وكبر". متفق عليه واللفظ للبخاري.
وفي رواية لمسلم: "صلاة العصر".
ولأبي داود، فقال: "أصدق ذو اليدين؟ فأومئوا، أي: نعم" وهي في الصحيحن لكن بلفظ: "فقالوا".
وفي رواية له: "ولم يسجد حتى يقنه الله تعالى ذلك".
قوله: "إحدى صلاتي العشي"، العشي: ما بين الزوال وغروب الشمس، وفيه صلاتان: الظهر والعصر، ويقول أبو هريرة هنا: "إحدى صلاتي العشي" وفي رواية لمسلم: أنها العصر، ولا يهم أن تكون العصر أو الظهر، المهم: معرفة الحكم الذي حصل وهو أن النبي ﷺ صلى بهم فسلم من ركعتين، ومعلوم أن الظهر أو العصر أربعًا، إذن سلم قبل إتمامه، وماذا حدث؟ تقدم النبي ﷺ إلى خشبه معروضة في قبلة المسجد واتكأ عليها ووضع خده على ظهر يده اليسرى
стр. 778
وشبك بين أصابعه كأنه غضبان، والسر في ذلك -والله أعلم- أنه لما لم تكن الصلاة تامة انقبضت نفسه ولم يحصل له الانشراح ﷺ ، وهذا من لطف الله بالعبد أنه إذا صار هناك نقص في عبادته ألا ينشرح صدره حتى يأخذ يفكر فيما حصل، ولهذا قال الرسول ﷺ : "إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله كذا وكذا".
فالحاصل: أن من نعمة اله على العبد ألا ينشرح صدره إذا أخل بشيء من العبادات، بل تبقى نفسه منقبضة حتى يرجعها فيما فعل، وهذا من توفيق الله، هذا ما حصل للرسول ﷺ ، وكما هو معلوم فإن هناك فئة من الناس يسرعون في الخروج عادة وهم "سرعان الناس" خرجوا من المسجد يقولون: "قصرت الصلاة" وبعضهم يقول: "أقصرت الصلاة؟ " أحدهم يستفهم، والآخر يثبت أنها قصرتّ ما كانوا يظنون أن الرسول ﷺ سينسى ويسلم من ركعتين، والصحابة كلهم مع الرسول ﷺ ومع ذلك بم يجتزئ أحد أن يكلمه؛ وذلك لأن الله تعالى قد ألقى المهابة على رسوله ﷺ مع حسن خلقه، لكن له هيبة عظيمة وأخص الناس به أبو بكر وعمر، ولكن مع ذلك هابا أن يكلماه في هذا الأمر الذي يجر قبله مثله، ولكن كان في القوم رجل يدعوه النبي ﷺ "ذا اليدين" لطول في يديه كأنه -والله أعلم- لكون الرسول ﷺ يداعبه ويقول: "يا ذا اليدين" حصل منه أنه يستطيع أن يتكلم، فقال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟
والله إن هؤلاء المناطقة لو أرادوا أن يأتوا بمثل هذه الكلمة وهذا التقسيم العجيب لكتبوا مجلدات، وهذا الصحابي ما قرأ المنطق ولا الفلسفة ولا السبر ولا التقسيم ولا شيء. قال: "أنسيت أم قصرت الصلاة؟ " لا يوجد غير هذا؛ لأنه ما بقي إلا أمر ثالث لا يمكن أن يقع من الرسول ﷺ وهو: أن يتعمد السلام قبل التمام، الشيء الذي يمكن في حق الرسول ﷺ هو أنسيت أم قصرت الصلاة؟ لو قال قائل: إن القسمة هنا غير حاصلة؛ لأنه إما أن ينسى، وإما أن تقصر الصلاة، وهناك شيء ثالث وهو أن يتعمد أن يسلم من ركعتين بدون أن يقصر الصلاة، ولكن هذا الأخير غير ممكن في حق الرسول ﷺ ، ولهذا هو ﵁ ما ذكر الاحتمالين الذين يمكن أن يقعا من الرسول ﷺ ، ـ وهذا من كمال الأدب، الاحتمالات واردان يمكن الرسول ﷺ نسي وسلم من ركعتين ظنًا أنها أربع، ويمكن أن الله تعالى نسخ الحكم الأول وأعاد الصلاة على ركعتين على حالها الأول، لكن الرسول ﷺ قال: "لم أنس ولن تقصر"، وهذا ولد إشكال عند الناس، والنبي ﷺ منزه من الكذب لا يمكن أن يكذب، وهنا قال: "لم أنس ولم تقصر" ما حصل لا هذا ولا هذا، ولكن الصحابي ﵁ لما علم أن نفي النبي ﷺ لتغيير الحكم أمر لا
стр. 779
يلحقه النسيان، ولكن كونه يسلم قبل التمام أمر يمكن أن يكون نسيانًا، ماذا قال له؟ قال: "بلى قد نسيت"، النسيان ممكن، لكن كون الرسول ينفي أن يكون الحكم قد تغير وهو متغير هذا غير ممكن؛ لن هذا من باب البلاغ، ولا يمكن للرسول ﷺ أن يبلغ خلاف الشرع. قال: "بلى، قد نسيت" لما قال: "بلى قد نسيت" وعزم عليه والنبي أشد الناس توضعًا رجع إلى المصليين الآخرين والرسول كان في الأول جازم أنه ما حصل شيء لا نقص ولا نسيان، لكن لما جزم الصحابي وقال: "بلى قد نسيت" قال: يمكن، فقال: "أحق ما يقول ذو اليدين؟ " قالوا: نعم، وفي رواية: "فأومئوا أن نعم" والجمع بين "قالوا" و "أومئوا" يشير جدًا، وذلك بان نقول: بعضهم أو ما يرأسه، وبعضهم قال: نعم، فلما قالوا ذلك تبين للرسول ﷺ أن الصواب مع ذي اليدين، فتقدم فصلى ما ترك يعني: الركعتين الياقيتين، ثم سلم ثم سجد سجدتين مثل سجوده في الصلاة أو أطول ثم سلم.
فيستفاد من هذا الحديث فوائد كثير: الفائدة الأولى: أن الجهل بالعين أو الجهل بالتعيين لا يقدح في صحة الحديث لقوله: "إحدى صلاتي العشي"؛ ولهذا قال أهل العلم بالمصطلح: إن اختلاف الرواة في مثل ذلك لا يعد اضطرابًا في الحديث ولا موجبًا لضعفه، كما ذكروا لذلك أمثلة متعددة منها: حديث فضالة بن عبيد في شرائه القلادة من الذهب اشتراها باثني عشر دينارًا، وقال بعضهم: بعشرة، وقال بعضهم بأقل أو بأكثر، لكن هذا الاختلاف لا يؤثر في صحة الحديث، لماذا؟ لأنه لا يعود إلى أصله، إنما يعود إلى أمر فرعي، لهذا "إحدى صلاتي العشي"، إذا قال بعض الرواة: إنها العصر، وقال بعضهم: إنها الظهر هل يوجب هذا ضعف الحديث؟ لا؛ لأن الكلام على الأصل ودرك الحكم.
ويستفاد من هذا الحديث: جواز النسيان على النبي ﷺ ، من أين يؤخذ؟ من قوله: "بلى قد نسيت"، فأقره النبي ﷺ بدليل أنه رجع إلى قول الصحابة يسألهم. ومنها: أن المؤمن كلما كان أكمل إيمانًا صارت نفسه لها حالات عند فعل الطاعة على الكمال وعند نقصها، تجده إذا أنهى العبادة كاملى انشرح صدره؛ لأن الله يقول: ﴿أمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه﴾ (الزمر: ٢٢). وإذا لم يتمها صار عنده شيء من الانقباض؛ لأن العبادة لم تتم، وهذا من لطف الله بالعبد، وأظن أني قد ذكرت لكم قصة في رجل كان ورعًا لا يأخذ من مال غيره شيئًا إلا بحقه، وأنه في يوم من الأيام قطع له أثله وجعلها تيبس في الشمس ليأخذها حطبًا وكان له جار، وكان هذا الجار أيضًا قد قطع أثلته وجعلها تيبس يأخذها حطبًا، هذا الرجل خرج ذات يوم ليحمل الخشب إلى بيته فجاء إلى الخشب وأناخ البعير وشد الخشب فحمله على البعير وشده ثم نهر البعير- زجرها- لتقوم ولكنها أبت أن تقوم فأخذ يضربها ويزجرها وهي لا تقوم فتعجب!
стр. 780
الحمل ليس بكثير والناقة جيدة لكنها أبت أن تقوم! فجلس يفتش وينظر فتبين له أن الحمل الذي عليه هو أثلة جاره فنزله منها ثم أناخها إلى جنب خشبه وشد عليها، فلما انتهى من شده ونهرها مرة واحدة قامت ومشت، هذه من حماية الله للعبد، إن الله يجول بينك وبين مالا يحل لك من حيث لا تشعر، ولكن هذا إذا كنت صادقًا مع الله في تجنب محارمه؛ أما الإنسان الذي ليس صادق فقد لا ييسر الله له مثل هذه الحال، المهم: أن الرسول ﷺ صار منقبضًا حين سلم من ركعتين.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الإنسان إذا سلم قبل تمام صلاته ثم ذكر أو ذكر وجب عليه أن يكملها، وإذا كان قائمًا من مكانه رجع إليه؛ لأن النبي ﷺ رجع إلى مكانه وأتم الصلاة منه، ولكن كيف يتمها؟ يتم ما بقي، وإذا كان مثلُا الآن هو جالس وسلم وقام على أن الصلاة انتهت فتبين الباقي عليه ركعة تقول: ارجع إلى مكانك، إذا رجع إلى مكانه هل نقول: اجلس لتقوم، أو لا حاجة لأن تجلس؟ يقول العلماء: يجلس ليقوم؛ لأن نهوضه الأول قبل أن يذكر هل هو للصلاة أو لينصرف؟ لينصرف فلابد أن يجلس لينهض؛ لن النهوض هنا من الجلوس إلى القيام من أفعال الصلاة.
ويستفاد من هذا الحديث: أنه إذا سلم عن نقص ثم ذكر أو ذكر وأتم صلاته فإن سجود السهو يكون بعد السلام؛ لأن النبي ﷺ بعد السلام وقال: "وصلوا كما رأيتموني أصلي" فيكون السجود بعد السلام.
ويستفاد منه: أن سجود السهو كسجود الصلاة ما ينقص عن طول سجود الصلاة خلافًا لما يظنه بعض العوام أن سجود السهو يخفف لقول أبي هريرة: "فسجد مثل سجوده أو أطول" وكلمة "أو أطول" قد يقول قائل: إنه يدل على أن سجود السهو أطول من سجود الصلاة، ولكن نقول: لا؛ لأن مثل هذا التعبير في اللغة العربية يراد به تحقيق ما سبق لا إثبات ما لحق، فنقول مثل سجوده هذا المحرر وقال: "أطول" لتحقيق تلك المثلية، ومنه قوله تعالى: ﴿وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون﴾ (الصافات: ١٤٧). قال العلماء المحققون إن معنى ﴿يزيدون﴾ يعني: إن لم يزيدوا لم ينقصوا، فهو لتحقيق العدد.
ولكن ماذا يقول في سجود السهو بعد السلام؟ يقول: "سبحان ربي الأعلى" مثل سجوده في الصلاة تمامًا؛ لأن النبي ﷺ قال: "اجعلوها في سجودكم"؛ يعني: "سبحان ربي الأعلى"، وهذا يشمل سجود صلب الصلاة، وسجود التلاوة، وسجود الشكر، وسجود السهو، فيقول "سبحان ربي الأعلى"، ويقول ما ورد في أذكار السجود، وأما قول بعض العامة: إنه ينبغي أن يقول: "سبحان من كتب النسيان على الإنسان وتنزه عن النسيان" فهذا لا أصل له، ولا أعلمه مشروعًا، وإذا لم يكن مشروعًا فإنه لا ينبغي للإنسان أن يتعبد به، وأن يأتي بذكر من عنده.
стр. 781
ومن فوائده: أن الإنسان إذا سلم قبل تمام صلاته وذك أو ذكر بوقت قريب فإنه يجب عليه أن يتمها، ولا يقول انتهت الصلاة ويتصرف، بل يجب أن يتمها إذا كانت فريضة، وإن كانت نفلًا فإنه لم يتمها بطلت، ولكن النقل لا يجب إتمامه.
ويستفاد من هذا الحديث: أنه إذا سلم وذكر أو ذكر وقد قام من مكانه فإنه يرجع إلى مكانه فيتم في مكانه؛ لأن الرسول ﷺ رجع وأتم في مكانه ولأجل ألا تتبعض الصلاة وتتجزأ فيكون بعضها في مكان وبعضها في مكان آخر.
ويستفاد من هذا الحديث: أن الكلام في هذه الحالة لا يبطل الصلاة؛ لأن الرسول ﷺ تكلم وذو اليدين تكلم، وتكلم من تكلم من الصحابة، وخرج السرعان وهم يقولون: أقصرت الصلاة؟ كلام كثير، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة فيما إذا تكلم الإنسان بعد سلامه من صلاته سهوًا هل تبطل الصلاة ويستأنفها، أم يجوز أن يبني عليها؟ على أقوال ثلاثة:
ومنهم من قال: إنه إذا تكلم بطلت الصلاة سواء كان لمصلحة الصلاة أم لغير مصلحتها.
ومنهم من قال: إن تكلم لمصلحتها لم تبطل وإن تكلم بكلام أجنبي بطلت، ففي هذه المسألة مثلًا صلى رجل الظهر وسلم من ركعتين ثم قال لولده: يا ولدي شغل السيارة قبل أن اذهب، فقال له ولده: ما صليت إلا ركعتين الكلام الذي تكلم هل هو لمصلحة الصلاة أو لا؟ لا، فتبطل الصلاة، ولو كان يسيرًا بخلاف ما لو تكلم لمصلحة الصلاة، كالكلام الذي حصل من الرسول ﷺ ، ومن تكلم من الصحابة فإنه لا يضر، ولكن الصحيح أن الكلام لا يضر سواء كان لمصلحة الصلاة، أو لغير مصلحتها ما دام يعتقد أن صلاته قد تمت؛ لن هذا الكلام الذي صدر بعد السلام كان عن جهل ببقاء صلاته، والكلام مع الجهل لا يبطل الصلاة، وعلى هذا لو تكلم الإنسان بعد سلامه من صلاته بكلاك يتصل بالصلاة أو لا يتصل ولكنه إلى الآن ما ذكر أنها لم تتم فإن صلاته لا تبطل، ودليل ذلك عموم قوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ (البقرة: ٢٨٦).
وهناك دليل آخر خاص بالمسألة وهو بان معاوية بن الحكم ﵁ تكلم في صلاته جاهلًا ولم يأمره النبي ﷺ بالإعادة، فقد عطس رجل من القوم فقال: "الحمد لله" فقال له معاوية: "يرحمك الله" كلام يخاطبه "يرحمك الله" فرماه الناس بأبصارهم فقال: "واثكل أمياه" كلام آخر، فجعلوا يضربون على أفخاذهم يسكتونه فكست، فلما قضى الصلاة دعاه النبي ﷺ ، قال معاوية: بأبي وأمي هو ما رأيت معلمًا أحسن تعليمًا منه، والله ما قهرني ولا نهرني وإنما قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التكبير والتسبيح وقراءة القرآن" أو كما قال ﷺ ، ولم يأمره النبي ﷺ بالإعادة، ولو كانت الإعادة واجبة عليه لأمره بها كما أمر
стр. 782
المسيء في صلاته أن يعيد صلاته، وهذا القول هو الراجح، يعني أنك لو تكلمت بعد أن سلمت نسيانًا فإنه لا يضر ما دمت باقيًا على النسيان، ولكن هل إذا طال الفصل يجب عليه أن تستأنفها أو تكلمها ولو طال الفعل؟ نقول: إذا طال الفصل فاستأنف الصلاة من جديد، أما إذا كان الفصل قليلًا فإنك تكمل الصلاة ولو حصل كلام أو مشي أو ما أشيه ذلك.
ويستفاد من هذا الحديث: أن الإنسان إذا تعارض ظنه وظن غيره لم يلزمه الرجوع إلى قول غيره؛ لن الرسول ﷺ ما رجع إلى قول ذي اليدين؛ لن عنده في ظنه أن الصلاة تامة، ولهذا قال "لم أنس ولم تقصر"، فلما رجع إلى الصحابة ترجح جانب ذي اليدين فأخذ النبي ﷺ به، ولهذا قال الفقهاء: إن الإمام إذا سبح به واحد فقط فإنه لا يرجع إلى قوله، بل إذا سبح به ثقتان رجع إلى قولهما إلا إذا جزم بصواب نفسه فإنه لا يرجع إلى قول أحد أبدًا، لو أن الإمام مثلًا سبحوا به ولكن هو متأكد فهذا لو سبح كل الجماعة لا يرجع إليهم؛ لأنه إذا جزم بصواب نفسه فلا يمكن أن يرجع إلى قول غيره؛ لن رجوعه إلى قول غيره ظن وصواب نفسه الجازم يقين.
فإذا قلت: ما شأن الذين خرجوا وقالوا: "أقصرت الصلاة؟ " هل رجعوا وأتموا، أو صرفوا على ما هم عليه؟ نقول: الأحاديث ليس فيها بيان لحال هؤلاء، وإذا لم يكن فيها بيان لحال هؤلاء نرجع إلى القواعد العامة في الشريعة فنقول: أما من بقى منهم لا يدري عن الأمر فإنه معفو عنه، وأما من علم بأن الصلاة لم تتم فإنه يجب عليه إعادة الصلاة إذا طال الفصل، فعليه إعادتها من جديد، وهذا قد يقع؛ أفرض أنك صليت في جماعة وسلمت من ثلاث ركعات في الظهر ولم يقل لك أحد شيئًا، وخرج الناس، ثم علمت بعد ذلك أنك صليت ثلاثًا فقط، إذا كانت المدة الزمنية قريبة فأكملها، وإذا لم تعلم إلا بعد مدة فإنك تستأنف الصلاة من جديد، ولكن افرض أن أناسًا صلوا معم وذهبوا- وقد يكونون من غير البلد- فما شأن هؤلاء فيما بينهم وبين الله؟ نقول: إذا بقوا غير عالمين فإن صلاتهم تبرأ بها الذمة لأنهم ما علموا.
ويستفاد من هذا الحديث: أن سجود السهو يكون بعد السلام، إذا سلم الإمام أو المأموم أو المنفرد قبل تمام الصلاة فإنه يكون بعد السلام، كيف يمكن للمأموم أن يسلم قبل أن تتم الصلاة؟ افرض أن المأموم فاته ركعة ولما سلم الإمام سلم ناسيًا، وهذا يقع كثيرًا، فإذا ذكر فعليه أن يقوم ويأتي بالركعة ثم يسجد بعد السلام؛ لن النبي ﷺ سجد بعد السلام فيكبر ويسجد ويرفه بتكبير ويسجد ثانية ثم يسلم، وعلى هذا كم يكون في الصلاة من تسليم؟ ثلاث تسليمات، وهي التسليم الأول الذي سها فيه، والتسليم الثاني للخروج من الصلاة، والتسليم الثالث لسجود السهو.
стр. 783
حكم التشهد لسجدتي السهو:
٣١٨ - وعن عمران بن حصين (رضي الله تعالى عنه) "أن النبي ﷺ صلى بهم، فسها فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم". رواه أبو داود، والترمذي وحسنه، والحاكم وصححه.
يستفاد من هذا الحديث: أن الرسول ﷺ تشهد بعد سجدتي السهو، وقد أخذ بذلك بعض أهل العلم على أنه إذا كان سجود السهو بعد السلام فإنه يتشهد بعد السجدتين ويسلم، ولكن القول الصحيح الراجح أنه لا تشهد في سجود السهو؛ لأن التشهد إنما يكون في آخر الصلاة وسجود السهو مكمل للصلاة وليس مستقلًا، يعني: أنه ليس صلاة مستقلة بل هو مكمل لها، والصحيح أنه لا يتشهد بسجدتين ويسلم.
حكم سجود السهو قبل الكلام:
٣١٩ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدركم صلى أثلاثًا أو أربعًا؟ فليطرح الشك وليبين على ما استيقن، ثم سجد سجدتين قبل أن يسلم فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى تمامًا كانتا ترغيمًا للشيطان". رواه مسلم.
الصورة التي ذكرها الرسول هنا في صلاته رباعية أثلاثًا أم أرباعًا؟ قال الرسول ﷺ "فليطرح الشك"، يلغه يعني: "وليس على ما استيقن" ثلاث أم أربع، ما هو المتيقن؟ ثلاث؛ لأن الرابع مشكوك فيها والثلاث متيقنة، فعلى هذا يبني على أنها ثلاث، وإذا شك هل صلى اثنتين أو ثلاثًا فاليقين اثنتان، يطرح الشك وهو الزائد ويبنى على اليقين وهو الأقل.
"ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم" وبين الرسول ﷺ الحكمة من هاتين السجدتين، فقال "فإن كان صلى خمسًا شفعن صلاته" كيف صلى خمسًا؟ لأنه شك ثلاثًا أو أربعًا؟ قلنا: يجعلها ثلاثة فيه احتمال أن تكون أربعًا إذا أتى بركعة فقد صلى خمسًا إذا كان الواقع أنها أربعة في الأول، قال ﷺ : "شفعن صلاته" يعني: جعلنها شفعًا فصار هاتان السجدتان عوضًا عن ركعة كاملة، وإن كان صلى إتمامًا كانت ترغيمًا للشيطان، فلو أنه بني على أنها ثلاث -والواقع أنها ثلاث- يكون أتى بواحدة فقد صلى أربعًا تامًا يقول: "كانتا ترغيمًا للشيطان" يعني: ذلًا واحتقارًا له؛ لأن الشيطان هو الذي يوقع عليك الشك في عبادتك، فإذا أتيت بما يجبر ذلك الشك رغم أنفه، ولهذا قال: "كانتا ترغيمًا للشيطان"، أي: إذلالًا واحتقارًا له، وفي هذا الحديث دليل على أن
стр. 784
الإنسان إذا شك في صلاته في عدد الركعات ولم يترجح عنده شيء فإنه يأخذ بالأقل فيكمل عليه، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم.
ويستفاد من هذا الحديث: مراعاة النبي ﷺ لكون الصلاة تقع شفعًا؛ لقوله: "إن صلى خمسًا شفعن صلاته".
ويستفاد منه: أنه ينبغي للإنسان أن يراغم الشيطان ويذله ويحقره، لقوله: "كانتا ترغيمًا للشيطان" كيف تراغم الشيطان والأصل أنك كلما هممت بأمر خير فإن الشيطان يثبطك عنه دائمًا، إذن بماذا تكون مراغمته؟ أن تفعل الخير وكلما هممت بأمر سوء لتتركه فإن الشيطان يأمرك بفعله، فمراغمته: أن تترك ذلك الفعل المحرم، وكما أنه ينبغي لنا أن نراغم الشيطان فإنه ينبغي لنا أن نراغم أولياء الشيطان من الكافرين والفاسقين وغيرهم؛ لأن الله هكذا أمر، قال الله ﵎: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلًا من اله ورضوانًا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه فأزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار﴾ (الفتح: ٢٩). فإن الكفار إذا رأوا المسلمين على الحالة المحمودة غاظهم ذلك، وقال الله تعالى في وصف المجاهدين: ﴿ولا يطئون موطئًا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدوٍ نيلًا إلا كتب لهم به عمل صالح﴾. (التوبة: ١٢٠). فإغاظة أعداء الله من الشيطان وأوليائه أمر محبوب إلى الله وفيه أجر لنا.
السهو مبني على غلبة الظن:
٣٢٠ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: "صلى رسول الله ﷺ فلمَّا سلَّم قيل له: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت كذا وكذا، قال فثنى رجليه واستقبل القبلة، فسجد سجدتين، ثم سلم، ثم أقبل على الناس بوجهه فقال: إنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب، فيتم عليه، قم ليسجد سجدتين". متفق عليه.
وفي رواية للبخاري: "فليتم، ثم يسلم، ثم يسجد".
ولمسلم: : أن النبي ﷺ سجد سجدتي السهو بعد السلام والكلام".
وبالنسبة للحديث السابق، الحكمة من كون السجود قبل السلام؛ لأم هذا الشك الذي طرأ يخلخل الصلاة ويؤدي الإنسان منها جزءًا مترددًا فيه، إذا صار يشك في صلاته أصلي ثلاثة أو أربعة وقلنا: أجعلها ثلاثة وجاء بالرابعة، تجده الآن مترددًا هل هذه الرابعة أو خامسة أو رابعة فبقى
стр. 785
هذا الجزء ناقصًا فلهذا صار من الحكمة أن يسجد قبل السلام لئلا ينصرف من صلاته إلا وقد أتمها وجبرها.
أما حديث ابن مسعود فيقول: إن النبي ﷺ صلى بهم الظهر خمسًا، فلما انصرف قيل: "يا رسول الله أزيد في الصلاة؟ "، وإنما استفهموا عن الزيادة؛ لأن الوقت قابل للنسخ فإنه في عهد النبي ﷺ ﴿يمحوا الله ما يشاء ويثبت﴾ (الرعد: ٣٩). ومن الممكن أن يزيد الله في الصلاة.
قال: "وما ذاك؟ قالوا: صليت كذا وكذا" يعني: صليت خمسًا، "فثنى رجليه" يعني: عطفهما واتجه إلى القبلة وسجد سجدتين ثم سلم، السجود هنا وقع بعد السلام؛ لأن النبي ﷺ لم يعلم بالزيادة إلا بعد السلام، فصار هنا بعد السلام لعدم العلم يمقتضيه، ثم قال ﷺ : "إنه لو حدث شيء في الصلاة لأنبأتكم به" ﷺ ، لا يمكن أن يحدث شيء في الشرع إلى ويخير به؛ لأنه يجب عليه البلاغ، وفي هذا دليل على أن الرسول ﷺ لما كان يصلي بأهل مكة في عام الفتح كان يصلي ركعتين ويقول: "يا أهل مكة أتموا فإنا قوم سفر"، قال بعض الناس: إنه يصلي ركعتين إذا كان مسافرًا صلى بجماعة مقيمين يصلي ركعتين فإذا سلم قال: "أتموا" وهذا غلط، وإنما يقول: "إنا قوم سفر" قبل أن يدخل في الصلاة لأجل أن يبنوا صلاتهم على يقين، فقول الرسول ﷺ : "لو حدث شيء في الصلاة لأنبأتكم"، يعني: أنبأتكم قبل أن تفعلوا أم بعد؟ قبل أن تفعلوا، إذن هؤلاء الذين يصلون خلف المسافر يخبرهم أنه مسافر قبل أن يدخل في الصلاة يقول: "إني مسافر فإذا سلمت فأتموا" المهم أن الرسول قال: "لو حدث شيء لأنبأتكم به، وإنما أن بشر مثلكم"، هذا من تواضع الرسول ﷺ ، وهو بشر كما قال الله عنه ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم﴾ (الكهف: ١١٠). "أنسى كما تنسون"؛ لن طبيعة البشر النسيان، "فإذا نسيت فذكروني وإذا شك أحدكم في صلاته"، فلم يدر كم صلى، ثلاثًا أو أربعًا؟ "فليتحر الصواب، ثم ليبن عليه ثم ليسلم ثم ليسجد سجدتين".
يستفاد من هذا الحديث: أن الإنسان إذا زاد في صلاته بان صلى خمسًا في رباعية أو أربعًا نقول: يجب عليك أن تسجد، يعني: مثلُا زاد رجل ركعة في صلاته بأن صلى ثلاثًا في ثنائية، أو أربعًا في ثلاثية، أو خمسًا في رباعية ولم يدر حتى سلم يجب عليك أن يسجد؛ لأن الرسول سجد وأمر بالسجود، لا يقول: أنا أديت صلاتي بدون شك، نقول لكنك علمت بالزيادة فيجب عليك أن تسجد لها، ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أن الإنسان إذا شك في الصلاة ثم
стр. 786
علم أنه ليس فيها زيادة ولا نقص فإنه لا سجود عليه، مثال ذلك: شككت هل صليت ثلاثًا أو أربعًا، وجعلتها ثلاثًا وجئت بأربع، ولما جلست في التشهد الأخير ذكرت أن هذا هو الصواب، وأنك لم تزد في صلاتك ولم تنقص؛ وأنك مصيب فيما فعلت فهل عليك سجود؟
المشهور من مذهب الحنابلة: أنه لا سجود عليك؛ لأن السجود لجبر الشك وقد زال، وقال بعض العلماء: عليك السجود؛ لأن الركعة الأخيرة أديتها وأنت متردد فيها: هل هي تتميم لصلاتك أو هي ركعة زائدة، لكن ظاهر فعل الرسول ﷺ في هذا الحديث يدل على أنه إذا تبين للإنسان أنه مصيب فيما فعل فإنه لا سجود عليه، كما أنه لو تبين أنه مخطئ فعليه السجود.
ويستفاد من هذا الحديث: أنه لو زاد في صلاته وذكر قبل أن يسلم أنه زاد فإنه يجب عليه السجود، لكن يكون بعد السلام.
فإن قال قائل: إن النبي ﷺ إنما سجد بعد السلام؛ لأنه لم يعلم إلا بعد السلام، فإن علم قبل أن يسلم لسجد قبل أن يسلم؟ نقول: لا، بل القاعدة: أن كل سجود سببه الزيادة فمحله بعد السلام.
مسألة: رجل صلى الظهر خمسًا وقبل أن يسلم علم يقينًا أنه صلى خمسًا فهل نقول: سلم ثم اسجد، أو أسجد ثم سلم؟ نقول: سلم ثم أسجد؛ لأن النبي ﷺ لما صلى خمسًا سجد بعد السلام فإن قلت النبي ﷺ سجد بعد السلام؛ لأنه لم يعلم إلا بعد أن سلم فكيف تقيس عليه ما إذا علم بالزيادة قبل أن يسلم؟
فالجواب أن نقول: لما سجد النبي ﷺ بعد السلام لهذه الزيادة ولم يقل للأمة: إن زدتم فاسجدوا قبل السلام علم أن محل السجود في الزيادة يكون بعد السلام، وبهذا نقول: متى زاد الإنسان في صلاته ركوعًا بان ركع مرتين، أو سجودًا بان سجد ثلاث مرات مثلًا، أو ركعة كاملة بأن صلى خمسًا في رباعية فإنه يسلم أولًا ثم يسجد للسهو بعد السلام، ويكون الضابط الآن: "كل سجود سببه الزيادة فمحله بعد السلام".
ويستفاد من هذا الحديث: أن رسول الله ﷺ بشر كغيره من البشر، كل الخصائص البشرية تنطبق عليه، فيعتريه النسيان والجهل والمرض والجوع والعطش والألم والأرق، فكل شيء يعتري البشر فإنه يعتري الرسول ﷺ ، وبهذا قال: "إنما أنا بشر" وأكد البشرية بقوله: "مثلكم" كما أمره الله أن يقول: إنه بشر: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم﴾ لكن يتميز عنهم بالرسالة ولهذا قال: ﴿يوحي إلي أنما إلاهكم إله واحد﴾ (الكهف: ١١٠). وينبني على هذه الفائدة بطلان دعوى من يدعي لأنه يعلم الغيب، فإن النبي ﷺ لا يعلم الغيب، وقد أمره الله تعالى أن يقول: ﴿قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن اتبع لا ما يوحي إلي﴾ (الأنعام: ١٥). وينبني عليه أيضًا:
стр. 787
أنه ﷺ لا يملك لأحد نفعًا ولا ضرًا، وأنه عبد كغيره من العبيد، وقد أمر الله أن يقول ذلك: ﴿قل إني لا أملك لكم ضرًا ولا رشدً﴾ (الجن: ٢١). بل هو ﷺ لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، كما أمره الله أن يقول ذلك بقوله: ﴿قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله﴾ (الأعراف: ١٨٨). وذلك في أكثر من آية، ولهذا لو أراده الله تعالى بسوء هل يملك أن يدفع ذلك؟ ﴿قل إني لن يجبرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدًا﴾ (الجن: ٢٢). هذا خاص بالرسول ﷺ ، وأما العموم فقد قال الله تعالى: ﴿وإذا أراد الله بقومٍ سوءًا فلا مرد له﴾ (الرعد: ١١) إذن لا يمكن أن يكون له ﷺ شيء من خصائص الربوبية بل هو بشر.
ويستفاد من هذا الحديث: جواز النسيان على رسول الله ﷺ لقوله: "أنسى كما تنسون"، ولابد أن يبلغه إلا شيئًا نسخ، فإن ما نسخ ربما ينساه النبي ﷺ ، أما شيء باق فلا يمكن أن ينساه؛ لأننا جوزنا ذلك لجوزنا أن يكون شيء من الشريعة منسيًا وهذا ممتنع غاية الامتناع؛ لقوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (الحجر: ٩).
ويستفاد من هذا الحديث: أنه يجب على المأمومين أن ينبهوا الإمام إذا أخطأ؛ لقوله: "فإذا نسيت فذكروني" والأصل في الأمر الوجوب، والمأموم صلاته مرتبطة بإمامه، فإذا لم يذكر صار الخلل في صلاة الإمام وفي صلاته أيضًا؛ ولهذا يجب على المأمومين إذا أخطأ الإمام أن ينبهوه، هذا فيما إذا كان الخطأ مفسدًا للصلاة فإنه يجب، أما إذا كان الخطأ لا يفسد الصلاة فإنه لا يجب لكن يستحب، كما لو أنه أخطأ في قراءة الفاتحة فقال: "أهدانا الصراط المستقيم"، فهنا يجب عليهم أن يردوه؟ نعم يجب لأن هذا الخطأ يفسد الصلاة؛ لن "أهدنا" غير معنى "آهدنا"، "آهدنا" من الهداية، و "أهدنا" من الهدية، يعني أعطنا هدية، ولو قال: "الحمد لله رب العالمين" لم يجب لكن الأفضل أن يردوا عليه؛ لن هذا اللحن لا يفسد الصلاة، ولو نسي أن يجهر في قراءة جهرية يسن أن ينبهوه، ولو سجد ونسي الركوع وجب عليهم أن ينبهوه.
وعلى هذا فيكون قوله: ﷺ : "إذا نسيت فذكروني"، يجمل الوجوب على ما إذا كان هذا المنسي مفسدًا للصلاة، وإلا فإنه يستحب، وهل يجب على غير المأمومين أن ينبهوه إذا أخطأ، مثل: لو فرضنا أن واحدًا كان يقرأ ويجنبه إنسان يصلي ورآه سجد مرة واحدة وقام هل يجب عليه أن ينبهه؟ الأفضل أن ينبهه، وإن كان بعض أهل العلم قال: لا يجب ذلك إلا على المأمومين؛ ن الإنسان غير ملتزم بأصل عبادة غيره والذي يترجح أنه يجب على المأمومين وغيرهم، فإذا رأى أحدهم أحدًا أخطأ خطأ يفسد العبادة وجب عليه أن ينبهه؛ لأن هذا داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ (المائدة: ٢)؛ ولأن هذا يشبه من أراد أن يستعمل
стр. 788
ماء نجسًا وأنت تعلم نجاسته فإنه يجب عليك أن تنبهه؛ لأنه لو استعمل الماء النجس تلوث به ولم يرتفع حدثه؛ ولهذا قال فقهاؤنا- ﵏: ويلزم من علم نجاسة ماء أن ينبه من أراد أن يستعمله ويعلمه بذلك.
ويستفاد من هذا الحديث: أن الإنسان إذا شك في صلاته وترجح عنده أحد الأمرين فإنه يبني على ما ترجح عنده لا يبني على اليقين وإنما على ما ترجح؛ ولهذا قال الرسول ﷺ : "فليتحر الصواب" ثم ليبن عليه:
وعلى هذا فنقول: إذا شككت هل هذه ثلاثًا أو أربع، وكان في ذهنك أن الأربع هما الأقرب ماذا يكون؟ تجعلها أربعًا وتجلس وتسلم وتسجد للسهو بعد السلام، ويتفرع على ذلك قاعدة مهمة وهي: أن العبادات مبنية على الظن لا على اليقين، يعني: أن غلبة الظن في العبادات كافية ولا يشترط اليقين، وهذا في مسائل كثيرة، منها: لو أن الإنسان غلب على ظنه الإنقاء وهو يستنجي أيكفي ذلك أم يقول: لابد أن أتيقن؟ إذا غلب على ظنه أنه أنقى كفى، وكذلك إذا شك في الطواف هل طاف سبعة أشواط أو ستة أشواط؟ وترجح عنده: أنها سبعة فإنه يعمل بالراجح مع أنه ليس يقينًا بل ترجيح، وعلى هذا فقس، فإن هذا الدين يسر؛ لأنه في بعض الأحيان قد يكون اليقين معتذرًا ومتعسرًا، ولهذا كان من رحمة الله بالعباد أن جعل غلبة الظن قائمًا مقام اليقين في باب العبادات، وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وطرده، أما الفقهاء فهم في بعض الأحيان يأخذون بهذا، وفي بعض الأحيان لا يأخذون به، ففي هذا الباب الذي نحن فيه- باب سجود السهو- يقولون: إنه لا يبني على غلبة الظن، بل يجب البناء على اليقين مطلقًا، وفي باب الاستنجاء وإزالة النجاسة قالوا: يكفي غلبة الظن مع أن الأصل بقاء النجاسة، ومع ذلك قالوا: إنه يكفي غلبة الظن، المهم أننا لا نحب أن نأتي بأشياء تضيع المقصود.
مسالة إذا شك الإنسان في صلاته وترجح عنده شيء إما الزيادة وإما النقص ماذا يعمل؟ يعمل بالراجح لقول الرسول ﷺ : "فليتحر الصواب"، ثم ليبن عليه، "ثم ليتم صلاته" بناء على ما ترجح ثم يسلم ثم يسجد للسهو مرتين ثم يسلم، ويتبين بهذا أن الشك إن كان فيه غلبة ظن أخذ بغلبة الظن وصار السجود بعد السلام، وإن لم يكن فيه غلبة ظن أخذ باليقين وهو الأقل، وصار السجود قبل السلام، والفرق بينهما: أنه إذا كان عنده غلبة ظن فإن غلبة الظن أقوى من الوهم، وما دام الشرع اعتبره صار الوهم أمرًا زائدًا، وإذا كان أمرًا زائدًا فإن القاعدة أن سجود السهو إذا كان عن زيادة فإنه يكون بعد السلام.
стр. 789
٣٢١ - ولأحمد، وأبي داود، والنسائي؛ من حديث عبد الله بن جعفرٍ مرفوعًا: "من شك في صلاته؛ فليسجد سجدتين بعدما يسلم". وصححه ابن جزيمة.
سقوط سجود السهو:
٣٢٢ - وعن المغيرة بن شعبة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا شك أحدكم، فقام في الركعتين، فاستتم قائمًا، فليمض ولا يعود، وليسجد سجدتين، فإن لم يستتم قائمًا فليجلس ولا سهو عليه". رواه أبو داود وابن ماجه، والدارقطني، واللفظ له بسندٍ ضعيف.
هذا الحديث- حديث المغيرة بن شعبة- فيمن قام عن التشهد الأول، فبين النبي ﷺ أن هذا له حالان:
الأولى: أن يستتم قائمًا فليمض ولا يرجع، يعني: قام عن التشهد الأول الذي في وسط الصلاة حتى استتم قائمًا، فإنه لا يرجع يستمر في صلاته، ويسجد سجدتين قبل أن يسلم لأن هذا عن نقص فيكون السجود قبل السلام، وظاهر الحديث: أنه لا يرجع سواء شرع في قراءة الفاتحة أم لم يشرع وهذا هو الصحيح، وأما من قال: إن يشرع في القراءة كره له الرجوع، وإن شرع حرم الرجوع فلا وجه لقوله، فالصواب: أنه إذا استتم قائمًا فغنه لا يرجع؛ لأنه انتهى إلى الركن، والتشهد الأول واجب وليس بركن.
ثم الحالة الثانية: في هذا الحديث إذا ذكر قبل أن يستتم قائمًا فإنه يرجع ويتشهد ويكمل الصلاة، لكن ذكر هنا قال: "ولا سهو عليه" يعني: لا يجب عليه سجود السهو؛ وذلك لأنه لم يصل إلى القيام، فكأن هذا الانتقال لا يعتبر زيادة؛ لأنه ما زاد ركوعًا ولا سجودًا ولا قيامًا وإنما شرع في الانتقال، والانتقال ليس ركنًا مقصودًا لذاته، فكأنه لم يزد في صلاته، هذا ما يدل عليه الحديث.
والحديث- كما قال ابن حجر ﵀ سنده ضعيف، ولكن الطحاوي في "شرح معاني الآثار" قال: إنه صحيح، فإن الحديث ضعيفًا فإنه يتوجه ما قال الفقهاء- ﵏ حيث قالوا: إذا قام عن التشهد الأول ونهض ولم يستتم قائمًا؛ فإنه يجب أن يرجع ويتشهد ويسجد للسهو. قالوا: لأنه أتى بزيادة وهي النهوض من الجلوس، والزيادة توجب سجود السهو، كل زيادة إذا تعمدها الإنسان بطلت صلاته فإنه يجب لها سجود السهو، وعلى هذا فإنه يجب عليه أن يسجد للسهو، وأما إذا نهض ولكنه لم يفارق الجلوس- يعني: تهيأ للنهوض ولكنه ما فارقت
стр. 790
أليتاه عقبية- فإنه في هذا الحال يجلس، يعني: يستقر في جلوسه، ثم لا يجب عليه سجود السهو؛ لأنه لم يزد في صلاته ما زال على حد الجلوس فلا يكون عليه سجود سهو؛ فالفقهاء يقولون من قام عن التشهد الأول فله ثلاث حالات:
- إما ألا ينهض، يعني: يعزم ويتهيأ ولكن ما ينهض، فهذا يأتي بالتشهد ولا شيء عليه؛ لأنه ما زاد في صلاته ولا نقص.
- وإما أن ينهض ولا يستتم، فهذا يجب عليه الرجوع وسجود السهو.
- وإما أن يستتم فهم يقولون أيضًا: إن شرع في القراءة حرم الرجوع، وإن لم يشرع كره الرجوع، ومع ذلك فعليه السجود هنا لأنه ترك التشهد.
أما الحديث فإنه يقتضي أن يكون لتارك التشهد الأول حالان فقط: إما أن يذكر بعد أن يستتم قائمًا فلا يرجع وعليه سجود السهو، أو يذكر قبل أن يستتم قائمًا فيرجع وليس عليه سجود السهو، فإن صح الحديث- كما قال الطحاوي- فهو حجة، ولا قول لأحد بعد قول الرسول ﷺ ، وإن لم يصح فإن ما ذكر الفقهاء- ﵏ هو الصواب؛ لكن نرى أنه إذا استتم قائمًا لا يرجع مطلقًا، يعني أن الرجوع حرام عليه.
حكم سهو الإمام والمأموم:
٣٢٣ - وعن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ليس على من خلف الإمام سهو، فإن سها الإمام فعليه وعلى من خلفه". رواه الترمذي والبيهقي بسندٍ ضعيفٍ.
هذا الحديث- كما قال المؤلف-: سنده ضعيف، لكن إذا رجعنا إلى الأصول وجدنا أن أصول الشريعة تشهد له، فالمأموم إذا سها ولم يجب عليه إلا سجود السهو فإن الإمام يتحمله عنه، بشرط ألا يفوته شيء من الصلاة؛ وذلك لأن الإنسان المأموم مأمور بمتابعة الإمام، حتى إن الإمام إذا قام عند التشهد الأول- وهو من واجبات الصلاة- سقط عن المأموم، وجب عليه متابعة إمامه؛ كذلك إذا سها المأموم ولم يجب عليه في سهوه هذا إلا سجود السهو ولم يفته شيء من الصلاة فإنه يسقط عنه السجود، فصار سجود السهو يسقط عن المأموم بشرطين: الأول: ألا يوجب سهوه سوى السجود، والثاني: ألا يكون قد فاته شيء من الصلاة، وفي هذه الحال يتحمل الإمام عنه سجود السهو؛ لأنه لو سجد معناه: أنه خرج عن متابعة الإمام، أما إذا كان سهو المأموم يوجب أكثر من سجود السهو كما لو سها المأموم عن قراءة الفاتحة مثلًا
стр. 791
على القول بأنها ركن في حق المأمومين وهو الصحيح- فإنه في هذه الحال لا يحتمل عنه الإمام سجود السهو؛ لأنه لابد أن يقضي هذه الركعة التي فاتته، وحينئذ يكون سجوده وحده ليس مع الإمام، كذلك إذا كان المأموم قد فاته شتى من الصلاة وسها سواء مع الإمام أو بعدما انفرد فإنه يجب عليه سجود السهو.
أما المسألة الثانية: فهي: إذا سها الإمام فهل يجب على المأموم سجود السهو؟ نقل: نعم، يجب عليك أن تسجد مع إمامك حتى لو ما سهيت أنت، فلو فرض أن الإمام نسى أن يقو: "سبحان ربي العظيم" في الركوع، فهنا نسى ذكرا ما نوعه؟ ذكر واجب، فيجب عليه سجود السهو، أنت أيها المأموم لم تنس شيئًا لكن إمامك نسى واجبًا من واجبات الصلاة يجب عليه بذلك سجود السهو. فهل إذا سجد الإمام يجب عليك أن تتابعه؟ نعم؛ لن متابعة الإمام واجبة حتى وإن كنت في محل لا يجب عليك السجود يجب أن تتابعه؛ بدليل أن الإنسان إذا كان قد فاته ركعة من الظهر بأن يكون مثلًا دخل مع الإمام في الركعة الثانية، وجلس الإمام للتشهد الأول يجب عليك- أيها المأموم- أن تجلس معه، وهل هو محل جلوس لك؟ لا، ولكن من أحل متابعة الإمام، كما أنه إذا قام إلى الرابعة فهي في حقك ثالثة، وهو لا يجلس، لكن تجلس أنت للتشهد الأول، أو تتابع الإمام؟ تتابع الإمام، فمتابعة الإمام أمر مهم، وعلى هذا فإذا سها الإمام وجب على المأموم أن يسجد وإن لم يسه هو.
وها هنا مسألة وهي: لو سها الإمام وكان محل سجوده بعد السلام وأنت قد فاتك شيء من الصلاة فهل يسلم ثم يسجد بعد السلام، هذه المسألة اختلف فيها العلماء، فقال بعضهم: تنتظر وتسجد معه ثم تقوم لقضاء ما فاتك. وقال بعضهم: لا تنتظر؛ لأنه لما سلم انتهت صلاته. فمتابعته الآن معتذرة؛ لأنك إن تابعته لابد أن تسلم وصلاتك ما تمت فالمتابعة إذن متعذرة، وحينئذ تقوم أنت وتقضي ما فاتك، وهل يجب عليك سجود السهو عند تمام صلاتك؟ فيها خلاف، وأرجح الأقوال عندي: أنه إن كنت قد أدركت سهوا الإمام فإنك تسجد للسهو؛ لأن السهو لحقك إن كنت لم تدركه فإنك لا تسجد، وإن سجدت فلا حرج، لكن لا يجب إلا إذا كنت قد أدركت سهوه.
٣٢٤ - وعن ثوبان ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لكل سهوٍ سجدتان بعدما يسلم". رواه أبو داود، وابن ماجه بسندٍ ضعيفٍ.
стр. 792
٣٢٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: "سجدنا مع رسول الله ﷺ في: ﴿إذا السماء انشقت﴾ (الانشقاق: ١) و: ﴿اقرأ باسم ربك﴾ (العلق: ١). رواه مسلم.
كان المؤلف ﵀ أنهى الأحاديث التي أتى بها لبيان سجود السهو، وقد سبق لنا عدة أنواع مما وقع للرسول ﷺ ، منها: أنه قام من الركعتين ولم يسجد، يعني: لم يتشهد التشهد الأول، هذا واحد.
والثاني: أنه صلى خمسًا، ومنها: أنه سلم من ركعتين في إحدى صلاتي العشي: إما الظهر وإما العصر، وسبق لنا أن فيما وقع من النبي ﷺ من السهو دليلًا على أن النبي ﷺ تلحقه أحكام البشر، وسبق لنا: أن الرسول ﷺ لا يعلم الغيب أيضًا، وبهذا نعلم خطأ ما يفعله بعض الناس إذا انتهوا من بعض الأعمال حيث تراهم يكتبون: ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون﴾ (التوبة: ١٠٥). إن هذا خطأ كبير؛ لأنه وإن كان الله يراه لكن الرسول لا يراه، ثم ن هذه الآية نزلت في تهديد المنافقين. فكيف تجعل مكتوبة على أعمال خيرية؟ لكن ظني أن أول من وضعها رجل جاهل لا يعرف القرآن، وأخذها الناس عنه تقليدًا، وهذا مما يجعلنا نتأمل غاية التأمل فيما يقال بين الناس من هذه الكلمات وغيرها؛ لأنها ربما تحمل معاني لا تصح ونحن أخذناها مسلمة.
فالحاصل: أن الرسول ﷺ لا يعلم الغيب، ولا يرى شيئًا بعد وفاته حتى لو قلنا: بأنها تعرض عليه أعمال أمته إن صح ذلك فإنه لا يراها لكنه يعلمها، وفرق بين العلم وبين الرؤية، ثم إن الرسول ﷺ نفسه لا يعلم إلا ما علمه الله ، ولهذا قال الله تعالى ﴿وعلمك ما لم تعلم﴾ (النساء: ١١٣). وهو من دعائه ﷺ ، بل إن الله أمره أن يقول: ﴾ وقل زدني علمًا﴾ (طه: ١١٤). وكان من دعائه: "اللهم علمني ما ينفعني وانفعني بما علمتني وزني علمًا" فمن زعم أن النبي ﷺ يعلم الغيب فهو مكذب لله ولرسوله والإجماع المسلمين، ثم إن المؤلف أتى بالحديث بعد أن ذكر الكلام على السهو.
فإن قال قائل مثلًا: هل نسيان الرسول ﷺ هل يوجب نقصًا، وهل كونه لا يعلم إلا ما علمه الله هل يوجب ذلك نقصًا؟
الجواب: لا، هو أكمل البشر في علمه بالله فإنه أعلم البشر بالله وبأحكامه، ولكنه ﷺ بشر كغيره خرج من بطن أمه لا يعلم شيئًا، ثم علمه الله ما من به عليه من
стр. 793
الكتاب والحكمة فصار يزكي الناس ويعلمهم، وكذلك بالنسبة للنسيان ما ينقصه؛ لأن هذا النسيان طبيعة بشرية لا توجب النقص، كما أنه إذا جاع أو عطش أو أصابه البرد أو الحر لا ينقصه ذلك كله. كان ﷺ يصب على رأسه الماء من العطش وهو صائم، ما يقال هذا فيه نقص فهو ﷺ أكمل الناس في الأحوال البشرية، لكنه ليس خاليًا منها، لابد أن تصيبه الأحوال البشرية كغيره، لكن الله تعالى أعطاه كمالًا في الصبر وحسن الخلق ومكارم الأخلاق ﷺ .
سجود التلاوة:
أما الموضوع الثاني في الباب فهو: "سجود التلاوة"، سجود التلاوة ظاهر اللفظ: أنه سجود سببه التلاوة، أي آية تلوتها فإنك تسجد، ولكن ليس كذلك، فهو عام مخصوص. سجود التلاوة تعني: في مواضعها، فهو سجود سببه التلاوة، لكن في مواضع التلاوة.
حكم سجود التلاوة:
سجود التلاوة سنة مؤكده لا ينبغي للإنسان أن يدعه، حتى قال بعض العلماء: إنه واجب، وأن من ترك السجود فهو آثم، لكن الصواب أنه ليس بواجب؛ لأن أمير المؤمنين عمر ﵁ قرأ على المنبر يوم الجمعة سورة النحل فلما بلغ السجدة نزل فسجد، ثم قرأها في الجمعة الأخرى، ولم يسجد ثم قال: "إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء" قاله بمحضر من الصحابة، فدل ذلك على أن الصواب عدم وجوب سجود التلاوة.
فإن قال قائل: ما تقول في قوله تعالى: ﴿وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون﴾ (الانشقاق: ٢١). أليس هذا من خصائص الكفار؟
فالجواب: أن المراد بالسجود هنا: سجود الذل والخضوع؛ لأن الله ما قال: وإذا قرئ عليهم آية سجدة، إنما قال: ﴿وإذا قرئ عليهم القرآن﴾، ومعلوم بالنص أنه ليس كل ما قرئ من القرآن يجب له السجود، فتعين أن المراد بالسجود هنا: سجود الذل والطاعة، يعني: أنهم لا يخضعون ولا يدلون، بل يستكبرون- والعياذ بالله-.
أحكام سجود التلاوة:
سجود التلاوة له أحكام أولًا: هل يسجد الإنسان في الصلاة أو لا يسجد؟
الجواب: يسجد، لأن النبي ﷺ قرأ في صلاة العشاء ﴿إذا السماء انشقت﴾ (الانشقاق: ١) فسجد فيها، فيسجد الإنسان ولو في صلب الصلاة، وإذا سجد في صلب الصلاة فإنه يكبر
стр. 794
إذا سجد ويكبر إذا قام، هذا هو ظاهر ما ورد عن النبي ﷺ من أنه يكبر في كل خفض ورفع، يعني: كلما خفض وكلما رفع، والذين رووا ذلك عنه كابن معود، وأبي هريرة منهم من روى عنه سجود التلاوة ولم يستثنوا سجود التلاوة، فدل ذلك على أن سجود التلاوة إذا كان في الصلاة يكبر لها إذا سجد وإذا رفع، وأما ما يفعله بعض الناس من أنه يكبر إذا سجد ولا يكبر إذا رفع فإن هذا وهم منه، وليس الفعل مبنيًا على أصل صحيح، وغاية ما عنده أنه رأى كلام ابن القيم ﵀ في "زاد المعاد" وهو: أنه يكبر لسجود التلاوة عند السجود ولا يكبر إذا قام، فظن أن كلام ابن القيم عام، وليس كذلك وإنما ابن القيم تكلم عن السجدة المجدة فقطـ، والسجود المجرد يأتينا حكمه- إن شاء الله- بعد قليل.
الحاصل: أن السجدة إذا كانت في الصلاة فإنه يكبر لها إذا سجد وإذا قام.
ثانيًا: ثم هل يقرأ السجدة في صلاة الجهر وفي صلاة السر؟
ذهب بعض أعل العلم أنه يقرأ آية السجدة في صلاة الجهر وفي صلاة السر، أما في صلاة الجهر فالأمر ثابت عن الرسول ﷺ وليس فيه تلبيس على المأمومين؛ لأنهم يسمعون ويعلمون أنه سجد فيسجدون، وأما في صلاة السر فقال بعض أهل العلم: إنه لا يقرأ في صلاة السر آية سجدة؛ لأنه لا يخلو من واحد من أمرين: إما أن يسجد فيشوش على المأمومين، وإما ألا يسجد فيكون قد ترك سجود التلاوة هذا هو المشهور من مذهبنا -مذهب الإمام أحمد- على أنه يكره للإمام أن يقرأ آية سجدة في صلاة السر وأن يسجد فيها، وقال بعض أهل العلم: إنه لا كراهة في ذلك، واستدلوا بحديث في سنن أبي داود- لكن فيه مقال- أن الرسول ﷺ قرأ في صلاة بـ ﴿الم تنزيل﴾ السجدة وسجد فيها، ولكن الصحيح أنه لا يكره أن يقرأ آية سجدة وأنه لا حرج عليه إذا قرأ ولم يسجد؛ لأن السجود على القول الراجح ليس بواجب، إنما هو سنة: إن سجدت فلك أجر وإن لم تسجد فلا حرج، أما إذا كانت السجدة مجردة؛ أي: ما فيها صلاة فماذا يصنع؟ نقول: يكبر إذا سجد، على أن الحديث الوارد في ذلك فيه مقال؛ ولهذا كان شيخ الإسلام ابن تيمية لا يكبر إذا سجد، إنما يسجد بدون تكبير.
ثالثًا: إذا سجد يسجد على الأعضاء السبعة، لعموم قول النبي ﷺ : "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم".
رابعًا: إذا سجد يقول: "سبحان ربي الأعلى" لعموم قول الرسول ﷺ : "اجعلوا في
стр. 795
سجودكم"، يكررها كما يفعل في الصلاة وإن دعا بما ورد به الحديث: "اللهم لك سجدت، وبك آمنت، وعليك توكلت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره بحوله وقوته، اللهم اكتب لي بها أجرًا، وضع عني بها وزرًا، واجعلها لي عندك زخرًا"، وهل يسلم لسجود السهو؟ الجواب: لا، لا يقوم بتسليم ولا يكبر؛ لن ذلك لم يرد عن النبي ﷺ .
خامسًا: هل يسجد في كل وقت مر بالسجدة أو لا يسجد في أوقات النهي؟ الصواب: أنه يسجد كلما مر بآية السجدة، سواء الظهر، أو العصر، أو المغرب، أو في آخر الليل، أو في أثناء النهار. يسجد كلما مر بالسجدة على سبيل الاستحباب كما تقدم، وآيات السجدات معروفة، وعددها أربع عشرة سجدة في القرآن كله، منها في الحج اثنتان.
سادسًا: إذا مر بآية السجدة وتجاوزها ونسى أن يسجد، فإن ذكر مع قرب الفصل سجد، وإن تجاوزها طال الفصل فإنه لا يسجد؛ لأن القاعدة عند أهل العلم أن السنة إذا فات محلها فإنها تسقط؛ لأنها علقت بسبب فزال.
بعض مواضع سجود التلاوة في القرآن:
٣٢٦: وعن ابن عباس ﵁ قال: " ﴿ص﴾. ليست من عزائم السجود، وقد رأيت رسول الله ﷺ يسجد فيها". رواه البخاري.
يعني: ليست من السجدات المؤكدة، وإن كان ظاهر كلامه ﵁: أن سجود التلاوة واجب؛ لأن العزيمة هي: ما كان واجبًا فعله أو واجبًا تركه، ولكن تقدم لنا أن الصحيح: أن سجود التلاوة ليس بواجب، وإنما هو سنة مؤكدة، ويكون معنى قوله: "ليست من عزائم السجود" أي: ليست من السنن المؤكدة، ثم قال: "ولكن رأيت النبي ﷺ يسجد فيها" فدل هذا على أنها مما يسجد له من أجل التلاوة.
وقد اختلف أهل العلم- ﵏: هل السجود في "ص" للتلاوة أو للشكر؟ فذهب بعضهم إلى أنها للشكر، وذهب آخرون إلى أنها للتلاوة، والصواب: أنها للتلاوة، وبناء على هذا فإذا مرت به وهو يصلي فإنه يسجد، وبناء على الأول- إذا قلنا إنها سجدة شكر- فإنه إذا مرت به وهو يصلي لا يسجد، ولكن الصواب: أنها سجدة تلاوة، ولهذا لا تشرع إلا إذا تلونا هذه الآيةـ ولو أن الإنسان تذكر قصة داود أو قصها على أحد فإنه لا يشرع له أن يسجد إلا إذا تلاها كما جاءت في القرآن. وأعلم أن قصة داود ﵇ ورد فيها من الإسرائيليات ما ينزه عنه مثل داود؛ لأنه ورد أنه ﷺ كان عنده تسع وتسعون امرأة، وأن أحد جنوده كان عنده امرأة جميلة فأرادها
стр. 796
داود ولكنه رأى أنه لا يمكن أن يأخذها من هذا الجندي قهرًا، فنفذه إلى جيش لقتال العدو لعله يقتل فيأخذها داود! هذه القصة لا ترد أو لا تحصل من أي عاقل، فضلًا عن مؤمن، فضلًا عن أحد الرسل -عليهم الصلاة والسلام-، ولكنها من دسائس اليهود، افتروها فتلقاها الناس عن حسن ظن أو عن حسن نية، فصاروا يكتبونها عند تفسير هذه الآية الكريمة، والصواب بلا شك: أنه ليس هذا سببها، وأنه لا يجوز أن نعتقد مثل هذا في أحد الأنبياء والرسل الكرام، وأن سبب القصة: أن داود ﷺ - كما في القرآن- دخل محرابه- يعني: محل عبادته- وأغلق بابه من أجل أن ينفرد بالتعبد لله- وكان رسولًا حكمًا بين الناس، لابد أن يتفرغ للحكم بينهم، فجاء هذان الخصمان ووجدا الباب مغلقًا، وكانا في حاجة شديدة إلى أن يقضي بينهما، فتسورا المحراب، يعني: أنهما صعدا من السور على داود وهو في محرابه يتعبد لله، فلما تسورا المحراب فإن الطبيعة البشرية تقتضي أنه إذا تسور عليك في مكانك الخاص أحد من الناس، لابد أن تخاف ولهذا قال: ﴿إذ تسوروا المحراب، إذ دخلوا على داود ففزع منهم﴾ (ص: ٢١، ٢٢). وكأنهم جماعة لكنهم متخاصمون قالوا: ﴿لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فأحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط﴾ (ص: ٢٢). فسكن روعه وطلبا منه أن يحكم بالحق بدون شطط، ثم أدلى أحدهما بحجته فقال: إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة- يعني شاة- ولي نعجة واحدة، فأحرجه وضايقه، فقال: ﴿أكفلنيها وعزني في الخطاب﴾ (ص ٢٣). يعني: غلبني بخطابه؛ لأنه كان فصيحًا بليغًا فأخرجه. ماذا قال داود؟ قال: ﴿لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرًا من الخلطاء ليبغى بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقيل ما هم وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعًا وأناب﴾ (ص: ٢٤). ﴿فتناه﴾ يعني: اختبرناه، حيث هيأ الله تعالى الخصمين ليتسوروا المحراب عليه، كيف ذلك؟ إذا نظرنا في هذه القصة وجدنا أن داود- ﵇ - قال: ﴿لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه﴾ فأثبت أنه ظالم دون أن يوجه القول إليه. والمعروف في المحاكمة أنه إذا أدلى الخصم بحجته يوجه القول إلى الخصم الثاني، ويقال: هل هذا الأمر واقع أو لم يقع؟ إن أقر حكم عليه، وإن لم يقر بنظر في الأمر. أما أن يحكم على أنه ظالم بمجرد دعوى الخصم فهذا فيه شيء من الفتنة.
كذلك كونه ﷺ يدخل مكان تعبده ويغلق الباب دون حاجة الناس هذا الأمر الذي ينبغي عليه أن يفعل خلافه؛ لأن الحكم بين الناس الذي يحتاج الناس إليه لا ينبغي أن يغلق بابه فكان داود ﵇ فهم أن الله ابتلاه بهذين الخصمين فاستغفر ربه وخر راكعًا وأناب.
وليس في القصة أنه عشق امرأة هذا الجندي، ولا أنه أرسله إلى الحرب ليقتل، ولا يمكن أن يكون هذا واقعًا من نبي الله ﷺ ، استغفر ربه فخر راكعًا وأناب، فغفر الله له ذلك فصارت
стр. 797
السجدة منه توبة إلى الله، وصارت منا من أجل التلاوة، لما مررنا بهذه الخطبة سجدنا اقتداء بداود ﷺ ؛ لأن الله يقول: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ (الأنعام: ٩٠).
حكم سجود القارئ والمستمع والسامع:
٣٢٧ - وعنه ﵁: "أن النبي ﷺ سجد بالنجم". رواه البخاري.
٣٢٨ - وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: "قرأت على النبي ﷺ النجم، فلم يسجد فيها﴾. متفق عليه.
هذان الحديثان تضمنا مسألتين: الأولى: أن النبي ﷺ قرأ بسورة النجم فسجد فيا. سورة النجم آخرها قوله تعالى ﴿فاسجدوا لله واعبدوا﴾ (النجم: ٦٢). فإذا بلغها الإنسان فليسجد؛ لأن النبي ﷺ سجد فيها وسورة النجم من المفصل، أما حديث زيد بن ثابت أنه قرأ على النبي ﷺ فلم يسجد فيها، فهذا دليل على أنه لا يسجد في هذه الآية من سورة النجم، ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أن السجدات التي في المفصل قد نسخت مشروعية السجود فيها، واحتجوا بأن الرسول ﷺ قرأ عليه زيد بن ثابت سورة النجم فلم يسجد، ومعلوم أن سجوده ﷺ في سورة النجم كان في مكة قبل الهجرة، وقراءة زيد بن ثابت كانت بعد الهجرة في المدينة فيؤخذ بالآخر فالآخر، ولكن الاستدلال بهذا الحديث فيه نظر ظاهر؛ لأن القارئ زيد بن ثابت وليس رسول الله ﷺ ، ولكن زيدًا لم يسجد وإذا لم يسجد القارئ فإن المستمع لا يسجد، ولهذا لما لم يسجد القارئ- وهو زيد بن ثابت- لم يسجد النبي ﷺ وحينئذ لا يمكن أن نقول: بالنسخ ويدل على بطلان القول بالنسخ أن أبا هريرة- وهو قد أسلم في السنة السابعة من الهجرة- روى أن النبي ﷺ قرأ في صلاة العشاء بسورة (الانشقاق) وسجد فيها، وقال ﵁: "لا أزال أسجد فيها حتى أموت"، أو كلمة نحوها.
فالصواب: أن السجدات اللاتي في المفصل مشروعة سجودها باقية، وأنه لا دلالة في حديث زيد بن ثابت على أنها منسوخة؛ بل في حديث زيد بن ثابت دلالة على أنه إذا لم يسجد القارئ لا يسجد المستمع وها هنا ثلاثة: قارئ، ومستمع، وسامع. قال أهل العلم: فيسن السجود للقارئ والمستمع دون السامع. القارئ واضح، والمستمع هو: الذي ينصت ويتابع القارئ، والسامع هو: الذي سمع إنسانًا يقرأ سجدة وهو لم ينصت لقراءته ولم يستمع إليها، فهذا لا يسجد ولو سجد القارئ فالقارئ أصل والمستمع فرع والسامع ليس أصلًا ولا فرعًا، فإذا سجد
стр. 798
القارئ سجد المستمع، وإذا لم سجد القارئ لم يسجد المستمع، وإذا سجد القارئ لم يسجد السامع الذي سمعه.
٣٢٩ - وعن خالد بن معدان ﵁ قال: "فصلت سورة الحج بسجدتين". رواه أبو داود في المراسيل.
٣٣٠ - ورواه أحمد، والترمذي موصولًا من حديث عقبة بن عامرٍ، وزاد: "فمن لم يسجدهما، فلا يقرها". وسنده ضعيف.
٣٣١ - وعن عمر ﵁ قال: "يا أيها الناس، إنا نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه" رواه البخاري، وفيه: "إن الله تعالى لم يفرض السجود إلا أن نشاء". وهو في الموطأ.
قول عمر: "إن الله تعالى لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء" هذا قد يشكل هل المفروض بمشيئتنا؟ يقال: لا، ولكن هذا يسمى عند أهل العلم بالاستثناء المنقطع، يعني: لكن إن شئنا سجدنا، ويكون كلامه قد تم عند قوله: "إن الله لم يفرض علينا السجود"، ويكون: "إلا أن نشاء" بمعنى: لكن إن شئنا سجدنا وإن شئنا لم نسجد، وفيه دليل على أن الشيء إذا وكل إلى مشيئة العبد فإنه ليس بواجب، وإذا لم يوكل إلى مشيئته فهو واجب، فيكون ذلك مؤيدًا لما سبق من القول بوجوب الوضوء من لحم الإبل؛ لأن النبي ﷺ لما سئل أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم، وسئل عن لحوم الغنم، قال: إن شئت، فلما علق الوضوء بالمشيئة في لحوم الغنم دل ذلك على أن الوضوء منها ليس بواجب، وأن الوضوء من لحم الإبل واجب.
التكبير لسجود التلاوة:
٣٣٢ - وعن ابن عمر ﵁ قال: "كان النبي ﷺ يقرأ علينا القرآن، فإذا مر بالسجدة كبر، وسجد، وسجدنا معه". رواه أبو داود بسند فيه لين.
هذا الحديث يدل على مسألتين مهمتين الأولى: أن سجود التلاوة يكبر له عند الانحطاط؛ لقوله: "كبر وسجد" والثانية: أنه إذا سجد القارئ فإن المستمعين يسجدون معه؛ لقوله: "وسجدنا
стр. 799
معه" وهذا الحديث يقول المؤلف: إن في سنده لينا، واللين معناه: أنه ليس بالقوي؛ لأن اللين ضد القوي، فيكون في هذا الحديث ضعف، ولهذا كان بعض أهل العلم يقولون: إن سجدة التلاوة ليس لها تكبير، وبعضهم يقول: لها تكبيرتان: تكبير عند الانحطاط، وتكبير عند النهوض، كما أنهم قد اختلفوا في إثبات التسليم لسجود التلاوة أيضًا، فللعلماء- في ذلك-؛ أي: في أن سجدة التلاوة يكبر لها ويسلم لهم على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه إذا سجد يكبر للسجود وعند الرفع يسلم، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ولكنه ضعيف؛ لأنه لا دليل عليه، والعبادات توقيفية لا تثبت إلا بدليل.
والقول الثاني: أنه لا يكبر للسجود ولا يكبر للرفع من السجود ولا يسلم لها؛ لأن ذلك لم يصح عن النبي ﷺ ، وأهل هذا القول ضعفوا هذا الحديث الذي رواه أبو داود، وقالوا: إن الضعيف لا تقوم به حجة.
والقول الثالث: هو وسط أنه يكبر إذا سجد، ولا يكبر إذا قام ولا يسلم، قالوا: لأن هذا التكبير ورد فيه هذا الحديث، وأما التكبير إذا قام والتسليم فلم يرد فيه حديث أصلًا، ولكنه على الخلاف في غير ما إذا كان السجود في صلب الصلاة، أما إذا كان السجود في صلب الصلاة فلابد من التكبير عند السجود، وعند الرفع منه؛ لأنه إذا كان السجود في الصلاة فله حكم سجود الصلاة؛ ولهذا جميع الواصفين لصلاة النبي ﷺ - ومنهم أبو هريرة ﵁ الذي روى عنه أنه سجد في سورة الانشقاق في صلاة العشاء- كل الذين يذكرون التكبير يقولون: إنه كان يكبر كلما خفض وكلما رفع، ولا يستثنوا من ذلك شيئًا، فإذا جاءت العبارة عامة كلما خفض وكلما رفع قد علم منها أن الرسول ﷺ كان يسجد سجود التلاوة في صلاة الفريضة، فإن هذا العموم يتناول سجود التلاوة، وعلى هذا فنقول: إذا كنت في صلاة وسجدت للتلاوة فكبر إذا سجدت وإذا رفعت، وإذا كنت خارج الصلاة فكبر إذا سجدت، ولا تكبر إذا قمت ولا تسلم.
سجود الشكر:
٣٣٣ - وعن أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ : "كان إذا جاءه أم يسره خر ساجدًا لله". رواه الخمسة إلا النسائي.
٣٣٤ - وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: "سجد النبي ﷺ فأطال السجود، ثم رفع رأسه فقال: إن جبريل أتاني فبشرني، فسجدت لله شكرًا". رواه أحمد وصححه الحاكم.
стр. 800
٣٣٥ - وعن البراء بن عازبٍ ﵁ "أن النبي ﷺ بعث عليًّا إلى اليمن- فذكر الحديث- قال: فكتب علي ﵁ بإسلامهم، فلما قرأ رسول الله ﷺ الكتاب خر ساجدًا شكرًا لله تعالى على ذلك". رواه البيهقي، وأصله في البخاري.
هذه الأحاديث الثلاثة تدل على مشروعية سجود الشكر، قال أهل العلم: وإنما يشرع إذا تجددت النعمة، أما النعمة المستمرة فإنه لا يشرع لها السجود؛ لأن الإنسان دائمًا في نعمة اله كما قال الله تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها" (إبراهيم: ٣٤). لكن المراد: النعم المتجددة مثل: أن يبشر بولد، أو يبشر بنجاح، أو يبشر بوجود مال ضائع، أو يبشر بانتصار المسلمين أو بدء الفتنة عنهم، أو ما أشبه ذلك، أو يحصل له حادث لولا لطف الله تعالى لأضر به فيسجد الله شكرًا لاندفاع هذه النقمة.
والحاصل: أنه يستحب سجود الشكر عند تجدد النعم واندفاع النقم، كما فعل النبي ﷺ ، والظاهر أنه يكبر إذا سجد ولا يكبر إذا قام ولا يسلم، والمذهب: أنه يكبر إذا سجد وإذا رفع ويسلم كسجود التلاوة، ولو قال قائل: بأن سجود الشكر لا يشرع فيه التكبير عند الانحطاط، نقول: إن الأمرا لم يكن بعيدًا؛ لأن التكبير إنما ورد في سجود التلاوة، وكما قلنا- قبل قليل- إن العبادات مبنية على التوقيف، ولكن ماذا تقول إذا سجدت للشكر؟ تسبح "سبحان ربي الأعلى"؛ لعموم قول النبي ﷺ : "اجعلوها في سجودكم" وتثني على الله بما له من كمال الإنعام والإفضال، وإذا ذكرت النعمة نفسها كان ذلك أولى، فتقول -مثلًا-: "اللهم لك الحمد على ما أنعمت علي من هذه النعمة أو على ما دفعت عني من هذه النقمة" وتدعو بالدعاء المناسب.
****
٩ - باب صلاة التطوع
٣٣٦ - عن ربيعة بن مالك الأسلمي ﵁ قال: "قال لي النبي ﷺ : سل. فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. فقال: أو غير ذلك؟ فقلت: هو ذاك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود". رواه مسلم.
فوله: "باب صلاة التطوع"، هذا من باب إضافة الشيء إلى نوعه، يعني: الصلاة تنقسم إلى فريضة وإلى تطوع، وهكذا الزكاة والصيام والحج، وهذا من رحمة الله تعالى وحكمته أن جعل
стр. 801
لهذه الفرائض تطوعات؛ لن الإنسان قد يخل بالفرائض فتكون هذه التطوعات تكميلًا لها، كما جاء في الحديث: "أن الفرائض تكمل بالنوافل يوم القيامة".
صلاة التطوع أقسام متعددة منها: التطوع المطلق الذي يسن للإنسان كل وقت ما عدا أوقات النهي، ومنها: التطوع المقيد بوقت، ومنها: التطوع المقيد بفرض، ومنها: التطوع المقيد بسبب، فهذه أربعة أقسام: مقيد بوقت كالوتر، ومقيد بفرض كالرواتب، ومقيد بسبب كتحية المسجد، ومطلق وهو ما عدا المقيد.
قال المؤلف: "عن ربيعة بن مالك الأسلمي أن النبي ﷺ قال له: سل"، يعني: أسأل، وكان قد قضى حاجة للرسول ﷺ ، فطلب منه النبي ﷺ أن يسأل شيئا لأجل أن يكافئه لكن كانت همة هذا الرجل عالية جدًا قال: أسألك مرافقتك في الجنة" هذا سؤال يزن الدنيا كلها، لو جاءت الدنيا كلها ما صارت شيئًا بالنسبة إلى هذا المسئول: "أسألك مرافقتك في الجنة"، الرسول ﷺ ما أجابه بـ"نعم" ولا أجابه ب"لا"، ولكنه رجاه وقال: "أعني على نفسك بكثرة السجود"، أي: بكثرة الصلاة، لكنه خص السجود؛ لن السجود من أركانها، وقد يعبر عن الشيء بما هو من أركانه، كما في قوله تعالى: ﴿واركعوا مع الراكعين﴾ (البقرة: ٤٣) , يعني: صلوا مع المصلين، كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا﴾ (الحج: ٧٧). يعني صلوا صلاة ذات ركوع وسجود، فمعنى كثرة السجود: أن يكثر الصلاة.
فيستفاد من هذا الحديث عدة فوائد: أولًا: كرم النبي ﷺ وحسن خلقه، وأنه لا يدع لأحد معروفًا إلا كافأه عليه، وهذا هو المشروع يعني: أن يكافأ الإنسان على المعروف؛ لأن النبي ﷺ قال: "من صنع إليكم معروفًا فكافئوه"، وفي المكافأة على صنع المعروف تشجع لأهل المعروف على فعله؛ لأن الإنسان إذا كوفئ على معروف تشجع، بخلاف ما إذا لم يكافأ صاحب المعروف، كما أن في المكافأة على المعروف رفعًا لشأن الذي صنع فيه المعروف، فإنك قد تجد ذلًا أمام هذا الذي أدى المعروف، فإذا كافأته صرت معه مساويًا له، ولهذا قال النبي ﷺ : "اليد العليا خير من اليد السفلى"، فإذا أحد أدى إليك معروفًا صارت يده بالنسبة إليك عليا، وإذا كافأته علوت أنت وصرت كفؤًا له، وفي المكافأة للمعروف امتثالًا لأمر النبي ﷺ ، وهذا ينبغي أن يكون على رأس الفوائد، وامتثال أمر النبي ﷺ كله خير وكله بركة، ولو لم
стр. 802
يكن من امتثال الإنسان لأمر الرسول ﷺ إلا أنه يشعر أن الرسول إمامه أمامه يعني: كأنه بين يديه يتابعه ويترسم خطاه ويمشي تبعًا له لكفاه ذلك شرفًا، وإن كان النبي ﷺ لا شك أنه في قبره في المدينة، لكن إذا فعلت الشيء امتثالًا لأمر الرسول ﷺ صار النبي ﷺ كأنه أمامك تتبعه فيما قال:
ويستفاد من هذا الحديث: علو همة ربيعة بن مالك ﵁ حيث لم يسأل شيئًا من الدنيا وإنما سأل مرافقة النبي ﷺ في الجنة.
ومن فوائده: فضل كثرة الصلاة، وأنها سبب لأن يكون الإنسان رفيقًا لرسول الله ﷺ في الجنة، لقوله: "أعني على نفسك بكثرة السجود".
ومنها أيضًا: أنه كون الإنسان يعمل عملًا صالحًا فإنه يكون محسنًا لنفسه؛ لقوله: "أعني على نفسك بكثرة السجود" فأنت إذا أكثرت السجود فهذا مصلحة لنفسك ومعونة لها، أي: معونة على ما فيه خيرها وصلاحها.
السنن الرواتب:
٣٣٧ - وعن ابن عمر ﵁ قال: "حفظت من النبي ﷺ عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الصبح". متفق عليه.
- وفي رواية لهما: "ركعتين بعد الجمعة في بيته"
- ولمسلم: "كان إذا طلع الفجر لا يصلى إلى ركعتين خفيفتين".
هذه من السنن المقيدة بالفرائض، ويقال لها: الرواتب وهي -كما في حديث ابن عمر- عشر، قال: "حفظت من رسول الله ﷺ عشر ركعات .. الخ".
فيستفاد من هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يحافظ على هذه الرواتب، "ركعتين قبل الظهر" يعني: بعد الأذان وقبل الإقامة، "وركعتين بعدها" إلى وقت العصر، يعني: يمتد وقت الركعتين التي بعد الصلاة إلى أن يدخل وقت الصلاة الأخرى، "وركعتين بعد المغرب: إلى أن يدخل وقت العشاء، وركعتين بعد العشاء إلى منتصف الليل؛ لأن وقت العشاء منتهاه: منصف الليل، "وركعتين قبل الفجر"، وكان ﷺ لا يصلي بعد أذان الفجر إلا ركعتين خفيفتين كما ثبت ذلك من حديث ابن عمر، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث عائشة، وفيه: أن الرسول ﷺ كان يخفف هاتين الركعتين؛ يعني: ركعتي الفجر، حتى تقول عائشة: "حتى أقول: أقرأ بأم
стр. 803
القرآن؟ " من تخفيفه لهما ﷺ ، هذه الرواتب عشر في حديث ابن عمر الركعتان اللتان قبل الظهر يبتدأ وقتهما من زوال الشمس إلى صلاة الظهر، واللتان بعدها من صلاة الظهر إلى دخول وقت العصر، والركعتان بعد المغرب من صلاة المغرب إلى دخول وقت العشاء، والركعتان بعد العشاء من صلاة العشاء إلى منتصف الليل، والركعتان قبل الفجر من طلوع الفجر إلى صلاة الفجر، أما العصر فليس لها سنة راتبة يداوم عليها الرسول ﷺ ، قال أهل العلم: إذا فاتتك الركعتان قبل الظهر فصلهما بعد الصلاة؛ لن فعلهما قبل الصلاة تعذر وهذا يقع دائمًا بان يأتي الإنسان إلى المسجد فيجدهم قد أقاموا الصلاة، ففي هذه الحال يقضيها بعد صلاة الظهر، لكن يصلي الراتبة التي بعد الظهر قبل الراتبة التي قبلها.
إنسان جاء والناس يصلون الظهر فلم يتمكن من سنة الظهر، إذا صلى الظهر يصلي ركعتين بنية الراتبة البعدية، ثم بعد ذلك يقضي الراتبة القبلية، هكذا روي عن الرسول ﷺ في حديث رواه ابن ماجه، صلاة الفجر إذا فاتته سنة الفجر قبل الصلاة يقضيها بعد الصلاة، أو إذا أخرها إلى أن ترفع الشمس قدر رمح كل هذا جائز.
أين تفعل هذه الرواتب العشر في المسجد أو في البيت؟ كان الرسول ﷺ يفعلها في بيته ففي حديث ابن عمر صرح بأن المغرب والعشاء والفجر والجمعة كلها في البيت وسكت عن الظهر، ولكننا حسب ما نعرفه من هدي الرسول ﷺ أنه كان يصلي الرواتب في بيته، حتى قال ﷺ " "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة"، وعلى هذا فالأفضل أن تصلي الرواتب في البيت قبل أن تأتي إلى المسجد حتى لو كنت في مكة أو كنت في المدينة، فالأفضل أن تصلي الرواتب في بيتك لا في المسجد الحرام ولا في المسجد الحرام ولا في المسجد النبوي؛ لأن الرسول ﷺ كان يصلي هو في مسجده- المسجد النبوي- ومع ذلك يصلي النوافل في البيت.
ويستفاد من هذا الحديث: أن راتبة الفجر ينبغ أن تخفف، وتختص راتبة الفجر بأمور ثلاثة: الأول: أنها أفضل الرواتب، حتى قال الرسول ﷺ : "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها". الثاني: أنها تفعل حضرا أو سفرًا، بخلاف راتبة المغرب والعشاء والظهر، فإن الإنسان إذا كان مسافرًا لا يصلي رواتب هذه الصلوات الثلاث، أما الفجر فتفعل.
الثالث: أن لها قراءة مخصوصة، يعني: يقرأ فيها بشيء معين من القرآن وهو ﴿قا يأيها
стр. 804
الكافرونْ﴾ (الكافرون) في الركعة الأولى، ﴿قل هو الله أحد﴾ (الإخلاص). في الركعة الثانية، أو الركعة الأولى: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحدٍ منهم ونحن له مسلمون﴾ (البقر: ١٣٦). وفي الركعة الثانية يقرأ: ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمةٍ سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا أشهد بأنا مسلمون﴾ (آل عمران: ٦٤). وهل هذا يعني: أنه مخير في الأمر بحيث إن شاء قرأ: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾ دائمًا أو يقرأ: ﴿قولوا آمنا بالله﴾ و ﴿قل يا أهل الكتاب﴾ دائمًا، أو الأفضل أن يفعل هذا مرة وهذا مرة؟ الثاني: لأن كليهما ثبت عن الرسول ﷺ لكن إذا كان لا يحفظ الآيتين التين أولاهما في سورة البقرة والثانية في آل عمران فليقرأ: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾ فهل تصح الصلاة إن قرأ بغيرهما؟ نعم، ولو اقتصر على الفاتحة صحت أيضًا الصلاة؛ لأنه من سورة معينة في القرآن تجب قراءتها إلا الفاتحة، لقول النبي ﷺ : "لا صلاة لمن يقرأ بأم القرآن".
٣٣٨ - وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ "كان لا يدع أربعًا قبل الظهر وركعتين قبل الغداة" رواه البخاري.
سبق لنا في حديث بن عمران أن النبي ﷺ كان يخفف الركعتين لصلاة الفجر فالسنة إذن تخفيفهما.
فلو قال قائل: أليس من الأفضل أن أثقلهما، وأزيد في القراءة، وأزيد في التسبيح، وأزيد في الدعاء؟ قلنا: لا بل التخفيف أفضل؛ أن الله يقول: ﴿الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا وهو العزيز الغفور﴾ (الملك: ٢). ولم يقل: أيكم أكثر عملًا، بل قال: ﴿أيكم أحسن﴾، وكلما كان للشرع أوفق كان أحسن، ولهذا قلنا: إن ما ورد عن النبي ﷺ فإن الأفضل الاقتصار فيه على ما ورد، وذكرنا من تلك القواعد فوائد، منها: لو قال قائل في رمضان: أنا أحب أن أصلي ثلاثًا وعشرين ركعة، أو تسعًا وثلاثين ركعة، أو إحدى وسبعين ركعة، أو أصلي إحدى عشرة ركعة، فأيها أفضل؟ قنا: إحدى عشرة ركعة أفضل، فإذا قال قائل: إن الرسول ﷺ حث على كثرة الركوع والسجود والصلاة، قلنا: لكن هذا الحث مطلق، فالشيء المطلق يقيد بما جاءت به السنة فإن عائشة لما سئلت كيف كانت صلاة النبي ﷺ في رمضان؟ قالت: "كان لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة"، فالأفضل على هذا ألا نتجاوز، كما لو قال قائل: أنا
стр. 805
أريد أن أسبح أدبار الصلوات ثلاثمائة مرة، نقول له: بل الأفضل لاقتصار على ما ورد، ثم يشرع أن تسبح ما شئت، لكن لا تنو أنه تسبيح مقيد بالصلاة؛ أي: لا تزد على ما جاء به الشرع بالتسبيح المقيد بالصلاة.
هكذا أيضًا نقول: الأفضل للإنسان في راتبة الفجر أن يخففها، حتى قالت عائشة ﵂ "حتى إني أقول: أقرأ بأم القرآن"، من شدة تخفيفه ﷺ .
وماذا يقرأ في هذه الرواتب؟ أما راتبة الظهر والعشاء فلم يرد فيها شيء، وأما راتبة المغرب فقد ورد فيها حديث فيه نظر وفيه أنه يقرأ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾، وأما الفجر فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يقرأ فيها: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾، وفي الركعة الثانية: ﴿قل هو الله أحد﴾ أو في الركعة الأولى ﴿قل يا أيها الكافرون﴾، وفي الركعة الثانية ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا﴾ الآية. وفي حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان لا يدع أربعًا قبل الظهر وركعتين قبل الغداة، في هذا الحديث دليل على أن راتبة الظهر قبلها أربع ركعات، فهل نأخذ بحديث ابن عمر أو بحديث عائشة أو نقول: إن السنة هذا وهذا؟ يرى بعض أهل العلم: أن نأخذ بحديث عائشة؛ لأن فيه زيادة علم، ويرى آخرون أن نأخذ بحديث ابن عمر؛ لأنه قال: "حفظت عن رسول الله ﷺ "، ولكن الراجح: أن هذا، وهذا أيضًا سنة، من اقتصر على ركعتين فقد أصاب، ومن زاد إلى أربع فقد أصاب، ولكن المرجح: أن يصلي أربعًا، وذلك لأنه وردت أحاديث تدل على فضيلة الأربع قبل الظهر.
فضل ركعتي الفجر:
٣٣٩ - وعنها ﵂ قالت: "لم يكن النبي ﷺ على شيءٍ من النوافل أشد تعاهدًا منه على ركعتي الفجر". متفق عليه.
- ولمسلم: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها".
هذا الحديث أيضًا تقول عائشة ﵂: "على شيء من النوافل"، المراد بالنوافل: النوافل التابعة للصلوات، فلم يكن النبي ﷺ يتعاهد شيئًا منها أكثر من تعاهده لركعتي الفجر، ولهذا كان لا يدعهما حضرًا ولا سفرًا، وليس شيء من الرواتب يصليه النبي ﷺ إلا راتبة الفجر فقط، وانتبه لقولي: من الرواتب، احترازًا من بقية النوافل، فإن بقية النوافل كان الرسول ﷺ يصليها، لكن الرواتب لا يصلي منها إلا راتبة الفجر، ما الذي بقى من الرواتب؟ راتبة الظهر وراتبة
стр. 806
المغرب وراتبة العشاء، هذه لا تصلي، وأما الوتر فليس من الرواتب؛ لأن الرواتب هي: السنن التابعة للصلوات الخمس، والوتر ليس منها، ولهذا نقول: إن المسافر يصلي الوتر، ويقوم الليل، ويصلي الضحى، ويصلي الاستخارة، ويصلي تحية المسجد، وينتفل تنفلًا مطلقًا، كل المواطن مشروعة في حقه، باقية على مشروعيتها، أما الرواتب- وهي النوافل التابعة للصلوات المكتوبة- فلا يصلي منها إلا راتبة الفجر، فإنه لا يدعها حضرًا ولا سفرًا، وفي صحيح مسلم: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها"، (ركعتا الفجر)، كيف ركعتا الفجر: بالفتج مع أنه مبتدأ؛ لأنه مثنى لكن تسقط الألف لأن الذي بعدها همزة وصل، وقد قال ابن مالك.
إن ساكنان التقيا اكسر ما سبق ... وإن يكن لينا ففتحه استحق
وهذا لين "ألف" فيفتح، ولا حاجة إلى أن تتوقف وتقول: ركعت الفجر، بل نقول: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" وهذا نظير قوله تعالى: ﴿ولقد أتينا داود وسليمان علمًا وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين﴾ (النمل: ١٥). لا نتوقف ونقول: "وقال الحمد لله، ليس هناك داعٍ، بل نقول: ﴿الحمد لله الذي فضلنا على كثيرٍ من عباده المؤمنين﴾؛ لأن الألف تسقط عند التقائها بهمزة الوصل، وهنا "ركعتا الفجر خير من الدنيا وفيها". أي دنيا هي؟ الدنيا كلها في كل زمان ومكان ركعتان خير من الدنيا كلها، والخيرية هنا ظاهرة؛ لأن ثواب هاتين الركعتين باق، والدنيا كلها زائلة وما فيها زائل: ﴿كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ (الرحمن: ٢٦ - ٢٧). تصور كيف كانت حال الدنيا .. من مضى من الملوك والعلماء والتجار وغيرهم ماذا كانوا بعد أن ذهبوا؟ كانوا كما كانوا قبل أن يولدوا مضوا وكأن لم يكونوا بعد! يقول الله في سورة الإنسان ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا﴾ (الإنسان: ١) ثم ذكر بعد ولادته وإذا مات صار حبرًا من الأخبار:
بينا يرى الإنسان فيها مخبرًا ... حتى يرى خبرًا من الأخبار
كان يتحدث بالناس، ولكن الآن صار الناس يتحدثون به، فركعنا الفجر خير من الدنيا وما فيها، لو ذكر للواحد أنه يوجد في بلد بعيد، يوجد قصر (فيلا) إذا جاء الإنسان إليها فإننا نعطيها إياه مجانًا جزاء له على سفره الطويل أيذهب الناس إليها أم لا؟ لا شك أنه يذهب الناس إليها مع التعب الشديد، مع أنها ربما تنهدم قبل أن يموت صاحبها، أو يموت ويدعها! لكن "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" فضل عظيم، ولولا أنه ثابت عن الرسول ﷺ لقال قائل: كيف يكون هذا الفضل العظيم بهذا العمل القليل: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" وهذا يدل
стр. 807
على تأكدها، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يدع ركعتي الفجر، بل الواجب عليه أن يحرص عليها ويحافظ عليها.
فإن قال إنسان: إذا جئت والإمام قد أقام الصلاة هل أصليها، يعني: أنا أعلم علم اليقين أنني سأدرك الإمام قبل أن يركع؛ لأني أعرف أن عادة الإمام أنه يقرأ ويطيل القراءة، فسوف أتمكن من صلاة الراتبة ثم أدخل معه، فما الجواب؟
نقول: لا يصليها، ولو صلاها فهي باطلة مع إثمه، يأثم وتبطل الصلاة؛ والدليل قول النبي ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة"، و"لا" نافية، والنفي هنا بمعنى النهي وهو نفي للصحة، يعني: لا تصلوا فإن صليتم فلا صلاة لكم، ولكن يصليها بعدما يسلم الإمام ويأتي بالذكر الوارد، وإن أخرجها حتى تطلق الشمس قيد رمح فلا حرج عليه، لكن كثيرًا من الناس بقول: إني لو تركتها لنسيتها، أو لتهاونت لها وثقلت علي، فإذا كان الإنسان يخشى من هذا فالأفضل أن يصليها بعد الصلاة.
٣٤٠ - وعن أم حبيبة أم المؤمنين ﵂ قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: "من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بني له بهن بيت في الجنة". رواه مسلم وفي روايةٍ" "تطوعًا".
- وللترمذي نحوه، وزاد: "أربعًا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر".
هذا الحديث يؤيد ما سبق من حديث عائشة ﵂ مع أن حديث ابن عمر فيه أن هذه الثنتي عشرة لو صلاها الإنسان بني الله له قصرًا في الجنة؛ أي: قصرًا في الجنة دائمًا أبديًا "أربع قبل الظهر" بسلام واحد أو بسلامين؟ بسلامين؛ لن هذا المطلق يحمل على المقيد، لقول الرسول ﷺ : "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى"، ولا يستثنى من ذلك إلا الوتر في بعض صفاته، فمثلًا إذا أوتر بثلاث فله أن يفردها جميعًا بسلامٍ واحد وتشهد واحد، وإذا أوتر بخمسٍ فالسنة أن يسردها جميعًا بسلام واحد وتشهد واحد، وإذا أوتر بسبع فالسنة أن يسردها جميعًا بتشهد واحد وبسلام واحد، وإذا أوتر بتسع فالسنة أن يسردها جميعًا بسلام واحد وتشهدين، وإذا صلى ثمان ركعات جلس وتشهد، ثم قام وأتى بالتاسعة فتشهد وسلم، أما إذا أوتر بإحدى هشرة فإنه يصلي ركعتين ركعتين؛ أي: مثنى مثنى، وعلى هذا فنقول: إن محافظة الإنسان على اثنتي عشرة ركعة كل يوم وليلة أفضل من الاقتصار على عشر ركعات لهذا الحديث.
стр. 808
النفل قبل العصر والمغرب:
٣٤١ - وللخمسة عنها: "من حافظ على أربع قبل الظهر وأربعٍ بعدها؛ حرمة الله تعالى على النار".
٣٤٢ - وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رحم الله امرأ صلى أربعًا قبل العصر". رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنة، وابن جزيمة وصححه.
٣٤٣ - وعن عبد الله بن مغفل المزني ﵁ عن النبي ﷺ قال: "صلوا قبل المغرب، وصلوا قبل المغرب، ثم قال في الثالثة: لمن شاء كراهية أن يتخذها الناس سنة". رواه البخاري.
- وفي رواية لابن حبان: "أن النبي ﷺ صلى قبل المغرب ركعتين".
٣٤٤ - ولمسلم عن أنس ﵁ قال: "كنا نصلي ركعتين بعد غروب الشمس، وكان النبي ﷺ يرانا، فلم يأمرنا ولم ينهنا".
هذه الأحاديث فيها بيان شيء من السنن ولكنها ليست برواتب، "أربع قبل الظهر وأربع بعدها"، ويمكن أن يراد بالأربع التي قبل الظهر: الأربع الرواتب، ويمكن أن يكون المراد: أربعًا غير الرواتب، أما "أربع بعدها" فتدخل فيها الراتبة التي بعد الظهر وهي ركعتان، فإذا حافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار، كما هو مقتضي هذا الحديث، وفي إسناده ما فيه.
وأما الثاني: فهو أربع قبل العصر، لقوله: "رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعًت"، وهذا أيضًا فيه نظر، ولكنه على تقدير ثبوته فإنه يدل على استحباب أربع قبل العصر، ولكنها ليست براتبة.
أما الركعتان بعد أذان المغرب وقبل صلاة المغرب فقد اجتمع فيها أنواع السنة الثلاثة: القول، والفعل، والإقرار، ففي حديث عبد الله بن مغفل أن الرسول ﷺ قال: "صلوا قبل المغرب" ثلاث مرات، وقال في الثالثة: "لمن شاء" كراهية أن يتخذها الناس سنة، ومعنى (سنة) أي: طريقة ثابتة راتبة، وفي هذا دليل على أنه يفرق بين الشيء الراتب الذي اتخذ سنة وطريقة
стр. 809
وبين الشيء العارض، وهذه القاعدة ذكرها أهل العلم وقالوا: الشيء قد يكون جائزًا في بعض الأحوال إذا لم يتخذ سنة راتبة، ومن ذلك صلاة الجماعة في النافلة، لا بأس بها أحيانًا كما لو صلى الإنسان صلاة الليل مع صاحب له ليكون ذلك أنشط له، فإن ذلك جائز فعله النبي ﷺ حين صلى معه ابن عباس ﵁ وعن أبيه)، فصلى معه صلاة الليل، وفعله أيضًا ومعه حذيفة بن اليمان ﵂، وفعله ومعه عبد الله بن مسعود، لكنه ليس من الأمور التي يسن لها الجماعة إنما إذا صليت صلاة الليل جماعة أحيانًا فلا حرج فيها كذلك سنة المغرب ينبغي للإنسان أن يصلي قبل المغرب يعني بين الآذان وبين الإقامة لكن لا يتخذ ذلك سنة راتبة إنما يفعله أحيانًا أو في أكثر الأحيان هذا غير تحية المسجد أما تحية المسجد فمتى دخل الإنسان المسجد فغنه يصليها، ومن العجيب أنك ترى بعض الناس يأتي إلى المسجد بعد أذان المغرب ويجلس ولا يصلي، وهذا خطأ، هذا خلاف السنة التي قال فيها الرسول ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" وخلاف السنة التي قال فيها الرسول ﷺ : "صلوا قبل المغرب"، وثبت ذلك من فعله أنه كان يصلي قبل المغرب ركعتين، وثبت ذلك من إقراره، وذلك أن الصحابة كانوا يصلون قبل المغرب والنبي ﷺ يراهم فلم يمنعهم من ذلك، فهذه النافلة ثبت فيها أنواع السنة الثلاثة: القولي، والفعلي، والإقراري، وبعض الناس لا يفعلها حتى ولو دخل المسجد، وهذا جهل منهم، وينبغي أن يبلغوا بأن هذا خلاف السنة.
فإن قال قائل: كيف يجمع بين هذه الأحاديث في سنة المغرب- والأحاديث الأخرى التي تدل على أن الرسول ﷺ كان يصلي المغرب ويبادر بها فيصليها إذا وجبت الشمس؟
الجمع بين الحديث وهذه الأحاديث أن يقال: إن السنة التي بين أذان المغرب وصلاة المغرب تكون خفيفة لا يطيل فيها، هكذا جمع ابن حجر بين الأحاديث، ويمكن أن يقال: إن صلاة الرسول ﷺ المبادرة لا ينافي أن يصلي الإنسان بعدها ركعتين، ولو كانتا غير خفيفتين؛ لأن إثبات أن هاتين الركعتين خفيفتان بدون دليل في القلب منه شيء.
التخفيف في ركعتي الفجر والاضطجاع بعدها:
٣٤٥ - وعن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح، حتى إني أقول: أقرأ بأم الكتاب". متفق عليه.
стр. 810
٣٤٦ - وعن أبي هريرة ﵁: "أن النبي ﷺ قرأ في ركعتي الفجر: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ (الكافرون). و ﴿قل هو الله أحد﴾ (الإخلاص). رواه مسلم.
٣٤٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن". رواه البخاري.
٣٤٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلى أحدكم الركعتين قبل صلاة الصبح، فليضطجع على جنبه الأيمن". رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وصححه.
أما تخصيص الركعتين اللتين قبل صلاة الفجر فقد تقدم الكلام عليهما، وأما السنة في راتبة الفجر فأن يصليها الإنسان خفيفة، وأما الاضطجاع بعدهما على الجنب الأيمن فقد ذكرت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على جنبه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن فيؤذنه بالصلاة، فدل هذا على مشروعية النوم على الجنب الأيمن بعد سنة الفجر، ومن المعلوم أن الرسول ﷺ كان يفعلها في بيته، فإذا أذن الفجر فصلى ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على الجنب الأيمن، وهل هذا سنة مطلقًا كما اختاره بعض أهل العلم وقالوا: يسن أن يضطجع على الجنب الأيمن إذا صلى سنة الفجر مطلقًا، أو هو سنة لمن يقوم الليل فقط، لأجل أن يأخذ راحة قبل صلاة الفجر؟ اختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الثاني، وقال إن الاضطجاع بعد سنة الفجر سنة لمن كان يقوم الليل، أما من لا يقوم الليل فإن ذلك ليس سنة في حقه، وأغرب ابن حزم ﵀ يعني: ذهب إلى قول غريب- وقال: إن الاضطجاع بعد سنة الفجر شرط لصحة صلاة الفجر، وأما من لم يضطجع إذا تسنن للفجر على الجنب الأيمن فإن صلاة الفجر باطلة وهذا من الأقوال الغريبة جدًا؛ لأنه ﵀ يرى صحة حديث أبي هريرة الذي ذكره المؤلف وهو أن الرسول ﷺ أمر إذا صلى الإنسان سنة الفجر أن يضطجع بعدها، لكن هذا الحديث قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنه لا يصح عن النبي ﷺ أنه أمر بالاضطجاع، إنما صح ذلك من فعله لا من قوله، قم نقول لابن حزم -عفا الله عنه: حتى لو فرض أن الرسول ﷺ أمر بالركعتين بعد الأذان على الجنب الأيمن فما علاقة ذلك بصلاة الفجر؟ هذا من جهة، ومن جهة أخرى إن بعض أهل العلم أكد هذا الاضطجاع الذي يكون بعد سنة الفجر.
следующие страницы →