Полный текст (3 515 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
أما إذا صلى بنفسه فليطل ما شاء، وإذا صلى لغيره فلا يتجاوز المشروع، فإن تجاوز المشروع فقد شق عليهم وحينئذ يكون آثمًا كما يدل عليه هذا الحديث عن النبي ﷺ .
وأما حديث عائشة في قصة صلاة أبي بكر ﵁ بالناس، فإن النبي ﷺ كان مريضًا وقد استناب أبا بكر ﵁ أن يصلي بالناس فكان يصلي بهم ﵁، ففي يوم من الأيام أحس النبي ﷺ بخفة فجاء وجلس إلي يسار أبي بكر فصلي بالناس جالسًا وأبو بكر يصلي بهم قائمًا يقتدي أبو بكر بصلاة النبي ﷺ ؛ لأنه يسمع صوته ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر لأنهم لا يسمعون إلا صوته.
هذا الحديث لا شك أنه في مرض موت النبي ﷺ ، وأنه متأخر بالنسبة للحديث السابق المروي عن أبي هريرة: "إذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعين"؛ ولهذا اختلف العلماء-﵏ فيما إذا صلى الإمام جالسًا لمرض هل يصلي المأمومون جلوسًا أو يصلون قيامًا؟ فذهب الإمام أحمد ﵀ إلي أنهم يصلون جلوسًا تبعًا لإمامهم، وذهب غيره إلي أنهم يصلون قيامًا، أما الإمام أحمد فاستدل بعموم حديث: "إذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا" وقال: إن مثل هذا الحكم يبعد أن ينسخ لأنه من الائتمام بالإمام، فلو نسخ لكان في ذلك إخلال بحكمه الجماعة، وهي: عدم الائتمام بالإمام، ولكن غير الإمام أحمد قال: إنه منسوخ بحديث عائشة الذي ذكره المؤلف، فإن النبي ﷺ في آخر حياته كان يصلى قاعدًا والناس يصلون قيامًا، ولكن الإمام أحمد ﵀ أجاب عن هذا بأن أبا بكر ﵁ كان قد ابتدأ بهم الصلاة قائمًا، فلزمهم حكم القيام، والنبي ﷺ إنما جاء في أثناء الصلاة فصلي قاعدًا ولهذا أذن لهم ﷺ أن يبقوا قيامًا، وهذا الذي أجاب به الإمام أحمد ﵀ هو المتعين؛ لأن به تجتمع الأدلة، وقد قررنا غير مرة: أنه إذا أمكن الجمع بين الأدلة فإنه هو الواجب ولا يصار إلي النسخ مع إمكان الجمع، لكنك إذا صرت إلي النسخ مع إمكان الجمع أبطلت أحد الدليلين بالآخر، وإذا جمعت عملت بالدليلين كليهما، وهذا هو الواجب.
فالصواب: أن الإمام إذا صلى قاعدًا أن نصلي خلفه قعودًا ولو كنا قادرين علي القيام، لكن لو ابتدأ بنا الصلاة قائمًا ثم حصلت له علة وجلس ما كمل الصلاة قائمًا، ففي هذه الحال يجب علينا أن نصلي قيامًا، بدليل حديث عائشة الذي ساقه المؤلف ﵀، وفي حديث عائشة فائدة وهي: أن الإمام الراتب يبني علي صلاة من استخلفه ولا يستأنف الصلاة من جديد، فإن النبي ﷺ لم يستأنف الصلاة بالناس، بل أبقاهم علي صلاتهم، ولما أكمل الناس صلاتهم لم يتابعوا الرسول ﷺ فيما بقي من صلاته، فالإمام الراتب إذا وكل شخصًا ثم حضر في أثناء الصلاة وتقدم الإمام الراتب فإنه يبني علي صلاة من استخلفه، مثال ذلك: وكل رجل شخصًا
стр. 842
يصلى بالجماعة، فلما صلى الركعتين الأوليين حضر الإمام وتقدم الإمام ليصلي بهم هل نقول للناس: استأنفوا الصلاة؟ لا، لكن يدخل فيكمل بهم الصلاة فإذا صلى ركعتين فقد تم للجماعة أربع ركعات فتجلس الجماعة ويأتي هو بما بقي من صلاته ثم يسلم بهم، هذا هو المشروع في مصل هذه الصورة.
مراعاة حال المأمومين في الصلاة:
٣٨٩ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا أم أحدكم الناس فليخفف، فإن فيهم الصغير والكبير والضعيف وذا الحاجة، فإذا صلى وحده فليصل كيف شاء". متفق عليه.
قوله: "إذا صلى أحدكم للناس فليخفف"، صلى لهم ولم يقل: صلى بهم؛ لأن الإمام يصلى بالناس وللناس أيضًا، ولهذا يحسن أن تكون صلاته علي وجه الشرع لا زيادة ولا نقص؛ لأنه يصلي لهم فهو كالذي يتولي أمورهم. أمره النبي ﷺ أن يخفف، ولكن ما ميزان هذا التخفيف؟ هل ميزان التخفيف أذواق المأمومين؟ لا، لأننا لو رددنا الأمر إلي أذواق المأمومين سيقول أحدهم: اقتصر علي الفاتحة وقل: "سبحان ربي العظيم" في الركوع مرة، و"سبحان ربي الأعلى"، ثم قل: "رب اغفر لي" ثم أسجد، وهكذا يريد أن تقتصر علي أدني الواجب، ويأتي آخر ويقول: لا نريد أن تخفف، بمعني: لا تقرأ سورة البقرة ولا آل عمران، ولا تقول: "سبحان ربي العظيم" (٥٠) مرة لكن يعتدل، هكذا يكون الأمر لو رجعنا إلي أذواق الناس في التخفيف لاختل ميزان الناس في الصلوات، ويصير هؤلاء يصلون علي شيء، وهؤلاء يصلون علي شيء، ولكن الميزان للتخفيف فعل الرسول ﷺ ، فمن وافقت صلاته صلاة النبي ﷺ فهو تخفيف، ومن كان دون ذلك فهو تفريط، ومن كان فوق ذلك فهو إفراط وزيادة، والدليل علي أن صلاة النبي صلاة النبي ﷺ تخفيف قول أنس: "ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من النبي ﷺ "، فمعني ذلك: أن المراد بقوله ﷺ : "فليخفف"، أي: فليصل كما أصلي، إذ من المستحيل أن يأمر الرسول ﷺ بشيء ويفعل خلافه، فلو كان هناك تخفيف مشروع- دون صلاة الرسول ﷺ لفعله ﷺ .
والحاصل: أن التخفيف الذي أمر به النبي ﷺ هو: التخفيف الذي كان يفعله، ثم علل النبي ﷺ بأن من ورائه الصغير والضعيف والكبير وذا الحاجة، يعني: وراءك اناس لهم أعذار إما عجز وإما حاجة خارجية. العجز مثل: الضعيف، والصغير، والكبير، وذا الحاجة، أي: حاجة خارجية؛ فقد يكون الإنسان مشغولًا بحرثه أو بتجارته أو بميعاد له مع أحد، فإذا أطلت إطالة أكثر من السنة حبسته عن حاجته.
стр. 843
ثم قال ﷺ : "وإذا صلى بنفسه فليطول ما شاء"، وبهذا نعرف أن قول الرسول ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" لا يلزم أن تكون الصلاة مثل صلاة الرسول ﷺ حتى في القدر، بل لو طولت فإنك لم تخرج بذلك عن كونك مصليًا كما كان النبي ﷺ يصلي؛ لأنك صليت صلاة مأذونًا فيها، ولكن هل الأفضل: أن أزيد علي ما كان النبي ﷺ ، يفعل وأثقل الصلاة أكثر من تثقيل الرسول ﷺ ، أو الأفضل أن تكون كصلاة الرسول ﷺ ؟ الجواب: الثاني، وأما التطويل الزائد فهو من باب المباح وليس من باب المشروع الذي هو الأفضل، وكأن الرسول ﷺ قال: إن الإمام يصلي كما كان النبي ﷺ يصلي وإن المنفرد يصلي كما يشاء، والمأموم تبع لإمامه لا يتقدم ولا يتأخر.
إمامة الصغير المميز:
٣٩٠ - وعن عمرو بن سلمه ﵁ قال: قال أبي: "جئتكم من عند النبي ﷺ حقًا. فقال: إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنًا، قال: فنظروا فلم يكن أحد أكثر مني قرآنًا، فقدموني، وأنا ابن ست أو سبع سنين". رواه البخاري، وأبو داود، والنسائي.
قوله: "قال أبي"، وكان أبوه وافدًا مع الوفد الذين كانوا يفدون إلي النبي ﷺ ليتلقوا منه الشرع ويتعلموا منه، فقال أبوه: "جئتكم من عند النبي ﷺ حقًا" فهنا شهد ﵁ بأن رسالة النبي ﷺ حق؛ لأن كل من شاهد النبي ﷺ ورأي ما عليه من كمال الأخلاق والآداب علم أنه رسول ﷺ ، يقول عبد الله بن رواحه، أو حسان بن ثابت: [البسيط]
لو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بديهته تأتيك بالخبر
يعني: لو لم يكن فيه آيات مبينة تدل علي أنه رسول الله لكانت بديهته مجرد ما تراه وتري طلعته الكريمة الشريفة تأتيك بالخبر، وكان من عادة النبي ﷺ أن الوفود إذا وفدوا يبقيهم عنده أيامًا حتى يتعلموا ويشاهدوا ويعرفوا طريق النبي ﷺ في عبادته، وفي دعوته إلي الله، وفي أخلاقه يقول: "جئتكم من عند النبي ﷺ " فقال- يعني: النبي ﷺ في جملة ما علمهم: "إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم"، وحضور الصلاة يكون بدخول وقتها وإرادة فعلها، "فإذا حضرت فليؤذن لكم أحدكم"، وفي قوله: "لكم" دليل علي أنه لابد في الأذان أن يبلغ من أذن له بحيث يرفع الإنسان صوته به حتى يسمعه من أذن له، ولهذا ذكر أهل العلم أن رفع الصوت بالأذان ركن بحيث يسمع من يؤذن له علي حسب الحال وعلي حسب المستطاع، وفي قوله:
стр. 844
"فليؤذن لكم" دليل علي أن الأذن فرض كفاية؛ لأنه قال: "فليؤذن لكم أحدكم"، ولم يقل: أذنوا جميعًا فهو فرض كفاية، وفي الحديث أيضًا دليل علي أن إجابة المؤذن- يعني: متابعته- ليست بواجبة؛ لأن النبي ﷺ لما قال: "فليؤذن لكم أحدكم" لم يقل: وليتابعه من لم يؤذن، فدل هذا علي أن قول الرسول ﷺ : "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن" فهذا الأمر ليس علي سبيل الوجوب، وإنما هو علي سبيل الأكمل والأفضل.
وفي قوله ﷺ : "إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم" دليل علي أن الأذان الذي يكون قبل الفجر ليس أذانًا للفجر، ولا ينسب للفجر كالأذان الذي يفعله بلال ﵁ حين كان يؤذن بالليل ليوقظ النائم ويرجع القائم، فلا يكون هذا أذانًا لصلاة الفجر، وبه نعرف وهم من توهم من طلبة العلم أن قوله: "الصلاة خير من النوم" إنما يكون في الأذان الذي قبل طلوع الفجر؛ لأنه ورد في ألفاظه: إذا قلت في الأذان الأول لصلاة الفجر: "حي علي الصلاة حي علي الفلاح" فقل: "الصلاة خير من النوم"، فتوهم بعض الناس أن الأذان الذي يكون في آخر الليل هو الأذان الأول لصلاة الفجر ولكنهم أخطئوا؛ لأن هذا الأذان ليس للفجر، فإن أذان الفجر لا يكون إلا بعد دخول الفجر؛ لقول النبي ﷺ : "إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم"، ولأن النبي ﷺ يقول في أذان بلال: "إنما كان ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم" لا للصلاة، فدل هذا علي أنه ليس أذانًا للفجر، ويكون معني قوله: "في الأذان الأول لصلاة الفجر" الأذان الذي هو أذان الفجر، ووصف بالأول؛ لأن هناك أذانًا آخر، وهو الإقامة، فإن الإقامة تسمي أذانًا كما جاء في الحديث الصحيح: "بين كل أذانين صلاة"، وفي صحيح البخاري أن عثمان بن عفان ﵁ زاد الأذان الثالث يوم الجمعة، ومعلوم أن يوم الجمعة ما فيه إلا أذانان وإقامة، فقال: إنه زاد الأذان الثالث؛ لأن الأذان في اللغة: الإعلام كما قال تعالي: ﴿وأذان من الله ورسوله﴾ [التوبة: ٣]، والإقامة: إعلام للقيام للصلاة، والأذان: إعلام بدخول وقت الصلاة.
وفي قوله: "وليؤمكم أكثركم قرآنًا" دليل علي أن الأحق بالإمامة هو الأكثر قرآنًا فإذا وجد رجلان أحدهما قد حفظ عشرة أجزاء، والثاني قد حفظ عشرين جزءًا فإن الثاني أولي بالإمامة من الأول، ولو كان أصغر منه سنًا؛ لأن كثرة القرآن مقدمة.
قال عمرو بن أبي سلمه: فنظروا فلم يجدوا أكثر مني قرآنًا "كل الحي ما فيه أحد أكثر من عمرو بن سلمه قرآنًا، وكان أكثرهم لأنه كان ﵁ يتلقي الركبان الذين يأتون من المدينة ويستقرئهم القرآن، فكان أكثر من غيره، فقدموني وأنا ابن سبع أو ست سنين، صار إمام الحي كله وليس له إلا ست أو سبع سنين. ففي هذا دليل علي جواز إمامة الصغير، وأنه يجوز أن
стр. 845
يكون الصغير- الذي لم يبلغ- إمامًا لمن كان كبيرًا بالغًا؛ لأن هذا حدث في عهد الرسول ﷺ .
فإن قلت: ما الذي يدرينا أن النبي ﷺ أقره، ربما لم يعلم بذلك؟
فالجواب: أن الله قد علمه بلا شك، وكون الله تعالي يقره ولم ينزل قرآنًا يبين بطلانه دليل علي أنه حق، ولهذا كان الصحيح من أقوال أهل العلم: أنه يجوز أن يكون الصغير- الذي لم يبلغ- إمامًا للكبير البالغ، وإذا كان هكذا فإنه يجوز أن يكون الصغير الذي لم يبلغ يكون مضافًا للرجل البالغ، فإذا وجد رجلان وطفل وأرادوا أن يصلوا جماعة، فإن الإمام يتقدم ويكون الطفل والبالغ خلفه لا في الفريضة ولا في النافلة، وقد ثبت ذلك عن النبي ﷺ في النافلة كما في حديث أنس بن مالك أنه صلى هو ويتيم خلف النبي ﷺ ، وما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل. في هذا الحديث كان عمرو بن سلمه ﵁ ليس له إلا ثوب قصير إذا سجد انكشف بعض فخذه، فخرجت امرأة من الحي فقالت: غطوا عنا أست قارئكم. الإست ليس الفرج ولكنها الدبر. والمعروف عد العامة أن الإست فرج المرأة وليس كذلك فإن الإست هو الدبر-، وقولها: غطوا عنا إست قارئكم، هذا من باب المبالغة لقصر قميصه ﵁ يقول: فاشتروا له ثوبًا سابغًا. يقول: فما فرحت بشيء بعد الإسلام فرحي بهذا الثوب من قلة ذات اليد والفقر.
فالمهم أنه يستفاد من هذا الحديث: أن الأولي بالإمامة الأكثر قرآنًا ولو كان هو الصغير، وأنه يجوز أن يكون الصغير- الذي لم يبلغ- إمامًا لمن كان بالغًا.
يقدم في الإمامة الأكثر قرآنًا:
٣٩١ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ويؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالي، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلمًا- وفي رواية: سنًا-، ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته علي تكرمته إلا بإذنه". رواه مسلم.
حديث ابن مسعود ﵁ قال: "يؤم"، أي: يكون إمامًا، وهو خبر بمعني الأمر، قال علماء البلاغة: وإذا جاء الأمر بلفظ الخبر كان أوكد من الأمر المجرد كأن الأمر مفروغ منه لا يحتاج إلي أن يؤمر به بل هو أمر مسلم به معمول به.
"ويؤم القوم أقرؤهم"، هل المراد: أقرؤهم جودة، أو المراد: أقرؤهم بمعني: أعلمهم بمعاني القرآن، أو المراد: أكثرهم قرآنًا، كلام النبي ﷺ يفسر بعضه بعضًا، وقد سبق قبل قليل أنه قال: "وليؤمكم أكثركم قرآنًا"، وعلي هذا فيكون المراد بالأقرأ: الأكثر قراءة، كما أنه يشمل أيضًا الأجود في قراءته الذي يقيم الحروف ولا يسقط منها شيئًا، كما أنه يشمل أيضًا الأقرأ يعني:
стр. 846
الأعلم بمعاني كتاب الله؛ لأن الصحابة- ﵃ في عهد النبي ﷺ كانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا، فتجد الأكثر قراءة هو الأكثر علمًا وهو الأكثر- في الغالب- تقوي لله .
قوله: "فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة"، وهنا قال: "أعلمهم بالسنة" لفظًا ومعنى، فالإنسان الذي عنده علم من سنة الرسول ﷺ وفقه لهذه السنة الأولي بالإمامة ممن ليس كذلك، فإن اجتمع عالم بالسنة لكنه دون الآخر في القراءة فأيهما يقدم؟ الأكثر قراءة أقرؤهم لكتاب الله.
قوله: "فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة"، الهجرة هي: هجران بلد الكفر إلي بلد الإسلام سواء كان البلد قرية، أو مدينة، أو كان مراع أو ما أشبه ذلك، فإذا هاجر الإنسان فإن أقدمهم هجرة أولي بالإمامة من غيره؛ لأن الغالب أن الأقدم هجرة أعلم بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ممن لم يهاجر، "فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلمًا" أي: إسلامًا، وفي رواية: "سنً" يعني: أكبرهم سنًا، هذا هو الترتيب الذي رتبه النبي ﷺ ، ينبغي للناس أن يلاحظوه، وهذا فيما إذا أردنا أن نولي الإمام ابتداء، وأما إذا كان إمامًا راتبًا فإنه أحق من غيره وإن كان غيره أقرأ منه، ولهذا قال النبي ﷺ في آخر الحديث: "ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه" وإمام المسجد سلطان في المسجد. فلو حضر إلي المسجد رجل أقرأ من إمامه الراتب أو أعلم بالسنة من الإمام الراتب فإنه ليس له حق أن يقدم مع وجود الإمام الراتب، ولكن إن أذن له الإمام الراتب فلا حرج، وإلا فلا.
٣٩٢ - ولابن ماجه من حديث جابر ﵁: "ولا تؤمن امرأة رجلًا، ولا أعرابي مهاجرًا، ولا فاجر مؤمنًا". وإسناده واه.
النهي هنا للتحريم؛ لأنه مؤكد بالنون الدالة علي توكيد النهي، فلا تؤمن المرأة رجلًا ولو كانت أقرأ منه؛ لأن المرأة ليست أهلًا لإمامة الرجال، ولهذا قال النبي ﷺ : "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، فالمرأة لا تصح أن تكون إمامة للرجال بأي حال من الأحوال، حتى لو كانت أقرأ وأفهم فإن الرجل هو الذي يكون إمامها.
стр. 847
وقوله: "ولا يؤمن أعرابي مهاجرًا"، الأعرابي: ساكن البادية، والمهاجر: الذي هاجر إلي البلاد وإلي المدن، فالأعرابي لا يؤمن المهاجر؛ وذلك لأن الغالب علي الأعرابي أن يكون أدني قراءة من صاحب المدن، وأن يكون أبعد عن معرفة حدود الله كما قال تعالي: ﴿الأعراب أشد كفرًا ونفاقًا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله علي رسوله﴾ [التوبة: ٩٧]، وإن كان من الأعراب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله.
الثالث: قال: "ولا يؤمن فاجر مؤمنًا" الفاجر: هو الكافر، لا يؤمن المؤمن. قال الله تعالي: ﴿كلا إن كتب الفجار لفي سجين (٧)﴾ [المطففين: ٧]، وقال تعالي: ﴿كلا إن كتاب الإبرار لفي عليين (١٨)﴾ [المطففين: ١٨]، فالفاجر هو الكافر؛ لأن الكافر لا تصح صلاته، ومن لا تصح صلاته لا تصح إمامته، مثال ذلك: رجل يصلى بالناس لكنه جاحد لتحريم الزنا، أو جاحد لتحريم الخمر، أو يدعي أن لله شريكًا. هذا يكون كافرًا قد أم مؤمنًا فلا تصح إمامته.
والحديث كما قال المؤلف سنده واه، "واه" اسم فاعل من وهي يهي، ومعناه: ضعيف، قال الله تعالي: ﴿وانشقت السماء فهي يومئذ داهية (١٦)﴾ [الحافلة: ١٦]؛ أي: ضعيفة.
الحديث ضعيف، ولكن مع ذلك إذا نزلنا ما دل عليه علي القواعد الشرعية وجدنا أن قوله: "لا تؤمن امرأة رجلًا"، فهذا صحيح؛ لأن المرأة ليست أهلًا لأن تكون إمامًا للرجال، ورأينا قوله: "ولا أعرابي مهاجرًا"، ليس بصحيح بالنسبة إلي أنه لا يصح، وأما أن يكون المهاجر إمامًا للأعرابي فلا شك أنه أولي، ورأينا أن قوله: "ولا يؤمن فاجر مؤمنًا" صحيح؛ لمقتضي الأدلة الشرعية؛ لأن الفاجر كافر لا تصح صلاته، ومن لا تصح صلاته لا تصح إمامته.
فأما إذا كان فاسقًا بدون كفر، فقد اختلف العلماء هل تصح إمامته أم لا؟ فالمشهور من مذهب الحنابلة: أن إمامته لا تصح، وبناء علي ذلك القول لا يصح أن يكون شارب الدخان إمامًا لأنه فاسق، ولا يصح أن يكون حالق اللحية إمامًا لأنه فاسق، ولا يصح أن يكون من يغش الناس أمامًا لأنه فاسق، ولا يصح أن يكون من يغتاب الناس إمامًا لأنه فاسق، ولو أننا قلنا بهذا القول لوجدنا أن أكثر الناس اليوم لا تصح إمامتهم، من الذي يسلم من الغيبة؟ من الذي يسلم من الغش؟ من الذي يسلم من الكذب؟ لو أننا قلنا بهذا القول ما وجدنا إمامًا إلا نادرًا، ولهذا كان القول الراجح: أن الفاسق تصح صلاته، لكن الصلاة خلف العدل أفضل بلا شك، ولهذا كان الصحابة- ومنهم ابن عمر- يصلون خلف أئمة الجور، فهم يصلون خلف الحجاج بن يوسف الثقفي- وهو من أظلم عباد الله ومن أفسق عباد الله- لكنه ليس بكافر، فالصواب: أن الفاسق تصح إمامته كما تصح صلاته، اللهم إلا أن يكون فسقه مخلًا بواجب من واجبات الصلاة كما لو أكل لحم إبل وقيل له: توضأ من لحم الإبل فإنه ينقض الوضوء فلم يقبل قولنا:
стр. 848
هذا صلاته لا تصح؛ لأن هذا الفسق يخل بالصلاة، وكذلك لو أن الإنسان كان مسبلًا لثوبه، وإسبال الثوب محرم ومن كبائر الذنوب، وعند كثير من أهل العلم أن المسبل لا تصح صلاته؛ لأن ثوبه محرم، وبناء علي ذلك لو صلى بنا الإمام مسبلًا فالصلاة لا تصح؛ لأننا صلينا خلف إمام أتي بما يخل بالصلاة فتكون صلاة الإمام باطلة، وكذلك المأموم صلاته باطلة، أما من كان فسقه لا يتعلق بالصلاة كالغش والنميمة والغيبة وما أشبه ذلك فالصواب أن إمامته تصح.
تسوية الصفوف والمقاربة بينها:
٣٩٣ - وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "رصوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق". رواه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبان.
قال ﷺ : "رصوا صفوفكم"، يعني: في الصف، والرص معناه انضمام بعضهم إلي بعض وليس المراد بالرص أن يحمل الإنسان نفسه علي الآخر بحيث يضيق عليه فإن خارج عن الأمر الذي أراده الرسول ﷺ ، بدليل الأحاديث الأخرى؛ ولأن هذا الرص يشغل المصلي أكثر مما يوجب له من الخشوع.
وقوله ﷺ : "رصوا صفوفكم" يشمل الأول والثاني والثالث، كلها ترص، وقوله: "قاربوا بينها" يعني: بين الصف والصف؛ أي: لا تبعدوا، بل "قاربوا بينها"، وهذا يشمل حتى مقاربة الإمام مع الصف الأول؛ لأن الذين خلفه صفوف كلهم، ولهذا قال الفقهاء- ﵏ يسن تقارب الصفوف بعضها إلي بعض وقرب الإمام منها. الآن نجد في بعض الجهات الصفوف قد لا تكون متقاربة، وفي بعضها تكون الصفوف متقاربة لكن يكون الإمام بعيدًا عنهم وهذا خلاف السنة، السنة: أن يدنو من الصف الأول وكل صف يدنو من الآخر، "وحاذوا"، ما معني المحاذاة؟ هي المساواة، "حاذوا بالأعناق"، يعني: تكون أعناقكم متحاذية، والأعناق: هي الرقاب، ويلزم من تساوي الأعناق تساوي بقية الجسم؛ لأن العنق علي مستوي الجسم تمامًا، هذه كلها كما رأيتم أوامر.
يستفاد منها فوائد أولًا: مشروعية المراصة لقوله: "رصوا صفوفكم" وهل هذه المشروعية مشروعية وجوب أو مشروعية استحباب؟ جمهور العلماء علي أنها مشروعية استحباب ولكن ظاهر النص أنها مشروعية وجوب وذلك؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب، ولأن النبي ﷺ أخبر بأن الشياطين تدخل من بين المصلين كالحذف، يعني: أولاد الضأن الصغار، ومعلوم أن فتح المجال للشياطين لتدخل بين المصلين أمر يقتضي تسلط الشياطين عليهم، حتى تفسد عليهم
стр. 849
صلاتهم، ومما يقوي الوجوب: قول الرسول ﷺ : "من قطع صفًّا قطعه الله" وهذا وعيد يقتضي أن يكون الأمر بالمراصة على سبيل الوجوب.
ومنها: مشروعية المصافة لقوله "صفوفكم" وهو ظاهر، ولهذا يجب على الإنسان أن يصلي في الصف كما سيأتي -إن شاء الله تعالى-.
ومنها: مشروعية المقاربة بين الصفوف لقوله "وقاربوا بينها"، وهذا الأمر للاستحباب، وذلك لأنه لم يد في مخالفته مثل ما ورد في مخالفة المصافة، ولكن القرب بينها ما حدُّه؟ الظاهر أن حده إلى محل السجود ما دام ليس له هذا القرب، نقول: حده: أن يتمكن الصف الثاني من السجود خلف الأول براحة.
ومن فوائد هذا الحديث أيضًا: المحاذاة بالأعناق، وعندنا في هذا أمران: محاذاة وكونها بالأعناق، أما المحاذاة فقد امر بها الرسول ﷺ ، والأصل في الأمر الوجوب، ويدل عليه الأحاديث الآتية -إن شاء الله تعالى- الدالة على وجوب تسوية الصف، وأما قوله: "بالأعناق" فهذا إرشاد إلى الوسيلة التي يحصل بها المحاذاة، وهي أن يكون عنقي حذاء، عنق جار من اليمين واليسار.
لكن لو تحاذينا بغير الأعناق بالمناكب مثلًا يجوز أو لا؟ يجوز؛ لأنه قد حصل به المقصود؛ لأن هذا إرشاد إلى وسيلة تحصل بها المحاذاة، وما كان كذلك فإنه يذكر على سبيل المثال فقط وليس على سبيل التعيين.
لو قدر أن أحدًا عنده حدب من المأمومين كيف يحاذي بالأعناق؟ يتعذر، فيحاذي بالأكعب، ولهذا نصَّ الفقهاء ﵏ أيضًا على الأكعب؛ لأن الغالب أن الأكعب لا يخصل فيها خلاف، ثم إن الأكعب مركب عليها البدن تمامًا حتى لو خطا الإنسان بكعبه يتبعه البدن، إذن هذا من فوائد الحديث: وجوب المحاذاة بين الصفوف وهو الضحيح.
ومن فوائد هذا الحدبث: الإشارة إلى المعنى الذي من أجله شرعت الجماعة وهو الالتئام والاجتماع والتآلف، وذلك بالتقارب والمحاذاة والمراصة. ما رأيكم لو كان المسجد كبيرًا واسعًا حتى صار الصف الأول بينه وبين الثاني عشرة أمتار، وما بين الثاني والثالث عشرة أمتار وهكذا هل يحصل الاجتماع والالتئام؟ لا، بل يشعر كل واحد كأنه بعيد من الثاني، وكذلك لو حصل التفرق بين الأقدام في الصف الواحد، فلا يكون هناك اجتماع، ثم إن التساوي أيضًا بالمحاذاة سبب تام للتآلف وعدم الاختلاف؛ لأن الواحد إذا تقدم على أخيه لا شك أنه يصير
стр. 850
في القلب منه شيء؛ ولهذا قال الرسول ﷺ : "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم" فجعل اختلاف القلوب مبنيًا على اختلاف الأجسام، لكن إذا صار جنبك وحرص على أن يكون وزنك تمامًا تجد أنك تألفه وتحبه وتقول: هذا ليس فيه كبر، بل هو قد جعلني كنفسه.
الفائدة الأخيرة: أن الشارع إنما شرع الجماعة من أجل ائتلاف القلوب واجتماعها وكون الأمة الإسلامية جماعة واحدة.
أفضلية الصف الأول للرجال:
٣٩٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خير صفوف الرِّجال أوَّلها، وشرُّها آخرها، وخير صفوف النِّساء آخرها، وشرُّها أوَّلها". رواه مسلم.
قوله: "خير صفوف الرجال"، الصفوف: جمع صف، وهو أن يقف الإنسان إلى جنب أخيه حتى يكونوا صفًا واحدًا، وقوله "خير وأولها"، الجملة واضحة أنها خبرية (خير) مبتدأ، والخبر (أولها)، و "أولها" هو: الذي يلي الإمام وليس الذي يلي المنبر؛ لأنك لو أردت أن تعدَّ الصفوف من أين تبدأ؟ من الذي خلف الإمام، وهذا الذي نقوله في مسجد يكون منبره وسط المسجد كما يوجد الآن في المسجد النبوي وكان أيضًا في المسجد الحرام، فقد كان منبره -كما أدركته أنا- متأخرًا؛ لهذا اختلف العلماء ﵏: هل الصف الأول هو الذي يلي الإمام أو الذي يلي المنبر؟ والصواب بلا شك: أنه هو الذي يلي الإمام، وقوله "وشرها آخرها"، آخرها آخر شيء منها يكون هو شرُّها، وذلك فيما لو تعمد الإنسان أن يدع الصف الأول؛ ليكون في الآخر كما يوجد في بعض الناس الآن، خصوصًا في يوم الجمعة تجده يأتي مبكرًأ ويتكئ على عمود في آخر المسجد، فيدخل في هذا.
وهنا إشكال في قوله: "خير وشر"، إن نظرنا إلى الجملة الأولى قلنا: إن الخير موجود في الصف الأول وفي الصف الأخير، وإن نظرنا إلى الثاني قلنا: إن الشر موجود في الصف الأول وفي الصف الأخير؛ لأنه قال: "خيرها وشرها"، وهذا يقتضي أن تكون الجملتان متضادتين.
والجواب على ذلك: أن يقال المراد بالشرِّ هنا: الشرُّ النسبي، فهو شر بالنسبة إلى ما قبله، ولا يلزم على هذا أن يكون في الأول شر، وقد يراد بالشر هنا: الأردأ، ولا يلزم أن يكون في الطرف المفضل شرُّ منه، كما في قوله تعالى: ﴿أصحاب الجنّة يؤمئذ خيٌر مستقرًا﴾ (الفرقان: ٢٤)؛ ومن المعلوم أن مستقر أهل النار لا خير فيه إطلاقًا. ثم قال: "وخير صفوف النساء آخرها" عكس الأول، ففي هذا الحديث يخبر الرسول صلى الله عليه وسلم
стр. 851
أن خير الصفوف بالنسبة للرجال أولها؛ لأنه الذي يلي الإمام فيكون أتبع للإمام، ويكون من ورائه متبعًا له، ثم إن فيه حثًا للتقدم إلى الخير وترغيبًا فيه، وأن شر الصفوف بالنسبة للرجال آخرها؛ لبعدهم عن الإمام، وكلما بعد الإنسان عن الإمام قلَّت متابعته وإنصاته لقراءته، ويخبر كذلك بأن خير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها لبعد الآخر عن مخالطة الرجال والقرب منهم، ويكون في ذلك بعد عن الفتنة. ففي هذا الحديث عدة فوائد أولًا: ثبوت التفاضل بين الأعمال؛ أي: أن الأعمال تتفاضل فيكون بعضها أفضل من بعض وهذا أمر ليس فيه شك، ولكن يلزم من تفاضل الأعمال تفاضل العمال، فيكون الناس أيضًا يتفاضلون بأعمالهم، فيؤخذ منه: الردُّ على طائفتين مبتدعتين وهم: الخوارج والمعتزلة؛ لأن هؤلاء يقولون: إن الإيمان لا يتفاضل إما أن يوجد كله أو يعدم كله، وهذا لا شك في أنه ضلال وخطأ.
ومن فوائد هذا الحديث: الحثُّ على الصفوف الأول بالنسبة للرجال، لقوله: "خير صفوف الرجال أولها"، والأول الذي له الأولوية المطلقة، أخبر النبي ﷺ أن الناس لو يعلمون ما فيه لاستهمُّوا عليه؛ يعني: لكانت قرعة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن خير صفوف النساء آخرها، وهذا فيمن يصلين مع الرجال، أما إذا كانت صلاة النساء جماعة منفردة عن الرجال فالظاهر أن خيرها أولها؛ لأن الحكمة التي من أجلها كان آخرها خيرها إنما تكون في صلاتهن مع الرجال، فإذا صلين جماعة في البيت أو في مدرسة أو ما أشبه ذلك، فإن الظاهر أن الأول أفضل مما بعده.
ومن فوائد هذا الحديث: البيان الظاهر على أن الشارع يتشوف إلى ابتعاد النساء عن الرجال، وهذا أمر واضح لأنه ﷺ لو كان يتشوف إلى بعد النساء عن الرجال، لكانت كالرجل يستحب لها أن تتقدم إلى الخير كما يتقدم الرجل، لكن هذا دليل واضح، يعني: حتى في أماكن العبادة لا ينبغي أن تقرب من الرجال بل تبعد عنهم فيكون في هذا: إبطال لما يلهث به بعض الناس اليوم من السير خلف ركب غير المسلمين، حيث يحاولون أن يجعلوا النساء مختلطات مع الرجال، هؤلاء في الحقيقة ما نصحوا لله ولا لرسوله ولا لأئمة المسلمين ولا لعامتهم ولا نصحوا حتى أنفسهم في الحقيقة ما نصحوا لها؛ لأنهم بذلك يضيعون رعاية أهلها؛ إذ إن أهلهم وإن حافظوا عليهم فإنهم سيفعلون ما فعلوا الناس ولا أحد يرتاب بأن مخالطة المرأة للرجل خطرها عظيم، لا يصاب في ذلك إلا أحد رجلين: إما رجل له مآرب يريد أن ينفذها باختلاط النساء بالرجال، وإما رجل عديم الشهوة لا يعرف أن علاقة الرجل بالمرأة -إذا قرب
стр. 852
منها أنها علاقة- تحرك الساكن وتثير الهادئ. المهم أن هذا الحديث واضح جدًا فالشارع يتشوف إلى ابتعاد النساء عن الرجال حتى في أماكن العبادة.
ومن فوائد هذا الحديث: مشروعية المصافة بين النساء؛ لقوله: "خير صفوف النساء"، وهذه مسالة يغفل كثير من النساء عندنا في أيام رمضان، النساء يحضرن إلى المساجد -بل حسب ما بلغنا- يصلين فرادى في بعض الأحيان تجد كل واحدة تصلي وحدها مع الإمام، وهذا لا يجوز ما دام الشارع أثبت لهن المصافة، فقد قال ﷺ : "لا صلاة لمنفرد خلف الصف"، ولا يرد على هذا أن المرأة إذا صلت مع الرجل صلت خلفه؛ لماذا لا يرد؟ لأنه لا مكان لها إلى جنب الرجل، فهي معذورة شرعًا؛ أي: أنها تصلي وراءه، أما إذا كان لها مكان شرعًا في الصف، فإنه يجب عليها أن تصلي في الصف فإن صلَّت وحدها بطلت صلاتها.
٣٩٥ - وعن ابن عبَّاس ﵁ قال: "صلَّيت مع رسول الله ﷺ ذات ليلٍة، فقمت عن يساره، فأخذ رسول الله ﷺ برأسي من ورائي، فجعلني عن يمينه". متَّفق عليه.
قوله: "صليت مع الرسول" المعية هنا معناها: المصاحبة، أي: في صحبته جماعة؛ لأن هذا هو ظاهر اللفظ، وليس المعنى: أني صليت معه، أي: صليت مثل صلاته؛ لأن من المعروف المجامعة في الصلاة أن يكون ذلك في الجماعة، وقوله ﵁ "ذات ليلة"، ذات تأتي في اللغة العربية على عدة معان منها: أن تكون بمعنى الحال مثل: ﴿وأصلحوا ذات بينكم﴾ (الأنفال: ١٠). أي: أصلحوا الحال التي تكون سببًا للقطيعة بينكم. ومنها: أن تكون بمعنى: جهة كما في حديث إبراهيم كذب ثلاث كذبات في ذات الله، أي: في جهته ودينه، ومنه أيضًا قول خبيب (الطويل):
ولست أبالي حين أقتل مسلمًا ... على أيّ جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزّع
الشاهد قوله: "في ذات الإله" أي: في جهته، أي: في الأمر الذي يوصل إليه وهو الدِّين ومنها: أن تكون زائدة لا معنى لها، مثل "ذات ليلة"، و "ذات يوم" وما أشبهها، أي: صلَّيت معه يومًا من الأيام، وفائدة زيادتها هنا: المبالغة في التنكير، يعني: أنه ليلة لا أعينها وأطلقها كثير من الناس على ما يقابل "الصفة"، ولاسيما في كتاب العقائد، ولهذا يقولون الإيمان بذات الله وصفاته، فأطلقوها على ما يقابل "الصفة"، وقالوا: ذات الإنسان، أي: عين الإنسان وصفاته، أي:
стр. 853
ما يعتريه من الصفات وما يقوم به من الأفعال، فصار لها أربعة إطلاقات، ولكن هذه الأخيرة اختلف العلماء فيها هل هي عربية أو ليست عربية؟ يعني: هل هي لغة عربية أو لغة عرفية؟ فقال بعضهم: إنها لغة عربية، وقال بعضهم: إنها لغة عرفية، وكلام شيخ الإسلام ﵀ في الفتاوى يدل على أنها ليست من لغة العرب العرباء؛ أي: ليست عربية محضة، لكنها استعملها العرب فصارت لغة عرفية بينهم. ولها أيضًا معنى خامس: أن تكون مؤنث "ذو" فتكون بمعنى صاحبة كما تقول مثلًا: امرأة ذات علم ذات جمال، وما أشبه ذلك، أي: صاحبة جمال، أو صاحبة علم وما أشبهها.
وقوله: "ذات ليلة"، أي: ليلة من الليالي، "فقمت عن يساره فأخذ برأسي عن يساره"، أي: عن جانبه الأيسر، "قمت"، يعني: في الصلاة "فأخذ رسول الله ﷺ برأسي من ورائي ... " إلخ، أخذ الشئ وأخذ به بمعنى: أمسك به، وتأتي أخذ من باب أفعال الشروع، وهذه يكون عملها عمل كان ويكون لها خبر مضارع، مثل: أخذ يفعل كذا، أي: شرع يفعل، أما التي هنا فليست أخذ من أفعال الشروع، ما معنى أخذ؟ بمعنى: أمسك وقبض، "أخذ برأسي رسول الله ﷺ من ورائي"، وضروري إذا أخذه من ورائه أن يجعله يمر من وراء الرسول ﷺ ، "فجعلني عن يمينه"، يعني: محاذيًا له صفًا واحدًا.
هذا الحديث سببه: أن ابن عباس ﵁ -من حرصه على العلم- كان يتتبع النبي ﷺ ، وفي ليلة من الليالي بات عند خالته ميمونه ﵂ إحدى أزواج الرسول ﷺ ليرى صلاته فنام عنده، ولما قام الرسول ﷺ يصلي من الليل ظن ابن عباس نائمًا، فقام يصلي وحده فقام ابن عباس ﵁ يصلي معه لكنه صف عن يساره، فأخذ برأسه فجعله عن يمينه، والرسول ﷺ فعل هذا الفعل كما سيأتي -إن شاء الله-.
فيستفاد من هذا الحديث: أولًا: حرص ابن عباس ﵁ على العلم.
وثانيًا: جواز نوم القريب عند قريبته مع زوجها، لكنه كان نائمًا عندهما حتى إنه كان نائمًا في عرض الوسادة ﵁، وهذا ما لم يكن الزوجان يرضيان بذلك، فإن كانا لا يرضيان بذلك فلا يجوز.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الصلاة جماعة بدون نية الإمامة، أي: أن نية المأموم تكفي عن نية الإمام، فإذا صليت وراء إنسان يصلي وأردت الجماعة، فإنه لا يحتاج إلى أن ينوي هو. وهذه المسألة سبق أن فيها خلافًا بين أهل العلم، فذهب بعض أهل العلم إلى جواز مثل هذه الصورة، أي: أن الجماعة يكفي فيها نية المأموم للائتمام ولا يشترط نية الإمام للإمامة، وهذا هو المشهور من مذهب مالك والشافعي، أما على مذهبنا فلا يجوز، بل لابد من نية الإمام
стр. 854
والمأموم، فينوي الإمام أنه إمام وينوي المأموم أنه مأموم، هل في هذا الحديث ما يدل على ذلك؟ الظاهر إما أن يكون الرسول ﷺ نوى أن يكون إمامًا أو لم ينو، لا يمكن أن نقول: أنه ما يدري عن المأموم؛ لأنه قد علم بابن عباس، بقى عندنا حال ثالثة: أنه لا نوى هذا ولا هذا فهو: إما أن يكون نوى الإمامة أو لم ينوها، ولكن تصرفه بأخذ ابن عباس من ورائه وجعله عن يمينه، فهذا يدل على أنه نوى الإمامة، وحينئذ فلا يكون في الحديث دليل على هذه المسألة، وهذا هو الصحيح؛ يعني: أنه ليس في الحديث دليل، أما كون المسألة تصح أو لا تصح، فهذه سبق الكلام عليها.
ثانيًا: استدل به على جواز الانتقال من الانفراد إلى الإمامة في أثناء الصلاة، يعني: يجوز للمنفرد أن يكون إمامًا في أثناء الصلاة؛ لأن النبي ﷺ أول ما دخل على أنه وحده ثم انضم إليه ابن عباس، ولم يمنعه ﷺ ، ولو كان هذا ممنوعًا لمنعه النبي ضلى الله عليه وسلم، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: فقال بعضهم: إنه لا يصح أن ينتقل المنفرد إلى الإمامة؛ لأنه يشترط في النية أن تكون من أول العبادة، فكيف تأتي النية في أثناء العبادة؟ ! ونقول: إنها صحيحة، وأجابوا عن حديث ابن عباس بأن النبي ﷺ كان يعلم أن ابن عباس سيقوم معه، فقد نوى من الأصل أن يكون إمامه، والجواب على هذا أن نقول: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾، أين الدليل على أن الرسول كان يعلم ذلك، بل في بعض طرق الحديث أن الرسول قام مستخفيًا حتى لا يستيقظ ابن عباس، وإذا كان كذلك فهو دليل على أن الرسول ما نوى أن يكون إمامًا لابن عباس في المستقبل، وذهب بعض أهل العلم إلى جواز ذلك في النفل دون الفرض؛ إذ إنه يجوز أن ينتقل من الانفراد إلى الإمامة في النفل دون الفرض، دليلهم: أن الأصل في النية أن تكون مقارنة لتكبيرة الإحرام، أي: من أول الصلاة إلا أنه قد خولف ذلك في النفل لهذا الحديث، أي: لورود السُّنة به، فيبقى الفرض على أصل القاعدة، وقال بعض أهل العلم: إنه يجوز أن ينتقل من انفراد إلى إمامة في الفريضة وفي النافلة واستدلوا لذلك بهذا الحديث، ووجه الدلالة: أن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل، وقد ثبت جواز ذلك في النفل فيلزم منه جوازه في الفرض إلا بدليل على الفرق، وأيضًا فإن الرسول ﷺ كان ذات يوم مع أصحابه، فدخل رجل فقام يصلي فقال: "ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه"، وظاهره أنه في الفريضة؛ لأن مشروعية الجماعة والأمر بالجماعة لا يكون في النافلة، فلولا أنه كان في الفريضة ما قال الرسول ﷺ : "من يتصدق على هذا فيقوم يصلي معه" وهذا دليل واضح.
стр. 855
بقى أن يقال عن قولنا: إن النية لابد أن تكون مقارنة للتحريمه؟ الجواب أن يقال: أصل نية الصلاة لابد أن يكون فعلها مقارنًا للتحريمة، والتغير هنا ليس في أصل الصلاة، لكنه في صفة الصلاة وليس في أصلها، وهذه الأدلة تدل على أن تغيير الوصف في أثناء الصلاة لا بأس به، كما أن الرسول ﷺ لما جاء وهو مريض وصلَّى بالناس بقية صلاة أبي بكر انتقل أبو بكر من كونه إمامًا إلى كونه مأمومًا، وهذا تغير صفة، ففرق بين تغير الصفة وبين تغير الأصل، فالأصل لابد أن يكون من أول الصلاة، ولهذا لو أن إنسانًا في أثناء صلاته النافلة وأراد أن يقبلها إلى فريضة قلنا: لا يصح، ولو كان في أصل الفريضة فأراد أن يقبلها إلى نفل معين كالوتر لا يصلح؛ لأن هذا تغيير لأصل الصلاة.
إذن القول الراجح في هذه المسألة: أنه يجوز أن ينتقل المنفرد إلى كونه إمامًا في الفريضة وفي النافلة.
ويستفاد من هذا الحديث: أن المشهور فيما إذا كان إمام ومأموم أن يكون المأموم عن يمين الإمام. الاستدارة هل هي على سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب؟ ذهب بعض أهل العلم -وهوالمشهور من مذهب الحنابلة- إلى أنها على سبيل الوجوب، وأنه لو صلى عن يسار الإمام مع خلو يمينه فصلاته باطلة، وذهب أكثر أهل العلم: إلى أن هذا على سبيل الاستحباب، وأن الأفضل أن يكون عن يمينه ولو صلَّى عن يساره مع خلو يمينه فصلاته صحيحة، الذين قالوا بأنه يجب أن يكون عن اليمين، وأنه لو صلَّى عن اليسار فصلاته باطلة، قالوا: لأن الرسول ﷺ ما أقرَّ ابن عباس على أن يكون في يساره وفعل حركة في الصلاة، وهي أنه تحرك وحرك ابن عباس وهذا عمل في الصلاة، ولا يمكن للرسول ﷺ أن يرتكب هذا العمل إلا لأمر واجب، فدل هذا على أن الصلاة على يمين الإمام واجبة، وما كان واجبًا فإن تركه يبطل الصلاة، والذين يقولون: إنه على سبيل الاستحباب قالوا: إن هذا مجرد فعل، ومجرد الفعل لا يدل على الوجوب، ولو كان هذا على سبيل الوجوب لقال له النبي ﷺ : لا تعد كما قاله لأبي بكرة، فلما لم ينهه عنه بعد انصرافه من الصلاة علم أنه على سبيل الاستحباب، ثم إنهم يقولون أيضًا: الأصل براءة الذمة فلا تشغلها بأمر يلزم المكلف به إلا بدليل، وما دام هذا الدليل محتملًا فإننا لا نلزم عباد الله بشئ محتمل، ثم إننا نقول: الأصل الصحة أيضًا حتى يقوم دليل على بطلانها بكونه عن اليسار، وأجابوا عن كون الرسول ﷺ يتحرك ويحرك ابن عباس بأن التحرك لفعل السنن أمر مستحب، حتى ولو كان من أجل فعل السُّنة فإنه أمر مستحب، فهنا نحن نقول: إذا أبعد الصف عنه يدنو من الصف مع أنه على سبيل السُّنة إذا قلنا: بأن المراد به: السُّنة، كذلك أيضًا الرسول ﷺ يتحرك لما هو مباح في صلاته
стр. 856
حينما حمل أمامة بنت زينب، فكان إذا قام حملها وإذا سجد وضعها، فليست الحركة دالة على أن ما تحرك من أجله فهو واجب، وهذا القول أصحُّ؛ أي: كونه عن اليمين من باب الاستحباب، وهو اختيار شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمة الله.
ويستفاد من هذا الحديث: أن المصلي منفردًا خلف الصف صحَّت صلاته، وجهه: أن ابن عباس حينما صار خلف الرسول ﵊ تلك اللحظة صار منفردًا، فلم تبطل صلاته، هكذا استدل به بعض العلماء، وقال: هذا دليل على صحة صلاة المنفرد خلف الصف، ولكن هذا الاستدلال فيه نظران:
النظر الأول: أن ابن عباس لم يستقر في هذا الموضع، فهو مرَّ به مرورًا، أفلا يقال: إنه صلَّى خلف الصف؟
الثاني: أن وقوفه هذا لو فرض أنه وقوف كم أخذ من الصلاة ركعة ركعتين سجدة سجدتين؟
لا شيء، فلهذا لا وجه للاستدلال بهذا الحديث على صحة صلاة المنفرد خلف الصف.
ويستفاد من هذا الحديث: أن موقف الواحد مع الإمام كموقفه في الصف، يعني: أنهما يكونان سواء، على هذا بوَّب الإمام البخاري رحمة الله بأنهما يكونان حذاء سواء لا يتقدم أحدهما على الآخر، وهذا بلا ريب مقتضى النصوص؛ لأننا إذا قلنا: الواحد مع الإمام صف، فما الذي أمر به النبي ﵊ في الصفوف؟ المراصة، والمحاذاة، واستحسان بعض أهل العلم أن يتقدم الإمام في هذه الصورة استحسان في غير محله، قال: ينبغي أن يتقدم ليتبين أنه الإمام، فيقال لهم: تبين أنه الإمام، بماذا يكون؟ بأفعال الصلاة والتكبير والانتقالات، والصواب في هذه المسألة: أنهما يكونان سواء؛ لأنهما يعتبران صفًّا واحدًا، وإذا كانا كذلك فإن الواجب أن يكون أحدهما بحذاء الثاني.
ويستفاد من هذا الحديث أيضًا: أنه تجوز الحركة في الصلاة للمصلحة أو الحاجة، ولكن الحركة في الصلاة تنقسم إلى خمسة أقسام، يعني: أن تعتريها الأحكام الخمسة: واجبة، ومندوبة، ومباحة، ومكروهة، وحرام، فتكون واجبة إذا توقفت عليها صحة الصلاة، وهذه تشمل مسائل كثيرة، منها: لو قيل له: إن القبلة عن يمينك يجب عليه أن يتحرك، ولو رأى في غترته نجاسة وهو يصلي وجب عليه أن يتحرك لطرحها، هذان مثالان أحدهما لفعل واجب، والثاني للتخلص من محرم، والأمثلة كثيرة، تكون مندوبة إذا توقف عليها فعل المندوب في الصلاة، مثلًا: كالتقدم للمحاذاة في الصف أو يحتاج إلى الحركة للحكة، المهم: أنه إذا كان يترتب عليه فعل مندوب في الصلاة -سواء كان فعل مندوب لتحقيق مصلحة أو للتخلص من الحكة- فهذا للتخلص من المشغل، لو كان أمامه وهو يصلي شيء ملون فتقدم ليزيله حتى لا
стр. 857
يشوش عليه هذه مستحبة، وأما التي لتحقيق مصلحة فما قلتم لتتميم الصف وشبهه، ومثل فعل الرسول ﷺ لابن عباس إذا قلنا: إن الوقوف على يمينه على سبيل الاستحباب يكون مباحًا إذا كانت الحركة يسيرة لحاجة، لكن ما تتعلق بالصلاة؛ لأن اليسيرة التي تتعلق بالصلاة مستحبة، مثل: إنسان جاء إليه وقال: أعطني المفتاح كي أفتح أفتح دخل يده في جيبه وأعطاه المفتاح هذا مباح، ومثل إنسان صبيه يصيح وامه تطبخ الغداء وهو يصلي فقال: أعطني إياه وجعله معه يصلي، فينزله إذا سجد ويحمله إذا قام، هذا يكون مباحًا.
ويستفاد من هذا الحديث: جواز الجماعة في النافلة، والنوافل بالنسبة للجماعة تنقسم إلى قسمين: أحدهما: ما تشرع فيه الجماعة كصلاة الاستسقاء، فإنه ثبت أن النبي ﵊ صلَّى الاستسقاء بالناس جماعة، وكذلك صلاة الكسوف على القول بأنها سنة، أما على القول الراجح فإنها واجبة فلا تدخل في هذا التخصيص، وكذلك صلاة الليل في رمضان سنة ثبتت بهدي النبي ﵊ وهدي الخليفة الراشد عمر ﵁.
القسم الثاني من التطوع: ما لا تشرع فيه الجماعة، فهذا إن صلَّى الإنسان جماعة فيه على وجه راتب مستمر فهو مبتدع، وكل بدعة ضلالة، وإن فعله أحيانًا فهذا لا بأس به؛ لأنه ثبت عن النبي ﵊ في هذا الحديث، والحديث الذي بعده -حديث عتبان بن مالك- فهو جائز ولا بأس به، وبهذا نعرف الفرق بين اتخاذ الشئ مشروعًا دائمًا وبين فعله أحيانًا، وهذا فرق ينبغي للإنسان أن يعتبره، يعني: فعل الشئ أحيانًا قد يسامح فيه إذا كان من الأمور المشروعة، لكن اتخاذه سنة راتبة هذا لا يجوز إلا بدليل، ومن ذلك مثلًا الدعاء بعد النوافل، أو بعد الفرائض يرفع اليدين، فهذه إن فعلها الإنسان أحيانًأ نقول: لا بأس به؛ لأن رفع اليدين في الدعاء من الأمور المشروعة، لكن كونه يتخذه سنة راتبة كلما صلَّى تقول: من أين لك هذا؟ فهو بدعة ينهى عنه، ومنها: أن بعض الناس إذا قدم إليه الطيب يتطيب بالبخور، قال: اللهمَّ صلِّ على محمد كأنه يتذكر أن النبي ﷺ يحب الطيب فبناء على ذلك يصلي على النبي ﷺ ، فنقول له: لا تفعل؛ لأنَّ كونك تجعل هذا سببًا للصلاة على النبي ﷺ يعد من البدعة؛ لأن السُّنة كما تكون بالفعل تكون أيضًا بالترك، فما وجد سببه في عهد الرسول ﵊ ولم يتخذه سنة فاتخاذه سنة يعتبر من البدعة، ومن ذلك أيضًا كون بعض الناس إذا تئاءب قال: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" لأن هذا ليس بمشروع؛ لأن النبي ﵊ أرشدنا إلى سنة فعلية في هذا المقام وسكت عن السنة التي يزعمها بعض الناس، ماذا أرشدنا إليه؟ الكظم، ثم وضع اليد على الفم إذا لم يستطع، ولم يأمرنا بالتعوذ، لكن بعض
стр. 858
الناس اعتاده، قال: لأن النبي ﵊ قال: "إن التثاؤب من الشيطان"، وقد قال الله تعالى: ﴿وإمَّا ينزغنَّك من الشَّيطان نزٌغ فاستعذ بالله﴾. فهو دليل على أنه يشرع، ولكن نقول: إن نزغ الشيطان الذي أشار الله إليه هو: الأمر بالمعاصي أو التثبيط عن الطاعات؛ بدليل أن النبي ﵊ ما فسَّرها بذلك وهو أعلم الناس بمراد ربه ﵊، فلو كان هذا مرادًا لكان النبي ﵊ يشرع لأمته الاستعاذة إذا حصل التثاؤب، المهم: أنه يجب علينا أن نعرف الفرق بين إثبات مشروعية الشئ وبين فعله أحيانًا إذا كان مشروعًا بشرط أن يكون له أصل في الشرع، وأمَّا إذا لم يكن له أصل، فإنه ليس مشروعًا مطلقًا.
قد يقول قائل: إن هذه القاعدة توجب لكم أن تبيحوا الاحتفال بمولد الرسول ﵊ أحيانًا.
فنقول: إن الاحتفال أصلًا لم يرد بخلاف الجماعة في الصلاة، وما ذكرنا لكم من أمثلة، أما الاحتفال بمولده فليس مشروعًا إطلاقًا، فلم يرد له أصل حتى نقول: إنه مشروع، فالقاعدة التي ذكرناها قاعدة مهمة أشار إليها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله وهي معروفة من التتبع.
ويستفاد من هذا الحديث: أنه أخذ بذؤابته من ورائه، والذؤابة ما هي؟ ذؤابة الرأس، ففيه دليل على جواز جعل رأس الرجل ذوائب وهو كذلك، وقد كان الناس يفعلون ذلك، لاسيما في البادية، أنا أذكر أني رأيتهم في البادية الرجل له ذؤابة تصل إلى السرة أحيانًا.
صلاة المرأة والصغير خلف الإمام:
٣٩٦ - وعن أنس ﵁ قال: "صلَّى رسول الله ﷺ فقمت أنا ويتيم خلفه، وأمُّ سليم خلفنا". متَّفق عليه، واللَّفظ للبخاري.
"صلى" في أي مكان؟ في بيت أم سليم، وكانت دعت النبي ﷺ لطعام صنعته، والنبي ﵊ كان من أحسن الناس خلقًأ، هذه المرأة لمحبتها لرسول الله ﷺ لما صنعت هذا الطعام أحبت أن يأكل منه، فدعت النبي ﵊ فلبَّى دعوتها ولما جاء قال أنس: قمت إلى حصير لنا من النخل قد اسودَّ فنضحه بماء من أجل أن يلينه؛ لأن الحصير إذا اسودَّ من طول اللبس يكون فيه أعواد صغيرة ربما تنشف بالجلد، ولكنه نضحه ليلين، فقام النبي ﵊ يصلي بهم يقول: "فقمت أنا ويتيم خلفه"؛ لأنهم ثلاثة،
стр. 859
والسنة إذا كانت الجماعة ثلاثة أن يتقدم الإمام، هذا هو الذي ثبتت به السنة أخيرًا، وكان بالأول كانت السُّنة إذا كانوا ثلاثة أن يكون الإمام بينهم واحد على اليمين وواحد على اليسار، لكنها نسخت، وكان ابن مسعود لم يعلم بنسخها؛ فصلَّى مرة بالأسود وعلقمة فجعل أحدهما عن يمينه والثاني عن يساره. لكن السُّنة لا شك أنها ثبتت بأن الأمر منسوخ، يقول: "فقمت أنا ويتيم"، اليتيم عند أهل العلم هو: الذي مات أبوه ولم يبلغ، ولو كانت أمّه باقية. العامة عندنا يون أن اليتيم من ماتت أنه، لكن الصواب: أن اليتيم هو الذي مات أبوه، وقوله: : وأم سليم خلفنا" هذه يعربها ابن آجروم، بأنها: ظرف مكان منصوبة على الظرفية بالفتحة الظاهرة، أين خبر المبتدأ متعلق بالظرف، الخبر إذن شبه جملة.
هذا الحديث فيه فوائد: ونأخذ من الفوائد حتى من اللفظ الذي لم يذكره المؤلف، وهي: قوة محبة الصحابة للرسول ﷺ ذكورًا وإناثًا.
ومنها: جواز دعوة المرأة للرجل إذا أمنت الفتنة، مثل: لو أن امرأة كبيرة في السن دعت جيرانها فلا حرج إذا أمنت الفتنة.
ومنها أيضًا: سهولة خلق النبي -علية الصلاة والسلام- وإجابته لدعوة المراة.
ومنها: جواز الصلاة على الحصير، ففيه رد على من قالوا: إنه لا يجوز السجود إلا على الأرض، أو ما كان على الأرض؛ لأن الرسول سجد على حصير، وثبت عنه أنه كان يسجد على الخمرة.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز صلاة النافلة جماعة أحيانًأ؛ لأن الرسول ﵊ صلَّى بهم جماعة.
ومنها: أن موقف الاثنين فأكثر يكون خلف الإمام.
ومنها: جواز مصافة الصبي، وهذه أيضًأ من المسائل الكبار التي اختلف فيها العلماء، فمن العلماء من يقول: إن مصافة الصبي لا تصح إلا في النفل، ولا تصح في الفرض، ومنهم من قال: إنها تصح في النفل وفي الفرض، وهو الصواب؛ لأنه قد ثبت أن الصبي يكون إمامًا لا مصافّا، وصحة إمامته أبلغ من صحة مصافته، فقد مرّ علينا أن عمرو بن سلمة كان يؤم قومه وله ست أو سبع سنين، إذن فالقول الثاني في المسألة: أنه يصح أن يكون الصبي مصافًا للبالغ في النافلة بهذا الحديث، وفي الفريضة بأنه لا فرق، الدليل قياس الفرض على النفل لعدم وجود الفارق بينهما.
стр. 860
ومن فوائد هذا الحديث: أن المرأة تكون خلف الرجال ولا تصفُّ معهم، حتى ولو كانوا من محارمها.
ومنها: نظر الشارع إلى ابتعاد المرأة عن الاختلاط بالرجال، حيث إنه أذن لها أن تصلي وحدها، ولا تكون مع الرجل، فيكون في هذا ردُّ لأولئك الذين ينادون باجتماع الرجل والمرأة، واختلاط النساء بالرجال، وأن هؤلاء مضادون لحكم الله إذا كان في العبادات التي هي من أجل ما يختلط فيه الرجال والنساء، وأبعد ما يكون عن الفتنة، فكيف بالأماكن التي تكون مدعاة للفتنة، ثم إنكم أيضًا تعرفون ما يكون من فتنة المرأة إذا جاءت للعمل واختلطت بالرجل، كيف تأتي؟ لا شك أنها تأتي متبرجة، متطيبة كل ما تملك من الجمال تأتي به.
٣٩٧ - وعن أبي بكرة ﵁ أنَّه انتهى إلى النَّبيِّ ﷺ وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصَّفِّ، ثمَّ مشى إلى الصَّفِّ، وذكر ذلك للنَّبيِّ ﷺ ، فقال له النَّبيِّ ﷺ : "زادك الله حرصًا ولا تعد". رواه البخاريُّ.
وزاد أبو داود فيه: "فركع دون الصَّفِّ، ثمَّ مشى إلى الصَّفِّ".
"أبي بكرة" هذا لقب، ويقولون: إنه سمي بذلك؛ لأنه نزل في حصار الطائف من السور ببكرة، يقول: "أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو"، الضمير يعود على الرسول ﵊، والجملة: "وهو راكع" حالية في محل نصب من النبي ﷺ ، يعني: والحال أنه راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، من الذي ركع؟ أبو بكرة قبل أن يصل إلى الصف، وطبعًا مشى إلى الصف، ودخل فيه، وفي بعض ألفاظ الحديث: "أنه جاء مسرعًا يسعى قد حفزه النفس".
فهاهنا أربعة أشياء: الإسراع، والركوع قبل الوصول إلى الصف، والمشي حتى يدخل في الصف وموافقة الإمام في الركوع، أربعة أشياء، ننظر الآن ما هو المشروع منها، وما هو غير المشروع لأجل أن نطبق عليه قوله: "ولا تعد" يقول ﵁: "فركع قبل أن يصل إلى الصف" يعني: ثم دخل في الصف لا شك في هذا، فقال له النبي ﷺ : "زادك الله حرصًا" متى قال له؟ بعد الصلاة، إذن الحديث فيه شيء محذوف، فلما انصرف النبي ﷺ من صلاته سأل: "من الذي جاء؟ "، فقيل له: أبو بكرة، أو هو قال: أنا يارسول الله، فقال له: "زادك الله حرصًا"، وقوله: "زادك الله حرصًا"، حرصًا هذه مفعول ثان لزادك؛ لأن زاد تنصيب مفعولين ليس أصلهما مبتدأ وخبرًا، فهي من باب كسا وأعطى تنصب مفعولين، "زادك الله حرصًا ولا تعد"، (لا) ناهية (تعد): فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة الجزم السكون، وهو من عاد يعود، مثل: قال يقول،
стр. 861
والنهي منه "لا تفعل" كما قال تعالى: ﴿فلا تقل لَّهما أفٍ﴾ (الإسراء: ٢٣). إذن "لا تعد" من العود، يعني: لا تعد لمثل هذا العمل، وهذا متفٌق عليه في جميع الروايات أنه "لا تعد"، وزعم بعضهم أنه قال: "ولا تعد"، وهذا لا يصح لا رواية ولا دراية، وزعم بعضهم أنه قال: "ولا تعد" وهذا أيضًا لا يصح فالرواية الصحيحة الثابتة: "ولا تعد" من العوَّد، وهي متضمنة لعدم إعادته ومتضمنة لعدم عدوه أيضًا، ننظر الآن: "لا تعد"، إلى أي شيء؟ قلنا: إنه فعل أربعة أشياء: أسرع، وركع قبل أن يصل إلى الصف، ودخل في الصف، ووافق الرسول ﵊ في الركوع، فلم ينتظر حتى يقرأ الفاتحة، هذه الأمور الأربعة ننظر ما الذي يتوجه إليه النهي، أولًا إسراعه هل يتوجه إليه النهي؟ نعم، من أين يؤخذ؟ من دليل آخر وهو: "إذا أقيمت الصلاة فامشوا ولا تسرعوا". إذن الإسراع دخل في قوله: "ولا تعد"، دخوله قبل أن يصل إلى الصف أيضًا منهي عنه أم لا؟ نعم منهي عنه؛ لأن الإنسان مأمور بالمصَّافة، وكان النبي ﵊ لا يكبر حتى تستوي الصفوف، فمن باب أولى أن يقال: إن الإنسان لابد أن يدخل في الصف قبل أن يكبر، مشيه إلى الصف مأمور به لكي يدخل في الصف.
رابعًا: دخوله مع النبي ﵊ بدون أن يقرأ الفاتحة، هل يتوجه إليه النهي؟ لا يتوجه لقول الرسول ﵊: "ما أدركتم فصلُّوا"، الآن هو أدرك الركوع فليصلِّ ولا ينتظر؛ ولقوله ﵊: "إذا ركع فاركعوا" فيكون النهي في قوله: "لا تعد" للإسراع أو للركوع قبل الدخول في الصف أمَّا "لا تعد" فيعني: لا تركع إذا أدركت الإمام راكعًا فهذا لا يتوجه إليه النهي؛ لأن الأحاديث الأخرى تدل على أن الإنسان إذا أتى والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام، هذه الأشياء هي التي يتوجه إليها النهي في قوله: "لا تعد"، فصار يتوجه إلى شيئين ولا يتوجه إلى شيئين آخرين، نعود إلى القصة فهي معروفة وذلك أن الصَّحابي ﵁ جاء والنبي راكعًأ فأسرع وأدركه راكعًأ خوفًا من أن تفوته الركعة، وحرصًا على إدراك الركوع.
فيستفاد من هذا الحديث فوائد منها: أنه ينهى الإنسان أن يسرع ولو أدرك الإمام راكعًا؛ لقوله ﵊: "ولا تعد"، إلا أن أهل العلم رخَّصوا في الإسراع الذي لا يقبح، كما نَّص عليه الإمام أحمد ﵀، فقد قال: ما لم تكن عجلة تقبح، فقيَّدها بأن تكون قبيحة، أمَّا إذا كان إسراعًا مع هدوء وسكينة فلا حرج رخَّص فيه بعض أهل العلم، والأولى أن يبقى النص على ما هو عليه، والحمد لله هو في عافية، أمَّا ما يفعله بعض العامة الآن بأن يكون إذا جاء
стр. 862
والإمام راكع يقول: اصبر إن الله مع الصابرين، وربما يتنحنح، فهذا خلاف المشروع، وقد حدثني بعض الناس أن أحد الأئمة إذا سمع الداخل رفع مباشرة وإن لم يتأخر كثيرًا إذا أتى بالطمأنينة رفع ويقول: إني أفعل ذلك لأني أخشى أن يأتي هذا عجلًا فيكبر تكبيرة الإحرام وهو راكع كما يفعله بعض العامة يكبر وهو يهوي، والواجب أن يكبِّر الإنسان تكبيرة الإحرام وهو قائم، لكن المشهور من المذهب: أنه يستحب انتظار الداخل ما لم يشق ذلك على المأموم، وليس في هذا سنة متبعة عن الرسول ﵊ غاية ما هنالك أن يقال: إذا كان الرسول ﵊ يعجل إذا سمع بكاء الصبي مخافة أن تفتتن أمه، مع أن التعجيل فيه تفويت للمأمومين الذين خلفه، أعني: بعض ما يرون، فالانتظار بدون مشقة على المأمومين لأجل مصلحة دينية -وهو إدراك هذا القادم لما يدرك من الصلاة- يكون من باب أولى، فالمسألة مسألة قياس واجتهاد، فإذا رأى الإمام أن الناس عندهم غشم وعدم طمأنينة وأنهم إذا جاءوا وهو راكع كبَّروا للركوع ونسوا تكبيرة الإحرام أو كبَّر بنية الدخول في الصلاة، ولكنه وهو يهوي ورأى أنه من المصلحة ألاَّ ينتظ فهذا طيب له أن يفعله.
ومن فوائد هذا: أن من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة، وفي هذه المسألة معترك بين أهل العلم، فمنهم ممن قال: إنه لا يدركها؛ لأن قراءة الفاتحة ركن في الصلاة في كل ركعة؛ لقول الرسول ﵊ للمسئ في صلاته: "وافعل ذلك في صلاتك كلها"، وقال بعضهم: بل هو مدرك للركعة؛ لأن قراءة الفاتحة في حق المأموم سنة وليست بواجبة، وقال آخرون: بل إنه إذا أدرك الركوع أدرك الركعة؛ لا لأن قراءة الفاتحة غير واجبة على المأموم، لكن لأنها سقطت في هذه الحال حيث إنه لم يدرك القيام الذي هو محل القراءة، كل هذه تعليلات، لكن ما الذي يدل عليه ظاهر الحديث؟ يدل ظاهر الحديث على أنه أدرك الركعة؛ لأن أبا بكرة ﵁ عجَّل من أجل إدراك الركعة كما في بعض الطُّرق أشار إليها الحافظ في الفتح: "قال: خشيت أن تفوتني الركعة"، وهذا دليل على أنه أسرع لهذا الغرض ولم يأمره النبي ﵊ بقضاء هذه الركعة ولو أمره لنقل، والنبي ﵊ إذا رأى أحدًا أخطأ نبَّه على خطئه مثل الرجل الذي صلَّى بدون طمأنينة قال له: "ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ"، فلو كان أبو بكرة لم يدرك الركعة لأمره بقضائها؛ لأنه ما أسرع إلا لإدراكها، وهذا هو القول الراجح، مع أني أرى وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في كل ركعة في الجهرية والسرية، لكن الحديث واضح.
ومن فوائده أيضًا: معاملة النبي ﵊ لأصحابه خير معاملة، هذا الرجل
стр. 863
أخطأ بلا شك، والدليل على خطئه قوله له: "ولا تعد"، لكن مع ذلك لمَّا علم النبي ﵊ أنه أراد الخير قال له: "زادك الله حرصًا"، لو أن أحدًا فعل مثل ما فعل أبو بكرة قال: من أجل ان تنالني دعوة الرسول ﷺ الآن يصلح؟ ما يصلح؛ لأن أبا بكرة ﵁ ما كان عالمًأ بأن هذا مما ينهى عنه، وإلا لما فعل لكن لا شك أن من كان مجتهدًا حريصًا على الخير، وإن لم يصب فهو مأجور له أجر على اجتهاده وإن لم يصب الحكم.
ومن فوائد هذا الحديث: أن من ارتكب محظورًا جاهلًا فلا إثم عليه، من أين يؤخذ؟ لم يقل: إنك آثم، ولا وبخه ﵊، وهكذا كانت عادته ﵊ ألاَّ يوبخ من فعل الشئ جاهلًا، لم يوبخ الرجل الذي بال في المسجد، ولم يوبخ الرجل الذي جامع زوجته في نهار رمضان، ولم يوبخ الرجل الذي تكلَّم في الصلاة؛ لأن كل هذا صار عن جهل.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينهى عن الدخول في الصلاة قبل الوصول إلى الصف؛ لقوله: "ولا تعد".
ومن فوائده: أن الصلاة منفردًا خلف الصف جائزة، هذه الفائدة أخذها بعض العلماء وقالوا: إن فيه دليلًا على أن صلاة المنفرد خلف الصف جائزة؛ لأن الرسول ما أمره بالإعادة وهو قد صلَّى قبل أن يصل إلى الصف، ولو كانت ممنوعة لأمره بالإعادة، وهذا الاستدلال قريب من استدلال من استدلَّ بقصة ابن عباس السابقة حينما أداره الرسول ﵊ وراء ظهره دلَّ على جواز الصلاة منفردًا، ولكن الصحيح أنه ليس فيه دليل؛ لأن هذا الرجل ما استمر في جميع الصلاة منفردًا، لو أتمَّ صلاته منفردًا لكان فيه دليل على أنه لا تحرم الصلاة منفردًا، لكن الرجل تقدم إلى الصف ولهذا نقول: إذا صلى منفردًا خلف الصف ركعة فأكثر لا تصح صلاته، وغن خاف فوات الركعة فله أن يدخل في الصف بشرط ألاَّ يصلي ركعة فأكثر، فإن صلَّى ركعة فأكثر فالصحيح: أنه لا تصح صلاته.
ومن الفوائد: أن المجتهد معذور ولو أخطأ.
ومنها: إثبات الأسباب، وأن الدعاء منها، يؤخذ هذا نت قوله: "زادك الله حرصًا".
ومنها: أن رسول الله ﷺ لا يملك لغيره نفعًا ولا ضرًا، وتؤخذ هذه الفائدة من دعائه، وفيه إيراد. لو قال قائل: إن كان الأمر مكتوبًأ فلا فائدة من السؤال، وغن كان لم يكتب فالسؤال لن يأتي به فما الجواب؟ يقولون: إن أحد الطلبة أو الحاضرين أورد هذا السؤال على الشيخ محمد عبده، فقال الشيخ: إن كان الله قد شاء أن أجيبك فلا فائدة من سؤالك لي، وإن كان الله لم يشأ أأجيبك فلن أجيبك على سؤالك، ألقمه الحجر من حجته، نحن نقول: في الجواب عن أصل المسألة: ما فائدة الدعاء إذا كان الله قد قدَّره، وإذا كان الله لم يقدره، فإن الدعاء لن يأتي به
стр. 864
فما الجواب؟ نقول: إن قدَّره بهذا السبب، فأنت عليك بالأسباب، والله تعالى له بقدرته أن يأتي بالمسببات التي يربطها بها ﴿وقال ربُّكم ادعوني أستجب لكم﴾ (غافر: ٦٠). التزم أن يستجيب وإلا لقلنا أيضًا: إذا كان الله قد قدَّر أني من أهل الجنة فلا فائدة من العمل، وإن لم يقدِّر أني من أهل الجنة فإني وإن عملت فلن أدخلها، وكذلك يقول الثاني: إن كان الله قد قدَّر لي الولد فلا فائدة من الزواج، وإن لم يقدِّر لي ولد فلو تزوجت ما جاءني ولد، وهكذا فلا أحد ينكر الأسباب أبدًا إلا رجل ضالّ أو ضائع.
يستفاد من رواية أبي داود: جواز الحركة لإتمام الصلاة، وهذا يؤخذ من قوله: "ثم مشى إلى الصلاة".
ويستفاد منه: أن الانفراد ببعض ركعة لا يعد انفرادًا لأنه انفرد بتكبيرة الإحرام والركوع، "ثم مشى إلى الصف"؛ فالانفراد ببعض الركعة ليس كالانفراد في الصلاة كاملة، وبهذا نردُّ على من استدلَّ بهذا الحديث على: أن الإنسان يجوز أن يصلي منفردًا خلف الصف، فنقول: يمكن الجمع بين الأدلة، بماذا؟ بأن يقال: إن الانفراد ببعض الركعة لا يعد انفرادًا، وكذلك سبق أن قلنا ذلك في حديث ابن عباس.
حكم صلاة المنفرد خلف الصف:
٣٩٨ - وعن وابصة بن معبٍد ﵁: "أنَّ رسول الله ﷺ رأى رجلًا يصلِّي خلف الصَّفِّ وحده، فأمره أن يعيد الصَّلاة". رواه أحمد، وأبو داود، والترمذيُّ وحسَّنة، وصحَّحه ابن حبَّان.
نتناول هذا الحديث أولًا بالكلام على إسناده، فنقول: العلماء مختلفون فيه، فمنهم من يقول: إن الإسناد مضطرب، ومعلوم أن الاضطراب يوجب ضعف الحديث، وإذا ضعف الحديث فلا حجة فيه؛ لأن من المعلوم أنه لا يحتج إلا بالحديث الصحيح، أو الحسن، أمَّا الضعيف فإنه لا يحتج به ولا يعمل به، بل ولا يجوز ذكره إلاَّ لبيان ضعفه إلا إذا كان من فضائل الأعمال، فإن بعض أهل العلم أجاز ذكره بشروط ثلاثة وهي: ألا يكون الضعف شديدًا، وأن يكون لهذا العمل أصل صحيح -العمل المرغوب فيه-، والثالث: ألا يعتقد أن الرسول ﷺ قاله. فبعضهم أجازه بهذه الشروط الثلاثة، والبعض الآخر قالوا: لا يجوز العمل بالضعيف، ولا
стр. 865
يصح ذكره مطلقًا، وفيما صح عن رسول الله ﵊ غنّى عما كان ضعيفًا، وبعض العلماء صحح هذا الإسناد أو حسَّنه، وعلى كلا الرأيين يكون الحديث حجة، وهذا ما ذهب إليه فقهاء الحنابلة فقد احتجوا بهذا الحديث، ورأوه إمَّا حسنًا وإمَّا صحيحًا لشواهده، وقالوا: إن الاضطراب الذي في سنده يمكن زواله بترجيح أحد الطُّرق أو إنه اضطراب لا يخل؛ لأنكم تعرفون أن الاضطراب أحيانًا لا يخل إذا كان لا يتعلق بأصل المعنى مثل حديث فضالة بن عبيد حين اشترى قلادة باثنى عشر دينارًا، ففصلها فوجد فيها أكثر فاختلفوا في قيمة هذه القلادة، ومثل ذلك اختلافهم في قيمة جمل جابر، لكن لما كان هذا الاختلاف لا يتعلق بأصل الحديث، قال العلماء: إنه لا يضر؛ لأن المحدثين لا يهتمون بالشئ الذي لا يتعلق بأصل الحديث فربما نسوه فحدّث بعضهم بكذا، وبعضهم بكذا.
على كل حال: هذا الحديث عند أصحاب الإمام أحمد حديث تقوم به الحجة، وينفذ به الحكم.
يقول: "رأى رجلًا يصلي خلف الصف وحده"، "وحده" حال من فاعل يصلي، "وخلف الصف" أيضًا ظرف وهو في موضع نصب على الحال: "يصلي حال كونه خلف الصف"، وحال كونه وحده، "فأمره أن يعيد الصلاة" الفاء هنا للسببية، يعني: أمره النبي ﵊ أن يعيد الصلاة التي صلاها خلف الصف.
الحديث واضح، ولكن هل الصف تام أم لم يتم؟ يحتمل أن يكون تامًّا، ويحتمل أن يكون غير تام، إن كان غير تام فإن بطلان صلاته واضح؛ لأنه صلى وحده بدون عذر، وإن كان تامًّا فإنه على رأي بعض أهل العلم أيضًا تبطل الصلاة ولو كان الصف تامًّا، وإذا قام الاحتمال بطل الاستدلال، فلا يمكن أن يستدل بهذا الحديث على أن من صلى خلف الصف ولو كان الصف تامًّا بطلت صلاته؛ وذلك لأن الحديث ما بين فيه، بل قد يتراءى للإنسان يصلي خلف الصف وحده، كلمة "وحده" قد يتراءى للإنسان أن الصف الذي سبقه لم يتم ولكن هذا ضعيف.
فالحاصل: أن عندنا الآن أن الصف تام احتمال، وأن الصف لم يتم احتمال آخر، الرسول ﵊ أمر الرجل أن يعيد الصلاة لا لكونه صلى وحده، ولكن لسبب آخر؛ لأن القضية عين، وليست كلامًا عامًا، قضية أنه رأى رجلًا يصلي خلف الصف، "فأمره أن يعيد الصلاة" يحتمل أمره لأنه رآه أخل بشئ آخر فأمره أن يعيد لأجله، هذا الاحتمال وارد لكنه ضعيف يضعفه أن الفاء في قوله: "فأمره" تشي للسببية، ولو أحلنا سبب الأمر على أمر غير موجود لكنا ألغينا سببًا موجودًا وادعينا سببًا غير موجود، انتبهوا لهذه؛ لأننا سننتقل إلى حديث آخر أعظم منه خطورة، من ادعى أن قوله: "فأمره أن يعيد الصلاة" إنما هو لسبب آخر غير كونه
стр. 866
صلى خلف الصف نقول: هذا ضعيف لا يصح، لماذا؟ لأنه ألقى السبب الموجود وادعى سببًا غير موجود مفقود، نظير هذا ما ثبت في الصحيحين: "أن امرأة مخزومية كانت تستعير المتاع فتجحده، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها". هذا لفظ حديث، الحنابلة يقولون: في هذا دليل على أن جاحد العارية يقطع، من استعار شيئًا ثم جحده وثبتت عنده قطعت يده، حجتهم: أن السبب الذي جاء مرتبًا عليه الأمر بالقطع هو جحد العارية، ومن لا يرى ذلك وهم الأئمة الثلاثة يقولون: إنها قطعت بغير هذا كانت تستعير المتاع فتجحده فسرقت، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها، وهذا ضعيف؛ لأن فيه إلغاء للسبب الموجود المذكور، وادعاء لسبب مفقود غير موجود، ولو كانت العلة السرقة لما كان لقوله: "كانت تستعير المتاع فتجحده" فائدة إطلاقًا، هم يقولون: إن فائدته التعريف إنها المرأة المعروفة التي تستعير وتجحد، وأن هذا المقصود تعيينها، فيقال: فلانة بنت فلان، وهذا أبلغ في التعيين من قوله: "امرأة مخزومية تستعير المتاع فتجحده".
المهم: أنه لا شك أن عندنا في هذا الحديث أن سبب أمر الرسول ﷺ هذا الرجل أن يعيد الصلاة أنه صلى وحده خلف الصف، يبقى النظر الآن فيما إذا كان هناك احتمال أن يكون الصف تامًّا أو غير تام، وهذا منشأ الخلاف بين شيخ الإسلام ابن تيمية والمشهور من المذهب، المشهور من المذهب أنهم يقولون: إنه تبطل صلاته مطلقًا اتم الصف أو ما تم ويلزمه الإعادة، وشيخ الإسلام يقول: إذا كان الصف تامًّا فإنه لا يلزمه الإعادة.
في هذا الدليل على وجوب تعليم الجاهل، أما على النبي صلي الله عليه وسلم فلا شك أنه واجب ولوو كان أمرًا مستحبًّا؛ لأنه لو لم يبلغ الناس بالأمر المستحب فلا يعرفونه، لكن الكلام هل نأخذ من هذا الحديث وجوب تعليم الجاهل بالنسبة لغير الرسول؟ نقول: إنه لا يؤخذ، لأن المعروف عن الأصوليين أن مجرد الفعل لا يدل على الوجوب، لكننا نأخذ وجوب تعليم الجاهل من دليل آخر من قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الَّذين أوتوا الكتاب لتبيننَّه للنَّاس ولا تكتمونه﴾ [آل عمان: ١٨٧].
ومن فوائد هذا الحديث: بطلان صلاة المنفرد خلف الصف؛ لقوله: "فأمره أن يعيد الصلاة"، وهذا هو الصحيح، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى القول بصحة صلاة المنفرد وحملوا الأمر بالإعادة هنا على أنه ليس للوجوب ولكن للإستحباب، والصواب أنه للوجوب.
ويستفاد من هذا الحديث: وجوب المصافة؛ لأن الإلزام بإعادة الصلاة لتركها يدل على وجوبها وهو كذلك.
стр. 867
ومن فوائده أيضًا: الإشاة إلى الحكمة من إيجاب صلاة الجماعة وهي أن الناس يكونون متصافين بعضهم إلى جنب بعض حتى يشعروا بالوحدة والإلفة.
وممن فوائده: على المشهور من مذهب الإمام أحمد أن من صلى خلف الصف ولو كان الصف تامًّا وجبت عليه الإعادة، وهذا إن صحَّ أنه لم يجد مكانًا في الصف، أمَّا إذا لم يصح فالمسألة محتملة ولا دليل فيها، ولكن على تقدي صحة هذه اللفظة نقول: هو دليل على أن يعيد ولو كان الصف تامًّا؛ أمَّا شيخ الإسلام فيقول: إنه تجب المصافة، ولكن إذا لم يستطع أن يصف فإنه واجب غير مقدور عليه، والواجب غير المقدور عليه يسقط لقوله تعالى: ﴿فاتَّقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]. وقال: إنه مما يدل على ذلك أن المرأة أجازت الشريعةة أن تقف وحدها، لماذا؟ لتعذر وقوفها مع الرجال شرعًا فيقول بالقياس، إذن التعذر الحسي كالتعذر الشرعي، فلمَّا كان التعذر الشرعي مسقطًا لهذا الواجب فالتعذر الحسي من باب أولى، وما ذهب إليه الشيخ أصح؛ أي: أنه واجب، ولكن يسقط بالعجز.
٣٣٩ - وله عن طلق بن عليٍّ ﵁: "لا صلاة لمنفرد خلف الصَّفِّ".
- وزاد الطَّبرانيُّ في حديث وابصة: "ألا دخلت معهم أو اجترررت رجلًا؟ ".
قوله: "وله" أي: ابن حبان؛ لأنه أقرب مذكور، "لا" نافية للجنس، و"صلاة" اسمها و"منفد" خبرها، و"خلف الصف" متعلق بمنفرد، قوله "لا صلاة" ذكنا فيما سبق أن ما نفاه الشع فيحمل أولا على نفي الوجود؛ لأنه هو الأصل، الأصل في النفي أن يكون نفيًا للحقيقة، فإن لم يكن فهو على الصحة، ويكون النفي هنا للوجود الشرعي لا الحسي، فإن لم يكن فعلى الكمال، ومن ادعى أن هذا النفي لنفي الكمال مع إمكان أن يكون لنفي الصحة لم يقبل، ومن ادّعى أنه لنفي الصحة مع إمكان نفي الوجود فلا يقبل؛ لأن المسألة مرتبة هنا "لا صلاة لمنفرد" ذهبت الأئمة إلى أن المراد بقوله: "لا صلاة": لا صلاة كاملة للمنفرد، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وقالوا: إن النفي يأتي للكمال كما في قوله: "لا صلاة بحضرة طعام" فإن
стр. 868
الإنسان لو صلى بحضرة طعام فصلاته صحيحة، فكذلك "لا صلاة لمنفرد" يعني: لا صلاة كاملة لمنفرد، وهذا مردود لوجهين:
الوجه الأولك أن خلاف الأصل كما قلنا.
الوجه الثاني: أمره بالإعادة يجل على أنه نفي للصة وليس نفيًا للكمال.
قال: وزاد الطبراني: "ألا دخلت معهم". "ألا" أداة عرض، أما "هلا" و"لولا" فهما أداة تحضيض، والفرق بين العرض والتحضيض: أن العرض طلب برفق، والتحضيض، طلب بإزعاج وشدة، فالعرض يعرض عليك شئت أو لم تشأ، وأما التحضيض فإنه يحثك، قال: "ألا دخلت معهم" ويجوز اان يكون المراد بها هنا: الأداة أداة عض، ولكن المراد بها التحضيض؛ لأن أدوات المعاني ينوب بعضها عن بعض، "ألا دخلت معهم" أي: مع الناس، وهذا يقتضي أن يكون هناك شيء يمكن أن يدخل فيه؛ لأن الرسول ﷺ لا يمكن أن يقول: "ألا دخلت معهم" وليس فيه مكان، إذ إنَّ هذا أمر بما لا يمكن.
"أو اجتررت أحدًا" أي: ليجع معه، "اجتررته" يعني: جذبته إلى الصف الثاني ليتأخر، وهذه الزيادة ضعيفة، لكنه يستأنس بها في قوله: "ألا دخلت معهم" على أن الصف غير تام ..
ولهذا اختلف العلماء في هذه المسألة هل يجر أو لا يجر؟ فقال الشافي وجماعة: إنه يجره بناء على أن هذا الحديث صحيح، أما أصحاب الإمام أحمد فكرهوا ذلك، وقالوا: لا يجره، ولكن ينبهه بالقول، أما أن يجره أي: يجذبه فإن هذا مكروه، إنَّما تنبهه بالقول، والصحيح أنه لا يجذبه لا بالقول ولا بالفعل؛ وذلك لأن في جذبه -كما قررنا- مفاسد كثيرة:
الأولى: تأخيره من المكان الفاضل إلى المكان المفضول. والثانية: التشوي عليه.
والثالثة: فتح فرجة في الصف. والرابعة: حركة الصف بسبب هذه الفرجة، وما دام الأمر ليس في الشرع ما يدل على وجوبه فإن الأصل أن التصرف في الغير ممنوع إلا بدليل.
المشي إلى الصلاة بالسكينة والوقار:
٤٠٠ - وعن أبي هريرة ضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: "إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصَّلاة وعليكم السَّكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكو فأتمُّوا". متَّفقٌ عليه، واللَّفظ للبخاريِّ.
"إذا سمعتم الإقامة"، المراد بها إقامة الصلاة، وقوله: "فامشوا" هذا جواب الشرط، وأين الشرط؟ هو قوله: "إذا سمعتم"، وقوله: "فامشوا إلى الصلاة" يعني: امشوا المشي الذي قيّده في هذا الحديث، وهذا لا ينافي قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذين ءامنوا إذا نودي للصَّلاة من يوم الجمعة
стр. 869
فاسّعوا إلى ذكّر الله﴾ [الجمعة: ٩]. حيث إن ظاهر الآية ينافى ظاهر الحديث، الآية أمرٌ بالسعي، والحديث أمر بالمشي، والمراد بالسعي في الآية: الإسراع والمبادرة، وليس المراد بذلك أنك تمشي مسرعًا.
وقوله: "فامشوا إلى الصلاى وعليكم السكينة" "السكينة" مبتدأ، و"الوقار" معطوف عليه، والخبر قوله: "عليكم"، والجملة في موضع نصب على الحال من الواو في قوله: "امشوا".
هل يجوز أن نقول: "وعليكم السكينة والوقار" ونجعل "عليكم" اسم فعل أمر أو لا يجوز؟ ييجوز إذا لم تمنع منه الرواية؛ ولهذا قال العلماء: يجوز فيها النصب على أن "عليكم" اسم فعل أمر، ولكن الحديث بالرفع، والمعنى: أن السكينة تكون عليكم.
السكينة والوقار هل هما لفظتان مترادفتان أو لفظتان متغايرتان؟ تقدم لنا مرارًا أن الأصل في العطف المغايرة، وعلى هذا فهما لفظتان متغايتان، فما وجه التغاير بينهما؟ السكينة في الجوارح، والوقار في القلب، السكينة في الجوارح يعني: يتحرك حركات غير مناسبة، والوقار بالقلب والهيئة يكون وقورًا كأنَّما ذهب إلى محل حياء وخجل وشرف هكذا ينبغي.
وقوله: "علكم السكينة والوقار ولا تسرعوا" "لا" نافية، ولهذا جزمت الفعل بحذف النون، والواو فاعل، " ولا تسرعوا في المشي" وليس لا تسرعوا في التجهيز للصلاة، بل "لا تسرعوا في المشي"؛ لأن الإسراع ينافي السكينة والوقار.
"فما أدركتم فصلوا" "ما" هذه شرطية، وفعل الشرط "أدركتتم"، وجوابه: "فصلوا" أي: فما أدركتم من الصلاة مع الإمام فصلوا، "وما فاتكم فأتموا" ما فاتكم يعني: من صلاة الإمام، "فأتموا" أي: فأتوا بإتمامها.
ففي هذا الحديث: يأمر النبي ﵊ أمته إذا سمعوا الإقامة للصلاة أن يذهبوا إليها بهذا الوصف بسكينة الجوارح، ووقار القلوب والهيئة، وألا يسرعوا؛ لأن ذلك ينافي الأدب، فأن إذا خرجت من بيتكفإنكك تخرج لتقف بين يدي الله في بيت من بيوته، فينبغي أن تكون ملتزمًا بهذا الوصف الذي بيَّنه النبي ﷺ ، وأنت حينما تخرج من بيتك متوضئًا ومتطهرًا فإنك لا تخطو خطوة إلا رفع الله لك بها درجة، وحطَّ عنك بها خطيئة، إذن فأنت في عبادة، وعليه فلا ينبغي لمن كان في عبادة أن يكون غير وقور ولا ساكن.
ويقول لنا رسول الله صلة الله عليه وسلم: "لا تسرعوا"، لأن الإسراع أو العجلة خفة في المرء، وعدم أدب ووقار، فلا ينبغي أن يكون كذلك.
ثم يرشدنا ﵊ إلى الدخول مع الإمام على أي حال وجدناه: "فما أدركتم
стр. 870
فصلوا" ولا تنتظروا، تجده ساجدًا تقول: أنتظر حتى يقوم، لا، الذي تدرك صله، فإن كان الذي أدركت مما تدرك به الركعة مثل الركوع فقد أدركت، وإلا فلا.
"وما فاتكم فأتموه" هل "أتموه" أم أتموا الصلاة لتأتوا بالواجب؟ الثاني؛ لأن الذي فات فات، ولكن المعنى: أتموا الصلاة.
يستفاد من هذا الحديث فوائد كثيرة؛ منها: أن الإقامة تسمع من خارج المسجد لقوله: "إذا سمعتم الإقامة"، ويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للمقيم أن يرفع صوته بها، لا يقول: إن العدد الحاضر قليل يكفيهم أدنى صوت ليس الأمر كذلك بل يرفع صوته ليسمع من خارج المسجد.
ويستفاد من هذا: أنه لا بأس أن ترفع الإقامة من مكبر الصوت؛ لأنه إذا رفعت من مكبر الصوت سمعه الناس وحضروا، كما أن النداء ليوم الجمعة الذي أنيط به الحكم بالحضورية يسمع من خارج المسجد، ويكون بمكبر الصوت.
يقول بعض الناس: إنه يحصل بذلك مفسدة، والمفسدة هي أن الناس يتأخرون في بيوتهم إلى الإقامة.
والجواب على ذلك: أنه لا يلزمهم الحضور إلا إذا سمعوا الإقامة لقوله: "إذا سمعتم الإقامة"، ما قال: "إذا أذن".
ولكن هل نقول: إنه إذا كان محله بعيدًا بحيث يكون حضوره أو وصوله إلى المسجد بمنزلة حضور من سعى عند سماع الإقامة، فهل يلزمه أن يتقدم كما قال العلماء ﵏ فيمن كان منزله بعيدًا يوم الجمعة: إنه يجب عليه أن يسعى إلى الجمعة، وإن لم يسمع المؤذن إذا كان مكانه بعيدًا بحيث يدرك الخطبة والصلاة؟
يحتمل هذا، ويحتمل أن يبقى الحديث على عمومه، ويقال: لا يجب السعي إلى الصلاة إلا بسماع الإقامة.
ويستفاد من هذا الحديث: مشروعية الإقامة لقوله: "إذا سمعتم الإقامة"، وما حكم الإقامة؟ تقدم لنا أنها فرض كفاية، لأن الرسول ﷺ أمر بها فقال: "فأذنوا وأقيموا".
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي المشي إلى لاصلاة بدون إسراع لقوله: "فامشوا ولا تسرعوا"؟
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان الذي يسعى إلى الصلاة أن يكون عليه السكينة والوقار.
ومن فوائده: تعظيم شأن الصلاة، من أين تؤخذ؟ حيث أمر الماشي إليها أن يكون على هذه الهيئةمن السكينة والوقار، وهذا دليل على تعظيم شأنها.
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان يدخل مع الإمام حيثما وجده لقوله: "فما أدركتم فصلوا".
стр. 871
استحباب الكثرة في الجماعة:
٤٠١ - وعن أبيَّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة الرَّجل مع الرَّجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرَّجلين أزكى من صلاته مع الرَّجلن وما كان أكثر فهو أحب إلى الله ". رواه أبو داود، والنَّسائيُّن وصحَّحه ابن حبَّان.
قوله: "صلاة" مبتدأ، و"أزكى" خبر، والظرف "مع" حال أزكى، يعني أكثر أجرًا، مأخوذ من الزكاة وهو النمو فهو أكثر أجرًا.
وقوله: "وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل" يعني: أكثر أجرًا، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله إذن صلاته مع الثلاثة أزكى من رجلين، ومع الأربعة أزكى من الثلاثة وهكذا.
هذا الحديث يخبر الرسول ﵊ فيه أن الجماعة أكثر من الانفراد، لماذا؟ حثًا للأمة على الجماعة، وعلى كثرة الجمع، فإذا كانوا مثلًا طائفة تتكون من عشرة رجالن وقالوا سنصلي خمسة وخمسة ماذا نقول؟ هذا خطأ؛ لأن الجماعة ربما تحصل بخمسة وخمسة، لكن ما كان عشرة فهو أحب إلى الله من خمسة، فاجتمعوا لأن الشرع يحب الاجتماع.
يستفاد من هذا الحديث فوائد: أولها: أن الجماعة ليست شرطًا لصحة الصلاة، من أين تؤخذ؟ من قوله: "صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده"، وجد الدلالة: أن التفضيل يدل على أن الطرفالمفضل عليه فيه زكاة، ولو كان فاضلًا ما حصل فيه زكاة.
ويستفاد منه: أن صلاة الجماعة ليست بواجبة؛ لأن الرسول صلى الله عيله وسلم قال: "أزكى" لكن الحديث ليس فيه دليل على عدم الوجوب؛ لأن الرسول ﷺ إنما يخبر هنا عن فضل الجماعة وفضلها لا أنه ينفي وجوبها؛ إذ إن الفضل يكون في الواجب ويكون في أوجب الواجبات، قال الله : ﴿يا أيُّها الَّذين ءامنوا هل أدلُّكم على تجارةٍ تنجيكم من عذابٍ أليمٍ (١٠) تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل اللع بأموالكم وأنفسكم﴾ [الصف: ١٠ - ١١]. ومع ذلك الإيمان من أوجب الواجبات، وكذلك قال تعالى في صلاة الجماعة: ﴿يا أيُّها الَّذين ءامنوا إذا نودي للصَّلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خيرٌ لكم﴾ [الجمعة: ٩ - ١٠].
فالمهم: أن ترتيب الفضل على العمل لا يدل على الوجوب، لكن لا يدل على عدم الوجوب أيضًا، وبينهما فق؛ لأننا إذا قلنا: يدل على عدم الوجوب، فمعناه أنه يعارض الأدلة
стр. 872
الدالة على الوجوب، وإذا قلنا: لا يدل على الوجوب فمعناه: أنه بالنسبة للأدلة الدالة على الوجوب غير معارض؛ يعني: إثبات الفضل للشئ لا يدل على عدم وجوبه، بل يكون بالنسبة للوجوب أقرب.
ومن فوائد الحديث: أن الجماعة تنعقد باثنين، من أين تؤخذ؟ من قوله: "مع الرجل أزكى .. ".
ومن فوائده: أن الجماعة لا تنعقد بامرأة؛ أي: رجل وامرأة، من أين يؤخذ؟ من قوله: "صلاة الرجل مع الرجل"، مع أن المشهور من المذهب: أن الجماعة تنعقد بالأنثى، ويمكن الجواب عن هذا الحديث: بأنه مفهوم لقب وليس مفهوم صفة، ومفهوم اللقب ليس قيدًا، وليس بحجة، فالرجل ليس معناه دون المرأة لكن هذا علق بالرجل؛ لا لأنه رجل والمرأة ليست كذلك، بل لأنه لقِّب بهذا اللقب، ومفهوم اللقب عندهم لا حجة فيه.
ومن فوائد الحديث: أنه كلما كانت الجماعة أكثر فهي أفضل، وينبني على ذلك أن نبحث هل يجب أن نذهب إلى الأكثر وندع الأقل أم لا؟ يعني: لو كنا مائة فهل الأفضل أن نتفرق ونصلي جماعة والبعض الآخر جماعة، أو نصلي جميعًا؟ قلنا: أن يصلي الجميع.
ويستفاد منه: أنه لا ينبغي كثرة المساجد في الأحياء؛ لأن هذا يؤدي إلى توزيع الجماعة وتفرقهم، والنبي ﵊ يقول: "ما كان أكثر فهو أحب إلى الله".
حكم إمامة المرأة لأهل دارها:
٤٠٢ - وعن أمِّ ورقة ﵂: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمرها أن تؤمَّ أهل دارها". رواه أبو داود، وصحَّحه ابن خزيمة.
قوله: "أمرها أن تؤم أهل داها" أي: تكون إمامة لهم، و "أهل دارها" الظاهر أن المراد به: أهل بيتها لا أهل الحي؛ لأن الدار تطلق على معنيين أحدهما: دار الإنسان الخاصة به، والثاني الدار بمعنى الحي، ومنه حديث عائشة ﵂: " أمر النبي ﷺ ببناء المساجد في الدور، وأن تنظَّف وتطيّب" في الدور يعني: في الاحياء. ومنها قولهم: دار بني فلان، أي: حيُّهم.
وهذا الحديث اختلف العلماء ﵏ في صحته، وفي حكمه؛ فذهب بعض أهل العلم إلى تضعيفه؛ لأنه من رواية عبد الرحمن بن خلاَّد وهو مجهول، وذهب بعضهم إلى تصحيحه، وقالوا: إنه مجهول، لكنه قد بينت حاله وعرفت، ودعوى الجهالة ليست بقائمة لمن قال بصحة الحديث.
يستفاد من هذا الحديث: مشوعية الجماعة للنساء، وأنه ينبغي للنساء أن يصلين جماعة
стр. 873
منفردات عن الرجال، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد؛ حيث قالوا: إنه يسن إقامة الجماعة للنساء بشرط أن يكن منفردات عن الرجال، وقال بعض العلماء: إن هذا الحديث لا يصح، وأنه لا يشرع للنساء أن يصلين جماعة، نعم يباح لهن الخروج مع الرجال لكن لا يشرع. فالمسألة ليست بتلك القوة التي يجزم الإنسان فيها باستحباب صلاة النساء جماعة؛ لأن مثل هذه المسألة مما تتوفر الدواعي على نقله لو أنها ثبتت، وإنما الجماعة للرجال كما ثبت في الحديث الأول عن أبي هريرة: "أنطلق إلى رجال لا يشهدون الجماعة"، فالأصل في مشروعية الجماعة للرجال، فإن صلين جماعة فهذا خير، ولا ينكر عليهن، وإن لم يفعلن فلا يقال إنهن تركن مشوعًا، وأكثر ما ينتفع النساء في ذلك إذا كن في مدرسة كما يفعلن الآن، فإن النساء في المدارس يصلين جماعة، ويكون في هذا خير؛ لأنهن يتعلمن كيفية الصلاة المشروعة بالطمأنينة وعدم السرعة ويألف بعضهن بعضًا، وهذا الآن هو الموجود؛ يعني: أنهن يصلين جماعة.
حكم إمامة الأعمى:
٤٠٣ - وعن أنس ﵁: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ استخلف ابن أمِّ مكتوٍم، يؤمُّ النَّاس وهو أعمى". رواه أحمد، وأبو داّود.
"ابن أم مكتوم" اسمه: عبد الله، وقيل: عمر، وكان أحد المؤذنين لرسول الله ﷺ ، قال: "استخلفه يؤم الناس" أي: يصلي بهم إمامًا، استخلفه على أي شيء؟ على المدينة، استخلفه ﵊ عدة مرات -إذا خرج في غزو- على المدينة في رعاية شئون الناس، وكذلك أيضًا في إمامتهم، وكذلك قوله: "وهو أعمى" هذه جملة حالية حال من المفعول به في قوله: "ابن أم مكتوم"، ويجوز أن تكون حالًا من فاعل "يؤم"، والحال أنه أعمى لكننا إذا جعلناها حالًا من المفعول صارت أعم، يعني: صاررت وصفًا له في الاستخلاف وفي الصلاة؛ أي: الإمامة.
فيستفاد من هذا الحديث: جواز استخلاف الأعمى في الحكم.
ويستفاد منه: ضعف من اشترط في القاضي أن يكون بصيرًا، وهذا هو المشهور من المذهب، أي: أنه يشترط أن يكون القاضي بصيرًا، وأن قضاء الأعمى لا يصح إلا إذا دعت إليه الضرورة، وهذه المسألة هل عليها عمل الآن أو لا؟ لا، ليس عليها عمل الآن؛ لأن المسلمين الآن يولون القضاء من هو أعمى، وإن كان يوجد غيره، وهذا هو الصحيح؛ بمعنى: أنه يجوز تولية القاضي وهو أعمى كما استخلف الرسول ﵊ ابن أم مكتوم وهو أعمى.
стр. 874
ومن فوائد الحديث: جواز إمامة الأعمى، وهذا هو الشاهد من الحديث؛ فيجوز أن يؤم الناس وهو أعمى، لكن إذا كان نائبًا عن الإمام الراتب فإنه لا ينظر هل هو أقرأ الناس أو ليس أقرأهم؛ لأنه نائب مناب الأصل، أما إذا كنا نريد أن نصلي جماعة وليس لدينا إمام راتب فإنه كما سبق: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله"؛ فإنه إذا كان أقرأهم قدِّم ولو كان أعمى، لكن لو استويا في جميع الصفات إلا العمى والبصر يقدَّم البصيرفهو أولى كما قاله الفقهاء ﵏.
ومن فوائد الحديث: منقبة ابن أم مكتوم ﵁، وأنه لثقة الرسول ﵊ به في دينه وقوته كان يخلفه، وهل نأخذ منه أنه لا يجب الجهاد على الأعمى؟ ليس بظاهر؛ لأنه قد يقال: لو فرض أنه واجب عليه، فإنه تخلف بأمر الرسول ﵊ كما تخلف عثمان ﵁ في تمريض ابنة الرسول -علية الصلاة والسلام-.
ويستفاد منه: جواز نسبة الرجل إلى أمه إذا اشتهر بذلك، ولم يرغب عنه، ومنه: "عبد الله ابن بحينة"، فإن بحينة هي أمه، ومنه: "عبد الله بن أبي ابن سلول"، فإن سلولًا أمه، وأبيُّا أبوه.
٤٠٤ - ونحوه لابن حبَّان: عن عائشة ﵂.
قوله: "ونحوه" أي: نحو هذا الحديث، والنحو عند العلماء يأتي بممعنى: المثل، ومنه علم النحو، فإنه سمي علم النحو، أي: علم المثل؛ لأنه يقال: إن أبا الأسود الدؤلي كتب قواعد أول ما بدأ في علم النحو حين اختلف اللسان، فكتب قواعد مبسطة وعرضها على علي بن أبي طالب ضي الله عنه فقال علي: "انح نحو هذا" يعني: اسلك مثله: فالنحو والمثل والشبه ووما أشبهه، كله بمعنى واحد.
٤٠٥ - وعن ابن عمر رضي الله قال: قال رسول الله ﷺ : "صلُّوا على من قال: لا إله إلا الله، وصلُّوا خلف من قال: لا إله إلا الله". رواه الدَّارقطنيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ.
هذا الحديث -كما قال المؤلف- إسناده لا يصح، لكن ننظر إلى معناه: "صلوا على من قال: لا إله إلا الله" متى؟ إذا مات، و"صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله" أي: ليكن إمامًا لكم، فالأول: "صلوا على من قال: لا إله إلا الله". أي من قالها بلسانه معتقدًا لها في قلبه، وأمَّ من قالها نفاقًا فإن الله قال: ﴿ولا تصل على أحدٍ منهم مَّات أبدًا ولا تقم على قبره﴾ [التوبة: ٨٤]. فإذا علمنا أنه قالها نفاقًا فإنه لا يصلى عليه، وكذلك "صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله" من قالها بقلبه ولسانه لا من قالها مناففقًا فإنه لا يصلى خلفه؛ لأن الصلاة خلفه لا تصح.
ولما كان هذا الحديث صحيحًا -على الرغم من إسناده- فإننا نستفيد منه ما يلي: وجوب الصلاة على الميت المسلم لقوله: "صلوا" والأمر للوجوب هل هو فرض عين أو فرض
стр. 875
كفاية؟ فرض كفاية؛ لأنه لا يجب على كل واحد أن يصلي إذن يسقط بواحد، لو صلى عليه واحد من الناس كفى، ولو امرأة؟ نعم كفى ولو امرأة، لأنها من المسلمين.
ويستفاد منه عن طريق المفهوم: أنه لا يصلى على الكافر، من أين يؤخذ؟ من قوله "على من قال: لا إله إلا الله"، فالكافر لا يصلَّى عليه، ويؤيده قوله تعالى: ﴿ولا تصلِّ على أحدٍ منهم مَّات أبدًا﴾.
ويستفاد من هذا الحديث: جواز الصلاة خلف الفساق لقوله: "صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله"، وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، فقال بعض العلماء: إنه لا تصح الصلاة خلف فاسق سواء كان فسقه بالاعتقاد، أو كان فسقه بالأقوال، أو كان فسقه بالأفعال، أما في الاعتقاد فأن يعتقد خلاف ما كان عليه السلف فيما يتعلق بالإيمان بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والنبيين، والقدر خيره وشره فإنه صدق، هذا إذا لم يفعله عن تأويل سائغ، فإن فعله عن تأويل سائغ لم يكن فاسقًا، الفاسق بالأقوال مثل القاذف، والفاسق بالأفعال مثل الغاش في بيعه، وما أشبه ذلك.
الدخول مع الإمام على أي حال أدركه:
٤٠٦ - وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدكم الصَّلاة والإمام على حالٍ، فليصنع كما يصنع الإمام". رواه التَّرمذيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ.
"إذا أتى أحدكم الصلاة" يعني: التي يريد أن يصليها مع هذا الإمام، "والإمام على حال" الجملة هذه في محل نصب على الحال، يعني: والحال أن الإمام على حاله قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا أو قاعدًا، "فليصنع" هذا جواب الشرط؛ ولهذا قرن بالفاء، ومعلوم أن جواب الشرط هنا يجب اقترانه بالفاء؛ لأنه صا طلبيًّا وجب قرنه بالفاء، وعلى هذا قول الشاعر الذي نظم المواضع التي يجب فيها ارتباط الجواب بالفاء، يقول:
اسميَّةٌ طلبيَّةٌ وبجامد ... وبما وقد وبلن والتَّنفيس
"فليصنع كما يصنع الإمام"، "كما" "الكاف" لا شك أنها حرف جر، لكن "ما" التي بعدها هل هي مصدرية أو اسم موصول؟ الجواب: أنها يجوز أن تكون مصدرية، ويجوز أن تكون اسمًا موصولًا ولكن لو ذكر العائد لتعين أن تكون اسمًا موصولًا، لو قال: كما يصنع الإمام لتعين أن تكون اسمًا موصولًا؛ لأن الضمير لا يعود إلا لى اسم، ولما لم يذكر العائد جاز أن
стр. 876
تكون مصدرية، يعني: حرف مصدر؛ أي: "فليصنع كصنع الإمام"، وهذا الحديث معناه واضح وهو: أن المشروع في حق الإنسان الآتي إلى الصلاة أن يدخل مع الإمام على أي حال يجده ولكنه -كما ترونه- ضعيف السند لكنه صحيح المتن. فإنه سبق أن الرسول ﵊ قال: "إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة ولا تسرعا، فما أدركتم فصلوا"، إذن معناه: أننا إذا أتينا والإمام على حال نصنع كما يصنع الإمام، لا نقول: إن هذا الجزء من الصلاة لا تدرك به الركعة فلا تدخل مع الإماام فيه كما يفعله بعض العامة: إذا جاء والإمام ساجد قال: هذا ليس ينفعني فلن أدخل مع الإمام، نقول: أنت الآن خالفتالسُّنة وحرمت نفسك الثواب؛ لأنك إذا سجدت لله قد تكون هذه السجدة سببًا في أن يرفعك الله بها درجات فلا تحرم نفسك هذه السجدة، وهو أيضًا فيه ذكر وفيه دعاء، والجلوس بين السجدتين فيه دعاء فكيف تحرم نفسك، لكن الشيطان بدخل على بني آدم فيجعله واقفًا والإمام ساجدًا يقف فقط ليحرم نفسه الخير، لا يدخل مع الإمام، وهذا خطأ مخالف للسُّنة وحرمان لنفسه من الأجر، فالدخول معه على أي حال هو السُّنة.
يستفاد هذا لاحديث على ما فيه من ضعف: أن الإنسان لا ينبغي له أن ينفرد عن الجماعة حتى فيما لا يدرك الجماعة فيه؛ لقوله: "فليصنع كما يصنع الإمام"، وهل يؤخذ منه أنك تدخل مع الإمام وإن لم تدرك الصلاة جملة، ولا تقل أذهب إلى مسجد آخر أو لا تدخل؟ يعني: جل عرف أنه الآن في التشهد الأخير وعرف أن هناك مسجدًا آخ يدرك الجماعة كاملة فهل نقول: ادخل معه أو لا تدخل معه؟ إن نظرنا إلى ظاهر اللفظ قلنا: يدخل معه ويكون هذا الرجل اتقى الله ما استطاع، ويكون فعل ما أمر به وكونه يدرك أو لا يدرك هذا شيءٌ آخر، وإذا نظرنا إلى أن الجماعة واجبة، ولابد من إدراكها قلنا له: الآن لا يستفيد بها الدخول شيئًا من إدراك الجماعة فاذهب إلى المسجد الآخر، ولكن إذا قال: أنا لا أدري هل أدرك مسجدًا آخر أو لا؟ نقول له: ادخل مع الإمام ولو في التشهد الأخير، وكونك تدرك شيئًا من الصلاة خير لك من ألَّا تدرك شيئًا أبدًا.
*******
١١ - باب صلاة المسافر والمريض
الإضافة هنا من باب إضافة الشيء إلى نوعه؛ لأان المسافر له صلاة تخصه، والمريض له صلاة تخصه، لكنها بالنوع والكيفية لا في الأصل.
حقيقة السفر ومعناه:
وقوله: "صلاة المسافر" المسافر مطلق، والسف هو الخروج والبروز، ومنه إسفار الصبح؛
стр. 877
لأنه يبرز ويخرج، ولهذا قال علماء اللغة: إن السفر: "مفارقة محل الإقامة" وسماه الله في القرآن الكريم سفرًا، وسمَّاه ضربًا في الأرض، فقال تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفرٍ أو جاء أحدٌ منكم من الغآئط﴾ [النساء: ٤٣]. وقال: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفرٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]. وسمَّاه ضربًا في الأرض كما في قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض ... ﴾ الآية [النساء: ١٠١]. وقال تعالى: ﴿وآخرون يضربون في الأرض ... ﴾ [المزمل: ٢٠]. المهم من هو المسافر؟ من فارق محل إقامته، أمَّا من نوى أن يفارق ولم يخرج فليس بمسافر لا يكون إلا إذا ضرب وخرج.
وقوله: "والمريض" المريض ضد الصحيح، والمراد هنا: مريض البدن، والمرض -كما سبق- مرضان: مرض القلب، نسأل اله العافية، ومرض البدن.
قصر الصلاة في السفر وحكمه:
٤٠٧ - عن عائشة ﵂ قالت: "أوَّل ما فرضت الصَّلاة ركعتين، فأقرَّت صلاة السَّفر وأتمَّت صلاة الحضر". متَّفق عليه.
قولها: "أول ما فرضت الصلاة" "أول" مبتدأ، ومقتضى الجملة أن يكون الخبر قولها: "ركعتان"، ولكن الخبر محذوف تقديره "أول ما فرضت الصلاة فرضت ركعتين"، فالخبر إذن محذوف، و"ركعتين" حال من نائب الفاعل من قولها: "فرضت"، قولها: "فرضت" الفرض في اللغة: "القطع" وأمَّا في الشرع فإنه: ما أم به على سبيل الإلزام، فخرج بقولنا: "ما أمر" المباح والمكروه والحرام، ودخل المستحب، فلمَّا قلنا: "على سبيل الإلزام" خرج المستحب، إذن على هذا التعريف الفرض والواجب بمعنى واحد وهذا هو الصحيح، وهو مذهب الإمام أحمد، وقال بعض العلماء: بل بينهما فرق، فالفرض: ما كانت الأدلة فيه قطعية في الثبوت وفي الدلالةفهذا فرضٌ، وما كانت الأدلة فيه ظنية فهو واجب، والصواب ظانه لا فرق بينهما، لأن الكل يأثم بتركه ويؤجر لفعله.
وقولها: "الصلاة" المراد بها الفريضة وهي خمسن وقولها: "ركعتين" إلى متى؟ إلى أن هاجر النبي ﷺ يعني: ثلاث سنوات أو سنة حسب اختلاف أهل العلم في النعراج بقى المسلمون يصلون ركعتين ركعتين غلا المغرب، فلما هاجر النبي ﵊ زيد في صلاة الحضر، "فأقرت صلاة السفر" يعني: بقيت ركعتين، وهنا يشكل الأمر؛ لأن منَّا من يسمي صلاة السفر قصرًا وهي الآن على مقتضى هذا الحديث ليست بقصر، وإنَّما صلاة الحضر زيادة، فنقول: تسميتها قصرًا أمر نسبي ليس على سبيل الحقيقة، وإلا الحقيقة: أنها لم تقصر بل بقيت
стр. 878
على الفريضة الأولى، لكن بالنسبة إلى صلاة الحضر التي زيد فيا إلى الأربع صارت قصرًا، والله يقول: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصَّلاة﴾ [النساء: ١٠١].
وقولها: "أقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر" في بعض الألفاظ: "وزيد في صلاة الحضر" وهو أوضح من قولها: "وأتمَّت"، لكن قولها: "وأتمت" أيضًا على سبيل الأمر النسبي، "أتمت" باعتبار أن صلاة السفر ركعتان.
في هذا الحديث تذكر عائشة ﵂ أن الصلاة لها مرحلتان:
المرحلة الأولى: تساوي صلاة الحضر والسفر بأن كانت الصلاة كلها ركعتين ركعتين.
والمرحللة الثانية: الزيادة في صلاة الحضر، وبقاء صلاة السفر على الفرض الأول.
يستفاد من هذا الحديث، أولًا: مشروعية القصر في السفر، وقد تدل عليه قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصَّلاة﴾. وهذه المشروعية هل هي على سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب المؤكد الذي يكره تركه أو على سبيل الاستحباب الذي لا يكره تركه؟ في هذا خلافٌ بين أهل العلم؛ فقد ذهبت جماعة منهم أهل الظاهر وأبو حنيفة إلى أن هذه المشروعية مشروعية وجوبن وأن المسافر يجب عليه القصر، واستدلوا بهذا الحديث قالوا: لأن حديث عائشة واضح في أن صلاة السفر بقيت على الفريضة الأولى، فكما أنك لا تصلي في الحضر خمسًا فلا تصلي في السفر أربعًا يعني: كل فريضة.
استدلوا أيضًا بأن الصحابة ﵃ أنكروا على عثمان إتمامه الصلاة في منّى، فإن عثمان رضيالله عنه بقى في خلافته ست أو ثمان سنوات يقصر الصلاة، ثم بعد أتم، وخلافته كانت اثنتي عشرة سنة، ولكن الصحابة أنكوا عليه ذلك واعتذروا له، حتى إن ابن مسعود قال لما بلِّغ بهذا الأمر: "إن لله وإنَّا إليه راجعون" فجعل هذا من المصائب التي يسترجع منها.
واستدلوا أيضًا بأن الرسول ﷺ في جميع أسفاره ما أتم ولو يومًا واحدًا، بل كل أسفاه كان يقصر الصلاة، ولولا أن هذا على سبيل الوجوب ما حافظ عليه الرسول ﷺ لكان يفعل سواه يومًا من الأيام ليبيِّن للناس أنه ليس بواجب، أو يقول للناس: إنه ليس بواجب.
أما الذين قالوا: إنه مشروع على سبيل التأكيد بحيث يكره تركه فاستدلوا بهذا الحديث قالوا: إن المقصود لا يجوز تركه لكن نظرًا للخلاف في هذه المسألة نجعل الإتمام من باب المكروه وليس من باب المحرم، واستدلوا بأن عمر ﵁ سأل النبي ﷺ عن قوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصَّلاة إن خفتم أن يفتنكم الَّذين كفروا﴾ [النساء: ١٠١]. فشرط الله تعالى لجواز القصر الخوف، فقالوا: إن عمر سأل الرسول ﵊ عن هذا الشرط كيف نقصر ونحن آمنون، فقال النبي ﵊: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا
стр. 879
صدقته". قالوا: فسماها الرسول ﷺ صدقة، والصدقة ليست واجبة، وقبولها ليس بواجبن لن المصدق عليه إن شاء قبل وإن شاء لم يقبل، ولكن الذين قالوا بوجوب القصر قالوا: إن الرسول ﵊ أمر بالقبول فقال: "اقبلوا صدقته" والأصل في الأمر الوجوب.
واستدل هؤلاء الذين قالوا: إنه ليس للوجوب بأن عثمان ﵁ كان الصحابة يصلون خلفه ويتمون تبعًا له، ولو كان القصر عندهم واجبًا ما صلوا خلف إنسان خالف الفرض، ولناقشوه في ذلك حتى يعرفوا حجته في هذا الأمر، فما لم يناقشوه في هذا الأمر وتابعوه دل على عدم الوجوب، إذ إن الصحابة لا يمكن أن يوافقوا على خطأ، ولكنه سئل ابن مسعود ضي الله عنه عن كونه ينكر على عثمان ويصلي معه تمامًا فقال: "إن الخلاف شر" فعلم بهذا أنه يصلي وراءه إتمامًا درءًا للشر والتفرق على الخلافاء وأن المفسدة كبيرة جدًا لو تفارقوا وتخلَّفوا.
وأما الذين قالوا: إنه ليس بمؤكد -أي: سنة- ولا يكره تركه فقالو: إن الله يقول: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصَّلاة﴾ [النساء: ١٠١]. فنفى الجناح فقط، ونفي الجناح لا يدل على الوجوب، كما لو قلت: لا حرج أن تفعل كذا، هل معنى ذلك أن هذا الشيء يجب عليك؟ لا، ولكن هذا الاستدلال فيه نظر، لأن نفي الوجوب في هذا الدليل لا يمنع من الوجوب في دليل آخر؛ لأن الله قال في السعي بين الصفا والمروة: ﴿فمن حجَّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطَّوَّف بهما﴾ [البقرة: ١٥٨]. فإن الطواف بهما فرض واجب في الحج والاعمرة على القول الراجح، والمسألة خلافية.
المهم أن القول بالوجوب إذا استعرضنا أدلته وجدنا أنه قوي جدًا إلا أن الإنسان قد يكون في نفسه حرج من الإيجاب بسبب إقرار الصحابة ﵃ عثمان بدون مناقشة، وإلا لكان الواجب أن يناقشوه: لماذا أتممت وعمر يقصر وأبو بكر يقصر والنبي ﷺ يقصر؟ كل من قبله كانوا يقصرون، فالمسألة ما ينبغي بلا شك للإنسان المسافر أن يصلي تمامًا بل يقصر إمَّا وجوبًا وإمَّا سنة مؤكدة غاية التأكيد، وكنت أرى بالأول الوجوب لكن حصل عند تردد في آخر الأمر، وقلت: إن قولها: "أقرت" على الفريضة الأولى يعني: لم تزد، وليس المعنى أنه فرض أن تكون، إنَّما أنا أرى أنه لا ينبغي للإنسان أن يتم إلا في حالة واحدة وهي إذا ائتم بمقيم بل إذا ائتم بمن يتم -هذا التعبير السليم- فإن عليه أن يتم لقوله -عليه الصلاة ولاسلام-: "ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا"، وتقدم لنا أن الصواب إذا أدرك مع الإمام ولو أقل من ركعة فإنه يلزمه الائتمام.
стр. 880
مسائل مهمَّة:
ثم هاهنا مسائل في هذا الباب، أولًا: لو أدركت الوقت وهو في البلد وسافر بعد دخول الوقت فهل نقول: إن صلاته الآن صلاة مسافر أو صلاة مقيم؟ هذا فيه خلاف بين العلماء؛ قال بعضهم: إنها صلاة مقيم؛ لأنه خوطب بها في حال الإقامة فيلزمه أن يتم، وقال بعض أهل العلم: لا يلزمه الائتمام بل له أن يصلي قصرًا؛ لأن الاعتبار في الصلاة بفعلها وهذا إنما فعلها بعد أن خرج، والآية مطلقة: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصَّلاة﴾ [النساء: ١٠١] لم يستثن الله حالًا دون حال، هذا الرجل ضرب في الأرض وأراد أن يصلي فإنه يصلي ركعتين فقط كما أنه بالعكس يصلي أربعًا، ما معنى قولنا: بالعكس؟ لو دخل عليه الوقت وهو مسافر ثم قدم إلى البلد في الوقت فيصلي صلاة مقيم، لأن العبرة بفعل الصلاة وقد صلاها في الحض فيلزمه أن يصلي صلاة مقيم، وهذا القول هو الراجح أن المعتبر فعل الصلاة، كما أنه مثل هذه المسألة لو ذكر صلاة سفر في حضر ماذا يصير؟ يصلي ركعتين فقط، والمشهور من المذهب أنه يصلي أربعًا، والصواب أنه يصلي ركعتين فقط، لأن هذه الصلاة وجبت عليه ركعتين فيصلي كعتين، ولوو ذكر صلاة حضر في سفر يصلي أربعًا؛ لأن الصلاة وجبت عليه رباعية فيجب عليه أن يصلي أربعًا، المذهب يلزمه الائتمام في الصلاة كلها هذه؛ لأنهم يغلبون جانب الحضر ﵏، ثم قال المؤلف:
- وللبخاريِّ: "ثمَّ هاجر، ففرضت أربعًا، وأقرَّت صلاة السَّفر على الأوَّل".
هاجر من مكة إلى المدينة، وكان عمره حين هاجر ثلاثًا وخمسين سنة هاجر فأقرت صلاة السفر الأول، يعني: على الفرض الأول "وزيد في الحضر".
الصلوات التي لا تقصر في السفر:
- وزاد أحمد: "إلا المغب فإنَّها وتر النَّهار، وإلا الصُّبح، فإنَّها تطوَّل فيها القراءة".
هذا استثناء، هاتان الصلاتان ما تغيرتا، المغرب ثلاثسة، لماذا؟ لأنها وتر النها؛ ثم إن قصرها كيف تكون؟ ما يمكن إذا جعلنا القصر مناصفة؛ لأن ثلاث ركعات معناها أن النصف ركعة ونصف وهذا لا يستقيم، لكن قد يقول قائل: إنها تقصر إلى ركعتين؟ فيقال تفوت الوترية وهي قولها: "وتر النهار"، وقالت "وتر النهار" احترازًا من وتر الليل، وهو الوتر الذي تختم به صلاة الليل، وقالت: "إلَّا الصبح فإنها تطوَّل فيها لاقراءة" يعني: يشرع فيها التطويل؛ يعني: كانت ركعتين وبقيت ركعتين فعوضت عن الزيادة بطول القراءة، وعليه فيكون القصر في الرباعية فقط، وهي الظهر، والعصر، والعشاء الآخرة.
следующие страницы →