← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

الذين تسقط عنهم الجمعة: ٤٤٦ - وعن طارق بن شهابٍ؛ أن رسول الله ﷺ قال: "الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعةٍ إلا أربعًة: مملوك، وامرأة، وصبي، ومريض". رواه أبو داود، وقال: "لم يسمع طارق من النبي ﷺ ". وأخرجه الحاكم من رواية طارقٍ المذكور عن أبي موسى. على رواية الحاكم يكون الحديث متصلًا قوله: "الجمعة حق واجب"، ما المراد بالجمعة؟ يعني: صلاة الجمعة، وقوله: "حق واجب" كلمة "واجب" صفة لحق، وهي في المعنى توكيد له، إذ إن الحق هو الشيء الواجب الثابت. وقوله: "على كل مسلم إلا أربعة" كلمة مسلم تخرج الكافر؛ لأن الكافر لا يخاطب بالجمعة، ولا غيرها من الصلوات، يخاطب أولًا بالإسلام. وقوله: "في جماعة" هذا بيان لكونها لا تصح على انفراد بل لابد أن تكون في جماعة، فإذا أضفت "واجب على كل مسلم في جماعة" فربما تشعر بأنه لابد من ثلاثة رجال فأكثر، يعني: عندنا هذا الذي أوجبناها عليه في جماعة قبله، وأقل جماعة في الصلاة اثنان في الجمعة ثلاثة. "إلا أربعة" أربعة معينون بالشخص أو بالوصف؟ بالوصف. أولًا: "مملوك" المملوك العبد ليس عليه جمعة؛ لماذا؟ لأنه مشغول بخدمة سيده، فإن كان مبعضًا بعضه حر وبعضه عبد هل تجب؟ ينظر إن كان بينه وبين سيده مهايأة بحيث يصادف يوم الجمعة الوقت الذي هو فيه مالك لمنفعته فإن الجمعة تجب عليه، ومعنى مهايأة أن يقول: "لك يا سيدي يوم ولي يوم"، فإذا كان كذلك وصادف الجمعة فإنه تلزمه؛ لأنه حينئذٍ مالك لنفسه في ذلك اليوم. ثانيًا: "وامرأة" لا تجب عليها الجمعة؛ لأنها ليست من أهل الجماعة والاجتماع مع الرجال. ثالثًا: "وصبي" لماذا؟ لأنه ليس من أهل التكليف، فقد رفع القلم عن ثلاثة منهم: "الصبي حتى يبلغ". رابعًا: "ومريض"، لماذا؟ لأنه لا يستطيع. الأربعة الآن من وجهة نظر ثانية "المملوك" الآن هل هو تخلف شرط أو وجود مانع؟ وجود مانع، "والمرأة" تخلف شرط، "والمريض" وجود مانع. فالمملوك لا تجب عليه الجمعة لوجود المانع، والمعروف من المذهب أنه لفوات الشرط؛

стр. 947

ولذلك لا يرون أن المملوك أهل لإمامة الجمعة ولا تكميل العدد - عدد الجمعة - على القول بأنها لها عددًا وهو المعروف بأن أقله ثلاثة، ويرون أيضًا أن المملوك لا تجب عليه الجمعة، ولو أذن له سيده وذلك لفوات الشرط، وقال بعض أهل العلم إن المملوك تجب عليه الجمعة مطلقًا، وأن حق الله مقدم على حق السيد، وأن هذا الحديث ضعيف ضعفه أهل الحديث وقالوا أن المملوك كغيره من المكلفين تجب عليه الجمعة، وحق الله مقدم على حق الآدمي وهذا مذهب الظاهرية، واستدلوا بالعموم - عموم الآية-: ﴾ يايها الذين امنوا إذا نودى للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ﴿[الجمعة: ٩]. وهو من المؤمنين فيجب عليه الحضور، وقال بعض العلماء: إن المملوك لا تجب عليه الجمعة لوجود مانع وهو اشتغاله بخدمة سيده، وبناء على ذلك إذا أذن له سيده وجبت عليه الجمعة؛ لأن المانع زال، وهذا القول أعدل الأقوال وأوسطها؛ لأن المملوك لا يملك نفسه في الحقيقة، فإذا كان هناك مانع يعني: كما إذا لم يأذن له سيده بالجمعة فإنه لا يستطيع أن يتخلص منه، فيكون معذورًا، وإذا أذن له زال العذر. فالصواب: أن عدم وجوب الجمعة على المملوك لا لاختلاف الشرط، ولكن لوجود المانع، هل نقول: إن مثله الأجير الحر؟ فيقال مثلًا: أنا مستأجر واحد يعمل عندي يوم الجمعة، فزمنه مملوك لي، لكنهم يقولون: إن هذا - أي: حضور الجمعة - مستثنى شرعًا ما شمله عقد الإجارة بخلاف المملوك، المملوك مملوك عينه ومنفعته لسيده، وأما المستأجر فلا، وبناء على ذلك يكون الجواب ما ذكر على أن الأجراء لا يجوز أن يدعوا الجمعة من أجل أن يقوموا بما استؤجروا عليه، نعم إذا كان هناك شيء يحتاج إلى حراسة ولم يمكن أن يقوم به سوى هذا الرجل، فإن الفقهاء ﵏ يرون أن ذلك عذر في ترك الجمعة والجماعة. وقوله: "وامرأة" المرأة لا تجب عليها الجمعة لفوات الشرط؛ لأنها ليست من أهل الجمعات والجماعة؛ ولهذا لا يصح أن تكون إمامة الجمعة، ولا تحسب من العدد المشترط في الجمعة لفوات الشرط. "وصبي" لفوات الشرط أيضًا؛ لأنه ليس أهلًا للتكليف فلا تلزمه الجمعة، بل ولا الجماعة، ولا غيرها من العبادات، لكنه يؤمر بالصلاة لسبع ويضرب عليها لعشر تأديبًا له وترويضًا له على العبادة، وليس لأنها واجبة عليه. "ومريض" المريض لا تجب عليه الجمعة لوجود المانع، وهو المرض الذي يمنعه من الصلاة، ولهذا لو حضرها المريض أجزأته وانعقدت به وصح أن يكون إمامًا فيها، وظاهر الحديث الإطلاق: "مريض" ولكنه علق بوصف وهو المرض لسبب وهو المشقة، فإذا كان المرض يسيرًا لا يشق معه حضور الجمعة، فإنه يجب عليه حضور الجمعة، فهنا المرض ليس

стр. 948

هو العلة لكن هو سبب العلة، والعلة الحقيقية هي المشقة، ولذلك لو كان هناك مشقة في غير مرض - كما لو كان هناك مطر ووحل - فإنه يجوز ترك الجمعة كما ثبت ذلك عن النبي ﵊ لأنه فعل يجوز لأجل المشقة، فالمرض هنا ليس العلة ولكنه سبب العلة وهي المشقة، ولكنه إذا حضر أجزأته. ٤٤٧ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس على مسافرٍ جمعة". رواه الطبراني بإسنادٍ ضعيفٍ. يقول المؤلف: سنده ضعيف، وعلى هذا فلا يعتمد عليه من جهة إسناده، ولكن لننظر في معناه هل هو موافق لهدي النبي ﷺ أو مخالف؟ نقول: أما إذا كان الإنسان في سفر، يعني: جماعة مسافرون، فإنه لا جمعة عليهم، ولا تشرع لهم الجمعة، ولا تصح منهم الجمعة؛ لأن هدي النبي ﵊ في أسفاره أنه لا يصلي الجمعة، ولو كانت واجبة لصلاها أو مشروعة لصلاها، فلما لم يفعل علم أنها ليست مشروعة وليست من هديه ﵊، وهاهو في أعدل مجتمع تجتمع الأمة فيه يوم عرفة كان يوم جمعة كما هو معروف في حجة الوداع وهل صلى الجمعة أو لا؟ لا، قال جابر: "فأتى بطن الوادي فخطب الناس ثم أمر بلالًا فأذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئًا". هذا في المجمع الكبير الذي سينفض الناس وهم يعرفون أنه ليس في السفر جمعة وهذا واضح في أن المسافر لا تجب عليه الجمعة في نفسه ولا تشرع له ولا تصح منه. أما إذا كان مسافرًا في بلد وسمع النداء فهل تلزمه الجمعة حينئذٍ إذا كان لا يتضرر بانتظارها، أو نقول: إنها لا تلزمه؟ المشهور من المذهب: أنه إن كان يلزمه الإتمام لزمته الجمعة في غيرها، وإن كان لا يلزمه الإتمام لم تلزمه لا بنفسه ولا بغيره؛ لأن الجمعة على المذهب لا تلزم الإنسان لا بنفسه ولا بغيره، وتلزمه بغيره لا بنفسه، وتلزمه في نفسه، ومعلوم الذي تلزمه بنفسه تلزمه بغيره من باب أولى. [زيادة توضيح]: المرأة مثلًا: لا تلزمها الجمعة لا بنفسها ولا بغيرها، حتى لو سمعت النداء لا يجب عليها أن تحضر، لا بنفسها ولا بغيرها، حتى لو أقيمت الجمعة لا يلزمها، المسافر الذي أقام في البلد مدة تقطع السفر على المذهب فوق أربعة أيام هذا يقولون: تلزمه الجمعة بغيره لا بنفسه، ما معنى ذلك؟ يعني: إن أقيمت الجمعة يلزمه حضورها، وإن لم تقم لم

стр. 949

تلزمه، وأيضًا هو نفسه لا يصح أن يكون إمامًا فيها ولا خطيبًا، ولا يحسب من العدد؛ لأنه ليس ممن تلزمه بنفسه، إذا كان هذا المسافر لا يلزمه الإتمام كما لو كانت نيته أن يقيم أقل من أربعة أيام وهذا التفريع على المذهب، أو كان مقيمًا لحاجة ولا يدري متى تنقضي فقد يبقى عدة سنوات فهذا الرجل يقولون: لا تلزمه الجمعة لا بنفسه ولا بغيره؛ يعني: أنه لو أقيمت ما يلزمه، عند عتبة المسجد ويسمع النداء لا نقول: ادخل صل لماذا؟ لأنه مسافر فلا تلزمه الجمعة لا بنفسه ولا بغيره، ولو دخل لا يكمل به العدد، ولا يصح خطيبًا، ولا يصح إمامًا، وبناء على كلامهم ﵏ المسافرون الآن الذين يسافرون للدراسة ويبقون أربع سنين، أو خمس، أو عشر سنين وهم يعلمون ذلك، هل يحسبون من العدد؟ لا، ولا تنعقد بهم الجمعة، ولا تلزمهم وإذا فعلوا لم تصح، وعلى هذا لو وجدنا ولاية من الولايات في أمريكا أو غيرها كل الذين فيها من المسلمين كلهم جاءوا للدراسة ليسوا مستوطنين ثم أقاموا الجمعة فإن الجمعة على المذهب لا تصح منهم ويلزمهم أن يعيدوها ظهرًا، فإذا قدموا إلينا مثلًا وهم قد أقاموا هناك خمس سنين، وقالوا المدة هذه كنا نقيم الجمعة نقول: لا تصح الجمعة منكم، كم يقضون؟ يقضون الجمعة ظهرًا خمس سنين، وهل يقضونها ظهرًا تامًا أو مقصورًا؟ تامًا على المذهب؛ لأنهم يقولون: إن من وجب عليه صلاة السفر ثم ذكرها في الحضر وجب عليه الإتمام أربعًا، هذا هو معنى قولنا: "تلزم بغيره أو بنفسه، أو لا تلزم لا بغيره ولا بنفسه". ولكن ظاهر الأدلة الصحيحة عندنا أن المسافر تلزمه الجمعة ولو كان لا يريد البقاء إلا يومًا أو يومين أو أكثر، ما دام سمع النداء يجب عليه الحضور لعموم قوله تعالى: ﴾ يأيها الذين أمنوا إذا نودى للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ﴿[الجمعة: ٩]. هذا نداء عام، نقول: من أخرج المسافر الذي أقام ينتظر حاجته ثم يرجع من أخرجه من هذا العموم فعليه الدليل، وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الفتاوى وهو الصحيح؛ لأنه ينبغي لنا إذا جاءنا عموم أن نحكم بهذا العموم على جميع الأفراد ما لم يرد تخصيص، هذه القاعدة الشرعية التي مشى عليها النبي ﵊، قال النبي ﵊ لما علمنا أن نقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين - قال: "إذا قلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض"؛ إذن صار العموم يعم جميع الأفراد، مع أني في ظني أن المصلي ما كان يقصد بذلك وهو يسلم على الملائكة أنه يسلم على الأموات السابقين أو الأموات الذين سيأتون من الصلحاء، ولكن الرسول ﷺ بين أنه يسلم على كل عبد صالح في السموات والأرض، إذن﴾ يأيها الذين أمنوا إذا نودى للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ﴿الآية [الجمعة: ٩]. نحن قد عرفنا أن اسم الموصول يفيد العموم، وهذا المسافر من الذين آمنوا فيجب عليه السير إلى الجمعة.

стр. 950

٤٤٨ - وعن عبد الله بن مسعودٍ ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا". رواه الترمذي بإسنادٍ ضعيفٍ، قال الترمذي: لا يصح في هذا الباب شيء. هذا الحديث يقول: "إذا استوى"، معنى "استوى": علا عليه واستقر، "استقبلناه بوجوهنا" يعني: صرفنا وجوهنا إليه لأجل أن يطابق الوجه القلب، ولا شك أن كون الإنسان ينظر إلى الخطيب ببصره يقوي نظره إليه بقلبه، فلهذا يعطي النظر إلى الخطيب، يعطيه قوة في وعي الخطبة. وهذا الحديث وإن كان ضعيف السند ولكنه من حيث المعنى قوي، إلا أنه كما قال بعض أهل العلم: خاص بمن كان قريبًا؛ بحيث إذا صرف وجهه عن الخطيب لا ينحرف عن القبلة، أما البعيد الذي لا يمكن إلا بانحرافه عن القبلة، فإن استقبال القبلة أهم ثم هو يعالج نفسه في إحضار قلبه، وبه نعرف أن الخطيب نفسه لا يلتفت، خلافًا لمن استحسنه من بعض الخطباء أن الخطيب يلتفت يمينًا ويسارًا، فنقول: الخطيب مقصود وليس بقاصد، الناس يتجهون إليه ولا يتجه إليهم هذا هو المعروف من هدي الرسول ﷺ ، أما الإنسان المعلم فلا بأس به، وأيضًا إن التفات المعلم فيه فائدة لأجل تذكير الغافل وإيقاظ الذي ينعس حتى لا يحصل غفلة، المهم أن الخطيب يستقر على المنبر ويقصد - كما قال الفقهاء ﵏ تلقاء وجهه، أما الذين حوله فيلتفتون إليه؛ لأنه أبلغ في حضور القلب فيتطابق الوجه والقلب في الاتجاه إلى الخطيب. - وله شاهد من حديث البراء عند ابن خزيمة. أحيانًا نسمع في كلام المحدثين "شاهد"، "متابع"، أو ما أشبه ذلك ما الفرق بين الشاهد والمتابع؟ الشاهد في المتن معناه: أن هذا المتن له شاهد من حديث صحابي آخر، وأما المتابعة فهي بأن يوافق الراوي لفظًا آخر، ثم إنها تكون تامة إذا كان الأخذ عن الشيخ، وتكون قاصرة إذا كان الأخذ عمن فوقه؛ أي: فوق شيخه. حكم الاعتماد على عصًا أو قوس للخطيب: ٤٤٩ - وعن الحكم بن حزنٍ ﵁ قال: "شهدنا الجمعة مع النبي ﷺ فقام متوكئًا على عصًا أو قوسٍ". رواه أبو داود. قوله: "شهدنا" يدل على أن معه جماعة، وهو كذلك، عندي في الحاشية يقول: "قدمت إلى

стр. 951

النبي ﷺ سابع سبعة، أو تاسع تسعة" فيكون معه جماعة، وهؤلاء - فيما يظهر - قدموا وفدا على النبي ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ كان الناس يقدمون إليه وفودًا، كما أنه كان يبعث إلى الناس من يدعوهم إلى الله، وبهذا انتشرت الدعوة الإسلامية من المدين جميعًا مد من مكان الدعوة إلى مكان المدعوين، والمد الآخر بالعكس يأتي المدعوون إلى مكان الدعوة فينتفعون، نظير ذلك الآن أننا من هنا - من هذه المملكة - نعطي منحًا لأناس بعيدين يدرسون في الجامعة، ونبعث أناسًا يدعون إلى جهات بعيدة يدعون بعد أن يدرسوا فتكون الدعوة الإسلامية من الناحيتين تعطي فتتبع الناس وتفتح المجال لمن أراد أن يحضر ويتفقه في الدين. وقوله: "فقام متوكئًا على عصًا أو قوس" "أو" هنا للشك من الراوي، هل كان مع النبي ﷺ عصًا أو قوس، هذا إذا كان الشك من الحكم نفسه، أما إذا كان الشك ممن بعده فيكون الشك هل قال: الحكم قوس أو عصًا؟ وقوله: "فقام متوكئًا" ما معنى التوكأ، أي: الاعتماد، وإنما يعتمد من أجل أن يكون أثبت له وأنشط وأقل تكلفًا، الاعتماد يعطي الإنسان قوة ونشاطًا وثباتًا كما أنه أيضًا يعفيه من الضعف أو يمنعه من الضعف. وقوله: "متوكئا على عصًا أو على قوس" أخذ أهل العلم من ذلك أنه يستحب للخطيب أن يعتمد على قوس أو عصًا، وزاد بعضهم: "أو سيف"، لكن السيف لم يرد عن النبي ﵊، إنما ورد القوس أو العصا، على أن ابن القيم ﵀ يقول: إن اعتماده على القوس أو العصا إنما كان قبل أن يبنى له المنبر، أما بعد أن بني له المنبر فإنه لم يكن يعتمد على شيء، وربما يقال: إن مسألة الاعتماد ليست من المسائل التعبدية، وإنما هي مسألة ترجع إلى الحال التي تقتضيها، فإذا كان الخطيب يحتاج إلى الاعتماد لكونه ضعيف البدن، أو كبير السن، أو ليس عنده ما يعتمد عليه في الخطبة فإنه يأخذ العصا أو القوس من أجل أن يعتمد عليها، وأما إذا لم يكن كذلك فإننا لا نطلب منه أن يستصحب العصا أو القوس، وأما السيف فإننا لا نستحبه مطلقًا خلافًا لمن قال به من الفقهاء؛ وذلك لأنه لم يرد؛ ولأن فيه إرهابًا للناس، والمقام ليس مقام إرهاب؛ لأن الذي أمامه أعداء أو أولياء؟ أولياء فلا حاجة إلى أن نرعبهم بالسيف. وأما ملاحظة بعض العلماء بأنه إشارة إلى أن هذا الدين فتح بالسيف ففيه أيضًا نظر؛ لأن السيف إنما يستعمل عند الحاجة إليه، أما إذا لم يحتج إليه فإن الدعوة تكون بالبيان والعلم، والنبي ﵊ دعا الناس بالبيان والعلم، وفتح صدور العالم بما جاء به من

стр. 952

الحق والهدى، وكثير من الناس أسلموا بدون سيف وبدون قتال، لكن لما رأوا محاسن الإسلام، وأنه الدين الموافق للفطرة والدين الذي يتكفل بقيام الإنسان بحق ربه، وحق عباده دخلوه، ولا يعرف قدر الإسلام إلا من عرف الجاهلية وعرف الأديان التي سواه، فحينئذٍ يعرف قدر الإسلام، ولا يعرف الإسلام أيضًا إلا كان أهله متمسكين به غاية التمسك؛ ولهذا كثير من غير المسلمين اليوم لا يجدون للإسلام الطعم الذي يجده الناس في سلف الأمة؛ لماذا؟ لأن الناس لم يتمسكوا به فيظن الناس الذين لم يدخلوا في الإسلام الآن أن هذه مناهج من وضع البشر؛ لأنهم لو عاملوا المسلمين وجدوا من بعضهم معاملة سيئة لا تدعوهم إلى الإسلام. والحاصل: أن هذا الحديث يدل على أن النبي ﵊ كان يتوكأ، ولكن هل هذا من هديه الدائم المستمر، أو إنما اتخذه لحاجة قبل بناء المنبر؟ يرى ابن القيم ﵀ أنه اتخذه لحاجة قبل بناء المنبر، وأما ما اطلعت عليه من كلام الفقهاء الآخرين فإنهم يرون أنه سنة مطلقًا والذي يترجح عندي أنه ليس من باب التعبد، وإنما هو من باب الحاجات، فمتى احتاج إليه الخطيب فإنه يعتمد على ذلك، ويكون مقصودًا لغيره، وإذا لم يحتج إليه فلا حاجة إليه. * * * ١٣ - باب صلاة الخوف صلاة الخوف أشار الله تعالى إليها بقوله: ﴾ فإن خفتم فرجالًا أو ركبانًا ﴿[البقرة: ٢٣٩]. وبقوله: ﴾ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلوة فلتقم طائفة منهم معك ..... ﴿إلخ [النساء: ١٠٢]. وقوله: "صلاة الخوف" هو من باب إضافة الشيء إلى سببه باعتبار صفته لا باعتبار أصل مشروعيته؛ لأن إضافة الشيء إلى سببه قد تكون باعتبار أصله، وقد تكون باعتبار صفته، فمثلًا إذا قلنا: "صلاة الكسوف" فهو باعتبار الأصل والصفة؛ لأن أصلها الكسوف لولا الكسوف ما استحبت هذه، ثم لها صفة خاصة تتميز بها عن بقية الصلوات فهذا باعتبار الأصل والصفة، وإذا قلنا: "تحية المسجد" فهي باعتبار السبب، لكن باعتبار الأصل لا الصفة، لكن أصل مشروعية الركعتين هو دخول المسجد، وهنا صلاة الخوف باعتبار الصفة، أما الأصل فهي مشروعة ولو بدون، خوف الصلوات الخمس مشروعة ولو بدون خوف، فتبين أن إضافة الشيء إلى سببه إما أن يكون باعتبار أصله أو وصفه، أو أصله ووصفه، يعني: أن هذا السبب سبب لكونها على هذه الصفة، هذا السبب لمشروعيته أو عدم مشروعيته؟ هذا السبب لمشروعيته، وكونه على هذه الصفة كل من باب إضافة الشيء إلى سببه، فصلاة الخوف كونها على هذا الوصف المعين سببه الخوف، لكن أصل مشروعية الصلاة ليس هو من أجل الخوف، نأتي إلى صلاة الكسوف ما هو السبب في مشروعية الكسوف؟ الكسوف في أصلها وفي وصفها لأنها مشروعة وعلى

стр. 953

هذا الوصف المعين تحية المسجد ما سببها؟ دخول المسجد سبب لأصلها أو لوصفها؟ لأصلها؛ لماذا؟ لأن الوصف لم تتميز عن غيرها، الركعتان هما الركعتان لا تتميز. إذن صلاة الخوف لو قال لنا قائل: هل هي من باب إضافة الشيء إلى سببه؟ نقول: نعم، فإذا رد علينا وقال: إن الصلوات التي تصلى مع الخوف مشروعة من قبل الخوف، قلنا: باعتبار الصفة، لا باعتبار الأصل، يعني: الصلاة التي يكون سببها الخوف بحيث تقوم على هذه الصفة المعينة لا على أنها مشروعة لأجل الخوف، لكن كونها على هذا الوصف المعين سببه الخوف. شروط صلاة الخوف: واعلم أن من شروط صلاة الخوف أن يكون القتال مباحًا، فإن كان القتال محرمًا فإنه لا تصح فيه صلاة الخوف؛ لماذا؟ لأن صلاة الخوف شرعت على هذا الوجه تخفيفًا على المقاتلين، وإذا كان القتال محرمًا فإنه لا يناسب التخفيف عنهم؛ لهذا نقول له: اترك القتال وصل صلاة آمن. وهذه المسألة يمكن أن يقال فيها ما يقال في حل أكل الميتة للمسافر سفرًا محرمًا، فإن العلماء اختلفوا فيمن سافر سفرًا محرمًا هل يجوز له أكل الميتة عند الضرورة أو لا؟ فالمشهور من المذهب: أنه لا يحل له أكل الميتة عند الضرورة حتى لو مات لا يأكلها، لماذا؟ لأن السفر محرم، وأكل الميتة رخصة، وإن كان رخصته واجبة فماذا نقول له؟ نقول له: تب وكل وارجع إلى بلدك، ويمكن أن يفرق بينها وبين السفر المحرم، أو بين جواز أكل الميتة في السفر المحرم، فالمهم: أنه يشترط عندنا أن يكون القتال مباحًا، فإن كان محرمًا فإنه لا يصلي صلاة الخوف، ولكن يجب أن نعرف الفرق بين رجل مدافع ورجل مهاجم فيما إذا كان القتال محرمًا كالقتال بين المسلمين فإنه يجب أن نفرق بين رجل مهاجم ورجل مدافع، أيهم الذي يحرم عليه؟ المهاجم، أما المدافع فإنه معذور، بل مأمور بان يدافع عن نفسه؛ ولهذا في قتال الخوارج وقتال أهل البغي الجانب الذي فيه الإمام معذور ويصلي صلاة الخوف، والجانب الآخر غير معذور فلا يصلي صلاة الخوف بناء على اشتراط أن يكون القتال مباحًا. الصفة الأولى لصلاة الخوف: ٤٥٠ - عن صالح بن خواتٍ ﵁، عمن صلى مع النبي ﷺ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: "أن طائفًة من أصحابه ﷺ صفت معه وطائفة وجاه العدو، فصلى بالذين معه ركعًة، ثم ثبت قائمًا وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى،

стр. 954

فصلى بهم الركعة التي بقيت، ثم ثبت جالسًا وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم". متفق عليه، وهذا لفظ مسلم. - ووقع في المعرفة لابن منده، عن صالح بن خواتٍ، عن أبيه. قوله: "عمن صلى" مبهم، وإبهام الصحابي لا يضر؛ لأن أهل العلم بالحديث يقولون: إن جهالة الصحابي لا تقدح في صحة الحديث؛ وذلك لأن الصحابة كلهم عدول عند أهل السنة إلا من ثبت في حقه ما ينافي ذلك، وهذا في المبهم لا يتحقق، ثم إن الصحابة ﵃ كما قال شيخ الإسلام إذا كان صدر عن أحد منهم ما صدر من الذنوب فإن لديه مكفرات تكفر هذه الذنوب، منها مثلًا فضل سابقته في الإسلام وفي بدر كما في حاطب بن أبي بلتعة ﵁ حيث تجسس على المسلمين في مكاتبته قريشًا لما استأذن عمر ﵁ أن يقتله قال النبي ﷺ : "وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر وقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". المهم أن جهالة الصحابي لا تضر، هذا هو المعروف عند أهل العلم بالحديث. وقوله: "يوم ذات الرقاع" الرقاع جمع رقعة، وهي من الجلود أو نحوها، وسميت بذلك لأنهم كانوا مشاة كثير منهم ونقبت أقدامهم من الأرض، فصاروا يلبسون أو يلفون على أرجلهم رقاعًا للوقاية فسميت بهذا الاسم. وقوله: "صلاة الخوف" هل ترونها مصدرًا أو مفعولًا به؟ إذا قلت: "صليت صلاة الظهر" مفعول به؛ لأن الفعل وقع عليها، هذا هو الفرق بين المفعول به والمفعول المطلق، المفعول به يكون الفعل وقع عليه، والمفعول المطلق يكون دالًا على أحد مدلولي الفعل الذي هو المعنى. قال: "أن طائفة من أصحابه ﷺ صفت معه" وطائفة بالرفع أو بالضم؟ جائز الأمرين، قال ابن مالك: وجائز رفعك معطوفًا على ... منصوب إن بعد أن تستكملا "وطائفة وجاه العدو" وجاه؛ أي: مقابل، قبل وجهه، و"العدو" المراد به: الكافر، فالكافر عدو للمؤمن بلا شك: ﴾ يأيها الذين امنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء ﴿[الممتحنة: ١]. فأعدى الأعداء هو من عداك من أجل الدين؛ لأن عداوته - والعياذ بالله - أصيلة في قلبه. يقول: "وجاه العدو، فصلى بالذين معه ركعة ثم ثبت قائمًا، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا

стр. 955

وصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت، ثم ثبت جالسًا وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم". هذا الحديث صورته: قسمهم النبي ﵊ إلى قسمين، ولابد أنه أعلمهم بذلك قبل أن يصلي وإلا ما عرفوا كيف يتصرفون، طائفة وجاه العدو تحجزه أن يهجم عليهم وطائفة أخرى تصلي معه صلت معه ركعة كاملة، ولما قام بقي قائمًا ﵊ والذين معه أتموا لأنفسهم، يعني: ركعوا وسجدوا وتشهدوا وسلموا، وانصرفوا، وبقي النبي ﷺ وحده في هذه الحال هل هو إمام أو لا؟ الآن ما معه أحد ثبت قائمًا ولابد أنه يقرأ؛ لأن الصلاة ليست فيها سكوت فلابد أن يقرا، لكن ما نعرف ماذا قرأ، فجاءت الطائفة الأخرى التي كانت وجاه العدو إلى النبي ﷺ وهو قائم فكبروا ودخلوا معه وركعوا معه وسجدوا معه حتى جلس للتشهد وهم قاموا وهو باق على جلوسه، ثم قرءوا وركعوا وسجدوا وجلسوا للتشهد مع الرسول ﵊، ثم بعد ذلك سلم بهم. انظر العدل في الإسلام الطائفة الأولى أدركت معه تكبيرة الإحرام، والطائفة الثانية أدركت معه التسليم، فكان ذلك من تمام العدل، والنبي ﵊ أراد منهم أن يكونوا جماعة واحدة وإلا فإمكانه أن يقول: أنتم في هذا الوقت احرسوا وأنتم صلوا معي، ويقول للحارسين في الوقت الثاني: صلوا معي، وأولئك يحرسون، لكن من أجل أن يشعروا بأنهم أمة واحدة وطائفة واحدة جعلهم النبي ﵊ ينقسمون هذا الانقسام وإن حصل فيه شيء من المخالفات لكنها تغتفر من أجل المصلحة والاجتماع. شروط هذه الصفة: هذه صفة هذه الصلاة، فإذا قال قائل: ما شرط هذه الصلاة؟ قلنا: شرطها ألا يكون العدو في جهة القبلة، فإن كان العدو في جهة القبلة ما نصلي هذه الصلاة، نصلي بصفة أخرى ستأتينا - إن شاء الله تعالى - قريبًا، وأما إذا كان العدو يمينًا أو يسارًا، أو خلفًا في هذه الجهات الثلاث فنصلي هذه الصلاة، هذه الصفة توافق ظاهر القرآن؛ ولهذا قال الإمام أحمد في صلاة الخوف، أنها جائزة على جميع الوجوه التي وردت عن النبي ﷺ ، قال: "وأما حديث سهل - يعني: ابن أبي حثمة - فأنا أختاره"، إنما اختاره ﵀ من أجل موافقته لظاهر القرآن: ﴾ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلوة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ﴿[النساء: ١٠٢]. يقول: "ووقع في المعرفة لابن منده، عن صالح بن خوات، عن أبيه"، الآن تعارض عندنا تعيين مسلم وتعيين ابن منده، فأيهما يقدم؟ الجمع الآن ممكن فنقول: رواه عن صالح، وعن أبيه، فحينئذٍ يكون الجمع غير متعذر، وكلما أمكن الجمع فهو أولى؛ لأننا إذا رجحنا فمعناه: إلغاء

стр. 956

إحدى الروايتين، هذه الصورة كما قلنا هي الموافقة لظاهر القرآن في قوله: ﴾ فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ﴿[النساء: ١٠٢]. ومن قوله في الطائفة الثانية: ﴾ ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك ﴿[النساء: ١٠٢]. أما الطائفة الأولى فما أدركت الصلاة كلها حقيقة وحكمًا؛ لأنه قال: ﴾ فلنقم طائفة ﴿، والثانية أدركتها حقيقة وحكمًا؛ لأنه قال: ﴾ فليصلوا معك ﴿، ولأن الطائفة الثانية كبرت مع الإمام وسلت مع الإمام، والطائفة الأولى كبرت مع الإمام وسلمت قبل الإمام. حكم حمل السلاح في صلاة الخوف: في القرآن ذكر الله : ﴾ وليأخذوا أسلحتهم ﴿، فيجب أخذ السلاح لهذه الصلاة، لا نصلي ونجعل أسلحتنا بالأرض، يجب أن نأخذ الأسلحة، وحمل السلاح هنا واجب أو سنة؟ وإذا قلنا بالوجوب فهل تصح الصلاة بدونه أو لا تصح؟ الصحيح: أنه يجب أو يستحب حسب الحاجة، وعند الشك نقول: الأصل في الأمر الوجوب فيجب الحمل، ثم هل تصح الصلاة بدونه أو لا؟ ذهب بعض أهل العلم إلى أن الصلاة لا تصح بدونه، والصواب: أن الصلاة تصح بدونه، لأن هذا ما يعود إلى الصلاة وإنما يعود إلى الحذر، فليس له تعلق بالصلاة، ثم إن الله قال في الطائفة الثانية: ﴾ فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ﴿، وفي الأولى قال: ﴾ وليأخذوا أسلحتهم ﴿، وهنا أوجب أمرين: أخذ الحذر والأسلحة؛ لماذا؟ لأن في الطائفة الثانية قد يكون العدو عرف أنهم يصلون فتأهب للهجوم بخلاف الطائفة الأولى، فالعدو قد يكون غافلًا وهذا من براعة القرآن، ومن حكمة الله في إرشاد عباده إلى ما فيه مصلحتهم وإلى الحذر من أعدائهم قال: ﴾ وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ﴿، ثم إن أهل العلم قالوا في هذا الباب يجوز أن يحمل السلاح ولو كان نجسًا للضرورة حتى لو فرض أن فيه نجاسة من دماء لم تغسل على القول بنجاسة دم الآدمي، أو لو كانت من جلود نجسة أو ما أشبه ذلك، لقد اختلفت الأسلحة الآن، ولكن على كل حال الذي يحمل منها يحمل، والذي لا يحمل لابد أن يكون عنده أحد حارس له وحارس للمقاتلين. يستفاد من هذا الحديث: وجوب صلاة الجماعة، من أين تؤخذ؟ يعني: إذا كان أمر بها حال القتال فدونه من باب أولى. ويستفاد من الحديث: حسن تدبير الرسول ﵊ حيث قسم أصحابه إلى قسمين على الوجه المذكور. ومن فوائده أيضًا: أن صلاة الخوف الركعة الثانية أطول من الأولى بخلاف سائر الصلوات فإن الركعة الأولى أطول من الثانية. ومن فوائد الحديث: جواز الانفراد للحاجة، من أين تؤخذ؟ من أن الطائفة الأولى انفردت،

стр. 957

قال أهل العلم: وكذلك لو أن الإنسان احتاج في أثناء الصلاة إلى الخروج من الصلاة مثل أن يفاجئه بول أو غائط أو ريح شديدة ما يستطيع معها البقاء فله أن ينفرد بشرط أن يستفيد من انفراده، ما معنى يستفيد؟ بأن تكون صلاته إذا انفرد أخف من صلاته مع الإمام، فإن كان الإمام يخفف ولا يمكن أن تكون صلاته إذا انفرد أخف منه، فإنه لا ينفرد، لماذا؟ لأنه لا يستفيد من الانفراد شيئًا، قال العلماء: فإن زال العذر فله أن يرجع مع إمامه وله أن يستمر في انفراده؛ يعني: مثلًا: افترض أنه هاجت معدته؛ يعني: احتاج أن يتقيأ وخاف فعجل لكن هبطت المعدة فله أن يرجع مع إمامه. ومن فوائد الحديث: العدل بين الرعية، وجه ذلك: أن النبي جعل كل طائفة تصلي ركعة معه: طائفة تدرك تكبيرة الإحرام وطائفة تدرك التسليم. الآية الكريمة هل تدل على أن الطائفتين مؤتمتين بالإمام أو لا؟ ظاهر الآية أن الذين مع الإمام هم الذين معه حقيقة وحكمًا، والأولى حكمًا لإدراكهم ركعة، ودليله من الآية قال الله تعالى: ﴾ فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا ﴿فأثبت انفرادًا: ﴾ ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا ﴿قال: ﴾ فليصلوا ﴿ولم يقل: فليقوموا؛ ولهذا قال العلماء: إن الثانية مؤتمة به حقيقة وحكمًا والأولى مؤتمة به حكمًا. ومن فوائد الحديث: وجوب الحزم أو اتخاذ الحزم في الأمور، من أين يؤخذ؟ التقسيم في الطائفتين هذا من الحزم. الصفة الثانية لصلاة الخوف: ٤٥١ - وعن ابن عمر ﵄ قال: "غزوت مع رسول الله ﷺ قبل نجدٍ، فوازينا العدو، فصاففناهم، فقام رسول الله ﷺ بنا، فقامت طائفة معه، وأقبلت طائفة على العدو، وركع بمن معه ركعة، وسجد سجدتين، ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل فجاءوا، فركع بهم ركعًة، وسجد سجدتين، ثم سلم، فقام كل واحدٍ منهم، فركع لنفسه ركعًة، وسجد سجدتين" متفق عليه، واللفظ للبخاري. قوله: "غزوت" الغزو معناه: الخروج إلى الجهاد، وقوله: "قبل نجد" أي: جهة نجد، وعلى هذا فهي ظرف مكان منصوبة على الظرفية، وقوله: "نجد" قال العلماء: هي ما ارتفع من الحجاز، وحدودها: حدود الحجاز من الغرب والعراق وما والاه، والشام وما والاه، واليمن من الجهات الأخرى وقوله: "قبل نجد" لم يبين هذه الغزوة أي غزوة هي، والمهم هو الحكم، أما تعيين الغزوة أو أحيانًا يحرص الإنسان على تعيين الرجل الذي حصل منه القصة وما أشبه ذلك فهذا ليس بذات أهمية؛ لأن المهم الحكم.

стр. 958

قال: "فوازينا" أي: قابلنا، "العدو"، وهم: الكفار المحاربون، "فصاففناهم" يعني: كنا صفا تجاههم. "فقام رسول الله ﷺ فصلى بنا، فقامت طائفة معه، وأقبلت طائفة على العدو، وركع بمن معه وسجد سجدتين، ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل فجاءوا فركع بهم ركعة، وسجد سجدتين، ثم سلم، فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة، وسجد سجدتين"، هؤلاء من؟ هنا اختلف الحديث الثاني والأول، هذا الحديث لما صلى بالطائفة الأولى ركعة انصرفت الطائفة الأولى وهي على صلاتها، وقامت وجاه العدو وهي على صلاتها، ثم جاءت الطائفة الثانية فصلى بهم النبي ﷺ الركعة التي بقيت وسلم، ثم قاموا وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وجاه العدو ورجعت الطائفة الأولى فأتمت لنفسها، فاختلف عن الأول اختلافًا عظيمًا، وفيه عن الأول أن الطائفة الأولى ذهبت تقاتل وهي على صلاتها مع أنها ستستدير القبلة وسيحصل منها أفعال كثيرة، ولكنه يرخص في ذلك لأجل الضرورة والحاجة، وفي هذا الحديث: دليل على أن الحركات الكثيرة في الصلاة لا تؤثر إذا كانت للضرورة، وقد سبق لنا تقسيم حركات الصلاة إلى خمسة أقسام منها: الجائز وهو الكثير للضرورة، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴾ فإن خفتم فرجالًا أو ركبانًا ﴿[البقرة: ٢٣٩]. ومن فوائد هذا الحديث الزائدة على ما سبق: أنه يجوز عدم استقبال القبلة أيضًا للضرورة؛ لأن هؤلاء استدبروا القبلة للضرورة، وكذلك يسقط استقبال القبلة إذا كان الإنسان عاجزًا عنها، وكذلك يسقط استقبال القبلة في التنفل في السفر على الراحلة أو راجلًا. ويستفاد من هذا الحديث: أن الطائفة الثانية أتموا بعد سلام الإمام، والحديث الأول سلموا مع الإمام فأتموا قبل أن يسلم الإمام، ولا نظير لها في الحديث الأول، أما هذا فهو على القواعد: "ما فاتكم فأتموا"، الآن عندنا صفتان أيهما أرجح لو أراد الإنسان أن يرجح؟ الأولى أرجح؛ لأن لها ميزات؛ ولأن فيها سلامة من الأعمال الكثيرة التي في أثناء الصلاة؛ ولهذا قال الإمام أحمد: أما حديث سهل فأنا اختاره، إذن عندنا صفتان. الصفة الثالثة لصلاة الخوف: ٤٥٢ - وعن جابر ﵁ قال: "شهدت مع رسول الله ﷺ الخوف، فصففنا صفين: صف خلف رسول الله ﷺ والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر النبي ﷺ وكبرنا جميعًا، ثم ركع وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى السجود، قام الصف الذي يليه ... ". فذكر الحديث.

стр. 959

- وفي رواية: "ثم سجد وسجد معه الصف الأول، فلما قاموا سجد الصف الثاني، ثم تأخر الصف الأول وتقدم الصف الثاني ... ". وذكر مثله وفي آخره: "ثم سلم النبي ﷺ وسلمنا جميعًا". رواه مسلم. يقول جابر: "غزونا مع النبي ﷺ والعدو بيننا وبين القبلة"، الجملة هذه حالية من فاعل غزونا، والفاعل هو "نا"، وقوله: "فكبر ... إلخ" يعني: تكبيرة الإحرام، والنبي ﷺ أعلمهم بأن يفعلوا ما ذكر كبروا جميعًا وصفوا صفين، وكبروا جميعًا وهم يشاهدون العدو، ثم ركعوا جميعًا، ثم رفعوا من الركوع جميعًا، كل هذا ليس فيه محذور عليهم؛ لأنهم يشاهدون العدو، ولكن عند السجود لو سجدوا جميعًا عدا عليهم العدو، لكن الرسول ﵊ جعلهم على قسمين؛ انحدر النبي ﷺ بالسجود وانحدر الصف الذي يليه معه، وأما الثاني فظل واقفًا في نحر العدو، فلما قضى السجود قام الصف الذي يليه يعني قام هو والصف الذي يليه، فلما قاموا انحدر الصف المؤخر بالسجود؛ لأنهم ما سجدوا، ثم لما قاموا تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم مراعاة للعدل حتى لا تكون الطائفة الأولى هي الصف الأول في كل الصلاة، في الركعة الثانية قاموا جميعًا وركعوا جميعًا ورفعوا جميعًا، وسجد النبي ﷺ هو والصف الذي يليه، وبقي هؤلاء قيامًا، ولما جلس النبي ﷺ للتشهد انحدر الصف المؤخر القائم للسجود فسجد سجدتين وجلس ثم سلم بهم النبي ﷺ . شروط هذه الصفة: فهذه الصفة تجوز أيضًا، لكن اشترط العلماء لجوازها شرطين: الأول: أن يكون العدو تجاه القبلة. والشرط الثاني: ألا يخافوا كمينا يأتيهم من الخلف، فإن خافوا كمينًا يأتيهم من الخلف يرجعون إلى الوجوه الأخرى، إنما إذا تم الشرطان فإنهم يصلون هذه الصلاة، وهذه الصلاة كلنا نعلم أن الجماعة كلهم شاركوا النبي ﷺ في التكبير وفي التسليم، اختلفوا في المكان - تعاقبوه - صار الذين في الصف الأول رجعوا إلى الصف الثاني، والعكس في الركعة الثانية. * هذه الصفة يستفاد منها فوائد: الفائدة الأولى: حرص النبي ﷺ على العدالة بين أصحابه. الفائدة الثانية: أنه كلما أمكنت المتابعة فهي الواجبة، وجهه: أن الرسول ﵊ جعلهم يقومون جميعًا ويركعون جميعًا، ويرفعون جميعًا، ولم يدع المتابعة إلا في حال الضرورة، فدل هذا على وجوب متابعة الإمام كما دلت عليه الأحاديث الأخرى، مثله قوله ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه ...... إلخ". فالمتابعة واجبة.

стр. 960

ويستفاد من هذا الحديث: أن من تخلف عن الإمام لعذر فإنه يقضي ما تخلف به ويتابع الإمام، لنفرض مثلًا أنك ما سمعت تكبيرة للركوع كبر الإمام للركوع ورفع وأنت ما سمعت ما دريت إلا وهو ساجد ماذا تصنع؟ تركع وترفع وتلحق به؛ لأنك تخلفت لعذر، وعلى هذا فيؤخذ من هذا الحديث هذه الفائدة العظيمة التي قد تقع لبعض الناس إما لثقل السمع، أو لانقطاع صوت الإمام، أو لأي سبب من الأسباب، المهم: أن تقضي ما سبقك به الإمام إلا في حالة واحدة إذا وصل الإمام إلى مكانك فإنك لا تخالفه تعتبر أن الركعة التي فيها هي هذه الركعة وتقضي ركعة وليس هذا سهوًا بل هو عذر، وهذه الصورة تقع كثيرًا في مكبر الصوت، ربما يكون مسجد الجمعة فانقطع الصوت في الركعة الأولى وكان يقرأ﴾ سبح اسم ربك الأعلى ﴿. وانقطع الصوت فبقيت واقفًا فما أن لبثت حتى سمعته يقرأ: ﴾ هل أتاك حديث الغاشية ﴿؛ إذن عرفنا الآن أنه في الركعة الثانية فتعتبر هذه الركعة الأولى بالنسبة لك، قال أهل العلم: وفي هذه الحال تكون لك ركعة ملفقة من الأولى والثانية بالنسبة للإمام شاركته في الأولى والثانية، فإذا سلم تأتي بركعة. ويستفاد من هذا الحديث: جواز العمل للتقدم إلى الصف؛ يعني: أنه يجوز للإنسان أن يتحرك للتقدم إلى الصف، من أين يؤخذ؟ من تقدم الصف الثاني إلى الصف الأول. ويستفاد منه: الرجوع أيضا، كيف ذلك لنفرض أنك دخلت المسجد وفيه رجلان يصليان فتدخل معهما، أين يكون موضعك أنت والمأموم الآخر؟ خلف الإمام، فيرجع المأموم فهنا رجع لمصلحة المصافة. ٤٥٣ - ولأبي داود: عن أبي عياشٍ الزرقي مثله، وزاد: "إنها كانت بعسفان". الصفة الرابعة لصلاة الخوف: ٤٥٤ - وللنسائي من وجهٍ آخر عن جابرٍ ﵁: "أن النبي ﷺ صلى بطائفةٍ من أصحابه ركعتين، ثم سلم، ثم صلى بآخرين ركعتين، ثم سلم". ٤٥٥ - ومثله لأبي داود، عن أبي بكرة. هذه صفة رابعة، وكيفيتها: أن النبي ﷺ قسم أصحابه فيها قسمين: قسم وجاه العدو، والقسم الثاني صلى بهم ركعتين، وسلم وانصرف، فصارت الصلاة معه تامة من أولها إلى آخرها

стр. 961

لما انصرفوا وجاه العدو ورجعت الطائفة التي كانت وجاه العدو فصلى بهم النبي ﷺ ركعتين فكانت هذه الصلاة ركعتين ركعتين للنبي ﷺ وللجماعة. الرسول ركعتان والطائفة الأولى وركعتان للطائفة الثانية، ولم تخالف هذه القواعد إلا في مسألة واحدة وهي أن الإمام كان متنفلًا بالنسبة للطائفة الثانية وخلفه مفترضون، وقد أخذ الإمام أحمد ﵀ بهذه الصفة، وهي مما استثني على المذهب؛ لأن المشهور من مذهب الحنابلة أنه لا يصح ائتمام مفترض بمتنفل إلا في هذه المسألة من وجوه صلاة الخوف؛ وإلا فيما إذا كان الخلاف بحسب اعتقاد الإمام والمأمومين ليس بحسب الحقيقة، ولكن بحسب الاعتقاد مثل أن تصلي خلف إمام صلاة العيد هو يعتقد أنها نافة، وأنت تعتقد أنها فريضة؛ لأن بعض أهل العلم يقول: إن صلاة العيد نفل، وليست بفرض، لقول النبي ﵊ لما سأله الأعرابي: "هل علي غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تطوع". قالوا: فلو كان الإمام يرى أن صلاة العيد نفل وأنت أيها المأموم ترى أنها فرض جاز لك أن تصلي خلفه؛ لأن الصلاة هنا واحدة لكن اختلفت بحسب الاعتقاد، ومثلها أيضًا على قياس المذهب إذا كنت تصلى خلف إمام يرى أنها نافلة، وأنت ترى أنها واجبة فستصلي فريضة خلف متنفل بحسب اعتقاده، ولكن تقدم لنا أن القول الراجح في هذه المسألة: أنه يجوز أن يقتدي المفترض بالمتنفل، وأن هذا منصوص أحمد ﵀ في رجل جاء في رمضان ووجدهم يصلون التراويح فدخل معهم يريد صلاة العشاء، قال الإمام أحمد: فهذا جائز، وهذه فريضة خلف نافلة، وسبق لنا أن من الأدلة على ذلك حديث معاذ، وسبق لنا أن من قال: إن حديث معاذ لم يعلم به الرسول ﵊ فإن وجهه مردود من وجهين: الوجه الأول: أن هذا أمر بعيد، لاسيما وأن معاذًا قد شكي إلى الرسول ﵊ أن يطول في الصلاة بالناس؛ فحاله يظهر أنها بائنة للرسول ﵊ والشيء الثاني: الوحي أنه على فرض أن النبي ﷺ لم يعلم به فقد علم به الله، والرب لا يقر أحدًا على منكر أبدًا، ولهذا لما أخفى المنافقون ما يخفون فضحهم الله فقال: ﴾ يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول ﴿[النساء: ١٠٨]. واستدل الصحابة ومن بعدهم على جواز العزل عن المرأة عند الجماع بأن الصحابة كانوا يفعلونه والقرآن ينزل. فالمهم: أن هذه المسألة هي أحد وجوه صلاة الخوف وصورتها: أن يصلي الإمام ركعتين بطائفة ويسلم بهم، ثم تأتي الطائفة الثانية فيصلي بهم ركعتين فتكون

стр. 962

له نافلة ولهم فريضة، وقلنا: إن هذا مما استثنى على مذهب الحنابلة، والعجيب: أن بعض أهل العلم كالطحاوي (رحمة الله عليه) يقول: إن هذه الصفة منسوخة، لماذا؟ قال: لأنه لا يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل، وهذا من أعب ما يكون؛ لأي: عجيب أن ننسخ النصوص بآراء المذاهب فهذا من أبعد ما يكون، فيقال: أين النص الذي يدل على أنه لا يجوز ائتمام المفترض بالمتنفل حتى نقول: إنه نسخ، ثم إن من شروط النسخ ألا يمكن الجمع فإذا أمكن الجمع لأن نحمل هذا على صلاة الخوف كما حملها فقهاء الحنابلة حملناه فلا ينسخ، ثم لابد من شرط آخر وهو العلم بالتاريخ. فالحاصل: أن هذه الصفة أحد وجوه صفات صلات الخوف وهي جائز أيضًا. الصفة الخامسة لصلاة الخوف: ٤٥٦ - وعن حذيفة ﵁: "أن النبي ﷺ صلى صلاة الخوف بهؤلاء ركعة، وبهؤلاء ركعة، ولم يقضوا". رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبان. ٤٥٧ - ومثله عند ابن خزيمة: عن ابن عباس ﵄. هذه أيضًا صفة خامسة، وهي أن يصلي الإمام ركعتين وكل طائفة ركعة فيقسم قسمين، ثم يصلي بالطائفة الأولى ركعة وتسلم الطائفة الأول، ثم تنصرف وجاه العدو، وتأتي الطائفة الثانية ثم تدخل معه في الركعة الثانية، وتسلم معه، فيكون للإمام ركعتان ولكل طائفة ركعة، وهذا كما تعلمون يعتبر تغيير كيفية وكمية بالنسبة للمأمومين، وقد اختلف فيها أهل العلم، فقال بعض أهل العلم: إنه لا مدخل للخوف في نقص العدد، وقالوا: إن هذه الرواية ضعيفة، ولا تقبل. وقال بعض العلماء: إن الرواية صحيحة، وأنه قد صح عن ابن عباس ﵄: "أن صلاة الخوف ركعة واحدة، وأن صلاة السفر ركعتان، وأن صلاة الحضر أربعة". فقالوا: إن هذه الصفة صحيحة، وإنها جائزة، وللضرورات أحكامها، والقاعدة التي أسس الإمام أحمد ﵀ مذهبه عليها في هذه المسألة أنها تجوز؛ لأنه قال: تصح بكل وجه صح عن النبي ﷺ وبناء على ذلك فإن هذا الوجه يكون صحيحًا خلافًا للمشهور من المذهب، وهو أن العدد لا ينقص من أجل الخوف، ولكن الصحيح: أنه ينقص وأنه يجوز، ولكن هذه الصفات الخمس التي ذكرها المؤلف هناك أيضًا صفات أخرى لم يذكرها بعض عدها إلى أكثر من ثمانية عشر وجهًا، ولكن القاعدة أن كلما ورد عن الرسول ﷺ فإنه يفعل، ثم هذا الفعل هل هو على

стр. 963

التخيير والتشهي أو على تقدير المصلحة؟ صوابه: أنه تخيير مصلحة، وأن الإمام يرى ما هو أصلح، وكلما أمكن اجتماع الجماعة واتحادهم فإنه أولى، ما الدليل؟ حديث جابر أنه لما كان العدو بينهم وبين القبلة لم يقسمهم الرسول ﷺ ، فهذا دليل على أنه كلما أمكن في الصفات هذه كلها أن يكون الناس جميعًا على الإمام فإنه أولى وهذا هو الأصل، ولكن في بعض الأحيان تأت ظروف ما يتمكن الجيش أو الإمام بالصلاة جماعة على الإمام فجعل الله في الأمر سعة وفروجًا. ثم إنه إذا قدر أن الأمر لا يمكن، يعني: ما يمكن الجماعة لشدة القتال والتحام العدو بالمسلمين فماذا يصنعون؟ قال بعض أهل العلم: يؤخرون الصلاة حتى يأمنوا ويصلونها صلاة أمن، واستدل هؤلاء بفعل النبي ﷺ في الخندق بأنه أخر. وقال آخرون: لا يجوز أن يؤخروا بل الواجب أن يصلوا في الوقت، ولكن على حسب حالهم إلى القبلة أو إلى غيرها بالإيماء أو بالركوع أو بالسجود حسب الحال؛ لقوله تعالى: ﴿فإن خفتم فرجالًا أو ركابًا﴾ (البقرة: ٢٣٩). ولكن ما هو الجواب عن فعل الرسول ﷺ في غزو الخندق؟ قال بعض أهل العلم: إنها لم تشرع بعد، وإنما شرعت بعد ذلك، فالرسول فعلها قبل أن تشرع صلاة الخوف. وقال آخرون: بل الجواب: انه إذا كان الناس في شدة عظيمة ما يتمكنون من مراقبة الصلاة لا بالقول، ولا بالفعل، ولا بالقلب: زاغت الأبصار وبلغت القوات الحناجر، ففي هذه الحال لهم أن يؤخروا لأنهم كيف يصلون؟ والذي يحس بذلك من هو في الموقف ففي هذه الحال يؤخر، وأما إذا كان الأمر في شدة لكن يتمكن من استحضار صلاته بقلبه ومما يقدر عليه من الإيماء فإنه يجب عليه أن يصليها في الوقت، وقد ذكر أنس بن مالك ﵁ أنهم كانوا في إحدى الحصون في تستر- بلد من بلاد الأهواز- كانوا منهضين ذلك الحصن، وكان اشتغال القتال عند طلوع الفجر، فلم يتمكنوا من الصلاة، وأخروها إلى أن تعالى النهار عند زوال الشمس، فصلوا وفتح الله لهم وكان معهم أبو موسى الأشعري ﵁، يقول أنس: ما أحب أن يكون لي بهذه الصلاة الدنيا وما فيها. فهذا يحمل على ما إذا كان الخوف شديدًا جدًا ما يتمكن الإنسان من أي قول. وذهب من أهل العلم من ذهب إلى أنه اشتد الخوف حتى إذا كان الإنسان ما يتمكن من الإيماء أنه يجزئ التكبير أو التسبيح أو التهليل، يقول: "سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر" ويجزئ هذا، قالوا: لأن الصلاة ذكر، فإذا تعذر فعلها على الوجه المعلوم

стр. 964

فكفى أن يطلق الذكر، حتى بعضهم قال: يكبر ولو تكبيره واحدة إذا لم يتمكن من "أي شيء" فإنه يكفي الذكر، وهذه الأشياء ربما نقول بهذا القول إذا كانت المعارك مستمرة؛ يعني: ما تهدأ مثلًا بين وقت وآخر بحيث لو أخروها لاجتمع عليهم فروض كثيرة، وشق عليهم قضاؤها، يمكن في هذه الحال أن نقول: إنه يجزئهم الذكر والتكبير، لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (التغابن: ١٦). هل الجمع بين الصلاتين جائز في القتال؟ نعم جائز، إذا كانت مشقة المطر تبيح لنا الجمع فكيف بمشقة القتال. ثم اختلف العلماء هل تفعل صلاة الخوف في الحضر أو هي خاصة بالسفر؟ فقال بعض أهل العلم: إنها لا تفعل إلا في السفر فقط لقوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرون كانوا لكم عدوًا مبينًا﴾ (النساء: ١٠١). ثم قال: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾ (النساء: ١٠٢). فذكر صلاة الخوف وهي معطوفة على قوله: ﴿وإذا ضربتم في الأرض﴾، يعني: وإذا ضربتم في الأرض وإذا منت فيهم فتكون صلاة الخوف مخصوصة بالسفر، ولكن الصواب: أنها تكون في السفر والحضر؛ لأن العلة ليست السفر، ولكن العلة الخوف، والله يقول: ﴿فإن خفتم فرجالًا أو ركبانًا﴾ (البقرة: ٢٣٩). فهذا مناط الحكم، وليس مناط الحكم السفر، بل مناط الحكم الخوف وعدم الإتيان بالصلاة على الوجه المعتاد، فإذا وجد ذلك القتال ولو كان على سور المدينة فإنه يجوز أن يصلوا صلاة الخوف؛ لأن العلة واحدة. ٤٥٨ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة الخوف ركعة على أي وجهٍ كان". رواه البراز بإسنادٍ ضعيفٍ. ومتنه منكر، هذا الحديث ليس بصحيح؛ لأنه مخالف لهدي النبي ﷺ ، ومخالف لقواعد الشريعة، فهل الرسول ﷺ يصلي صلاة الخوف ركعة على كال حال، على أي وجه كان؟ لا، إذن فهو شاذ من حيث العمل- عمل النبي ﷺ ثم هو شاذ من حيث قواعد الشريعة، ما الموجب بأن نجعلها ركعة على أي وجه كان؟ ليس هناك موجب، ثم سنده أيضًا ضعيف، فاجتمع فيه الشذوذ والنكارة مع مخالفة القواعد، والثالث ضعف الإسناد. ٤٥٩ - وعنه مرفوعًا: "ليس في صلاة الخوف سهو". أخرجه الدارقطني بإسنادٍ ضعيفٍ. وهذا أيضًا مثله "ليس في صلاة الخوف سهو" ليس معناه: أنه لا يسهو الإنسان فيها، بل قد

стр. 965

يسهو؛ لأنها قد تكون أقرب للسهو من صلاة الأمن، والمعنى: أنه لا يلزم سجود السهو، وهذا أيضًا ضعيف، والصواب: أنها كغيرها إذا وجد فيها سبب وجوب السجود وجب السجود. **** ١٤ - باب صلاة العيدين قوله: "باب صلاة العيدين" من باب إضافة الشيء إلى سببه ووقته أيضًا، يعني: الصلاة التي تصلى في العيدين بسببهما، و "العيدين" تثنية عيد، والعيد اسم لما يعود ويتكرر لمناسبة من المناسبات، فكل ما يعود ويتكرر لمناسبة من المناسبات فإنه يسمى عيدًا، والأعياد الشرعية ثلاثة فقط وهي: عيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد الجمعة، ليس هناك عيد سواها، وعلى هذا فما يدعي من الأعياد في مناسبات أخرى كما يسمونه العيد الوطني، وعيد انتصاب الرئيس وما أشبه ذلك، كلها أعياد محدثة لا تجوز في الإسلام؛ لأنه كما قال شيخ الإسلام ﵀: العيد من الأمور الشرعية التي تتلقى من الشرع، ولهذا لما قدم النبي ﷺ المدينة ووجدهم يلعبون في يومين اتخذوهما عيدًا قال" "إن الله أبدلكم بخير منهما عيد الفطر، وعيد الأضحى"، وهذا مما يدل على أن الرسول ﷺ لا يحب أن يبقى في الإسلام عيد الفطر، وعيد الأضحى. وعلى هذا نقول: الأعياد الشرعية ثلاثة، وهي: الأضحى، والفطر، ويوم الجمعة، وهذه أعياد عامة لجميع المسلمين، وهناك عيد خاص بأهل عرفة فإنه عيد لهم ولكنه للمناسبة الشرعية وهي الوقوف بعرفة. ٤٦٠ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس". رواه الترمذي. قوله ﷺ : "الفطر يوم يفطر" ويجوز: "الفطر يوم يفطر الناس" فإن قلنا: "الفطر يوم" صار الخبر محذوفًا، والتقدير: كائن يوم، وإن قلنا: "الفطر يوم" صارت يوم هي الخبر والظرف إذا قصد عينه لا وقوع الشيء فيه صح أن يقع عليه العمل مثل قوله تعالى: ﴿يوفون بالنذر ويخافون يومًا كان شره مستطيرًا﴾ (الإنسان: ٧). ﴿يخافون يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ (النور: ٣٧). فهنا يصح أن نجعل "يوم" هي الخبر؛ لأنه مقصود بعينه، ويصح أن ينصب، وهو عندي منصوب على أن الخبر محذوف؛ أي: الفطر كائن يوم يفطر الناس. "والأضحى يوم يضحي الناس" "الناس" هنا عام أريد به الخاص، وهم المؤمنون المتبعون للسنة، فخرج بذلك الكفار، فلا عبرة بموافقتهم أو مخالفتهم، وخرج بذلك أهل البدع، فلا

стр. 966

عبرة بموافقتهم ولا بمخالفتهم، يوجد من أهل البدع من لا يفطر مع المسلمين ولا يصوم مع المسلمين، وإنما يجعل له وقتًا خاصًا في عبادته هؤلاء لا عبرة بهم، ولكن الكلام على المؤمن المتبع، فالفطر يوم يفطر والأضحى يوم يضحي. وقوله ﷺ : "الفطر يوم يفطر الناس" هل المراد: أن الفطر حكمًا عند الله يوم يفطر الناس ولو أخطأوا، والأضحى يوم يضحي الناس ولو أخطأوا، أو المعنى: الفطر لازم للإنسان إذا أفطر الناس، والأضحى لازم له إذا ضحى الناس؟ والفرق بينهما واضح على المعنى الأول يقول: "الفطر يوم يفطر الناس" أي: أن الناس إذا أفطروا فهو الفطر عند الله، ولو أخطأوا لو تبين أنهم يخطئون في فطرهم وأن شوال لم يدخل ما يضرهم، فالفطر يوم يفطرون والأضحى يوم يضحون، حتى لو تبين أن عيد الأضحى كان متقدمًا أو متأخرًا فإنه لا يضرهم، ولا يضرهم الوقوف بعرفة إذا كانوا حجاجًا، فيكون هذا الحديث منصبًا على ما إذا أخطأ الناس في تعيين يوم الفطر أو الأضحى فإن ذلك لا يضرهم. أما الوجه الثاني في تفسير الحديث: فالمعنى: أن الناس إذا أفطروا لزم كل واحد أن يفطر، وإذا ضحوا لزم كل واحد أن يضحي ولو كان على خلاف ما يراه هو، وكلا المعنيين صحيح؛ ولهذا قال العلماء في المسألة الأولى: لو أخطأ الناس فوقفوا في اليوم الثامن أو في اليوم العاشر فإن حجهم صحيح؛ لأن "الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس"، وكذلك لو أخطأوا في مسألة الفطر فأفطروا وتبين أنه لم يدخل شوال فإنه لا يضرهم إذا أفطروا ذلك اليوم، وهل يلزمهم القضاء؟ يحتمل أنه يلزمهم القضاء؛ لأنه تبين أنهم أفطروا يومًا من رمضان، ويحتمل ألا يلزمهم لعموم قوله: "الفطر يوم يفطر الناس". أما المعنى الثاني في هذه المسألة: فإنه إذا أفطر الناس لزم الإنسان الفطر وإن لم ير الهلال، وإذا صام الناس لزم الإنسان الصوم وإن لم ير الهلال، وإذا لم يفطروا الناس لم يفطر ولو رأى الهلال، وإذا لم يصم الناس لم يصم ولو رأى الهلال، مثال ذلك: رجل رأى هلال رمضان وجاء عند القاضي يشهد، ولكن القاضي لم يعتبر شهادته فإنه لا يصوم؛ لأن الناس لم يصوموا، أو رأى هلال شوال بعينه وليس عنده فيه إشكال وجاء إلى القاضي، ولكن لم تقبل شهادته فإنه يلزمه أن يصوم؛ لأن الفطر يوم يفطر الناس هذا ما دل عليه الحديث. وهذا الحديث هذا اختلف العلماء في صحته مرفوعًا؛ فمنهم من قال: إنه موقوف على عائشة لكن له شاهد من حديث أبي هريرة. والمشهور من مذهب الحنابلة في هذه المسألة:

стр. 967

أما الوجه الأول فيقولون به، وأن الناس لو أخطأوا في الوقوف فوقفوا في الثامن أو في العاشر فإن حجهم صحيح، أما في المسألة اليوم والفطر فيفرقون بين الصوم والفطر يقولون: إذا رأى هلال رمضان وجب عليه الصوم، وعللوا ذلك بأن رمضان يثبت بشهادة الواحد، وكون القاضي لا يعمل بشهادة هذا الرجل لا يقدح في حقيقة الواقع، فنقول لهذا الرجل: صم، ولكن ينبغي أن يكون صومك سرًا لئلا تخالف الجماعة، وأما إذا رأى هلال شوال بعينه ولكن القاضي لا يعتد بشهادته؛ لأنه واحد أو لجهالته بحاله، أو ما أشبه ذلك قالوا: بأنه لا يفطر إلا مع الناس؛ لأن شهر شوال لا يثبت إلا بشاهدين، وهذا محله ما لم يكن في محل وحده في مكان منفرد عن الناس فإنه إذا كان منفردًا فالعبرة برؤيته هو؛ لأنه في هذه الحال لا يخالف الجماعة فهو جماعة نفسه، ولاسيما فيما سبق من الأزمان، حيث إن العلوم لا تصل إلى كل إنسان في كل مكان، إنما جاء المؤلف ﵀ بهذا الحديث في هذا الباب- وإن كان محله في باب الصوم أليق- لقوله: "الفطر يوم يفطر الناس" والفطر عيد وهو عيد الفطر، والأضحى يوم يضحي الناس وهو عيد الأضحى، والصلاة تكون في هذين اليومين، هذا هو وجه المناسبة لذكر هذا الحديث في هذا الباب؛ لأن الصلاة لا تشرع إلا إذا ثبت أن هذا اليوم يوم عيد، وإلا فلا تشرع. حكم صلاة العيد في اليوم الثاني إذا ترك لعذر: ٤٦١ - وعن أبي عمير بن أنس، عن عمومةٍ له من الصحابة، "أن ركبًا جاءوا، فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم النبي ﷺ أن يفطروا، وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم". رواه أحمد، وأبو داود، وهذا لفظه وإسناده صحيح. "عمومة" جمع عم، وهم من الصحابة لكن مجهولون، يقول العلماء: إن جهالة الصحابة لا تضر؛ وذلك لأن الأصل فيهم العدالة، وعلى هذا فالجهل هنا لا يضر. وقوله: "أن ركبًا جاءوا فشهدوا" الركب: اسم جمع لراكب، مثل: رهط اسم جمع لجماعة من الناس، وليس له مفرد من لفظه، "جاءوا فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس"، وهؤلاء الركب أيضًا مجهولون ولكن لا تضر جهالة الصحابة، شهدوا عند النبي ﷺ أنهم رأوا الهلال بالأمس- يعني: البارحة-، وهذا كان بالنهار، وقد غم الهلال على أهل المدينة ما علموا به، "فأمرهم"، قوله: "أمرهم" ظاهر سياق المؤلف للحديث أن النبي ﷺ أمر هؤلاء الركب، ولكن لفظ

стр. 968

الحديث: "فأمر الناس"، يعني: أهل المدينة أن يفطروا، لماذا؟ لأنه ثبت أن اليوم من شوال، وإذا كان من شوال فإنه لا يجوز صومه، "وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم" يعني: يذهبوا في الغداة من أول النهار إلى مصلى العيد، وهو كان خارج المدينة. فف هذا الحديث عدة فوائد: أولًا: نأخذ فوائد الحديث الأول: أولًا: سهولة الشريعة الإسلامية وأن الأمر إذا جاء على خلاف ما فعل الناس فإنه يعفي عنهم. ثانيًا: الحرص على اجتماع المسلمين والتئامهم وعدم تفرقهم في دينهم، ولهذا قال: "الفطر يوم يفطر الناس". الفائدة الثالثة: هذا الحديث ليس على عمومه في قولها: "الفطر يوم يفطر الناس"؛ وذلك لأن المراد به المسلمون المتبعون للسنة. وأيضًا فيه تخصص آخر: "الفطر يوم يفطر الناس" فيما إذا اتفقت مطالع الهلال، وأما إذا اختلفت فالصحيح أنه لا تلزم أحكام الهلال لمن لم يوافق من رآه في المطالع، والدليل على ذلك أن الرسول- ﵊ قال: "إذا رأيتموه فصوموا". ومن خالفهم في المطالع لم يكونوا قد رأوه ولا في حم من رأوه، وسبق لنا أن هذه المسألة فيها عدة أقوال، وأن الراجح أنها تختلف باختلاف المطالع. ومن فوائد الحديث أيضًا: أن الإنسان يجب أن يكون تابعًا للجماعة لقوله: "الأضحى يوم يضحي الناس، والفطر يوم يفطر الناس". فوائد الحديث الثاني حديث أنس: يستفاد منه: أولًا: أنه إذا غم الهلال وجب تكميل الشهر، ولا فرق بين آخر الشهر وأول الشهر يعني: لو غم هلال رمضان هل نصوم أم لا؟ الصحيح أننا لا نصوم، وإن كان بعض أهل العلم يقولون بوجوب الصوم احتياطًا، ولكن الصواب خلاف ذلك. ومن فوائد الحديث: أن صلاة العيد إذا لم يعلم بالعيد إلا بعد وقت الصلاة فإنها تؤخر إلى الغد، فإن علم بها في وقت الصلاة تصلي؛ لأنه لا داعي للتأخير، وأما قول بعض العلماء على هذا الحديث: إن ظاهره أنها تؤخر إلى الغد مطلقًا فلا وجه له، نقول: هذا الظاهر مرفوع؛ لأنهم إذا علموا في الغداة فلا وجه للتأخير؛ لأنهم سيصلونها في اليوم الثاني في مثل هذا الوقت؛ ولهذا قال الفقهاء: إذا لم يعد بالعيد إلا بعد الزوال فإنهم يصلون من الغد.

стр. 969

ومن فوائد هذا الحديث: أن هذه الصلاة التي أخرت إلى الغد تكون أداء أو قضاء؟ تكون أداء؛ لأن عليها أمر النبي ﷺ ، وكل شيء عليه أمر الله ورسوله فإنه أداء أو في حكم الأداء، وعلى هذا فنقول: الصحيح أنها تصلى في اليوم الثاني أداء؛ لأنها بأمر النبي ﷺ ، ولو كانت من باب القضاء لكانت تفعل إذا زال العذر وهو الجهل على حد قوله ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصليها إذا ذكرها". على أن القول الراجح في مسألة النوم والنسيان أن فعل الصلاة بعد زوال النوم والنسيان يعتبر أداء كما سبق. أقسام قضاء الفوائت: يستفاد منه أيضًا: أن أقسام قضاء الفوائت- سواء سميناها قضاء أو أداء- تختلف، فمنها ما يؤدى على صفته حين زوال العذر، مثل: الصلوات الخمس فإنها تؤدي على صفتها حين يزول العذر لا ينتظر إلى وقتها، وأما فعل بعض العوام الذين يكونون عليهم فوائت فيقضون كل صلاة مع نظيرها فهذا لا أصل له، وذلك كأن يكون عليه من الصلوات ما مقداره خمسة أيام يصلي الظهر مع الظهر، والعصر مع العصر فتكون مدة القضاء كم يومًا؟ خمسة أيام، ولكن هذا ليس بصحيح، فالنبي ﷺ في غزو الخندق قضى خمس صلوات فاتته في هذا اليوم في وقت واحد ولم يؤخرها إلى الغد، فهذا الوهم الذي توهمه بعض العامة لا أصل له. الثاني: ما يقضي بدله على غير صفته، وهي الجمعة فإذا فاتت لا تقضى جمعة، وإنما تقضى ظهرًا، وكذلك الوتر على القول بأنه يشفع فإنه يقضى ولا يكون على صفة أدائه. الثالث: ما يقضى في نظير وقته، وهي صلاة العيد. والرابع: ما لا يقضى، وهي الصلوات ذوات الأسباب، كصلاة الكسوف مثلًا، فالإنسان لو لم يعلم بالكسوف إلا بعد انتهائه فهل يقضيها؟ لا يقضيها، فصارت الصلوات باعتبار القضاء على هذا النحو السابق أربعة أقسام. وفي الحديث أيضًا من الفوائد: وجوب صلاة العيد لقوله: "فأمرهم"، والأصل في الأمر الوجوب، وقد ثبت أن النبي ﷺ أمر أن يخرج العوائق وذوات الخدور مع أنه في غير صلاة العيد المشروع في حق المرأة ألا تحضر المساجد لكن في العيد أمرت أن تخرج، وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم: فمنهم من يقول: إنها سنة وليست بفريضة لا كفاية ولا عينًا، ودليل هؤلاء حديث الأعرابي أنه سأل النبي ﷺ قال: هل علي غيرها؟ قال: "لا، أن تطوع". قالوا: فلما لم يبين الرسول ﷺ دل ذلك على أنه لا يجب غير الصلوات الخمس.

стр. 970

وقال آخرون: بل هي فرض كفاية؛ لأنها من شعائر الدين الظاهرة، وما كان هذا سببه فإنه يكون فرض كفاية مثل الأذان فهو من الشعائر الظاهرة فكان فرض كفاية، فتكون هذه فرض كفاية؛ لأن المقصود أن يذهب الناس في ذلك اليوم إلى المصلى يصلون فيظهروا هذه الشعيرة. وقال بعض أهل العلم- ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية-: إنها فرض عين، وأنه يجب على الإنسان أن يصليها؛ لأن النبي ﷺ أمر بها حتى الحيض، وذوات الخدور، والعوائق، وهذا يدل على أنها واجبة، لو لم تكن واجبة ما أمر بها الناس كلهم، وهذا القول أقرب إلى الصلوات. ويجاب عن حديث الأعرابي: بأن الرسول ﷺ إنما أعلمه بالصلوات المتكررة اليومية، فليس هناك شيء- غيرها- واجب؛ ولهذا يصح أن نستدل بحديث الأعرابي على عدم وجوب صلاة الوتر؛ حيث إنها يومية، وأما أن نقول: لا تجب صلاة الكسوف لحديث الأعرابي ولا تجب صلاة العيد لحديث الأعرابي، فهذا ليس بصحيح؛ ولهذا لو نذر الإنسان أن يصلي لزمه الوفاء بالنذر مع انه ليس من الصلوات الخمس، لكنه له سبب مستقل وصار به واجبًا، لقول النبي ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه". فالصواب: أن صلاة العيد واجبة؛ ولهذا لم يسقطها الرسول ﷺ حتى في هذه الحال التي لم يعلموا بها إلى أن فات أو النهار. وفي الحديث من الفوائد: استحباب صلاة العيدين في المصلى لقوله: "أن يغدوا إلى مصلاهم" فالأفضل أن تكون خارج البلد في الصحراء، ولا فرق بين المدينة وغيرها من البلدان، أما المسجد الحرام فإن صلاة العيد فيه، وعللوا ذلك بأن مكة أودية، وشعاب، وجبال وليس فيها مكان صالح للصلاة؛ لأنهم يصلون جوار الكعبة؛ لأنهم لو تفرقوا في هذه الأودية والشعاب صار في ذلك مشقة، وبه نعرف أن المدينة الأفضل أن تقام صلاة العيد فيها في الصحراء في الخارج لا في المسجد. ومن فوائد الحديث: أن الأفضل في صلاة العيدين التكبير لقوله: "أن يغدوا" يعني: يذهبوا غدوة، ولكن لا ينافي هذا أنه يسن التأخير في صلاة الفطر؛ لأن المراد تأخير لا يخرجها عن كونها في الغداة. وفيه أيضًا من الفوائد: أنه لا ينبغي تعنيت الشاهد وإحراجه بان يقال: كيف رأيت الهلال؟ هل هو دقيق أو غير دقيق؟ أين اتجاهه؟ إلى الجنوب أو إلى الشرق؟ ما يعنت إذا شهد يقبل، اللهم إلا إذا كان متهمًا إما بالكذب وإما بقلة الضبط، بحيث ما ضبط الهلال مثلًا، فهذا ربما نقول للقاضي أن يتحرى وأن يسأله كيف رأيت الهلال؟ وأما أن كل شاهد نحضره ونقول كيف رأيته؟ فربما يمتنع ويدع الشهادة، فهذا الحديث يدل على أنه لا يعنت الشاهد، ولا أن يوصف

стр. 971

الهلال، ولكن إن حصل من القاضي شك في شهادته فلا حرج عليه أن يتحرى، وذلك في كل الشهادات. من السنة أكل تمرات قبل الخروج لعيد الفطر: ٤٦٢ - وعن أنس ﵁: "كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمراتٍ وتراتٍ". أخرجه البخاري. - وفي روايةٍ معلقةٍ ووصلها أحمد: "ويأكلهن أفرادًا". هذا الحديث يقول: "لا يغدو يوم الفطر" ما معنى الغدو؟ الخروج في الغدوة التي هي أول النهار، وقوله: "يوم الفطر" يعني: من رمضان وهو يوم العيد، "حتى يأكل تمرات" وهي جمع، وأقل الجمع ثلاثة، لاسيما وأنه هنا أكد بقوله: "يأكلهن أفرادًا". وقوله: "كان لا يغدو حتى يأكل" تقدم لنا أن "كان" تقيد الاستمرار غالبًا، وقوله: "في رواية معلقة"، المعلقة معناها: التي حذف أول إسنادها، وقد ذكر أعل العلم أن البخاري إذا ذكر التعليق جازمًا به دل ذلك على صحته عنده، لكن البخاري ﵀ أحيانًا يصل سياقًا بسياق سابق، ويقول: قال فلان، فيظنه من يراه أنه معلق ولكنه يكون بالإسناد السابق، وهذا لابد من العلم به، يعني: حمل المعلق الذي أتى به بعد السياق الأول لابد أن يكون هناك قرينة تدل على أنه علقة بالإسناد الأول، وإلا فالأصل أنه معلق مطلقًا كما في هذه الرواية التي أشار إليها المؤلف هنا. وقوله: "معلقة ووصلها أحمد" يعني: في المسند، قال: "ويأكلهن أفرادًا"، لكن لفظ البخاري: "ويأكلهن وترًا"، وفرق بين يأكلهن وترًا، ويأكلهن أفرادًا؛ لأن أفرادًا يعني: ضد الجمع لا يكون اثنين جمعًا أو ثلاثة جمعًا، ولكن وترًا ضد الشفع، يعني: معناه يكون آخرها وترًا ثلاثًا، أو خمسًا أو سبعًا، أو تسعًا .. إلخ، على كل حال: لاحظ أن تأكلها وترًا كما فعل الرسول ﷺ . ٤٦٣ - وعن ابن بريدة، عن أبيه ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعن، ولا يطعن يوم الأضحى حتى يصلي". رواه أحمد، والترمذي، وصححه ابن حبان. قوله: "كان لا يخرج" نقول فيها كما قلنا في الأول، وقوله: "حتى يطعن"، أي: يأكل طعامًا، وهذه مجملة من حيث النوع ومن حيث العدد هو جنس الطعام، لكن ما نوع الطعام الذي

стр. 972

يأكله أيأكل خبزًا أو شعيرًا، أو ماذا يأكل؟ بينه الرواية السابقة وهي تمرات، لكنها أيضًا مجملة من حيث العدد، وبينتها الرواية السابقة، لكن في الأضحى "لا يطعن يوم الأضحى حتى يصلي"، وفي رواية أخرى وإن كان فيها مقال: "ويأكل من أضحيته". وفي بعضها تعيين ذلك من الكبد. ففي هذين الحديثين تستفيد: أولًا: أن الرسول ﷺ كان في عيد الفطر يأكل قبل أن يصلي، فما هي الحكمة من كونه يأكل قبل أن يصلي؟ قال أهل العلم: الحكمة في ذلك المبادرة إلى تحقيق الفطر في هذا اليوم؛ لأن هذا اليوم يوم يجب فطره ويحرم صومه، فإذا أكل من أوله دل ذلك على المبادرة، بماذا؟ بتحقيق فطر ذلك اليوم مثل ما يسن للصائم أن يبادر بالفطر إذا غابت الشمس، فنقول: هنا للأكل لأجل المبادرة بذلك. ومن فوائد الأكل: أنه يعينه على أداء الصلاة، فإن الإنسان إذا قام من الليل في الغالب يكوم بطنه خاليًا فإذا أكل نشط، وقد يقول بعضكم: ومن فوائده: التأخر في صلاة العيد. وقد يقول آخر: لا ليس هذا من الفائدة؛ لأنه بإمكانه أن يتأخر بدون أكل، إذن فتلغي هذه الفائدة. ثم قوله: "تمرات"، لماذا خص التمر دون غيره من الخبز أو الطبيخ أو نحو ذلك؟ أولًا قد يقول قائل: لأن ذلك هو الذي يوجد غالبًا في بيته كما حدثت بذلك عائشة أنه يمضي الشهران والثلاثة ما يوقد في بيته نار صلوات الله وسلامه عليه، "قالوا: فما طعامكم؟ قالت: الأسودان التمر، والماء". وقد يقال: إن تخصيص التمر ليس على سبيل التعبد لكن على أنه الميسور، والرسول ﷺ كان لا يتكلف مفقودًا ولا يرد موجودًا، كان يمشي على الأحوال كما كان صابرًا على الضراء شاكرًا على السراء، وقد يقال: إن ذلك من باب التعبد بدليل أنه أمر الصائم أن يفطر على التمر فيكون في التمر خصوصية ليست في غيره، وهو كذلك هذا هو الأقرب، بمعنى: أنه اختار التمر لذلك، وقد نقول: إن العلة الأمران جميعها، وهو أنه هو الميسور غالبًا عنده ﷺ ، وأنه أفضل من غيره؛ لأن التمر جمع بين ثلاث صفات: غذاء، وفاكهة، وحلوى، والرسول ﷺ كان يحب الحلوى، ويعجبه ذلك؛ لأن الحلاوة خلق المؤمن، وأشبه شيء من بالمؤمن الأشجار هو النخلة التي هي صاحبة هذا التمر فيكون لذلك مزية، حتى إن بعضهم قال: إنه يؤثر في القلب في صلاح القلب، وقال الأطباء: إنه يؤثر في زيادة النظر، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "أنه من تصبح بسبع تمرات من العجوة"، وفي لفظ: "من تمر العالية لم يضره ذلك

стр. 973

اليوم سم ولا سحر". وهذه وقاية عظيمة، وعمم بعض أهل العلم ذلك إلى غير هذا التمر، وقال: إن النص على تمر العالية ليس لخصوصية فيه وأن المقصود التمر مطلقًا، ولهذا ينبغي للإنسان في كل يوم يفطر على سبع تمرات؛ لن فيها فائدة لمسها كثير من الناس، إذن نقول: الظاهر: أن تخصيص التمر راجع للأمرين ولا مانع. وقوله: "يأكلهن وترًا" لماذا خص الوتر؟ قالوا: لأن الله وتر يحب الوتر وتبركًا به. ثم أخبر ابن بريدة عن أبيه أن الرسول ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، وهذا الإجمال بينه أنس، وهو ﵁ من أخص الناس بالرسول ﷺ ؛ لأنه كان من خدمه، وأخبر أنه لا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي، والحكمة هي أن الإنسان مأمور بالأكل من تسكه في يوم الأضحى، أليس الله يقول: ﴿فكلوا منها﴾؛ أي: الأضحية، فإذا كان لدينا أكل متعد به مأمور به شرعًا فالأفضل أن يكون أول ما يلاقى معدتنا في هذا اليوم هو هذا الأكل المأمور به شرعًا ليكون تناوله تعبدًا؛ ولهذا كان الرسول ﷺ يؤخر الأكل حتى يأكل من أضحيته. وفيه أيضًا فائدة: وهي أن الإنسان إذا قيل له: إن الأفضل ألا تأكل يوم الأضحى إلا من أضحيت أول شيء بادر إلى ذبحها؛ لأن النفوس مجبولة على محلة الأكل وتناول ما تشتهيه، فيكون في ذلك مصلحة وهي المبادرة بذبح الأضحية، ولا شك أن المبادرة بالذبح أفضل، حتى كان الرسول ﷺ يذبح أضحيته في المصلى وليس في بيته ﷺ ، إذن كان تأخير الأكل يوم الأضحى له فائدة وتقديمه في عيد الفطر له فائدة أيضًا، وليس يوم الأضحى وإن كان يومًا يجب فطره لكنه ليس بعد يوم يجب صومه بخلاف عيد الفطر فإنه بعد يوم يجب صومه، ثم إن عيد الأضحى يسن فيه تقديم الصلاة، وعيد الفطر بالعكس يسن فيه تأخير الصلاة، فكون الإنسان ينتظر حتى يأكل ثم يخرج ربما يكون في ذلك تأخر، فلهذا كان الرسول ﷺ لا يأكل يوم عيد الأضحى حتى يرجع ويأكل من أضحيته. يستفاد من الحديث الأول: أنه يشرع للإنسان أن يأكل قبل الذهاب إلى صلاة عيد الفطر تمرات أقلها ثلاث وأكثرها ما تتحمله معدته، لكن ينبغي أن يكون ثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه، فإن لم يجد تمرًا فهل الأكل مقصودًا لذاته، أو نقول: إذا لم تجد تمرًا فلا تأكل؟ الصحيح: الأول، بمعنى: أن المعنى الأول الأكل مقصودًا لذاته، وربما نأخذه من حديث ابن بريدة، عن أبيه: "حتى يطعن" فإن هذا داخل فيه، ثم نقول: التمر حلوى، وغذاء، وفاكهة، فإذا لم

стр. 974

يجد التمر وجدنا غيره مما فيه الغذاء والطعم، وقد قال الله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (التغابن: ١٦). إذن إذا بم يجد التمر فليأكل ما سواه، ولكن هل يختار الحلو، أو نقول: ما شئت؟ قال بعض العلماء: يختار الحلو؛ لأنه أقرب إلى التمر وهذا صحيح، وحينئذ يغمس الخبر بالعسل ويأكله، ولكن كم قطعة من الخبو يجعل بدل التمر؟ ثلاث قطعات، أو خمسًا حسب ما يكون. ويستفاد من الحديث أيضًا: قطع هذا الأكل على وتر، وذلك من قوله: "يأكلهن وترًا"، ثم هل نقيس على ذلك ما سواه، ونقول: كل الأكل ينبغي أن تقطعه على وتر، أو نقول: لا نقيس؛ لن تخصيص الصحابي لتمر يوم العيد بالوترية يدل على أن النبي ﷺ كان لا يراعي ما سواه في ذلك: أيهما؟ الظاهر- والله أعلم- الثاني أن ما سواه نلاحظ قطعه على وتر إلا بدليل، ويبقى الكلام على ما كان معروفًا بين العامة عندنا من أنه إذا صب لك فنجان شاء، وقلت: بس، قال: أوتر، فهل يكون هذا الكلام صحيحًا، وله أصل في الشرع، أو نقول: الرسول ﷺ يتغدى ويتعشى دائمًا ولم ينقل عنه أنه كان يلاحظ ذلك، وكذلك الصحابة بين يديه يأكلون، لم يذكر عنه أنه يلاحظ اللقيمات التي يأخذها من الصحفة بحيث تكون سبعة أو سبع عشرة أو ما أشبه ذلك؟ الثاني هو الصحيح؛ لأنه لم ينقل، فلما لم ينقل ذلك مع كثرته وتكرره، ونص على بعض الأشياء صار الحكم مختصًا بتلك الأشياء، وهذا هو الأقرب عندي. ولكن يبقى أن يقول قائل: ألم يثبت عن الرسول ﷺ أنه قال: "إن الله وتر يحب الوتر"؟ بلى، إذن كيف لا يقول قائل: إنه ينبغي لنا أن نوتر في كل شيء؟ نقول: معنى الحديث: أن الله شرع لعباده عبادات كثيرة كلها تقطع على وتر لأنه يحب الوتر، ولا يلزم من ذلك أن يكون شرع لعباده أن يجعلوا حتى عاداتهم مقطوعة على الوتر، والدليل أن الرسول ﷺ كان لا يراعي هذا، ولو كان ذلك من الأمور المحببة إلى الله لكان أول الناس إثباتًا لها رسول الله ﷺ فيكون معنى: "أن الله وتر يحب الوتر" أي: فيما شرعه، ولذلك تجد المشروعات كلها مقطوعة على وتر في الليل والنهار والصيام وتر شهر واحد، الطواف وتر، والسعي وتر، والوقوف وتر، والمبيت في المزدلفة وتر، ويمنى وتر، والرمي وتر، فهذا هو الأقرب، والله أعلم. حكم خروج النساء لصلاة العيد: ٤٦٤ - وعن أم عطية ﵂ قالت: "أمرنا أن نخرج العواتق والحيض في العيدين يشهدن الخير ودعوة المسلمين، ويعتزل الحيض المصلي". متفق عليه. أم عطية ﵂ أنصارية، وكانت امرأة نشيطة ولها أعمال جليلة، من جملتها أنها كانت ممن

стр. 975

يغسل الموتى من النساء، فهي امرأة لها أعمال جليلة، تقول: "أمرنا أن نخرج" "أمرنا" هذا الفعل مبني للمجهول والآمر فيه هو الرسول ﷺ وإذا قال الصحابي: "أمرنا" فالآمر الرسول ﷺ ، وإذا قال الرسول ﷺ : "أمرنا" فالآمر هو الله مثل قوله: "أمرنا أن نسجد على سبعة أعظم". تقول: "أمرنا أن تخرج العواتق والحيض في العيدين" العواتق: هن الفتيات الأبكار البالغات، والمقاربات للبلوغ، وقيل: إن العواتق: هم النساء ذوات الأحساب اللاتي لا يخرجن للأسواق، ولا يبرزن، وقيل: إنهن الحرائر، ومنه: أعتقت الأمة، أي: حررتها، وعلى كل حال: فالمراد: أن النساء اللاتي لا عادة لهن بالخروج أمرن أن يخرجن. وقولها: "الحيض" جمع حائض، والحيض معروف، هو: الدم الطبيعي الذي يصيب المرأة في أيام معلومة إذا بلغت، "في العيدين": الأضحى، والفطر، "يشهدن الخير" الحاصل بالصلاة والذكر ودعوة المسلمين؛ لأنهم يدعون في ذلك المكان، والذي يباشر الدعوة وتكون دعوته عامة مجهورًا بها هو الإمام، فهو يدعو في الصلاة ويدعو في الخطبة، أو في الخطبة فقط؟ لا، في الخطبة والصلاة يقول: ﴿اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ (الفاتحة: ٦ - ٧). وهذا دعاء. وقولها: "ويعتزل الحيض المصلي"، قولها: "ويعتزل" هو بالرفع عندي، فتكون الواو هنا استئنافية، ويجوز أن تكون بالنصب، وتكون معطوفة على " أن نخرج" يعني: وأمرنا أن يعتزل الحيض المصلي، والحيض: جمع حائض، والمصلي: مكان الصلاة الذي يصلون به؛ وذلك لأن النبي ﷺ في العيدين ما كان يصلي في مسجده، بل كان يصلي خارج البلد. ففي هذا الحديث: "أمرنا أن نخرج العواتق" دليل على الأمر بالخروج إلى الصلاة لعموم الناس؛ لأنه أمر أن يخرج هؤلاء فمن سواهم ممن يعتاد الخروج من رجال ونساء من باب أولى. فيستفاد منه: وجوب صلاة العيد، واختلف أهل العلم فيها- بعد اتفاقهم على أنها سنة، وأنها من الشعائر الظاهرة-، على ثلاثة أقوال: منهم منى يقول: إنها سنة. ومنهم من يقول: إنها فرض عين. ومنهم من يقول: إنها فرض كفاية. أما الذين قالوا: بأنها سنة فحملوا الأوامر فيها على الاستحباب استنادًا إلى الحديث المشهور وهو: "أعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة". حديث معاذ

стр. 976

وحديث الرجل الذي أعلمه الرسول ﷺ بشرائع الإسلام، فقال: هي على غيرها؟ قال: "لا، وإلا أن تطوع". قالوا: هذا الحديث يدل على أنه لا يجب على المرء سوى خمس صلوات، ومنها صلاة العيد غير واجبة، والذين قالوا بأنها فرض كفاية قالوا: إن هذه أمر بها وهي من الشعائر الظاهرة، والشعائر الظاهر في الإسلام لابد أن تكون موجودة؛ لأنها مظهر من مظاهر الإسلام؛ وذلك وجب الأذان على المسلمين عمومًا، وصار فرض كفاية؛ لأنه من الشعائر الظاهرة، والدليل أن النبي ﷺ إذا نزل بقوم سمع أذانًا أمسك، وإن لم يسمع أغار عليهم، ودل هذا على أن الشعائر الظاهرة هي العلامة التي تميز بيد دار الكفر ودار الإسلام، وإذا كان كذلك فلابد أن يكون للإسلام في دار الإسلام طابع ظاهر يتبين به إن هذه دار إسلام، ويفرق فيه بينها وبين غيرها فتكون فرض كفاية، ويكون قوله: "هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع" يعني: من فروض الأعيان لا من فروض الكفايات. وقال بعض أعل العلم: إنها فرض عين كل واحد يجب أن يخرج، واستدل هؤلاء بأن النبي ﷺ أمر النساء أن تخرج، ولو كان فرض كفاية لاكتفى بمن يحضر من الرجال، وهذا الأخير اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وقال: إنه يجب على كل مسلم أن يخرج ويصلي العيد، فمن لم يفعل فهو آثم، وإن صلة غيره. والمسألة مترددة عندي بين فرض الكفاية وفرض العين، أما القول بأنها سنة فهو ضعيف جدًا، والاستدلال بحديث معاذ وبحديث الإعرابي استدلال به ضعيف أيضًا؛ لأنه يقال في الجواب عليه: إنما الصلوات الخمس الدائرة يوميًا لا جب سواها، والجمعة بدل عن الظهر فتكون داخلة فيه، وأما ما وجب بسبب فإنه خارج من ذلك الحصر، والدليل أن صلاة الكسوف ذهب كثير من أهل العلم إلى وجوبها، وأن تحية المسجد كذلك ذهب كثير أهل العلم إلى وجوبها، وأن الرجل لو نذر أن يصلي وجب عليه الوفاء بالنذر، وهي صلاة، وهذا متفق عليه، فدل هذا على أن المراد بالحديثين- حديث معاذ وحديث الأعرابي- الصلوات المتكررة اليومية لا يجب سوى الخمس نعم فيه دليل على عدم وجوب الوتر؛ لأن الوتر يتكرر كل يوم، ففي الحديث دليل على عدم وجوبه، وإما أن يبقى الأمر دائر بين فرض الكفاية وفرض العين، من قال بأنها فرض عين فإن قوله يتضمن القيام بفرض الكفاية وزيادة، وتحصل به إقامة هذه الشعيرة الظاهرة، ومن قال بأنها فرض كفاية يقول إذا حضر مع الإمام من يحصل بهم الواجب فإنه يسقط عن البقية، والمسألة عندي لم تتحرر تحررًا كبيرًا بالنسبة إلى أنها فرض كفاية أو فرض عين، لكن لا شك أن من أخل بها فهو على خطر.

стр. 977

ومن فوائد الحديث: أنه يجوز أن يوجه الأمر إلى ذوي الرأس والتدبير، ويكون أمرًا لغيره مثل: "أمرنا أن نخرج"؛ لأن هذه المرأة- كما قلت لكم- من ذوات الرأي والعمل الجاد، ومن أمثلة ذلك: قول النبي ﷺ لعمر بن الخطاب: "مره فليراجعها". فأمر النبي ﷺ عمر أم يأمر بمراجعتها، وقد يكون من ذلك قوله ﷺ : "مروا أبناءكم بالصلاة لسبع". ومن فوائد الحديث: أن مصلى العيد مسجد، ووجه ذلك: أنه أمر الحيض أن يعتزلن المصلى، وكونه يثبت له حكم من أحكام المساجد دليل على أنه من المساجد، وهو ما نص عليه فقهاء الحنابلة- ﵏، قال في المنتهي: ومصلى العيد مسجد لا مصلى الجنائز. ومن فوائد الحديث: أيضًا: أن اجتماع الناس على الخير وعلى الدعوة يكون فيه بركة ورجاء خير؛ لأن الحائض لا تشارك الناس في الصلاة، ولكن في الخير والدعوة. ومنها: جواز حضور الحائض الأماكن التي يجتمع فيها الناس؛ ولهذا تحضر عرفة، والمزدلفة، ومنى، والمسعى، لكن لا تطوف بالبيت؛ لأن البيت مسجد ولا يحل لها المقام فيه. ومن فوائد الحديث أيضًا: أن دعوة المسلمين مجتمعة أرجى للقبول وأحرى لقولها: "ودعوة المسلمين"، في بقية الحديث قالوا: يا رسول الله، إحدانا لا يكون لها جلباب، قال" لتلبسها أختها من جلبابها"، الجلباب مثل العباءة، فدل ذلك على أن المرأة لا تخرج كما تخرج الرجال، بل لابد لها من شيء تتجلبب به حتى تستر بذلك عورتها، وهذا أحد الأدلة على وجوب احتجاب المرأة، وأنه لا يمكن أن تكون بارزة كما يبرز الرجال. مشروعية الخطبة بعد صلاة العيد: ٤٦٥ - وعن ابن عمر ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ وأبو بكر، وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة". متفق عليه. وتقدم لنا "كان" تفيد الدوام والاستمرار غالبًا، يقول: "كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة"، بخلاف الجمعة فهي تصلى بعد الخطبة، وسيأتي الفرق بينهما. قوله: "كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر". إذا قال قائل: ما فائدة ذكر أبي بكر وعمر، والحجة في فعل الرسول ﷺ أليس كذلك؟

стр. 978

قلنا: بلى، الحجة في فعله، ولكنه يذكر فعل أبي بكر وعمر ليتبين أن الأمر لم ينسخ، وأنه بقي إلى ما بعد حياة الرسول ﷺ . ثانيًا: ليستدل به على من خالف هدي الخلفاء من الأمراء أو غيرهم، مثل ما سيأتينا في سبب ذكر هذا الحديث، وكذلك أيضًا مثل ما ذكروا عن عثمان ﵁ لمَّا كان في خلافته يقصر الصلاة في منى ثم أتمها، فكانوا يحتجون عليه بفعل الرسول ﵊ وأبي بكر وعمر. يقول: "كانوا يصلون العيدين قبل الخطبة"، والحكمة من ذلك أو الفرق بينها وبين الجمعة: أن الجمعة الخطبة فيها شرط على القول الراجح ولابد منها، والشرط يتقدم المشروط، وأما الخطبة في العيدين فإنها سنَّة لو لم يخطب صحت الصلاة، ولا يجب حضورها واستماعها؛ فلهذا ترك الناس أحرارًا من صلى العيد وأراد الانصراف فلينصرف، بخلاف الجمعة فإنه يجب حضور الخطبة واستماعها، ومعلوم أنه لو قدمت خطبة العيد لكان من لازم ذلك أن يلزم الناس بالحضور والاستماع هذا هو الحكمة. ومن ثمَّ - وهي مسألة ليست من هذا الباب، لكن استطرادًا - يتبين أنه إذا اجتمع كسوف وصلاة فريضة مع اتساع الوقت لهما فالمقدم الفريضة، أولًا: لأنها أهم، والثاني: لأجل أن يترك الأمر لمن صلى الفريضة إن شاء بقي للكسوف، وإن شاء لم يبق، خصوصًا إذا قلنا: إن الكسوف سُّنَّة، وليست بواجبة، ولأن الفريضة أحب إلى الله فينبغي أن تقدم على ما دونها، هذه المسألة استطرادية. يقول: "يصلون العيدين قبل الخطبة"، كلمة "الخطبة" مفرد، فهلي هذا من جنس الشامل للخطبتين أو أنها خطبة واحدة؟ أكثر الأحاديث على أنها خطبة واحدة، وأن الرسول ﵊ لم يخطب في العيد خطبتين، لكن روى ابن ماجه أنه كان يخطب خطبتين يفصل بينهما بجلوس؛ ألا أن الحديث ضعيف، وعلى هذا فيكون "قبل الخطبة"، "أل" هنا لبيان الحقيقة، معناه: أن الخطبة واحدة فقط. هذا الحديث حدث به الصحابة أولًا إحياءً للسُّنَّة وبيانًا لها، وثانيًا: لأن بعض الأمراء أو الخلفاء صاروا يقدمون الخطبة على الصلاة اجتهادًا منهم، وحرصًا منهم على تعلُّم الخير يستمعون إلى الخطبة فرأوا أن يقدموها، ولكن هذا الاستحسان استحسان باطل، ما الذي يبطله؟ النص، وهو نظير من قال: إن أمير المؤمنين عثمان ﵁ أتم في منى، لأنه صار يصلي خلفه الأعراب والجهال، فخاف أن يظن الناس أن الصلاة ركعتان فقط فأتم لذلك، نقول هذا بعيد أن

стр. 979

يلاحظه عثمان ﵁، لأن العلم في زمن عثمان انتشر أكثر من زمن الرسول ﷺ ، ولأن الرسول ﵊ أحرص منه على ألا يضل الناس في فقه الدين، ومع ذلك كان لا يقصر الصلاة. فإذن نقول: إن الذين قدموا ذلك مثل مروان بن الحكم قدموا الخطبة على الصلاة أخطأوا وإن كان قصدهم حسنًا، ولا شك أن في مخالفة السُّنَّة فيه إثمًا في هذه الشعيرة؛ لأنك إذا قدمتها والناس كلهم يصلون ليس كلهم علماء يظنون أن الشرع هكذا، فإذا كان هذا الظن سيقع صار إنكاره واجبًا؛ ولهذا أنكر أبو سعيد على مروان حينما قدم الخطبة على الصلاة وهو محل إنكار، لأن الذي يقدم الخطبة على الصلاة مثل الذي يقدم السجود على الركوع وإن كانوا سُّنَّة، لكن ما دام هذا ورد عن الشرع مرتبًا فإنه يعمل به مرتبًا وإن كان التنظير بالنسبة للركوع والسجود، وصلاة العيد وخطبتها ليس من كل وجه، لكن قصدي أن ما ورد مرتبا فإنه ينكر علي من خالف ترتيبه ولا محل للاستحسان مع وجود الشرع. إذن يستفاد من هذا الحديث: مشروعية الخطبة في العيد، وأنها بعد الصلاة. صلاة العيد ركعتان بلا نفل: ٤٦٦ - وعن ابن عبَّاس ﵄: "أنَّ النَّبيِّ ﷺ صلَّى يوم العيد ركعتين، لم يصلِّ قبلهما ولا بعدهما". أخرجه السَّبعة. معلوم هذا لم يصلِّ قبلهما، لأنه بادر بالصلاة، ولا بعدهما؛ لأنه اشتغل بالخطبة. فيستفاد من هذا الحديث: ألَّا يسن قبل صلاة العيد صلاة ولا بعدها صلاة؛ لأن المشهور أن يؤدي صلاة العيد ثم ينصرف بعد الخطبة، هذا واضح جدًّا من الحديث. ولكن هل هذا شامل للإمام والمأموم، أو خاص بالإمام فقط؟ قال بعض أهل العلم: إنه خاص بالإمام فقط، لأن الإمام ينتظر ولا ينتظر، وأما المأموم فيشرع له أن يتطوع حتى يأتي الإمام كما يشرع ذلك في صلاة الجمعة، فإن المأموم يتقدم ويصلي إلى أن يحضر الإمام، فكذلك في صلاة العيد؛ لأن المحكيَّ هو عدم صلاة الرسول ﷺ فقط، وليس فيه نهي والصلاة مرغَّب فيها، فإذا خرج وقت النهي فليقم المأموم وليتطوع ما شاء ولا حرج عليه في ذلك، لا نقول: إنها راتبة كصلاة الظهر مثلًا، ولكن نقول: إنها نفل جائز للمأموم بل إنه مستحب ولا تقول: إنه مستحب من أجل أنه مصلى عيد، لكن نقول: إنه مستحب، وهذا مذهب الشافعي، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يصلي بعدها في موضعها، وأن الإنسان لا

стр. 980

ينهى، فإذا فرغت الصلاة والخطبة فله أن يتنفل في مصلى العيد، ولا حرج عليه، وهذا القول كالذي قبله حيث يقول: إنه ما ورد النهي، والصلاة خير موضوع ومرغب فيها، فإذا لم يرد النهي فالأصل الإباحة، وأما كون الرسول ﷺ لم يصلِّ قبلها ولا بعدها فهو أيضًا في الجمعة لم يصلِّ قبلها ولا بعدها، ومع ذلك لا تكرهون للإنسان أن يتطوع في صلاة الجمعة قبل الإمام ولا بعد الصلاة. وقال بعض أهل العلم: إن تحية المسجد لا بد منها فيصليها، والأفضل أن يقتصر عليها، واستدل بفعل الصحابة ﵃ أنهم كانوا يصلون، قال: "لو كان هذا من الخير لكان الصحابة أسبق الناس إليه، ولكن تحية المسجد ثبتت بدليل آخر، فإذا جاء صلى تحية المسجد ثم جلس، ولأنه ربما إذا شرع في الصلاة يحضر الإمام، وحينئذٍ قد يبطل ما شرع فيه أو تفوته أول صلاة العيد، وهذا القول عندي أحسن الأقوال أنه إذا جاء لا يجلس حتى يصلي ركعتين. فإن قال قائل: كيف تقولون ذلك وهو مصلى وليس بمسجد؟ قلنا: هذا صحيح، أي: أنه مصلى، ولكن النبي ﵊ جعل له أحكام المسجد، الدليل أنه منع الحائض من دخوله، ولولا أنه مسجد أو في حكم المسجد ما منع النبي ﵊ الحيض أن يدخلنه، فهذا القول هو أعدل الأقوال، أما القول بأنّه يكره للإنسان حتى تحية المسجد وحتى لو كان بعد وقت النهي، فهذا قول لا وجه له، بل وهو ضعيف. ويستفاد من هذا الحديث: أن صلاة العيد ركعتان لقوله: "أن النبي ﷺ صلى يوم العيد ركعتين، لم يصلِّ قبلهما ولا بعدهما". ويستفاد منه: أن الفريضة تجزئ عن تحية المسجد إذا قلنا بأن صلاة العيدين فرض، بدليل أن الرسول ﵊ لم يصلِّ تحية المسجد، ومثل ذلك الراتبة فإنها تجزئ عن تحية المسجد مثل لو دخلت لصلاة الفجر، وصليت ركعتي الفجر ولم تصل تحية المسجد أجزأ عنك وهو كذلك. وقد أخذ العلماء من هذا قاعدة وهي: أنه إذا اجتمع عبادتان من جنس وليس إحداهما مفعولة على وجه القضاء ولا على وجه التبعية للأخرى اكتفي بإحداهما عن الأخرى، واستدلوا بهذا الحديث، فهنا اجتمع عبادتان من جنس وهما الصلاة والتحية، وإحداهما ليست مفعولة. على وجه القضاء، ولا على وجه التبعية للأخرى، لئلًا يقول قائل: إن الفريضة تجزئ عن الراتبة؛ لان الراتبة تبعة للفريضة، فلا يكتفى بها عنها، وعلى هذا فنقول: إذا دخل المسجد وصلى الراتتبة أو الفريضة فلا يكتفى بها عنها، وعلى هذا فنقول: إذا دخل المسجد وصلى الراتبة أو الفريضة

стр. 981

أجزأه ذلك عن تحية المسجد، فإن صلى الجنازة يجزئ أو لا؟ لا يجزئ يعني: لو دخل فوجدهم يصلون على الجنازة فصلى وهو يريد أن يبقى في المسجد فإنه لا يجلس حتى يصلي ركعتين، لأن صلاة الجنازة ليست من جنس صلاة الركعتين، ولو دخل في مكة يريد الطواف كفى الطواف أو لا يكفي، الدليل أن الرسول ﷺ لمَّا دخل المسجد الحرام في الحج ماذا فعل؟ أول ما بدأ به الطواف، والتعليل أن الطائف بعدما ينتهي الطواف سيصلي ركعتين خلف المقام، واعلم أن بعض أهل العلم أطلق أنه يسن لمن دخل المسجد أن يصلي ركعتين ألا المسجد الحرام، لأن تحيته الطواف، وهذا الإطلاق فيه نظر، فيقال المسجد الحرام إن دخلته للطواف فتحيته الطواف، وإن دخلته لغير الطواف كما لو دخلته لتصلي أو لاستماع العلم أو ما أشبه ذلك فإنه كغيره من المساجد تحيته ركعتان. صلاة العيد بلا أذان ولا إقامة ولا نفل: ٤٦٧ - وعنه ﵁: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلى العيد بلا أذانٍ ولا إقامةٍ". أخرجه أبو داود. وأصله في البخاريِّ. خرج وصلى بالناس بدون أذان ولا إقامة ولا شيء. فيستفاد من هذا الحديث: أنه لا يؤذن لصلاة العيد، ولا يقام لها، ولا يعني ذلك أنها ليست بواجبة، فإنه ليس من شرط الوجوب أن يشرع الأذان والإقامة، فقد تجب الصلاة بدون أذان ولا إقامة كالمنذورة مثلًا، وكركعتي الطواف عند من قال بوجوبهما. وقوله: "بلا أذان ولا إقامة"، ولم يذكر شيئًا سواهما، فهل يشرع لهما نداء الكسوف؟ الصحيح: لا؛ لأنه لو كان مشروعا لنقل، ولو ثقل لبقي، ولكنه لا يشرع، خلافًا لمن قال من أهل العلم: إنه يشرع أن ينادي لصلاة العيد: "الصلاة جامعة"، وهذا هو المشهور مذهب الحنابلة، لأنهم يرون أنه ينادى للعيدين فيقال: "الصلاة جامعة"، ولكن هذا القول ضعيف، لأنه لم يرد عن النبي ﵊ والأحاديث تنفي ذلك، فالصواب أنه لا ينادى لهما، نعم لو فرض أن ثبوت دخول الشهر جاء متأخرًا فلا حرج أن ينادى في الأسواق بنحو: "أخرجوا إلى المصلى"، وما أشبه ذلك، لأن هذا له سبب إذ إن الناس قد يظنون أنه لمَّا فات الوقت تترك الصلاة وما أشبه ذلك. * * *

стр. 982

٤٦٨ - وعن أبي سعيدٍ ﵁ قال: "كان النَّبي ﷺ لا يصلي قبل العيد شيئًا، فإذا رجع إلى منزله صلَّى ركعتين". رواه ابن ماجة بإسنادٍ حسنٍ. هذا الحديث إسناده حسن عبد المؤلف، وبعض أهل العلم ضعفه وقال: إنه لا يصح عن النبي ﷺ ، وهذا لا ينافي حديث ابن عباس السابق، ولكن كثيرًا من الحفاظ ضعفوا هذا الحديث، وعلى تقدير ثبوته فهل نقول إن هاتين الركعتين راتبة لصلاة العيد، أو نقول إنهما ركعتا الضحى؟ الظاهر هذا إن صح الحديث. صلاة العيد في المصلى: ٤٦٩ - وعنه ﵁ قال: "كان النَّبي ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلَّى، وأوَّل شيءٍ يبدأ به الصَّلاة، ثمَّ ينصرف فيقوم مقابل النَّاس والنَّاس على صفوفهم فيعظهم ويأمرهم". متَّفقٌ عليه. تقدم لنا أن "كان" تفيد الاستمرار غالبًا، وقوله: "المصلى" أي: مصلَّى العيد، وهو مكان معد لذلك، واعلم أن للنبي ﵊ ثلاثة مساجد: المسجد الذي تقام فيه الصلوات الخمس وهو المعروف الآن، والثاني: مصلى الجنائز، والثالث: مصلى العيد، وهي معروفة في المدينة، فمصلى الجنائز كان يصلي على الجنائز غالبًا فيه، وربما يصلي على الجنازة في المسجد كما صلى على ابني بيضاء في المسجد، وأمَّا مصلى العيد فهو خارج البلد، يخرج النبي ﵊ فيصلي فيه. قال: "وأول شيء يبدأ به الصلاة، "أول" خبر أو مبتدأ؟ مبتدأ، و"الصلاة" خبره، أول ما يبدأ به الصلاة، يعني: صلاة العيد، "ثم ينصرف من صلاته" يعني: ينتهي منها، "ثم يقوم مقابل الناس"، يقف ﵊ مقابل الناس وظهره إلى القبلة والناس على صفوف لا يقوم إليه أحد ولا يجتمع إليه أحد، وذلك لئلًا يحصل ضجة أو تشويش أو زحام، يبقى الناس على أماكنهم ما يقربون إليه، ولكن الله يجعل في صوته بركة فيسمعونه جميعًا، "فيعظهم"، ما هي الموعظة؟ قالوا: إنها الإعلام المقرون بترغيب أو ترهيب حسب ما يقتضيه المقام، وقوله: "ويأمرهم"، يعني: يأمرهم بما يقتضي أن يأمر به، فمثلًا في الأضحى يأمرهم بالأضاحي وكيف يضحون، مثل قوله ﵊: "من لم يذبح فليذبح باسم الله". وكذلك إذا كان هنالك بعث - يريد أن يبعثه - من السرايا يأمر به ﵊.

стр. 983

يستفاد من هذا الحديث فوائد: أولًا: مشروعية الخروج في صلاة العيد إلى المصلى خارج البلد، والدليل عليه قوله: "كان يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى". ثانيًا: أن المدينة كغيرها من المدن يصلى فيها العيد خارج المسجد خلافًا لعمل الناس اليوم، فهم يصلون العيدين في المدينة في المسجد، ولكن السُّنَّة بلا شك أن يكون ذلك خارج المسجد. ومن فوائد الحديث: أن الصلاة لا يسبقها شيء في هذا المكان لقوله: "أول ما يبدأ به الصلاة". ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للخطيب أن يكون وجهه نحو الناس لقوله: "ثم ينصرف فيكون وجهه مقابل الناس"، حتى ولو كانت القبلة خلفه، وبهذا نعرف أن استقبال القبلة له أحكام، فهو تارة يكون واجبًا، وتارة يكون مكروهًا وهو خلاف الأولى، وتارة يكون محرمًا، وتارة يكون مستحبًا، فله أربع حالات، يكون واجبًا في الصلاة، ويكون حرامًا حال قضاء الحاجة، سواء كان الإنسان في الفضاء أو في البنيان فإنه يحرم على الإنسان أن يستقبل القبلة ببول أو غائط حال قضاء الحاجة، حتى لو كان في البنيان، ويكون مستحبًّا عند الدعاء، حتى قال صاحب "الفروع": يتوجه أن يكون استقبال القبلة مشروعا في كل عبادة إلا بدليل. ثم ذكر الفقهاء ﵏ أنه يشرع للمتوضئ أن يستقبل القبلة حال الوضوء، قال في "الفروع": "هو متوجه في كل عبادة ألا بدليل، وصاحب "الفروع" هو محمد بن مفلح أحد تلاميذ شيخ الإسلام الكبار، وقد كان من أعلم الناس باختيارات شيخ الإسلام، حتى كان ابن القيم - مع كونه من خواص الشيخ - يراجعه أحيانًا ليتبين له اختيارات شيخه ﵏ جميعا - وكتاب والفروع؟ تكلمنا عنه كثيرًا، وقلنا: إنه يسمى عند الناسي مكنسة الملهب، يعني: أنه حاوٍ لجميع ما في مذهب الإمام أحمد من الأقوال والروايات والأوجه والتخريجات، بل إنه ﵀ حاوٍ لمذهب الإمام أحمد ولغيره من المذاهب فيشير إليها، ثم إن فيه التوجيهات الدقيقة التي تدل على أن الرجل عنده فقه كبير، وفيه مباحث لا تكاد تجدها في غيره من الكتب كبحثه في أول صلاة التطوع، وبيان تفاضل الأعمال، وكبحثه أيضًا في أول الحج في بر الوالدين، وهل يجوز معصيتهما أو لا يجوز؟ فهو يأتي ببحوث لا تكاد تجدها في غيره. يقول - أي: ابن مفلح -: يتوجه أن يجب استقبال القبلة في كل طاعة ألا بدليل، ومتى يكون استدبارها أولى من استقبالها؟ حال الخطبة، وإذا انصرف الإمام من الصلاة بعدما يقول: "أستغفر الله ثلاثًا"، "اللهم إنك أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام"، فإن الأفضل أن يستقبل الناس. ويستفاد من هذا الحديث: أنه لا يشرع المنبر في صلاة العيد، من أين يؤخذ؟ لأنه قال: "ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس"، ولو كان ثمة منبر لقال: ثم يصعد المنبر فيقابل الناس.

стр. 984

التكبير في صلاة العيد: ٤٧٠ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه ﵁ قال: قال نبيُّ الله ﷺ : "التَّكبير في الفطر سبعٌ في الأولى وخمسٌ في الأخرى، والقراءة بعدهما كلتيهما". أخرجه أبو داود. - ونقل التَّرمذيُّ عن البخاريِّ تصجيحه. قوله: "عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده". من أبوه؟ أبوه: شعيب، ومن أبو شعيب؟ محمد، ومن أبو محمد؟ عبد الله بن عمرو بن العاص، الرابع هنا صحابي عبد الله بن عمرو هذه الترجمة ينبغي أن نتكلم عليها لأنها كثيرًا ما ترد والعلماء مختلفون فيها، عمرو بن شعيب، عن أبيه، أبي من: عن أبيه شعيب، أو عن أبي عمرو؟ الثاني: عن أبي عمرو؛ لأن الضمير يعود على الموضوع الذي يتحدث عنه، عن جده محل الخلاف، الأول ليس فيه خلاف عن أبيه المراد به: شعيب لكن عن جده جد من: جد عمرو، أو جد شعيب؟ قال بعض أهل العلم: إنه يحتمل أن يكون الضمير عائدًا على عمرو، فيكون المراد بجدِّه محمد، فإذا روى محمد، عن رسول الله ﷺ كان الحديث مرسلًا، لأن محمدًا من التابعين ليس صحابيًّا، وإذا كان منتهى السند التابعي وهو مرفوع فإنه يكون مرسلًا من أقسام الضعيف، وقال بعضهم: عن جده - أي: جدا شعيب -، عن أبيه، عن جده - أي: جد أبيه - وهو عبد الله، قال: "إذا كان هو جد أبيه فإنه منقطع، لأن شعيبًا لم يدرك عبد الله، وإذا كان لم يدركه صار فيه انقطاع. الحاصل: أن السند على كلًا التقديرين منقطع، وإذا كان السند منقطعًا لم يكن الحديث صحيحًا وذلك لجهالة الواسطة، ومن شرط كون الحديث صحيحًا أن يكون متصل السند، ولكن المحققين من أهل العلم كالذهبي وغيره يقولون: إن شعيبًا قد أدرك جده عبد الله بن عمرو فروايته عنه إذن متصلة، حتى إن بعضهم قال: إن محمدا مات قبل شعيب، وكفل عبد الله شعيبا، فيكون الحديث حينئذٍ متصلًا، ولا إشكال فيه، والقول بأن سنده متصل هو الصحيح، وأن شعيبًا روى عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص. قال البخاري ﵀: أدركت الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه، وابن معين، وعامة أصحابنا كلهم يحتجون بحديث عمرو بن شعيبة عن أبيه، عن جده يقول: فمن من الناس بعد هؤلاء؟ حتى قال إسحاق بن راهويه: إنه إذا كان ما دون عمرو ثقات فإن حديثه كحديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر؛ ولهذا ذكر النووي أن الذي عليه المحققون من أهل العلم الاحتجاج برواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وقد ذكر ذلك ابن القيم في زاد المعاد في سياق الكلام

стр. 985

على الحضانة في قول الرسول ﵊: "أنت أحق به ما لم تنكحي". فالصحيح: أنه إذا سلم ما دون عمرو من الرواة، فإن رواية عمرو، عن أبيه، عن جده صحيحة، وهذا الخلاف ما لم يدل الدليل على أن المراد بالجد عبد الله، فإن دل الدليل على أن المراد بالجد عبد الله فلا إشكال، بماذا يكون الدليل؟ مثل أن يقول: عن جسده عبد الله، فإذا قال ذلك زال الإشكال، وكذلك مثل أن يقول: عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ ، أو رأيت، فإذا قال: سمعت، أو رأيت زال الإشكال، صار المراد به عبد الله. نرجع للحديث: عن عبد الله بن عمرو ﵃، حسب المعروف أن يقال: ﵁ لأن الأخير منهم هو الصحابي فقط، وكأنه إن صحت النسخة به، يراد بذلك التغليب قال: قال النبي ﷺ : "التكبير في الفطر سبع في الأولى، وخمس في الأخرى، والقراءة بعدهما كلتيهما". قوله: "التكبير في الفطر سبع"، المراد بالفطر أي: صلاة الفطر، و"الأضحى" مثله، "سبع في الأولى" واختلف العلماء: هل منها تكبيرة الإحرام أو أنها خارجة؟ فمن العلماء من يقول: إن تكبيرة الإحرام منها، وعلى هذا فتكون التكبيرات الزوائد ستًا، ومنهم من قال: إن تكبيرة الإحرام ليست منها، وعلى هذا فتكون التكبيرات الزوائد سبعا، والثامنة تكبيرة الإحرام. وقوله: "وخمس في الأخرى"، هذه لا شك أن تكبيرة القيام ليست منها؛ لأن تكبيرة القيام لا تكون في حال القيام تكون في حال النهوض من السجود، وعلى هذا فهي غير محسوبة على الاحتمال الأول تكون التكبيرات الزوائد ستًا في الأولى، وخمسنا في الثانية، والجميع إحدى عشرة تكبيرة، وعلى الاحتمال الأخير تكون الزوائد سبعًا في الأولى، وخمسًا في الثانية فيكون المجموع اثنتي عشرة. وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم بناء على صحة هذا الحديث، فمنهم من قال: إن هذا الحديث ليس بصحيح، الإمام أحمد يقول: لا يثبت من هذا شيء مرفوع عن النبي ﵊، وإنما هي آثار، وقال بعض أهل العلم: إن الحديث حسن، وأما ما قاله المؤلف ونقل الترمذي عن البخاري تصحيحه، فقد ناقشه الشارح وقال: إنه لم يجد في سنن الترمذي عن البخاري أنه صححه، وإنما تقل البيهقي عن الترمذي أن البخاري صحح حديث كثير بن عبد الله، ومن ثم اختلف العلماء في تكبيرات العيدين قال الإمام أحمد: وقد روي في ذلك ألوان
следующие страницы →