← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

المغرب وراتبة العشاء، هذه لا تصلي، وأما الوتر فليس من الرواتب؛ لأن الرواتب هي: السنن التابعة للصلوات الخمس، والوتر ليس منها، ولهذا نقول: إن المسافر يصلي الوتر، ويقوم الليل، ويصلي الضحى، ويصلي الاستخارة، ويصلي تحية المسجد، وينتفل تنفلًا مطلقًا، كل المواطن مشروعة في حقه، باقية على مشروعيتها، أما الرواتب- وهي النوافل التابعة للصلوات المكتوبة- فلا يصلي منها إلا راتبة الفجر، فإنه لا يدعها حضرًا ولا سفرًا، وفي صحيح مسلم: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها"، (ركعتا الفجر)، كيف ركعتا الفجر: بالفتج مع أنه مبتدأ؛ لأنه مثنى لكن تسقط الألف لأن الذي بعدها همزة وصل، وقد قال ابن مالك. إن ساكنان التقيا اكسر ما سبق ... وإن يكن لينا ففتحه استحق وهذا لين "ألف" فيفتح، ولا حاجة إلى أن تتوقف وتقول: ركعت الفجر، بل نقول: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" وهذا نظير قوله تعالى: ﴿ولقد أتينا داود وسليمان علمًا وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين﴾ (النمل: ١٥). لا نتوقف ونقول: "وقال الحمد لله، ليس هناك داعٍ، بل نقول: ﴿الحمد لله الذي فضلنا على كثيرٍ من عباده المؤمنين﴾؛ لأن الألف تسقط عند التقائها بهمزة الوصل، وهنا "ركعتا الفجر خير من الدنيا وفيها". أي دنيا هي؟ الدنيا كلها في كل زمان ومكان ركعتان خير من الدنيا كلها، والخيرية هنا ظاهرة؛ لأن ثواب هاتين الركعتين باق، والدنيا كلها زائلة وما فيها زائل: ﴿كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ (الرحمن: ٢٦ - ٢٧). تصور كيف كانت حال الدنيا .. من مضى من الملوك والعلماء والتجار وغيرهم ماذا كانوا بعد أن ذهبوا؟ كانوا كما كانوا قبل أن يولدوا مضوا وكأن لم يكونوا بعد! يقول الله في سورة الإنسان ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا﴾ (الإنسان: ١) ثم ذكر بعد ولادته وإذا مات صار حبرًا من الأخبار: بينا يرى الإنسان فيها مخبرًا ... حتى يرى خبرًا من الأخبار كان يتحدث بالناس، ولكن الآن صار الناس يتحدثون به، فركعنا الفجر خير من الدنيا وما فيها، لو ذكر للواحد أنه يوجد في بلد بعيد، يوجد قصر (فيلا) إذا جاء الإنسان إليها فإننا نعطيها إياه مجانًا جزاء له على سفره الطويل أيذهب الناس إليها أم لا؟ لا شك أنه يذهب الناس إليها مع التعب الشديد، مع أنها ربما تنهدم قبل أن يموت صاحبها، أو يموت ويدعها! لكن "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" فضل عظيم، ولولا أنه ثابت عن الرسول ﷺ لقال قائل: كيف يكون هذا الفضل العظيم بهذا العمل القليل: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" وهذا يدل

стр. 807

على تأكدها، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يدع ركعتي الفجر، بل الواجب عليه أن يحرص عليها ويحافظ عليها. فإن قال إنسان: إذا جئت والإمام قد أقام الصلاة هل أصليها، يعني: أنا أعلم علم اليقين أنني سأدرك الإمام قبل أن يركع؛ لأني أعرف أن عادة الإمام أنه يقرأ ويطيل القراءة، فسوف أتمكن من صلاة الراتبة ثم أدخل معه، فما الجواب؟ نقول: لا يصليها، ولو صلاها فهي باطلة مع إثمه، يأثم وتبطل الصلاة؛ والدليل قول النبي ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة"، و"لا" نافية، والنفي هنا بمعنى النهي وهو نفي للصحة، يعني: لا تصلوا فإن صليتم فلا صلاة لكم، ولكن يصليها بعدما يسلم الإمام ويأتي بالذكر الوارد، وإن أخرجها حتى تطلق الشمس قيد رمح فلا حرج عليه، لكن كثيرًا من الناس بقول: إني لو تركتها لنسيتها، أو لتهاونت لها وثقلت علي، فإذا كان الإنسان يخشى من هذا فالأفضل أن يصليها بعد الصلاة. ٣٤٠ - وعن أم حبيبة أم المؤمنين ﵂ قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: "من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بني له بهن بيت في الجنة". رواه مسلم وفي روايةٍ" "تطوعًا". - وللترمذي نحوه، وزاد: "أربعًا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر". هذا الحديث يؤيد ما سبق من حديث عائشة ﵂ مع أن حديث ابن عمر فيه أن هذه الثنتي عشرة لو صلاها الإنسان بني الله له قصرًا في الجنة؛ أي: قصرًا في الجنة دائمًا أبديًا "أربع قبل الظهر" بسلام واحد أو بسلامين؟ بسلامين؛ لن هذا المطلق يحمل على المقيد، لقول الرسول ﷺ : "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى"، ولا يستثنى من ذلك إلا الوتر في بعض صفاته، فمثلًا إذا أوتر بثلاث فله أن يفردها جميعًا بسلامٍ واحد وتشهد واحد، وإذا أوتر بخمسٍ فالسنة أن يسردها جميعًا بسلام واحد وتشهد واحد، وإذا أوتر بسبع فالسنة أن يسردها جميعًا بتشهد واحد وبسلام واحد، وإذا أوتر بتسع فالسنة أن يسردها جميعًا بسلام واحد وتشهدين، وإذا صلى ثمان ركعات جلس وتشهد، ثم قام وأتى بالتاسعة فتشهد وسلم، أما إذا أوتر بإحدى هشرة فإنه يصلي ركعتين ركعتين؛ أي: مثنى مثنى، وعلى هذا فنقول: إن محافظة الإنسان على اثنتي عشرة ركعة كل يوم وليلة أفضل من الاقتصار على عشر ركعات لهذا الحديث.

стр. 808

النفل قبل العصر والمغرب: ٣٤١ - وللخمسة عنها: "من حافظ على أربع قبل الظهر وأربعٍ بعدها؛ حرمة الله تعالى على النار". ٣٤٢ - وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رحم الله امرأ صلى أربعًا قبل العصر". رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنة، وابن جزيمة وصححه. ٣٤٣ - وعن عبد الله بن مغفل المزني ﵁ عن النبي ﷺ قال: "صلوا قبل المغرب، وصلوا قبل المغرب، ثم قال في الثالثة: لمن شاء كراهية أن يتخذها الناس سنة". رواه البخاري. - وفي رواية لابن حبان: "أن النبي ﷺ صلى قبل المغرب ركعتين". ٣٤٤ - ولمسلم عن أنس ﵁ قال: "كنا نصلي ركعتين بعد غروب الشمس، وكان النبي ﷺ يرانا، فلم يأمرنا ولم ينهنا". هذه الأحاديث فيها بيان شيء من السنن ولكنها ليست برواتب، "أربع قبل الظهر وأربع بعدها"، ويمكن أن يراد بالأربع التي قبل الظهر: الأربع الرواتب، ويمكن أن يكون المراد: أربعًا غير الرواتب، أما "أربع بعدها" فتدخل فيها الراتبة التي بعد الظهر وهي ركعتان، فإذا حافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار، كما هو مقتضي هذا الحديث، وفي إسناده ما فيه. وأما الثاني: فهو أربع قبل العصر، لقوله: "رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعًت"، وهذا أيضًا فيه نظر، ولكنه على تقدير ثبوته فإنه يدل على استحباب أربع قبل العصر، ولكنها ليست براتبة. أما الركعتان بعد أذان المغرب وقبل صلاة المغرب فقد اجتمع فيها أنواع السنة الثلاثة: القول، والفعل، والإقرار، ففي حديث عبد الله بن مغفل أن الرسول ﷺ قال: "صلوا قبل المغرب" ثلاث مرات، وقال في الثالثة: "لمن شاء" كراهية أن يتخذها الناس سنة، ومعنى (سنة) أي: طريقة ثابتة راتبة، وفي هذا دليل على أنه يفرق بين الشيء الراتب الذي اتخذ سنة وطريقة

стр. 809

وبين الشيء العارض، وهذه القاعدة ذكرها أهل العلم وقالوا: الشيء قد يكون جائزًا في بعض الأحوال إذا لم يتخذ سنة راتبة، ومن ذلك صلاة الجماعة في النافلة، لا بأس بها أحيانًا كما لو صلى الإنسان صلاة الليل مع صاحب له ليكون ذلك أنشط له، فإن ذلك جائز فعله النبي ﷺ حين صلى معه ابن عباس ﵁ وعن أبيه)، فصلى معه صلاة الليل، وفعله أيضًا ومعه حذيفة بن اليمان ﵂، وفعله ومعه عبد الله بن مسعود، لكنه ليس من الأمور التي يسن لها الجماعة إنما إذا صليت صلاة الليل جماعة أحيانًا فلا حرج فيها كذلك سنة المغرب ينبغي للإنسان أن يصلي قبل المغرب يعني بين الآذان وبين الإقامة لكن لا يتخذ ذلك سنة راتبة إنما يفعله أحيانًا أو في أكثر الأحيان هذا غير تحية المسجد أما تحية المسجد فمتى دخل الإنسان المسجد فغنه يصليها، ومن العجيب أنك ترى بعض الناس يأتي إلى المسجد بعد أذان المغرب ويجلس ولا يصلي، وهذا خطأ، هذا خلاف السنة التي قال فيها الرسول ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" وخلاف السنة التي قال فيها الرسول ﷺ : "صلوا قبل المغرب"، وثبت ذلك من فعله أنه كان يصلي قبل المغرب ركعتين، وثبت ذلك من إقراره، وذلك أن الصحابة كانوا يصلون قبل المغرب والنبي ﷺ يراهم فلم يمنعهم من ذلك، فهذه النافلة ثبت فيها أنواع السنة الثلاثة: القولي، والفعلي، والإقراري، وبعض الناس لا يفعلها حتى ولو دخل المسجد، وهذا جهل منهم، وينبغي أن يبلغوا بأن هذا خلاف السنة. فإن قال قائل: كيف يجمع بين هذه الأحاديث في سنة المغرب- والأحاديث الأخرى التي تدل على أن الرسول ﷺ كان يصلي المغرب ويبادر بها فيصليها إذا وجبت الشمس؟ الجمع بين الحديث وهذه الأحاديث أن يقال: إن السنة التي بين أذان المغرب وصلاة المغرب تكون خفيفة لا يطيل فيها، هكذا جمع ابن حجر بين الأحاديث، ويمكن أن يقال: إن صلاة الرسول ﷺ المبادرة لا ينافي أن يصلي الإنسان بعدها ركعتين، ولو كانتا غير خفيفتين؛ لأن إثبات أن هاتين الركعتين خفيفتان بدون دليل في القلب منه شيء. التخفيف في ركعتي الفجر والاضطجاع بعدها: ٣٤٥ - وعن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح، حتى إني أقول: أقرأ بأم الكتاب". متفق عليه.

стр. 810

٣٤٦ - وعن أبي هريرة ﵁: "أن النبي ﷺ قرأ في ركعتي الفجر: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ (الكافرون). و ﴿قل هو الله أحد﴾ (الإخلاص). رواه مسلم. ٣٤٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن". رواه البخاري. ٣٤٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلى أحدكم الركعتين قبل صلاة الصبح، فليضطجع على جنبه الأيمن". رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وصححه. أما تخصيص الركعتين اللتين قبل صلاة الفجر فقد تقدم الكلام عليهما، وأما السنة في راتبة الفجر فأن يصليها الإنسان خفيفة، وأما الاضطجاع بعدهما على الجنب الأيمن فقد ذكرت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على جنبه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن فيؤذنه بالصلاة، فدل هذا على مشروعية النوم على الجنب الأيمن بعد سنة الفجر، ومن المعلوم أن الرسول ﷺ كان يفعلها في بيته، فإذا أذن الفجر فصلى ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على الجنب الأيمن، وهل هذا سنة مطلقًا كما اختاره بعض أهل العلم وقالوا: يسن أن يضطجع على الجنب الأيمن إذا صلى سنة الفجر مطلقًا، أو هو سنة لمن يقوم الليل فقط، لأجل أن يأخذ راحة قبل صلاة الفجر؟ اختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الثاني، وقال إن الاضطجاع بعد سنة الفجر سنة لمن كان يقوم الليل، أما من لا يقوم الليل فإن ذلك ليس سنة في حقه، وأغرب ابن حزم ﵀ يعني: ذهب إلى قول غريب- وقال: إن الاضطجاع بعد سنة الفجر شرط لصحة صلاة الفجر، وأما من لم يضطجع إذا تسنن للفجر على الجنب الأيمن فإن صلاة الفجر باطلة وهذا من الأقوال الغريبة جدًا؛ لأنه ﵀ يرى صحة حديث أبي هريرة الذي ذكره المؤلف وهو أن الرسول ﷺ أمر إذا صلى الإنسان سنة الفجر أن يضطجع بعدها، لكن هذا الحديث قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنه لا يصح عن النبي ﷺ أنه أمر بالاضطجاع، إنما صح ذلك من فعله لا من قوله، قم نقول لابن حزم -عفا الله عنه: حتى لو فرض أن الرسول ﷺ أمر بالركعتين بعد الأذان على الجنب الأيمن فما علاقة ذلك بصلاة الفجر؟ هذا من جهة، ومن جهة أخرى إن بعض أهل العلم أكد هذا الاضطجاع الذي يكون بعد سنة الفجر.

стр. 811

قيام الليل: ٣٤٩ - وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة اليل مثنى مثنى، فإذا خشى أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة، توتر له ما قد صلى". متفق عليه. - وللخمسة، وصححه ابن حبان بلفظ: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى". وقال النسائي: هذا خطأ. ٣٥٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل". أخرجه مسلم. هذه الأحاديث تدل على صلاة الليل: حكمها وعددها وهئتها، أما حكمها: فإنها سنة مؤكدة، وهي أفضل من صلاة النهار، يعني: المطلق من صلاة الليل أفضل من المطلق من صلاة النهار، وأن المقيد من صلاة النهار في الرواتب فهو أفضل من المطلق من صلاة الليل. يقول الرسول ﷺ : "أفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل"؛ أن صلاة الليل أبعد عن الرياء، فإن الإنسان فيها يكون خاليًا بربه لا يطلع عليه إلا الله، وصلاة الليل أشد وطأ كما قال الله : ﴿غن ناشئة اليل هي أشد وطئًا وأقوم قليلًا﴾ (المزمل: ٦)، يعني يتواطأ عليه القلب واللسان والجوارح، فهي أخشع من صلاة النهار، ولأن صلاة الليل تدل على الرغبة الأكيدة في فعل العبادة؛ لأن الإنسان يدع فراشة ويدع راحته ويقوم إلى الصلاة، فهي أدل على حرص الإنسان على عبادة ربه ﵎؛ لأن صلاة الليل توافق في غالبها وقت النزول الإلهي، وقت نزول الله إلى السماء الدنيا، فإن الرب ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، ويقول: "من يسألني فأعطيه؟ ومن يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر"، يقول ذلك كل ليلة، ونزوله هنا حق؛ أي: يكون على حقيقته وظاهره لكن ليس كنزول المخلوقين، بل يجب علينا أن نؤمن ونقول: الله أعلم بكيفيته، لكننا نعلم أنه لا يماثل نزول المخلوقين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ (الشورى: ١١)، ولا يحل لأحد أن يعرف معناه ويقول: إن معنى "ينزل ربنا" يعني: تنزل رحمته، أو ينزل ملك من ملائكته، أو ينزل أمره؛ لأن هذا التحريف يعني: إخراج لكلام الرسول ﷺ عن معناه، فإن هذا

стр. 812

التحريف يأباه سياق اللفظ، يقول الرسول: "ينزل ربنا إلى سماء الدنيا فيقول: من يدعوني "ينزل فيقول" هل الرحمة تقول هذا الكلام؟ لا، الأمر لا يقول هذا الكلام، الملك لا يقول هذا الكلام، لا يقول الملك: من يدعي فأستجيب له؟ إنما الذي يقول الرب ، وأيضًا نزول رحمة الله تعالى وأمره لا تختص بالسماء الدنيا، يدبر الأمر من السماء إلى الأرض وليس إلى السماء الدنيا، ثم أي فائدة لنا إذا نزلت الرحمة إلى السماء الدنيا ولم تنزل إلى الأرض فتعمنا. فالحاصل: أن الذين حرفوا ذلك قالوا: ينزل أمره حوموا -والعياذ بالله- من طعم معنى هذا الحديث وشعور الإنسان بقرب الرب منه ، ولكنه مع كونه ينزل إلى السماء الدنيا هو قريب في علوه قريب عال فوق سمواته، وعلى عرشه؛ لأن الله ليس كمثله شيء في صفاته، فلهذا قال الرسول ﷺ : "أفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل"، لهذه المعاني وغيرها. وأما كيفية صلاة الليل فهي مثنى مثنى، كما قال النبي ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى"، يعني: على ركعتين ركعتين، ويستثنى من ذكر الوتر، إذا أوتر بثلاث فله أن يقرنها بسلام واحد، وبتشهد واحد، وإذا أوتر بخمس فالأفضل أن يقرنها جميعًا بسلام واحد وتشهد واحد، وإذا أوتر بسبع فالأفضل أن يقرنها كلها بسلام واحد وتشهد واحد، وإذا أوتر بتسع فإنه يقرنها كلها بسلام واحد، لكن بتشهدين التشهد الأول في الركعة الثامنة والتشهد الأخير في الركعة التاسعة، وإذا أوتر بإحدى عشرة صلى ركعتين ركعتين، كما كان الرسول ﷺ يفعل، وكذلك صلاة النهار مثنى مثنى ليس فيها صلاة رباعية غير الفرائض. ويستفاد من هذا الحديث: أن حديث عائشة التي قالت فيه لما سئلت عن كيفية صلاة الرسول ﷺ في رمضان: "ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا فلا تسأل عن طولهن وحسنهن، ويصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ويصلي ثلاثًا"، فإن ظاهر هذا الحديث أنه يصلي أربعًا بسلام واحد، ولكنه يحمل هذا المطلق على المقيد، ويقال: يصلي أربعًا لكن بسلامين وتشهدين؛ لأن صلاة الليل مثنى مثنى، ولكن كأنها تريد أنه يصلي أربعًا، ثم يصلي ثم يصلي أربعًا آخر، وبهذا تجتمع الأدلة. وأما عدد ركعات الليل، فعدد ركعات الليل لم يكن فيها توقيف عن الرسول ﷺ يقول لا تزيد ولا تنقض، ولكن كان فعله ﷺ أنه لا يزيد على إحدى عشرة ركعة، فيصلي الإنسان نشاطه، والأفضل إذا كان معه وقت ونشاط أن يطيل النشاط حتى لا تتجاوز في العدد إحدى

стр. 813

عشرة ركعة، فإذا كان الإنسان معه ساعتان، وقال لو صليت إحدى عشرة ركعة أنهيت في ساعة نقول له أطل الركوع والسجود والقيام ما دمت تريد أن تبقى ساعتين في الصلاة، حتى لا تزيد على إحدى عشرة ركعة، ومع هذا لو زاد فلا حرج؛ لأنه ﷺ لما سئل عن صلاة الليل قال: "مثنى مثنى" ولم يحدد، فدل ذلك على أنه لا بأس بالزيادة. وأما من قال: إنه تحرم الزيادة على إحدى عشرة ركعة فقول لا وجهة له، وكذلك من قال: إن الأفضل في رمضان أن يزيد على إحدى عشرة ركعة، ويصلي ثلاثًا وعشرين أو ما أشبه ذلك، فإن قوله مردود، والصواب: أنه لا يزيد على إحدى عشرة ركعة، ولكن ليس على سبيل الوجوب. قال بعض الناس في قيام رمضان: إنه لا يزيد على إحدى عشرة ركعة إذا كان يريد أن يطيل القراءة في الصلاة، أما إذا كان لا يريد الإطالة فإنه يصلي ثلاثًا وعشرين، أو تسعًا وثلاثين وما أشبه ذلك، ولكن هذا ليس وجه؛ لأننا نقول: أنت إذا خففت الصلاة وزدت العدد خالفت فعل الرسول ﷺ من وجهين: من وجه التخفيف، ومن وجه زيادة الركعات، ولكنك إذا قدر أنك أبقيت العدد على ما هو عليه؛ يعني: إحدى عشرة وخففت من أجل عدم إرهاق المصلين فقد خالفت في مسألة واحدة وهي التطويل وحافظت على العدد، ولا شك أن الموافقة والمخالفة في شيء أهون من المخالفة في شيئين وهذا أمر معلوم، ولذلك لو أن الناس اقتصروا في التراويح على إحدى عشرة ركعة مع التأني والخشوع والتطويل الذي لا يشق، لكان ذلك أفضل بكثير من تلك التراويح التي يصلونها كأنهم مطرودون تجد الواحد منهم يقول: "إن اليوم خرجت الأول" كأن الصلاة عندهم منافسة يتفاخرون فيما بينهم أيهم الذي يسلم أولًا، وهذا لا شك أنه إخلال بالصلاة، لاسيما أن وراء الإمام من لا يستطيع الموافقة لكونه ضعيفًا أو فيه أذى من مرض أو ما أشبه ذلك. *** صلاة الوتر: ٣٥١ - وعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الوتر حق على كل مسلم، من أحب أن يوتر بخمسٍ فيفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدةٍ فليفعل". رواه الأربعة إلا الترمذي، وصححه ابن حبان، ورجح النسائي وقفه.

стр. 814

٣٥٢ - وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "ليس الوتر بحتم كهيئة المكتوبة، ولكن سنة سنها رسول الله ﷺ ". رواه الترمذي والنسائي، وحسنة الحاكم وصححه. نحن الآن في صلاة التطوع، وهي: الصلوات التي ليست بمفروضة، ومنها الوتر، وقد اختلف أهل العلم في الوتر، وهو ختم صلاة الليل بركعة، فقال بعض أهل العلم: إن الوتر واجب، لقول النبي ﷺ "الوتر حق، فمن لم يوتر فليس منا". وقال بعض العلماء: إنه ليس بواجب؛ لأن الله تعالى إنما فرض خمس صلوات فقط، وقد سئل الرسول ﷺ هل علي غيرها؟ فقال للسائل: "لا" إلا أن تطوع". وقال بعض أهل العلم: من كان له ورد من الليل فإنه يجب عليه الوتر، ومن لا فلا. وأختار شيخ الإسلام هذا القول وقال: إن الوتر واجب على من له من الليل يصليه، فإنه يجب عليه أن يوتر، استدل بقول النبي ﷺ : "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا" وهذا أمر وبقوله: "أوتروا يا أهل القرآن"، وأهل القرآن كانوا يتهجدون في الليل ويقرءون القرآن، ولكن جمهور أهل العلم أن الوتر سنة وليس بواجب مطلقًا، وأن الأوامر الواردة فيه تحمل على الاستحباب، وما ذكر فيه أنه حق فإنه يحمل على التأكيد؛ لأن النصوص الأخرى صريحة بأنه لا يجب إلا خمس صلوات فقط، وقد قال الله في ليلة المعراج بعد مراجعة النبي ﷺ له حتى صارت الصلوات خمسًا قال: "قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي"، فقوله: "أمضيت فريضتي" يدل على أن هذا هو الذي فرضه الله على عباده فقط، ولكن الوتر سنة مؤكدة حدًا لا ينبغي للإنسان تركه، حتى قال الإمام أحمد: من ترك الوتر فهو رجل سوء لا ينبغي أن تقبل له شهادة، فقال: "لا ينبغي"، والإمام أحمد ﵀ إذا قال: "لا ينبغي" يدل على أنه أمر مؤكد لا تقبل له شهادة؛ لان رجلًا يحافظ على ترك الوتر، والوتر ركعة واحدة فقط، هذا ليس فيه خير، ولهذا قال إنه رجل سوء لا ينبغي أن تقل له شهادة، وعليه فينبغي للإنسان أن يوتر، وأن يرشد أهله أيضًا إلى الوتر؛ لأن كثيرًا من النساء في البيوت والأولاد الذين لم يقرءوا يظنون أن الوتر ليس بمؤكد، فينبغي أن نبلغ أهلنا بأن الوتر سنة مؤكدة لا ينبغي للإنسان أن يدعه. ***

стр. 815

٣٥٣ - وعن جابر ﵁: "أن رسول الله ﷺ قام في شهر رمضان، ثم انتظروه من القابلة يخرج، وقال: إني خشيت أن يكتب عليكم الوتر". رواه ابن حبان. المشهور في هذا الحديث أن الرسول ﷺ قام بهم ثم تأخر، وقال: "إني خشيت أن تفرض عليكم"، يعني: قيام الليل في رمضان، فأخر النبي ﷺ لما صلى ثلاث ليال، وقال: "إني خشيت أن يفرض عليكم القيام". فإذا قال قائل: كيف يخشى أن يفرض القيام وقد قال الله : "أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي"؟ قلنا: لأنه ربما إذا ألزم الناس أنفسهم بأمر أن يلزمهم الله به كما ألزم بني إسرائيل الرهبانية التي ابتدعوها ولم يفرضها الله عليهم، لكن لما ابتدعوها لأنفسهم ألزموا بها. ٣٥٤ - وعن خارجه بن حذافة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله أمدكم بصلاةٍ هي خير لكم من حمر النعم. قلنا: وما هي يا رسول الله؟ قال: الوتر، ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر". رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الحاكم. ٣٥٥ - وروى أحمد: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده نحوه. هذا الحديث فيه بيان متى يكون الوتر؟ وما وصفه؟ بين النبي ﷺ في هذا الحديث أنه ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، وقوله: "ما بين الصلاة والعشاء"، يعني: وسن فيها قيام الليل إذا أراد أن يقوم لقوله: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا"، لكن لو أن الإنسان لم يرد أن يصلي راتبة العشاء وأوتر بعد صلاة الفريضة فالوتر صحيح؛ لأن وقته يدخل من بعد صلاة العشاء، وقوله: "ما بين صلاة العشاء" ولم يقل: ما بين وقت العشاء، يدل على أن الإنسان لو أوتر قبل صلاة العشاء فإنه لا وتر له، فلو أن رجلًا قال: إن بعد صلاة العشاء مباشرة عندي شغلًا وسأوتر قبل صلاة العشاء؛ لأنه من حين يسلم أذهب إلى شغلي، قلنا هذا: الوتر لا يصح؛ لأن الوتر لا يكون إلا من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، وعلم من ذلك: أنه إذا طلع الفجر انتهى وقت الوتر، فمن لم يستيقظ إلا بعد طلوع الفجر فإنه لا يوتر طلوع الفجر، وصلاة الفجر لأنه انتهى الوقت، ولكن الذي ثبت عن النبي ﷺ انه يصلي ما فاته من صلاة الليل

стр. 816

يصليها في النهار، وكان ﷺ إذا صلاها لا يوتر بل يشفع فيصلي إذا غلبه نوم أو وجع، ولم يقم بالليل يصلي من النهار ثنتي عشرة ركعة. ٣٥٦ - وعن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "الوتر حق، فمن لم يوتر فليس منا". أخرجه أبو داود بسند لين، وصححه الحاكم. ٣٥٧ - وله شاهد ضعيف عن أبي هريرة ط عند أحمد. ٣٥٨ - وعن عائشة ﵂ قالت: "ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثًا. قالت عائشة، فقلت: يا رسول الله، أتنام قبل أن توتر؟ قال: يا عائشة، إن عيني تنامان ولا ينام قلبي". متفق عليه. - وفي رواية لهما عنها: "كان يصلي من الليل عشر ركعاتٍ، ويوتر بسجدةٍ، ويركع ركعتي الفجر، فتلك ثلاث عشرة ركعة. هذا في بيان ما كان النبي ﷺ يصلي من الليل، كم ركعة يصلي؟ سئلت عائشة ﵂ كيف كانت صلاة النبي ﷺ في رمضان؟ فقالت: "ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره عل إحدى عشرة ركعة"، ثم فصلت هذه الركعات فقالت: "يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهم وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا"، كم الجميع؟ إحدى عشرة ركعة، وقولها ﵂: "يصلي أربعًا"، يحتمل أن يصليهن بسلام واحد ثم يصلي أربعًا أخرى بسلام واحد، ثم يصلي ثلاثًا بسلام واحد، ويحتمل أنه يصلي أربعً متشابهات في الطول، لكن يسلم من كل ركعتين، ثم يفصل ثم يصلي أربعًا متشابهات في الطول، ثم يسلم من كل ركعتين ثم يوتر بثلاث، أما الاحتمال الأول فإنه يؤيده ظاهر اللفظ، وأما الاحتمال الثاني فإنه يؤيده قول النبي ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى"، وكذلك حديث ابن عباس ﵁: : أن الرسول ﷺ قام يصلي من الليل فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر"، فهذا يسلم من كل ركعتين.

стр. 817

وعلى كل حال: الذي يظهر لي أن الاحتمال الثاني أقرب، بمعنى: أن يصلي أربعًا متشابهات، لكن على ركعتين ركعتين ليوافق الأحاديث العامة في أن صلاة الليل مثنى مثنى، ولكن لما كانت هذه الأربعة الأولى متشابهات، ثم يفصل، ثم يأتي بأربع أخرى قالت: "يصلي أربعًا، ثم يصلي أربعً"، فهذا يدل على أن الأفضل للإنسان ألا يزيد على إحدى عشرة ركعة، لكن إذا كان نشيطًا ومعه وقت فيطل القراءة والركوع والسجود والقعود، وإن كان الوقت قليلًا أو ليس عنده نشاك فليقصر، كما كان النبي ﷺ يفعل، فإنه كان يقوم ويصوم ويترك الصون والقيام- يعني: طول القيام- كل ذلك بحسب حاله، وهكذا ينبغي للإنسان في عبادة ربه أن يعطي النفس حظها، فإذا كلت من عمل معين واتجهت إلى آخر- وكل منهما ليس بواجب- فإنه قد يكون الخير في المفضول، لاتجاه النفس بله وقبولها إياه، فيكون الإنسان في عبادة الله بسحب انشراح صدره، وطمأنينة قلبه، وهذا في غير الواجبات، أما الواجبات فلابد منها. وفي هذا الحديث دليل على أن النبي ﷺ تنام عيناه ولا ينام قلبه، فالأشياء المحسوسة ينام عنها، وأما الأشياء التي تتعلق بالقلب فإنه لا ينام عنها، ولذلك لما ساروا في الليل في بعض أسفاره وعرسوا في آخر ولما نزلوا قال: "من يرقب لنا الصبح؟ "، فقال بلال: أنا يا رسول الله، ولكنهم ناموا جميعًا حتى طلعت الشمس، فلم يعلم النبي ﷺ بطلوع الفجر؛ لأن عينه تنام، وطلوع الفجر أمر حسي يدرك بالرؤية، وأما الأمر الذي يتعلق بالقلب والعقل فإن الرسول ﷺ لا ينام عنه، ولذلك قال أهل العلم: أن نوم النبي ﷺ لا ينقض وضوءه، وقال: إن الرسول ﷺ لا يحتلم؛ لأن الاحتلام من الشيطان، ولأن الاحتلام لا يكون إلا إذا نام القلب، أما مع يقظة القلب فالاحتلام لا يأتي، وهذا كله داخل في قوله ﷺ : "إن عيني تنامان ولا ينام قلبي"، فما يدرك بالقلب فالرسول ﷺ لا ينام عنه، وما يدرك بالعين وبالحس فإن الرسول ﷺ كغيره من الناس ينام عنه. صفات صلاة الوتر: ٣٥٩ - وعنها ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس، لا يجل في شيء إلا في آخرها". ٣٦٠ - وعنها ﵂ قالت: "من كل الليل قد أوتر رسول الله ﷺ فانتهى وتره إلى السحر". متفق عليهما. هذا الحديث الأول أن الرسول ﷺ كان يوتر أحيانًا بخمس ركعات لا يجلي إلا في آخرهن، وهذا أحد صفات الوتر؛ لأن الوتر قد يكون بركعة وبثلاث وبخمس وبسبع وبتسع

стр. 818

وبإحدى عشرة، إذا أوتر بثلاث فله الخيار بين: أن يصلي ركعتين ويسلم ثم يصلي الثالثة، أو أن يصلي الركعات الثلاث كلها بسلام واحد وتشهد واحد، فيكون سردًا بتشهد واحد لئلا يشبهها بصلاة المغرب، وإذا أوتر بخمس فإنه لا يجلس إلا في آخرهن يسردهن سردًا، كما كان الرسول ﷺ يفعل، وكما روته عنه عائشة ﵂، وإذا أوتر بسبع فإنه يسردهن سردًا أيضًا، فلا يجلس إلا في آخرهن كما روت ذلك أم سلمة ﵂ وإذا أوتر بتسع فإنه يسرد ثمانيًا ويجلس ويتشهد التشهد الأول ثم يقوم ويصلي التاسعة ويتشهد الأخير ثم يسلم، وإذا أوتر بإحدى عشرة فإنه يسلم من كل ركعتين ويوتر بواحدة كما وصف ذلك ابن عباس ﵁ لصلاة النبي ﷺ حين نام عنده، فإنه ذكر أنه صلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم واحدة، فهذه صفات الوتر الواردة عن رسول الله ﷺ بأي صفة فعلت الوتر أجزاك ذلك، ولكن هذا على حسب نشاطك وقوتك. وأما قولها في الحديث الثاني: "من كل الليل قد أوتر النبي ﷺ : من أوله وأوسطه وآخره، وانتهى وتره إلى السحر"، فالمعنى: أن الرسول ﷺ كان يوتر من أول الليل أحيانًا، ومن وسطه أحيانًا، ومن آخره إلى السحر أحيانًا حسب نشاطه ﷺ ، لكن الغالب آخر الليل، وفي قولها: "انتهى وتره إلى السحر" دليل على أن الرسول ﷺ ما يستمر في الوتر إلى طلوع الفجر، بل إلى السحر؛ لأن الغالب أن الرسول ﷺ ينام قبل الفجر، كما في صحيح البخاري أنها قالت معنى الحديث: أنك ما ألفيته سحرًا إلا نائمًا، يعني: أنه ﷺ ينام قبل الفجر في السحر في آخر الليل، وهذا يوافق الحديث الثابت في الصحيحين: "أفضل القيام قيان داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه"، أما وقت الوتر المحدد الواجب فهو إلى طلوع الفجر كما سبق. الحث على قيام الليل والوتر: ٣٦١ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا عبد الله، لا تكن مثل فلانٍ، كان يقوم من الليل، فترك قيام الليل". متفق عليه. حديث عبد الله بن عمرو ﵄ نهاه الرسول ﷺ أن يكون مثل شخص لم يعين، وهذا إما أم يكون مبهمًا في كلام الرسول ﷺ ، ويمكن أن يكون مبهمًا في كلام عبد الله بن عمرو؛ يعني: يمكن أن يكون الرسول عينه لا تكن مثل فلان وسماه، وابن عمرو كتمه سترًا عليه، ويحتمل أن

стр. 819

يكون الرسول صلي الله عليه وسلم هو الذي ستره ولم يعينه سترًا عليه أيضًا، وعلي كل حال: فالمقصود هو المعني دون الشخص، وهو أنه لا ينبغي للإنسان إذا فعل عبادة من العبادات أن بقطعها، فإن أحب العمل إلي الله أدومه وإن قل بل يديم العمل؛ لأن كونه يقطع العمل الصالح بعد أن تلبس به قد يفتح له باب التهاون في جميع الأعمال الصالحة ويدع أحيانًا من الرواتب، فالذي ينبغي أن يمرن الإنسان نفسه علي العبادة ويستمر عليها ولو كانت قليلة ففيها خير وبركة. ٣٦٢ - وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أوتروا يا أهل القرآن، فإن الله وتر يحب الوتر". رواه الخمسة، وصححه ابن خزيمة. هذا الحديث فيه أمر أهل القرآن أن يوتروا، وخص أهل القرآن؛ لأن أهل القرآن هم الذين يقيمون الليل بكتاب الله ، كما قال الله تعالي: ﴿أمن هو قانت أناء الليل ساجدًا وقائمًا يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه﴾ [الزمر: ٩]، وقال تعالي: ﴿إن الذين يتلون كتب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرًا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ٢٩﴾ [فاطر: ٢٩]. وقوله: "إن الله وتر" يعني: واحدا- سبحانه وتعالي- لا شريك له في إلوهيته ولا في ربوبيته، ولا في أسمائه وصفاته، وقوله: "يحب الوتر"، فيه إثبات محبة الله صلى ، وأن من صفاته أنه يحب، ومحبة الله تعالي تتعلق بالأعمال، وتتعلق بالأماكن، وتتعلق بالعاملين أيضًا: ﴿إن الله يحب المتقين ٤﴾ [التوبة ٤]، ﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا﴾ [الصفا: ٤]، وأحب الأعمال إلي الله كذا كذا، وأحب البقاع إلي الله مساجدها، فمحبة ثابتة حقًا، وقوله: "يحب الوتر" ليس معني ذلك أن الإنسان يوتر في كل شيء، ولكن المعني: أنه يحب الوتر، فيشرع ما شاء علي وتر، ويخلق ما شاء علي وتر، فالسموات سبع، والأرضون سبع، والصلوات خمس، وتختم بالوتر، وصلاة الليل، وصلاة النهار، ولكن هذا المعني: أن الإنسان يقتصد الإيتار في كل شيء، حتى نقول: إن أردت أن تأكل فكل وترًا، إذا أردت أن تمشي فامش وترًا، إذا أردت لبس الثياب وترًا، وما أشبه ذلك؟ لا؛ لأن هذه أمور من العبادات تتوقف علي ورود الشرع بها، ولهذا قال أنس رصي الله عنه لما حكي عن رسول الله ﷺ : أنه كان لا يخرج لصلاة عيد الفجر حتى يأكل تمرات. قال: "ويأكلهن وترًا"، فلو كان الرسول ﷺ يعتاد الإيتار في كل ما يأكل لم يكن هناك حاجة إلي أن يذكر أنس أنه يأكلهن في ذلك اليوم وترًا؛ لأنه لو كان هذا من عادته لكان ذلك ثابتًا في تمرات يوم العيد وغيرها.

стр. 820

والحاصل: أن الله وتر يحب الوتر، لكن الإيتار يتوقف علي ما جاء فيه الوتر. ٣٦٣ - وعن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا". متفق عليه. هذا الحديث يدل علي أن الإنسان مأمور بأن يجعل آخر صلاته بالليل وترًا، فإذا كان يريد أن يختم صلاته بالليل قبل أن ينام أوتر قبل أن ينام، وإن كان يريد أن يقوم من آخر الليل فلا يوتر حتى يقوم من آخر الليل، ثم يوتر بعد ذلك، هذا هو الأفضل، وهو الذي أمر به النبي ﷺ ، ولكن لو أوتر الإنسان في أول الليل يظن أنه لا يقوم من آخره، ثم قام من آخره فإنه يصلي لكن لا يصلي وترًا؛ لأن الوتر انتهي وأتي الإنسان بما أمر به فيه وإنما يصلى ركعتين ركعتين، حتى يطلع الفجر والنبي ﷺ لم يقل: لا تصلوا بعد الوتر، لو قال: لا تصلوا بعد الوتر لقلنا: إذا قام الرجل بعد الوتر قلنا: لا تصل. إنما قال: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا" يعني: إذا ختمتم صلاة الليل فاختموها بالوتر، وفرق بين العبارتين: العبارة لا تصلوا بعد الوتر تدل علي أنه لا صلاة بعد الوتر، كما لو قيل: لا تصلوا بعد صلاة الصبح، أما إذا قيل: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا" فنعم أنت الآن فعلت ما أمرت به، وجعلت آخر صلاتك بالليل وترًا، ثم قمت علي خلاف ما تظن، ما ظننت أن تقوم في آخر الليل فصل ركعتين ركعتين؛ لقول النبي ﷺ : "صلاة الليل مثني مثني"، أما من قال من أهل العلم: عليك أن تصلي ركعة لتشفع بها الركعة التي صليتها قبل أن تنام، ثم تصلي ركعتين ركعتين، ثم توتر بركعة في آخر ذلك، فهذا ضعيف؛ لأنه وإن كان قد قاله من قاله اجتهادًا فليس كل مجتهد مصيبًا، والصواب: أنه لا تقتضي للوتر ولا إعادة له، وأن من أوتر أول الليل ظنًا منه أنه لا يكون قد قام بما أمر به قلنا: إن قام فليصل ركعتين ركعتين؛ لقوله ﷺ : "صلاة الليل مثني مثني". لا وتران في ليلة: ٣٦٤ - وعن طلق بن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا وتران في ليلية رواه أحمد والثلاثة، وصححه ابن حبان. تقدم أن الوتر سنة مؤكدة لا ينبغي للإنسان أن يدعه، وأن أقله ركعة، وأكثره احدي عشرة ركعة ولا يتكرر الوتر، يعني لا يكون الوتر مرتبين ولا توتر ثلاثًا.

стр. 821

فقول الرسول ﷺ : "لا وتران في ليلة"، يعني: ولا ثلاثة؛ لأن نفي الاثنين يقتضي نفي الثلاثة، علي أن المثني أحيانًا يراد به مطلق التكرار وإن زاد علي الاثنين كما في قول الملبي: "لبيك اللهم لبيك"، فإن هذا صورته صورة المثني، ومعناه: العدد الكثير وكما في قوله تعالي: ﴿ثم أرجع البصر كرتين﴾ [الملك: ٤]، يعني: لو رجعت البصر كرات كثيرة لرجع إليك البصر خاسئًا وهو حسير، وبذلك نعرف ضعف قول من يقول: إن الإنسان إذا أوتر في أول الليل ظنًا منه أنه لا يقوم ثم قام في آخره أنه يصلي أول ما يصلي ركعة؛ لينتقض بها الوتر الأول ثم يصلي ركعتين ركعتين، ويختم صلاته بوتر، وهذا ضعيف، بل نقول لمن أوتر في أول الليل ظنًا منه أنه لا يقوم، ثم قام: صل ركعتين ركعتين؛ "صلاة الليل مثني مثني"، وأما الوتر السابق فهو علي ما هو عليه، والنبي ﷺ قال: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا" ولم يقل: لا تصلوا بعد الوتر، وقد سبق لنا الفرق بين العبارتين. ما يقرأ في الوتر: ٣٦٥ - وعن أبي بن كعب ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يوتر بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١]، و: ﴿قل يأيها الكافرون﴾ [الكافرون]. و: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص] ". رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي. وزاد: "ولا يسلم إلا في آخرهن". ٣٦٦ - ولأبي داود، والترمذي نحوه عن عائشة ﵂ وفيه: "كل سورة في ركعة، وفي الأخيرة: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص]. والمعوذتين". هذه الأحاديث فيها بيان ما يقرأ في الوتر، والوتر كغيره من الصلوات لا يجب فيه إلا قراءة الفاتحة، هي التي قال فيها الرسول ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، وما سوي ذلك فهو سنة، لكن ما ورد معينًا فالأفضل أن يقرأ به الإنسان، وما كان مطلقًا فإن الإنسان يقرأ بما يشاء، مما ورد معينًا، إذا أوتر الإنسان بثلاث فإنه يقرأ في الركعة الأولي: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، وفي الثانية: ﴿قل يأيها الكافرون﴾، وفي الثالثة: ﴿قل هو الله أحد﴾، والإيتار بهذه السور الثلاث ظاهر؛ لأن في قوله تعالي: ﴿سبح اسم ربك الأعلى (١) الذي خلق فسوي (٢)﴾ [الأعلى: ١ - ٢] ... إلخ، فيها ذكر ابتداء الخلق وتقدير الله له والإخبار بأن من تزكي فهو مفلح، وفيه أيضًا الحث علي الرغبة في الآخرة، والزهد في الدنيا. وأما قوله: ﴿قل يأيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾ ففيهما الإخلاص؛ ففي ﴿قل يأيها الكافرون﴾ الإخلاص بالقصد والإرادة، بل والعمل أيضًا، وفي ﴿قل هو الله

стр. 822

أحد﴾ الإخلاص بالعقيدة، بأن تعتقد أن الله -سبحانه وتعالي- واحد في ذاته وصفاته، وأما حديث عائشة الذي فيه الزيادة بأن يقرأ مع ﴿قل هو الله أحد﴾ أحد المعوذتين، فإن أتي بها الإنسان فهو حسن، وإن لم يأت فلا حرج. ٣٦٧ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أوتروا قبل أن تصبحوا". رواه مسلم. -ولابن حبان: "من أدرك الصبح ولم يوتر فلا وتر له". هذا يقول ﷺ : "أوتروا قبل أن تصبحوا"، وفي الحديث الثاني أن من أدركه الفجر قبل أن يوتر فلا وتر له. فيستفاد منه: أنه إذا طلع الفجر وأنت لم توتر، فلا توتر ولا قبل صلاة الفجر، خلافًا لمن أجاز ذلك من أهل العلم، وقال: إنه يجوز إذا طلع الفجر وأنت لم توتر يجوز لك أن توتر بعد طلوع الفجر، وقبل الصلاة، ولكن ظاهر الأحاديث يدل علي أنه إذا طلع الفجر ينتهي الوتر، ولكن ماذا يصنع الإنسان إذا لم يوتر؟ يصنع ما فعله الرسول ﷺ ، فكان النبي ﷺ إذا غلبه نوم أو وجع صلى في النهار ثنتي عشرة ركعة، وعلي هذا يصلي من الضحى عدد وتره، ولكن يضيف إليها ركعة ليكون شفعًا، فإذا كان من عادته أن يوتر بثلاث ولم يتيسر له الوتر، فإنه يقضي في النهار أربعًا، وإذا كان يوتر بخمس يوتر بست، وهكذا. وفي هذا دليل علي أن العبادات المؤقتة لا تصح بعد وقتها، كما أنها لا تصح قبل وقتها، وبناء علي ذلك يتبين أن الصواب أن من ترك فريضة حتى خرج وقتها متعمدًا بدون عذر فإنه لا صلاة له ولو صلى ألف مرة، ولكن ليس عليه إلا أن يتوب ويستغفر ويخلص لله في توبته، وأما أن يلزم بالقضاء وقد ترك الصلاة عمدًا حتى خرج وقتها فإنه لا يلزم بها ليس رأفة به وتسهيلًا عليه، ولكنه لعدم قبولها منه، والله لا يقبل إلا ما كان خالصًا صوابًا، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد"، أي: مردود، فإذا كانت صلاة العبد مؤقتة بوقتها فإنها لا تصح بعد وقتها إلا في حال العذر، كما قال النبي ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك".

стр. 823

٣٦٨ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "من نام عن الوتر أو نسيه فليصل إذا أصبح أو ذكر". رواه الخمسة إلا النسائي. قوله ﷺ : "فليصل إذا أصبح أو ذكر"، لم يبين كيف يصلي، ولكن فعله ﷺ مبين لقوله، فتكون صلاة الوتر قضاء مشفوعًا بركعة، وقوله: "فليصل إذا أصبح أو ذكر" يدل علي أنه لو فرض أنك نسيت الوتر هذه الليلة ولم تذكره إلا في الليلة الثانية، فإنك توتر، لكن تقضيه شفعًا؛ لأنه فات وقته. شبهة والرد عليها: ٣٦٩ - وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من خاف ألا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل". رواه مسلم. تقدم الكلام علي ما يقتضيه هذا الحديث، ولكن في قوله ﷺ : "فإن صلاة آخر الليل مشهودة" يعني: تشهدها الملائكة، وتكون موافقة لوقت نزول الرب ، فإن الله تعالي ينزل كل ليلة حين يبقي ثلث الليل الآخر إلي السماء الدنيا ويقول: "من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر"، كل ليلة في كل ليالي السنة، وليس في رمضان وحده، وقد روي هذا الحديث عن النبي ﷺ عدد كثير من الصحابة ﵃، حتى قال بعض أهل العلم: إنه من المتواتر، ولم يسأل الصحابة الرسول ﷺ : من الذي ينزل؟ لأن الأمر أوضح من أن يسأل عنه، وكل شيء من الأفعال يضيفه الله إلي نفسه فإن المراد به: ذات الله ، فمثلًا ﴿خلق السموات والأرض﴾ [الأعراف: ٥٤]، يعني: هو بنفسه الذي خلقها، وكذلك ﴿استوي علي العرش﴾ [الأعراف: ٥٤]، ما حاجة أن نقول: بذاته؛ لأنه فعل أضيف إلي الله، فمن يقوم به؟ يقوم به الله ، وهكذا كل شيء أضافه الله إلي نفسه فالمراد به: ذاته، وعلي هذا فالصحابة ﵁ ما سألوا ما الذي ينزل يا رسول الله: هل هو أمره؟ هل هو رحمته؟ هل هو ملك من ملائكته؟ هل هو نفسه ينزل؟ ما سألوا عن ذلك، لماذا؟ لأنه أضيف إلي نفسه "ينزل ربنا"، فكما أنهم لم يسألوا عن قوله تعالي: ﴿خلق السموات والأرض﴾، فهم-هنا-نفس الشيء؛ لأنه فعل أضيف إلي الله، فيكون من الله- سبحانه وتعالي-، ولهذا يخطئ خطأ كبيرًا من يظن أن الصحابة- ﵃ لم يفهموا معاني أسماء الله وصفاته وأنهم فوضوها تفويضًا، وأنهم لا يعرفون إلا مجرد التلاوة فقط، بل نقول: هم أعلم الناس بمعناها، ويعرفونها معرفة

стр. 824

تامة، والذين قالوا: إن الله لا ينزل وإنما الذي ينزل ملائكته أو رحمته أو أمره، جنوا علي النص جنايتين-والعياذ بالله-: الجناية الأولي: أنهم صرفوه عن ظاهره، وهذه جناية كبيرة؛ لأنها من تحريف الكلم عن مواضعه. والجناية الثانية: أنهم أثبتوا له معني ما ذكره الله تعالي ولا رسوله، فيكونوا قد ألحدوا من وجهتين من جهة نفي ما دل عليه اللفظ، ومن جهة إثبات ما لم يدل عليه، والإلحاد في كلام الله ليس بالأمر الهين، قال الله تعالي: ﴿إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا﴾ [فصلت: ٤٠]، وقد ذم الله تعالي بني إسرائيل لكونهم يحرفون الكلم عن مواضعه: ﴿من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه﴾ [النساء: ٤٦]، ولهذا كل من حرف كلام الله أو كلام رسول صلي الله عليه وسلم فإنه فيه شبه من اليهود، فالحذر الحذر من أتباع أولئك الذين يحرفون ما نطق الله به وما نطق به الرسول ﷺ بأبلغ كلام وأوضحه، صادر عن عالم به وبمقتضاه، وصادر عن ناصح لمن يخاطب، فالله يقول: ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾ [النساء: ١٧٦]، إذن هل أراد الله منا بكلامه أن نضل؟ لا، ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾، ﴿يريد الله ليبين لكم ويهديكم﴾ [النساء: ٢٦]. هذا ما يريده الله لعباده، والنبي صلي الله عليه وسلم مبلغ عن ربه ومبين، قال الله تعالي: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل: ٤٤]. فهو ﷺ يريد البيان، ولا أحد يشك في أنه صلي الله عليه وسلم أصلح الخلق للخلق كما أنه لا أحد يشك في أنه أعلم الخلق بالله، ولا أحد يشك في أنه أفصح الخلق، فقد أجتمع في كلامه كمال الإرادة، وكمال النصح، وكمال البيان، وما بعد ذلك إمكان لأن يحرف كلام الرسول ﷺ ، أو يقال: أن المراد به كذا وكذا ويصرف عن ظاهرة، ثم إن في تفسير ذلك بنزول أمره فيه أيضًا خطأ من جهة: أن أمر الله هل ينتهي بالسماء الدنيا؟ لا؛ ﴿يدبر الأمر من السماء إلي الأرض﴾ [السجدة: ٥٠]، ليس منتهاه السماء الدنيا، فإذا قالوا: الرحمة نفس الشيء، نقول: رحمة الله ليست تنتهي إلي سماء الدنيا، بل تنزل في الأرض، ورحمة الله أيضًا في الثلث الأخير أو في كل وقت؟ وكذلك لو قال أحد: إنه ملك ينزل، نقول: سبحان الله هل يمكن للملك أن يدعي لنفسه الإلوهية ويقول: من يدعوني فأستجيب له؟ ، المهم: أن تحريف الكلم عن مواضعه هذا من أخطر ما يكون علي الإنسان، ونحن في الحقيقة لا نعلم عن الله إلا ما أخبرنا الله به ورسوله؛ لأن هذا من أمور الغيب، فما الواجب علينا إذا كنا لا نعلم إلا ما أخبرنا الله به ورسوله؟ الواجب علينا: أن نقول ما قال الله وقال رسوله ولا نتبع ذلك بعقولنا، علي أن هذه العقول التي أوجبت علي المتصفين بها أن يحرفوا كلام الله ورسوله لا شك في أنها عقول فاسدة باطلة؛ لماذا؟ لأنه لقصورهم ما فهموا من هذه النصوص إلا مثل ما يفهمون منها أنه متصف به الشبر فإنهم لما فهموا منها ذلك وأنها تقتضي التمثيل صاروا يحرفونها عن مواضعها

стр. 825

فعطلوها، ولهذا نقول إن أهل التأويل جمعوا بين التمثيل والتعطيل؛ لأنهم مثلوا أولًا ثم عطلوا ثانيًا، ولهذا نقول: كل معطل ممثل شاء أم أبي؛ لأنك لو سألته: لماذا حرفت هذا الكلام بأن صرفته عن ظاهرة؟ قال: لأن ظاهره يقتضي التمثيل؛ سبحان الله، الله ورسوله يخاطبان الناس فيما يقتضي أن يكون الله له مثيل، هل هذا معقول؟ يعني: أمعقول أن يكون الكتاب والسنة لا يدلان فيما يتعلق بصفات الله إلا علي ما هو كفر؟ ! لأن تمثيل الله بخلقه كفر لا شك فيه! وهو تكذيب لقوله تعالي: ﴿ليس كمثله شيء﴾ فهل يقول أحد: إن ظاهر كتاب الله وسنة رسوله هو: التمثيل الذي هو كفر؟ لا أحد يقول إلا من اجتالته الشياطين فصرفته عن فطرته، ونحن نقول: بل ظاهر كلام الله ورسوله حق علي الوجه اللائق به، والعقل السليم يستوجب الجمع بين ثبوت الصفة، ونفي المماثلة، فنقول: كل هذه الصفات حقيقية، لكن بدون مماثلة، وهذه القاعدة هي القاعدة السليمة الواجبة علي كل من أراد الخلاص ماذا تقول إذا وقفت بين يدي الله والله سبحانه يقول: قال لك رسولي: "ينزل ربنا إلي السماء الدنيا"، وأنت تقول: لا، لا ينزل، لكن ينزل أمره. ما الجواب؟ والله ما يجدون جوابًا. وكذلك: ﴿وجاء ربك والملك﴾ [الفجر: ٢٢]، إذا قالوا: الله لا يجيء. قلنا: سبحان الله، الله يقول: ﴿وجاء ربك والملك﴾ وأنتم تقولون: وجاء أمر ربك والملك، ما الذي يجعل الملك يأتي والرب لا يأتي؟ ثم من الذي يقول: إن الله أراد الأمر ولم يبينه لعباده ولا بينه رسوله؟ هل هذا إلا غاية ما يكون من التضليل وجعل كلام الله تعالي بمنزلة الأحادي والألغاز التي لا يفهمها إلا ذاك عن ذلك؟ ! فأنا أحذركم أيها الإخوة من أن تضلوا في مثل هذه التأويلات الباطلة، وأن تقولوا: كل من عند الله وهو صادر عن علم ولسنا أعلم بالله من نفسه، ولسنا أعلم بالله من رسوله، ولسنا أصدق نية ونصحًا من رسول الله ﷺ ، ولسنا أبلغ كلامًا ولا أفقه. إذن يجب علينا أن نتلقى هذه الأمور الغيبية علي ما جاءت به بدون تحريف وبدون تعطيل، ونكون بذلك سالمين، وإن أي إنسان يؤول فإننا سنقول له: ما دليلك علي تأويلك، وما دليلك علي المعني الذي أثبته لهذا النص؟ نطالبه بأمرين، ولا يمكن أن يجد لذلك جوابًا أبدًا، نسأل الله لنا ولكم الهداية والتوفيق. ٣٧٠ - وعن ابن عمر ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إذا طلع الفجر فقد ذهب وقت كل صلاة الليل والوتر، فأوتروا قبل طلوع الفجر". رواه الترمذي.

стр. 826

صلاة الضحى: ٣٧١ - وعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى أربعًا، ويزيد ما شاء الله". رواه مسلم. ٣٧٢ - وله عنها: "أنها سئلت: هل كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى؟ قالت: لا، إلا أن يجيء من مغيبه". ٣٧٣ - وله عنها: "ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي قط سبحة الضحى، وإني لأسبحها". هذه الأحاديث في بيان حكم صلاة الضحى، صلاة الضحى أقلها ركعتان وأكثرها ما شئت، وابتداؤها من ارتفاع الشمس قيد رمح إلي قبيل الزوال، ارتفاع الشمس قيد رمح يكون إذا مضي نحو ربع الساعة من طلوع الشمس، وقبيل الزوال إذا بقي علي الزوال خمس دقائق أو نحوها، فيكون وقتها كل الضحى، وهي سنة سنها النبي ﷺ بفعله وأمره وإرشاده. أما فعله؛ فحديث عائشة قالت: "كان النبي ﷺ يصلى في الضحى أربعًا ويزيد ما شاء الله"، قالت: "يصلي في الضحى"، وهذا دليل علي ثبوت هذه السنة بفعل الرسول ﷺ ؛ لأنه فعلها وهي عبادة فتكون مشروعة. وأما أمره بذلك؛ فإنه أمر أبا هريرة ﵁ أن يصلى ركعتين كل يوم، قال: "أوصاني خليلي ﷺ بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام"، وكذلك أوصي أبا الدرداء بمثل هذه الوصية. وأما ترغيبه فيها؛ فإنه ﷺ لما ذكر أن: "علي كل سلامي من الناس صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس"- السلامي يعني: المفاصل والعظام، كل عظم عليك صدقة تتصدق عنه كل يوم إذا طلعت الشمس، كل تسبيحه صدقة، وكل تهليله صدقة، وكل تحميده صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة-، قال النبي ﷺ لما ذكر ذلك: "ويجزئ عن ذلك ركعتان يركعهما من الضحى"، فهذه السنن في ركعتي الضحى تدل علي أنها مشروعة. وقد أختلف أهل العلم- ﵏ هل هي مشروعة أو غير مشروعة، أو مشروعة لأناس دون آخرين؟ فقال بعض أهل العلم: إنها غير مشروعة، واستدلوا بالحديثين اللذين ذكرهما المؤلف

стр. 827

وفيهما: أن النبي ﷺ كان لا يصلى الضحى إلا إذا جاء من مغيبه، وإذا جاء من مغيبه فإنه يصلي؛ لأنه يشرع لكل إنسان قدم البلد أن يصلي ركعتين قبل أن يدخل إلي بيته، وهذه سنة يهملها كثير من الناس، أما تهاونًا أو جهلًا بها، فإذا قدمت إلي بلدك أول ما تقدم اذهب إلي المسجد وصل ركعتين كما كان النبي ﷺ يفعل ذلك، بل أمر به جابر بن عبد الله ﵁ لما قدم جابر بجمله الذي اشتراه منه النبي ﷺ ، واستثني جابر أن يركب عليه إلي المدينة، فلما قدم المدينة وجاء إلي النبي ﷺ وجده عند المسجد قال له النبي ﷺ : "صليت ركعتين؟ ". قال: لا. قال: "فادخل واركع ركعتين"، فدل هذا علي أنه يشرع لكل إنسان أن يصلي ركعتين في المسجد إذا دخل البلد، ولا فرق بين أن يصليهما في مسجد الحي الذي هو فيه أو في أي مسجد من مساجد البلد. وقالت في حديثها الآخر قالت: "ما رأيت النبي ﷺ يصلي سبحة الضحى وإني لأسبحها"، قالت: ما رأيته يفعلها، وهذا نفي مطلق عام، لكنها تقول: وإني لأسبحها، يعني: لأصليها، فأستدل بعض أهل العلم بهذين الحديثين علي أن صلاة الضحى ليست بسنة، وفصل بعض أهل العلم في ذلك، فقال: إذا كان الرجل يعتاد قيام الليل فإنه لا يصليها، وإن كان لا يصلي الليل فإنه يصليها، واستدلوا لذلك بما في حديث عائشة حيث ذكرت أن الرسول ﷺ لا يصلي الضحى؛ لأنه كان يقوم من الليل ﷺ ، وأما من لا يقوم كأبي هريرة ﵁ لا يقوم الليل، ولهذا أمره النبي ﷺ أن يوتر قبل أن ينام؛ لأنه كان يتحفظ أحاديث رسول الله ﷺ في أول الليل، ولا شك أن العلم تحفظًا أو تعلمًا أفضل من قيام الليل، ولهذا أمره النبي ﷺ أن يوتر قبل أن ينام، وأمره أن يصلى ركعتي الضحى، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. وقال آخرون من أهل العلم: إن ركعتي الضحى سنة، لكن لا تسن المداومة عليها، بل يصلى أحيانًا ويدع أحيانًا، ولكن الذي يترجح لي أنها سنة مطلقة ولو لم يكن منها إلا أنها تكفي عن الصدقات التي تجب علي كل سلامي من الناس، فعلي هذا نقول: صل ركعتي الضحى؛ لأنها تجزئك عن كل صدقة عليك في كل سلامي منك. بقي عندنا في حديث عائشة وأمر آخر هو أنها تقول: "ما رأيته يصليها أو يسبحها وإني لأسبحها"، فكيف تخالف ما كان عليه النبي ﷺ ، يعني: لو أراد أحد أن يقول: هذا مطعن في عائشة ﵂ إذ كيف تقول: "ما رأيته يصلي سبحة الضحى وإني لأسبحها"، وهل هذا إلا مخالفة للرسول ﷺ ؟ فالجواب: لا، لكنها ﵁ تري من هدي النبي ﷺ أنه يدع العمل مخافة أن يفرض علي الناس، وقد فهمت هي ﵂ أن رسول الله ﷺ يحب هذه الصلاة لكنه يتركها مخافة أن تفرض علي الناس، وهذا لا شك فيه، أما أنها تخالف هدي الرسول ﷺ فإن هذا بعيد جدًا.

стр. 828

٣٧٤ - وعن زيد بن أرقم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة الأوابين حين ترمض الفصال". رواه الترمذي. ٣٧٥ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "من صلى الضحى ثنتى عشرة ركعة؛ بني الله له قصرًا في الجنة". رواه الترمذي واستغربه. ٣٧٦ - وعن عائشة ﵂ قالت: "دخل رسول الله ﷺ بيتي، فصلى الضحى ثماني ركعات". رواه ابن حبان في صحيحة. هذه الأحاديث تدل علي ما سبق من مشروعية صلاة الضحى، وتدل علي أنه كلما تأخر الإنسان فيها فإنه أفضل، لقوله النبي ﷺ : "صلاة الأوابين حين ترمض الفصال، وقوله المؤلف: رواه الترمذي غريب منه، فالحديث في صحيح مسلم، ولعل المؤلف أراد أنه بهذا اللفظ بعينه في سنن الترمذي فينبغي أن يراجع ويعلق علي الكتاب، فهذا الحديث يدل علي أنه كلما تأخرت في صلاة الضحى فإنه أفضل، ولكن في آخر الضحى مشغولًا بتجارته أو ما أشبه ذلك وخاف إن أخرها إلي هذا الوقت أن ينساها أو ألا يتسنى له فعلها فإنه يصليها في أول الوقت ولا حرج عليه. ١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة ٣٧٧ - عن عبد الله بن عمر ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة". متفق عليه. ٣٧٨ - ولهما عن أبي هريرة ﵁: "بخمس وعشرين جزءًا". ٣٧٩ - وكذا للبخاري: عن أبي سعيد، وقال: "درجة". "صلاة الجماعة" يعني: أن يجتمع الناس علي الصلاة، وقد أجمع العلماء-﵏ علي أنها من أجل الطاعات وأفضلها.

стр. 829

حكم صلاة الجماعة: والعلماء اختلفوا فيها علي ثلاثة أقوال: فمنهم من قال: إنها سنة مؤكدة، ومنهم من قال: إنها فرض كفاية، ومنهم من قال: إنها فرض عين، وعلي الأقوال الثلاثة لا تبطل الصلاة ولو تركها الإنسان ولو بلا عذر، ومنهم من قال: إنها شرط لصحة الصلاة، وعلي هذا القول فإذا ترك صلاة الجماعة بلا عذر بطلت صلاته، وهذا القول الأخير هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ورواية عن أحمد أن الرجل إذا ترك الجماعة بلا عذر فإنه لا تقبل صلاته، ولو صلى ألف مرة وأنه إذا تركها بلا عذر فهو كمن صلى بلا وضوء، يعني: لا تصح صلاته ويجب عليه أن يطلب الجماعة في أي مسجد، ولكن القول الراجح من هذه الأقوال: أنها فرض عين؛ أي: أنه واجب علي كل مسلم من الرجال أن يصلى مع الجماعة، ولكنه لو ترك الصلاة مع الجماعة أثم وصحت صلاته، ويدل لذلك حديث ابن عمر وأبي هريرة وأبي سعيد، وهذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف تدل علي أن صلاة الفذ صحيحة؛ لأن النبي ﷺ قال: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة"؛ ولو كانت صلاة الفرد غير صحيحة ما صار فيها فضل أبدًا. وعليه يكون حمل هذه الأحاديث علي المعذور فيه نظر؛ لأن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قال: إن هذه الأحاديث في المعذور إذا تأخر عن صلاة الجماعة بعذر، فإنه يفوته خمس وعشرون درجة، ولكن كلامه هذا أيضًا فيه نظر؛ لأن النبي ﷺ قال: "من مرض أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا"، والحديث في الصحيح، فدل ذلك علي أن المريض الذي يعتاد صلاة الجماعة إذا تخلف عنها كتب له أجرها كاملة. فالحاصل: أن القول الصواب أنها واجبة وأنها فرض عين، ويدل علي وجوبها الكتاب والسنة والإجماع الفعلي من الصحابة- ﵃ أما الكتاب فقوله تعالي: ﴿وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة وأركعوا مع الراكعين (٤٣)﴾ [البقرة: ٤٣]، لأن الله ، يقول لرسوله ﷺ : ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا﴾ [النساء: ١٠٢]، يعني: أتموا صلاتهم، ﴿فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخري لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم﴾ [النساء: ١٠٢]، ووجه الدلالة من الآية: أن الله أوجب علي المؤمنين أن يصلوا جماعة في حال القتال، وما وجب في حال القتال فوجوبه في حال الأمن من باب أولي، ثم في قوله في الآية: ﴿ولتأت طائفة أخري لم يصلوا فليصلوا معك﴾ [النساء: ١٠٢]، دليل علي أنها فرض عين؛ لأنها لو كانت فرض كفاية لسقطت بالطائفة الأولي، فلما وجب علي

стр. 830

الطائفة الثانية أن يصلوا دل ذلك علي أنها واجبة وجوب عين، وأما من السنة فالأدالة في ذلك كثيرة منها هذا الحديث: ٣٨٠ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ : قال: "والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمره بحطب فيحتطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلًا فيؤم الناس، ثم أخالف إلي رجال لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقًا سمينًا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء". متفق عليه. واللفظ للبخاري. انظر كلام الرسول ﷺ فقد أقسم، هل أحد استحلفه؟ لا، إذن لماذا أقسم بدون أن يستحلف؟ لأهمية الأمر، لا يقسم الرسول ﷺ علي شيء بدون أن يستحلف إلا لما في ذلك من الأهمية، أقسم ﷺ أنه هم وأكد هذا الهم بالقسم واللام وقد- فقال: "والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب" يجمع، "ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس"، يعني: إمامًا، "ثم أخالف إلي رجال لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم" بالنار، الرسول ﷺ أحرق عليهم، هل نقول: إن المراد يحرقها وهم فيها أو يحرقها عليهم، أي: يفسدها عليهم بالإحراق؟ لفظ الحديث يحتمل أنه يحرقها وهم فيها، أو يحرقها عليهم، أي: يفسدها عليهم، وأيا كان- فسواء كان علي الاحتمال الأول أو الثاني- فإن إحراقها إفساد للمال، ولا يجوز إفساد المال إلا بشيء واجب؛ أن المحرم لا ينتهك إلا من أجل شيء واجب، لا ينتهك من أجل شيء مباح. فعلي كل حال: أقسم النبي ﷺ أنه هم أن يحرق بيوت المتخلفين عن الصلاة؛ يعني: يحرقها عليهم بالنار، فدل ذلك علي وجوب حضور الجماعة، ووجه الدلالة: أن الرسول ﷺ ما هم بشيء محرم لولا أن ذلك في مقابل ترك واجب. قال بعض الناس الذين يرون أنها لا تجب: إنه هم ولم يفعل، نقول: لكن لولا أن هذا الهم له أثر لكان ذكره عبثًا ولغوًا، ما الفائدة في أن يخبرنا إذا صار همًا ولم يفعل ولم يرد أن يفعل فيكون إبلاغه إيانًا بذلك لغوًا لا فائدة منه، ولا شك أن الرسول ﷺ أخبرنا بذلك لنعلم مدي أهمية الصلاة مع الجماعة، وأنها تصل إلي هذه الدرجة أن يهم أرحم الخلق بالخلق بتحريق بيوت هؤلاء المتخلفين عليهم بالنار، ودلالة هذا علي الوجوب من أوضح ما يكون، ثم إنه قال ﷺ ذلك مبينًا أن هؤلاء المتخلفين عن الجماعة مع عظم فضلها لو أنهم حصلوا علي شيء من الدنيا زهيد لكانوا يأتون إليه بكل سهولة، وهذا كقوله تعالي: ﴿بل قلوبهم في غمرة من هذا﴾ [المؤمنون: ٦٣]، يعني: قلوبهم مغطاة عن أحوال الآخرة، ﴿ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون (٦٣)﴾

стр. 831

[المؤمنون: ٦٣]، أي: أن هؤلاء لهم أعمال الدنيا يعملونها تمامًا، ولهذا أتي بالجملة الاسمية ﴿هم لها عاملون﴾ يعني: يعملونها تمامًا، لكن أمر الآخرة قلوبهم في غمرة من هذا: ﴿ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون﴾، وهو كقوله تعالي: ﴿لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد (٢٢)﴾ [ق: ٢٢]، يقول الرسول ﷺ في بيان حال هؤلاء المتخلفين عن الصلاة مع فضلها وأن همتهم دنيا فاسدة، قال: "والذي نفسي بيده لو يجد أحدهم عرقًا سمينًا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء"، العشاء في عهد الرسول ﷺ ليست كما في عهدنا، في عهدنا الأنوار مضيئة والشوارع مزفلتة لا غبار ولا ظلمة، لكن في عهد الرسول مشقة في الحضور إلي صلاة العشاء، هؤلاء لو يجد أحدهم عرقًا سمينًا أتدري ما هو العرق؟ العرموش: العظم إذا أكل لحمه ولم يبق إلا بقية لحم أو ما أشبه ذلك، هذا هو العرق، "أو مرماتين"، المرماتان هما: ما بين أظلاف الشاة من اللحم أو ما بين أضلاعها، وكلاهما شيء زهيد وحقير، لكن هؤلاء لو يجدون من الدنيا هذا الشيء الحقير لشهدوا العشاء مع مشقة حضورها، لكن لأنهم يريدون الدنيا وهذه حال كثير من الناس لا أقول حال أكثر الناس، لا، حال كثير من الناس، تجده مثلًا يقف عند واحد يشتري حاجة يربح فيها نصف ريال أو مائة ريال ويترك الجماعة التي يربح فيها الريالات والحسنات المضاعفة تصل سبعًا وعشرين درجة! يترك هذا مع أن نصف الريال الذي يكسبه في الدنيا أين يذهب؟ يذهب بولًا أو غائطًا أو عرقًا كله منتن الرائحة، وما يبقي بعده يرثه من لا يقل ﵀ وربما يبذله في معصية الله فيكون خسارة عليه من الناحيتين، لكن ثواب الآخرة يبقي إلي أبد الآبدين، ما يزول ولا يفني ولا ينقص، مدخر عند الله ؛ ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره (٧)﴾ [الزلزلة: ٧]، إذن في هذا الحديث دليل علي حبوط همة هؤلاء وعلي قصر نظرهم، كيف يأتون إلي الحقير من الدنيا ويدعون الآخرة وهي أعظم وأكثر أجرًا، ولكن فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. ففي قوله ﷺ : "ثم أخالف إلي رجال" دليل علي النساء لا تجب عليهن الجماعة وهو كذلك، وهو محل إجماع من أهل العلم أن المرأة لا تجب عليها الجماعة، لكن لها أن تحضر بشرط ألا تكون متبرجة ولا متطيبة ولا مرتدية ما يكون فيه فتنة. وفي قوله ﷺ : "لا يشهدون الصلاة" دليل علي أنه يجب الحضور مع جماعة المسلمين، وجماعة المسلمين أين تكون؟ في المساجد، فيكون فيه دليل علي وجوب حضور الجماعة في المساجد، وأما من قال من أهل العلم: إن الواجب إقامة الجماعة ولول في البيوت فإنه قول ضعيف، وقد ذهب إلي هذا من ذهب من أهل العلم وقال: إن الواجب الجماعة دون المساجد، وقال بعضهم: الواجب الجماعة، أما المساجد ففرض كفاية؛ بمعني: إذا صلى بها من يكفي وجب علي

стр. 832

الناس أن يصلوا جماعة في بيوتهم أو في مكاتبهم، وهذا القول يجيز من قاله أن يصلي الإنسان بامرأته ويقول: إن الجماعة تنعقد بالمرأة، نتيجة هذا القول أن يصير كل واحد هنا نحن الحاضرين يصلي في ينته مع امرأته أو أمه أو أخته أو بنته، وحينئذ ماذا تكون المساجد؟ تكون المساجد معطلة. ثم إن قوله ﷺ : "أخالف إلي رجال" يدل علي أن الرجال لو أقاموها في أماكنهم يجزئ عنهم ذلك أم لا؟ لا، ما قال: إلي رجل، قال: "إلي رجال"، حتى هؤلاء الرجال لو صلوها في بيوتهم لا يجزئ، لابد أن يحضروا إلي المسجد، وهذا القول هو الراجح؛ أي: أنه يجب إقامة الجماعة في المساجد، وأن إقامتها في المساجد فرض عين وليست فرض كفاية. وجوب الحضور للجماعة في المسجد: ٣٨١ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أثقل الصلاة علي المنافقين: صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا". متفق عليه. - وعنه قال: "أتي النبي ﷺ رجل أعمي فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلي المسجد، فرخص له، فلما ولي دعاه، فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم. قال: فأجب" رواه مسلم. ٣٨٢ - وعن ابن عباس ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من سمع النداء فلم يأته؛ فلا صلاة له إلا من عذر". رواه ابن ماجه، والدارقطني، وابن حبان، والحاكم، وإسناده علي شرط مسلم، لكن رجح بعضهم وقفه. هذا الحديث في باب صلاة الجماعة، يقول: "من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر"، وهذا كما سمعتم اختلف العلماء في رفعه ووقفه، والأظهر: أنه موقوف، وهذا يدل بظاهرة علي أن الإنسان إذا سمع النداء وجب عليه أن يحضر للمسجد، فإن لم يفعل فإنه لا صلاة له، وظاهر النفي نفي الصحة؛ لأن الأصل في النفي أن يكون نفيًا لذات الشيء، فإن لم يمكن حمل علي نفي الصحة، فإن لم يمكن فهو نفي للكمال، فإذا دار الأمر بين كون الشيء نفيًا للصحة أو نفيًا للكمال، فإنه يجب أن يحمل علي أنه نفي للصحة إلا أن يمنع من ذلك مانع، فإذا قلنا: من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر، صار في ذلك فائدتان:

стр. 833

الفائدة الأولي: أن صلاة الجماعة شرط لصحة الصلاة، وأن من لم يصل مع الجماعة بلا عذر لا صلاة له، وقد سبق أن هذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وبينا أنه ضعيف، وأن الصواب صحة صلاة المنفرد في بيته بلا عذر لكن مع الإثم. ثانيًا: أنه يفيد أنه يجب الحضور إلي المساجد وليس المقصود تحصيل الجماعة، بل المقصود الحضور إلي المسجد، ولا يجوز للإنسان أن يصلي في مكان جماعة وليس بمسجد، اللهم إلا إذا كان المسجد بعيدًا يشق عليه الذهاب إليه فهذا لا بأس به، أما أن يكون المسجد قريبًا منك وتسمع النداء وتقول لمن معك في المجلس: هيا نصلي جماعة فهذا لا يجوز ولا يجزئ عنه، وإن كان بعض أهل العلم- ﵏ قالوا: إن المقصود: الجماعة سواء في المسجد أو في البيت، وأنه إذا صلى جماعة في البيت ولو كان المسجد قريبًا فلا إثم عليه، وذهب آخرون إلي أن الصلاة في المساجد من باب فروض الكفايات، والصواب: أن الصلاة في المسجد فرض عين، وأنه لا يجوز التخلف عنها إلا لعذر. شرح حديث أبي هريرة: قال النبي ﷺ : "أثقل الصلاة علي المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر" المنافقون هم: الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، مأخوذ من نافقاء اليربوع وهو: القشرة الرقيقة التي يجعلها في آخر جحره لأجل أن يخرج من باب حجر آخر إذا حصر من هذه النافقة، فكأن المنافق- والعياذ بالله- تستر بما يكون علي ما في قلبه، فإنهم يقولون: إنهم مسلمون ويحلفون علي ذلك، ويشهدون علي أنفسهم بالإسلام، لكن هم كاذبون- والعياذ بالله-، وأول ما ظهر النفاق بعد غزوة بدر؛ لأن الناس قبل غزوة بدر ليس عندهم من القوة ما يهابهم الكفار بها، فلما كانت غزوة بدر وانتصر فيها النبي ﷺ وأصحابه وهزم أولئك الكفار من قريش وقتلت صناديدهم قوي الإسلام وعندئذ نبع فجر النفاق- والعياذ بالله- وصار الإنسان يأتي إلي المسلمين ويقول: إنه مسلم، ويذهب إلي قومه يقول: ﴿إنا معكم إنما نحن مستهزءون (١٤)﴾ [البقرة: ١٤]، وكثر النفاق في المدينة- والعياذ بالله- ﴿ومن أهل المدينة مردوا علي النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم﴾ [التوبة: ١٠١]، المنافقون يظهرون ويأتون إلي الصلوات مع المسلمين يحضرونها لكنها ثقيلة عليهم، لماذا؟ لأنهم ليس في قلوبهم إيمان يحثهم إلي أن يأتوا إلي مناجاة الله- سبحانه وتعالي-، قلوبهم أبعد ما يكون عن الله وأكفر ما يكون بالله-والعياذ بالله-، فهم تثقل عليهم الطاعات؛ لأنهم ليس عندهم الرغبة الصادقة في طاعة الله-سبحانه وتعالي- وتثقل عليهم الصلوات لأنها آكد أعمال البدن، وكلما كانت الطاعة أوكد كانت علي المنافق أثقل، وعلم من هذا الحديث أن جميع الصلوات ثقيلة عليهم، كما قال الله تعالي في آية آخري: ﴿وإذا قاموا إلي

стр. 834

الصلوات قاموا كسالي﴾ [النساء: ١٤٢]، لكن أثقل الصلوات صلاة العشاء وصلاة الفجر؛ لماذا؟ لأن هاتين الصلاتين لا يتبين فيهما الناس في عهد الرسول ﷺ ، فقد كانت المساجد والبيوت ليس فيها مصابيح، ليس فيها كهرباء حتى يعرف الناس بعضهم بعضًا فيأتون وهم لا يعرفون في صلاة العشاء فتثقل عليهم لا تخف في نفوسهم، وكذلك أيضًا في صلاة الفجر حيث إن الناس ليس عندهم أنوار فإذا ذهبوا صارت أثقل عليهم، وقيل: إن ثقلهما علي المنافقين أكثر من غيرهما؛ لأنها أوقات نوم، ويحتمل هذا وهذا. علي كل حال: صلاة العشاء وصلاة الفجر ثقيلة علي المنافقين أكثر من غيرهما، قال النبي ﷺ : "ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا" يعني: ولو كانوا يحبون علي ركبهم، "لو يعلمون ما فيهما لأتوهما" ما معني "ما فيهما": هل المراد: ما فيهما من الأجر، أو المراد: ما فيهما من الوزر عند الترك، أو الأمران؟ الأمران أولي، يعني: ما فيهما من الأجر عند الفعل، وما فيهما من الوزر عند الترك لو يعلمون ذلك لأتوهما ولو حبوا ولما تأخروا عنها، هم إذا سمعوا هذا الحديث علموا، لكن انتفاء العلم عنهم لعدم انتفاعهم به، والشيء قد ينفي لعدم الانتفاع به؛ ﴿ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون (٢١)﴾ [الأنفال: ٢١]. لا ينتفعون بهذا السماع فهم لو علموا ما فيهما لكن هذا العلم لا ينفعهم فيكون كالجهل تمامًا. يستفاد من هذا الحديث فوائد عديدة أولًا: وجوب الحضور إلي المسجد في صلاة العشاء وفي صلاة الفجر وغيرهما من باب أولى. ثانيًا: أن الصلوات كلها ثقيلة علي المنافقين، ولكن أثقلها العشاء والفجر. الفائدة الثالثة: أن المصلي لا ينفعه عمله ولو كان صالحًا في ظاهره، ما الدليل؟ الدليل ثقل الصلاة عليهما ولو نفعتهما لكانت خفيفة وسهلة عليهما كما قال الله تعالي: ﴿وإنها لكبيرة إلا علي الخاشعين (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥]. الفائدة الرابعة: أن من أحس بنفسه بثقل الصلاة عليه فليعلم أن في قلبه نفاقًا وأنه مشابه للمنافقين، في هذه الحال فعليه أن يحاسب نفسه وأن يفكر في أمره. ومن فوائده أيضًا: أن المؤمن الخالص تكون الصلاة عليه خفيفة، لأنه يحبها، ولأنه يؤمن بفائدة الوقوف بين يدي ربه يناجيه بكلامه ويتقرب إليه بأفعاله وأقواله ويسأله حاجاته، ولهذا كانت الصلاة قرة عين الرسول ﷺ ؛ لماذا؟ لأنه أكمل الناس إيمانًا وأعلمهم بالله ، وهي راحة القلب لمن كان مؤمنًا حقًا، أما المنافق فإنها ثقيلة عليه- والعياذ بالله-.

стр. 835

عدم سقوط الجماعة عن الأعمى: أما الحديث الثاني: أن رجلًا جاء إلي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني رجل أعمي وليس لي قائد يقودني إلي المسجد، فرخص له النبي ﷺ " فهو إنما يعني: أنه قال: لا تأت، فلما ولي دعاه فقال: "هل تسمع النداء؟ " قال: نعم، قال: "فأجب" هذا الرجل أعمى وليس له قائد يقوده إلي المسجد ومع هذا لم يرخص له النبي صلي الله عليه وسلم أن يصلى في بيته، بل قال: "أجب"، و (أجب) فعل أمر، والأصل في الأمر الوجوب، وبهذا علم أن قوله تعالي: ﴿ليس علي الأعمى حرج﴾ [النور: ٦١]. ليس علي سبيل العموم، بل ليس عليه حرج فيما لا يمكنه فعله مع العمى، وأما ما يمكنه فعله مع العمى فإنه عليه حرج في تركه، فالعلة التي هي العمى إنما تكون مؤثرة فيما إذا كان لا يمكنه فعله مع وجود العمى. فيستفاد من هذا الحديث: أن صلاة الجماعة فرض عين وليس فرض كفاية، ووجه ذلك: أنها لو كانت فرض كفاية لكانت تغني عن مجيء هذا الرجل ولكان قد أكتفي بقيامها بالنبي ﷺ وأصحابه. ويستفاد من هذا الحديث: أن صلاة الجماعة لا تسقط عن الأعمى لقول النبي ﷺ "أجب"، وهل تسقط عن المبصر؟ لا، هي في حقه من باب أولي. ويستفاد منه: أنه إذا لم يسمع النداء فلا يجب عليه الحضور، وهي المراد: سماعه المحقق، أو بحيث تكون في مكان يسمعه لولا المانع، يعني: لنفرض أن المسجد قريب منك لكن لكثرة الأصوات والجلبة والحركات لا تسمع، فهل نقول: إنه تسقط عنه الجماعة؟ الجواب: لا، فالمراد إذا كان منه بحيث يسمعه وجب عليه الحضور، ولهذا لو كان أصم لا يسمع وكان جارًا للمسجد فلا تسقط عنه الجماعة؛ لأن العبرة أن يكون قريبًا من المسجد بحيث يسمع النداء فإن سمعهم عن بعد فظاهر الحديث أنه يجب عليه أن يجيبه حتى ولو شق عليه ذلك هذا الحضور، ولكن الظاهر: أنه إذا كان سمعه إياه بواسطة الآلة كمكبر الصوت اليوم- فهو يسمع الإنسان النداء ولو كان في أقصي ما يكون-، وعليه فالظاهر: أنه ليس بواجب إذا كان يشق عليه فمن تمسك بظاهر اللفظ أوجب الحضور عليه ولو كان بعيدًا إذا سمعه بمكبر الصوت، ومن قال: إن العبرة بالنعمة، وأنه بحيث يسمعه إذا كان بالصوت المعتاد قال: إنه إذا كان بعيدًا يشق عليه فإنه لا يجب عليه الحضور، ولكن علي كل حال إذا سمع الإنسان النداء كما في المدن الكبيرة فإنه يسمعه في مسجده ويكون حوله مسجد آخر، فإذا فرضنا أنه سمع النداء في المسجد البعيد وأما مسجده القريب فلم يؤذن، قلنا: يجب عليك أن تحضر إلي مسجدك القريب، ولو أذن مؤذن مسجد لسمعته.

стр. 836

صلاة المفترض خلف المتنقل: ٣٨٣ - وعن زيد بن الأسود ﵁ "أنه صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الصبح، فلما صلى رسول الله ﷺ إذا هو برجلين لم يصليا، فدعا بهما، فجيء بهما ترعد فرائصهما، فقال لهما: ما منعكما أن تصليا معنا؟ قالا: قد صلينا في رحالنا. قال: فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أدركتما الإمام ولم يصل، فصليا معه، فإنها لكما نافلة". رواه أحمد، واللفظ له، والثلاثة، وصححه الترمذي وابن حبان. ٣٨٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فأركعوا، ولا تركعوا حتى يركع، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى يسجد، وإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلي قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعين". رواه أبو داود، وهذا لفظه. وأصله في الصحيحين. قوله: "إنما جعل الإمام ليؤتم به"، هذه الجملة تفيد الحصر وطريقة الحصر قد ذكرت هنا بلفظ "إنما"، يعني: ما جعل إلا لهذا السبب ولهذه الحكمة، و"الإمام" هو الإمام في الصلاة، بدليل تفسير النبي ﷺ لهذه الجملة، وقوله: "إنما جعل" هذا الجعل جعل شرعي، وقد مر علينا كثيرًا أن الجعل ينقسم إلي قسمين: جعل شرعي وجعل قدري، فإذا كان الجعل بمعني الخلق كان قدريًا، وإذا كان بمعني يتعلق بالحكم الشرعي كان شرعيًا، مثال الشرعي قوله تعالي: ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام﴾ [المائدة: ١٠٣]. فإن قوله: ﴿ما جعل الله﴾ يراد به: الجعل الشرعي وليس الجعل القدري؛ لأن الجعل القدري في هذه ثابت، فإنها واقعة وحاصلة، ولكن المراد بـ ﴿ما جعل﴾ هنا أي: ما شرع ﴿من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام﴾، وكذلك هذا الحديث: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" جعل شرعًا، وأما قدرًا فإن الإمام قد يتخلف عنه المأموم، ولو كان الجعل قدريًا ما أمكن أن يتخلف، وأما الجعل بمعني: الخلق- وهو الجعل القدري- فهو كثير في القرآن كما في قوله تعالي: ﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين﴾ [الإسراء: ١٢]، ﴿وجعلنا الليل لباسًا﴾ [النبأ: ١٠]، وأمثلتها كثيرة، لكنها في الغالب تدل علي تحول شيء لشيء يعني: بمعني التصيير؛ لأنها تنصب مفعولين.

стр. 837

هنا يقول الرسول ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به"، أي: ليقتدي به، وما معني هذا الاقتداء؟ هل هو اقتداء ظاهر وباطن، أو اقتداء ظاهر فقط؟ قال بعض أهل العلم: إنه اقتداء ائتمام ظاهر وباطن، وقال آخرون: إنه ائتمام ظاهر فقط؛ أي: في الجوارح، وينبني علي هذا الخلاف: ما لو اختلفت نية الإمام والمأموم؛ فكان الإمام يصلي الظهر والمأموم يصلي العصر، أو كان الإمام يصلي العصر والمأموم يصلي الظهر، فإن قلنا: إن المراد بالائتمام: الموافقة للإمام ظاهرًا وباطنًا، قلنا: إن هذا الائتمام لا يصح، لماذا؟ لأنه ما وافق الإمام في الباطن، وأما إذا قلنا: بأن المراد به الائتمام في الظاهر- وهو أن يتابع الإمام في أفعال الصلاة- فإنه يصح في هذه الحال أن يكون الإنسان مأمومًا بإمام يخالفه في النية، والقول الثاني هو الصواب، ودليل كونه هو الصواب تفسير النبي ﷺ لهذا الائتمام حيث قال: "فإذا كبر فكبروا ولا تكبروا حتى يكبر وإذا ركع فاركعوا ولا تركعوا حتى يركع، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا ولا تسجدوا حتى يسجد، وإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعين"، فإذا كان النبي ﷺ هو الذي فسر كلامه بنفسه فإنه لا حاجة بنا إلي أن تطلب تفسير كلامه من غيره. ثم إننا نقول لمن قالوا: إن المراد به الائتمام ظاهرًا وباطنًا: إنكم تقولون: إن الرجل لو صلى نفلًا خلف من يصلي فرضًا لصحت صلاته، فلو أن الإنسان صلى الفجر في مسجد، ثم ذهب إلي مسجد آخر ووجدهم يصلون الفجر فصلي معهم بنية النافلة للإمام فرضًا وهذا اختلاف في النية، ولا يدفع هذا الإيراد أن يقال: إن نية الإمام هنا أعلي من نية المأموم لكونه ناويًا للفرض، والمأموم ناو للنفل؛ لأننا نقول: إن قلتم: إن اختلاف النية مؤثر فلا فرق بين أن تكون النيتان متساويتين أو إحداهما أعلي من الأخرى، ثم إننا نقول أيضًا: إنكم تقولون: لو صلى المأموم صلاة العيد- وهو يري أنها فرض- خلف إمام يري أنها نفل فهنا اختلف نية الإمام والمأموم والصلاة واحدة ومع ذلك تصححون هذا، وهذا دليل علي أن النية لا أثر لها، وهذا هو الصواب، وبناء علي ذلك فإنه يجوز أن يصلي الإنسان الظهر خلف من يصلي العصر أو العصر خلف من يصلي الظهر، أو يصلي العصر خلف من يصلي العشاء، كيف هل يمكن؟ نعم يكون قد صلى العصر محدثًا وهو ناس ثم ذكر عندما حضر لصلاة العشاء وقد أقيمت أنه لم يصل العصر علي وضوء؛ فنقول له: صل العصر الآن خلف الإمام وإذا انتهت الصلاة فصل العشاء، وهذا ممكن، حتى إن الإمام أحمد ﵀ نص علي أن الرجل إذا جاء والإمام يصلي التراويح فإنه يجوز أن يصلى خلفه بنية العشاء، وهذا اختلاف في النية وصلاة مفترض خلف متنفل، بل والصلاة نوعها واحد أم لا؟ لا، هذه عشاء صلاة المأموم وصلاة الإمام تراويح نافلة،

стр. 838

حتى قال شيخ الإسلام ﵀: إنه يجوز أن يصلي الإنسان خلف شخص يخالفه في النية والأفعال أيضًا وأنه يجوز أن يصلي العشاء خلف من يصلي المغرب، وإذا سلم الإمام من صلاة المغرب قام المأموم فأتي بالرابعة والعكس فيصلي المغرب خلف من يصلي العشاء، وإذا قام الإمام إلي الرابعة فإنه يجلس، ثم إن كان لا يريد صلاة العشاء انتظر الإمام حتى يجلس للتشهد ويسلم معه، وإن كان يريد أن يصلي العشاء فإنه ينوي الانفراد ويقرأ التشهد كاملًا ويسلم ثم يدخل مع الإمام فيما بقي من صلاة العشاء. وجوب متابعة الإمام: وقول النبي ﷺ : "فإذا كبر فكبروا" يستفاد منه- حسب القسمة العقلية-: أن حال المأموم في موافقة الإمام أربع حالات: إما أن يسبقه، أو يوافقه، أو يتخلف عنه، أو يتابعه. هذه أربع حالات، فإن سبقه فإن كان بتكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته؛ لأنه دخل بنية الجماعة مع غير إمام، فإن الإمام لم يكبر بعد حتى يتحقق أن له إمامًا، فإذا علم أن الإمام لم يكبر تكبيرة الإحرام قطع صلاته، يعني: نوى قطعها وكبر بعد الإمام، وإن كان غير تكبيرة الإحرام فإن العلماء اختلفوا في ذلك، فمنهم من قال: إن الصلاة لا تبطل حتى يسبقه بركن كامل، وإنه لو سبقه إلي الركن لم تبطل الصلاة، ولكن يجب عليك أن تعرف الفرق بين السبق إلي الركن والسبق بالركن: أن السبق إلي الركن أن يصل المأموم إلي الركن قبل أن يصل إليه إمامه ولكن الإمام يدركه فيه، مثل: أن يكبر للركوع ويركع ثم يلحقه الإمام قبل أن يرفع، والسبق بالركن أن يسبق المأموم الإمام إلي الركن، ويتخلص منه قبل أن يصل الإمام إليه، مثل: أن يسبق الإمام إلي الركوع ويرفع من الركوع قبل أن يركع الإمام، نسمي هذا سبقًا بالركن، وعلي هذا فالسبق إلي الركن لا تبطل به الصلاة علي المشهور من المذهب، لكن عليه أن يرجع حتى يأتي به بعد إمامه، ولكن الصحيح أن السبق إلي الركن متعمدًا تبطل به الصلاة، ودليل ذلك قول النبي ﷺ : "أما يخشي الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار أو يجعل صورته صورة حمار"، وهذا التهديد يدل علي أن هذا الفعل محرم، والإنسان إذا فعل شيئًا محرمًا في العبادة فإن القاعدة الشرعية: أن العبادة تبطل به؛ لأنه أخرجها عما جاء الأمر به، وقد قال النبي ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد". فالصواب: أن السبق إلي الركن إذا تعمده الإنسان بطلت صلاته، أما إذا لم يتعمده كما لو سمع صوتًا فظنه تكبيرًا لإمامه فركع فإن صلاته لا تبطل؛ لأنه معذور بالجهل، لكن إذا تحقق أن الإمام لم يركع وجب عليه أن يرجع حتى يأتي بالركوع بعد الإمام، فإن لحقه الإمام في

стр. 839

الركوع قبل أن يرفع فليستمر مع إمامه؛ لأنه في هذه الحال يكون معذورًا، إذن السبق- أي: سبق الإمام- إما أن يكون إلي الركن أو بالركن، فإن كان إلي الركن فالمشهور من المذهب غير تكبيرة الإحرام؛ لأن تكبيرة الإحرام تقدم أن المأموم إذا كبر قبل أن يكبر الإمام فلا صلاة له؛ لأنه نوى الإمامة بغير إمام، لكن في غير تكبيرة الإحرام المشهور من المذهب أن السبق إلي الركن محرم لا تبطل به الصلاة، والصحيح: أنه محرم تبطل به الصلاة، وأما السبق بالركن فالمذهب أنهم كانوا يفرقون بين الركوع وغيره فيقولون: إن سبق إمامه بالركوع بطلت صلاته وإن سبقه بالسجود لم تبطل؛ لأن غير الركوع عندهم لا تبطل الصلاة بالسبق إليه إلا إذا سبق بركنين، فمثلًا إذا سجد قبل إمامه ورفع قبل أن يسجد الإمام فقد سبق الإمام بركنين: أحدهما السجود والثاني الرفع من السجود، ولكن الصحيح أنه إذا تعمد سبق الإمام ولو إلي الركن بطلت صلاته. وأما الأقوال التي هي القراءة والدعاء والذكر فإن هذا لم يقل أحد من الناس إنه لابد أن تتأخر حتى تعلم أن إمامك قد قرأ مثلًا في الصلاة السرية، ولهذا لو فرض أن الإمام تعرف من عادته أنه يستفتح استفتاحًا طويلًا واستفتحت أنت استفتاحًا قصيرًا وبدأت بالفاتحة قبلة فإن ذلك لا يضر. الحال الثاني: أن يوافق الإمام، وهذه دون السبق، فإن وافقه في تكبيرة الإحرام لم تعقد صلاته؛ لأن الإمام لا يدخل في الصلاة إلا بعد تكميل التكبير، وإذا وافقته في التكبير فمعناه: أنك دخلت مع إمام لم يكن إمامًا، حتى الآن فتكون صلاتك باطلة، وأما موافقته في غير تكبيرة الإحرام فهذا لا يبطل الصلاة، لكنه إما مكروه وإما محرم، والمشهور من المذهب أنه مكروه، وظاهر الحديث: أنه محرم لقول النبي ﷺ : "ولا تركعوا حتى يركع ... " إلخ، فالصحيح: أنه محرم، وهذه المسألة يخل بها كثير من الناس حيث إن بعضهم تجده يسابق الإمام، إما أن يسابقه أو يوافقه، وهو أمر يجب علي طلبة العلم أن ينبهوا العامة عليه؛ لأنه واجب علي كل من آتاه الله علمًا أن يبينه للناس، كما قال الله تعالي: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾ [آل عمران: ١٨٧]. الحال الثالثة: المتابعة، وهي: أن يشرع المأموم في أفعال الصلاة فور انتهاء إمامه أو يشرع في تكبيرة الإحرام فور انتهاء إمامه، بحيث لا يتأخر فهذا هو الأفضل وهو الأولي، فإذا كبر تكبيرة الإحرام فبادر وكبر، لا تتأخر لأنك إذا تأخرت فأتتك المتابعة في تكبيرة الإحرام، وبعض الناس نشاهدهم إذا أقيمت الصلاة يتسوكون ويؤجلون الدخول في الصلاة بتسوكهم فيؤخرون فضيلة تتعلق في نفس العبادة من أجل فضيلة لا تتعلق بنفس العبادة؛ لأن السواك سنة للصلاة

стр. 840

وليس سنه فيها، وقد سبق لنا عدة مرات أن ما كان مشروعًا في العبادة فهو أولي بالمراعاة مما كان مشروعًا للعبادة، وعلي هذا فنقول: الأفضل أن تبادر بمتابعة إمامك، فإذا قال: أنا أحب أن أتأخر في السجود لأدعو الله فما هو الجواب؟ الجواب علي ذلك: أن لك أن تتأخر في السجود لو صليت وحدك، أما مع الإمام فأنت تبع لإمامك لا تتأخر؛ لأن النبي ﷺ يقول: "إذا سجد فاسجدوا"، فأمرنا أن نتابع الإمام بدون تأخير، ولمسألة الدعاء في السجود إذا كنت وحدك فادع الله تعالي بما شئت. أما الحال الرابعة: فهي التخلف عن الإمام، وهذا إن كان لعذر فلا حرج علي الإنسان فيه، كما لو تخلف الإنسان عن إمامه لعدم علمه بانتقاله إلي الركن مثل أن يكون لم يسمع أن الإمام قد كبر فكبر وشرع في الصلاة. ٣٨٥ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁: "أن رسول الله ﷺ رأي في أصحابه تأخرًا، فقال: "تقدموا فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم". رواه مسلم. ٣٨٦ - وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: "احتجر رسول الله ﷺ حجرة مخصفة، فصلي فيها، فتتبع إليه رجال، وجاءوا يصلون بصلاته ... ". الحديث، وفيه: "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" متفق عليه. ٣٨٧ - وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "صلي معاذ بأصحابه العشاء، فطول عليهم، فقال النبي ﷺ : "أتريد أن تكون يا معاذ فتانًا؟ إذا أممت الناس فاقرأ: بـ ﴿والشمس وضحاها﴾، و: ﴿سبح أسم ربك الأعلى﴾، و: ﴿اقرأ باسم ربك﴾، و: ﴿والليل إذا يغشي﴾. متفق عليه، واللفظ لمسلم. حكم الصلاة قيامًا خلف إمام قاعد: ٣٨٨ - وعن عائشة ﵂ في قصة صلاة رسول الله ﷺ بالناس وهو مريض- قالت: "فجاء حتى جلس عن يسار أبي بكر، فكان يصلي بالناس جالسًا وأبو بكر قائمًا، يقتدي أبو بكر بصلاة النبي ﷺ ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر". متفق عليه. هذا الحديث تقدم الكلام علي أوله، وبينا أن الرسول ﷺ وصف معاذ بن جبل بكونه "فتانًا"، يعني: صادًا للناس عن دين الله، وذلك بتطويله فيهم حتى أدي أن ينصرف بعضهم من الصلاة؛ لأنه ﵁ أطال إطالة غير مشروعة، فلا يجوز للإمام أن يطيل بالناس إطالة غير مشروعة.

стр. 841

أما إذا صلى بنفسه فليطل ما شاء، وإذا صلى لغيره فلا يتجاوز المشروع، فإن تجاوز المشروع فقد شق عليهم وحينئذ يكون آثمًا كما يدل عليه هذا الحديث عن النبي ﷺ . وأما حديث عائشة في قصة صلاة أبي بكر ﵁ بالناس، فإن النبي ﷺ كان مريضًا وقد استناب أبا بكر ﵁ أن يصلي بالناس فكان يصلي بهم ﵁، ففي يوم من الأيام أحس النبي ﷺ بخفة فجاء وجلس إلي يسار أبي بكر فصلي بالناس جالسًا وأبو بكر يصلي بهم قائمًا يقتدي أبو بكر بصلاة النبي ﷺ ؛ لأنه يسمع صوته ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر لأنهم لا يسمعون إلا صوته. هذا الحديث لا شك أنه في مرض موت النبي ﷺ ، وأنه متأخر بالنسبة للحديث السابق المروي عن أبي هريرة: "إذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعين"؛ ولهذا اختلف العلماء-﵏ فيما إذا صلى الإمام جالسًا لمرض هل يصلي المأمومون جلوسًا أو يصلون قيامًا؟ فذهب الإمام أحمد ﵀ إلي أنهم يصلون جلوسًا تبعًا لإمامهم، وذهب غيره إلي أنهم يصلون قيامًا، أما الإمام أحمد فاستدل بعموم حديث: "إذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا" وقال: إن مثل هذا الحكم يبعد أن ينسخ لأنه من الائتمام بالإمام، فلو نسخ لكان في ذلك إخلال بحكمه الجماعة، وهي: عدم الائتمام بالإمام، ولكن غير الإمام أحمد قال: إنه منسوخ بحديث عائشة الذي ذكره المؤلف، فإن النبي ﷺ في آخر حياته كان يصلى قاعدًا والناس يصلون قيامًا، ولكن الإمام أحمد ﵀ أجاب عن هذا بأن أبا بكر ﵁ كان قد ابتدأ بهم الصلاة قائمًا، فلزمهم حكم القيام، والنبي ﷺ إنما جاء في أثناء الصلاة فصلي قاعدًا ولهذا أذن لهم ﷺ أن يبقوا قيامًا، وهذا الذي أجاب به الإمام أحمد ﵀ هو المتعين؛ لأن به تجتمع الأدلة، وقد قررنا غير مرة: أنه إذا أمكن الجمع بين الأدلة فإنه هو الواجب ولا يصار إلي النسخ مع إمكان الجمع، لكنك إذا صرت إلي النسخ مع إمكان الجمع أبطلت أحد الدليلين بالآخر، وإذا جمعت عملت بالدليلين كليهما، وهذا هو الواجب. فالصواب: أن الإمام إذا صلى قاعدًا أن نصلي خلفه قعودًا ولو كنا قادرين علي القيام، لكن لو ابتدأ بنا الصلاة قائمًا ثم حصلت له علة وجلس ما كمل الصلاة قائمًا، ففي هذه الحال يجب علينا أن نصلي قيامًا، بدليل حديث عائشة الذي ساقه المؤلف ﵀، وفي حديث عائشة فائدة وهي: أن الإمام الراتب يبني علي صلاة من استخلفه ولا يستأنف الصلاة من جديد، فإن النبي ﷺ لم يستأنف الصلاة بالناس، بل أبقاهم علي صلاتهم، ولما أكمل الناس صلاتهم لم يتابعوا الرسول ﷺ فيما بقي من صلاته، فالإمام الراتب إذا وكل شخصًا ثم حضر في أثناء الصلاة وتقدم الإمام الراتب فإنه يبني علي صلاة من استخلفه، مثال ذلك: وكل رجل شخصًا

стр. 842

يصلى بالجماعة، فلما صلى الركعتين الأوليين حضر الإمام وتقدم الإمام ليصلي بهم هل نقول للناس: استأنفوا الصلاة؟ لا، لكن يدخل فيكمل بهم الصلاة فإذا صلى ركعتين فقد تم للجماعة أربع ركعات فتجلس الجماعة ويأتي هو بما بقي من صلاته ثم يسلم بهم، هذا هو المشروع في مصل هذه الصورة. مراعاة حال المأمومين في الصلاة: ٣٨٩ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا أم أحدكم الناس فليخفف، فإن فيهم الصغير والكبير والضعيف وذا الحاجة، فإذا صلى وحده فليصل كيف شاء". متفق عليه. قوله: "إذا صلى أحدكم للناس فليخفف"، صلى لهم ولم يقل: صلى بهم؛ لأن الإمام يصلى بالناس وللناس أيضًا، ولهذا يحسن أن تكون صلاته علي وجه الشرع لا زيادة ولا نقص؛ لأنه يصلي لهم فهو كالذي يتولي أمورهم. أمره النبي ﷺ أن يخفف، ولكن ما ميزان هذا التخفيف؟ هل ميزان التخفيف أذواق المأمومين؟ لا، لأننا لو رددنا الأمر إلي أذواق المأمومين سيقول أحدهم: اقتصر علي الفاتحة وقل: "سبحان ربي العظيم" في الركوع مرة، و"سبحان ربي الأعلى"، ثم قل: "رب اغفر لي" ثم أسجد، وهكذا يريد أن تقتصر علي أدني الواجب، ويأتي آخر ويقول: لا نريد أن تخفف، بمعني: لا تقرأ سورة البقرة ولا آل عمران، ولا تقول: "سبحان ربي العظيم" (٥٠) مرة لكن يعتدل، هكذا يكون الأمر لو رجعنا إلي أذواق الناس في التخفيف لاختل ميزان الناس في الصلوات، ويصير هؤلاء يصلون علي شيء، وهؤلاء يصلون علي شيء، ولكن الميزان للتخفيف فعل الرسول ﷺ ، فمن وافقت صلاته صلاة النبي ﷺ فهو تخفيف، ومن كان دون ذلك فهو تفريط، ومن كان فوق ذلك فهو إفراط وزيادة، والدليل علي أن صلاة النبي صلاة النبي ﷺ تخفيف قول أنس: "ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من النبي ﷺ "، فمعني ذلك: أن المراد بقوله ﷺ : "فليخفف"، أي: فليصل كما أصلي، إذ من المستحيل أن يأمر الرسول ﷺ بشيء ويفعل خلافه، فلو كان هناك تخفيف مشروع- دون صلاة الرسول ﷺ لفعله ﷺ . والحاصل: أن التخفيف الذي أمر به النبي ﷺ هو: التخفيف الذي كان يفعله، ثم علل النبي ﷺ بأن من ورائه الصغير والضعيف والكبير وذا الحاجة، يعني: وراءك اناس لهم أعذار إما عجز وإما حاجة خارجية. العجز مثل: الضعيف، والصغير، والكبير، وذا الحاجة، أي: حاجة خارجية؛ فقد يكون الإنسان مشغولًا بحرثه أو بتجارته أو بميعاد له مع أحد، فإذا أطلت إطالة أكثر من السنة حبسته عن حاجته.

стр. 843

ثم قال ﷺ : "وإذا صلى بنفسه فليطول ما شاء"، وبهذا نعرف أن قول الرسول ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" لا يلزم أن تكون الصلاة مثل صلاة الرسول ﷺ حتى في القدر، بل لو طولت فإنك لم تخرج بذلك عن كونك مصليًا كما كان النبي ﷺ يصلي؛ لأنك صليت صلاة مأذونًا فيها، ولكن هل الأفضل: أن أزيد علي ما كان النبي ﷺ ، يفعل وأثقل الصلاة أكثر من تثقيل الرسول ﷺ ، أو الأفضل أن تكون كصلاة الرسول ﷺ ؟ الجواب: الثاني، وأما التطويل الزائد فهو من باب المباح وليس من باب المشروع الذي هو الأفضل، وكأن الرسول ﷺ قال: إن الإمام يصلي كما كان النبي ﷺ يصلي وإن المنفرد يصلي كما يشاء، والمأموم تبع لإمامه لا يتقدم ولا يتأخر. إمامة الصغير المميز: ٣٩٠ - وعن عمرو بن سلمه ﵁ قال: قال أبي: "جئتكم من عند النبي ﷺ حقًا. فقال: إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنًا، قال: فنظروا فلم يكن أحد أكثر مني قرآنًا، فقدموني، وأنا ابن ست أو سبع سنين". رواه البخاري، وأبو داود، والنسائي. قوله: "قال أبي"، وكان أبوه وافدًا مع الوفد الذين كانوا يفدون إلي النبي ﷺ ليتلقوا منه الشرع ويتعلموا منه، فقال أبوه: "جئتكم من عند النبي ﷺ حقًا" فهنا شهد ﵁ بأن رسالة النبي ﷺ حق؛ لأن كل من شاهد النبي ﷺ ورأي ما عليه من كمال الأخلاق والآداب علم أنه رسول ﷺ ، يقول عبد الله بن رواحه، أو حسان بن ثابت: [البسيط] لو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بديهته تأتيك بالخبر يعني: لو لم يكن فيه آيات مبينة تدل علي أنه رسول الله لكانت بديهته مجرد ما تراه وتري طلعته الكريمة الشريفة تأتيك بالخبر، وكان من عادة النبي ﷺ أن الوفود إذا وفدوا يبقيهم عنده أيامًا حتى يتعلموا ويشاهدوا ويعرفوا طريق النبي ﷺ في عبادته، وفي دعوته إلي الله، وفي أخلاقه يقول: "جئتكم من عند النبي ﷺ " فقال- يعني: النبي ﷺ في جملة ما علمهم: "إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم"، وحضور الصلاة يكون بدخول وقتها وإرادة فعلها، "فإذا حضرت فليؤذن لكم أحدكم"، وفي قوله: "لكم" دليل علي أنه لابد في الأذان أن يبلغ من أذن له بحيث يرفع الإنسان صوته به حتى يسمعه من أذن له، ولهذا ذكر أهل العلم أن رفع الصوت بالأذان ركن بحيث يسمع من يؤذن له علي حسب الحال وعلي حسب المستطاع، وفي قوله:

стр. 844

"فليؤذن لكم" دليل علي أن الأذن فرض كفاية؛ لأنه قال: "فليؤذن لكم أحدكم"، ولم يقل: أذنوا جميعًا فهو فرض كفاية، وفي الحديث أيضًا دليل علي أن إجابة المؤذن- يعني: متابعته- ليست بواجبة؛ لأن النبي ﷺ لما قال: "فليؤذن لكم أحدكم" لم يقل: وليتابعه من لم يؤذن، فدل هذا علي أن قول الرسول ﷺ : "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن" فهذا الأمر ليس علي سبيل الوجوب، وإنما هو علي سبيل الأكمل والأفضل. وفي قوله ﷺ : "إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم" دليل علي أن الأذان الذي يكون قبل الفجر ليس أذانًا للفجر، ولا ينسب للفجر كالأذان الذي يفعله بلال ﵁ حين كان يؤذن بالليل ليوقظ النائم ويرجع القائم، فلا يكون هذا أذانًا لصلاة الفجر، وبه نعرف وهم من توهم من طلبة العلم أن قوله: "الصلاة خير من النوم" إنما يكون في الأذان الذي قبل طلوع الفجر؛ لأنه ورد في ألفاظه: إذا قلت في الأذان الأول لصلاة الفجر: "حي علي الصلاة حي علي الفلاح" فقل: "الصلاة خير من النوم"، فتوهم بعض الناس أن الأذان الذي يكون في آخر الليل هو الأذان الأول لصلاة الفجر ولكنهم أخطئوا؛ لأن هذا الأذان ليس للفجر، فإن أذان الفجر لا يكون إلا بعد دخول الفجر؛ لقول النبي ﷺ : "إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم"، ولأن النبي ﷺ يقول في أذان بلال: "إنما كان ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم" لا للصلاة، فدل هذا علي أنه ليس أذانًا للفجر، ويكون معني قوله: "في الأذان الأول لصلاة الفجر" الأذان الذي هو أذان الفجر، ووصف بالأول؛ لأن هناك أذانًا آخر، وهو الإقامة، فإن الإقامة تسمي أذانًا كما جاء في الحديث الصحيح: "بين كل أذانين صلاة"، وفي صحيح البخاري أن عثمان بن عفان ﵁ زاد الأذان الثالث يوم الجمعة، ومعلوم أن يوم الجمعة ما فيه إلا أذانان وإقامة، فقال: إنه زاد الأذان الثالث؛ لأن الأذان في اللغة: الإعلام كما قال تعالي: ﴿وأذان من الله ورسوله﴾ [التوبة: ٣]، والإقامة: إعلام للقيام للصلاة، والأذان: إعلام بدخول وقت الصلاة. وفي قوله: "وليؤمكم أكثركم قرآنًا" دليل علي أن الأحق بالإمامة هو الأكثر قرآنًا فإذا وجد رجلان أحدهما قد حفظ عشرة أجزاء، والثاني قد حفظ عشرين جزءًا فإن الثاني أولي بالإمامة من الأول، ولو كان أصغر منه سنًا؛ لأن كثرة القرآن مقدمة. قال عمرو بن أبي سلمه: فنظروا فلم يجدوا أكثر مني قرآنًا "كل الحي ما فيه أحد أكثر من عمرو بن سلمه قرآنًا، وكان أكثرهم لأنه كان ﵁ يتلقي الركبان الذين يأتون من المدينة ويستقرئهم القرآن، فكان أكثر من غيره، فقدموني وأنا ابن سبع أو ست سنين، صار إمام الحي كله وليس له إلا ست أو سبع سنين. ففي هذا دليل علي جواز إمامة الصغير، وأنه يجوز أن

стр. 845

يكون الصغير- الذي لم يبلغ- إمامًا لمن كان كبيرًا بالغًا؛ لأن هذا حدث في عهد الرسول ﷺ . فإن قلت: ما الذي يدرينا أن النبي ﷺ أقره، ربما لم يعلم بذلك؟ فالجواب: أن الله قد علمه بلا شك، وكون الله تعالي يقره ولم ينزل قرآنًا يبين بطلانه دليل علي أنه حق، ولهذا كان الصحيح من أقوال أهل العلم: أنه يجوز أن يكون الصغير- الذي لم يبلغ- إمامًا للكبير البالغ، وإذا كان هكذا فإنه يجوز أن يكون الصغير الذي لم يبلغ يكون مضافًا للرجل البالغ، فإذا وجد رجلان وطفل وأرادوا أن يصلوا جماعة، فإن الإمام يتقدم ويكون الطفل والبالغ خلفه لا في الفريضة ولا في النافلة، وقد ثبت ذلك عن النبي ﷺ في النافلة كما في حديث أنس بن مالك أنه صلى هو ويتيم خلف النبي ﷺ ، وما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل. في هذا الحديث كان عمرو بن سلمه ﵁ ليس له إلا ثوب قصير إذا سجد انكشف بعض فخذه، فخرجت امرأة من الحي فقالت: غطوا عنا أست قارئكم. الإست ليس الفرج ولكنها الدبر. والمعروف عد العامة أن الإست فرج المرأة وليس كذلك فإن الإست هو الدبر-، وقولها: غطوا عنا إست قارئكم، هذا من باب المبالغة لقصر قميصه ﵁ يقول: فاشتروا له ثوبًا سابغًا. يقول: فما فرحت بشيء بعد الإسلام فرحي بهذا الثوب من قلة ذات اليد والفقر. فالمهم أنه يستفاد من هذا الحديث: أن الأولي بالإمامة الأكثر قرآنًا ولو كان هو الصغير، وأنه يجوز أن يكون الصغير- الذي لم يبلغ- إمامًا لمن كان بالغًا. يقدم في الإمامة الأكثر قرآنًا: ٣٩١ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ويؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالي، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلمًا- وفي رواية: سنًا-، ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته علي تكرمته إلا بإذنه". رواه مسلم. حديث ابن مسعود ﵁ قال: "يؤم"، أي: يكون إمامًا، وهو خبر بمعني الأمر، قال علماء البلاغة: وإذا جاء الأمر بلفظ الخبر كان أوكد من الأمر المجرد كأن الأمر مفروغ منه لا يحتاج إلي أن يؤمر به بل هو أمر مسلم به معمول به. "ويؤم القوم أقرؤهم"، هل المراد: أقرؤهم جودة، أو المراد: أقرؤهم بمعني: أعلمهم بمعاني القرآن، أو المراد: أكثرهم قرآنًا، كلام النبي ﷺ يفسر بعضه بعضًا، وقد سبق قبل قليل أنه قال: "وليؤمكم أكثركم قرآنًا"، وعلي هذا فيكون المراد بالأقرأ: الأكثر قراءة، كما أنه يشمل أيضًا الأجود في قراءته الذي يقيم الحروف ولا يسقط منها شيئًا، كما أنه يشمل أيضًا الأقرأ يعني:
следующие страницы →