Полный текст (3 515 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
تكون مصدرية، يعني: حرف مصدر؛ أي: "فليصنع كصنع الإمام"، وهذا الحديث معناه واضح وهو: أن المشروع في حق الإنسان الآتي إلى الصلاة أن يدخل مع الإمام على أي حال يجده ولكنه -كما ترونه- ضعيف السند لكنه صحيح المتن. فإنه سبق أن الرسول ﵊ قال: "إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة ولا تسرعا، فما أدركتم فصلوا"، إذن معناه: أننا إذا أتينا والإمام على حال نصنع كما يصنع الإمام، لا نقول: إن هذا الجزء من الصلاة لا تدرك به الركعة فلا تدخل مع الإماام فيه كما يفعله بعض العامة: إذا جاء والإمام ساجد قال: هذا ليس ينفعني فلن أدخل مع الإمام، نقول: أنت الآن خالفتالسُّنة وحرمت نفسك الثواب؛ لأنك إذا سجدت لله قد تكون هذه السجدة سببًا في أن يرفعك الله بها درجات فلا تحرم نفسك هذه السجدة، وهو أيضًا فيه ذكر وفيه دعاء، والجلوس بين السجدتين فيه دعاء فكيف تحرم نفسك، لكن الشيطان بدخل على بني آدم فيجعله واقفًا والإمام ساجدًا يقف فقط ليحرم نفسه الخير، لا يدخل مع الإمام، وهذا خطأ مخالف للسُّنة وحرمان لنفسه من الأجر، فالدخول معه على أي حال هو السُّنة.
يستفاد هذا لاحديث على ما فيه من ضعف: أن الإنسان لا ينبغي له أن ينفرد عن الجماعة حتى فيما لا يدرك الجماعة فيه؛ لقوله: "فليصنع كما يصنع الإمام"، وهل يؤخذ منه أنك تدخل مع الإمام وإن لم تدرك الصلاة جملة، ولا تقل أذهب إلى مسجد آخر أو لا تدخل؟ يعني: جل عرف أنه الآن في التشهد الأخير وعرف أن هناك مسجدًا آخ يدرك الجماعة كاملة فهل نقول: ادخل معه أو لا تدخل معه؟ إن نظرنا إلى ظاهر اللفظ قلنا: يدخل معه ويكون هذا الرجل اتقى الله ما استطاع، ويكون فعل ما أمر به وكونه يدرك أو لا يدرك هذا شيءٌ آخر، وإذا نظرنا إلى أن الجماعة واجبة، ولابد من إدراكها قلنا له: الآن لا يستفيد بها الدخول شيئًا من إدراك الجماعة فاذهب إلى المسجد الآخر، ولكن إذا قال: أنا لا أدري هل أدرك مسجدًا آخر أو لا؟ نقول له: ادخل مع الإمام ولو في التشهد الأخير، وكونك تدرك شيئًا من الصلاة خير لك من ألَّا تدرك شيئًا أبدًا.
*******
١١ - باب صلاة المسافر والمريض
الإضافة هنا من باب إضافة الشيء إلى نوعه؛ لأان المسافر له صلاة تخصه، والمريض له صلاة تخصه، لكنها بالنوع والكيفية لا في الأصل.
حقيقة السفر ومعناه:
وقوله: "صلاة المسافر" المسافر مطلق، والسف هو الخروج والبروز، ومنه إسفار الصبح؛
стр. 877
لأنه يبرز ويخرج، ولهذا قال علماء اللغة: إن السفر: "مفارقة محل الإقامة" وسماه الله في القرآن الكريم سفرًا، وسمَّاه ضربًا في الأرض، فقال تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفرٍ أو جاء أحدٌ منكم من الغآئط﴾ [النساء: ٤٣]. وقال: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفرٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]. وسمَّاه ضربًا في الأرض كما في قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض ... ﴾ الآية [النساء: ١٠١]. وقال تعالى: ﴿وآخرون يضربون في الأرض ... ﴾ [المزمل: ٢٠]. المهم من هو المسافر؟ من فارق محل إقامته، أمَّا من نوى أن يفارق ولم يخرج فليس بمسافر لا يكون إلا إذا ضرب وخرج.
وقوله: "والمريض" المريض ضد الصحيح، والمراد هنا: مريض البدن، والمرض -كما سبق- مرضان: مرض القلب، نسأل اله العافية، ومرض البدن.
قصر الصلاة في السفر وحكمه:
٤٠٧ - عن عائشة ﵂ قالت: "أوَّل ما فرضت الصَّلاة ركعتين، فأقرَّت صلاة السَّفر وأتمَّت صلاة الحضر". متَّفق عليه.
قولها: "أول ما فرضت الصلاة" "أول" مبتدأ، ومقتضى الجملة أن يكون الخبر قولها: "ركعتان"، ولكن الخبر محذوف تقديره "أول ما فرضت الصلاة فرضت ركعتين"، فالخبر إذن محذوف، و"ركعتين" حال من نائب الفاعل من قولها: "فرضت"، قولها: "فرضت" الفرض في اللغة: "القطع" وأمَّا في الشرع فإنه: ما أم به على سبيل الإلزام، فخرج بقولنا: "ما أمر" المباح والمكروه والحرام، ودخل المستحب، فلمَّا قلنا: "على سبيل الإلزام" خرج المستحب، إذن على هذا التعريف الفرض والواجب بمعنى واحد وهذا هو الصحيح، وهو مذهب الإمام أحمد، وقال بعض العلماء: بل بينهما فرق، فالفرض: ما كانت الأدلة فيه قطعية في الثبوت وفي الدلالةفهذا فرضٌ، وما كانت الأدلة فيه ظنية فهو واجب، والصواب ظانه لا فرق بينهما، لأن الكل يأثم بتركه ويؤجر لفعله.
وقولها: "الصلاة" المراد بها الفريضة وهي خمسن وقولها: "ركعتين" إلى متى؟ إلى أن هاجر النبي ﷺ يعني: ثلاث سنوات أو سنة حسب اختلاف أهل العلم في النعراج بقى المسلمون يصلون ركعتين ركعتين غلا المغرب، فلما هاجر النبي ﵊ زيد في صلاة الحضر، "فأقرت صلاة السفر" يعني: بقيت ركعتين، وهنا يشكل الأمر؛ لأن منَّا من يسمي صلاة السفر قصرًا وهي الآن على مقتضى هذا الحديث ليست بقصر، وإنَّما صلاة الحضر زيادة، فنقول: تسميتها قصرًا أمر نسبي ليس على سبيل الحقيقة، وإلا الحقيقة: أنها لم تقصر بل بقيت
стр. 878
على الفريضة الأولى، لكن بالنسبة إلى صلاة الحضر التي زيد فيا إلى الأربع صارت قصرًا، والله يقول: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصَّلاة﴾ [النساء: ١٠١].
وقولها: "أقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر" في بعض الألفاظ: "وزيد في صلاة الحضر" وهو أوضح من قولها: "وأتمَّت"، لكن قولها: "وأتمت" أيضًا على سبيل الأمر النسبي، "أتمت" باعتبار أن صلاة السفر ركعتان.
في هذا الحديث تذكر عائشة ﵂ أن الصلاة لها مرحلتان:
المرحلة الأولى: تساوي صلاة الحضر والسفر بأن كانت الصلاة كلها ركعتين ركعتين.
والمرحللة الثانية: الزيادة في صلاة الحضر، وبقاء صلاة السفر على الفرض الأول.
يستفاد من هذا الحديث، أولًا: مشروعية القصر في السفر، وقد تدل عليه قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصَّلاة﴾. وهذه المشروعية هل هي على سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب المؤكد الذي يكره تركه أو على سبيل الاستحباب الذي لا يكره تركه؟ في هذا خلافٌ بين أهل العلم؛ فقد ذهبت جماعة منهم أهل الظاهر وأبو حنيفة إلى أن هذه المشروعية مشروعية وجوبن وأن المسافر يجب عليه القصر، واستدلوا بهذا الحديث قالوا: لأن حديث عائشة واضح في أن صلاة السفر بقيت على الفريضة الأولى، فكما أنك لا تصلي في الحضر خمسًا فلا تصلي في السفر أربعًا يعني: كل فريضة.
استدلوا أيضًا بأن الصحابة ﵃ أنكروا على عثمان إتمامه الصلاة في منّى، فإن عثمان رضيالله عنه بقى في خلافته ست أو ثمان سنوات يقصر الصلاة، ثم بعد أتم، وخلافته كانت اثنتي عشرة سنة، ولكن الصحابة أنكوا عليه ذلك واعتذروا له، حتى إن ابن مسعود قال لما بلِّغ بهذا الأمر: "إن لله وإنَّا إليه راجعون" فجعل هذا من المصائب التي يسترجع منها.
واستدلوا أيضًا بأن الرسول ﷺ في جميع أسفاره ما أتم ولو يومًا واحدًا، بل كل أسفاه كان يقصر الصلاة، ولولا أن هذا على سبيل الوجوب ما حافظ عليه الرسول ﷺ لكان يفعل سواه يومًا من الأيام ليبيِّن للناس أنه ليس بواجب، أو يقول للناس: إنه ليس بواجب.
أما الذين قالوا: إنه مشروع على سبيل التأكيد بحيث يكره تركه فاستدلوا بهذا الحديث قالوا: إن المقصود لا يجوز تركه لكن نظرًا للخلاف في هذه المسألة نجعل الإتمام من باب المكروه وليس من باب المحرم، واستدلوا بأن عمر ﵁ سأل النبي ﷺ عن قوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصَّلاة إن خفتم أن يفتنكم الَّذين كفروا﴾ [النساء: ١٠١]. فشرط الله تعالى لجواز القصر الخوف، فقالوا: إن عمر سأل الرسول ﵊ عن هذا الشرط كيف نقصر ونحن آمنون، فقال النبي ﵊: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا
стр. 879
صدقته". قالوا: فسماها الرسول ﷺ صدقة، والصدقة ليست واجبة، وقبولها ليس بواجبن لن المصدق عليه إن شاء قبل وإن شاء لم يقبل، ولكن الذين قالوا بوجوب القصر قالوا: إن الرسول ﵊ أمر بالقبول فقال: "اقبلوا صدقته" والأصل في الأمر الوجوب.
واستدل هؤلاء الذين قالوا: إنه ليس للوجوب بأن عثمان ﵁ كان الصحابة يصلون خلفه ويتمون تبعًا له، ولو كان القصر عندهم واجبًا ما صلوا خلف إنسان خالف الفرض، ولناقشوه في ذلك حتى يعرفوا حجته في هذا الأمر، فما لم يناقشوه في هذا الأمر وتابعوه دل على عدم الوجوب، إذ إن الصحابة لا يمكن أن يوافقوا على خطأ، ولكنه سئل ابن مسعود ضي الله عنه عن كونه ينكر على عثمان ويصلي معه تمامًا فقال: "إن الخلاف شر" فعلم بهذا أنه يصلي وراءه إتمامًا درءًا للشر والتفرق على الخلافاء وأن المفسدة كبيرة جدًا لو تفارقوا وتخلَّفوا.
وأما الذين قالوا: إنه ليس بمؤكد -أي: سنة- ولا يكره تركه فقالو: إن الله يقول: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصَّلاة﴾ [النساء: ١٠١]. فنفى الجناح فقط، ونفي الجناح لا يدل على الوجوب، كما لو قلت: لا حرج أن تفعل كذا، هل معنى ذلك أن هذا الشيء يجب عليك؟ لا، ولكن هذا الاستدلال فيه نظر، لأن نفي الوجوب في هذا الدليل لا يمنع من الوجوب في دليل آخر؛ لأن الله قال في السعي بين الصفا والمروة: ﴿فمن حجَّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطَّوَّف بهما﴾ [البقرة: ١٥٨]. فإن الطواف بهما فرض واجب في الحج والاعمرة على القول الراجح، والمسألة خلافية.
المهم أن القول بالوجوب إذا استعرضنا أدلته وجدنا أنه قوي جدًا إلا أن الإنسان قد يكون في نفسه حرج من الإيجاب بسبب إقرار الصحابة ﵃ عثمان بدون مناقشة، وإلا لكان الواجب أن يناقشوه: لماذا أتممت وعمر يقصر وأبو بكر يقصر والنبي ﷺ يقصر؟ كل من قبله كانوا يقصرون، فالمسألة ما ينبغي بلا شك للإنسان المسافر أن يصلي تمامًا بل يقصر إمَّا وجوبًا وإمَّا سنة مؤكدة غاية التأكيد، وكنت أرى بالأول الوجوب لكن حصل عند تردد في آخر الأمر، وقلت: إن قولها: "أقرت" على الفريضة الأولى يعني: لم تزد، وليس المعنى أنه فرض أن تكون، إنَّما أنا أرى أنه لا ينبغي للإنسان أن يتم إلا في حالة واحدة وهي إذا ائتم بمقيم بل إذا ائتم بمن يتم -هذا التعبير السليم- فإن عليه أن يتم لقوله -عليه الصلاة ولاسلام-: "ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا"، وتقدم لنا أن الصواب إذا أدرك مع الإمام ولو أقل من ركعة فإنه يلزمه الائتمام.
стр. 880
مسائل مهمَّة:
ثم هاهنا مسائل في هذا الباب، أولًا: لو أدركت الوقت وهو في البلد وسافر بعد دخول الوقت فهل نقول: إن صلاته الآن صلاة مسافر أو صلاة مقيم؟ هذا فيه خلاف بين العلماء؛ قال بعضهم: إنها صلاة مقيم؛ لأنه خوطب بها في حال الإقامة فيلزمه أن يتم، وقال بعض أهل العلم: لا يلزمه الائتمام بل له أن يصلي قصرًا؛ لأن الاعتبار في الصلاة بفعلها وهذا إنما فعلها بعد أن خرج، والآية مطلقة: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصَّلاة﴾ [النساء: ١٠١] لم يستثن الله حالًا دون حال، هذا الرجل ضرب في الأرض وأراد أن يصلي فإنه يصلي ركعتين فقط كما أنه بالعكس يصلي أربعًا، ما معنى قولنا: بالعكس؟ لو دخل عليه الوقت وهو مسافر ثم قدم إلى البلد في الوقت فيصلي صلاة مقيم، لأن العبرة بفعل الصلاة وقد صلاها في الحض فيلزمه أن يصلي صلاة مقيم، وهذا القول هو الراجح أن المعتبر فعل الصلاة، كما أنه مثل هذه المسألة لو ذكر صلاة سفر في حضر ماذا يصير؟ يصلي ركعتين فقط، والمشهور من المذهب أنه يصلي أربعًا، والصواب أنه يصلي ركعتين فقط، لأن هذه الصلاة وجبت عليه ركعتين فيصلي كعتين، ولوو ذكر صلاة حضر في سفر يصلي أربعًا؛ لأن الصلاة وجبت عليه رباعية فيجب عليه أن يصلي أربعًا، المذهب يلزمه الائتمام في الصلاة كلها هذه؛ لأنهم يغلبون جانب الحضر ﵏، ثم قال المؤلف:
- وللبخاريِّ: "ثمَّ هاجر، ففرضت أربعًا، وأقرَّت صلاة السَّفر على الأوَّل".
هاجر من مكة إلى المدينة، وكان عمره حين هاجر ثلاثًا وخمسين سنة هاجر فأقرت صلاة السفر الأول، يعني: على الفرض الأول "وزيد في الحضر".
الصلوات التي لا تقصر في السفر:
- وزاد أحمد: "إلا المغب فإنَّها وتر النَّهار، وإلا الصُّبح، فإنَّها تطوَّل فيها القراءة".
هذا استثناء، هاتان الصلاتان ما تغيرتا، المغرب ثلاثسة، لماذا؟ لأنها وتر النها؛ ثم إن قصرها كيف تكون؟ ما يمكن إذا جعلنا القصر مناصفة؛ لأن ثلاث ركعات معناها أن النصف ركعة ونصف وهذا لا يستقيم، لكن قد يقول قائل: إنها تقصر إلى ركعتين؟ فيقال تفوت الوترية وهي قولها: "وتر النهار"، وقالت "وتر النهار" احترازًا من وتر الليل، وهو الوتر الذي تختم به صلاة الليل، وقالت: "إلَّا الصبح فإنها تطوَّل فيها لاقراءة" يعني: يشرع فيها التطويل؛ يعني: كانت ركعتين وبقيت ركعتين فعوضت عن الزيادة بطول القراءة، وعليه فيكون القصر في الرباعية فقط، وهي الظهر، والعصر، والعشاء الآخرة.
стр. 881
الفطر في السفر وحكمه:
٤٠٨ - وعن عائشة ﵂: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقصر في السَّفر ويتمُّ، ويصوم ويفطر" رواه الدَّارقطنيُّ، ورواته ثقات؛ إلا أنَّه معلولٌ.
- والمحفوظ عن عائشة من فعلها، وقالت: "إنَّه لا سشقُّ عليَّ". أخرجه البيهقيُّ.
هذا الحديث تقول عائشة: "إن الرسول ﵊ كان يقصر في السفر ويتم، ويصوم ويفطر"، فهاتان جملتان؛ الجملة الأولى: "يقصر ويتم"، والجملة الثانية: "يصوم ويفطر"، أما الثانية فنعم كان الرسول ﷺ في سفره يصوم ويفطر فإنه ﷺ خرج مع أصحابه في عدة مرات في رمضان وكان يصوم، ثم لما رأى الناس قد شق علهم الصيام أفطر وأفطر الناس، وكان أصحابه أيضًا منهم الصائم ومنهم المفطر، ولا يعيب أحدهم على الآخر.
وأمَّا قولها: "يقصر ويتم" فهذا منكر وليس بصحيح، ولم يحفظ عن النبي ﷺ أنه أتم يومًا من الأيام في سفه، بل كان يلازم القصر، وهذا أمر معروف مشهور.
ولهذا نقول: إن هذا الحديث -كما قال المؤلف- معلول، وإن كان لرواته ثقات؛ لأن الراوي قد يهم وإن كان ثقة وليس معصومًا من الخطأ.
وقوله: "والمحفوظ عن عائشة من فعلها"؛ إذن فيكون الحديث الأول إذا كان هذا يقابلهن وهو المحفوظ يكون الأول في اصطلاح المحدثين شاذًا؛ لأن المحفوظ يقابله الشاذ.
وقالت: "إنه لا يشق عليَّ"، فيكون فعلها مبنيًا على التأويل، وهي أنها ﵂ ظنَّت أن سبب قصر الصلاة هو المشقة ورأت أنه لا يشق عليها ذلك فأتمت ولكن هذا التأويل في مقابلة النص، وما كان في مقابلة النص فإن مردود على قائله كائنًا من كان، وجه ذلك: أنه كان في مقابلة النص لأنه ثبت عن النبي ﵊ أنه كان يقصر في جوف مكة، ومثل هذا لا يشق عليه، وثبت عنه أنه كان يقصر في حجة الوداع في منى وهو آمن وليس عليه مشقة، وحكم القصر لم يعلق بلامشقة حتى نقول: أنه إذا انتفت المشقة اانتفى القصر، وإنما هو معلق بماذا؟ بالسفر، فمتى وجد السفر فإن الحكم يثبت، ولو كان الإنسان مسافرًا على طائرة أو سيارة مبردة، أو ينزل في فندق في أثناء إقامته فإنه يثبت له حكم المسافر؛ لأن الحكم معلق بالسفر نفسه.
إذن هذا الحديث يستفاد منه: أن الرسول ﵊ في السفر يصوم ويفطر، وهذا ثابت من غير هذا الحديث.
ويستفاد منه: أن عائشة ﵂ كانت تتم وتقصر، وتعلل الإتمام بأنه لا يشق عليها.
стр. 882
ويستفاد من الحديث: أن العالم مهما بلغ علمه فإنه قد يخطئ؛ لأن عائشة لا شك أنها من علماء الصحابة، وكان الصحابة يرجعون إليها في أشياء كثيرة من العلم لاسيما فيما يختص بأحوال النبي ﷺ الباطنة، ومع ذلك فإنها قد تتأول وتخطئ، فهي تأولت كما تأول عثمان ﵁ في مسألة الإتمام في منى.
٤٠٩ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته". رواه أحمد، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان.
- وفي روايةٍ: "كما يحب أن تؤتى عزائمه".
هنا ثلاث مسائل رخص، ومعاصٍ، وعزائم:
أولًا: يقول: "أن الله تعالى يحب". كلمة "تعالى" ما معناها؟ من العلو حسًا ومعنى، فإن الله تعالى قد ثبت له العلو الذاتي بدلالة الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، كل الأدلة الخمسة متفقة على أن الله فوق خلقه، وأن له العلو المطلق كذلك أيضًا العلو المعنوي وهو التعالي عن كل نقص وعيب، فإنه منزه عن كل نقص وعيب، فصفاته كلها عليا ليس فيها نقص، وقد سبق لنا أن كلمة "تعالى" أبلغ من كلمة "على"؛ لأنها تدل على التنزه، تفاعل يعني: ترفع وتقدس عن السفول والنزول.
وقوله: "يحب أن تؤتى رخصه". "يحب" ما معنى المحبة؟ المحبة عند أهل السنة والجماعة محبة حقيقية تليق بالله وهي صفة غير صفة الإرادة.
وذهب أهل التأويل - من الأشاعرة وغيرهم - إلى أن المراد بالمحبة: إما إرادة الإنعام والثواب، وإما الثواب نفسه، ولا يثبتون له محبة حقيقية، لماذا؟ يقولون: لأن المحبة ميل الإنسان إلى ما فيه جلب منفعة أو دفع مضرة، والله منزه عن هذا.
ولكننا نقول لهم: هذا الذي تفسرونه بالمحبة هو لازم المحبة عند المخلوق، أما الله فإنه يحب الشيء لكمال جوده وكرمه لا لأنه ينتفع بهذا الشيء، فإن الله يقول في الحديث القدسي: "إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني".
إذن نقول: المحبة: صفة ثابتة على وجه الحقيقة لله ، ولكنها هل تشبه محبة المخلوق للمخلوق؟ لا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴾ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ﴿[الشورى: ١١].
стр. 883
فكل ما أثبته الله لنفسه من الصفات التي تتفق مع صفات المخلوق في الاسم فإنها تفارق صفة المخلوق في الحقيقة؛ لأن الله يقول: ﴾ ليس كمثله شيءٌ ﴿.
لماذا نفوا حقيقة المحبة؟ لأنهم يزعمون أنها تقتضي تشبيهًا وتمثيلًا، والتشبيه والتمثيل نقص، ولكننا نقول: إنها لا تقتضي تشبيهًا، فأنتم الآن تثبتون الإرادة، ومع ذلك تقولون: إنها لا تستلزم التشبيه وإنها إرادة تليق بجلاله، فنقول: أي فرق بين الأمرين؟ ليس بينهما فرق إلا قولكم بالتحكم لعقول ليس لها أصل تبني عليه.
وقوله: "رخصه" الرخص جمع رخصة وهي في اللغة: السهولة، يقال: رخص له؛ أي: أذن له وسهل، وفسرها بعض العلماء بأن الرخصة: ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح، ولكن هذا التعريف يجعلها مشكلة، والصواب، أن الرخصة في الشرع هي الرخصة في اللغة وأنها السهولة، فيحب الله أن يأتي العباد ما سهل به عليهم كما يكره أن تؤتى معصيته.
وقوله: "كما يكره" يحتمل أن تكون الكاف للتشبيه، يعني: محبته لهذا ككراهته لهذا، ويحتمل أن تكون للتعليل؛ يعني: كما أنه يكره أن تؤتى المعصية فإنه يحب أن تؤتى الرخص، وقوله: "كما يكره" المراد بالكراهة: البغض وهو الكراهة الحقيقية، وفسرها أهل التأويل بأن المراد بها: إرادة الانتقام والعقوبة، وكل هذا - كما ذكرنا قبل قليل - من التأويلات التي هي خلاف ظاهر اللفظ والمعنى الذي من أجله أولوا هذه النصوص ثابت فيما أثبتوه أيضًا.
وقوله: "أن تؤتى معصيته"، ما هي المعصية؟ هي الخروج عن الطاعة، يعني: مخالفة الأمر في المأمورات والوقوع في المنهي عنه في المنهيات، وهل تشمل المكروه والحرام؟ يعني: لو ورد نهي على سبيل الكراهة فخالفه الإنسان هل نقول: إنه عاصٍ، أو نقول: مخالف للنهي؟ مخالف للنهي بالاتفاق لا شك فيه، وأما العاصي فأكثر أهل العلم يقولون: إن المعصية لا تكون إلا في الشيء المحرم ولا نطلق على من فعل مكروهًا بأنه عاصٍ.
وقوله: "عزائمه" جمع عزيمة، بمعنى: معزومة، كفعيل معنى مفعول، والمعزوم: الشيء المؤكد، ومنه العزم "عزم الإنسان" العازم: يعني بإرادة مؤكدة، فالعزائم إذن: جمع عزيمة وفي الشيء المؤكد مثل المفروضات والواجبات هذه عزائم لفعلها، والمحرمات أيضًا عزائم لتركها، لكن هنا "كما يحب أن تؤتى عزائمه" لا شك أن المراد بها: المأمورات دون المنهيات والمحرمات؛ لأن الله لا يحب أن تؤتى عزائمه المنهية.
من فوائد الحديث: أولًا: كمال الله بعلوه الذاتي والوصفي لقوله: "تعالى".
وثانيًا: إثبات المحبة لله.
وثالثًا: سعة كرمه وجوده؛ حيث يحب من العباد أن يأتوا الرخص.
стр. 884
ورابعًا: أنه ينبغي للمسافر أن يترخص برخص السفر، وهذا وجه الشاهد من هذا الحديث. فإذا قال قائل من المسافرين: أنا لا يشق علي الإتمام فلا إثم؟
نقول له: هذا خلاف ما يحبه الله، فالله تعالى يحب منك أن تأتي رخصه.
لو قال: أنا لا أريد الجمع مع أنه قد جد به السير.
نقول له: إن الذي يحبه الله منك أن تجمع؛ ولهذا كان القول الصحيح - كما سيأتي إن شاء الله تعالى - أن الجمع للمسافر عند الحاجة وغيرها أيضًا أفضل من عدم الجمع وأننا لا نعبر فنقول يجوز للمسافر أن يجمع إلا إذا كان ذلك في مقابلة المنع فلا بأس، إنما الصحيح: أنه يستحب أن يجمع إذا دعت الحاجة إليه.
ومن فوائد الحديث: إثبات أن الله تعالى يكره أن يعصى، وهذا يستلزم فائدة وهي: أن يبتعد الإنسان عن معصية الله ما دام يعلم أن الله يكرهها، فإنه لا يليق به وهو مؤمن بالله أن يفعل ما يكرهه الله، لو أن أحدًا من المخلوقين تعلم أنه يكره أن تفعل شيئًا من الأشياء وهو عزيز لديك هل تفعل ذلك؟ لا؛ لأنه يكرهه، فالرب أولى أن يستحي الإنسان منه ولا يقع في معصيته.
ومن فوائد الحديث أيضًا: أن فعل الرخص كفعل الواجبات بناء على الرواية الثانية لقوله: "كما يحب أن تؤتى عزائمه"، فهل نقول: إنه يدل على وجوب الترخص؟ نقول: لا ما يدل على وجوب الترخص؛ لأنه لو وجب الترخص لكان من العزائم، وقد علم الفرق بين المشبه والمشبه به، وأن المشبه غير المشبه به، فلو أوجبنا الرخص لكانت عزائم ولما كانت رخصًا في الواقع؛ لأن العزيمة الشيء المؤكد الذي لابد من فعله ما يستطيع الإنسان أن يتخلص منه، رخص السفر التي شرعها الله: القصر، والجمع، والفطر، والرابع مسح الخفين ثلاثة أيام، وسقوط الجمعة عن المسافر، كذلك قال بعض العلماء: من رخص السفر أكل الميتة، والصواب: أن أكل الميتة لا يختص بالسفر، والصواب: أن الإنسان لو اضطر لأكل الميتة ولو في الحضر فله أكلها؛ لأن الله يقول: ﴾ فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه ﴿[البقرة: ١٧٣].
تحديد مسافة القصر:
٤١٠ - وعن أنسٍ ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميالٍ أو فراسخ، صلى ركعتين". رواه مسلم.
هذا الحديث اختلف العلماء في معناه، وفي حكمه، قوله: "ثلاثة أميال" الأميال: جمع ميل وهو مقدر بالأذرع وبالأمتار، كم الميل بالأمتار الآن؟ أكثر من كيلو ونصف (١٧٠٠) متر تقريبًا،
стр. 885
وحده بعضهم بأنه: ما مال من الأرض عند منتهى ميل الأرض، أنت مثلًا إذا كنت تشاهد شخصًا وكان بعيدًا فما كان عند ميل الأرض- ومعلوم أن الأرض تميل- فإنه ميل، ولكن هذا الحد فيه صعوبة؛ لأن الناس يختلفون في قوة النظر، ولأن الأرض أيضًا قد تخلف بالنسبة للميل وهو نظير من حدَّ المد بأنه ملّ الكف مرتين هذا صعب، وكذلك من حدّ المثقال بالشعير بحبات الشعير، فإن هذا أيضًا غير منضبط؛ لأن في عهد الرسول ﵊ لا يوجد مساحين يمسحون الأرض بحث يُحدِّون أن هذا ميل لا يزيد ولا ينقص، لكنه على سبيل التقريب.
وقوله" "أو فراسخ" جمع فرسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، فبناءً على أن الحديث ثلاثة فراسخ كم تكون بالميل؟ تسعة أميال، والشك هنا من الراوي من "شعبة" شك هل قال: ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ، وهذا الشك هل يوجب أن تلغي الحديث كله، أو نلغي ما وقع الشك؟ الثاني، فالأميال داخلة في الفراسخ؛ لأن الفراسخ أبعد منها، وعلى هذا فنقول: نقدر أنها ثلاثة فراسخ، فهذا يدل على أن الرسولصلىللهعليهوسلم إذا خرج ثلاثة فراسخ صلى ركعتين، هذا الحديث كما ترون استقر فيه الرأي على أنه خرج ثلاثة فراسخ.
ولكن ما معنى قوله: "إذا خرج" هل المراد: إذا خرج من البلد لقصد سفر يزيد على ثلاثة فراسخ، ويكون المعنى أنه لا يبدأ صلاة ركعتين إلا إذا بعد عن البلد ثلاثة فراسخ أو ثلاثة أميال، هكذا فسره من يرون أنه لا يقصر إلا في ستة عشر فرسخًا كما هو المشهور من مذهب الإمام أحمد بأنه لا يقصر إذا قصد ستة عشر فرسخًا، يعني: يومين قاصدين لسير الأحمال، ودبيب الأقدام فيؤولون هذا الحديث إلى أن معناه لا يبتدئ القصر إلا بعد أن يفارق البلد بثلاثة فراسخ تسعة أميال، ولكن هذا التأويل غير صحيح؛ لأن أنسًا يقول: "إذا خرج ثلاثة أميال"، فظاهره: أن منتهى خروجه يكون ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ، ولأن هؤلاء الذين يقولون: إن معناه: لا تبدءوا القصر إلا بعد ثلاثة فراسخ هم أنفسهم يقولون: إنه يجوز للإنسان أن يقصر الصلاة إذا فارق البنيان، وإن لم يبعد إلا شبرين، فيكون فهمهم للحديث مخالفًا لما يقولون.
فالصواب: المعنى الأول للحديث: أن الرسول ﷺ إذا خرج إلى هذه المسافة قصر الصلاة، بمعنى: أنه إذا كان مُنتهى سفره ثلاثة فراسخ فإنه يقصر، ولكن هذا على سبيل الشرط، بمعنى: لأنه لو خرج أقل من ذلك فإنه لا يقصر، أو إنه بيان للواقع أن الرسول ﷺ إذا خرج فعل كذا، وأنه ليس بشرط فلو سافر سفرًا أقل من هذا وهو يعد سفرًا فإنه يقصر؟ إلى هذا الأخير ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وقالا: إنه لا يصح تحديد المسافة للسفر، وأنه يقصر إذا
стр. 886
خرج إلى مكان يعد مسافرًا، لأنه لم يكن في عهد الرسول ﵊ أشياء تعين الأميال والفراسخ.
عدد الأيام التي يجوز فيها القصر:
٤١١ - وعنه ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان يُصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة"، متفق عليه، واللفظ للبخاريَّ.
٤١٢ - وعن ابن عباس ﵁ قال: "أقام النبي ﷺ تسعة عشر يومًا يقصر"، وفي لفظ: "بمكة تسعة عشر يومًا". رواه البخاري.
- وفي رواية لأبي داود: "سبع عشرة"، وفي أخرى: "خمس عشرة".
٤١٣ - وله عن ابن عمران بن حصين ﵁: "ثماني عشرة".
٤١٤ - وله عن جابر ﵁: "أقام بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة"، وروايته ثقات، إلا أنه اختلف في صله.
حكم الجمع بين الصلاتين في السفر:
٤١٥ - وعن أنس ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا ارتحل في سفر قبل أن تزيغ الشَّمس أخَّر الظَّهر إلى وقت العصر، ثمَّ نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشَّمس قبل أن يرتحل صلَّى الظَّهر، ثمّ ركب". متفق عليه.
قوله: "كان إذا ارتحل" تقدم لنا أن "كان" تفيد الاستمرار غالبًا، وقد يراد بها الزمن، وقد لا يراد بها الزمن، قد يراد بها مجرد اتصاف اسمها بخبرها مثل قوله تعالى: ﴿إن الله كان غفورًا رحيمًا﴾ [النساء: ٢٣]، يعني: ليس معناه كان في زمن، بل المعنى: أنه اتصف بذلك، قوله: "كان إذا ارتحل" يعني: ركب راحلته، "قبل أن تزيغ" أي: تميل، ومنه قوله تعالى: ﴿فلما زاغو أزاغ الله قلوبهم﴾ [الصف: ٥]، يعني: لمّا مالوا أمال الله قلوبهم.
стр. 887
وقوله: "أخّر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما"؛ لأن ذلك أيسر له، فيؤخر الظهر إلى وقت العصر من أجل أن يجمع بينهما، لأنه لا يمكن أن يصليهما قبل دخول الوقت، لأنه ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، هو يؤخر ثم يجمع بينهما قال: "فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلّى الظهر ثم ركب"، وظاهر هذا الحديث - المتفق عليه-: أنه يصلي الظهر فقط، ولا يجمع، ولكنه يقول:
- وفي رواية للحاكم في الأربعين بإسناد صحيح: "صلّى الظُّهر والعصر، ثم ركب".
- ولأبي نُعيم في مستخرج مسلم: "كان إذا كان في سفر، فزالت الشمس صلّى الظُّهر والعصر جميعًا، ثمّ ارتحل".
فعلى هذه الرواية ورواية الحاكم يكون معنى: "صلى الظهر" يعني: مع العصر، ومثله قوله ﷺ : "لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع" يعني: مع العاشر، فهنا: "صلى الظهر، واكتفى بإحدى الصلاتين عن الأخرى، "صلى الظهر" يعني: والعصر من أجل ألا ينزل فيصلي الظهر والعصر، ثم يركب ويمشي إلى الليل حتى لا ينزل.
هذا الحديث أصل في الجمع بين الصلاتين، ومن المعلوم أن النبي ﷺ وقّت الصلوات: وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر وقت العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت العشاء إلى نصف الليل، كل صلاة إلى وقت معين، وقد قال الله تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، فالأصل أن تصلي كل صلاة في وقتها هذا الواجب.
واختلف العلماء في الجمع، فكانوا فيه طرفين ووسطًا: فمنهم من يقول: إن الجمع لا يجوز إلا في موضعين: في عرفة، ومزدلفة، وأن سبب الجمع فيهما هو النسك وليس السفر، فيرون أن الجمع في هذين المكانين نسك، وليس من أجل السفر، ومنهم من توسع في الجمع وأجاز الجمع حتى بدون عذر، وأما هذا التوقيت فعلى سبيل الأفضلية فقط.
ومنهم من توسط وقال: إن الجمع إن كان له سبب شرعي فهو جائز، وإن لم يكن له سبب شرعي فالواجب أن تصلي كل صلاة في وقتها.
أما الذين يقولون: إنه لا جمع إلا في عرفة ومزدلفة، فالذي حملهم على ذلك أنهم لا يمكنهم إنكار الجمع في عرفة ومزدلفة لثبوت ذلك وشهرته وظهوره، لكنهم حملوه على أنه نسك، وأجابوا عن كل ما ذكر فيه الجمع بأنه جمع صوري، ليس جمعًا حقيقيًّا بحيث أن كل
стр. 888
صلاة فعلت مع أختها في وقتها، بل قالوا: إنه جمع صوري، كيف يكون صوريًّا؟ قالوا: لأن المعنى أن تؤخر الصلاة الأولى حتى إذا لم يبق في الوقت إلا بقدرها صليت، ثم صُليت الثانية في وقتها فيكون الجمع صوريًا، ومن المعلوم أن هذا الجواب ليس بصحيح؛ لأن هذا الجمع الصوري إن ثبت فإنه ليس بسهولة، بل هو في غاية ما يكون من المشقة، بل إن تحقيقه قد يكون متعذرًا، فمن الذي يرقب الشمس في العشي حتى إذا لم يبق من كون الشيء مثل ظله، أو من كون الظل مثل الشاخص إلا مقدار صلاة الظهر، هل أحد يستطيع أن يرقب هذا إلا بمشقة، ومن الذي يستطيع أن يرقب الشفق الأحمر لصلاة المغرب حتى إذا لم يبق على مغيب الشفق الأحمر إلا صلاة المغرب صلى المغرب ثم صلى العشاء، هذا في غاية ما يكون من المشقة، ولهذا هم من أرادوا أن يوقعوا الناس في سهولة ولكنهم أوقعوهم في حرج، وأمّا الذي قالوا بالجواز مطلقًا، وأن هذا التوقيت على سبيل الأفضلية وليس على سبيل الوجوب، قالوا لأنه ثبت في الصحيح من حديث ابن عباس ﵁ قال: "جمع النبي ﷺ في المدينة بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر"، وفي رواية: "ولا سفر". قالوا: فهذا دليل على أنه يجوز؛ لأنه قال: جمع بدون سبب، ولكننا نجيب عن ذلك بأنه لم يقل: إنه جمع بدون سبب، وإنّما قال: "جمع بدون خوف، ولا مطر" يعني: فنفى هذين السببين؛ لأن هذين السببين يبيحان الجمع، فهو قد جمع بدون خوف ولا مطر، ولكن لسبب آخر، ما هو السبب؟ سئل ابن عباس ﵁ لماذا جمع؟ فقال: "أراد ألا يحرج أمته"، معنى "ألا يحرجها": أي: لا يوقعها في حرج، فدل هذا على أنه وجد الحرج في إفراد كل صلاة في وقتها فإنه يجمع، وإن لم يوجد الحرج فإنه لا يجوز الجمع؛ لأن الله يقول: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، والنبي- ﵊ بين المواقيت؛ إذن نرجع إلى أن القول الثالث الوسط وهو أن الجمع يجوز إذا كان فيه حرج ومشقة، فعلى هذا يجوز الجمع في السفر أم لا؟ يجوز الجمع في السفر؛ لأن فيه نوعًا من المشقة وإن كانت المشقة غير كبيرة؛ يعني: بإمكان الإنسان أن يقف ويصلي، لكن هذا فيه نوع من المشقة لا سيما في الزمن الأول على الإبل، فيقال: السفر يجوز فيه الجمع إذا كان سائرًا كما في هذا الحديث.
حالات جمع التقديم والتأخير:
ثم نقول: ما هو الأفضل جمع التقديم أو التأخير؟ نقول: الأفضل ما هو الأيسر، فإن ارتحلت قبل أن تزيغ الشمس فالأفضل التأخير، وإن بقيت حتى زاغت الشمس فالأفضل التقديم ما دام أن
стр. 889
الأمر كله مبنيًّا على التسهيل والتيسير، فما كان أسهل وأيسر فهو الأفضل، فإذا كان الشرع أجاز لك أن تخرج الصلاة عن وقتها أو تقدمها قبل وقتها من أجل التيسير عليك، فكذلك نقول: الأفضل أن تتبع الأيسر، فإن كنت غير جاد في السفر - يعني: لست على ظهر السّير إنّما أنت مقيم- فهل تجمع أو لا تجمع؟ قال شيخ الإسلام وجماعة من أهل العلم: إنه لا يجوز الجمع للمسافر إذا لم يجد به السير إذا كان مقيمًا على ماء أو مقيمًا يريد أن يقيل، فإذا أبرد الوقت مشى يقول: لا يجوز له أن يجمع، ويستدل لذلك بأنه ورد في حديث ابن عمر قال: "كان النبي ﷺ يجمع إذا جدَّ به السير"، وفي لفظ: "إذا كان على ظهر سير"، وقال: إن الرسول- ﵊ في منى مقيم فكان يقصر ولا يجمع، وعلل ذلك أيضًا بأن الجمع سببه المشقة، وليس السفر، بدليل أنه يجوز للمقيم إذا وجد سببه، فالسفر ليس علة فيه، وذهب أكثر أهل العلم إلى أن السفر سبب للجمع وأن المسافر وإن لم يجد به السير فله أن يجمع، واستدلوا لذلك بالأثر والنظر: أمّا الأثر فقالوا: إنه ثبت في الصحيح: "أن الرسول ﵊ يجمع بين الظهر والعصر"، وثبت في الصحيحين أيضًا من حديث أبي جحيفةفي إقامة الرسول ﵊ في الأبطح في مكة أنه خرج النبي ﵊ من قبة حمراء من أدم فتقدم فصلى الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، ووضعت العنزة بين يديه، قالوا: وهذا ظاهره الجمع أنه صلاهما جميعًا، فدل هذا على أنه جائز.
ولكن نقول: إذا جدّ بك السير فالأفضل الجمع، وإن لم يجد بك السير فالأفضل عدم الجمع، ولكن لو جمعت فلا حرج.
أما النظر فقالوا: إن كان الشرع أجاز للمسافر أن يقصر الصلاة ركعتين من أجل التيسير عليه فالجمع بين الصلاتين أيسر، يعني: مثلًا أيهما أيسر لو قيل لك: صلِّ الظهر والعصر جميعًا على أربع ركعات بدون قصر، أو صلِّ كل واحدة في وقتها على ركعتين، أيهما الأيسر؟ الأول أن أيسر؛ لأنك لا تقوم إلا مرة واحدة للصلاة ولا تتوضأ إلا مرة واحدة وتصلي وتنام خلاف أن تُطالب بكل صلاة في وقتها ولو كانت ركعتين، بمعنى: أن الإنسان يرى أن الأسهل أنه يجمع بين الظهر والعصر أسهل عليه أن يقال أقصر الصلاة وصلّ كل صلاة في وقتها، وهذا القول أصح، أي: أن السفر سبب من أسباب الجمع، لكن إن احتجت إليه فالجمع
стр. 890
أفضل، وإن لم تحتج إليه فهو رخصة وليس بأفضل، وبهذا تجتمع الأدلة وهو المشهور من مذهب الحنابلة.
حالات الجمع بين الصلاتين في الحضر:
هل يجوز الجمع لرجل مصاب بسلس البول ويشق عليه الوضوء لكل صلاة؟ نعم، يجوز لأنه يشق عليه أن يصلي كل صلاة في وقتها، وقد أجاز النبي- ﵊ للمستحاضة أن تجمع، والاستحاضة نوعٌ من الحدث الدائم.
هل يجوز لامرأة ترضع أن تجمع لأنه يشق عليها أن تطهر ثيابها لكل صلاة؟ يجوز، ومن أوسع المذاهب في باب الجمع المذاهب المشهورة المتبوعة مذهب الإمام أحمد.
هل يجوز الجمع لإدراك الجماعة؟ يجوز، لأن الجمع للمطر من أجل الجماعة، إذ بإمكان كل واحد منهما أن ينصرف إلى بيته، وإذا دخل الوقت صلى في بيته، وعلى هذا إذا كنا جماعة في سفر وقدمنا إلى البلد أو قريب من البلد، وعرفنا أننا إذا تفرقنا صلينا فرادى، وما دمنا مجتمعين نُصلي جماعة، فنقول: الأفضل أن تصلوا جماعة جمعًا.
ويُستفاد من هذا الحديث عدة فوائد: أولًا: جواز الجمع لمن جدّ به السير في السفر.
ثانيًا: أن الأفضل فعل الأرفق بهم من جمع التقديم أو التأخير.
ثالثًا: حسن رعاية النبي ﷺ لمن معه، كيف ذلك؟ لأنه إذا ركب قبل زوال الشمس أخّر الظهر، وإن ركب بعد زوال الشمس قدّم العصر، وهذا من حسن رعايته لأمته- ﵊.
ومن فوائد الحديث: هل يستفاد من هذا الحديث وجوب صلاة الجماعة في السفر؟ هل تظنون أن الرسول- ﵊ يصلي وحده في السفر؟ ما نظن، لكن وجوب الجماعة في السفر هذا هو الذي قد يُناقش فيه، أما مشروعية الجماعة في السفر فلا شك فيها وتُؤخذ من هذا الحديث؛ لأن من لازم [قيام] الرسول بفعل أن يفعله الصحابة.
ويبقى علينا هل نقول: إن هذا على سبيل الوجوب بناءً على الأصل، أو نقول: على سبيل الاستحباب؛ لأن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب؟ الظاهر الأول أنه يدل على الوجوب؛ لأن الأصل في الجماعة الوجوب، ويؤيد ذلك قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم .... ﴾ إلخ الآية [النساء ١٠٢]، وهذا في السفر، وفي الحرب أيضًا، وهذا هو الحق بلا شك، بمعنى: أنه تجب صلاة الجماعة حتى في السفر، إذا كان المسافر قد مرّ في بلد وأقام فيها يومًا أو يومين هل تلزمه الجماعة في المساجد، أو للمسافرين أن يجمعوا في مكان رحلهم؟ إن قلنا بوجوب حضور المساجد
стр. 891
وجب على هؤلاء المسافرين حضور المساجد، وإن قلنا بأنه لا يجب لم يجب على هؤلاء أن يذهبوا إلى المسجد، وقد سبق لنا أن الصواب: وجوب حضور المساجد، وعلى هذا فيجب عليهم أن يحضروا، ولكن مع ذلك نجد بعض الأحيان ناس عند المسجد هنا من المسافرين، نقول: صلوا، يقولوا: نحن مسافرون، وهذا بناءً على قول من يقول: إن الواجب الجماعة لا حضور المساجد، وقد سبق لنا أن هذا القول ضعيف.
بقي أن يُقال: هل يشترط نية الجمع قبل أن يسلم من الأولى، أو ليس بشرط؟ المذهب: أنه لا يشترط، والصحيح أنه ليس بشرط، وأن الإنسان إذا لم ينو الجمع إلا بعد أن سلّم فليجمع ولا حرج عليه ما دام سبب الجمع موجودًا.
الصلوات التي لا يجمع بينها:
٤١٦ - وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: "خرجنا مع النبي ﷺ في غزوة تبوك، فكان يصلّي الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا". رواه مسلم.
متى كانت الغزوة؟ في السنة التاسعة من الهجرة، وتبوك محل قريب من حدود الشام، وغزا النبي ﷺ ، لأنه حدّث أن الروم قد جمعوا له فغزاهم- ﵊، وكانت هذه الغزوة في وقت الرُّطب ونضوج الثمار، ومع هذا المسافة بعيدة وتخلّف عنها كثير من المنافقين، وجاءوا كعادتهم يعتذرون إلى الرسول- ﵊ ويحلفون إنهم معذورون، وتخلف عن هذه الغزوة ثلاثة من الصحابة السابقين بدون عذر، وهم: "كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع" بدون عذر، وأنزل الله تعالى فيهم ما أنزل في سورة التوبة، لأنهم صدقوا- ﵃، هذه الغزوة أقام الرسول- ﵊ فيها كم من يوم؟ عشرون يومًا يقصر الصلاة فيها، ويقول معاذ: "إنه كان يصلي الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا"، فيجعل الوقتين وقتًا واحدًا، ولم يبين معاذ هل هو جمع تقديم أو جمع تأخير، وقد سبق أن الرسول- ﵊ يراعي ما هو أيسر وأصلح، فقد يكون جمع تقديم، وقد يكون جمع تقديم وقد يكون جمع تأخير.
وفي الحديث: دليل على أن المسافر يجمع ولو طال سفره، لو بقي عشرين يومًا أو ثلاثين يومًا أو أكثر.
وفيه أيضًا: دليل على أنه لا جمع بين العصر والمغرب، من أين نأخذه؟ من الحديث: "الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا"، ومن المعنى: أن الظهر والعصر نهاريتان، والمغرب والعشاء ليليتان.
стр. 892
وفيه دليل أيضًا: على أن الفجر لا تجمع لصلاة أخرى؛ وجهه؟ أنها لم تُذكر، إذن هي باقية في محلها، ووجه آخر أنه لا صلة لوقتها بغيره من الأوقات، إذ إن وقت العشاء ينتهي بنصف الليل، فيبقى نصف الليل الآخر ليس فيه وقت لصلاة مفروضة، وينتهي وقتها بطلوع الفجر، فيبقى نصف النهار الأول ليس وقتًا لصلاة مفروضة ... انظر الحكمة: نصف الليل الأخير ليس وقتًا لصلاة مفروضة، ونصف النهار الأول ليس وقتًا لصلاة مفروضة؛ ولهذا في النصف الأخير من الليل يُسن التطوع صلاة الليل، وفي النهار يُسن صلاة الضحى، وهذا من الحكمة العظيمة في الشريعة.
في هذا الحديث: لو قال قائل: الوقت من زوال الشمس إلى نصف الليل متصل بعضه ببعض: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل﴾ [الإسراء: ٧٨]. فلماذا لا تجمع العصر إلى المغرب، أو تجمع الصلوات الأربع جميعًا؟ الجواب: اختلاف الصلاتين وقتًا وهيئة، هذا العصر والظهر في النهار، والمغرب والعشاء في الليل هيئة هذه قراءتها سر، وهذه قراءتها جهر، فهي مختلفة، فلا يمكن أن يجمع بعضها إلى بعض، وبه نعرف خطأ من يفعل ذلك من بعض العمال، نسمع أن بعض العمال هما وفي أوربا وغيرها مساكين يخرجون للعمل من أول النهار، وإذا جاء اليوم صلوا صلاة الأربع، هذا خطأ، ولا يحل هذا الشيء وقد تقدم لنا أن الصحيح أن من أخّر الصلاة عن وقتها بدون عذر لال تُقبل، ولو قضاها لم تقبل منه.
٤١٧ - وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقصروا الصلاة في أقل من
أربعة بُردٍ؛ من مكّة إلى عسفان"، رواه الدّارقطنيُّ بإسناد ضعيف، والصحيح أنّه موقوف، كذا أخرجه ابن خزيمة.
إقرار المؤلف على الضعف فيه نظر؛ لأن الحديث فيه راوٍ متروك، فهو منكر ولا يصح أبدًا عن الرسول- ﵊، والصواب- كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية- أنه لم يرد تحديد مدة القصر، لا مسافة ولا زمنًا، وأن هذا أمر يرجع إلى العادة والعرف، فما سماه الناس سفرًا فهو سفر، وما لم يسموه سفرًا فليس بسفر، ولهذا قال المؤلف: "والصحيح أنه موقوف كما أخرجه ابن خزيمة" موقوف على ابن عباس من قوله، إذا كان من قوله أفلا يكون له حكم الرفع؟ لا، لماذا؟ لأن للرأي فيه مجالًا؛ إذ إن ابن عباس قد يكون أجاب به من يرى أن سيره
стр. 893
هذا يسمى سفرًا في العرف فخاطبه بما يراه في ذلك الوقت، ثم لو كان هذا مرفوعًا فمما يضعف حكم الرفع أنه لو كان كذلك لكان نقله أمرًا مشهورًا معلومًا لدعوة الحاجة إلى بيانه هذا من أشد الأمور حاجة إلى بيانه إذ إنه فيصل بين ما يمكن أن يقصر فيه وبين ما لا يمكن أن يقصر فيه، وهذا لا يمكن أن يغفله الرسول- ﵊ حتى يأتي ابن عباس فيقول ذلك.
٤١٨ - وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خير أمتي الذّين إذا أساءوا استغفروا، وإذا سافروا قصروا وأفطروا"، أخرجه الطبراني في الأوسط بإسناد ضعيف، وهو من مرسل سعيد بن المسيب عند البيهقي مختصرًا.
هذا الحديث- كما رأيتم- ضعيف، لكن معناه صحيح، فإن خير الناس من إذا أساء استغفر، كما قال الله تعالى في وصف المتقين: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم﴾ [آل عمران: ١٣٥].
صلاة المريض وكيفيتها:
٤١٩ - وعن عمران بن حصين ﵁ قال: "كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: صلّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، وإن لم تستطع فعلى جنب". رواه البخاريّ.
قوله: "كانت بي بواسير" البواسير: جمع باسور، فيها- أي: في البواسير- صيغة منتهى الجموع؛ لأنها على وزن "فواعيل"، والبواسير جمع باسور كما قلت، وهو داء في المقعدة، وهناك داء آخر يسمى ناسورًا، وكلاهما داءان في المقعدة، والبواسير كانت بالأول من الأمراض المؤلمة المزمنة؛ لأنه قطعها ليس بالأمر السهل، ولهذا تجدون في كتب أهل العلم هل يجوز للإنسان أن يقطع البواسير، أو يحرم عليه أن يقطعها؟ قال بعضهم: إنه يحرم عليه قطعها؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى نزيف الدم حتى يموت، هل هذا القول يرد في وقتنا الحاضر؟ لا، لأن هذا الخوف الذي رتب عليه الحكم مأمون والحمد لله.
وقوله: "سألت النبي ﷺ عن الصلاة" يعني: كيف أصنع فيها؛ لأن الصحابة- ﵃ كانوا حريصين على العلم، فأشكل عليه ماذا يصنع مع المشقة والألم، فقال له الرسول- ﵊: "صلِّ قائمًا" "صلّ" فعل أمر وهو للإرشاد، لكنه للوجوب، يعني: يرشده إلى
стр. 894
الصفة الواجبة، والدليل قوله: "فإن لم تستطع" واعلم أن الأمر الوارد في جواب السؤال إن كان المسئول عنه شيئًا واجبًا فهو للواجب، وإن لم يكن شيئًا واجبًا فهو للإرشاد، قال الصحابة: كيف نصلي عليك، قال: قولوا: اللَّهم صلِّ على محمد ... ". هل تجب هذه الصيغة، أو لو صلى بغيرها أجزأ؟ لو صلى بغيرها أجزأ، لأنه لم يجب عن أمر واجب، ولكن سألوا عن الكيفية، فقال: كيفيتها كذا وكذا، هذه "صلّ قائمًا" نقول: مثل هذه للإرشاد، لكن قوله: "فإن لم تستطع" يدل على أن الإرشاد إلى الكيفية أنه إرشاد إلى كيفية واجبة، "صل قائمًا" "قائمًا" حال من فاعل "صلّ" يعني: صلّ حال كونك قائمًان وقوله: "قائمًا" يشمل ما إذا كان قائمًا بدون اعتماد، أو قائمًا معتمدًا، فلو فُرض أن هذا الرجل لا يستطيع أن يقف قائمًا بدون اعتماد ويستطيع أن يقوم باعتماد على عصا، أو على عمود، أو على جدار، فإنه يلزمه القيام.
وقوله: "فإن لم تستطع" هل المراد: العجز مطلقًا بحيث تكون رجلاه ميتتين مثلًا أو يكون زمنًا، أو أن المراد: "إن لم تستطع" يعني: ما تقدر إلا بمشقة؟ الظاهر الأخير؛ لأن البواسير من المعروف أن المصاب بها ليس بعاجز عن القيام لكن يشق عليه، وضابط المشقة التي يسقط بها القيام ما هو؟ ضابطها أقرب شيء أنها ما يزول بها الخشوع، يعني: لا يحضر قلبه لأنه متعب فيشق عليه، هذا أحسن ما قيل فيها، وإلا لو قلنا: إن المشقة المطلقة أو مطلق المشقة ليس عندنا ضابط، لكن نقول: المشقة التي تذهب الخشوع.
"فإن لم تستطع فقاعدًا" أي: فصل قاعدًا، ولم يبين الرسول- ﵊ كيف يقعد، لكن في آخر حديث في الباب حديث عائشة: "كان النبي- ﵊ يصلي متربعًا، فعلى هذا يكون هذا القعود متربعًا، ويكون متربعًا في حال القيام، وفي حال الركوع، قيل: يفترش، وقيل: يتربع يبقى على تربعه، وهذا القول الثاني هو الصحيح، أنه في حال الركوع يبقى متربعًا، كيف يركع؟ يركع بالإيماء، فيومئ أي: يخفض ظهره، قال العلماء: حتى يقابل ما وراء ركبتيه أدنى مقابلة وتتمتها الكمال بحيث يكون وجهه كله خارج حدود الركبتين، في السجود ماذا يفعل؟ إن كان لا يستطيع يسجد، وفي الجلوس بين السجدتين يجلس كالعادة مفترشًا، هذا معنى قوله: "صلِّ قاعدًا"، فإن لم يستطع السجود لأثر في رأسه أو في عينه، أو ما أشبه ذلك فماذا يفعل؟ يومي بالسجود أيضًا ويجعل السجود أخفض من الركوع، ولكن هل يجب عليه أن يسجد على بقية الأعضاء إذا عجز بالجبهة؟ قال بعض العلماء: إذا عجز بالجبهة سقط ما سواها، لأنها هي الأصل، فعلى هذا ما يجب عليه يسجد لا على كبتيه ولا على أطراف القدمين ولا على الكفين ما دام عجزت الجبهة، مثل: أن يكون في الجبهة جروح لا يستطيع أن يسجد عليها، نقول: يومئ إيماء، والصحيح أن العجز بالجبهة لا يسقط ما سواها،
стр. 895
يجب عليه أن يسجد على ما سواها لعموم قوله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". فعلى هذا نقول: اسجد على الكفين والركبتين وأطراف القدمين وأقرب من الأرض بقدر ما تستطيع.
يقول: "فإن لم تستطع فعلى جنب"، "إن لم تستطع" يعني: القعود، "فعلى جنب" أيُّ الجنبين؟ الحديث مطلق فعلى جنبك، ولكن ورد حديث أنه على الجنب الأيمن إذا استطاع، فإن لم يستطع فعلى الجنب الأيسر، ووجهه في جميع الأحوال إلى القبلة.
يستفاد من هذا الحديث عدة فوائد:
الفائدة الأولى: مشروعية عيادة المريض؛ لأن الرسول ﷺ عاد عمران بن حصين.
ثانيًا: جواز التصريح بما يستحيا منه لنشر العلم، يؤخذ من قوله: "كانت بي بواسير".
ثالثًا: حرص الصحابة- ﵃ على العلم، من أين؟ من سؤال عمران بن حصين.
رابعًا: أنه ينبغي لكل من نزلت به نازلة أن يسأل عن حكم الله في هذه النازلة، ولهذا عمران سأل النبي- ﵊.
خامسًا: وجوب الصلاة على المريض قائمًا لقوله: "صلِّ قائمًا"، والمراد الفريضة، أما النافلة فلا يجب فيها القيام، والدليل على أنه لا يجب فيها القيام أن النبي ﷺ كان يصلي على راحلته في السفر بدون ضرورة، ولو كان القيام واجبًا ما صلى هذه من فعله، كذلك لمّا ثقل كان ﷺ يصلي في الليل جالسًا حتى إذا قارب الركوع قام فركع هذا أيضًا من فعله، الدليل الثالث من قوله: "صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم"، ما وجه الدلالة؟ لأنه جعل ثواب القاعد على النصف، وهذا في غير العذر؛ لأنه في العذر يكون الثواب واحدًا فلا شك أن هذا الحديث في غير المعذور، وعلى هذا فيحمل على النفل، ولذلك أخرنا الاستدلال بهذا القول على الاستدلال بالفعل، وإلا ففي حال سياق الأدلة نقدم الاستدلال بالقول على الاستدلال بالفعل، لكن إذا كان فيه احتمال أو إشكال لا بأس أن نؤخره كما أنه يقدم في الاستدلال القرآن قبل السنة، فإذا كانت السنة صريحة والقرآن فيه احتمال أو السنة تدل على هذا الشيء بعينه والقرآن يدل عليه بعمومه تقدم السنة، إذن هذا في الفرض.
ومن فوائد الحديث: أنه يجب القيام ولو معتمدًا على عصا، أو على جدار، أو على عمود لقوله: "صلِّ قائمًا"، وهذا يشمل أي صفة تكون في القيام.
ومن فوائد الحديث: أن من عجز عن القيام يُصلي قاعدًا، وصفته على ما شرحنا.
ومن فوائده: أن من عجز عن القعود صلّى على جنبه.
стр. 896
ومن فوائد الحديث: تيسيرًا أحكام الشريعة والحمد لله، والشريعة كلها يسر، ثم إن طرأ ما يوجب تيسير هذا الميسر يسر أيضًا، فأصل الشريعة يسر كما قال الرسول- ﵊: "إن الدين يسر"، وإذا طرأ تيسير ما يوجب هذا اليسر يسر أيضًا، وهذا من نعمة الله علينا.
مسألة: عدم سقوط الصلاة عن المريض:
ومن فوائد الحديث: أن الصلاة لا تسقط عن [المريض] فيصليها على أي حال كان، ولكن إذا عجز عن هذه المراتب الثلاث هل تسقط؟ قيل: إنها تسقط؛ لأن الرسول- ﵊ ما جعل إلا ثلاث مراتب فقط، فإذا عجز عن الصلاة على الجنب فإنه تسقط عنه الصلاة، وقال بعض العلماء: لا تسقط، الرسول قال: "صلِّ على جنب"، ولم يبين كيف يصلي، فمعنى ذلك: أن يُصلي على حسب حاله، يصلي برأسه إن أمكن، أو بعينه إن لم يمكن، فإن لم يمكن بالعين فإنه يصلي بالقلب: أنوي القيام، وأنوي الركوع وأنوي الرفع منه، وأنوي السجود وأنوي الرفع منه، وأنوي الجلوس للتشهد وأنطق، فإن لم يمكنه النطق ولا الفعل، هذا رجل لا يمكن لا نطق ولا فعل ماذا يفعل؟ ينوي بقلبه؛ لأن الصلاة نية وعمل، فإذا تعذر العمل وجبت النية، ولا تسقط الصلاة ما دام العقل ثابتًا، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦].
وقول النبي ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"، والآن هذا ما نستطيع فعلينا أن نصلي بالنية، فنقول: إن قدرنا على النطق أو ننوي إذا لم نقدر على النطق، أما أن نقول لإنسان: ليس عليك صلاة وهو عاقل يدري ما يقول، ويدري ما يفعل لكنه عاجر عنه، ونقول: ليس عليك صلاة، ونقطع صلة الإنسان بينه وبين ربه، قد يبقى أيامًا أو شهورًا أو ربما سنين يكون أشل اللسان، وأشل الجوارح، لكنه عاقل ونقول: لا، لا تصلّ هذا في النفس منه شيء، فالصواب: أنها لا تسقط ما دام العقل ثابتًا، فإن لم يستطع أن يصلي على جنبه، مثل رجل أصيب بحروق في جنبه أو بالتهابات أو ما أشبه ذلك يُصلي مستلقيًا ويتوجه للقبلة، فإن لم يستطع الاستلقاء صلى على بطنه، أي شيء يكون فإن لم يستطع على بطنه، أو على أي شيء كيف يصلي؟ يُصلي على أي حال كان عليها، يُقال: إن بعض العامة سمع رجلًا يحدِّث بحديث: "إذا سرق تقطع يده اليمنى، فإن سرق ثانية فليقطع رجله اليسرى، فإن سرق ثالثة فليقطع يده اليسرى، فإن سرق رابعة تقطع رجله اليمنى، فإن سرق فاقتلوه"، قال العامي: كيف
стр. 897
يسرق بعد الرابعة؟ نقول: ربما يسرق بأسنانه، ربما يُذكر أن بعض الناس حمل على إبله فيما سبق بأسنانه.
المهم: أن نقول في مسألة الجنب إذا عجز عن الأيمن يكون بالأيسر، فإذا عجز فعلى الظهر، فإذا عجز فعلى البطن.
المهم: أن الصلاة لا تسقط، مشتهر عند العامة أن للإنسان يصلي بأصبعه، هذا لم يرد عن الرسول- ﵊ وإنّما يومئ، وما علمت أحدًا من أهل العلم قال بذلك، فلا أدري من أين جاء به العامة؟ !
٤٢٠ - وعن جابر ﵁ قال: "عاد النبي ﷺ مريضًا، فراه يُصلي على وسادة فرمى بها، وقال: صلِّ على الأرض إن استطعت، وإلا فأوم إيماءً، واجعل سجودك أخفض من ركوعك"، رواه البيهقيُّ، وصحح أبو حاتم وقفه.
ما معنى: "وقفه" يعني: أنه من قول جابر ليس مرفوعًا إلى الرسول ﷺ .
قال: "عاد النبيُّ مريضًا فراه يصلي على وسادة"، المريض يصلي على وسادة، وهل المراد: أن الوسادة صارت مصلى له؟ لا، لأن هذا ما يمكن، المراد: يسجد على وسادة، قد رفعها، لأنه ما يستطيع السجود على الأرض، "فرمى بها"، من الذي رمى بها؟ الرسول ﷺ ، وقال له: "صلِّ على الأرض" يعني: اسجد على الأرض، "إن استطعت، وإلا فأوم إيماء، واجعل سجودك أخفض ركوعك"، لكن هذا الحديث- كما رأيتم- موقوف على الأصح، إنّما معناه صحيح؛ لأن الإنسان لا ينبغي له أن يتكلف في دين الله، وأن يصنع شيئًا يرفع له، وإنّما المشروع أن تُصلي بدون كلفة ومشقة بأن تحاول أن تسجد على الأرض أولًا، فإن لم تستطع أومأت إيماء، بماذا يومئ إيماء؟ بالركوع والسجود بالرأس، قال النبي ﷺ إن صحَّ الحديث-: "واجعل سجودك أخفض من ركوعك" لماذا يجعلها أخفض؟ لأن السجود أخفض حتى في الركوع يحني ظهره، والسجود يصل إلى الأرض.
٤٢١ - وعن عائشة ﵂ قالت: رأيت النبيَّ ﷺ يصلِّي متربعا"، رواه النَّسائي، وصححه الحاكم.
يصلي متربعًا كما أشرنا من قبل إلى أن التربع يكون في حال القيام، وفي حال الركوع أيضًا، أمّا الجلوس بين السجدتين وفي حال التشهد فعلى العادة.
стр. 898
١٢ - باب صلاة الجمعة
هذا من باب إضافة الشيء إلى زمنه ووقته، فهي الصلاة التي تُفعل في وقت الجمعة، وسمي هذا اليوم بـ"يوم الجمعة" لاجتماع الناس فيه على الصلاة، ولأنه جمع فيه من الآيات الكونية ما لم يجتمع في غيره، ففيه خُلق آدم، وفيه أدخل الجنّة، وأُخرج منها، وفيه تقوم الساعة ... إلى آخره ما فيه من الخصائص، فلهذا سُمي يوم الجمعة، وقد ذكر اسمه بلفظ في القرآن في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنو إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ [الجمعة: ٩]، وهل ذكر في القرآن يوم آخر بعينه سواه؟ نعم، يوم السبت، لكن يوم السبت ذكر على سبيل التوبيخ واللوم.
التحذير من ترك الجمع:
٤٢٢ - عن عبد الله بن عمر، وأبي هريرة- ﵃، أنّهما سمعا رسول الله ﷺ يقول على أعواد منبره: "لينتهينَّ أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمنَّ الله على قلوبهم، ثمَّ ليكوننَّ من الغافلين"، رواه مسلم.
قوله: "عنهم" الضمير جمع والراوي اثنان فكيف يكون ذلك؟ نقول: لأن عبد الله بن عمر هو وأبوه، وقوله: "يقول" هذه جملة حالية وليست مفعولًا ثانيًا، لأن "سمع" هذه تعلق بشيء محسوس فهو كالرؤية البصرية تنصب مفعولًا واحدًا، فإذا قلت: "رأيت الرجل يسعى" جملة "يسعى" جملة حالية، وهذه أيضًا جملة حالية سُمعت؛ لأن السماع يتعلق بالأمور المحسوسة ليس بالأمور العلمية التي في القلوب.
يقول: "على أعواد منبره" أعواد جمع عود، والمنبر المكان المرتفع فهو من النبر- وهو الارتفاع- وأعواد منبر الرسول ﷺ هي: عبارة عن خشب صُنعت من أثل الغابة صنعها غلام لامرأة من الأنصار، وجعلها ثلاث درج، وكان النبي- ﵊ في الأول يخطب إلى جذع نخلة، وزعم بعض المؤرخين أنه كان يخطب على منبر من طين، ولكن لم يثبت، والمعروف أنه كان يخطب إلى جذع هذه النخلة، ولما صنع المنبر وصعده النبي- ﵊ حتى نزل الرسول- ﵊ وأسكته فسكت، وهذا من آيات الله الدالة على أن كل شيء من جماد هو حي، وسواء كان الجماد فيه الحياة أو ليس فيه حياة فإنه يعلم ويعرف، فهذا أحد حصى ينمو أو لا؟ ليس فيه نمو ومع ذلك يحبنا ونحبه، والحصى سمع يسبح بين يدي الرسول ﷺ ، والحجر كان يُسلم على الرسول- ﵊ في مكة هذا أيضًا جماد
стр. 899
ولكن أحس بفقد الرسول- ﵊ ما سكت إلا لما نزل الرسول- ﵊ من المنبر وأسكته، وهذا المنبر صنع له على ثلاث درج، ولما صنع له صار يخطب عليه- ﵊ وبقي في عهد أبي بكر، وعهد عمر، وعثمان، وعلي، وأول زمان معاوية، وزعم بعض المؤرخين- وأخشى أن يكون من دسائس الرافضة- أن معاوية طلب من مروان أن ينقل منبر الرسول- ﵊ إلى الشام، ويقال: إنه لما همَّ بذلك حصل في المدينة ظلمة حتى شوهدت النجوم ولمّا رأى ذلك مروان أظهر للناس أنه لا يريد أن يقلعه ويذهب به إلى الشام وإنّما يريد أن يزيده، فزاده من ثلاث إلى ست درجات، وبقي على هذا حتى احترق المسجد سنة (٦٥٤) هجرية، ثم بعد ذلك احترق مع المسجد، وصار الخلفاء كل واحد منهم يأتي بمنبر حتى وقتنا هذا.
فالشاهد أن قوله: "على أعواد منبره" نقول: المنبر هو عبارة عن ثلاث درج من الخشب من الأثل اتخذه النبي- ﵊ ليخطب عليه.
يقول: "لينتهين" اللام هذه موطئة للقسم، والنون للتوكيد، والتوكيد هنا واجب أو كثير أو قليل؟ واجب لمام الشروط الأربعة فهو مثبت وفي قسم ومستقبل ولم يفصل عن لامه فيكون هنا التوكيد واجبًا، "لينتهين أقوام" أقوام: نكرة ولم يبينها الرسول- ﵊ لأن من عادته أنه لا يعين أحدًا حتى وإن كان يعلمه مع أنه جاء في الحديث يُحتمل أن يعلمه أو لا يعلمه، على كل حال من عادة الرسول ﷺ أنه لا يعيّن أحدًا ولو كان يعلمه، ولهذا في قصة بريرة التي كاتبها أهلها وأرادت عائشة أن تشتريها وتشترط الولاء لها فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم، فاستأذنت عائشة النبي- ﵊ خطيبًا في الناس فقال: "ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله"، وهو يعلمهم لكن هذه من عادته؛ لأن تعيين الإنسان في مثل هذه المقامات تجريح له في الواقع، وليس المقصود أن يجرح الشخص، ولكن المقصود أن يبين الحق وأن هذا باطل فلا يجوز، والتجريح في المقامات العامة هذا لا يصلح به مصلحة أبدًا، لأن الإنسان إذا عين شخصًا ربما يحمل على أن العداوة شخصية، وأراد أن يشهر به، انظروا إلى مؤمن آل فرعون: ﴿وقال رجل مؤمن من أل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله﴾ [غافر: ٢٨]. لم يقل: أتقتلون موسى؛ لئلا يُتهم بأن دعوته إلى الحق دعوة شخصية عصبية، وهذا من حسن الدعوة.
стр. 900
يقول: "عن ودعهم الجمعات" "ودع" هذا مصدر فعله "ودع" الماضي، والمضارع "يدعُ" والأمر "دع"، وهذا المصدر قليل مثلى إذا قلت: "يذرهم"، هذه فعل مضارع، والماضي "وذره"، والأمر "ذر"، والمصدر "وذر" هذه قليلة، "عن ودعهم الجمعات".
"ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين" الختم بمعنى الطبع، وسمي ختمًا مثل ما يختم الإنسان على الظرف لزيادة التوثقة، والمعنى: أنه- والعياذ بالله- يختم على القلب في غلاف لا يصل إليه خير قط، لأنهم تركوا الجمعيات يقول: "ثم ليكونن من الغافلين" هذه نتيجة الطبع أو الختم: الغفلة عن ذكر الله وعن آياته، والغفلة عن ذكر الله وآياته تستلزم أن يكون أمر الإنسان فرطًا ما يستفيد من وقته، ولا من عمره، ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هوته وكان أمره فرطًا﴾ [الكهف: ٢٨]. ضائعًا والعياذ بالله.
هذا الحديث يستفاد منه عدة فوائد:
أولًا: التحذير من ترك الجمعة من قول: "لينتهين أو ليختمن الله".
ثانيًا: أن ترك الجمعات من كبائر الذنوب، من أين تؤخذ؟ من الوعيد عليه، وكل ذنب فيه وعيد فإنه من كبائر الذنوب.
ثالثًا: أن الجمعة فرض عين ما الدليل؟ لأنها لو كانت فرض كفاية لاكتفي بالحاضرين ولم يكن على التاركين إثم.
رابعًا: مشروعية الخطبة على المنبر لقولهما: "على أعواد منبره".
خامسًا: أنه ينبغي في الأحكام العامة أن تكون علنًا مظهرًا؛ لأن الرسول أظهرها في خطبة الجمعة.
والسادس: أنه ينبغي في الخطب أن يذكر فيها ما يناسب المقام؛ لأن خطبة الجمعة من أهم ما يذكر فيها الحث على الجمعة والتحذير من إضاعتها.
ومن فوائد الحديث: الرد على الجبرية، من أين يؤخذ؟ من قوله: "لينتهين"، وقوله: "ودعهم" كل هذا إضافة الفعل إلى الفاعل، وهذا أمر معلوم والحمد لله، كل إنسان يعرف أنه يفعل بالاختيار ويدع بالاختيار.
ومن فوائد الحديث: إثبات الأسباب، من أين تؤخذ؟ من قوله: "لينتهين أو ليختمن الله" فيجعل النبي- ﵊ ترك الجمعة سببًا للختم على القلب.
ومن فوائد الحديث: أن الله لا يجازي الإنسان بالإقدام على المعصية إلا حيث كان الخطأ منه- أي: من الإنسان-، الختم على القلب حتى يصبح الإنسان غافلًا، هذه عقوبة عظيمة ما سببها؟ سببها الإنسان في ودعه الجمعات، ولهذا قال تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ [الصف: ٥]. فجعل سبب إزاغته زيغهم هم، ولكل شيء سبب.
стр. 901
ومن فوائد الحديث: ذم الغفلة عن ذكر الله وعن آياته، حيث جعله النبي- ﵊ عقوبة، "ثم ليكونن من الغافلين" لماذا بالأول يقول: "لينتهين" وفي الثاني قال: "ليكونن" بالضم وبالأول فتح مع أن الفاعل جمع في كلا الفعلين؟ الأول: فاعله اسم ظاهر، والثاني: فاعله ضمير واو الجماعة، وإذا كان الفاعل من الفعل المضارع المؤكد بالنون إذا كان الفاعل اسمًا ظاهرًا لزم أن تكون النون مباشرة للفعل لفظًا وتقديرًا، وإذا باشرت الفعل لفظًا، وتقديرًا وجب بناؤه على الفتح، أما إذا باشرته لفظًا لا تقديرًا فلا يبني، المثال الذي معنا الآن: "ليكونن" هي مباشرة للفعل لفظًا نون الفعل ملاصقة لنون التوكيد لكنها ليست مباشرة له تقديرًا، لماذا؟ لأن بينه وبينها واو الجماعة المحذوفة، كما أنها إذا باشرت الفعل تقديرًا يبنى على الفتح كقول الشاعر [المنسرح]:
لا تُهينَّ الفقير علَّك أن ... تركع يومًا والدَّهرُ قد رفعه
أصلها: لا تهينن الفقير.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي في الخطب ألا يعين المخالف، ورد حديث: "أنه من ترك ثلاث جمع طبع الله على قلبه"، فهنا الجمعات جنس لولا تقييد هذا الحديث الثاني: "من ترك ثلاث جمع ... إلخ" لكانت عامة حتى لو ترك جمعة واحدة.
وقت صلاة الجمعة:
٤٢٣ - وعن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: "كُنَّا نُصلِّي مع الرسول الله صلى الله عليه وسلام يوم الجمعة، ثُمَّ ننصرف وليس للحيطان ظلٌّ يستظل به" متَّفقٌ عليه، واللَّفظ للبخاريِّ.
- وفي لفظ لمسلم: "كنَّا نجمِّعُ معهُ إذا زالت الشَّمسُ، ثُمَّ نرجع، نتتبَّعُ الفيء".
هيه الأحاديث في بيان متى تصلِّى الجمعة؟ صلاة الجمعة فهمنا أنها فرض عين، لكن متى تصلى؟ هل تصلى كما يصلى الظهر بعد الزوال؟ وهل يبرد بها كما يبرد لصلاة الظهر، أو يبادر بها؟ هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، وجمهور أهل العلم على أنها لا تصلى إلا بعد الزوال، واستدلوا بأحاديث التوقيت قالوا: إن الأحاديث عامة وقت الظهر وصلاة الجمعة، فقالوا: الأصل أن هذه الأوقات تشمل الجمعة كما تشمل الظهر بالاتفاق فلا تصح إلا بعد
стр. 902
الزوال، وقال بعض أهل العلم- وذهب إليه الإمام أحمد-: إلى أنها تجوز قبل الزوال، ثم على هذا القول اختلف القائلون به هل تجوز قبل الزوال بقليل بحيث تكون جائزة في الساعة السادسة مثلًا، أو تجوز من حين ارتفاع الشمس قدر رمح؟ على قولين المشهور من المذهب الثاني، أي: أن وقت صلاة الجمعة يدخل إذا ارتفعت الشمس قدر رمح؟ يعني: بعد طلوعها بنحو ربع ساعة، مثل العيد، لكن العيد ينتهي قبل الزوال وهي لا تنتهي إلا عند العصر أطول من العيد.
ولننظر الآن هذه الأحاديث أيّ الأقوال تؤيد يقول الأول: "كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة"، وصلاة النبي ﷺ الجمعة- كما تعلمون- يقرأ: بـ"سبح اسم ربك الأعلى"، و"الغاشية"، وربما قرأ بـ"الجمعة"، و"المنافقون"، وكان الرسول- ﵊ يقطع قراءته آية آية، وكان يخطب فربما خطب بسورة (ق) وهي طويلة، اجتماع هذه القرائن يدل على أن الرسول- ﵊ يبادر بها، وهذا الحديث الذي معنا- حديث سلمة- يقول: "ليس للحيطان ظل يستظل به"، الحيطان جمع حائط وهي ما يحوط المكان، والمراد: حيطان البيوت، وتعرفون أن البيوت في عهد الرسول- ﵊ ليست طويلة [بل] قصيرة، والحديث يقول: "ليس لها ظل"، فهل المنفي هنا الظل أو الظل بقيد يستظل به؟ الواضح أن النفي هو الظل بقيد أنه يستظل به، وعلى هذا فلا ينفي وجود أصل الظل، ويؤيد ذلك قوله في لفظ مسلم: "ثم نرجع نتتبع الفيء"، وهذا هو المتعين في الحديث، وقيل: إن معنى قوله: "يستظل به" تفسير للظل وليس تقييدًا له، يعني: وليس للحيطان ظل؛ لأن الظل يستظل به فيكون تفسيرًا له، وليس تقييدًا له، ومن المعلوم أن هذا التأويل ضعيف، والذي يضعفه أن الظل معروف أنه الذي يستظل به.
٤٢٤ - وعن سهل بن سعد ﵁ قال: "ما كنّا نقيل ولا نتغدّى إلا بعد الجمعة"، متفق عليه، واللفظ لمسلم. وفي رواية: "في عهد رسول الله ﷺ ".
قوله: "ما كنا نقيل" القيلولة هي: النوم نصف النهار، وأما الغداء فهو: الطعام في أول النهار، يعني: في الغدوة، والغدوة هي: أول النهار، ومعلوم أن الغداء لا بد أن يكون قبل الصلاة والقيلولة النوم نصف النهار، فيقول: "ما كنا نقيل إلا بعد صلاة الجمعة"، إذن فالجمعة قبل الزوال ما دامت القيلولة عند الزوال- النوم نصف النهار- كما قال الإمام أحمد، فهذا يقتضي أن تكون الجمعة قبل الزوال، وكذلك قوله: "ولا نتغدى" يدل على أن الجمعة يُبكر فيها؛ لأن الغداء لا
стр. 903
يكون إلا في الغدوة، أي في أول النهار، فإذا صار "لا يتغدى إلا بعد" دل هذا على أنهم يبكرون بها، وزعم بعضهم أن قوله: "ما كنا نقيل" أن القيلولة بعد الظهر وليس قبل الظهر، وأما قوله: "ولا نتغدى" فمعناه أنه يؤخر الغداء إلى بعد الظهر من أجل صلاة الجمعة، وهذا يقوله من يرى أنه لا يجوز صلاة الجمعة بعد الزوال، ولكن في هذا نظر؛ لأنه لو كانت القيلولة أصلها بعد الظهر لم يكن لقوله: "ما كنا نقيل إلا بعد الجمعة"، [فائدة]؛ لأنه إذا كانت القيلولة من العصر بعد الظهر فلا فائدة لقوله: "بعد الجمعة"؛ لأن هذا معلوم في الجمعة وفي الظهر وفي سائر الأيام، والصواب ما ذهب إليه بعض فقهاء الحنابلة من أن صلاة الجمعة تجوز قبل الزوال، ولكن المشهور من المذهب أنها تجوز من حين ترتفع الشمس قيد رمح إلى وقت العصر، ولهذا على هذا القول هي أطول الصلاة وقتًا.
والقول الثاني في مذهب الحنابلة: أنها إنّما تجوز الساعة السادسة، يعني: إذا انتهت الخامسة دخل وقتها فيكون قبل الزوال بساعة.
وقوله: "في عهد رسول الله ﷺ فائدة إتيان المؤلف بهذه الرواية ليكون الحديث مرفوعًا حكمًا؛ إذ إنه لو قال: "ما كنا نقيل" لأمكن لقائل أن يقول: لعل هذا بعد عهد الرسول ﷺ ، فإذا قال: "في عهد الرسول ﷺ " فهو دليل على أنه مرفوع حكمًا، وقد سبق لنا في المصطلح أن الصحابي إذا قال: "كانوا يفعلون"، أو "كنا نفعل" حتى لو لم يقل: "على عهد الرسول ﷺ "، فالصحيح أنه مرفوع حكمًا؛ لأن الصحابي يأتي بمثل هذا للاحتجاج به على أنه من فعل الصحابة في عهد الرسول ﷺ .
العدد الذي تنعقد به الجمعة:
٤٢٥ - وعن جابر ﵁: "أن النبيَّ ﷺ كان يخطب قائمًا، فجاءت عيرٌ من الشَّام، فانفتل الناس إليها، حتّى لم يبق إلا اثنا عشر رجلًا". رواه مسلم.
"كان" فعل ناقص واسمها مستتر، و"قائمًا" حال من فاعل "يخطب" أما خبر "كان" فهي جملة "يخطب".
"كان يخطب قائمًا" يعني: الجمعة، "فجاءت عير من الشام"، العير هي: الإبل المحملة، وأكثر ما تكون محملة بالطعام هذه العير، وقوله: "من الشام" الظاهر أن المقصود من نفس الشام ليس معناها الجهة الشمالية مثلًا، ولكن من الشام نفسها، "فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلًا"، العير هذه محملة بالطعام قدمت المدينة وكانوا بحاجة إليها، فلما سمعوا بها انفتلوا؛
стр. 904
يعني: انصرفوا إليها، والانفتال معناه: الانصراف، ومنه: فتل الحبل، لأنك إذا فتلته يعني تلويه فهو ليِّ وانصراف؛ حيث إنهم انفتلوا إلى العير لشدة حاجتهم، وظنوا أن الأمر لا يبلغ هذا المبلغ وإلا لو علموا أنه يبلغ هذا المبلغ هل ينصرفون؟ لا، فظنوا أن هذا الانصراف منهم لا حرج عليهم فيه لشدة حاجتهم؛ حيث إن هذا الأمر قد بلغ بهم هذا المبلغ، فخرجوا حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلًا، من هم؟ لم يُعيَّنوا، لكن بالتأكيد أن أبا بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعليًّا، هؤلاء الأجلة لا بد أن يكونوا موجودين، وقوله: "إلا اثنا عشر رجلًا" "رجل" هذه تمييز للعدد "إلا اثنا عشر"، وقوله: "إلا اثنا عشر" محله من الإعراب أنه منصوب على الاستثناء.
يُستفاد من هذا الحديث عدة فوائد: الفائدة الأولى: أن المشروع في خطبة الجمعة أن يكون الإنسان قائمًا لقوله: "يخطب قائمًا"، وفي القرآن ما يعضد ذلك: ﴿وتركوك قائمًا﴾ [الجمعة].
ويستفاد منه: لوم من خرج من المسجد للتجارة، بل ولغير التجارة بعد الأذان؛ لأن الآية في مقام اللوم.
ويُستفاد من هذا الحديث: أن الجمعة تنعقد باثني عشر رجلًا لقوله: "لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلًا"، ولكن لمعارض أن يعارض فيقول: لعلهم رجعوا قبل أن يتم خطبته، فصاروا أربعين، ولمعارض آخر أن يقول: إنهم صاروا اثني عشر رجلًا على سبيل الصدفة والاتفاق، ولو كانوا أقل من ذلك لم يتغير الحكم، فالأول يقوله من يرى أن العدد لا بد أن يكون أربعين، والثاني يقوله من يرى أنه لا يشترط أن يبلغ اثني عشر رجلًا، ولكن في كلا الجوابين نظر، أمّا الذين يقولون لعلهم رجعوا فإننا نقول: الأصل عدم الرجوع، والثاني: ظاهر الحديث أنهم ما رجعوا؛ لأنه قال: "لم يبق إلا اثنا عشر رجلًا"، ولم يقل: ثم رجعوا لكان يجب أن يذكر لما فيه من زوال اللوم عنهم.
وأمّا الثاني: فنقول لمن قال: إن هذا وقع على سبيل التشريع، نقول: من يقول لك هذا؟ ما ظنك هل لو خرجوا اثني عشر ولم يبق إلا ثلاثة أو أربعة يسبب أن الحكم يتغير؟ لا يتغير؛ لأن الأصل بقاء الحكم على ما كان عليه، وقد قررنا فيما سبق كثيرًا على أن المسائل التي تقع اتفاقًا ليست تشريعًا، وغاية ما فيها أن تكون مباحة فقط، وذكرنا من ذلك نزول الرسول- ﵊ ليلة المزدلفة نزل فبال، وتوضأ وضوءًا خفيفًا ثم ركب حتى أتى "مزدلفة" فهل نقول: إنه يشرع للحجاج أن ينزلوا هذا الشعب ويبولون؟ لا، ليس بمشروع، كذلك أيضًا كون الرسول- ﵊ قدم إلى مكة في حجة الوداع في اليوم الرابع، وبقي يقصر الصلاة، هل نقول: من قدم في اليوم الثالث لا يقصر؟ الجواب: لا، لا نقول ذلك؛ لأن كون
стр. 905
الرسول- ﵊ قدم في اليوم الرابع، وبقي أربعة أيام حتى خرج إلى "منى" هذا وقع اتفاقًا لا قصدًا، والدليل على أنه لا يختلف الحكم وأنك لو قدمت في اليوم الثالث، أو الثاني، أو الأول من ذي الحجة تقصر لو زاد على أربعة أيام، الدليل على أنه لو كان الحكم يتغير لكان بيَّنه الرسول- ﵊؛ لأن هذا الأمر، الرسول يعلم وكل الناس يعلمون أن من الناس من يأتون قبل يوم الرابع أو بعده، فما وقع اتفاقًا لا يعتبر تشريعًا وهذا نافع لطالب العلم، إلا أن ابن عمر- ﵁ وعن أبيه- من شدة تحريه للسُّنة أنه كان يتابع الرسول ﷺ حتى فيما وقع اتفاقًا، حتى قيل: إنه كان يتتبع الأماكن التي ينزل الرسول ﷺ فيها فيبول ينزل هو أيضًا فيبول ﵁، أو التي ينزل فيها ليصلي فينزل فيها ويصلي، يعني: يتحرى كل هذا ولكن هذا، الأصل الذي مشى عليه ابن عمر خالفه عليه بقية الصحابة، وقالوا: إن هذا لا يدل على التشريع لكن يدل على الجواز، إذ لو كان ممنوعًا ما فعله الرسول- ﵊ إذن هذا الذي معنا الآن هذا من فروع تلك القاعدة، كونه لم يبق إلا اثنا عشر رجلًا وينزل الرسول ﷺ في خطبته ويستمر، ما نقول: إنه لو بقي أقل من أثني عشر رجلًا لاختلف الحكم؛ لأن الأصل عدم اختلاف الحكم وبقاؤه على ما كان عليه، وكونه لم يبق إلا اثنا عشر رجلًا كما لو لم يبق إلا خمسة عشر رجلًا أو تسعة رجال فالحكم واحد.
وهاهنا مسألة وهي أن يقول قائل: الصحابة لا شك أنهم خير القرون بنص الرسول- ﵊: "خير الناس قرني، ثم الذي يلونهم"، فكيف يقع من خير القرون أن يخرجوا من عند النبي- ﵊ وهو قائم يخطب الناس يعظهم ويذكرهم، وتأمل قوله: ﴿وتركوك قائمًا﴾ الكلمة هذه تحمل لومًا عظيمًا، كيف يحدث هذا؟ زعم بعض أهل العلم أن الخطبة كانت قبل نزول هذه الآية، وأنهم لما أنهوا الصلاة قالوا الخطبة استماعها ليس بواجب، وأنه لما حصل ما حصل قُدمت الخطبة على الصلاة، فما رأيكم في هذا الجواب؟ هذا الجواب في الحقيقة من حيث تنزيه الصحابة وتعظيم الصحابة جيد، لكن من حيث الواقع ليس بجيد كيف ذلك؟ لأن الله في الآية يقول: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض﴾ [الجمعة: ١٠]، إذن لا يوجد خطبة والأصل أن ما كان هو الذي كان، الأصل أن ما هو موجود الآن هو الذي كان موجودًا من قبل حتى يقوم دليل على أن الحكم مختلف فكما أننا نقول: الأصل بقاء ما كان على ما كان، فإننا نقول أيضًا: الأصل أن ما كان هو ما كان، فينسحب الحكم من الآخر إلى الأول، كما ينسحب من الأول إلى الآخر، فالأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يوجد دليل
стр. 906
على أن الأمر تغير، وهذا هو الذي لا يشك فيه الإنسان عند التأمل أن الخطبة كانت قبل الصلاة حتى ذلك الوقت.
فيستفاد من هذا الحديث: وجوب حضور الخطبة لقوله: ﴿انفضوا إليها وتركوك قائمًا﴾ [الجمعة: ١١]. وهو كذلك حضور الخطبة واجب واستماعها واجب؛ لأن الحضور إنما هو للاستماع.
حكم إدراك ركعة من الجمعة:
٤٢٦ - وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أدرك ركعة من صلاة الجمعة وغيرها فليضف إليها أخرى، وقد تمت صلاته". رواه النسائي، وابن ماجه، والدارقطنيُّ، واللفظ له، وإسناده صحيح، لكن قوَّى أبو حاتم إرساله.
يقول- ﵊: "من أدرك ركعة من صلاة الجمعة وغيرها فليضف إليها أخرى"، اما من أدرك ركعة من صلاة الجمعة وأضاف إليها أخرى فقد تمت صلاته؛ لأنه صلى ركعتين والجمعة ركعتان، وأما قوله: "وغيرها" فهذه اللفظة الظاهر أنها غير محفوظة وأنها شاذة، فإن كانت محفوظة فيجب أن يحمل الغير على الصلاة الثنائية، لأن هذا لا يستقيم في الصلاة الثلاثية والرباعية، قلنا فيها طريقان الأول أن نقول: إنها غير محفوظة، والثاني أن نقول: على تقدير أنها محفوظة وأن الراوي منضبط، فإنها تحمل على الصلاة الثنائية، وهذا أمر لا يشك فيه أحد.
وقوله: "فليضف إليها أخرى" يستفاد منه: أن ما يقضيه هو آخر الصلاة؛ لأن المضاف إلى الشيء تكميل له فيكون ما يقضيه هو آخر الصلاة وهو الصحيح كما سبق بحثه.
ويُستفاد من الحديث: أن من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها تامة؛ لقوله: "وقد تمت صلاته".
ويُستفاد منه: رحمة الله بخلقه على أن من أدرك بعض الصلاة فقد أدرك الكل وهذا في الأجر والثواب، ولكن لا يستوي من أدرك الكل ومن أدرك البعض.
ويستفاد منه أيضًا: وجوب إتمام الصلاة، وأنه لا يجوز الخروج منها، يؤخذ من قوله: "فليضف إليها أخرى"، واللام لام الأمر، والأصل في الأمر الوجوب.
ويستفاد منه: أنه لا يشترط لصحة الجمعة حضور الخطبة، من أين تؤخذ؟ من قوله: "من أدرك ركعة"، والذي أدرك ركعة لم يحضر الخطبة.
стр. 907
ولكن قد يقول قائل: يمكن أن يحضر الخطبة ويطرأ عليه طارئ كاحتياج إلى البول ويذهب ويبول ثم يرجع وتفوته ركعة.
فنقول: هذه الحالة نادرة، ولا يمكن أن يحمل الحديث على النادر ويترك الشيء الكثير، ولا شك أن الشيء الكثير أن من لم يدرك ركعة فهو لم يحضر من أول الأمر.
ويُستفاد من هذا الحديث بمفهومه- لأن منطوق الحديث: "أن من أدرك ركعة فقد تمت صلاته": أنّ من أدرك أقل من ركعة فإنه لا يجوز أن يضيف ركعة أخرى، ما هو الواجب؟ الواجب أن يُصلي أربعًا، وهذا يدل على رد قول من يقول: إن صلاة الجمعة فرض الوقت حتى لمن لا يجمع، ويرون أن النساء يصلين في بيوتهن ركعتين ويقولون: لا فرق، وهذا قول لا شك أنه ضعيف جدًّا، إن لم نقل إنه باطل، وهذا الحديث يدل عليه، يقول: "فإذا أدرك ركعة أضاف إليها أخرى" شرط إضافة الأخرى فقط لمن أدرك ركعة، وأن من لم يُدرك ركعة فلا يشترط أن يضيف أخرى.
هل يُستفاد منه جواز اختلاف نية الإمام والمأموم، يعني: إذا أدرك أقل من ركعة ماذا ينوي؟ ظهرًا والإمام جمعة نقول: نعم، وهذه المسألة استثناها من يقول: إنه لا يصح اختلاف نية الإمام والمأموم وهو المشهور من مذهب الحنابلة، لكنهم استثنوا هذه المسألة، واستثنوا أيضًا من صلى خلف إمام في صلاة العيد، وهو من يرى أن صلاة العيد فرض والإمام يرى أنها نفل استثنوا هذه أيضًا، ولكن الصواب كما تقدم أن اختلاف النية لا يضر.
حكم الخطبة قائمًا:
٤٢٧ - وعن جابر بن سمرة ﵁: "أن النبي ﷺ كان يخطب قائمًا، ثمَّ يجلس، ثم يقوم فيخطب قائمًا، فمن أنباك أنه كان يخطب جالسًا، فقد كذب". رواه مسلم.
هذا يظهر- والله أعلم- أنه في عهد جابر بن سمرة كثر كلام الناس في الخطبة هل يخطب قائمًا أو يخطب جالسًا؛ لأن كلمة "فمن أنباك أنه كان يخطب جالسًا فقد كذب" هذه كلمة شديدة تدل على رد هذا الزعم.
يقول: "إن الرسول- ﵊ كان يخطب قائمًا"، ونقول في إعرابها ما قلنا فيما سبق، "يجلس ثم يقوم فيخطب قائمًا" فأثبت وكرر أن النبي ﷺ كان يخطب قائمًا، وكونه قائمًا هل هو شرط لصحة الخطبة، أو هو من مكملاتها؟ قال بعض أهل العلم: إنه شرط لصحة الخطبة، وأنه لو خطب قاعدًا فخطبته لاغية، لأن النبي ﷺ واظب على ذلك، ولم يترك يومًا
стр. 908
من الأيام في خطبة الجمعة، وما واظب عليه فهو دليل على أنه واجب؛ لأنه كالتفسير لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ [الجمعة: ٩]. ولكن جمهور أهل العلم على أن الخطبة قائمًا أفضل وليست بواجب، وأنه لو خطب جالسًا جاز وأجزأت الخطبة؛ لأن المقصود يحصل بذلك ولو كان قاعدًا وهذا مذهب جمهور أهل العلم.
وقوله: "كان يخطب" سبق لنا أن "كان" تفيد الاستمرار غالبًا، وقوله: "قائمًا" هذه حال من الفاعل "يخطب" وليست خبر كان، خبر كان جملة: "يخطب".
"يجلس ثم يقوم فيخطب قائمًا فمن أنبأك أنه كان يخطب جالسًا فقد كذب"، يجلس أي: الجلوس الأول عند الأذان والجلوس الثاني بين الخطبتين، "ثم يقوم فيخطب" وقوله: "فمن أنبأك" يعني: أخبرك، يقال: نبأ، وأنبأ وأخبر معناهما واحد، وقيل: إن الإنباء أعظم يكون في الأمور التي هي أهم يقال: نبأ، ولكن الصحيح أنه لا فرق بينهما، وقوله: "أنه كان يخطب جالسًا فقد كذب" يعني: أخبر بخلاف الواقع.
يستفاد من هذا الحديث: أن الرسول- ﵊ كان يخطب قائمًا ويجلس قبل الخطبة وبين الخطبتين.
ويستفاد منه: أن الأفضل أن يخطب الإنسان قائمًا في الجمعة، وقيل: إنه واجب لا يجوز أن يخطب جالسًا، ولكن لدينا قاعدة أن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب إلا بقرينة، وليس هناك قرينة تدل على الوجوب فيحمل على أنه الأفضل والأكمل.
ويستفاد من هذا الحديث: أن بعض الناس كان يدعي في عصر الصحابة أن الرسول- ﵊ كان يخطب جالسًا، من أين يؤخذ؟ من قوله: "فمن أنباك"، فإن هذا يدل على أن هناك من يقول: إنه كان يخطب جالسًا.
ومنها: تغليظ القول لمن قال بخلاف الحق، من أين تؤخذ؟ من قوله: "فقد كذب"، فهذه كلمة خشنة وعظيمة لكن يستحقها من كذب، ثم إن الكاذب قد يلام على كذبه وقد لا يلام، إن كان قال قولًا يظن أنه الصواب وليس هو الصواب فهو كاذب، لكنه غير آثم، وإن قاله متعمدًا فهو كاذب آثم، ويقال للأول: مخطئ، وللثاني خاطئ، أي: واقع في الخطأ عن عمد.
صفة خطبة النبي ﷺ :
وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومسَّاكم، ويقول: أما بعد، فإن خير
стр. 909
الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمّد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة ". رواه مسلم.
وفي رواية له: "كانت خطبة النبي ﷺ يوم الجمعة يحمد الله ويثني عليه، ثم يقول على إثر ذلك، وقد علا صوته". وفي رواية له: "من يهدي الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له".
وللنسائيَّ: "وكلَّ ضلالة في النَّار".
"كان إذا خطب"، نقول في "كان" ما قلنا فيما سبق أنها تدل على الاستمرار غالبًا، وقوله: "وإذا خطب" الحديث مطلق يشمل خطبة الجمعة وغيرها، فهو غير مقيد فيبقى على إطلاقه، لكنه في خطبة الجمعة الراتبة الدائمة التي تكون كل أسبوع لا شك أنها داخلة في الحديث.
"احمرت عيناه" أي: احمرت من شدة الانفعال والغضب، "وعلا صوته" لأنه كلما اشتد الإنسان ارتفع صوته واشتد غضبه، والغضب هو جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم حتى يفور دمه وتنفتح أوداجه وتحمر عيناه، ويقف شعره هذا هو الغضب، وغضب النبي- ﵊ هنا ليس غضبًا للانتقام، ولكنه غضب للحث والإغراء على فهم ما يقول، وعلى الاتعاظ به، وإلا فليس هناك شيء أمامه يستدعي الغضب.
وقوله: "حتى كأنه منذر جيش" منذر أي: يخوف بجيش؛ لأن الإنذار هو الإعلام المقرون بالتخويف، كأنه منذر جيش" والجيش هم: القوم الغزاة يكون عددهم أربعمائة فأكثر.
"يقول: صبحكم ومساكم" يعني: هل يقول في الخطبة: صبحكم ومساكم، أو هذا وصف لمنذر الجيش؟ هذا وصف لمنذر الجيش الذي يأتي فزعًا ينذر الناس، يقول: "جاءكم جيش صبحكم ومساكم" ليكونوا على استعداد له.
ويقول: "أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله" "أما بعد" هذه الكلمة يقولون في إعرابها: "أما" نائبة عن اسم شرط، وفعل شرط، واسم آخر يتلوها، "أما" نائبة عن: مهما يكن من شيء، يقول ابن مالك:
أمَّا كمها يك من شيء وفا ... لتلو تلوها وجوبًا ألفا
إذن هي نائبة عن اسم شرط، وما هو اسم الشرط؟ "مهما"، وفعل الشرط "يكن" والاسم المبين المبهم في الشرط: "من شيء"، مهما يكن من شيء "بعد" هذه ظرف مبني على الضم، لماذا؟ لأنه حذف المضاف إليه ونوى معناه يعني مهما يكن من شيء بعدما ذكرت، "فإن خير
стр. 910
الحديث كتاب الله" وقوله: "فإن خير الحديث" هذه جواب الشرط، "خير" هنا اسم تفضيل حذفت منه الهمزة تخفيفًا لكثرة الاستعمال؛ يعني: أخير الحديث كتاب الله، وهو القرآن، فهو خير الأحاديث في الأخبار وفي الأحكام، لأنه مشتمل على غاية الصدق في الأخبار وعلى غاية العدل في الأحكام، كما أنه خير الحديث أيضًا فصاحة وبلاغة وأسلوبًا، فلا يوجد له نظير، كما أنه خير الحديث في إصلاح القلوب، يقول ابن عبد القوي ﵀ [الطويل]:
وحافظ على درس القران فإنَّه ... يليِّن قلبًا قاسيًا مثل جُلمد
فلا حديث أشد إصلاحًا للقلوب من كلام الله ، وهو أيضًا خير الحديث في إصلاح المعاش معاش الخلق، لذلك لما كانت الأمة قائمة به كانت أسعد الأمم، وهو خير الحديث أيضًا في إصلاح المعاد، يقول تعالى: ﴿فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى﴾ [طه ١٢٣]. لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، ﴿ومن أعرض عن ذكري فإنّ له معيشة ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى﴾ [طه: ١٢٤]. هو أيضًا خير الحديث في قوة تأثيره، ولهذا قال الله : ﴿وجهادهم به جهادًا كبيرًا﴾ [الفرقان]. وماذا أثر في البلغاء والفصحاء من قريش؟ اعترفوا فيما بينهم سرًّا بأنه ليس من كلام البشر، حتى إن بعضهم ما ملك نفسه أن يسلم حين سمع القرآن، فهو خير الكلام من كل ناحية: في لفظه ومعناه وتأثيره وعاقبته، وإصلاحه للخلق في الأعمال والقلوب والأحوال، فخير الحديث تاب الله المكتوب، وسبّق لنا أنه- أي: القرآن- مكتوب في اللوح المحفوظ، مكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة، ﴿فمن شاء ذكره، في صحف مكرمة، مرفوعة مطهرة، بأيدي سفرة﴾ [عبس: ١٢ - ١٥]. مكتوب في المصاحف التي بأيدينا كما هو ظاهر.
"وخير الهدي هدي محمد" ما هو الهدي؟ الهدي: الطريق والسُّنة والعمل، فيشمل الأخلاق والعبادة والمعاملة، فخير الهدي هدي الرسول- ﵊ حتى من هدي الأنبياء السابقين؟ نعم، حتى من هدي الأنبياء السابقين، فإن خير الهدي هدي الرسول- ﵊ ولهذا قال الله تعالى: ﴿قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه﴾ [القصص: ٤٩]. أي: تحدى ما يوجد أهدى من القرآن والتوراة التي قالوا: إنها صحف، وهنا: "خير الهدي هدي محمد" يشمل هدي من دون الأنباء. ما رأيكم في هدي الصوفية والتيجانية والقاديانية، وما أشبهها؟ أهدي من هدي الرسول- ﵊ أم لا؟ لا، إذن خير الهدي هدي الرسول- ﵊ ولهذا أعقبه بقوله: "وشر الأمور محدثاتها" "شر الأمور" الأمور المتعلقة بالدين والعبادة شرها محدثاتها، أما ما يتعلق بالدينا فإن من المحدثات ما هو خير،
стр. 911
وخير مما قبله أيضًا لكن المقصود هنا: ما يتعلق بأمور الدين، الحديث يتكلم عن ماذا؟ عن خير الهدي، فشر الأمور مما يعتبر هديًّا ودينًا وعبادة، "محدثاتها" اسم مفعول يعني: التي أحدثت في دين الله هي شر الأمور.
لو قال لي قائل: أنا أريد الخير، أنا إذا فعلت هذا أجد في قلبي رقة ولينًا وخشوعًا، لماذا تمنعوني؟ ماذا نقول؟
نقول: هذا ليس بخير؛ لأن الرسول- ﵊ يقول: "شر الأمور"، و"شر" اسم تفضيل يعني: أشر الأمور ما أحدث في دين الله حتى لو تراءى لفاعله أنه خير فهذا من تزيين الشيطان له، وإلا فليس بخير مهما كان، لو قالوا: والله نحن اجتمعنا وخشعنا وبكينا وذكرنا الله ، وذكرنا الرسول ﷺ وما أشبه ذلك، نقول: هذا شر لا شك نحن نؤمن بهذا هذا القبس الذي تجدونه ينقدح عند هذا الذكر هو ينطفئ ويعقبه ظلمة وحرارة؛ لأنه يُفسد القلب، البدع مهما كانت فإنها تُفسد القلوب؛ لأنها- بإذن الله- يحدث بها رد فعل بالنسبة لسسن، ولهذا قال بعض السلف: "ما أحدث قوم بدعة إلا وتركوا من السنة ما هو خير منها"، وهذا صحيح، فالقلب إذا اشتغل بالباطل ما بقي للحق فيه محل، كما أنه إذا انشغل بالحق ما بقي فيه للباطل محل.
"شر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" بدعة في ماذا؟ في الدين، والبدعة ما تعبد به الله عقيدة أو قولًا أو عملًا أو فعلًا، ولم يكن على عهد النبي ﷺ ؛ لأنه إذا كان على عهده فليس ببدعة، وقوله: "ضلالة" الضلالة ضد الهدي فهي ميل وخروج عن الصراط المستقيم وضلال.
قوله: "وفي رواية له كانت خطبة النبي ﷺ يوم الجمعة"، إذن فيكون العموم الذي ذكرناه في أول الكلام يكون مقيدًا بيوم الجمعة.
"يحمد الله ويثني عليه ثم يقول على إثر ذلك وقد علا صوته" يقول يعني: "أما بعد ... " إلخ.
إذن نستفيد من هذا: زيادة قول: "يحمد الله ويثني عليه". الحمد هو وصف المحمود بالكمال والثناء وتكرار ذلك الوصف، فيعبر كثير من المصنفين في الحمد بأن الحمد هو الثناء بالجميل؛ يعني: أثني عليه بسبب جميله وإحسانه، وهذا ليس بصحيح؛ لأن الحمد ليس بثناء، الثناء شيء والحمد شيء آخر، الدليل حديث أبي هريرة في الصحيح: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: ﴿الرحمن الرحيم﴾، قال: أثنى عليَّ عبدي"، فدل ذلك على أن الحمد ليس هو الثناء، وأن الثناء تكرار الحمد والأوصاف الجميلة، "يحمد الله ويثني عليه ثم يقول على إثر ذلك وقد علا صوته"، يقول: "أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله" كما سبق.
стр. 912
وفي رواية له: "من يهد الله فلا مضل له" (من) شرطية جُزم الفعل بها بالكسر نيابة عن السكون؛ لأنه معتل الآخر، هل هذا صحيح؟ لا، فماذا نقول؟ فنقول: "من" اسم شرط جازم، "يهد" فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العلة، وهو الياء، لماذا لا نقول: إنها مجزومة بالتقاء الساكنين؟ نقول: لأن الشرط عارض فقُدّم، والتقاء الساكنين ليس بعارض، "من يهد الله فلا مضل له" "لا" نافية للجنس، و"مضل" اسمها، و"له" جار ومجرور متعلق بخبرها؛ يعني: فلا أحد يضله، وقوله: "من يهد الله" يشمل من يهده الله بعلمه وقدره، ومن يهده الله فعلًا، فمن قدر الله له الهداية فلا يستطيع أحد أن يضله، ومن هداه الله بالفعل ما يستطيع أحد أن يخرجه من الهداية، يعني: أن من هداه الله لا يستطيع أحد أن يصرفه عن الهداية، ولا أن ينزعه من الهداية، فتجد مثلًا بعض الناس ليس على هدى فتأتيه رجلان أحدهما يدعوه إلى البقاء على ما كان عليه من الضلال، والثاني يدعوه إلى الهدى فيهتدي مع قوة دعاية الأول، لكن نقول: لن يمنعه الأول من الهدى، لماذا؟ لأن الله تعالى قد قدَّر له الهداية، كذلك الرجل الذي اهتدى بالفعل ويوجد أناس يحالون أن يضلوه، ولكن الله تعالى قد أبقاه على الهدى فلا يستطيعون أن يضلوه، فمن يهدِ الله تعالى قدرًا- يعني: أنه قدر له الهداية- لا أحد يمنعه منها، ومن هداه بالفعل لا أحد ينزعه منها.
"ومن يضلل فلا هادي له" عكس الأولى، من قدِّر ضلالة لا يمكن أن يهتدي، أبو طالب ماذا فعل الرسول- ﵊ بالنسبة إليه؟ حاول بكل ما يستطيع ﷺ أن يهتدي هذا الرجل، ولكنه لم يهتد؛ لأن الله تعالى قد قدَّر له الضلال، وكذلك الإنسان الذي كان على هداية ثم بدأ ينحرف فكان أصحابه وأصدقاؤه وأهله ينصحونه يقولون: لا تنحرف، ولكنه- والعياذ بالله- أبى إلا أن ينحرف، هذا أيضًا نقول: "من يضلل فلا هادي له".
وللنسائي: "وكل ضلالة في النار" بعد قوله: "كل بدعة ضلالة": "كل ضلالة في النار"؛ ما قال: كل صاحب بدعة، كل بدعة في النار؛ لأنه خلاف الحق، وما كان خلاف الحق فإنه في النار، ولكن هل يلزم من كون البدعة في النار أن يكون صاحبها كذلك؟ لا إلا إذا كانت البدعة مكفرة، فإن صاحبها يكون في النار، أما إذا لم تكن مكفرة فإن صاحبها قد يستحق العقوبة في النار لكنه لا يستحق الخلود، هذا الحديث عظيم، ولهذا الرسول- ﵊ كان يخطب به يوم الجمعة.
* نرجع إلى فوائده:
من فوائده: أولًا: أن الرسول- ﵊ كان يتأثر عند الخطبة بقوله وحاله؛ بقوله: يعلو صوته، وبحاله: يشتد غضبه وتحمر عيناه.
стр. 913
إذن يُستفاد من ذلك: أنه ينبغي للخطيب أن يفعل هذا اقتداء بالرسول ﷺ ، ولأنه أقوى تأثيرًا مما إذا جاءت الخطبة باردة، ولكن هل نقول: إن هذا مشروع في كل خطبة، أو نقول: إن هذا في الخطب التي للوعظ والزجر، وأمّا الخطب التي تكون لبيان الأحكام فإنها لا تحتاج إلى هذا؟ هذا الأخير هو الأظهر؛ لأن الرسول- ﵊ فيما إذا لم يكن خطبته موضوعة على الزجر والتخويف كان يقولها بدون ذلك كما في حديث بريرة قام وخطب الناس، وكما في حديث المرأة التي سرقت ما كان يحدث له هذا لأنه لبيان الأحكام مع أن فيها شيء من الزجر، لكنها ليست كخطبة الجمعة.
ويُستفاد من هذا الحديث: أنه ينبغي أن يقول في الخطبة: "أما بعد"، ولكن هل تُقال في كل جملة أو في كل سطر أو ماذا؟ في مستهل الخطبة يعني: عند الدخول في الموضوع، وأمّا قول بعضهم: بأنه يحتاجها للانتقال من أسلوب إلى آخر ففيه نظر، لو قلنا بهذا لكان يؤتي بها إذا انتقلنا من خبر إلى إنشاء أو إذا انتقلنا من كلام على شيء إلى كلام آخر وهو ليس كذلك، لكنه يؤتي بها عند الدخول في الموضوع، وقد قال بعض العلماء: إنّها فصل الخطاب الذي أوتيه داود: ﴿وأتيناه الحكمة وفصل الخطاب﴾ [ص: ٢٠]. قال: يعني يفصل آخره من أوله، ولكن هذا فيه نظر، والصواب: أن فصل الخطاب هو الحكم بين الناس.
ويُستفاد من الحديث: أن خير الحديث كتاب الله من كل ناحية: في اللفظ، والمعنى، والتأثير، والحال، في كل شيء خير الحديث كتاب الله.
ويستفاد منه: الحث على قراءة القرآن والتمسك به، من أين يؤخذ؟ من قوله: "خير الحديث" وما كان خير الحديث فينبغي ملازمته.
ويستفاد من هذا: أن القرآن كلام الله، يؤخذ من قوله: "خير الحديث"؛ حيث وصفه بالحديث، فالحديث هو القول، فإذن القرآن يسمى حديثًا ويسمى قولًا، ويسمى خبرًا، ويسمى قصصًا أيضًا: ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن﴾ [يوسف: ٣].
ويُستفاد من الحديث: أن خير الهدي هدي الرسول- ﵊ من قوله: "خير الهدي هدي محمد".
ويُستفاد منه: أن كل خير يوجد في طرق أخرى غير طريق الرسول- ﵊ فإن طريق الرسول خير منه لقوله: "خير الهدي"، فأي خير يوجد في هدي غير الرسول- ﵊ فإن في هدي الرسول ما هو خير منه؛ لأن قوله: خير الهدي هدي محمد" يشمل الجزئيات والكليات، ما من خير في أي هدي يكون إلا وفي هدي الرسول- ﵊ ما هو خير منه، إذن النظم والقوانين والدساتير الوضعية ما
стр. 914
يوجد فيها من خير ففي هدي الرسول- ﵊ ما هو خير منها، ونحن لا نقول: إنه لا يوجد خير في غيره، بل يوجد، ولكن خير الهدي هدي الرسول- ﵊.
ويستفاد من هذا الحديث: أن المحدثات والبدع شر لقوله: "وشر الأمور محدثاتها" فهي شر وعاقبتها شر ولا خير فيها، بل هي شر الأمور لم يقل الرسول: المحدثات شر، بل قال: "شر الأمور محدثاتها" كل محدث فإنه شر ليس فيه خير.
ويُستفاد منه: أنه مع كونه محدثًا شرًّا وعاقبته ذميمة أنه ضلال أيضًا، لقوله: "وكل بدعة ضلالة"، فلا علم ولا رشد، لا علم في البدع ولا رشد، لأنها شر الأمور ولأنها ضلالة.
ويُستفاد من هذا الحديث: أن جميع البدع ضلالة كل البدع، من أين يؤخذ؟ من عموم "كل"، و"كل" هذه أنصُّ ألفاظ العموم على العموم، لأنها واضحة كلية محكمة، لا يدخل فيها شيء ولا يخرج منها شيء: "كل بدعة ضلالة".
ويُستفاد من هذا الحديث: أن تقسيم البدع إلى ثلاثة أقسام أو إلى خمسة أقسام تقسيم باطل؛ لأنه مخالف للنص، والرسول ﷺ أعلم الخلق بما يقول وأبلغهم وأفصحهم.
استحباب طول الصلاة وقصر الخطبة:
٤٢٩ - وعن عمَّار بن ياسر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته مئنَّة من فقهه". رواه مسلم.
يقول: "إن طول صلاة الرجل" المراد بالصلاة هنا: صلاة الجمعة، بدليل قرنها بقوله: "وقصر الرجل" يعني: في صلاة الجمعة، "وقصر خطبته" يعني: في خطبة الجمعة، "مئنة" المئنة بمعنى: العلامة أو بمعنى الأثر؛ لأنه قال: "من فقهه" يعني: أثر من فقهه، ومن هو الفقيه؟ نقول: الفقه في اللغة: الفهم، وأما في الشرع فهو: الفهم في دين الله، وهذاالتعريف الذي عرفت به الآن يشمل الفقه الأكبر والفقه الأصغر؛ لأن الفقه نوعان: فقه أكبر، وفقه أصغر، الفقه الأكبر: ما يتعلق بذات الله، والأصغر: ما يتعلق بأفعال العباد، يعني: علم التوحيد يسميه العلماء الفقه الأكبر، وعلم أعمال العباد من طهارة وصلاة، وزكاة، وصوم، وحج، وبيع ورهن، وما أشبه ذلك يسمونها الفقه الأصغر، فإذا قلنا: إن الفقه شرعًا هو الفهم في الدين، في اللغة الفهم مطلقًا، حتى الإنسان الذي يفهم كلام الناس فيما بينهم يقال: "فقه الحديث"، لكن في الشرع هو الفهم في دين الله، هذا الفقه.
стр. 915
إذن قوله: "مئنة من فقه" أي: من فهمه في دين الله، بل ومن فهمه لأحوال الناس أيضًا، فكلمة "فقه" هنا ينبغي أن نجعلها شاملة لفقه الشرع، ولفقه أحوال الناس، وذلك لأن الإنسان في فرائضه يناجي ربه، فكلما طالت هذه المناجاة فلا شك أنه أفضل، وأمّا في الخطبة فهو يعظ الناس ويرشدهم وكلما قصر كان أكمل وأنفع، ولهذا يُقال: "خير الكلام ما قل ودل ولم يطل فيُمل" وهذا هو الواقع، واعتبر ذلك في رجل قام يتكلم فهو من أشد الناس تأثيرًا إذا أطال الكلام ملّ الناس وسئموا ثم إن آخر الكلام ينسي أوله، لكن إذا كان قصيرًا وجامعًا وواضحًا بيّنا جعل الله تعالى فيه خيرًا كثيرًا فالمدار على النفع إذن الحكمة في أن هذا من الفقه حكمة دلالة؛ لأنه في صلاته يُناجي والبقاء في مناجاة الله لا شك خير كثير، وأمّا في الخطبة فإنّما يُناجي الناس، ويريد أن يدلهم ويرشدهم، وهذا يقتصر فيه على ما كان أنفع، وكلما قل الكلام ودل فإنه أفضل وأنفع.
وفي هذا الحديث من الفوائد: أن الناس يختلفون في الفقه.
وفيه أيضًا: أنه ينبغي مراعاة أحوال الناس؛ لأن قصر الخطبة لا شك أنه مراعاة لأحوال الناس فإذا راعيتها كان في هذا خير كثير.
وهل يستفاد منه: أن الخطب خاصة بالرجال، أو يقال: إن الجمعة فقط هي الخاصة بهم؟ الظاهر أن المراد: الجمعة، وإلا قد تقوم المرأة خطيبة للنساء في مصلحة من المصالح، ولا حرج في هذا، فإن قال قائل: كيف تجمع بين هذا الحديث والذي بعده، وهو حديث:
قراءة سورة (ق) في الخطبة:
٤٣٠ - وعن أمَّ هشام بنت حارثة ﵂ قالت: "ما أخذت: ﴿ق والقرآن المجيد﴾، إلا عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلميقرؤها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس". رواه مسلم.
هذا يدل على أن الرسول يطيل؛ لأن ﴿ق والقرآن المجيد﴾ تقول أيضًا: "إذا خطب الناس" فمعنى ذلك: أنه لا يقتصر على هذه السورة وحدها، بل يكون هناك خطبة مع هذه السورة، وهذا يعتبر طولًا، فالجواب على ذلك: أن نجعل مثل هذا هو الميزان لقصر الخطبة؛ لأن بعض الناس يُطيل الخطبة إلى ساعة، أو ساعة وربع، وما أشبه ذلك، وهذا أطول من سورة (ق) فيُقال: إن الأمر نسبي كما قلنا في مسألة الصلاة: إنه ينبغي للإنسان التخفيف مع الإتمام، وقلنا: كيف يمكن أن نقول بذلك والرسول ﷺ ربما يقرأ بسور طوال؟ فقلنا: إن التخفيف ميزانه فعل الرسول- ﵊ وكذلك هنا، فما شابه هذه الخطبة فإنها تعتبر خفيفة، ولكن
следующие страницы →