Полный текст (3 515 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
وخير مما قبله أيضًا لكن المقصود هنا: ما يتعلق بأمور الدين، الحديث يتكلم عن ماذا؟ عن خير الهدي، فشر الأمور مما يعتبر هديًّا ودينًا وعبادة، "محدثاتها" اسم مفعول يعني: التي أحدثت في دين الله هي شر الأمور.
لو قال لي قائل: أنا أريد الخير، أنا إذا فعلت هذا أجد في قلبي رقة ولينًا وخشوعًا، لماذا تمنعوني؟ ماذا نقول؟
نقول: هذا ليس بخير؛ لأن الرسول- ﵊ يقول: "شر الأمور"، و"شر" اسم تفضيل يعني: أشر الأمور ما أحدث في دين الله حتى لو تراءى لفاعله أنه خير فهذا من تزيين الشيطان له، وإلا فليس بخير مهما كان، لو قالوا: والله نحن اجتمعنا وخشعنا وبكينا وذكرنا الله ، وذكرنا الرسول ﷺ وما أشبه ذلك، نقول: هذا شر لا شك نحن نؤمن بهذا هذا القبس الذي تجدونه ينقدح عند هذا الذكر هو ينطفئ ويعقبه ظلمة وحرارة؛ لأنه يُفسد القلب، البدع مهما كانت فإنها تُفسد القلوب؛ لأنها- بإذن الله- يحدث بها رد فعل بالنسبة لسسن، ولهذا قال بعض السلف: "ما أحدث قوم بدعة إلا وتركوا من السنة ما هو خير منها"، وهذا صحيح، فالقلب إذا اشتغل بالباطل ما بقي للحق فيه محل، كما أنه إذا انشغل بالحق ما بقي فيه للباطل محل.
"شر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" بدعة في ماذا؟ في الدين، والبدعة ما تعبد به الله عقيدة أو قولًا أو عملًا أو فعلًا، ولم يكن على عهد النبي ﷺ ؛ لأنه إذا كان على عهده فليس ببدعة، وقوله: "ضلالة" الضلالة ضد الهدي فهي ميل وخروج عن الصراط المستقيم وضلال.
قوله: "وفي رواية له كانت خطبة النبي ﷺ يوم الجمعة"، إذن فيكون العموم الذي ذكرناه في أول الكلام يكون مقيدًا بيوم الجمعة.
"يحمد الله ويثني عليه ثم يقول على إثر ذلك وقد علا صوته" يقول يعني: "أما بعد ... " إلخ.
إذن نستفيد من هذا: زيادة قول: "يحمد الله ويثني عليه". الحمد هو وصف المحمود بالكمال والثناء وتكرار ذلك الوصف، فيعبر كثير من المصنفين في الحمد بأن الحمد هو الثناء بالجميل؛ يعني: أثني عليه بسبب جميله وإحسانه، وهذا ليس بصحيح؛ لأن الحمد ليس بثناء، الثناء شيء والحمد شيء آخر، الدليل حديث أبي هريرة في الصحيح: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: ﴿الرحمن الرحيم﴾، قال: أثنى عليَّ عبدي"، فدل ذلك على أن الحمد ليس هو الثناء، وأن الثناء تكرار الحمد والأوصاف الجميلة، "يحمد الله ويثني عليه ثم يقول على إثر ذلك وقد علا صوته"، يقول: "أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله" كما سبق.
стр. 912
وفي رواية له: "من يهد الله فلا مضل له" (من) شرطية جُزم الفعل بها بالكسر نيابة عن السكون؛ لأنه معتل الآخر، هل هذا صحيح؟ لا، فماذا نقول؟ فنقول: "من" اسم شرط جازم، "يهد" فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العلة، وهو الياء، لماذا لا نقول: إنها مجزومة بالتقاء الساكنين؟ نقول: لأن الشرط عارض فقُدّم، والتقاء الساكنين ليس بعارض، "من يهد الله فلا مضل له" "لا" نافية للجنس، و"مضل" اسمها، و"له" جار ومجرور متعلق بخبرها؛ يعني: فلا أحد يضله، وقوله: "من يهد الله" يشمل من يهده الله بعلمه وقدره، ومن يهده الله فعلًا، فمن قدر الله له الهداية فلا يستطيع أحد أن يضله، ومن هداه الله بالفعل ما يستطيع أحد أن يخرجه من الهداية، يعني: أن من هداه الله لا يستطيع أحد أن يصرفه عن الهداية، ولا أن ينزعه من الهداية، فتجد مثلًا بعض الناس ليس على هدى فتأتيه رجلان أحدهما يدعوه إلى البقاء على ما كان عليه من الضلال، والثاني يدعوه إلى الهدى فيهتدي مع قوة دعاية الأول، لكن نقول: لن يمنعه الأول من الهدى، لماذا؟ لأن الله تعالى قد قدَّر له الهداية، كذلك الرجل الذي اهتدى بالفعل ويوجد أناس يحالون أن يضلوه، ولكن الله تعالى قد أبقاه على الهدى فلا يستطيعون أن يضلوه، فمن يهدِ الله تعالى قدرًا- يعني: أنه قدر له الهداية- لا أحد يمنعه منها، ومن هداه بالفعل لا أحد ينزعه منها.
"ومن يضلل فلا هادي له" عكس الأولى، من قدِّر ضلالة لا يمكن أن يهتدي، أبو طالب ماذا فعل الرسول- ﵊ بالنسبة إليه؟ حاول بكل ما يستطيع ﷺ أن يهتدي هذا الرجل، ولكنه لم يهتد؛ لأن الله تعالى قد قدَّر له الضلال، وكذلك الإنسان الذي كان على هداية ثم بدأ ينحرف فكان أصحابه وأصدقاؤه وأهله ينصحونه يقولون: لا تنحرف، ولكنه- والعياذ بالله- أبى إلا أن ينحرف، هذا أيضًا نقول: "من يضلل فلا هادي له".
وللنسائي: "وكل ضلالة في النار" بعد قوله: "كل بدعة ضلالة": "كل ضلالة في النار"؛ ما قال: كل صاحب بدعة، كل بدعة في النار؛ لأنه خلاف الحق، وما كان خلاف الحق فإنه في النار، ولكن هل يلزم من كون البدعة في النار أن يكون صاحبها كذلك؟ لا إلا إذا كانت البدعة مكفرة، فإن صاحبها يكون في النار، أما إذا لم تكن مكفرة فإن صاحبها قد يستحق العقوبة في النار لكنه لا يستحق الخلود، هذا الحديث عظيم، ولهذا الرسول- ﵊ كان يخطب به يوم الجمعة.
* نرجع إلى فوائده:
من فوائده: أولًا: أن الرسول- ﵊ كان يتأثر عند الخطبة بقوله وحاله؛ بقوله: يعلو صوته، وبحاله: يشتد غضبه وتحمر عيناه.
стр. 913
إذن يُستفاد من ذلك: أنه ينبغي للخطيب أن يفعل هذا اقتداء بالرسول ﷺ ، ولأنه أقوى تأثيرًا مما إذا جاءت الخطبة باردة، ولكن هل نقول: إن هذا مشروع في كل خطبة، أو نقول: إن هذا في الخطب التي للوعظ والزجر، وأمّا الخطب التي تكون لبيان الأحكام فإنها لا تحتاج إلى هذا؟ هذا الأخير هو الأظهر؛ لأن الرسول- ﵊ فيما إذا لم يكن خطبته موضوعة على الزجر والتخويف كان يقولها بدون ذلك كما في حديث بريرة قام وخطب الناس، وكما في حديث المرأة التي سرقت ما كان يحدث له هذا لأنه لبيان الأحكام مع أن فيها شيء من الزجر، لكنها ليست كخطبة الجمعة.
ويُستفاد من هذا الحديث: أنه ينبغي أن يقول في الخطبة: "أما بعد"، ولكن هل تُقال في كل جملة أو في كل سطر أو ماذا؟ في مستهل الخطبة يعني: عند الدخول في الموضوع، وأمّا قول بعضهم: بأنه يحتاجها للانتقال من أسلوب إلى آخر ففيه نظر، لو قلنا بهذا لكان يؤتي بها إذا انتقلنا من خبر إلى إنشاء أو إذا انتقلنا من كلام على شيء إلى كلام آخر وهو ليس كذلك، لكنه يؤتي بها عند الدخول في الموضوع، وقد قال بعض العلماء: إنّها فصل الخطاب الذي أوتيه داود: ﴿وأتيناه الحكمة وفصل الخطاب﴾ [ص: ٢٠]. قال: يعني يفصل آخره من أوله، ولكن هذا فيه نظر، والصواب: أن فصل الخطاب هو الحكم بين الناس.
ويُستفاد من الحديث: أن خير الحديث كتاب الله من كل ناحية: في اللفظ، والمعنى، والتأثير، والحال، في كل شيء خير الحديث كتاب الله.
ويستفاد منه: الحث على قراءة القرآن والتمسك به، من أين يؤخذ؟ من قوله: "خير الحديث" وما كان خير الحديث فينبغي ملازمته.
ويستفاد من هذا: أن القرآن كلام الله، يؤخذ من قوله: "خير الحديث"؛ حيث وصفه بالحديث، فالحديث هو القول، فإذن القرآن يسمى حديثًا ويسمى قولًا، ويسمى خبرًا، ويسمى قصصًا أيضًا: ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن﴾ [يوسف: ٣].
ويُستفاد من الحديث: أن خير الهدي هدي الرسول- ﵊ من قوله: "خير الهدي هدي محمد".
ويُستفاد منه: أن كل خير يوجد في طرق أخرى غير طريق الرسول- ﵊ فإن طريق الرسول خير منه لقوله: "خير الهدي"، فأي خير يوجد في هدي غير الرسول- ﵊ فإن في هدي الرسول ما هو خير منه؛ لأن قوله: خير الهدي هدي محمد" يشمل الجزئيات والكليات، ما من خير في أي هدي يكون إلا وفي هدي الرسول- ﵊ ما هو خير منه، إذن النظم والقوانين والدساتير الوضعية ما
стр. 914
يوجد فيها من خير ففي هدي الرسول- ﵊ ما هو خير منها، ونحن لا نقول: إنه لا يوجد خير في غيره، بل يوجد، ولكن خير الهدي هدي الرسول- ﵊.
ويستفاد من هذا الحديث: أن المحدثات والبدع شر لقوله: "وشر الأمور محدثاتها" فهي شر وعاقبتها شر ولا خير فيها، بل هي شر الأمور لم يقل الرسول: المحدثات شر، بل قال: "شر الأمور محدثاتها" كل محدث فإنه شر ليس فيه خير.
ويُستفاد منه: أنه مع كونه محدثًا شرًّا وعاقبته ذميمة أنه ضلال أيضًا، لقوله: "وكل بدعة ضلالة"، فلا علم ولا رشد، لا علم في البدع ولا رشد، لأنها شر الأمور ولأنها ضلالة.
ويُستفاد من هذا الحديث: أن جميع البدع ضلالة كل البدع، من أين يؤخذ؟ من عموم "كل"، و"كل" هذه أنصُّ ألفاظ العموم على العموم، لأنها واضحة كلية محكمة، لا يدخل فيها شيء ولا يخرج منها شيء: "كل بدعة ضلالة".
ويُستفاد من هذا الحديث: أن تقسيم البدع إلى ثلاثة أقسام أو إلى خمسة أقسام تقسيم باطل؛ لأنه مخالف للنص، والرسول ﷺ أعلم الخلق بما يقول وأبلغهم وأفصحهم.
استحباب طول الصلاة وقصر الخطبة:
٤٢٩ - وعن عمَّار بن ياسر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته مئنَّة من فقهه". رواه مسلم.
يقول: "إن طول صلاة الرجل" المراد بالصلاة هنا: صلاة الجمعة، بدليل قرنها بقوله: "وقصر الرجل" يعني: في صلاة الجمعة، "وقصر خطبته" يعني: في خطبة الجمعة، "مئنة" المئنة بمعنى: العلامة أو بمعنى الأثر؛ لأنه قال: "من فقهه" يعني: أثر من فقهه، ومن هو الفقيه؟ نقول: الفقه في اللغة: الفهم، وأما في الشرع فهو: الفهم في دين الله، وهذاالتعريف الذي عرفت به الآن يشمل الفقه الأكبر والفقه الأصغر؛ لأن الفقه نوعان: فقه أكبر، وفقه أصغر، الفقه الأكبر: ما يتعلق بذات الله، والأصغر: ما يتعلق بأفعال العباد، يعني: علم التوحيد يسميه العلماء الفقه الأكبر، وعلم أعمال العباد من طهارة وصلاة، وزكاة، وصوم، وحج، وبيع ورهن، وما أشبه ذلك يسمونها الفقه الأصغر، فإذا قلنا: إن الفقه شرعًا هو الفهم في الدين، في اللغة الفهم مطلقًا، حتى الإنسان الذي يفهم كلام الناس فيما بينهم يقال: "فقه الحديث"، لكن في الشرع هو الفهم في دين الله، هذا الفقه.
стр. 915
إذن قوله: "مئنة من فقه" أي: من فهمه في دين الله، بل ومن فهمه لأحوال الناس أيضًا، فكلمة "فقه" هنا ينبغي أن نجعلها شاملة لفقه الشرع، ولفقه أحوال الناس، وذلك لأن الإنسان في فرائضه يناجي ربه، فكلما طالت هذه المناجاة فلا شك أنه أفضل، وأمّا في الخطبة فهو يعظ الناس ويرشدهم وكلما قصر كان أكمل وأنفع، ولهذا يُقال: "خير الكلام ما قل ودل ولم يطل فيُمل" وهذا هو الواقع، واعتبر ذلك في رجل قام يتكلم فهو من أشد الناس تأثيرًا إذا أطال الكلام ملّ الناس وسئموا ثم إن آخر الكلام ينسي أوله، لكن إذا كان قصيرًا وجامعًا وواضحًا بيّنا جعل الله تعالى فيه خيرًا كثيرًا فالمدار على النفع إذن الحكمة في أن هذا من الفقه حكمة دلالة؛ لأنه في صلاته يُناجي والبقاء في مناجاة الله لا شك خير كثير، وأمّا في الخطبة فإنّما يُناجي الناس، ويريد أن يدلهم ويرشدهم، وهذا يقتصر فيه على ما كان أنفع، وكلما قل الكلام ودل فإنه أفضل وأنفع.
وفي هذا الحديث من الفوائد: أن الناس يختلفون في الفقه.
وفيه أيضًا: أنه ينبغي مراعاة أحوال الناس؛ لأن قصر الخطبة لا شك أنه مراعاة لأحوال الناس فإذا راعيتها كان في هذا خير كثير.
وهل يستفاد منه: أن الخطب خاصة بالرجال، أو يقال: إن الجمعة فقط هي الخاصة بهم؟ الظاهر أن المراد: الجمعة، وإلا قد تقوم المرأة خطيبة للنساء في مصلحة من المصالح، ولا حرج في هذا، فإن قال قائل: كيف تجمع بين هذا الحديث والذي بعده، وهو حديث:
قراءة سورة (ق) في الخطبة:
٤٣٠ - وعن أمَّ هشام بنت حارثة ﵂ قالت: "ما أخذت: ﴿ق والقرآن المجيد﴾، إلا عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلميقرؤها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس". رواه مسلم.
هذا يدل على أن الرسول يطيل؛ لأن ﴿ق والقرآن المجيد﴾ تقول أيضًا: "إذا خطب الناس" فمعنى ذلك: أنه لا يقتصر على هذه السورة وحدها، بل يكون هناك خطبة مع هذه السورة، وهذا يعتبر طولًا، فالجواب على ذلك: أن نجعل مثل هذا هو الميزان لقصر الخطبة؛ لأن بعض الناس يُطيل الخطبة إلى ساعة، أو ساعة وربع، وما أشبه ذلك، وهذا أطول من سورة (ق) فيُقال: إن الأمر نسبي كما قلنا في مسألة الصلاة: إنه ينبغي للإنسان التخفيف مع الإتمام، وقلنا: كيف يمكن أن نقول بذلك والرسول ﷺ ربما يقرأ بسور طوال؟ فقلنا: إن التخفيف ميزانه فعل الرسول- ﵊ وكذلك هنا، فما شابه هذه الخطبة فإنها تعتبر خفيفة، ولكن
стр. 916
مع ذلك قد يكون هناك أحوال توجب للخطيب أن يقصر الخطبة عن هذا، وربما تأتي أحوال نادرة تحتاج إلى توضيح أكثر بأن يكون الأمر ضروريًّا أن يبين في هذه الخطبة لا في خطب أخرى مقبلة فيزيد، فالمهم: أن الأفضل أن تكون خطبة الرجل كخطبة النبي ﷺ .
نرجع إلى قولها: "ما أخذت ﴿ق والقرآن والمجيد﴾ إلا عن لسان الرسول"، قولها: ق والقرآن المجيد" (ق) هذا حرف هجائي، وقد افتتح الله بها هذه السورة كما افتتح بحروف الهجاء عدة سور من القرآن، وسبق لنا في التفسير أن العلماء اختلفوا في هذه الحروف، هل لها معنى أو ليس لها معنى، وبيَّنا أن الصواب أنه ليس لها معنى لكن لها مغزى، وهذا قول مجاهد ﵀ إمام المفسرين التابعين، وإنما التزمنا بذلك؛ لأن الله تعالى أنزل القرآن بلسان عربي مبين، ومثل هذه الحروف لا معنى لها في اللغة العربية، فإذن لمقتضى كون القرآن بلسان عربي مبين نجزم بأنه لا معنى لها، ولسنا بذلك مغامرين أو قائلين بلا علم لأنه قد يقول قائل: فما أدراكم فلعل لها معنى الله أعلم به فلماذا تجزمون؟ نقول: نجزم بمقتضى إخبار الله عن هذا القرآن بأنه بلسان عربي مبين، وهذه في اللسان العربي المبين ليس لها معنى، لكن كما قال شيخ الإسلام وغيره: (لها مغزى).
وقولها: "والقرآن المجيد" هذه الواو حرف قسم وجر، والقرآن مقسم به، قد وصفه الله تعالى هنا بالمجيد، والمجد هو: العظمة؛ ولهذا لما قال المصلي: ﴿مالك يوم الدين﴾. ماذا قال الله تعالى في جوابه؟ قال: "مجدتني عبدي"، وتقول العرب: "في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار". استمجد يعني: صار أقوى وأعظم؛ ولهذا يستعملون هذين النوعين من الشجر في القدح فيما سبق، أمّا الآن فالحمد لله قد تغير الحال وتيسر الأمر، والشاهد هنا أن الله وصف القرآن بأنه "مجيد" أي: ذو عظمة، وكل وصف للقرآن من المجد والعظمة والكرم كله يكون أيضًا لمن أخذ بالقرآن، فمن أراد العظمة فعليه بالقرآن، ومن أراد الكرم في قوله وماله وجاهه فعليه بالقرآن، فالقرآن الكريم مدرٌّ لكل خير لمن تمسك به، وهو أيضًا مجيد ذو عظمة يرفع من تمسك به، إذن هذا الكلام على الآية، وإن كان هذا موضع تفسير، لكن لا بأس أن تفسر بعض الشيء، تقول: "ما أخذتها إلا على لسان رسول الله يخطب بها".
يُستفاد من هذا الحديث: أولًا: أن النساء يحضرون الجمعة، ولنقف هل دل الحديث على هذا أو لا؟ ما يتعين، لماذا؟ لأنها قد تسمع بدون أن تحضر، إذن ما دام فيه احتمال فإنه يسقط له الاستدلال، فلا يمكن أن نستدل بهذا الحديث على أن النساء يحضرن الجمعة، لأنّها قد تسمعها من الخارج كما يوجد عندنا الآن، لكن في زمن مضى كان يخصص للنساء حجرة عند المنبر يسمعن الخطبة.
стр. 917
ويستفاد من هذا الحديث: مشروعية الخطبة بهذه السورة، يؤخذ من فعل الرسول ﷺ ، وذلك لأن هذه السورة سورة عظيمة فيها مبدأ الخلق، ومنتهى الخلق، ومبدأ الحياة، ومنتهى الحياة، وفيها أيضًا أخبار وقصص، وفيها تحدث عن اليوم الآخر، ولو لم يكن فيها من المواعظ إلا وقوله تعالى: ﴿لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد﴾ [ق: ٢٢]. هذا متى يقال؟ يوم القيامة إذا انكشف الغطاء وتبين كل شيء فحينئذٍ يخاطب خطاب تقرير وتوبيخ.
"لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاء" الآن "فبصرك اليوم حديد" قوي بعدما كنت قد غطى عليك، ﴿على بصره غشاوة﴾ [الجاثية: ٢٣]. وهذا كقوله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿بل قلوبهم في غمرة﴾ [المؤمنون: ٦٣]. يعني: من الآخرة قلوبهم في غمرة مغمورة ما يضيئها شيء، لكن لهم أعمال من دون ذلك، انظر أتت "من" و"دون" لدنو مرتبة هذه الأعمال عن الأعمال الآخرة، وهذه الأعمال التي دون أعمال الآخرة ﴿هم لها عاملون﴾ هذه الجملة فيها حصر، وفيها جملة اسمية للدلالة على الثبوت والاستمرار وتكثيف الجهود لهذه الأعمال، ولكن أعمال الآخرة قلوبهم في غمرة منها- نسأل الله السلامة-، وأعمال الدنيا هم لها عاملون كأنما خُلقوا لها، وفي يوم القيامة ﴿لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد﴾ [ق: ٢٢].
المهم: أن هذه السورة في الحقيقة إذا تأملها الإنسان وجد فيها من المواعظ شيئًا عظيمًا؛ ولهذا كان النبي- ﵊ في أيام الأعياد يقرأ بها في العيد وهي وسورة القمر: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾ [القمر: ١]. وفي سورة القمر أيضًا مواعظ عظيمة.
ومن فوائد الحديث: قولها: "كل جمعة يقرؤها على المنبر إذا خطب الناس" هذا عندي فيه إشكال، ما هو الإشكال، ذلك أنها تقول: "كل جمعة" كأنها تتبع خطب النبي- ﵊ لا على أنه يقرأ هذه السورة كل جمعة، فهذه تحتاج إلى مراجعة هل إن هذا على عمومها أو أن المراد: في الغالب.
حكم الكلام في أثناء الجمعة:
٤٣١ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا، والذي يقول له: أنصت، ليست له جمعة". رواه أحمدُ بإسناد لا بأس به.
قوله- ﵊: "من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب" جملة: "والإمام يخطب" جملة حالية من فاعل "تكلم"، يعني: والحال أن الإمام يخطب، وقوله: "والإمام يخطب" جواب
стр. 918
من تكلم، "فهو كمثل الحمار"، واقترنت الفاء بالجواب، لأن الجملة اسمية، وقوله: "كمثل الحمار" يُحتمل أن تكون بمعنى صفة، ويُحتمل أن تكون بمعنى: شبهًا كشبه الحمار، أو كصفة الحمار، فـ"مثل" تأتي بمعنى صفة كقوله تعالى: ﴿مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير أسن﴾ [محمد: ١٥].وتأتي بمعنى شبه، كقوله تعالى: ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا﴾ [البقرة]. أي: شبههم كشبه هذا فقوله هنا: "كمثل الحمار" يحتمل أن يكون كشبهه ويحتمل أن يكون كصفته، والمعنى واحد، لكنه يختلف المعنى في الآيتين اللتين ذكرناهما.
وقوله: "كمثل الحمار يحمل أسفارًا" كلمة "يحمل" الجملة هنا هل صفة أو حال؟ قد يقول قائل: إنها حال، لأن الذي قبلها معرفة، ولكنهم قالوا: إنها في مثل هذا صفة؛ لأن "أل" هنا للجنس فهو بمعنى النكرة، أي: كمثل حمار يحمل أسفارًا، ومثل ذلك قول الشاعر: [الكامل]
ولقد أمرُّ على اللّئيم يسبني ... فمضيت نمَّت قلت لا يعنيني
فجملة "يسبني" صفة؛ لأن المعنى: ولقد أمر على لئيم، وليس المعنى: أمرُّ على اللئيم المعروف، فلما كانت "أل" هنا للجنس صار مدخولها بمنزلة النكرة.
وقوله: "كمثل الحمار يحمل أسفارًا" الأسفار جمع سفر، أو سفر وهو الكتاب، والحمار الذي يحمل أسفارًا لا يستفيد منها، هو حامل ما يفيد لكنه لا يستفيد، واختار النبي- ﵊ الحمار كما اختاره ربه- في صفة الذين حُمّلوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار؛ لأن الحمار من أبلد الحيوانات، ولهذا يُضرب به المثل في البلادة.
وقوله: "كمثل الحمار يحمل أسفارًا" أين وجه المشابهة؟ قد تقدم لنا في علم البيان: أن التشبيه لا بد له من مشبّه، ومشبه به، وأداة تشبيه، ووجه الشبه، وقد تحقق في هذه الجملة "كمثل الحمار يحمل أسفارًا" كل أطراف التشبيه إلا وجه الشبه؛ لأنه قد ذكر المشبه والمشبه به والأداة، "كمثل الحمار" ولكن وجه الشبه محذوف والتقدير: في عدم الانتفاع بالخطبة التي الآن تقرأ فوقه- يعني: فوق رأسه وهو حاضر لكنه لا ينتفع بها- كما لا ينتفع الحمار بالأسفار.
قال: "والذي يقول له: أنصت، ليست له جمعة" "الذي" هذه مبتدأ والواو للاستئناف، و"الذي" اسم موصول، وجملة "يقول" صلة الموصول، و"ليست له جمعة" خبر الذي، "الذي يقول له أنصت" ليست بمعنى: اسكت، "أنصت" يعني: أصغ إلى كلام الخطيب؛ لأن عندنا سكوتًا واستماعًا
стр. 919
وإنصاتًا أعلاها الإنصات ﴿وإذا قُرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾. ففرق الله بين الاستماع والإنصات، ومعلوم أيضًا أن هناك فرقًا بين الاستماع والسكوت، قد يسكت الإنسان ولا يستمع للكلام، لكن الذي يقول "أنصت" يعني: أصغ إلى الإمام، وتلقَّ ما يقول ليست له جمعة.
قوله: "ليست له جمعة" تقدم لنا في النفي أن النفي يحمل أولًا على نفي الوجود، فإن لم يمكن فعلى نفي الصحة، فإن لم يمكن فعلى نفي الكمال، هنا الآن نسلط هذه القاعدة على هذا النفي، "ليست له جمعة" أي: لا يوجد له جمعة هل يصح؟ لا، لماذا؟ لأنه قد حضر وسيصلي، لا يصح له الجمعة؟ الجواب: فيه احتمال لكنه تصح خطبته، وأظن المسألة إجماعية في أنها تصح، إذن لا بد أن تحمل على شيء آخر وهو: لا تكمل له جمعة فلا ينال ثوابها؛ لأن الخلل هنا ليس في نفس الصلاة حتى نقول: إنه نفي للصحة هذا شيء خارج الصلاة لكنه نفي للكمال، لأن صلاة الجمعة- كما تعلمون- تشمل خطبة قبلها، وتشمل أيضًا نفس الصلاة التي تكون الخطبة من مقدماتها ﴿يا أيها الذين أمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة: ٩]. فليس النهي عائدًا إلى ذات العبادة، وعليه فنقول: إن النفي هنا نفي للكمال.
قال المؤلف: "رواه أحمد بإسناد لا بأس به"، كلمة "لا بأس به" يعني: قليلة ما تمر علينا، لأننا عرفنا الصحيح، والحسن، والضعيف، لكن هذا ما قال: لا حسن، ولا ضعيف، ولا صحيح، قال: بإسناد لا بأس به، فهل مثل هذا التعبير أقرب إلى التصحيح، أو أنه أقرب إلى التضعيف؟ هو للتضعيف أقرب، لكنه يقول: لا بأس به، لأنه معضود بالحديث الذي يعده، يقول:
- وهو يُفسِّر حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيحين مرفوعًا: "إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب، فقد لغوت".
إذن معنى "لغوت": بطلت جمعتك، أي: بطل ثوابها؛ لأن الشيء الملغي هو الذي لا يُعتد به ولا يعتبر، ولكن المراد باللغو هنا: أنه لا ثواب له، لا يثاب ثواب الجمعة، وثواب الجمعة أفضل من غيرها بكثير، لكن يحرم هذا الثواب بسبب هذا العمل؛ لأنه قال: أنصت.
يُستفاد من هذا الحديث: التحذير من الكلام والإمام يخطب يوم الجمعة، من أين يؤخذ؟ من تشبيه النبي ﷺ المتكلم بالحمار الذي يحمل أسفارًا، ولا ريب أن هذا التشبيه يقصد به التقبيح والتنفير، وبالمناسبة قال بعض العلماء: إن الرجل إذا عاد في هبته فعوده في الهبة جائز؛ لأن النبي- ﵊ "العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه"، قالوا: والكلب
стр. 920
لا تكليف عليه، فإذا كان لا تكليف عليه فمعنى ذلك أنه يجوز أن يعود في الهبة! ذكرته من أجل أن تعرفوا كيف يتصور بعض العلماء هذا التصور مع أن كل أحد- حتى العامي في السوق- يعرف أن الغرض من هذا: التنفير والتقبيح، وليس في بعض الألفاظ "ليس لنا مثل السوء". العائد في هبته كالكلب.
هل تقول قوله تعالى: ﴿فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث﴾ [الأعراف: ١٧٦]. إن هذا على سبيل الإباحة؟ لا أحد يقول بهذا، هذا أيضًا لو ادعى مدعٍ في هذا الحديث مثل ما ادعى في حديث الهبة، وقال: الحمار ليس عليه تكليف لو حمل الحمار أسفارًا وهو لا يفهمها ليس عليه شيء، يأثم الحمار أم لا يأثم؟ لا يأثم هل أحد يمكن أن يقول في هذا الحديث هذا؟ لا أظن أحدًا يقوله، فإذا كان هذا لا يمكن فكذلك قوله تعالى: ﴿فمثله كمثل الكلب﴾ لا يمكن، فكذلك في حديث الهبة ولا فرق.
يُستفاد من هذا الحديث: جواز تشبيه الإنسان بالحيوان على سبيل التنفير والتحذير؛ لأن الرسول- ﵊ شبهه به، ولكن هل نقول ذلك في كل مناسبة مثل لو فرضنا أننا نعلم تلاميذ ولكن ما فهموا، هل يصح أن نقول لهم ذلك؟ لا، بعض المدرسين أبلغني أنه يقول لبعض التلاميذ هكذا: أنتم كمثل الحمير تحمل أسفارًا هذا لا يجوز، لأنها إنما قليت فيمن لا ينتفع بها- بطاعة الله لا في صبي يتعلم، ولكن ما فهم من أول مرة فهي تقال في محلها.
ويستفاد من هذا الحديث: حسن تشبيه الرسول- ﵊؛ لأن الربط بين هذا والحمار في وجه الشبه ظاهر المناسبة.
ويُستفاد من الحديث أيضًا: تحريم إسكات هذا الرجل بالقول، من أين يؤخذ؟ من كونه حرم الأجر؛ لأن الدلالة على التحريم تارة تكون بإثبات الوزر على الفاعل، وتارة تكون بحرمانه الأجر، وهل هناك مثال لتحريم الشيء من أجل حرمان الأجر؟ ذكرناه سابقًا وهو اقتناء الكلب كالماشية ينقص به كل يوم من أجره قيراط أو قيراطان، هذا يدل على تحريم اقتناء الكلب؛ لأن فوات الأجر كحصول الإثم، فإذا كان هذا الفعل يهدم أجر الإنسان ويزيله فهو كالذي يوجب له العقوبة، فهنا لما قال: "ليست له جمعة" علمنا بأن قول الإيمان لصاحبه: "أنصت" حرام.
لو أشار إليه إشارة هل يدخل في الوعيد؟ لا؛ لأن الرسول- ﵊ يقول: "والذي يقول له: أنصت"، والقول إذا أطلق فالمراد به اللفظ باللسان، فالكلام بالإشارة لا يدخل في الوعيد.
стр. 921
يستفاد من هذا الحديث: أنه لا يجوز الكلام حال الخطبة ولو بتغيير المنكر، من أين يؤخذ؟ من قوله: "والذي يقول له: أنصت"؛ لأن المتكلم الأول فاعل محرمًا، والقول له: أنصت هذا نهي عن منكر ومع ذلك جعله النبي- ﵊ محرمًا.
مسألة: هل يُستفاد من الحديث تحريم رد السلام إذا سلم عليك أحد؟ نعم، يستفاد منه؛ لأنه إذا كان لا يجوز تسكيت هذا الرجل المتكلم فمن باب أولى ألا تجيب المُسلِّم؛ لأن الأصل أنه لا يجوز أن يُسلِّم في هذه الحال، ولكن هل تمد يدك إليه مصافحة لا سلامًا؟ نعم، إن لم تنشرح له، ولكن في هذه الحال أيضًا ينبغي أن تنتبه إذا انتهى الإمام من الخطبة بأن هذا حرام لا يجوز أن تسلم في تلك الحال، ومثل ذلك أيضًا تشميت العاطس، فلو أن أحد عطس وحمد الله ما تشمته.
ومن ذلك أيضًا إذا ذكر النبي- ﵊ في أثناء الخطبة هل تصلي عليه أو لا؟ نعن، الفقهاء يقولون: تُصلي إذا ذكر؛ لأن هذا الشيء يتعلق بالخطبة، ولا يتعلق بأمر خارج فهو قد يكون من أسباب اتجاه الإنسان إلى الخطبة أن يتابع الإنسان الخطيب، وإذا دعا أمّن، وإذا مر بذكر الرسول- ﵊ صلّى عليه، لكن بشرط ألا يكون مشغلًا لغيره وألا ينصرف به أيضًا هو عن الاستماع فإن كان مشغلًا لغيره أو مشتغلًا به عن الاستماع فإنه لا يجوز.
ويُستفاد من الحديث: جواز الكلام بين الخطبتين؛ لأنه قيد ذلك بقوله: "والإمام يخطب"، فدل هذا على جواز الكلام بين الخطبتين.
ويُستفاد منه: أنه لا يجوز الكلام ما دام الإمام يخطب، ولو كان قد انتهى من أركان الخطبة من أين تؤخذ؟ من قوله": "والإمام يخطب"، فأما قول بعض أهل العلم إن الإمام إذا شرع في الدعاء أو انتهى من أركان الخطبة جاز لك أن تتكلم فهذا ليس بصحيح، حجتهم في ذلك أنهم يقولون: إن الواجب من الخطبة الأركان وما زاد فليس بواجب، وما ليس بواجب فالاستماع إليه ليس بواجب، ولكن هذا قياس في مقابلة النص؛ لأن النص- كما ترون- شامل للخطبة كلها، فلا يجوز للإنسان أن يتكلم حتى ولو شرع الإمام في الدعاء، حتى لو شرع في قراءة آية أخرى؛ لأن الركن تم بقراءة الآية الأولى مثلًا: فالصواب أنه لا يجوز ما دام الإمام يخطب، وأما إذا سكت فلا حرج.
ويستفاد من هذا الحديث: أن خطبة غير الجمعة لا يحرم فيها لقول الرسول ﷺ : "إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة، والإمام يخطب"، فلو فرض أن خطيبًا قام يخطب الناس في غير الجمعة بعد إحدى الصلوات الخمس، أو في أي مناسبة فهل يجب الاستماع له؟ لا
стр. 922
يجب الاستماع، لكن ينبغي تأدبًا وتحسبًا للفائدة أن ينصت، أما كونه تأدبًا فلأن بعض الناس إذا كان يتكلم ورأى أن أحدًا يتكلم تجده ينفعل في نفسه ويضيع منه ما كان يريد أن يتكلم به، وهذا أمرٌ كما أن لا ترضاه أنت لنفسك لو كنت أنت الخطيب فلا ينبغي أن ترضاه لغيرك، ثانيًا: تحسبًا للفائدة ربما يأتي هذا المتكلم بفائدة ما كانت تجول في ذهنك ولا كنت على علم بها فلا تحقرن شيئًا من العلم، ربما كما قال الرسول- ﵊: "رُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه". وهذا أمر يقع كثيرًا.
بقي لنا في خطبة الاستسقاء وفي خطبة العيدين، وفي خطبة الكسوف، هل حكمها حكم الجمعة؟ أما خطبة العدين فإن الفقهاء يقولون: إنها مثل خطبة الجمعة، لكنهم مع ذلك يقولون حضورها ليس بواجب، إلا أن من حضر فلينصت، ومر علينا أن ظاهر الأحاديث أنه لا يجب الإنصات إلا في خطبة الجمعة، وبيّنا الفر بينها وبين خطبة الجمعة، خطبة الجمعة أمر بالحضور إليها، وقُدمت على الصلاة لأهميتها، وخطبة العيد ما أمر بالحضور إليها، ولم تُقدم أيضًا بل كانت مؤخرة، حتى إن الناس إذا انتهوا من الصلاة وأرادوا الانصراف ينصرفون، والقول بأنه لا يجب حضورها مع القول بوجوب الاستماع فيه شيء من الإشكال، لأن ما لا يجب حضوره لا ينبغي أن يجب استماعه ما دام لي أن أقوم وأنصرف، نعم لو قيل بأنه إذا تكلم في أثناء خطبة العيد على وجه يشوش فهذا لا يجوز ولا سيما في وقتنا الآن لو تحدث رجلان فسينصرف الناس إليهم وينسون الخطيب، مثل هذا قد يقال: إنه ممنوع، لأنه يشوش، ويوجب أن ينصرف الناس إليه.
حكم تحية المسجد والإمام يخطب:
٤٣٢ - وعن جابر ﵁ قال: "دخل رجلٌ يوم الجمعة والنَّبيُّ ﷺ يخطب فقال: صلَّيت؟ قال: لا، قال: قم فصلِّ ركعتين". متفق عليه.
هنا "رجل" نكرة مبهم، ولكن ورد تسميته في صحيح مسلم أن اسمه: "سليك الغطفاني" من غطفان، ولكن إبهام الراوي له أثر، لكن إبهام من وقعت عليه القصة الغالب أنه لا أثر له؛ لأن المقصود المعنى؛ يعني: معنى القضية وما حصل فيها، أما أن يكون الرجل المبهم فلانًا، أو فلانًا فهذا ليس بذات أهمية.
وقوله: "والنبي ﷺ يخطب" هذه الجملة في محل نصب حال، وقوله: "يخطب" يعني: في الجمعة، كما جاء ذلك مفسرًا في أحاديث أخر، فقال: "صليت" هذه الجملة ظاهرها الخبر،
стр. 923
لكنها جملة إنشائية استفهامية؛ لأن المعنى: "أصليت؟ " وإذا حذف حرف الاستفهام فالذي يقدر الهمزة لأنها الأصل، فهنا لا ندري هل التقدير "هل صليت؟ " أو نقول: التقدير "أصليت؟ ".
وقوله: "قال: لا" يعني: لم أصل، و "لا" هذه جواب أو من أحرف الجواب يجاب بها المثبت، لماذا؟ لنفيه تقول: هل قام زيد؟ فيكون الجواب: "لا" إذا أجيب ب"نعم" فهو يراد به إثبات المثبت، لكن لو تسأل عن منفي فتقول: ألم يقم زيد؟ فلا تقول: "لا" ولا تقل: "نعم"، بل إنما تقول: "بلى".
قال: "قم فصل ركعتين"، "قم" فعل أمر من القيام، و "فصل ركعتين" أيضًا فعل أمر، وقوله: "ركعتين" لم يبين هل ركعتين ثقيلتان أو خفيفتان، لكنه ثبت في صحيح مسلم أنه أمره بأن يتجوز فيهما، يعني: يخففهما من أجل أن يتفرغ لاستماع الخطبة.
فيستفاد من هذا الحديث عدة فوائد: أولًا: أنه لا يؤنب من دخل والإمام يخطب، الدليل لذلك: أن النبي ﷺ ما أنبه، فإن قلت: ما الجواب عما ثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ حين دخل عثمان وهو يخطب فلامه على تأخره فقال: ما زدت على أن توضأت ثم أتيت، فقال: والوضوء أيضًا وقد قال النبي- ﵊: "إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل" فما هو الجواب؟ أن يقال: لكل مقام مقال، ولكل رجل مرتبة، فتأخر عثمان ﵁ ليس كتأخر هذا الرجل الذي قد يكون من المسافرين، قد يكون من الأعراب، أو من عامة الناس، لكن هذا عثمان ﵁ هو الذي كان بعد عمر هو ثالث رجل في هذه الأمة.
جواب آخر: أيضًا أن يقال: إن الرسول صلى الله عليه وسلام لا شك أنه أكثر حلمًا من عمر، وعمر معروف بالشدة، فلا يبعد أن يقال إن هذا من شدة عمر ﵁، ولكن الجواب الأول أسد وأولى.
ويستفاد من هذا الحديث: جواز تكلم الخطيب مع غيره، من أين تؤخذ؟ من كلام الرسول صلى الله عليه وسلام مع هذا الرجل قال: "صليت؟ "، فلو قال قائل: هذا من خصائص الرسول- ﵊؛ فالجواب: أن القول بأن هذا من الخصائص في هذه المسألة، وفي غيرها من المسائل لا يجوز إلا بدليل، وإلا فالأصل التأسي به، ويدلكم على هذا قوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الاحزاب: ٢١]. وقوله: ﴿فلما قضى زيد منها وطرًا زوجنكها﴾ [الاحزاب: ٣٧]. التعليل: ﴿لكى لا يكون على المؤمنين حرج في أزوج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا﴾ [الاحزاب: ٣٧]. فالحكم خاص والتعليل هنا عام، فقوله: ﴿لكى لا يكون على المؤمنين﴾ عامة، فدل هذا على أن الحكم في حق الرسول- ﵊ حكم في حق الأمة ويدلكم
стр. 924
لذلك أيضًا أن الله لما أراد أن يخص نبيه بالحكم قال: ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين﴾ [الاحزاب: ٥٠]. وبهذا نعرف أن أي شخص يدعي دعوى الخصوصية في أي شيء مما جاءت به السنة، فإن قوله مردود عليه إلا بدليل؛ لأن الآيتين في سورة الأحزاب واضحتان؛ لأن الحكم الوارد في حق الرسول- ﵊ حكم له وللأمة إلا بدليل على الخصوصية.
فإذا قال قائل: من حيث المعنى والتعليل ما الفرق بين الخطيب وغيره؟
لأن الخطيب إذا تكلم قطع خطبته ولم يبق على خطبته بخلاف غيره فإن الخطيب سوف يستمر ويواصل وحينئذٍ يفوت المتكلم ما يفوته من الخطبة بحسب كلامه.
ومن فوائد الحديث: أنه لا ينبغي أن ينكر على فاعل المنكر ما دام المقام يقتضي التفضيل؛ وجه ذلك: أن النبي ﷺ قال: "صليت؟ " ما أنكر عليه الجلوس، بل سأله هل صلى أم لا، فمن هذا الحديث نأخذ قاعدة مهمة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي ألا نتسرع ولا نتعجل في الأمور المحتملة حتى نستفصل؛ لأنك إذا أنكرت شيئًا وهو ليس بمنكر تنسب إلى التسرع ثم تخجل، ثم هذا الرجل الذي أنت تعينه يوبخك ويخجلك، فلو رأيت مع شخص امرأة تمشي معه هل تنكر عليه بأن تقول: يا رجل كيف تمشي مع امرأة، هذا حرام ... أتقول ذلك، أو تستفصل؟ تستفصل.
ويُستفاد من هذا الحديث: أنه يجوز أن يخاطب المعظم بقول: "لا" وأن هذا ليس من سوء الأدب؛ لأن الرجل قال للنبي ﷺ أمام الناس: "لا" لو أنك قلت: "لا" للمعظم عندنا الآن قالوا: هذا سوء أدب الذي ينبغي لك أن تقول: "سلامًا" هذا هو الواقع الآن، لو تقول مثلًا لأبيك: "لا"، أو لأمك: "لا"، فهذا عاق، ويجب أن يقول: "سلامًا"، ولكن هذا يرد عليه؛ لأن هذا الجواب من صحابي للرسول ﷺ أمام الناس، ولو كان هناك أي شيء في عدم الأدب لكان هذا الصحابي يتحرز منه، أو لكان الرسول يبينه، أو لانتقده الصحابة.
ويستفاد من هذا الحديث أيضًا: أن من دخل والإمام يخطب فإنه لا يجلس حتى يُصلي ركعتين، من أين يؤخذ؟ من قوله: "قم فصلِّ ركعتين".
ويُستفاد من هذا الحديث: وجوب القيام في صلاة النفل؛ لأن الرسول ﷺ قال: "قُم"، والأصل في الأمر الوجوب، فإن قال قائل: هذا صحيح، لكن هناك ما يدل على أن هذا الأمر ليس للوجوب لا في هذه القضية بعينها، ولكن لأن هناك نصوصًا أخرى تدل على عدم
стр. 925
وجوب القيام في النفل مثل ثبوت أن الرسول ﷺ كان يصلي النافلة على راحلته بدون ضرورة، ولو كان القيام ركنًا أو واجبًا لنزل كما ينزل للفريضة، كذلك أيضًا ما ثبت في الصحيح من قوله ﵊: "صلاة القاعدة على النصف من صلاة القائم". فهذا أيضًا يدل على عدم الوجوب، وأن المسألة على سبيل الاستحباب، وكذلك ما ثبت من كون الرسول ﵊ في آخر حياته يصلي صلاة الليل قاعدًا مع أنه يستطيع أن يقوم لكنه كان يصلى قاعدًا؛ لأنه يشق عليه بعض الشيء، إذن نقول كلمة: "قم" لا يستفاد منها الوجوب، لا لذاتها ولكن بأدلة أخرى تدل على أن الأمر ليس للوجوب.
ويستفاد من هذا الحديث: وجوب صلاة ركعتين لمن دخل المسجد، من أين تؤخذ؟ من قوله: "فصل ركعتين"، فهو أمر والأصل في الأمر الوجوب، ولاسيما أن هذا الوجوب قد عرف بكون استماع الخطبة واجبًا، ولا يتشاغل عن الواجب إلا بواجب، يدل هذا على أن تحية المسجد واجبة إذا كان الرجل لو تشاغل عن الواجب إلا بواجب، يدل هذا على أن تحية المسجد واجبة إذا كان الرجل لو تشاغل عن الخطبة لكلامه إذا أنكر كلامًا على غيره فإنه تلغى جمعنه، فهذا دليل على أنه يجب الاستماع وعدم التشاغل في الخطبة، فلما أمر بأن يصلي ركعتين دل ذلك على الوجوب، وإلى هذا ذهب كثير من أهل العلم، ولكن بعض أهل العلم يقولون: إن الأمر ليس للوجوب؛ لأن هناك ما يصرفه، فما هو الصارف؟ أكثر ما يتعلق به من يرى أن تحية المسجد ليست واجبة، وأن صلاة الكسوف ليست بواجبة أكثر ما يتعلقون به حديث الأعرابي: "هل علي غيرها؟ " قال: "لا، إلا أن تطوع". فنقول: الصلوات الخمس متعلقة بأسبابها؛ ولهذا لو نذر أن يصلي وجب عليه الوفاء بالنذر بالإجماع مع أنها ليست من الصلوات الخمس، وهي صلاة، ولكن إن وجد صارف يصرف عن الوجوب غير هذا فنعم، وإلا هذا فلا يسقط الأمر عن الوجوب في مثل هذا الحديث، وفي حديث صلاة الكسوف، ثم إننا نقول: كثير من الذين يقولون بعدم الوجوب في صلاة الكسوف، وفي مثل هذا يقولون بوجوب صلاة العيد إما عينًا، وإما كفاية، فمع ذلك فهي لم تذكر في الحديث، وكثير منهم يقولون بوجوب ركعتي الطواف خلف المقام، ومع ذلك ليست مذكورة في الحديث لكن لها سبب.
وعلى هذا فنقول: هذا الحديث يدل على الوجوب فإن وجد صارف غير هذا الحديث الذي أشرنا إليه أخذنا به، وإلا فالأصل الوجوب، لاسيما وأنه معضود بكون هذا الرجل يؤمر بأن يصلي مع تشاغله عن الخطبة، قال بعض أهل العلم: إن الصارف له عن الوجوب هو قصة
стр. 926
الثلاثة الذين دخلوا المسجد فجاءوا إلى النبي ﷺ وهو مع أصحابه في حلقة، فدخل رجل الحلقة، وجلس واحد خلفها، وانصرف واحد، فقال النبي ﵊ حدثهم عن هؤلاء النفر الثلاثة: "أما أحدها فآوى فآواه الله"، من هو؟ الذي جلس في الحلقة، "وأمَّا الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه"، قالوا: فهذان رجلان جاءا فجلسا ولم يأمرهما النبي ﵊ بالصلاة. وقالوا أيضًا في قصة كعب بن مالك ﵁ حينما جاء بعد أن تاب الله عليه، والنبي ﵊ جالس مع أصحابه حتى وقف على النبي ﷺ ولم يأمره بأن يصلي ركعتين، فدل هذا على عدم وجوبهما، وأظنكم إذا تأملتم هذين الدليلين وجدتم أنهما قد يعجزان عن مقاومة القول بالوجوب، كيف ذلك؟
أما قصة الثلاثة فهي قضية عين يجوز أن هؤلاء صلوا والرسول لم يقل لهم؛ لأنهم صلوا وقد يكونون على غير وضوء، ولكن فيه بعض الشيء، وقصة الرجل الذي جعل يتخطى الصفوف فقال له النبي ﵊: "اجلس فقد آيت". هل تصلح صارفًا؟ لا؛ لماذا؟ قد يكون صلى وجاء يتخطى الرقاب، إذن معنى ذلك أننا نصل إلى أن القول بوجوب تحية المسجد قول قوي جدًا، وأن الذي يدعها مخاطر ومعرض نفسه للإثم؛ لن جميع الأدلة التي قيل إنها صارفة عن الوجوب فيها شيء من النظر والمرء يحتاط لنفسه.
وقوله: "فصل ركعتين" هل يؤخذ منه أنه لو صلى ركعة واحدة كما لو دخل الرجل فأوتر بواحدة ثم جلس هل يكون آثما؟ أما من كان ظاهريًا فسيقول: هو آثم، يعني إذا قلنا بالوجوب فسيقول: إنه لم يأت بتحية المسجد؛ لأن الرسول ﵊ يقول: "ركعتين"، وهذه ركعة، وأما من قال: إن هذا بناء على الأغلب، وأن القيد الأغلبي لا يعتبر له مفهوم؛ فسيقول: إن من صلى صلاة شرعية فإنه يحصل بها المقصود، فإذا دخلت فأوترت حصل بذلك المقصود، وهذا عندي هو الأقرب، فيكون الحديث - حديث أبي قتادة -: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" مبني على الأغلب، وما كان مبنيًا على الأغلب فإنه عند أهل العلم لا مفهوم له، وقد دل على ذلك القرآن أن ما كان مبنيًا على الأغلب فلا مفهوم له، دل عليه في آيتين مرتا علينا، قال الله تعالى في جملة المحرمات في النكاح: ﴿وربائبكم التي في حجوركم من نسائكم التي دخلتم بهن﴾ [النساء: ٢٢]، فعندنا قيدان: قيد في الربائب، وقيد في النساء أمهات الربائب، الربائب بماذا قيدهن الله؟ بـ ﴿التي في حجوركم﴾،
стр. 927
وأما أمهاتهن فقال: ﴿التي دخلتم بهن﴾، ننظر هل القيدان معتبران صرح الله تعالى بهم القيد الثاني دون الأول فقال: ﴿فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم﴾ [النساء: ٢٣]. ولم يقلك فإن لم يكن في حجوركم فلا جناح عليكم، فدل هذا على أنه غير معتبر؛ لأن هذا الغالب أن ربيبته التي جاءت بها امرأته قبله الغالب أن تكون في حجر تتبع أمها، أما الثاني: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنًا﴾ [النور: ٣٣]. فقال بعض العلماء: إن هذا القيد أغلبي؛ لأن الغالب أنها لا تمتنع من البغاء إلا وتريد تحصين نفسها، وأنها لو امتنعت من البغاء بغير هذه العلة فإنه لا يجوز إكراهها، معنى ذلك: لو أن الرجل أكره أمته على أن تزني بهذا الرجل، وقالت: لا، هذا الرجل قبيح أحضر رجلاً جميلاً هذه امتنعت تريد تحصنًا أو لا؟ لا، هل تكره أو لا؟ إن أخذنا بقيد ﴿إن أردن تحصنًا﴾ نكرهها، ولكننا نقول: هذا القيد أغلبي بناء على الأغلب أنها تريد التحصن على هذا فلا مفهوم له على أن بعضهم قال: إن قوله: ﴿إن أردن تحصنًا﴾ بين العلة، وفيها الإشارة إلى توبيخ هؤلاء الأسياد، كيف هذه الأمة وليست حرة تريد التحصن وأنت تريد أن تكرهها على البغاء.
ما يقرأ في الجمعة والعيدين:
٤٣٣ - وعن ابن عباس ﵄: "أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة والمنافقين". رواه مسلم.
تقدم لنا عدة مرات أن "كان" تفيد الاستمرار غالبًا لا دائمًا، وقد يراد به مجرد اتصاف الصفة بقطع النظر عن الدوام وعدمه، وقد يراد بها أيضًا مجرد اتصاف الصفة مع وجود قرينة تدل على الاستمرار مثل: ﴿وكان الله غفورًا رحيمًا﴾. هذا ما يمكن، نقول: غالبًا، ولا يمكن أن نقول مجرد الصفة التي تزول، بل هو الاستمرار الدائم الأزلي الأبدي.
قال: "كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة"، وهي التي ذكر فيها قوله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ [الجمعة: ٩]، ووجه قراءته بها ﵊: لما فيها من تقرير التوحيد، وبيان نعمة الله على العباد، وبعث الرسول ﷺ وتحذير مخالفته بضرب المثل القبيح للذين حملوا التوراة؛ ولأنها تشتمل على الدليل الصريح في وجوب صلاة الجمعة والحضور إليها، وعلى الترهيب من التشاغل عنها، ولو بما كان مباحًا كالتجارة، فالمهم أن فيها مناسبات متعددة لأن تقرأ في هذا الجمع الكثير، فتكون كأنها قراءة صلاة وفي نفس الوقت خطبة وموعظة.
стр. 928
وأما "المنافقون"، هنا عندي "والمنافقين" على الحكاية أو على إعمال العامل؟ على الإعمال، والمنافقين يعني: سورة المنافقين التي قال الله فيها: ﴿إذا جاءك المنفقون ... ﴾ الخ [المنافقون: ١]. ومناسبة هذه للجمعة ظاهرة لما فيها من التحذير عن هذا الخلق الذميم - والعياذ بالله - خلق النفاق، سواء كان هذا النفاق اعتقاديًا أو علميًا، ولما فيها من بيان عزة الإسلام وأهل الإسلام: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ [المنافقون: ٨]. فيها من التحذير عن التشاغل بالأموال عن طاعة الله: ﴿لا تلهكم أمولكم ولا أولدكم عن ذكر الله﴾ [المنافقون: ٩]. فتكون هذه أعم مما ذكر في سورة الجمعة؛ لأن الجمعة خصت بالبيع: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوًا﴾ [الجمعة: ١١]. أما هذه الآية فهي عامة في الأموال والأولاد بأي طريق، ولما فيها أيضًا من تذكير الإنسان بالحال التي لابد منها وهي حال الموت حيث يتمنى الإنسان أن يرد إلى الدنيا ليعمل ولكنه قد فات الأوان: ﴿ولن يؤخر الله نفسًا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون﴾ [المنافقون: ١١]. فالمهم: أن اختيار النبي ﷺ لهاتين السورتين فيه مناسبات متعددة أكثر مما قلنا لمن تأمل ذلك.
فيستفاد من هذا الحديث: استحباب قراءة هاتين السورتين في صلاة الجمعة، واستحباب قراءتهما كاملتين؛ يعني: لا يقرأ واحدة في الركعتين.
وفيه من الفوائد: مراعاة الأحوال واحتيار الأنسب؛ لأن النبي ﵊ اختار ما هو أنسب.
ويستفاد منه أيضًا: أن المنافقين بعد الجمعة، لكن هل يستفاد منه أنها موالية لها؟ لا؛ لأن النبي ﵊ قد يقرأ سورتين غير متواليتين كما في فجر يوم الجمعة يقرأ في الأولى سورة السجدة، ويقرأ بعدها سورة ﴿هل أتى﴾. لكن يستفاد: أن المنافقين بعدها؛ لأن المعروف أن هذا الترتيب ترتيب منه ما هو سماعي، ومنه ما هو اجتهادي، هذا هو الصحيح في هذه المسألة، وإن كان بعض أهل العلم يقول: إن ترتيب السور سماعي توقيف من الرسول ﷺ ، لكن الصواب أن منه ما هو توقيفي، ومنه ما هو اجتهادي، بخلاف ترتيب الآيات فإن ترتيب الآيات توقيفي؛ ولهذا قال أهل العلم: يكره تنكيس السور ويحرم تنكيس الآيات، فلو أن الإنسان قرأ الفاتحة من آخرها أو سورة الناس من آخرها قلنا: إن هذا محرم ولا يجوز.
٤٣٤ - وله: عن النعمان بن بشير ﵁ قال: "كان يقرأ في العيدين وفي الجمعة: بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، و: ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ ".
قوله: "وله" أي: لمسلم، بهذا الحديث يتبين أن "كان" ليست للدوام دائمًا، لو كانت كذلك
стр. 929
للزم تعارض الحديثين؛ لأن الأول يقول: "كان يقرأ بالجمعة والمنافقين"، وهنا بسبح والغاشية.
وقوله: "كان يقرأ في العيدين" هما عيد الفطر وعيد الأضحى، وليس في الإسلام عيد سواهما إلا يوم الجمعة، وقد ذكر "وفي الجمعة" فتبين أن الرسول ﵊ يقرأ هاتين السورتين في الأعياد الثلاثة: عيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد الأسبوع.
وقوله: بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ " إعرابها: "الباء": حرف جر "سبح اسم ربك الأعلى" كل هذه الجملة في تأويل اسم مفرد مجرور بالباء، وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها الحكاية كأنه قال: "يقرأ بهذه السورة" فهي إذن في تأويل المفرد، وقوله: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾. ﴿سبح﴾ معناها: نزه، وقوله: ﴿اسم ربك الأعلى﴾ اختلف العلماء في قوله: ﴿اسم ربك﴾ فقال بعضهم: إن لفظ "اسم" زائد، لأن الذي يسبح هو الله، فأنت إذا قلت: "سبحان الله" لا تريد أن تسبح اللام والهاء، إنما تريد المسمى بهذا الاسم، وعلى هذا فتكون "اسم" زائدة، والتقدير: "سبح ربك الأعلى"، واستدلوا لقولهم بقوله تعالى: ﴿لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه﴾ [الفتح: ٩]. وبقوله: ﴿يأيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكرًا كثيرًا وسبحوه بكرةً وأصيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
ويقول النبي ﵊: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك". فالتسبيح إذن لله قالوا: فهذا الكتاب والسنة يدلان على أن التسبيح وارد ليس على الاسم، ولكن على المسمى، وعلى هذا فتكون "اسم" زائدة، وقال بعض أهل العلم: إن هذا دليل على أن فالاسم هو المسمى؛ لأنه قال: ﴿سبح اسم ربك﴾ فالمراد به: الله، الاسم هو المسمى، ولكن هذا لا دلالة في الآية عليه؛ لأنه قال: ﴿اسم ربك﴾، والمضاف في الأصل غير المضاف إليه، كما أن الموصوف غير الصفة فقال: ﴿اسم ربك﴾، فأنت إذا قلت: "غلام زيد" هل يكون الغلام هو زيدًا؟ لا، وكذلك لو قلت: "عمل زيد" لا يكون العمل هو زيدًا، فالمضاف لا شك أنه غير المضاف إليه، والصحيح أن الاسم للمسمى كما قال شيخ الإسلام، وقال بعض العلماء: بل إن المراد: تسبيح الله لاشك فيه، ولكن فائدة ذكر الاسم أن يكون التسبيح باللسان؛ إذ لا يمكن تسبيح الله باللسان إلا بذكر اسمه، أما إذا لم تذكر اسم الله فإن التسبيح يكون بالقلب؛ ولهذا أنت تقول: "سبحان ربي العظيم"، "سبحان الله وبحمده"، "سبحان الله العظيم"، تذكر الاسم، فيكون فائدة ذكر الاسم هنا: الدلالة على أن المراد التسبيح باللسان وهذا لا يمكن إلا بذكر الاسم، ويدل لذلك الآية الأخرى التي أفضحت عن هذا، ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾. أي:
стр. 930
سبح الله باسمه، فيكون هنا إذن فائدة ذكر الاسم عظيمة جدًا لئلا يقتصر الإنسان على التسبيح بقلبه الذي لا يظهر معه الاسم.
وقوله: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ الربوية هنا خاصة أو عامة؟ خاصة.
وقوله: ﴿الأعلى﴾ اسم تفضيل محلى بـ"أل" أي: الذي له العلو المطلق علو الذات وعلو الصفات، وهذا التقسيم - تقسيم العلو - إلى علو ذات وعلو صفات أخصر وأجمع وأعم من تقسيمه إلى ثلاثة أقسام: علو ذات، وعلو قدر، وعلو قهر؛ لأن القدر والقهر من الصفات فيكون هذا أجمع علو القدر، وعلو القهر، وعلو الرحمة، وعلو العفو، فيكون قولنا: علو الذات وعلو الصفات أشمل وأجمع - الله تعالى عالي الصفات وعالي الذات أيضًا - بمعنى: أن ذاته فوق كل شيء، إذن أنت أثبت له مكانًا وهو العلو المطلق العلو الذي ليس فيه شيء معناه: أن هذا المكان الذي لله مكان عدمي ليس فيه شيء يحيط بالله ، ولو كان هناك شيء يحيط به لزم من ذلك انتفاء العلو المطلق؛ لأن هذا المحيط به يكون مساويًا له فليس هناك علو، ويلزم أيضًا منه محظور وهو إحاطة الأشياء به، ولا يحيط بالله شيء، وهذا السبب الذي أوجب لمنكري العلو أن ينكروا علو الذات حتى إنهم - والعياذ بالله - يقولون: من أثبت أن الله عال بذاته فقد وصف الله بأعظم النقص فجعلوا الكمال نقصًا، قالوا: لأنك الآن إما حيزت أو جسمت أو حصرت، ولكن هل يلزم من هذا التجسيم أو الحصر أو التحييز؟ لا يلزم بالمعنى الذي قالوه، فالله إن أرادو بالحيز الذي نفوه أنه منحاز عن الخلائق بائن منها منفصل عنها فهذا النفي باطل؛ لأن الله تعالى نثبت أنه منحاز عن الخلائق بائن منها، لم يحل في شيء منها ولا شيء منها حل فيه، إن أرادوا، أيضًا بالحصر أن الأماكن تحصره فهذا باطل ولا نقرهم، وعلى هذا فالحصر ممنوع مطلقًا إن أرادوا بالجسم الذي جعلوا يغنون عليه ويدندونون، إن أرادوا بالجسم: مناف للأجسام المخلوقة فهذا ممتنع وباطل، وإن أرادوا بالجسم الذات المتصفة بما يليق بها فهذا حق، والمهم: أن إثباتنا للعلو الذاتي ليس معناه أننا نقر بأن شيئًا يحيط به، أو أنه لو أزيل هذا الذي علا عليه الله لخر، هذا شيء لا أحد يقوله، فلذلك العلو الذاتي قد دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف، والعقل، والفطرة، وقد سبق لنا وجه دلالة الأشياء الخمسة عليه.
وأما الثاني: ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾. الخطاب لمن؟ إما للرسول ﷺ ، أو لكل من يتأتى خطابه، و ﴿هل﴾ استفهام قال بعض العلماء: إن ﴿هل﴾ هنا بمعنى "قد" فهي للتحقيق كما في قوله تعالى: ﴿هل أتى على الإنسن حينٌ من الدهر﴾ [الإنسان: ١]. معناها "قد أتى".
وقال بعضهم: بل هي للاستفهام، ولا نقول: إنها للتحقيق، لكنها متضمنة معنى التقرير
стр. 931
والإثبات، وقوله: ﴿حديث الغشية﴾ المراد بالغاشية: القيامة؛ لأنها تغشى الناس وتحيط بهم، وقوله: ﴿هل أتك﴾ حديثها أو نبأها، وهذا يحتمل أن يكون بـ ﴿هل﴾ المراد بها التشويق مثل: ﴿هل أدلكم على تجرة تنجيكم من عذاب أليمٍ﴾ [الصف: ١٠]. وهنا قال: ﴿هل أتك حديث الغشية﴾ ثم قال: ﴿وجوه يومئذ﴾ [الغاشية: ٢]. فهذا مبتدأ لحديث مناسبة هاتين السورتين لصلاة الجمعة ظاهرة لما فيه من مبدأ الخلق، وبيان حكمة الله وأمر النبي ﷺ بالتذكير، وبيان من ينتفع بالذكرى ومن لا ينتفع، وبيان أن النبي ﷺ إذا قام بما يجب عليه من التذكير فإنه لا يضره مخالفة من خالف: ﴿فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٦]. وفيها بيان نهاية الناس، وأنها ترجع إلى الله: ﴿إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦]. فالمناسبة فيها ظاهرة جدًا، وهما سورتان لا تشقان على الناس، ولا تمنعان الناس من التلذذ بسماع القرآن، فقد جمعتا بين القصص والفائدة العظيمة.
إذن يستفاد من هذا الحديث: أنه يسن قراءة هاتين السورتين في صلاة العيد والجمعة.
مسألة: هل تسقط صلاة الجمعة بصلاة العيد؟
في آخر الحديث السابق في مسلم - وليت المؤلف جاء به - أنه قال: "وإذا كانت الجمعة يوم العيد قرأ بهما في الصلاتين جميعًا" هذا فيه فائدة عظيمة، وهي أن صلاة الجمعة لا تسقط بصلاة العيد، وأن ما ورد عن ابن الزبير من اقتصاره على الصلاة إنما أرد الجمعة ليجمع بين فعله ووصف ابن عباس له بأنه السنة، وبين ما ثبت في صحيح مسلم من أن النبي ﷺ يصلي الجمعة والعيد جميعًا في يوم واحد، وقد سبق لنا البحث في هذا وبينا أن القول الحق في هذه المسألة أن الجمعة لابد أن تقام، ولكن من حضر العيد فله الرخصة في ترك الجمعة، وعليه أن يصلي الظهر.
٤٣٥ - وعن زيد بن أرقم ﵁ قال: صلى النبي ﷺ العيد، ثم رخص في الجمعة، ثم قال: "من شاء أن يصلي فليصل". رواه الخمسة إلا الترمذي، وصححه ابن خزيمة.
قوله: "صلى ثم رخص في الجمعة" "رخص" يعني: سهل، والرخصة في اللغة: السهولة. وقوله: "صلى ثم رخص" يعني: في نفس اليوم؛ لأن يوم العيد صادف يوم الجمعة.
ثم قال: "من شاء أن يصلي فليصل"، "من شاء أن يصلي" أي: الجمعة، "فليصل"، اللام هنا لام الأمر، والمراد به: الإباحة؛ لأنه جاء جوابًا للمشيئة، وما كان معلقًا بالمشيئة فإنه للإباحة وإن شاء لم يفعله، وإن كان أحيانًا يراد به التهديد كما في قوله تعالى: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ [الكهف: ٢٩]. لأن هذا ليس باختيار الإنسان، لكن الغرض من ذلك التهديد.
стр. 932
وقوله: "فليصل" فيها إشكال من جهة أنه فعل أمر وبني على الكسرة، لماذا؟ لأنه مجزوم بحذف حرف العلة.
هذا الحديث بين فيه زيد بن أرقم أن النبي ﷺ صلى العيد وكان ذلك يوم جمعة ثم رخص في الجمعة، وقال: من شاء أن يصليها فليصلها.
فيستفاد منه بيان أمور: الأول: أنه إذا اجتمع يوم العيد والجمعة فإن من حضر صلاة الإمام فله أن يحضر الجمعة، وله ألا يحضر، تؤخذ من قوله: "ثم رخص في الجمعة".
ثانيًا: أن هذا الحكم لا يشمل من لم يحضر؛ لأن قوله: "صلى ثم رخص" فقال: "من شاء أن يصلي فليصل" الخطاب لمن؟ للحاضرين المصلين، فمن لم يصل فلابد أن يحضر الجمعة.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي، بل يجب على الإمام أن ينبه الناس على الأحكام التي تخفى عليهم حيث قال: "فمن"، "ثم رخص في الجمعة".
ومن فوائد الحديث: تيسير الله على العباد، حيث إنهم إذا اجتمعوا في هذا اليوم على إمام واحد رخص لهم أن يدعوا هذا الاجتماع، استدل به بعض العلماء على أن صلاة الظهر تسقط لقوله: "فمن شاء أن يصلي فليصل" يعني: ومن شاء ألا يصلي فلا يصل، لكنه قد وردت أحاديث تدل على أن صلاة الظهر لا تسقط؛ وذلك لأن صلاة الظهر فرض الوقت تغني عنها الجمعة عند الاجتماع، فإذا سقطت الجمعة عن الإنسان ما الذي يجب عليه؟ الظهر كالمريض إذا سقطت عنه الجمعة للعذر فإنه يجب عليه أن يصلي الظهر ولا يدعها، وهذا القول قول وسط بين ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنها لا تسقط الجمعة، وأنه يجب على من حضر صلاة العيد أن يحضر الجمعة، ويرون ضعف هذا الحديث ويقولون: إن الأصل بقاء الفريضة، وأن ما كان على ما هو عليه، وأن صلاة العيد لا تسقط بها الجمعة؛ لأنها في غير وقتها، وهذا على رأي من يرى أن صلاة الجمعة لا يدخل وقتها إلا بالزوال كما هو قول جمهور أهل العلم.
القول الثاني في المسألة: أنها تسقط صلاة الجمعة والظهر عملاً بظاهر الحديث، وبظاهر ما روي عن عبد الله بن الزبير ﵁ حيث صلى العيد ولم يصل بعدها إلا العصر.
والقول الثالث في المسألة: أنها تجب صلاة الجمعة، لكن يعفى عمن حضر صلاة العيد
стр. 933
فلا يصليها ولا يلزمه الحضور، ولكن يصليها ظهرًا كغيره من أهل الأعذار، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - وهو الأقرب إلى الصواب.
صلاة النفل بعد الجمعة وأحكامها:
٤٣٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعًا". رواه مسلم.
قوله: "إذا صلى أحدكم الجمعة" يعني: فرغ منها، "فليصل" الفاء رابطة لجواب، أين الجواب؟ الجواب: "يصلي"، والشرط: "إذا صلى"، وجواب الشرط يكون بعد فعل الشرط فورًا إلا بدليل، وعلى هذا فقوله: "فليصل بعدها أربعًا" يكون بعد الجمعة مباشرة، وقوله: "فليصل بعدها أربعًا" يعني: أربع ركعات، هذه الأربع ظاهرها أنها تصلى بتسليم واحد، وقيل: تصلى بتسليمين على ركعتين، فأما من قال بالأول فقال: هذا هو ظاهر الحديث، ومن قال بالثاني قال: إن الأحاديث المطلقة تحمل على الأحاديث المقيدة، وهو أن النبي ﵊ قال: "وصلاة الليل والنهار مثنى مثنى". فإن هذه الكلمة: "والنهار" اختلف فيها الحفاظ، ولكن الراجح أنها ثابتة، وعلى هذا فتكون مقيدة لكل الأحاديث المطلقة، والغريب أن الذين قالوا: إنها تصلى أربعًا بسلام واحد أيدوا مناسبة ذلك، قالوا: لئلا يظن إذا سلم من ركعتين أنه أتم الجمعة ظهرًا، أن هاتين الركعتين إتمام للجمعة ولكننا نقول: هذه المناسبة تعكس عليكم إذا قيل: إنه يصلى أربعًا، فيقال: إن الرجل صلى الجمعة، ثم صلى ظهرًا ثانيًا، وهذا القول بأن يصلي ركعتين ركعتين أبعد عن إعادة الظهر، وأبعد عن ألحاقها؛ لأن الإلحاق هنا ممتنع بواسطة السلام.
وقوله: "فليصلى بعدها أربعًا" اللام هنا لام الأمر، والأصل في الأمر الوجوب، ولكن عندنا قرينة تخرجه عن الوجوب للاستحباب ما هي؟ حديث معاذ: "أعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات". وحديث الأعرابي قال: هل علي غيرها؟ قال: "لا إلا أن تطوع".
حكم فصل الفريضة عن النافلة:
٤٣٧ - وعن السائب بن يزيد ﵁: أن معاوية ﵁ قال له: "إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاةٍ، حتى تتكلم أو تخرج، فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك: ألا نوصل صلاةً بصلاةٍ حتى نتكلم أو نخرج". رواه مسلم.
стр. 934
هذا الكلام كلام معارض، لكنه استدل له بقوله: "فإن رسول الله"، وقوله: "فلا تصلها بصلاة" يعني: لا تأت بعدها بصلاة مباشرة حتى تتكلم، والكلام يطلق على كلام الآدميين، ويطلق على الكلام كلام الذكر، فهل المراد هنا العموم يعني: حتى تتكلم بذكر أو مع الآدميين، أو أن المراد الثاني؟ الظاهر: أن المراد العموم؛ لأن الكل كلام، ويؤيد هذا الظاهر أن الفصل بين الفرض والسنة يحصل بمثل هذه الأذكار؛ إذ إن هذه الأذكار لا يشرع جنسها في الصلاة، فلا يقال: إنها صلاة واحدة، وأن هذا الذكر بينهما من الصلاة، فما دام لا يوجد في الصلاة: "اللهم إنك أنت السلام"، ولا "أستغفر الله" ولا "سبحان الله" وما أشبهها فإن الفصل يحصل بذلك، وقال بعض العلماء: إنه لا يحصل إلا بكلام لا تبطل به الصلاة حتى تتبين المباينة، وأنه لا يمكن أن يبنى هذا النفل على الفرض؛ لأن التسبيح والذكر إذا قاله إنسان في الصلاة فلا تبطل، فلابد أن يتكلم بكلام يبطل الصلاة ليتحقق الفرق والفصل، ولكن إذا أخذنا بالظاهر وقلنا: إن جنس هذا التسبيح وإن كان لا يبطل الصلاة لكن لا يشرع مثله، فإنا نكتفي بالفصل بهذا التسبيح.
وقوله: "أو نخرج" أي: من المسجد، ثم استدل لذلك: "فإن النبي ﷺ أمرنا بذلك" معلوم أن المشار إليه مبهم حتى يتبين الكلام سابق أو لاحق وهنا بينه بقوله: "ألا نوصل صلاة بصلاة"، "ألا نوصل" هذه عطف بيان بالنسبة لاسم الإشارة؛ أي: بألا نصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج، وقوله: "صلاة بصلاة" "صلاة" هذه نكرة في سياق النفي، فتكون عامة للفريضة والنافلة، وكذلك "بصلاة" عامة للفريضة والنافلة، "فالفريضة" نفصلها بذكر، وكذلك نفل بنفل كصلاة الليل، والوتر، وما أشبه ذلك، لا حاجة إلى أن نفصل بينهما إلا أنه روي عن ابن عمر في الوتر بثلاث أنه إذا سلم من ثنتين كان يأمر ببعض حاجته ليفصل بينهما، وكأنه ﵁ أخذ هذا من العموم: "ألا نوصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج".
فيستفاد من هذا الحديث: أولاً: بيان تبليغ الشرع؛ لأن معاوية ﵁ أبلغ السائب مع أنه هو الخليفة، فلا ينبغي للإنسان أن يأنف ويقول: يبلغه غيري.
ومن فوائده أيضًا: الاستدلال بالأحاديث النبوية على المسائل العلمية؛ لأن معاوية استدل، وقد سبق أن النبي ﷺ كان يستدل بالقرآن مثل قوله ﵊: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له، ثم قرأ: ﴿فأما من أعطى﴾ [الليل: ٥]، ومنه قوله: "الصدقة تطفئ الخطيئة،
стр. 935
وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ حتى بلغ ﴿يعلمون﴾ [السجدة: ١٦]. وأمثلة ذلك كثيرة، والصحابة ﵃ يستدلون بالقرآن وبالسنة أيضًا.
ومن فوائد الحديث: أن الأفضل ألا توصل صلاة بصلاة حتى يكون كلام أو خروج؛ لقوله: "أمرنا ألا نوصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج".
ومن فوائده أيضًا: أن للشارع نظرًا في الفرق بين الفرض والسنة حتى لا يلتبس الأمر على العامل فلا يحاول أحد أن يزيد في فرائض الله، بل يكون أمره واضحًا متميزًا، ولهذا قال النبي ﷺ : "لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجل كان يصوم صومًا فليصمه". لأجل أن يبقى رمضان متميزًا عن الفرض، إلا من كان له صوم ولا صام عن رمضان فهذا لا بأس.
ومنها: الإشارة إلى أن الأفضل أن يصلي الإنسان النوافل في غير المسجد، من أين تؤخذ؟ من قوله: "أو يخرج"، ولا شك أن الأفضل في النوافل البيت كل النوافل، فما يفعله الناس الآن من كونهم يتنفلون في المسجد فهذا خلاف الأصل، وإن كان جائزًا خصوصًا فيما بعد السلام، أما ما قبل السلام فقد يقول الرجل: أنا أحب أن أتقدم إلى المسجد لأنال الأجر والفريضة، فهذا جائز، لكن بعد السلام أكثر الناس الآن تجدهم يصلون الراتبة في المسجد وهذا خلاف الأفضل، وإن كان جائزًا لقول النبي ﷺ : "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة"، لكن الناس يتعللون بعلتين:
العلة الأولى: يقولون: إذا خرجنا إلى البيت غفلنا عنها، أو اشغلنا الأولاد.
والعلة الثانية: أننا نصليها في المسجد لأجل تنشيط بعضنا بعضًا؛ لأننا إذا انصرفنا فإن الجاهل ما يدري يحسب أنه ليس هناك نافلة فنحن نفعلها ليقتدي بعضنا ببعض.
أما العلة الأولى فهي علة عليلة؛ لأننا نقول في جوابها: إذا مرنت نفسك على أن تصلي الراتبة في البيت فلا تنساها لأنك منظم نفسك.
وأما العلة الثانية فقد تكون وجيهة لكن جوابها أن تقول: نفهم الناس ونعودهم على السنة حتى يعرفوا، فيقال: السنة للمغرب بعده ركعتين، والعشاء كذلك، والأفضل أن تكون في البيت ويلاحظون في هذه الأمور، لأن الناس قد ينسون وقد يغفلون فيجب التنبيه.
ومن فوائد الصلاة في البيت: البعد عن الرياء، ومنها: أن الأولاد الصغار يتعلمون، فالصغار إذا رأوا أباهم يصلي يقتدون به لاشك، المهم يتعلمون، وهذا هو الحكمة من قوله ﵊: "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا". يعني: لا تجعلوها بلا صلاة، بل صلوا فيها.
стр. 936
فضل الاغتسال والتطيب يوم الجمعة:
٤٣٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من اغتسل ثم أتى الجمعة، فصلى ما قدر له، ثم أنصت حتى يفرغ الإمام من خطبته، ثم يصلي معه؛ غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام". رواه مسلم.
"من" هذه شرطية، وجواب الشرط قوله: "غفر له"، فالشرط إذن اشتمل على عدة أمور:
أولًا: "من اغتسل"، والمراد: غسل الجنابة؛ لأنه إذا أطلق الكلمات بلسان الشارع فإنها تحمل على الحقيقة الشرعية، فإن لم يكن لها حقيقة شرعية حملت على الحقيقة اللغوية، وهنا لها حقيقة شرعية؛ لأن من اغتسل غسل الجنابة ثم أتى الجمعة، يعني: أتى مكان صلاة الجمعة، أم أتى صلاة الجمعة؟ إذا قلت: "أتى مكان صلاة الجمعة"، صار فيه شيئان محذوفان مكان وصلاة، وإذا قلت: "ثم أتى صلاة الجمعة" ففيه حذف واحد، وعلى كل حال فهما متلازمان، والمراد معروف؛ أي: "أتى الجمعة فصلى ما قدر له" هنا الفعل مبني للمجهول للعلم بالفاعل، من الفاعل؟ الله ، وهذا كقوله تعالى: ﴿وخلق الإنسن ضعيفًا﴾ [النساء: ٢٨]. مبني للمجهول للعلم بالفاعل وهو "الله".
وقوله: "ما قدر له" القدر تقدم لنا أنه هو تقدير الله الأمور وقضاؤه إياها، وقد قدر كل شيء قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، نقول هذا، لكن ربما مر عليكم في قضية محاجة آدم موسى أن آدم قال له: "أتلومني على شيء قد كتبه الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ ! ". وهذا فيه إشكال؛ لأن المصبية التي حصلت لآدم قد كتبت قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، فما هو الجواب؟ الجواب على هذا أن نقول: إن الكتابات متعددة، فالكتابة السابقة قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وهذه الكتابة غير الكتابة الأولى وهذا هو طريق الراسخين في العلم إذا رأوا الأشياء المتشابهة أن يجمعوا بينها، وتعدد الكتابة ممكن أو غير ممكن؟ ممكن، لكن المعتزلة - أي: نفاة القدر - قالوا: هذا دليل على كذب هذا الحديث، وأن الرسول ما قاله؛ لأن المكتوبات كتبت قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ولهذا هم يكذبون الحديث؛ لماذا؟ لأنه لا يتمشى على مذهبهم، مذهبهم أن الله لم يقدر أفعال بني آدم، وأن الإنسان مستقل بعمله، إذا جاء مثلًا هذا الحديث فهم يقابلونه بالرد هذه طريقة أهل البدع: إذا جاءهم ما يخالف بدعهم فطريقهم الرد إذا أمكنهم الرد، فإن لم يمكنهم - كما لو كان في القرآن مثلًا - يسلكون التأويل.
стр. 937
يقول: "قدر له" أي: كتب وقدره الله عليه، وقال: "ثم أنصت" أنصت لماذا؟ حتى يفرغ الإمام من خطبته، قوله: "من خطبته" الظاهر أن هذا المفرد يراد به معناه، وليس يراد به العموم، يعني: أنصت حتى خطبته الأولى مثلًا ومن خطبته الثانية؛ لأن الكلام بين الخطبتين ليس بمحرم، ويحتمل أيضًا لفظ الحديث: "من خطبتيه"؛ لأن سكوت الإنسان حتى بين الخطبتين أفضل وأتم.
قال: "ثم يصلي معه - يعني: الجمعة - حتى ينصرف غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى". غفر، والغافر من؟ الله وحذف للعلم به؛ لأن الله تعالى يقول في القرآن: ﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾ [آل عمران: ١٣٥]. لا أحد يستطيع أن يغفر الذنوب، والمغفرة تقدم مرارًا أنها هي ستر الذنب والتجاوز عنه، وليست مجرد التجاوز بل والستر ولو مجرد الستر، من أين نعرف أنها ليست هي أحد أمرين من اشتقاقها؛ لأنها من المغفر، والمغفر: هو ما يستر به الرأس عند الحرب، ويحصل به الستر والوقاية.
وقوله: "ما بينه وبين الجمعة الأخرى" المقبلة، أما الماضية؟ فيها اختلاف؛ فمنهم من قال: الماضية؛ لأنها هي التي وقعت فيها الذنوب، أما المستقبل فلا.
وقوله: "وفضل ثلاثة أيام" كم يكون الفضل؟ عشرة أيام، قوله: "غفر له" تقدم، وقوله: "بينه وبين الجمعة الأخرى" الظاهر أن المراد بذلك: أنه لابد أن يصلي، فأما لو لم يصل الجمعة الأخرى بدون عذر فإنه لا يحصل له ذلك، ولكن لابد أن تحصل صلاة الجمعة في الأول وفي الآخر.
يستفاد من هذا الحديث إذن فوائد متعددة: أولًا: فضيلة الاغتسال.
فإن قال قائل: كيف تأخذون من هذا فضيلة الاغتسال، والثواب مرتب على عدة أفعال؟
فالجواب: أنه لولا أنه له أثر في حصول هذا الفضل لكان ذكره لغوًا من القول لا فائدة منه، وهذا هو المطلوب أن يكون له أثر بحصول الفضل، أرأيت قوله تعالى: ﴿ما سلككم في سقر قالوا ألم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٦]. فاستدل العلماء بهذه الآية على أن الكافر مخاطب بفروع الشريعة مع أن كونه يكذب بيوم الدين سبب موجب للخلود في النار، ولكن هذه الأفعال الأخرى التي لا يفعلها ذكرت؛ لأنه يعاقب عليها، فالعلماء ﵏ جعلوا ذكر هذه الأوصاف دليل على أن لها أثر في تعذيب هذا الرجل في النار.
يستفاد من هذا الحديث أيضًا: أنه ليس للجمعة سنة راتبة قبلها لقوله: "فصلى ما قدر له".
ويستفاد منه: أن أفعال العباد مقدرة الله لقوله: "ما قدر له"، فيكون في ذلك رد على القدرية
стр. 938
الذين يقولون: إن الله لم يقدر أفعال العبد، وأن العبد مستقل بفعله إيجادًا ومشيئة، وهذا لا شك أنه باطل، وقد سبق الكلام عليه في الشرح.
ومن فوائد الحديث: فضيلة الإنصات حال خطبة الإمام لقوله: "ثم أنصت حتى يفرغ الإمام من خطبته".
ومنها: أنه ينبغي أن يكون الخطيب هو الإمام لقوله: "الإمام من خطبته"، ولم يقل: الخطيب من خطبته، بل قال: الإمام، ولهذا قال العلماء: يسن أن يتولى الخطبتين من يتولى الصلاة، ولو لم يتولهما من يتولى الصلاة فلا حرج، لكن هذا أفضل.
ويستفاد منه: جواز الكلام بين الخطبتين لقوله: "حتى يفرغ من خطبته".
ويستفاد منه أيضًا: عظم كرم الله ؛ حيث جعل المحافظة على صلاة الجمعة على هذا الوصف بدلاً لمغفرة الذنوب، ولكن هل هذا يشمل الكبائر والصغائر، أو الصغائر فقط؟ الصحيح أنه لا يتناول الكبائر وأنه يختص بالصغائر؛ لأن الكبائر لابد لها من توبة خاصة بدليل قوله ﷺ : "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر".
ساعة الإجابة يوم الجمعة:
٤٣٩ - وعنه ﵁: أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال: "فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي، يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه، وأشار بيده يقللها". متفق عليه.
- وفي رواية لمسلم: "وهي ساعة خفيفة".
٤٤٠ - وعن أبي بردة عن أبيه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة". رواه مسلم، ورجح الدارقطني أنه من قول أبي بردة.
٤٤١ - وفي حديث عبد الله بن سلام عند ابن ماجه.
٤٤٢ - وعن جابر عند أبي داود والنسائي: "أنها ما بين صلاة العصر وغروب الشمس". وقد اختلف فيها على أكثر من أربعين قولًا، أمليتها في شرح البخاري.
стр. 939
هذه الأحاديث في بيان ما من الله به على هذه الأمة من ساعة الإجابة يوم الجمعة، قال الرسول ﵊: "إن فيه ساعة"، والمراد بالساعة: الزمن، وليس المراد بها الساعة الواحدة من أربعة وعشرين جزءًا من الليل والنهار، "لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم"، القيد الثالث: "وهو قائم يصلي" والجملة هذه حال، "يسأل الله" حال أيضًا، "يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه" أي: إلا أعطاه ذلك الشيء.
وقوله: "يسأل الله شيئًا" نكرة في سياق الإثبات فتكون مطلقة أي شيء يكون، ولكنها مقيدة بما إذا لم يعتد في دعائه، فإن اعتدى فإن الله لا يجيبه لقوله تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعًا وخفيةً إنه لا يحب المعتدين﴾ [الأعراف: ٥٥]. فالمعتدي في الدعاء لا يجاب له حتى في وقت الإجابة؛ لأن الله تعالى لا يحب المعتدين فكيف يجيبهم، والاعتداء في الدعاء أن يدعو الإنسان بما لا يحل له إما أن يدعو بما لا يمكن شرعًا، أو بما لا يمكن قدرًا، أو بما هو محرم شرعًا، فهذا كله اعتداء في الدعاء، فلو دعا على شخص غير مستحق للدعاء عليه هل يستجاب له؟ لا؛ لأنه ظالم، والله لا يجيب دعوة الظالم، كذلك لو دعا با لا يمكن شرعًا مثل أن يقول: "اللهم اجعلني نبيا" فلا يجوز، أو دعا بما لا يمكن قدرًا، يعني مثلًا: بأن دعا أن يجعل الله له ملك السموات والأرض، فلا يصلح، لماذا؟ لا يمكن قدرًا وإن كان الله على كل شيء قديرًا لكن نعلم أن الذي له ملك السموات والأرض هو الله ، فالمهم أن الاعتداء في الدعاء لا يقبل حتى في ساعة الإجابة.
وقوله: "إلا أعطاه إياه" "أعطاه" فعل مطلق؛ لأنه يدل على الفورية، فقد يعطيه الله تعالى إياه فورًا وقد يتأخر، لكن لا يستبطئ الإجابة إذا استبطأ الإجابة حرمها إذا دعا ثم قال: دعوت فلم يستجب لي فإنه يحرم، بل الواجب أن يحسن الإنسان ظنه بربه، والله تعالى له الحكمة البالغة في إجابته وعدم إجابته.
وقوله: "إلا إعطاه إياه" قد يقول قائل: هذا مطلق أفلا نقيده بالأحاديث الخرى الدالة على أن من دعا الله فإن الله يجيبه، أو يدخر ذلك له إلى يوم القيامة، أو يدفع عنه من البلاء ما هو أعظم مما يدعو به، أو يترك، هل يصلح أن يقيد هذا الحديث بذلك؟ نقول: لا يصح؛ لماذا؟ ؟ لأننا لو قيدناه بذلك لم يكن لذكره في هذا الوصف فائدة؛ إذ إن هذا الحكم آنفًا: "أو يستجيب، أو يدخر، أو يدفع عنه" هذا الحكم عام في كل الدعوات.
لكن لو قال قائل: نحن نجد كثيرًا من الناس يدعون في ساعة هي أرجى ما تكون من الساعات ومع ذلك لا يستجاب لهم؟
فنقول: صدق الله ورسوله وكذبت، كما قال الرسول في قصة العسل: "كذب بطن
стр. 940
أخيك". نقول: كلام النبي ﵊ حق وصدق، ولكن تخلف الإجابة قد يكون لوجود مانع إما أن يدعو وهو شاك في الإجابة غير موقن فهذا سبب مانع من الإجابة، وإما أن يكون ممن يأكل الحرام، وأكل الحرام مانع من إجابة الدعاء، فقد ذكر النبي ﵊: "رجلًا أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يقول: يا رب يا رب ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، قال: فأنى يستجاب لذلك". والعياذ بالله مع أن الأوصاف الموجود كلها من أسباب إجابة الدعاء، كونه أشعث أغبر سبب من أسباب إجابة الدعاء، ولهذا يباهي الله الملائكة بالواقفين بعرفة، ويقول: "أتوني شعثًا غبرًا". كونه يمد يديه إلى السماء هذا من أسباب إجابة الدعاء، وكونه في سفر من أسباب إجابة الدعاء، وكونه ينادي يارب يا رب من أسباب إجابة الدعاء، ومع ذلك منع من إجابة الدعاء، أو استبعد النبي ﷺ إجابته؛ لأنه كان يتغذى بالحرام والعياذ بالله.
ثم قال: "وأشار بيده يقللها"، كيف الإشارة بالتقليل؟ المهم: أنه أشار بيده بما يدل على أنها قريبة، وفي رواية لمسلم: "وهي ساعة خفيفة" يعني: يسيرة ليست بطويلة، هذه الساعة اختلف فيها أهل العلم، يقول ابن حجر ﵀ على أكثر من أربعين قولًا، وهي ساعة واحدة، وكم عدد الساعات؟ أربع وعشرون ساعة، ومع ذلك وصل اختلافهم إلى أكثر من أربعين قولًا هذه الأقوال قيل فيها من جملة ما قيل فيها: إنها - أي: الساعة - قد رفعت مثل ما قيل في ليلة القدر، ولكن الصواب: أنها موجودة، وأن أرجى ساعتها ساعتان بعد العصر وإذا خرج الإمام حتى تنقضي الصلاة، ويدل لذلك قوله: "وعن أبي بردة عن أبيه" أبو بردة ابن أبي موسى، عن أبيه أبي موسى قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة". رواه مسلم، ورجح الدارقطني أنه من قول أبي بردة. هذا الحديث بعض العلماء أعله بالوقف، وبعضهم أعله بأنه أخذ من صحيفة وما أشبه ذلك، ولكن هذا ليس بعلة؛ لأنه إذا تعارض رفع ووقف فمع الرافع زيادة علم إذا كان الرافع ثقة فإنه يؤخذ بقوله، وأيصًا أحيانًا يحدث الراوي عن النبي ﵊ بالحديث معزورًا إلى النبي ﷺ وذلك فيما إذا أراد إسناده، وأحيانًا يقوله هو عن نفسه بناء على أن ذلك هو الثابت عن رسول الله ﷺ ، فيحدث به أحيانًا يرفعه وأحيانًا بقوله من عند نفسه، مثال ذلك أن أقول - وأنا الآن معكم - لو صلى الإنسان بلا نية فإنه لا صلاة له، إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. أقول هذا فيظن الظان أن
стр. 941
هذا من عندي، ولكنه في مرة أخرى أسوق الحديث، أقول: حدثني فلان عن فلان، عن عمر، عن النبي ﷺ ؛ فالآن رفعته، فإذا صح الرفع فإنه لا يعارض بكونه قد روي موقوفًا على شخص؛ وذلك لأن الرافع ربما يحدث به قائلًا به لا راويًا له، قائلًا به لأنه صح عنه.
وهذا الوقت لا شك أنه من أرجى ما يكون من أوقات الإجابة لعدة أسباب:
أولًا: أنه وقت اجتماع الناس على صلاة مفروضة، والاجتماع له أثر في إجابة الدعاء؛ ولذلك كان يوم عرفة يومًا يجاب فيه الدعاء، ولذلك أيضًا أمر النبي ﵊ الحيض وذوات الخدور أن يخرجن إلى العيد؛ قالت أم عطية: ليشهدن الخير ودعوى المسلمين. فاجتماع الناس على هذه الفريضة لا شك أنه من أسباب إجابة الدعاء.
ثانيًا: أن الحديث فيه: "وهو قائم يصلي"، ومن صعود الإمام إلى أن تقضى الصلاة إما أن يكون الإنسان في صلاة فعلًا كصلاة الجمعة مثلًا، وإما أن يكون منتظرًا للصلاة ومنتظر الصلاة إذا صلى ثم جلس ينتظر فهو في صلاة كما ثبت به الحديث.
ثالثًا: أن هذا الوقت الذي هو وقت صلاة الجمعة لا شك أنه أفضل الأوقات بالنسبة ليوم الجمعة؛ لأنه تؤدي فيه فريضة نص الله تعالى فيها على أن لها نداء وأن لها حضور، أما الساعة الثانية فهي ما بين صلاة العصر وغروب الشمس؛ يعني: أن الساعة في هذا الوقت ما بين صلاة العصر وغروب الشمس.
وقوله: "وهو قائم يصلي" يتحقق هنا؟ لا، لكن يتحقق فيما لو دخل الإنسان المسجد، لو دخل المسجد وصلى ركعتين تحية المسجد يستقيم، ثم إذا جلس بعد ذلك ينتظر الصلاة فهو في صلاة، وعلى هذا فآرجاها هذان الوقتان من خروج الإمام إلى أن تفرغ الصلاة، ومن صلاة العصر إلى غروب الشمس، فينبغي لنا أن نحافظ على الدعاء في هذين الوقتين.
المعتبر في عدد الجمعة:
٤٤٣ - وعن جابر ﵁ قال: "مضت السنة أن في كل أربعين فصاعدًا جمعةً". رواه الدارقطني بإسنادٍ ضعيفٍ.
قال: "مضت السنة" إذا قال الصحابي: "السنة" فالمراد بها: سنة النبي ﷺ ، قال أهل العلم بمصطلح الحديث: ومثل هذا التعبير يكون له حكم الرفع، ثم أعلم أن السنة في لسان الصحابة
стр. 942
ليست هي السنة في اصطلاح الفقهاء، الفقهاء يريدون بالسنة: ما أمر به لا على سبيل الوجوب، وأما في لسان الصحابة فالمراد بها: طريقة النبي ﵊ سواء كانت واجبة أو مستحبة، فمن الواجبة قول أنس: "من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعًا، ثم دار". هذا وجوب من السنة الواجبة، ويروى عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "من السنة وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة". هذه من السنة المستحبة.
هنا قال: "مضت السنة" يعني: سنة الرسول ﵊ "أن في كل أربعين فصاعدًا جمعة". "في كل" جار ومجرور خبر مقدم، و"جمعة" بالنصب اسمها مؤخر، وأما قوله: "فصاعدًا" فمنصوبة على الحال، وقد اختلف العلماء في هذا العدد على نحو عشرة أقوال، ولكن الأقوال المشهورة هذا الحديث، وهو حديث ضعيف لا يجوز الاحتجاج به، وأما اثنا عشر فمستنده ما رواه مسلم في قصة انتظار الصحابة ﵃ حي جاءت العير من الشام فلم يبق مع النبي ﷺ إلا اثنا عشر رجلًا، وهذا لا دليل فيه؛ لأنها قضية عين، فلا ندري لو بقي عشرة ماذا يكون الحكم، لو بقي أربعة عشر ماذا يكون، فما دام أن هذا العدد وقع اتفاقًا فإنه لا يمكن أن يؤخذ شرطًا من الشروط، وذكرنا قاعدة فيما سبق أن كل ما وقع اتفاقًا فإنه لا يعتبر حكمًا شرعيًا؛ لأنه لو الأمر اتفق على سوى ذلك ما تغير الحكم، والدليل على أنه لا يتغير الحكم أنه لو كان الحكم يتغير لكان الرسول ﵊ يبينه، وعلى هذا فإنه لا يكون فيه دليل على أنه - أي: العدد المشترط للجمعة - اثنا عشر.
لكن علىقول من يقول إن العدد أربعون ماذا يجيبون عن هذا الحديث - وهو في صحيح مسلم - قالوا: لعلهم رجعوا - أي: الأربعون - قبل أن تنقضي الصلاة؛ بل قبل أن يفوت ركن من أركان الخطبة، وهذا لا شك أنه بعيد جدًا، والقول الثالث في المسألة: أن الذي يشترط ثلاثة فقط، وهذا القول هو الراجح، وسبق لنا أنه به يتحقق الجمع، وبه يتضح معنى قوله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا إذا نودي للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة: ٩]. فإنه منادٍ وإمام وساعٍ، وهذا أحسن الأقوال، ولكن هذا لابد أن يكونوا في قري مستوطنين، وأما إذا كانوا في البر فإنه لا جمعة عليهم، وهناك من قال: تنعقد باثنين، فيرد عليهم بما ورد في السنين: "ما من ثلاثة في قرية لا تقام فيهم الجمعة إلا استحوذ عليهم الشيطان". وإن الذي يتحقق به معنى الجمع ولاشك فيه هو الثلاثة فأكثر، ولأن الآية تشير إلى ذلك وإن كانت صريحة.
стр. 943
استغفار الخطيب للمؤمنين:
٤٤٤ - وعن سمرة بن جندب ﵁: "أن النبي ﷺ كان يستغفر للمؤمنين والمؤمنات في كل جمعةٍ". رواه البزار بإسناد لينٍ.
قوله: "كان يستغفر" تقدم لنا مرارًا أن "كان" للاستمرار لا دائمًا، بل غالبًا، وإنما قلنا: لا دائمًا؛ لأنه تأتي أحاديث: كان يفعل كذا، ويأتي في المسألة نفسها: كان يفعل كذا خلاف الأول، وهذا يدل على أنها لا تفيد دائمًا.
وقوله: "يستغفر للمؤمنين" "يستغفر" أي: يطلب المغفرة، وقوله: "للمؤمنين" الإيمان في اللغة التصديق: لكنه إذا عدي باللام صار مضمنًا معنى الاستسلام، وإذا عدي بالباء صار مضمنًا معنى الاطمئنان والإقرار، ولهذا يقال: آمن بالله، ولا يقال: آمن لله، بل إنه يقال: أسلم لله، وآمن بالله ﴿قولوا ءامنا بالله وما أنزل إلينا ... ﴾. إلى أن قال: ﴿ونحن له مسلمون﴾ [البقرة: ١٣٦]. فقال في الإسلام: ﴿ونحن له﴾، وقال في الإيمان: ﴿ءامنا بالله﴾ المؤمن أكمل من المسلم؛ لأن الإيمان في القلب، والإسلام في الظاهر، يعني: دلالته على الظاهر أقوى، ولكن مع ذلك إذا انفرد أحدهما عن الآخر شمل الثاني، وإذا اجتمعنا افترقا، انظر إلى حديث عمر بن الخطاب في سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان بلا شك، وتعلق الحكم بالإسلام الشامل للإيمان: ﴿ورضيت لكم الإسلم دينًا﴾ [المائدة: ٣]. الإسلام يشمل الإيمان، أما إذا اقترنا فإنهما يفترقان، كما في حديث عمر في قصة جبريل، وكما في قوله تعالى: ﴿قالت الأعراب ءامنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمن في قلوبكم﴾ [الحجرات: ١٤].
وأما في قوله تعالى: ﴿فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيتٍ من المسلمين﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦]. فإنها تدل على افتراق الإيمان والإسلام، ومن العجب أن بعض أهل العلم استدل بها على ترابط الإيمان والإسلام قال: هذا دليل على أن الإيمان والإسلام شيء واحد؛ لأن الله يقول: ﴿فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين﴾ أي: من المؤمنين، فظن أن الآية تدل على أن الإيمان والإسلام شيء واحد، وعند التأمل يتبين: أن الآية تدل على أن الإيمان ليس هو الإسلام، كيف ذلك؟ ﴿فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين﴾ ومن الذي خرج؟ لوط وأهله، إلا امرأته لم تخرج بل أمره الله أن تبقى، وهنا قال: ﴿غير بيتٍ من المسلمين﴾ البيت فيه امرأته لكنها غير مؤمنة، بل هي مسلمة يعني: مستسلمة ظاهرًا فهي لا تخالفه؛ ولهذا
стр. 944
جعلها الله تعالى في سورة التحريم خائنة لزوجها؛ لأنها تظهر الإسلام، وهي مبطنة للكفر، فعلى هذا نقول الآية: ﴿غير بيتٍ من المسلمين﴾ لأن البيت يشمل هذه المرأة وهي غير مؤمنة لكنها مسلمة.
وقوله: "للمؤمنين والمؤمنات" أي: الإناث، واعلم أنه إذا أطلق الجمع، جمع الذكور شمل الإناث وأكثر ما تكون الأحكام معلقة بمن؟ بالذكور، لكن يدخل النساء تبعًا، وربما تعلق بالإناث فيختص الحكم بهن، وربما تعلق بالإناث فيكون الحكم عامًا لهن ولغيرهن، فقذف المحصنات الغافلات المؤمنات وإن كان القذف معلقًا بالنساء فهو شامل للرجال.
الحديث هنا مطلق ما بين أنه في الصلاة أم في الخطبة، لكن الظاهر أنه في الخطبة؛ لأنها هي التي تسمع ويؤمن عليها، فالظاهر أنها في الخطبة، ولكن يقول المؤلف: "رواه البزار بإسناد لين"، وما معنى لين؟ اللين ضد القوي، فهو في مرتبة بين الضعف والحسن، إلا أنه غالبًا للضعف أقرب، وهذا الحديث أخذ به الفقهاء ﵏ واستحبوا للإنسان أن يدعو للمسلمين في الخطبة وقالوا: إن هذا محل إجابة دعاء أو ترجي فيه الإجابة، وقال بعض أهل العلم: إن الدعاء في الخطبة واجب، وأنه يجب أن يدعو في الخطبة للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، واستدلوا بأن هذا الحديث: "كان يفعل" كذا يشعر بالدوام، وما داوم عليه النبي ﵊ فإنه واجب ولكن الصحيح أنه ليس بواجب أولًا: لأن هذا الحديث - كما رأيتم - ضعيف.
الشيء الثاني: أنه تقدم لنا أن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب، غاية ما هنالك أنه يدل على المشروعية إن كان عبادة، وعلى الإباحة إن كان غير عبادة، وقوله: "يستغفر للمؤمنين في كل جمعة" إذا قلنا بالاستحباب، كما قال الفقهاء ﵏ فإنه لا ينبغي أن يداوم عليه مداومة تلحقه بالواجب؛ لأن العامة يظنون أنه واجب، حتى إن بعض العامة الآن يظنون أنه يجب أن تختم الخطبة الأولى بقوله: "أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم"، ولو ختمها أحد بسوى ذلك لاستنكروا، ويرون أنه يجب أن تختم الثانية بقوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسن﴾ [النحل: ٩٠]. فمن أجل هذا ينبغي للخطيب ألا يلتزم بهذا الدعاء بل أن يدعه أحيانًا، بل إنه ليس بسنة بهذا الخصوص بأن يقرأ هذه الآية: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسن﴾ أو أن يقول: "أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم"، ليس بلازم إنما ينبغي أن يدعو، وهل ينبغي أن يدعو لولاة الأمور في هذا المقام؟ نعم، من باب أولى، حتى إن الإمام أحمد ﵀ قال: لو أعلم أن لي دعوة مستجابة لصرفتها للسلطان؛ لأن بصلاحه صلاح الأمة، وهذا صحيح، ولكن ينبغي أن يستشعر الداعي إذا دعا
стр. 945
لولاة الأمور بأنه ينوي بذلك ولي الأمر الصغير والكبير لا ينوي شيئًا معيدًا؛ لأن ولاة الأمور كما تشمل أعلى مسئول في الدولة كذلك تكون فيمن دونه من وزرائه، وأمرائه، ورؤساء الأقسام ومدرائها، وغير ذلك؛ لأن هؤلاء في الحقيقة هم الذين يسيرون دفة الدولة ليس خاصًا بالرئيس الأعلى بالدولة فهو قد لا يعرض عليه إلا المسائل الكبار التي تحتاج إلى نظر، أما المسائل الأخرى التي قد تكون أشد ضررًا أو أشد نفعًا فقد تكون فيمن دونه؛ ولهذا ينبغي للخطيب إذا دعا لولاة الأمور أن يصرح بأن يقول مثلًا: صغيرهم وكبيرهم وما أشبه ذلك، أو أن يأتي بما يشعر أن المراد بالولاة العموم حتى لا يذهب ذهن المؤمن إلى أن المراد بولاة الأمور هم السلطة العليا في الدولة.
حكم قراءة آيات من القرآن في الخطبة:
٤٤٥ - وعن جابر بن سمرة ﵁: "أن النبي ﷺ كان في الخطبة يقرأ الآيات من القرآن، يذكر الناس". رواه أبو داود، وأصله في مسلم.
قوله: "كان في الخطبة يقرأ آيات من القرآن" الكلام على "كان" تقدم، وقوله: "يقرأ آيات من القرآن" "آيات" مكسورة لأنه جمع مؤنث سالم فينصب بالكسرة نيابة عن الفتحة، يقول: "يقرأ آيات من القرآن يذكر الناس"، وقال: "أصله في مسلم" سبق أن أم هشام قالت: "ما حفظت ق والقرآن المجيد إلا من لسان رسول الله ﷺ يخطب بها يوم الجمعة". ولعل المؤلف يشير إلى ذلك.
وهذا الحديث الذي نحن بصدده يدل على أن الرسول صلى الله عليه سولم يخطب ويجعل في الخطبة الآيات وليس يقتصر على الآيات فقط، بل كان يخطب ويقرأ آيات، هذه الآيات ينبغي أن تكون مناسبة لموضوع الخطبة؛ لأن وحدة الموضوع في الكلام لها شأن كبير في انضباط الفهم، إذا إننا لو شتتنا الموضوع تشتت ذهن السامع، وكانت استفادته أقل، فإذا كانت الآيات مناسبة لموضوع الخطبة كان أحسن وأولى لأجل ألا تتشتت الأذهان، وأما قول بعض المتأخرين إنه ينبغي أن تكون الآيات التي تقرأ في الصلاة مناسبة لموضوع الخطبة، فإن هذا لا أصل له، وذلك لأن القراءة في الصلاة معينة من قبل النبي ﵊ فتارة يقرأ الجمعة والمنافقون، وتارة يقرأ سبح والغاشية.
стр. 946
الذين تسقط عنهم الجمعة:
٤٤٦ - وعن طارق بن شهابٍ؛ أن رسول الله ﷺ قال: "الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعةٍ إلا أربعًة: مملوك، وامرأة، وصبي، ومريض". رواه أبو داود، وقال: "لم يسمع طارق من النبي ﷺ ". وأخرجه الحاكم من رواية طارقٍ المذكور عن أبي موسى.
على رواية الحاكم يكون الحديث متصلًا قوله: "الجمعة حق واجب"، ما المراد بالجمعة؟ يعني: صلاة الجمعة، وقوله: "حق واجب" كلمة "واجب" صفة لحق، وهي في المعنى توكيد له، إذ إن الحق هو الشيء الواجب الثابت.
وقوله: "على كل مسلم إلا أربعة" كلمة مسلم تخرج الكافر؛ لأن الكافر لا يخاطب بالجمعة، ولا غيرها من الصلوات، يخاطب أولًا بالإسلام.
وقوله: "في جماعة" هذا بيان لكونها لا تصح على انفراد بل لابد أن تكون في جماعة، فإذا أضفت "واجب على كل مسلم في جماعة" فربما تشعر بأنه لابد من ثلاثة رجال فأكثر، يعني: عندنا هذا الذي أوجبناها عليه في جماعة قبله، وأقل جماعة في الصلاة اثنان في الجمعة ثلاثة. "إلا أربعة" أربعة معينون بالشخص أو بالوصف؟ بالوصف.
أولًا: "مملوك" المملوك العبد ليس عليه جمعة؛ لماذا؟ لأنه مشغول بخدمة سيده، فإن كان مبعضًا بعضه حر وبعضه عبد هل تجب؟ ينظر إن كان بينه وبين سيده مهايأة بحيث يصادف يوم الجمعة الوقت الذي هو فيه مالك لمنفعته فإن الجمعة تجب عليه، ومعنى مهايأة أن يقول: "لك يا سيدي يوم ولي يوم"، فإذا كان كذلك وصادف الجمعة فإنه تلزمه؛ لأنه حينئذٍ مالك لنفسه في ذلك اليوم.
ثانيًا: "وامرأة" لا تجب عليها الجمعة؛ لأنها ليست من أهل الجماعة والاجتماع مع الرجال.
ثالثًا: "وصبي" لماذا؟ لأنه ليس من أهل التكليف، فقد رفع القلم عن ثلاثة منهم: "الصبي حتى يبلغ".
رابعًا: "ومريض"، لماذا؟ لأنه لا يستطيع.
الأربعة الآن من وجهة نظر ثانية "المملوك" الآن هل هو تخلف شرط أو وجود مانع؟ وجود مانع، "والمرأة" تخلف شرط، "والمريض" وجود مانع.
فالمملوك لا تجب عليه الجمعة لوجود المانع، والمعروف من المذهب أنه لفوات الشرط؛
стр. 947
ولذلك لا يرون أن المملوك أهل لإمامة الجمعة ولا تكميل العدد - عدد الجمعة - على القول بأنها لها عددًا وهو المعروف بأن أقله ثلاثة، ويرون أيضًا أن المملوك لا تجب عليه الجمعة، ولو أذن له سيده وذلك لفوات الشرط، وقال بعض أهل العلم إن المملوك تجب عليه الجمعة مطلقًا، وأن حق الله مقدم على حق السيد، وأن هذا الحديث ضعيف ضعفه أهل الحديث وقالوا أن المملوك كغيره من المكلفين تجب عليه الجمعة، وحق الله مقدم على حق الآدمي وهذا مذهب الظاهرية، واستدلوا بالعموم - عموم الآية-: ﴾ يايها الذين امنوا إذا نودى للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ﴿[الجمعة: ٩]. وهو من المؤمنين فيجب عليه الحضور، وقال بعض العلماء: إن المملوك لا تجب عليه الجمعة لوجود مانع وهو اشتغاله بخدمة سيده، وبناء على ذلك إذا أذن له سيده وجبت عليه الجمعة؛ لأن المانع زال، وهذا القول أعدل الأقوال وأوسطها؛ لأن المملوك لا يملك نفسه في الحقيقة، فإذا كان هناك مانع يعني: كما إذا لم يأذن له سيده بالجمعة فإنه لا يستطيع أن يتخلص منه، فيكون معذورًا، وإذا أذن له زال العذر.
فالصواب: أن عدم وجوب الجمعة على المملوك لا لاختلاف الشرط، ولكن لوجود المانع، هل نقول: إن مثله الأجير الحر؟ فيقال مثلًا: أنا مستأجر واحد يعمل عندي يوم الجمعة، فزمنه مملوك لي، لكنهم يقولون: إن هذا - أي: حضور الجمعة - مستثنى شرعًا ما شمله عقد الإجارة بخلاف المملوك، المملوك مملوك عينه ومنفعته لسيده، وأما المستأجر فلا، وبناء على ذلك يكون الجواب ما ذكر على أن الأجراء لا يجوز أن يدعوا الجمعة من أجل أن يقوموا بما استؤجروا عليه، نعم إذا كان هناك شيء يحتاج إلى حراسة ولم يمكن أن يقوم به سوى هذا الرجل، فإن الفقهاء ﵏ يرون أن ذلك عذر في ترك الجمعة والجماعة.
وقوله: "وامرأة" المرأة لا تجب عليها الجمعة لفوات الشرط؛ لأنها ليست من أهل الجمعات والجماعة؛ ولهذا لا يصح أن تكون إمامة الجمعة، ولا تحسب من العدد المشترط في الجمعة لفوات الشرط.
"وصبي" لفوات الشرط أيضًا؛ لأنه ليس أهلًا للتكليف فلا تلزمه الجمعة، بل ولا الجماعة، ولا غيرها من العبادات، لكنه يؤمر بالصلاة لسبع ويضرب عليها لعشر تأديبًا له وترويضًا له على العبادة، وليس لأنها واجبة عليه.
"ومريض" المريض لا تجب عليه الجمعة لوجود المانع، وهو المرض الذي يمنعه من الصلاة، ولهذا لو حضرها المريض أجزأته وانعقدت به وصح أن يكون إمامًا فيها، وظاهر الحديث الإطلاق: "مريض" ولكنه علق بوصف وهو المرض لسبب وهو المشقة، فإذا كان المرض يسيرًا لا يشق معه حضور الجمعة، فإنه يجب عليه حضور الجمعة، فهنا المرض ليس
стр. 948
هو العلة لكن هو سبب العلة، والعلة الحقيقية هي المشقة، ولذلك لو كان هناك مشقة في غير مرض - كما لو كان هناك مطر ووحل - فإنه يجوز ترك الجمعة كما ثبت ذلك عن النبي ﵊ لأنه فعل يجوز لأجل المشقة، فالمرض هنا ليس العلة ولكنه سبب العلة وهي المشقة، ولكنه إذا حضر أجزأته.
٤٤٧ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس على مسافرٍ جمعة". رواه الطبراني بإسنادٍ ضعيفٍ.
يقول المؤلف: سنده ضعيف، وعلى هذا فلا يعتمد عليه من جهة إسناده، ولكن لننظر في معناه هل هو موافق لهدي النبي ﷺ أو مخالف؟ نقول: أما إذا كان الإنسان في سفر، يعني: جماعة مسافرون، فإنه لا جمعة عليهم، ولا تشرع لهم الجمعة، ولا تصح منهم الجمعة؛ لأن هدي النبي ﵊ في أسفاره أنه لا يصلي الجمعة، ولو كانت واجبة لصلاها أو مشروعة لصلاها، فلما لم يفعل علم أنها ليست مشروعة وليست من هديه ﵊، وهاهو في أعدل مجتمع تجتمع الأمة فيه يوم عرفة كان يوم جمعة كما هو معروف في حجة الوداع وهل صلى الجمعة أو لا؟ لا، قال جابر: "فأتى بطن الوادي فخطب الناس ثم أمر بلالًا فأذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئًا". هذا في المجمع الكبير الذي سينفض الناس وهم يعرفون أنه ليس في السفر جمعة وهذا واضح في أن المسافر لا تجب عليه الجمعة في نفسه ولا تشرع له ولا تصح منه.
أما إذا كان مسافرًا في بلد وسمع النداء فهل تلزمه الجمعة حينئذٍ إذا كان لا يتضرر بانتظارها، أو نقول: إنها لا تلزمه؟ المشهور من المذهب: أنه إن كان يلزمه الإتمام لزمته الجمعة في غيرها، وإن كان لا يلزمه الإتمام لم تلزمه لا بنفسه ولا بغيره؛ لأن الجمعة على المذهب لا تلزم الإنسان لا بنفسه ولا بغيره، وتلزمه بغيره لا بنفسه، وتلزمه في نفسه، ومعلوم الذي تلزمه بنفسه تلزمه بغيره من باب أولى.
[زيادة توضيح]: المرأة مثلًا: لا تلزمها الجمعة لا بنفسها ولا بغيرها، حتى لو سمعت النداء لا يجب عليها أن تحضر، لا بنفسها ولا بغيرها، حتى لو أقيمت الجمعة لا يلزمها، المسافر الذي أقام في البلد مدة تقطع السفر على المذهب فوق أربعة أيام هذا يقولون: تلزمه الجمعة بغيره لا بنفسه، ما معنى ذلك؟ يعني: إن أقيمت الجمعة يلزمه حضورها، وإن لم تقم لم
стр. 949
تلزمه، وأيضًا هو نفسه لا يصح أن يكون إمامًا فيها ولا خطيبًا، ولا يحسب من العدد؛ لأنه ليس ممن تلزمه بنفسه، إذا كان هذا المسافر لا يلزمه الإتمام كما لو كانت نيته أن يقيم أقل من أربعة أيام وهذا التفريع على المذهب، أو كان مقيمًا لحاجة ولا يدري متى تنقضي فقد يبقى عدة سنوات فهذا الرجل يقولون: لا تلزمه الجمعة لا بنفسه ولا بغيره؛ يعني: أنه لو أقيمت ما يلزمه، عند عتبة المسجد ويسمع النداء لا نقول: ادخل صل لماذا؟ لأنه مسافر فلا تلزمه الجمعة لا بنفسه ولا بغيره، ولو دخل لا يكمل به العدد، ولا يصح خطيبًا، ولا يصح إمامًا، وبناء على كلامهم ﵏ المسافرون الآن الذين يسافرون للدراسة ويبقون أربع سنين، أو خمس، أو عشر سنين وهم يعلمون ذلك، هل يحسبون من العدد؟ لا، ولا تنعقد بهم الجمعة، ولا تلزمهم وإذا فعلوا لم تصح، وعلى هذا لو وجدنا ولاية من الولايات في أمريكا أو غيرها كل الذين فيها من المسلمين كلهم جاءوا للدراسة ليسوا مستوطنين ثم أقاموا الجمعة فإن الجمعة على المذهب لا تصح منهم ويلزمهم أن يعيدوها ظهرًا، فإذا قدموا إلينا مثلًا وهم قد أقاموا هناك خمس سنين، وقالوا المدة هذه كنا نقيم الجمعة نقول: لا تصح الجمعة منكم، كم يقضون؟ يقضون الجمعة ظهرًا خمس سنين، وهل يقضونها ظهرًا تامًا أو مقصورًا؟ تامًا على المذهب؛ لأنهم يقولون: إن من وجب عليه صلاة السفر ثم ذكرها في الحضر وجب عليه الإتمام أربعًا، هذا هو معنى قولنا: "تلزم بغيره أو بنفسه، أو لا تلزم لا بغيره ولا بنفسه".
ولكن ظاهر الأدلة الصحيحة عندنا أن المسافر تلزمه الجمعة ولو كان لا يريد البقاء إلا يومًا أو يومين أو أكثر، ما دام سمع النداء يجب عليه الحضور لعموم قوله تعالى: ﴾ يأيها الذين أمنوا إذا نودى للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ﴿[الجمعة: ٩]. هذا نداء عام، نقول: من أخرج المسافر الذي أقام ينتظر حاجته ثم يرجع من أخرجه من هذا العموم فعليه الدليل، وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الفتاوى وهو الصحيح؛ لأنه ينبغي لنا إذا جاءنا عموم أن نحكم بهذا العموم على جميع الأفراد ما لم يرد تخصيص، هذه القاعدة الشرعية التي مشى عليها النبي ﵊، قال النبي ﵊ لما علمنا أن نقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين - قال: "إذا قلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض"؛ إذن صار العموم يعم جميع الأفراد، مع أني في ظني أن المصلي ما كان يقصد بذلك وهو يسلم على الملائكة أنه يسلم على الأموات السابقين أو الأموات الذين سيأتون من الصلحاء، ولكن الرسول ﷺ بين أنه يسلم على كل عبد صالح في السموات والأرض، إذن﴾ يأيها الذين أمنوا إذا نودى للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ﴿الآية [الجمعة: ٩]. نحن قد عرفنا أن اسم الموصول يفيد العموم، وهذا المسافر من الذين آمنوا فيجب عليه السير إلى الجمعة.
стр. 950
٤٤٨ - وعن عبد الله بن مسعودٍ ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا". رواه الترمذي بإسنادٍ ضعيفٍ، قال الترمذي: لا يصح في هذا الباب شيء.
هذا الحديث يقول: "إذا استوى"، معنى "استوى": علا عليه واستقر، "استقبلناه بوجوهنا" يعني: صرفنا وجوهنا إليه لأجل أن يطابق الوجه القلب، ولا شك أن كون الإنسان ينظر إلى الخطيب ببصره يقوي نظره إليه بقلبه، فلهذا يعطي النظر إلى الخطيب، يعطيه قوة في وعي الخطبة.
وهذا الحديث وإن كان ضعيف السند ولكنه من حيث المعنى قوي، إلا أنه كما قال بعض أهل العلم: خاص بمن كان قريبًا؛ بحيث إذا صرف وجهه عن الخطيب لا ينحرف عن القبلة، أما البعيد الذي لا يمكن إلا بانحرافه عن القبلة، فإن استقبال القبلة أهم ثم هو يعالج نفسه في إحضار قلبه، وبه نعرف أن الخطيب نفسه لا يلتفت، خلافًا لمن استحسنه من بعض الخطباء أن الخطيب يلتفت يمينًا ويسارًا، فنقول: الخطيب مقصود وليس بقاصد، الناس يتجهون إليه ولا يتجه إليهم هذا هو المعروف من هدي الرسول ﷺ ، أما الإنسان المعلم فلا بأس به، وأيضًا إن التفات المعلم فيه فائدة لأجل تذكير الغافل وإيقاظ الذي ينعس حتى لا يحصل غفلة، المهم أن الخطيب يستقر على المنبر ويقصد - كما قال الفقهاء ﵏ تلقاء وجهه، أما الذين حوله فيلتفتون إليه؛ لأنه أبلغ في حضور القلب فيتطابق الوجه والقلب في الاتجاه إلى الخطيب.
- وله شاهد من حديث البراء عند ابن خزيمة.
أحيانًا نسمع في كلام المحدثين "شاهد"، "متابع"، أو ما أشبه ذلك ما الفرق بين الشاهد والمتابع؟ الشاهد في المتن معناه: أن هذا المتن له شاهد من حديث صحابي آخر، وأما المتابعة فهي بأن يوافق الراوي لفظًا آخر، ثم إنها تكون تامة إذا كان الأخذ عن الشيخ، وتكون قاصرة إذا كان الأخذ عمن فوقه؛ أي: فوق شيخه.
حكم الاعتماد على عصًا أو قوس للخطيب:
٤٤٩ - وعن الحكم بن حزنٍ ﵁ قال: "شهدنا الجمعة مع النبي ﷺ فقام متوكئًا على عصًا أو قوسٍ". رواه أبو داود.
قوله: "شهدنا" يدل على أن معه جماعة، وهو كذلك، عندي في الحاشية يقول: "قدمت إلى
следующие страницы →