ومما يذكر من كراماته: أنه كان مع أصحابه في بعض البراري في وقت القائلة فقالوا:
ما أحسن هذا المكان لو كان فيه رطب! فقال ﵀: كأنكم تشتهون الرطب؟ فقالوا:
نعم، فقام إلى شجرة وقال: أقسمت عليك بالذي خلقك وابتدأك شجرة إلا ما نثرت علينا رطبا، فنثرت عليهم رطبا جنيا، فأكلوا ثم ناموا، فلما استيقظوا .. حركوها، فنثرت عليهم شوكا.
توفي ﵀ سنة خمس وأربعين ومائتين.
١٢١٥ - [أحمد بن عبدة الضبي] (١)
أحمد بن عبدة بن موسى الضبي البصري أبو عبد الله.
سمع حماد بن زيد، وعبد العزيز الدراوردي، وسليم بن أخضر وغيرهم.
وروى عنه مسلم في «صحيحه»، وروى عنه غير مسلم أيضا.
توفي سنة خمس وأربعين ومائتين.
١٢١٦ - [محمد بن رافع القشيري] (٢)
محمد بن رافع بن أبي زيد القشيري النيسابوري.
سمع شبابة بن سوار وغيره.
وروى عنه البخاري ومسلم في «صحيحيهما».
وتوفي سنة خمس وأربعين ومائتين.
١٢١٧ - [دحيم ابن اليتيم] (٣)
دحيم بن إبراهيم يعرف بابن اليتيم. كان من فقهاء الشام وعلمائها وخيارها، خرّج له
стр. 1052
البخاري في (باب هجرة النبي ﷺ (١).
وتوفي سنة خمس وأربعين ومائتين.
١٢١٨ - [هشام بن عمار الظفري] (٢)
هشام بن عمار بن نصير بن ميسرة السلمي-بضم السين-ويقال: الظفري الدمشقي أبو الوليد.
سمع يحيى بن حمزة، وصدقة بن خالد وغيرهما.
وروى عنه البخاري في «صحيحه»، وروى عنه غير البخاري أيضا، وكان يخضب بصفرة.
ولد سنة ثلاث وخمسين ومائة، وتوفي بدمشق آخر المحرم من سنة خمس وأربعين ومائتين.
١٢١٩ - [عبيد الله ابن المنكدر] (٣)
عبيد الله بن عبد الله بن المنكدر بن محمد بن المنكدر.
ذكره ابن يونس في «تاريخ الغرباء» القادمين إلى مصر وقال: (مدني سكن قوص من صعيد مصر، وآخر من حدثنا عنه بمصر علي بن الحسن بن خلف بن قديد، قال: كان سماعي من عبيد الله المنكدري بقوص سنة خمس وأربعين ومائتين، ثم حج من عامه ذلك، وتوفي بمكة بعد الحج في ذي الحجة سنة خمس وأربعين ومائتين) (٤).
١٢٢٠ - [موسى بن عبد الملك الأصبهاني] (٥)
موسى بن عبد الملك الأصبهاني، صاحب ديوان الخراج.
خدم جماعة من الخلفاء، وكان من جملة الرؤساء والكتاب الفضلاء، وله ديوان
стр. 1053
رسائل، وشعر رقيق، ومنه: [من مجزوء الكامل]
لما وردنا القادسي ... ة حيث مجتمع الرفاق
وشممت من أرض الحجا ... ز نسيم أنفاس العراق
أيقنت لي ولمن أحبّ ... بجمع شمل واتفاق
وضحكت من فرح اللقا ... ء كما بكيت من الفراق
حكى الحافظ أبو عبد الله الحميدي وغيره من مؤرخي المغاربة: (أن أبا علي الحسن بن الأسكري-بضم الهمزة والكاف، وسكون السين المهملة بينهما، ثم راء مكسورة-قال:
كنت من جلساء الأمير تميم بن أبي تميم، فأرسلني إلى بغداد، فاشتريت له جارية رائقة فائقة الغناء، فلما وصلت إليه .. دعا جلساءه وكنت فيهم، ثم مدت الستارة، وأمرها بالغناء، فغنت: [من الكامل]
وبدا له من بعد ما اندمل الهوى ... برق تألق موهنا لمعانه
الأبيات المعروفة.
فأحسنت الغناء، فطرب الأمير تميم ومن حضر، ثم غنت: [من الطويل]
سيسليك عما فات دولة مفضل ... أوائله محمودة وأواخره
ثنى الله عطفيه وألّف شخصه ... على البر مذ شدت عليه مآزره
فطرب الأمير ومن حضر طربا شديدا، ثم غنت ببيت من قصيدة محمد بن زريق الكاتب البغدادي: [من البسيط]
أستودع الله في بغداد لي قمرا ... بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
فاشتد طرب الأمير المذكور جدا ثم قال: تمني ما شئت، فقالت: أتمنى عافية الأمير وسلامته، فقال: لا والله؛ لا بد أن تتمني، قالت: على الوفاء أيها الأمير بما أتمنى؟ قال: نعم، فقالت: أتمنى أن أغني ببغداد، فانتقع لون تميم، وتغير وجهه، وتكدر المجلس وافترقنا.
ثم أرسل إلي، فرجعت إليه فقال: ويحك! أرأيت ما امتحنا به؟ فقلت: نعم أيها الأمير، فقال: لا بد من الوفاء، ولا أثق في هذا بغيرك، فتأهب للسير معها إلى بغداد، فإذا غنت هناك .. فاصرفها، فقلت: سمعا وطاعة.
стр. 1054
ثم قمت وتأهبت، وأمرها بالتأهب، وأصحبها جارية سوداء تعادلها وتخدمها، وأمر بناقة ومحمل فأدخلت فيه، فسرنا إلى مكة مع القافلة، فقضينا حجنا، ثم دخلنا في قافلة العراق وسرنا، فلما وردنا القادسية .. أتتني السوداء فقالت: تقول لك سيدتي: أين نحن؟ فقلت لها: نزول بالقادسية، فأخبرتها، فسمعت صوتها قد ارتفع بالغناء بالأبيات المذكورة، فتصايح الناس: أعيدي بالله، أعيدي بالله، فما سمع لها كلمة.
ثم سرنا فنزلنا الياسرية-بمثناة من تحت، ثم ألف، ثم سين مهملة، ثم راء، ثم ياء النسب، ثم هاء-بينها وبين بغداد خمسة أميال في بساتين متصلة ينزل الناس بها ثم يبكرون بالدخول إلى بغداد، فلما كان وقت الصباح .. إذ بالسوداء قد أتتني مذعورة فقلت: ما لك؟ ! قالت: إن سيدتي ليست بحاضرة، فقلت: ويلك، أين هي؟ قالت: والله ما أدري، قال:
فلم أحس لها أثرا بعد ذلك، ودخلت بغداد وقضيت حوائجي، ثم انصرفت إلى الأمير تميم فأخبرته خبرها، فعظم ذلك عليه، واغتم لها غما شديدا، ثم ما زال ذاكرا لها).
توفي موسى بن عبد الملك المذكور في سنة ست وأربعين ومائتين.
١٢٢١ - [أحمد بن أبي الحواري] (١)
أحمد بن أبي الحواري، الإمام العارف بالله.
سمع معاوية وطبقته، وكان من كبار المحدثين، وأحد الصوفية العارفين، صحب الشيخ أبا سليمان الداراني، وكان سيد الطائفة أبو القاسم الجنيد يقول فيه: أحمد بن أبي الحواري ريحانة الشام.
وكانت زوجته رابعة الشامية تقول له: أحبك حب الإخوان لا حب الأزواج، وكانت تطعمه الطيّب وتطيبه وتقول له: اذهب بنشاطك إلى أزواجك، وتقول إذا قامت من الليل: [من الكامل]
قام المحب إلى المؤمّل قومة ... كاد الفؤاد من السرور يطير
ومن كلامه ﵁: من نظر إلى الدنيا نظر إرادة وحب .. أخرج الله نور اليقين
стр. 1055
والزهد من قلبه، ومن عمل بلا اتباع السنة .. فعمله باطل، وأفضل البكاء بكاء العبد على ما فاته من أوقاته على غير الموافقة.
وقال: ما ابتلى الله عبدا بشيء أشد من القسوة والغفلة.
توفي ﵀ سنة ست وأربعين ومائتين.
١٢٢٢ - [أحمد بن إبراهيم الدورقي] (١)
أحمد بن إبراهيم بن كثير العبدي البغدادي، المعروف بالدورقي، أبو عبد الله.
سمع عبد الصمد بن عبد الوارث، ومبشر بن إسماعيل، وأبا داود، وروى عنه مسلم في «صحيحه».
ولد سنة ثمان وستين ومائة، وتوفي سنة ست وأربعين ومائتين، وكان أصغر من أخيه يعقوب بسنتين.
١٢٢٣ - [إبراهيم بن سعيد الجوهري] (٢)
إبراهيم بن سعيد الجوهري، أبو إسحاق، من أهل بغداد، سكن عين زربة مرابطا.
سمع أبا أسامة وغيره، وروى عنه مسلم حديثين في «صحيحه» (٣)، وروى عنه غير مسلم.
وتوفي سنة سبع وأربعين ومائتين.
١٢٢٤ - [سلمة بن شبيب] (٤)
سلمة بن شبيب النيسابوري أبو عبد الرحمن.
стр. 1056
سكن مكة، وكان مستملي عبد الله بن يزيد المقرئ.
سمع الحسن بن محمد بن أعين، ومروان بن محمد الدمشقي، وعبد الرزاق وغيرهم، وروى عنه مسلم في «صحيحه».
ومات بمكة سنة سبع وأربعين ومائتين.
١٢٢٥ - [الخليفة المتوكل على الله] (١)
الخليفة المتوكل على الله أبو الفضل جعفر بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد العباسي، ولد في شوال سنة سبع ومائتين.
ولما مات أخوه الواثق .. أحضروا ولد الواثق وهو غلام أمرد قصير، فألبسوه دراعة سوداء وقلنسوة رصافية، فازدروه، فقال لهم وصيف: أما تتقون الله؛ تولون مثل هذا الغلام وهو لا تجوز معه الصلاة؟ !
فتناظروا فيمن يولونها، فذكر أحمد بن أبي دؤاد جعفرا أخا الواثق، فأحضره وألبسه الطويلة، وعممه وقبل بين عينيه وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، ولقبه المتوكل على الله، ثم غسل الواثق وصلّى عليه.
فأحيى السنة، وأمات البدعة، ونهى الناس عن الخوض في أن القرآن مخلوق، وأمر أئمة الحديث بنشر الحديث وقراءته وإقرائه.
وفيه كرم شديد وتبذير، وكان منهمكا على اللذات والمكاره.
وكان المتوكل قد عهد بالخلافة لولده المنتصر ويقول: سميتك المنتصر، وسماك الناس المنتظر لحمقك، ويشتمه تارة ويتهدده أخرى.
وكان المتوكل قد صادر بعض رؤساء الدولة، فعملوا على الفتك به بمواطأة ولده المنتصر، فدخل عليه خمسة بالسيوف في جوف الليل وهو في مجلس شرابه، فضربوه بسيوفهم، فألقى الفتح بن خاقان نفسه عليه، فقتلوه معه، وذلك في شوال من سنة سبع وأربعين ومائتين، فمدة ولايته خمس عشرة سنة إلا ثلاثة أشهر، ومدة عمره أربعون سنة.
стр. 1057
وكان الفتح بن خاقان قد علم بما تمالأ عليه المنتصر وجماعته من قتل المتوكل من سعاية بعض نساء الأتراك بهم، فكتم المتوكل الخبر؛ لئلا يفسد عليه سروره، وليمضي الله فيه مقدوره، ولم يظنهم يقدمون على ذلك، فلما قتل المتوكل .. أمر المنتصر بغلق الأبواب كلها، وأمر وصيفا بإحضار المعتز والمؤيد، وكان المتوكل جعلهما وليي عهده بعد المنتصر، فأرسل إليهما عن المتوكل فأحضرا، وكان الوزير عبيد الله بن يحيى بن خاقان لما سمع الواقعة .. اجتمع عنده من الجيش نحو عشرة آلاف وقالوا: مرنا بأمرك حتى نميل إلى الأتراك والمنتصر، فقال: لا حيلة في ذلك والرجل في أيديهم-يعني المعتز-فسلموا الأمر للمنتصر وبايعوه.
١٢٢٦ - [الخليفة المنتصر بالله] (١)
الخليفة المنتصر بالله أبو جعفر محمد بن المتوكل على الله بن المعتصم بالله بن هارون الرشيد العباسي.
بويع له بالجعفرية في الليلة التي قتل فيها أبوه، ثم انتقل إلى الجوسق بسرّمن رأى، وتوفي في ربيع الآخر من سنة ثمان وأربعين ومائتين، قيل: أصابته الذبحة، وقيل: إن أمراء الأتراك خافوه، فلما حمّ .. دسوا إلى طبيبه ابن طيفور ثلاثين ألف دينار، ففصده بريشة مسمومة، وقيل: سم في كمثرى، وقيل: إن طبيبه لما فصده .. دهش فلم يميز مبضعه المسموم من غيره، وقيل: بل وجد علة في رأسه، فقطر طبيبه ابن طيفور في أذنه دهنا، فورم رأسه، فعولج فمات.
يقال: إنه رأى أباه في النوم يقول له: يا محمد؛ قتلتني وظلمتني، والله؛ لا تمتعت بالخلافة إلا أياما قلائل، ثم مصيرك إلى النار، فانتبه وهو لا يملك عينيه ولا جزعه، وما زال منكسرا إلى أن توفي في سنة ثمان وأربعين ومائتين.
ويحكى أنه قال لأمه: يا أماه؛ ذهبت عني الدنيا والآخرة، عاجلت أبي فعوجلت، فمدة ولايته ستة أشهر، وعمره خمس وعشرون سنة ونصف.
стр. 1058
وقد جرت سنة الله في عباده: أن من قتل أباه لا يمتع بعده بالحياة؛ هذا ابن كسرى لما قتل أباه .. لم يعمر بعده إلا ستة أشهر، وهذا المنتصر لم يكن أسرع من لحوقه بأبيه، وكذلك في عصرنا صرغل صاحب هرموز، قتله ولده وولي بعده، ولم تمض له سنة حتى توفي ولحق بأبيه.
١٢٢٧ - [أحمد بن صالح الطبري] (١)
أحمد بن صالح الطبري أبو جعفر، الإمام العالم، الحافظ الحجة.
قال بعض المحدثين: كتبت عن ألف شيخ، حجتي فيما بيني وبين الله تعالى رجلان:
أحمد بن صالح، وأحمد ابن حنبل.
سمع عبد الله بن وهب، وعقبة بن خالد.
وروى عنه البخاري في «صحيحه» بواسطة وبغير واسطة، وكان أبوه جنديا من أهل طبرستان.
ولد سنة سبعين ومائة، وتوفي سنة ثمان وأربعين ومائتين.
١٢٢٨ - [عبد الجبار بن العلاء العطار] (٢)
عبد الجبار بن العلاء بن عبد الجبار العطار المكي أبو بكر.
سمع سفيان بن عيينة، ومروان بن معاوية وغيرهما.
وروى عنه مسلم في «صحيحه»، وروى عنه غيره.
وتوفي بمكة في جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين ومائتين، مذكور في الأصل بأبسط من هذا.
стр. 1059
١٢٢٩ - [عبد الملك بن شعيب المصري] (١)
عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد.
سمع أباه، وعبد الله بن وهب وغيرهما.
وروى عنه مسلم في «صحيحه»، وروى عنه غير مسلم.
وتوفي سنة ثمان وأربعين ومائتين.
١٢٣٠ - [زغبة التجيبي] (٢)
عيسى بن حماد المعروف بزغبة التجيبي المصري أبو موسى.
سمع الليث بن سعد وغيره، وروى عنه مسلم وغيره.
وتوفي سنة ثمان وأربعين ومائتين.
١٢٣١ - [محمد بن حميد اليشكري] (٣)
محمد بن حميد اليشكري البغدادي، ويقال: المعمري؛ لرحلته إلى معمر.
سمع سفيان، ومعمر بن راشد وغيرهما.
وروى عنه زهير بن حرب، وعبد الله بن عون الهلالي وغيرهما.
وذكر الذهبي أن محمد بن حميد توفي سنة ثمان وأربعين ومائتين، فينظر أهو هذا أم غيره؟ (٤)
стр. 1060
١٢٣٢ - [أبو كريب الهمداني] (١)
محمد بن العلاء بن كريب الهمداني الكوفي، المعروف بأبي كريب.
سمع عبد الله بن المبارك، وأبا أسامة، ومحمد بن فضيل وغيرهم.
وروى عنه البخاري، ومسلم وغيرهما.
وتوفي في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين ومائتين.
١٢٣٣ - [أبو هشام الرفاعي] (٢)
محمد بن يزيد ابن رفاعة أبو هشام الرفاعي، من أهل الكوفة، ولي قضاء بغداد.
سمع من محمد بن فضيل وغيره، وروى عنه مسلم وغيره.
ومات ببغداد في آخر يوم من شعبان سنة ثمان وأربعين ومائتين.
١٢٣٤ - [الحسن بن الصباح البزار] (٣)
الحسن بن الصباح البزار-بزاي ثم راء بينهما ألف-أبو علي الواسطي ثم البغدادي.
سمع ابن عيينة، وإسحاق الأزرق، وروح بن عبادة وغيرهم.
روى عنه البخاري في «صحيحه»، وروى عنه غيره أيضا.
وتوفي يوم الاثنين في شهر ربيع الآخر سنة تسع وأربعين ومائتين.
١٢٣٥ - [عبد بن حميد الكشي] (٤)
عبد بن حميد بن نصر الكشي أبو محمد، كان اسمه عبد الحميد.
стр. 1061
سمع عثمان بن عمر، وعبد الرزاق، وخلقا سواهما.
وروى عنه البخاري، ومسلم وغيرهما.
وتوفي سنة تسع وأربعين ومائتين.
١٢٣٦ - [المقرئ أبو الحسن البزي] (١)
أبو الحسن أحمد بن محمد البزي المقرئ، مؤذن المسجد الحرام، وشيخ الإقراء به.
توفي سنة خمسين ومائتين.
١٢٣٧ - [أبو حاتم السجستاني] (٢)
أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني، النحوي اللغوي المقرئ.
أخذ العربية عن أبي عبيدة، والأصمعي، وقرأ القرآن على يعقوب، وكتب الحديث عن طائفة من المحدثين.
قال أبو حاتم المذكور: مر رجل براهب فقال: عظني، قال: أأعظكم وفيكم القرآن، ومنكم محمد ﷺ ؟ قال: نعم، قال: فاتعظ ببيت شعر قاله رجل منكم: [من الطويل]
تجرد عن الدنيا فإنك إنما ... خرجت إلى الدنيا وأنت مجرد
وتوفي سنة خمسين ومائتين.
ولما توفي .. بلغت قيمة كتبه أربعة عشر ألف دينار، فوجه ابن السكيت من اشتراها بدون هذا قليلا وحابوه فيها، كذا في «تاريخ اليافعي» في ترجمة أبي حاتم (٣).
стр. 1062
وذكر في «التاريخ» أيضا: أن ابن السكيت توفي سنة أربع وأربعين ومائتين، أو سنة ست وأربعين، فليحقق ذلك، والله سبحانه أعلم (١).
١٢٣٨ - [نصر بن علي الجهضمي الصغير] (٢)
نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي الأزدي البصري أبو عمرو، الحافظ أحد أوعية العلم.
سمع أباه، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، وأبا أحمد الزبيري وغيرهم.
وروى عنه الشيخان في «صحيحيهما»، وروى عنه غيرهما.
طلبه المستعين في تولية القضاء، فقال لأمير البصرة: حتى أرجع فأستخير الله، فرجع وصلّى ركعتين وقال: اللهم؛ إن كان لي عندك خيرا .. فاقبضني إليك، ثم نام فمات في نومته تلك، وذلك في شهر ربيع الآخر من سنة خمسين ومائتين.
١٢٣٩ - [الحسين بن الضحاك الخليع] (٣)
الحسين بن الضحاك، الشاعر البصري، المشهور بالخليع، عرف بذلك؛ لكثرة مجونه وخلاعته.
وكان حسن الافتنان في ضروب الشعر وأنواعه، وصحب الأمين بن الرشيد ومن بعده من الخلفاء إلى المستعين بالله، واتصل في مجالس الخلفاء بما لم يتصل إليه أحد إلا إسحاق بن إبراهيم النديم الموصلي؛ فإنه قاربه في ذلك أو ساواه.
وبينه وبين أبي نواس مهازل لطيفة، ووقائع ظريفة.
ومن شعره: [من الخفيف]
صل بخدي خديك تلق عجيبا ... من معان يحار فيها الضمير
стр. 1063
فبخديك للربيع رياض ... وبخدّيّ للدموع غدير
وله أيضا: [من الطويل]
إذا خنتم بالغيب عهدي فما لكم ... تدلّون إدلال المقيم على العهد
صلوا وافعلوا فعل المدلّ بوصله ... وإلا فصدوا وافعلوا فعل ذي الصد
توفي سنة خمسين ومائتين.
١٢٤٠ - [الفضل بن مروان] (١)
الفضل بن مروان، وزير المعتصم، له ديوان شعر.
ومن كلامه: الكاتب كالدولاب إذا تعطل .. تكسر.
وكان قد جلس يوما لقضاء حوائج الناس، فرفعت إليه قصص العامة، فرأى في جملتها ورقة فيها مكتوب: [من الطويل]
تفرعنت يا فضل بن مروان فاعتبر ... فقبلك كان الفضل والفضل والفضل
ثلاثة أملاك مضوا لسبيلهم ... أبادتهم الأقياد والحبس والقتل
فإنك قد أصبحت في الناس ظالما ... ستودي كما أودى الثلاثة من قبل
وأراد بالثلاثة: الفضل بن يحيى البرمكي، والفضل بن الربيع، والفضل بن سهل.
توفي الفضل بن مروان سنة خمسين ومائتين.
١٢٤١ - [أبو الطاهر الأموي] (٢)
أبو الطاهر أحمد بن عمرو ابن السرح المصري مولى بني أمية.
سمع عبد الله بن وهب وغيره، وروى عنه مسلم في «صحيحه».
وتوفي سنة خمسين ومائتين.
стр. 1064
١٢٤٢ - [إسحاق الكوسج] (١)
إسحاق بن منصور بن بهرام الكوسج أبو يعقوب المروزي.
ولد بمرو، ثم انتقل إلى نيسابور، ومات بها لعشر خلون من جمادى الأولى سنة إحدى وخمسين ومائتين.
سمع حسينا الجعفي، وروح بن عبادة، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الرزاق وغيرهم.
وروى عنه البخاري ومسلم في «صحيحيهما»، وروى عنه غيرهما.
١٢٤٣ - [الخليفة المستعين بالله] (٢)
الخليفة المستعين بالله أبو العباس أحمد بن المعتصم محمد بن هارون الرشيد.
لما مات المنتصر .. كرهوا أن يولوا أحدا من أولاد المتوكل؛ لقتلهم أباه، فأجمعوا على أحمد بن المعتصم، فبايعوه لست خلون من ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين ومائتين، ولقبوه: المستعين بالله، وسنه إذ ذاك ثمان وعشرون سنة، فاستكتب أحمد بن الخصيب، واستوزر أوتامش، وفتح بيت المال-وكان فيه تسعون ألف ألف درهم-فأعطى الجند رزق خمسة أشهر، وكان جملة العطاء ألفي ألف وثلاث مائة ألف واثنين وتسعين دينارا سوى ما خلع، وأعطى أصحاب الدواوين لكل واحد مائة ألف، وأعطى ابن الخصيب ثلاث مائة ألف درهم، ووهب له فرش الجعفري (٣)، فحملت على خمسين ومائتي بعير، وقيل: إن قيمة الفرش ألف ألف درهم.
стр. 1065
وكان أمراء الأتراك قد استولوا على الأمر، وبقي المستعين مقهورا معهم، فتحول من سامراء إلى بغداد، فوجهوا يعتذرون إليه ويسألونه الرجوع، فامتنع، فأخرجوا المعتز من الحبس وحلفوا له، وجاء أخوه أبو أحمد إلى بغداد؛ لمحاصرة المستعين، واستعدى المستعين نائب بغداد محمد بن عبد الله بن طاهر للحرب، فسوروا بغداد من جميع جهاتها، ووقع القتال، ونصبت المجانيق، ودام الحصار، واشتد البلاء، وكثرت القتلى، وجهد أهل بغداد حتى أكلوا الجيف، وجرت وقائع عديدة بين الفريقين، قتل في وقعة منها نحو الألفين من البغاددة إلى أن كلّوا وضعف أمرهم، وقوي أمر المعتز بالله.
ثم تخلى ابن طاهر عن المستعين؛ لما رأى من البلاء، وكاتب المعتز، ثم سعوا في الصلح على خلع المستعين، فخلع المستعين نفسه لعشر بقين من ذي الحجة سنة إحدى وخمسين ومائتين على شروط مؤكدة، ثم أنفذوه إلى واسط، فاعتقل تسعة أشهر، ثم أحضر إلى سامراء، فقتلوه في قادسية سامراء في آخر رمضان-أو في شوال-من سنة اثنتين وخمسين ومائتين، فمدة ولايته إلى أن خلع ثلاث سنين وثمانية أشهر وأيام، وعمره اثنتان وثلاثون سنة.
١٢٤٤ - [بندار العبدي] (١)
محمد بن بشار-بموحدة، ثم شين معجمة-ابن عثمان بن داود بن كيسان العبدي البصري أبو بكر، الملقب بندار؛ لأنه كان بندارا في الحديث (٢)، جمع حديث البصرة.
سمع محمد بن جعفر المعروف بغندر، وابن أبي عدي، وعبد الوهاب الثقفي.
وروى عنه الشيخان في «صحيحيهما»، وروى عنه غيرهما.
ولد سنة سبع وستين ومائة، وهي السنة التي مات فيها حماد بن سلمة، وتوفي بالبصرة سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
стр. 1066
١٢٤٥ - [السري السقطي] (١)
السري السقطي، أحد أولياء الطريقة، ومعادن أسرار الحقيقة، خال الأستاذ أبو القاسم الجنيد وأستاذه، وتلميذ الشيخ الكبير معروف الكرخي.
يقال: إن السري كان في دكانه، فجاءه معروف الكرخي يوما بصبي يتيم، فقال: اكس هذا، قال السري: فكسوته، ففرح بذلك معروف وقال: بغّض الله إليك الدنيا، وأراحك مما أنت فيه.
قال السري: فقمت من الدكان وليس شيء أبغض إليّ من الدنيا، وكل ما أنا فيه من بركات معروف.
قال أبو القاسم الجنيد: دفع إلي السري السقطي رقعة وقال: هذه خير لك من سبع مائة أوقية؛ فإذا فيها: [من الطويل]
ولما ادعيت الحب قالت كذبتني ... فما لي أرى الأعضاء منك كواسيا
فما الحب حتى يلصق الجلد بالحشى ... وتذبل حتى لا تجيب المناديا
وتنحل حتى لا يبقي لك الهوى ... سوى مقلة تبكي بها وتناجيا
وقال الجنيد أيضا: دخلت على السري السقطي يوما وهو يبكي فقلت: ما يبكيك؟ قال: جاءتني البارحة الصبية فقالت: يا أبت؛ هذه الليلة حارة، وهذا الكوز علقته ههنا، ثم إني حملتني عيناي فنمت، فرأيت جارية من أحسن الخلق قد نزلت من السماء فقلت: لمن أنت؟ فقالت: لمن لا يشرب الماء المبرد في الكيزان، فتناولت الكوز فضربت به الأرض.
قال الجنيد: فرأيت الخزف المكسور لم يرفعه حتى عفى عليه التراب.
وفضائل السري ومحاسنه كثيرة معروفة، ﵁.
توفي سنة ثلاث-أو ست، أو سبع-وخمسين ومائتين، وقيل: سنة إحدى وخمسين ومائتين.
стр. 1067
١٢٤٦ - [أحمد بن سعيد الدارمي] (١)
أحمد بن سعيد بن صخر بن سليمان الدارمي السرخسي أبو جعفر، الحافظ الفقيه الأثري.
سمع حبان بن هلال، وبشر بن عمر، وعثمان بن عمر وغيرهم.
وروى عنه البخاري ومسلم في «صحيحيهما».
ومات بنيسابور سنة ثلاث وخمسين ومائتين.
١٢٤٧ - [هارون بن سعيد الأيلي] (٢)
هارون بن سعيد بن الهيثم الأيلي.
سمع ابن وهب وغيره، روى عنه مسلم في «صحيحه»، وروى عنه غير مسلم.
وتوفي سنة ثلاث وخمسين ومائتين.
١٢٤٨ - [يوسف بن موسى القطان] (٣)
يوسف بن موسى بن راشد بن بلال القطان الكوفي، سكن بغداد.
سمع وكيعا، وجريرا وغيرهما.
وروى عنه البخاري في «صحيحه»، وروى عنه غير البخاري.
وتوفي ببغداد سنة ثلاث-أو اثنتين-وخمسين ومائتين.
١٢٤٩ - [علي بن مسلم الطوسي] (٤)
علي بن مسلم بن سعيد الطوسي أبو الحسن.
стр. 1068
سكن بغداد، وسمع هشيما، وعبد الله بن نمير، وحبان بن هلال وغيرهم، روى عنه البخاري في «صحيحه».
ولد سنة ستين ومائة، وتوفي في جمادى الآخرة سنة ثلاث وخمسين ومائتين.
١٢٥٠ - [أبو الحسن العسكري] (١)
أبو الحسن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق العلوي الحسيني، المعروف بالعسكري؛ لإقامته بسرّمن رأى عشرين سنة وأشهرا، وكانت تسمى العسكر؛ لأن المعتصم لما بناها انتقل إليها بعسكره.
ولد المذكور بالمدينة ثالث عشر رجب، وقيل: في يوم عرفة سنة أربع عشرة-أو ثلاث عشرة-ومائتين.
وكان فقيها إماما، استفتاه المتوكل مرة ووصله بأربعة آلاف درهم، وهو أحد الأئمة الاثني عشر الذين يعتقد الشيعة الغلاة عصمتهم.
كثرت السعاية في حقه عند المتوكل، فأحضره من المدينة إلى سر من رأى، فأقام بها عشرين سنة وأشهرا، قيل للمتوكل: إن بمنزله سلاحا وكتبا، وأوهموه أنه يطلب الخلافة، فوجه من هجم عليه منزله، فوجده في بيت مغلق وعليه مدرعة من شعر، وعلى رأسه ملحفة من صوف، وهو مستقبل القبلة ليس بينه وبين الأرض بساط إلا الرمل والحصى، وهو يترنم بآيات القرآن في الوعد والوعيد، فحمل إليه على الصفة المذكورة، فعظمه وأجلسه إلى جنبه.
وكان المتوكل يشرب وفي يده كأس، فناوله الكأس الذي في يده فقال: يا أمير المؤمنين؛ ما خامر لحمي ودمي قط، فأعفني عنه، فأعفاه وقال له: أنشدني شعرا أستحسنه، فقال: إني لقليل الرواية للشعر، فقال: لا بد وأن تنشدني، فأنشده: [من البسيط]
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم ... غلب الرجال فلم تنفعهم القلل
واستنزلوا بعد عز من معاقلهم ... فأودعوا حفرا يا بئس ما نزلوا
стр. 1069
ناداهم صارخ من بعد ما قبروا ... أين الأسرة والتيجان والحلل
أين الوجوه التي كانت منعمة ... من دونها تضرب الأستار والكلل
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم ... تلك الوجوه عليها الدود تقتتل
فأشفق من حضر على العسكري، وظنوا أن بادرة تبدر إليه، فبكى المتوكل بكاء طويلا حتى بلت دموعه لحيته، وبكى من حضر، ثم أمر برفع الشراب، فقال له: يا أبا الحسن؛ عليك دين؟ قال: نعم، أربعة آلاف دينار، فأمر بدفعها إليه، ورده إلى منزله مكرما.
توفي سنة أربع وخمسين ومائتين، ودفن في داره.
١٢٥١ - [محمد بن أحمد العتبي] (١)
محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن عتبة الأموي العتبي القرطبي الأندلسي الفقيه، مصنف «العتبية» في مذهب الإمام مالك، أحد الأئمة الأعلام.
أخذ ببلده عن يحيى بن يحيى، ورحل فأخذ بالقيروان عن سحنون، وبمصر عن أصبغ.
وتوفي سنة أربع وخمسين ومائتين.
١٢٥٢ - [محمد بن عبد الله المخرمي] (٢)
محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي أبو جعفر البغدادي الحافظ.
سمع عبد الرحمن بن غزوان، وحجير بن المثنى وغيرهما، وروى عنه البخاري في «صحيحه».
وتوفي سنة أربع وخمسين ومائتين، فيما أظن.
стр. 1070
١٢٥٣ - [مؤمل بن هشام البصري] (١)
مؤمل بن هشام البصري أبو هاشم، ختن إسماعيل ابن علية.
سمع إسماعيل المذكور وغيره، وروى عنه البخاري في «صحيحه»، وروى عنه غير البخاري
وتوفي سنة أربع-أو ثلاث-وخمسين ومائتين.
١٢٥٤ - [زياد بن يحيى الحساني] (٢)
زياد بن يحيى بن زياد بن حسان الحساني أبو الخطاب البصري.
سمع حاتم بن وردان، وبكر بن بكار وغيرهما.
وروى عنه البخاري ومسلم في «صحيحيهما»، وروى عنه غيرهما.
وتوفي سنة أربع وخمسين ومائتين.
١٢٥٥ - [الدارمي صاحب «السنن»] (٣)
أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن التميمي الدارمي، صاحب «المسند» المشهور، الإمام الحبر.
رحل وطوف، وسمع النضر بن شميل، ويزيد بن هارون وطبقتهما.
وتوفي سنة خمس وخمسين ومائتين.
стр. 1071
١٢٥٦ - [عبد الله بن هاشم الطوسي] (١)
عبد الله بن هاشم بن حيان العبدي الطوسي، نزيل بغداد، يكنى: أبا عبد الرحمن.
سمع بهز بن أسد، ويحيى بن سعيد، ووكيعا وغيرهم، وروى عنه مسلم في «صحيحه».
وتوفي سنة خمس وخمسين ومائتين، وقيل: تسع وخمسين.
١٢٥٧ - [الخليفة المعتز بالله] (٢)
الخليفة المعتز بالله أبو عبد الله محمد بن المتوكل بن المعتصم.
لما خلع المستعين في ذي الحجة سنة إحدى وخمسين ومائتين .. نفذ إليه البردة والخاتم والقضيب مع عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، ثم خلعوه، وأشهد على نفسه بالخلع مكرها لثلاث بقين من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين، فمدة ولايته مذ يوم بويع له بسرّمن رأى أربع سنين ونصف، ومن يوم بويع له ببغداد ثلاث سنين ونصف، وولد سنة اثنتين وثلاثين ومائتين.
وبعد خلعه بخمسة أيام أدخل حماما، فعطش حتى عاين الموت، وهو يطلب الماء فيمنع منه، ثم أعطوه ماء ثلج فشربه فسقط ميتا، واختفت أمه وكانت ذات أموال عظيمة؛ معها من الجواهر من الياقوت والزمرد ما قيمته ألفي ألف دينار، ولم يكن في خزائن الخلافة شيء، فطلبوا من أمه مالا، فلم تعطهم، فأجمعوا على خلعه، ولبسوا السلاح وأحاطوا بدار الخلافة، وهجم على المعتز طائفة منهم، فضربوه بالدبابيس، وأقاموه في الشمس حافيا؛ ليخلع نفسه، فأجاب وأحضر محمد بن الواثق من بغداد، فأول من بايعه المعتز بالله، ولقبوا محمدا بالمهتدي.
стр. 1072
١٢٥٨ - [الجاحظ] (١)
أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ-عرف بذلك لجحوظ عينيه؛ أي: نتوئهما، وكان مشوه الخلق-الكناني الليثي المعتزلي البصري، العالم المشهور، صاحب النوادر والغرائب والطرف والعجائب.
وله تصانيف مفيدة في فنون عديدة، ومن أحسنها كتاب «الحيوان» وكتاب «البيان والتبيين»، وهو تلميذ إبراهيم بن سيار البلخي المتكلم، وللجاحظ مقالة في أصول الدين، وإليه تنسب الفرقة الجاحظية.
ومن غريب خبره قال: ذكرت للمتوكل لتأديب بعض ولده، فلما استبشع منظري .. أمر لي بعشرة آلاف درهم وصرفني، فخرجت من عنده، فلقيت محمد بن إبراهيم-يعني ابن المهدي-وهو يريد الانصراف إلى مدينة السلام، فعرض علي الخروج والانحدار في حرّاقته، وكان بسرّمن رأى، فركبنا في الحراقة، فلما انتهينا إلى فم نهر القاطول .. نصب ستارة وأمر بالغناء، فاندفعت عوادة فغنت: [من الخفيف]
كل يوم قطيعة وعتاب ... ينقضي دهرنا ونحن غضاب
ليت شعري أنا خصصت بهذا ... دون ذا الخلق أم كذا الأحباب
وسكتت، فأمر الطنبورية فغنت: [من مجزوء الكامل]
وارحمتا للعاشقي ... ن ما إن أرى لهم معينا
كم يهجرون ويصرمو ... ن ويقطعون فيصبرونا
قال: فقالت لها العوادة: فيصنعون ماذا؟ قالت: هكذا يصنعون، وضربت بيدها إلى الستارة فهتكتها، وبرزت كأنها فلقة قمر، فألقت نفسها في الماء، وعلى رأس محمد غلام يضاهيها في الجمال وبيده مذبة، فأتى الموضع ونظر إليها وهي تمر بين الماء، فأنشد: [من مجزوء الكامل]
أنت التي غرقتني ... بعد القضا لو تعلمينا
стр. 1073
وألقى نفسه في الماء في إثرها، فأدار الملاح الحراقة؛ فإذا هما معتنقين، ثم غاصا فلم يريا فاستعظم محمد ذلك وهاله ثم قال: يا عمرو؛ لتحدثني ما يسلّيني وإلا .. ألحقتك بهما، قال: فحضرني حديث يزيد بن عبد الملك وقد قعد للمظالم وعرضت عليه القصص، فمرت به قصة فيها: إن رأى أمير المؤمنين أن يخرج إلي جاريته حتى تغنيني ثلاثة أصوات .. فعل، فاغتاظ يزيد من ذلك، وأمر من يخرج إليه ويأتيه برأسه، ثم أتبع الرسول رسولا آخر، فأمره أن يدخل إليه الرجل فأدخله، فقال: ما الذي حملك على ما صنعت؟ قال: الثقة بحلمك، والاتكال على عفوك، فأمره بالجلوس حتى لم يبق أحد من بني أمية إلا خرج، ثم أمر بالجارية فأخرجت ومعها عودها، فقال لها الفتى: غني: [من الطويل]
أفاطم مهلا بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
فغنته، فقال له يزيد: قل، قال: غني: [من البسيط]
تألق البرق نجديا فقلت له ... يا أيها البرق إني عنك مشغول
فغنته، فقال له يزيد: قل، قال: تأمر لي برطل شراب، فأمر له به فما استتم شرابه حتى وثب وصعد على أعلى قبة ليزيد، فرمى نفسه على دماغه فمات، فقال يزيد: إنا لله وإنا إليه راجعون، أتراه الأحمق الجاهل ظن أني أخرج إليه جاريتي وأردها إلى ملكي، يا غلمان؛ خذوا بيدها واحملوها إلى أهله إن كان له أهل، وإلا .. فبيعوها وتصدقوا بثمنها عنه.
فانطلقوا بها إلى أهله، فلما توسطت الدار .. نظرت إلى حفيرة في وسط دار يزيد قد أعدت للمطر، فجذبت نفسها من أيديهم وأنشدت: [من السريع]
من مات عشقا فليمت هكذا ... لا خير في عشق بلا موت
فألقت نفسها في الحفيرة على دماغها فماتت.
فسري عن محمد، وأجزل صلتي.
وكان الجاحظ في آخر عمره قد فلج، فكان يطلي نصفه الأيمن بالصندل والكافور؛ لشدة حرارته، والنصف الآخر لو قرض بالمقاريض .. لما أحس به من خدره وشدة برده، وكان يقول في مرضه: اصطلحت على جسدي الأضداد، إن أكلت باردا .. أخذ برجلي، وإن أكلت حارا .. أخذ برأسي، أنا في جانبي الأيسر مفلوج، لو قرض بالمقاريض ..
стр. 1074
ما علمت، ومن جانبي الأيمن منقرس، فلو مر به الذباب .. لتألمت، وبي حصاة لا ينسرح لي البول معها، وأشد ما علي ست وتسعون سنة، وكان ينشد: [من الوافر]
أترجو أن تكون وأنت شيخ ... كما قد كنت أيام الشباب
لقد كذبتك نفسك ليس ثوب ... دريس كالجديد من الثياب
قال أبو الحسن البرمكي: أنشدني الجاحظ:
وكان لنا أصدقاء مضوا ... تفانوا جميعا فما خلّدوا
تساقوا جميعا كئوس المنون ... فمات الصديق ومات العدو
قال الشيخ اليافعي: (كان المناسب لقوله:
فمات الصديق ومات العدو
أن يذكر الأعداء مع الأصدقاء في البيت الأول فيقول:
لنا أصدقاء مضوا مع عدا
فيكون قوله في آخر البيت الثاني:
فمات الصديق ومات العدو
مطابقا لأول الأول) (١).
وحكى بعض البرامكة قال: كنت توليت السند، فأقمت بها ما شاء الله، ثم اتصل بي أني صرفت عنها وقد كنت كسبت ثلاثين ألف دينار، فخشيت أن يفجأني الصارف فيسمع بمكان المال فيطمع فيه، فصغته عشرة آلاف إهليلجة، في كل إهليلجة ثلاثة مثاقيل (٢)، ولم يمكث الصارف أن أتى، فركبت البحر وانحدرت إلى البصرة، فخبرت أن الجاحظ بها، وأنه عليل بالفالج، فأحببت أن أراه قبل موته، فصرت إليه، فأفضيت إلى باب دار لطيف فقرعته، فخرجت إلي خادم صفراء فقالت: من أنت؟ قلت: رجل غريب، وأحب أن أسر بالنظر إلى الشيخ، فبلغته الخادمة، فسمعته يقول: قولي له: وما يصنع بشق مائل، ولعاب سائل، ولون حائل، فقلت للجارية: لا بد من الوصول إليه، فلما بلّغته ..
قال: هذا رجل اجتاز بالبصرة، فسمع بعلتي، فأراد الاجتماع بي ليقول: قد رأيت الجاحظ.
стр. 1075
ثم أذن لي فدخلت فسلمت عليه، فرد علي ردا جميلا وقال: من تكون أعزك الله؟ فانتسبت له فقال: رحم الله أسلافك وآباءك السمحاء، فلقد كانت أيامهم رياض الأزمنة، ولقد انجبر بهم خلق كثير، فسقيا لهم ورعيا، فدعوت له وقلت: أسألك أن تنشدني شيئا من الشعر، فأنشدني: [من الطويل]
لئن قدّمت قبلي رجال فطالما ... مشيت على رسلي فكنت المقدّما
ولكنّ هذا الدهر تأتي صروفه ... فتبرم منقوضا وتنقض مبرما
ثم نهضت، فلما قاربت الدهليز .. قال: يا فتى؛ أرأيت مفلوجا ينفعه الإهليلج، قلت: لا، قال: إن الإهليلج الذي معك ينفعني، فابعث لي منه، فقلت: نعم، وخرجت متعجبا من وقوعه على خبري مع كتماني، وبعثت إليه مائة إهليلجة.
وتوفي الجاحظ سنة خمس وخمسين ومائتين.
١٢٥٩ - [الخليفة المهتدي بالله] (١)
الخليفة المهتدي بالله محمد بن الواثق هارون بن المعتصم بالله محمد بن هارون الرشيد العباسي.
بقي الأمر بعد خلع المعتز لا قائم به حتى سار محمد بن الواثق المذكور من بغداد إلى سر من رأى، فوافاها يوم الأربعاء لليلة مضت من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين، فبويع له بها.
وقد ذكرنا في فصل الحوادث أن موسى بن بغا ورد من الجبل إلى سر من رأى في أول سنة ست وخمسين (٢)، وقتل صالح بن وصيف التركي، ورجع إلى الجبل ولم يغير حالا على المهتدي، وأن المهتدي قبض على بايكباك، فتشعب عليه الأتراك، فقتله ورمى برأسه إليهم؛ ظنا منه أنهم يسكنون إذا رأوا رأسه، كما اتفق للمنصور مع أصحاب أبي مسلم، فاشتد تشعب الأتراك وخرجوا على المهتدي، فلبس السلاح، وشهر سيفه، وحمل
стр. 1076
عليهم، فأسروه وخلعوه، ثم قتلوه للنصف من رجب من سنة ست وخمسين ومائتين، فمدة ولايته سنة إلا نصف شهر، وعمره ثمان وثلاثون سنة.
وكان ﵀ مليح الصورة ورعا تقيا متعبدا عادلا شجاعا قويا في أمر الله، خليقا للإمارة، لكن لم يجد ناصرا ولا معينا على الخير.
قيل: إنه سرد الصوم مدة إمرته، وكان يقنع بعض الليالي بخبز وخل وزيت، وكان يشبّه بعمر بن عبد العزيز، وكان قد سد باب الملاهي، وحسم الأمراء عن الظلم، وكان يجلس بنفسه لعمل الحساب والدواوين بين يديه، وكان له جبة صوف وكساء يتعبد فيهما لله تعالى ﵀.
١٢٦٠ - [الزبير بن بكار الأسدي] (١)
أبو عبد الله الزبير بن بكار القرشي الأسدي الزبيري.
كان من أعيان العلماء، وكتابه في أنساب قريش يدل على فضله وتطلعه، وكذا غيره من مصنفاته.
روى عن ابن عيينة ومن في طبقته، وروى عنه ابن ماجه القزويني، وابن أبي الدنيا وغيرهما.
وولي قضاء مكة مدة، ومات بها على القضاء سنة ست وخمسين ومائتين عن أربع وثمانين سنة.
١٢٦١ - [الإمام البخاري] (٢)
أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة البخاري مولى الجعفيين، شيخ الإسلام، وإمام المحدثين، مصنف «الجامع الصحيح»، و «التاريخ الكبير» وغيرهما.
стр. 1077
ولد سنة أربع وتسعين ومائة يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال، ورحل سنة عشر ومائتين فسمع مكي بن إبراهيم، وأبا عاصم النبيل، وخلائق عدتهم: ألف شيخ، وكتب بخراسان والجبال والعراق والحجاز والشام ومصر، وقدم بغداد فاجتمع إليه أهلها، وامتحنوه في مجلس حفل بمائة حديث قلبوا متونها وأسانيدها، فردّ إسناد كل حديث إلى متنه، ومتن كل حديث إلى إسناده، فاعترفوا بفضله، وشهدوا بتفرده في علم الدراية والرواية.
نقل الفربري عنه أنه قال: ما وضعت في كتابي «الصحيح» حديثا إلا اغتسلت قبل ذلك، وصليت ركعتين.
قال الفربري: سمع «صحيح البخاري» -يعني على البخاري-تسعون ألف رجل، فما بقي أحد يرويه عنه غيري.
وممن روى عن البخاري أبو عيسى الترمذي.
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة السبت صلاة العشاء ليلة عيد الفطر من سنة سبع وخمسين ومائتين، ودفن بعد صلاة الظهر رحمه الله تعالى ونفع به آمين.
١٢٦٢ - [الحسن بن عرفة المؤدب] (١)
أبو علي الحسن بن عرفة العبدي البغدادي المؤدب الحافظ المعمر.
توفي سنة سبع وخمسين ومائتين عن مائة وسبع سنين.
١٢٦٣ - [زهير بن محمد المروزي] (٢)
زهير بن محمد المروزي ثم البغدادي، كان من أولياء الله تعالى.
قال البغوي: ما رأيت بعد أحمد ابن حنبل أفضل منه، كان يختم في رمضان تسعين ختمة.
توفي سنة سبع وخمسين ومائتين.
стр. 1078
١٢٦٤ - [عبد الله بن سعيد الأشج] (١)
عبد الله بن سعيد بن حصين الكوفي أبو سعيد الأشج الكندي.
سمع عقبة بن خالد، ووكيعا، وحفص بن غياث وغيرهم.
وروى عنه الشيخان في «صحيحيهما»، وروى عنه غيرهما.
وتوفي سنة سبع وخمسين ومائتين.
١٢٦٥ - [علي بن خشرم المروزي] (٢)
علي بن خشرم بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال المروزي أبو الحسن.
سمع سفيان بن عيينة، وعبد الله بن وهب وغيرهما، وروى عنه مسلم في «صحيحه».
وتوفي سنة سبع وخمسين ومائتين.
١٢٦٦ - [أحمد بن الفرات] (٣)
أحمد بن الفرات الحافظ، أحد الأعلام، مصنف «المسند» و «التفسير».
قال: كتبت ألف ألف حديث، وخمس مائة ألف حديث.
توفي سنة ثمان وخمسين ومائتين.
١٢٦٧ - [محمد بن يحيى الذهلي] (٤)
محمد بن يحيى بن عبد الله الذهلي النيسابوري أبو عبد الله، الحافظ الكبير.
كان الإمام أحمد يجله ويعظمه.
стр. 1079
وقال أبو حاتم: كان إمام أهل زمانه.
أكثر الترحال، وصنف، وروى عن عبد الرحمن بن مهدي، وعبد الرزاق وغيرهما، وروى عنه البخاري في «صحيحه» في نحو ثلاثين موضعا، تارة يقول: حدثنا محمد ولا ينسبه، وتارة يقول: حدثنا محمد ابن عبد الله فينسبه إلى جده، وتارة يقول: محمد ابن خالد فينسبه إلى جد أبيه.
ولما دخل البخاري نيسابور .. شغب عليه محمد الذهلي المذكور في مسألة خلق اللفظ.
توفي بقديد سنة ثمان-أو سبع-وخمسين ومائتين.
١٢٦٨ - [يحيى بن معاذ الرازي] (١)
يحيى بن معاذ الرازي، الشيخ العارف، بحر الحكم والمعارف، واعظ عصره وحكيم زمانه.
ومن كلامه: كيف يكون زاهدا من لا ورع له؟ ! تورع عما ليس لك ثم ازهد فيما لك.
وقال ﵀: الجوع للمريدين رياضة، وللتائبين تجربة، وللزهاد سياسة، وللعارفين مكرمة.
وقال: من لم ينظر في الدقيق من الورع .. لم يصل إلى الجليل من العطاء.
توفي سنة ثمان وخمسين ومائتين.
١٢٦٩ - [أحمد بن سنان القطان] (٢)
أحمد بن سنان بن أسد الواسطي القطان أبو جعفر.
стр. 1080
سمع يزيد بن هارون، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبا معاوية وغيرهم، وروى عنه البخاري ومسلم في «صحيحيهما».
وتوفي سنة ثمان-أو تسع-وخمسين ومائتين.
١٢٧٠ - [عباسويه] (١)
العباس بن يزيد بن أبي حبيب.
كان فقيها فاضلا رحالا في طلب العلم، ذكره القاضي أحمد بن علي العرشاني فيمن قدم صنعاء.
روى عن إبراهيم بن خالد الصنعاني، عن أبي وائل الصنعاني المرادي قال: كنت عند عروة بن محمد وكلمه رجل في شيء أغضبه، فدخل وتوضأ ثم خرج وقال: أخبرني أبي عن جدي أن رسول الله ﷺ قال: «الغضب من الشيطان، والشيطان خلق من النار، والنار تطفأ بالماء» (٢).
قال: وسمعت سفيان بن عيينة يقول: سئل لقمان؛ أي الناس أشر؟ قال: الذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئا.
ولم يذكر تاريخ وفاته، كذا في «الخزرجي» (٣).
وذكره الذهبي في «التذهيب» فقال: عباس بن يزيد بن أبي حبيب البحراني البصري أبو الفضل، قاضي همدان، ويلقب: عباسويه عن سفيان بن عيينة وخلق، وعنه ابن أبي الدنيا، وابن صاعد وطائفة، ذكره ابن حبان في «الثقات» (٤).
وقال الأزهري: سئل الدارقطني عنه فقال: تكلموا فيه، وأما أبو عبد الرحمن السلمي عن الدارقطني .. فقال: ثقة مأمون.
وقال ابن مخلد: مات سنة ثمان وخمسين ومائتين.
стр. 1081
١٢٧١ - [أبو جعفر اليامي] (١)
أبو جعفر اليامي الإمام، قاضي الكوفة ثم قاضي همذان.
كان رجلا صالحا عادلا في أحكامه، وكان يسمى راهب الكوفة لعبادته.
توفي سنة ثمان وخمسين ومائتين.
١٢٧٢ - [ابن الشاعر] (٢)
حجاج بن يوسف الشاعر أبو محمد الثقفي، من أهل بغداد.
سمع يونس المؤدب، وأبا عاصم النبيل، وعبد الرزاق وخلقا سواهم.
روى عنه مسلم في «صحيحه»، وروى عنه غير مسلم.
وتوفي سنة تسع وخمسين ومائتين.
١٢٧٣ - [ابن شاكر] (٣)
أبو عبد الله محمد بن موسى بن شاكر، أحد الإخوة الثلاثة الذين ينسب إليهم حيل بني موسى، وهم مشهورون بها، وأسماء أخويه: أحمد والحسن.
وكانت لهم همم عالية في تحصيل العلوم القديمة وكتب الأوائل، وكان الغالب عليهم من العلوم الهندسة والحيل والحركات والموسيقى والنجوم وهو الأقل، ولهم في الحيل كتاب عجيب يحتوي على كل غريبة في مجلد واحد، ومما اختصوا به في ملّة الإسلام، وأخرجوه من القوة إلى الفعل وإن كان أرباب الأرصاد المتقدمون قد فعلوه، لكنه لم ينقل أن أحدا من أهل هذه الملة تصدى له وفعله إلا هم، وهو إيضاح مساحة كرة الأرض أربعة وعشرين ألف ميل استخراجا من ارتفاع القطب، وكون كل درجة من درج الفلك يقابلها من
стр. 1082
سطح الأرض ستة وستون ميلا وثلثا ميل، وسيأتي ذلك في سنة خمس وثلاثين وثلاث مائة في ترجمة الصولي إن شاء الله تعالى (١).
١٢٧٤ - [الزعفراني] (٢)
أبو علي الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني-نسبة إلى زعفرانة قرية قرب بغداد- الفقيه الصالح الحافظ، صاحب الإمام الشافعي، وأحد رواة كتبه القديمة، ورواتها أربعة:
هو، والإمام أحمد ابن حنبل، وأبو ثور، والكرابيسي، وأما رواة أقواله الجديدة ..
فخلق، المشهور منهم ستة: المزني، والبويطي، وحرملة، ويونس بن عبد الأعلى، والربيع بن سليمان الجيزي، والربيع بن سليمان المرادي، ولازم الزعفراني الإمام الشافعي حتى تبحر وصار إماما، وبرع في الفقه والحديث وصنف فيهما كتبا.
روى عن ابن عيينة، ويزيد بن هارون، ووكيع وطبقتهم، وروى عنه الستة غير مسلم.
ودرب الزعفراني ببغداد منسوب إلى هذا الإمام.
توفي سنة ستين ومائتين.
١٢٧٥ - [الحسن بن علي العسكري] (٣)
أبو محمد الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر الصادق، المعروف بالعسكري كأبيه، أحد الأئمة الاثني عشر في اعتقاد الإمامية، وهو والد المنتظر صاحب السرداب عندهم.
توفي بسرّمن رأى يوم الجمعة في ربيع الأول من سنة ستين ومائتين.
١٢٧٦ - [حنين بن إسحاق العبادي] (٤)
حنين بن إسحاق العبادي الطبيب المشهور.
стр. 1083
كان إمام وقته في صناعة الطب، له مصنفات في الطب مفيدة، وكان يعرف لغة اليونانيين معرفة تامة، وهو الذي عرّب «كتاب اقليدس»، ونقله من اليونانية إلى لغة العرب، ثم نقحه ثابت بن قرة وهذبه كما تقدم، وكذلك «كتاب المجسطي».
وأكثر كتب الحكماء والأطباء كانت بلغة اليونانيين فعربت، وكان حنين المذكور أشد اعتناء بتعريبها من غيره، وكان المأمون ومن قبله جعفر البرمكي لهما اعتناء بتعريبها وتحريرها وإصلاحها، لكن عناية المأمون بها كانت أتم وأوفر.
توفي سنة ستين ومائتين.
١٢٧٧ - [أحمد بن عثمان الأودي] (١)
أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي الكوفي أبو عبد الله.
سمع شريح بن مسلمة؛ وخالد بن مخلد، وروى عنه الشيخان في «الصحيحين»، وروى عنه غيرهما.
توفي سنة ستين-أو إحدى وستين-ومائتين.
١٢٧٨ - [عبد الرحمن العبدي النيسابوري] (٢)
عبد الرحمن بن بشر بن الحكم بن حبيب بن مهران العبدي النيسابوري.
سمع ابن عيينة وغيره، وروى عنه الشيخان في «الصحيحين».
وتوفي في ربيع الآخر سنة ستين ومائتين.
والله سبحانه أعلم، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
***
стр. 1084
الحوادث
السنة الحادية والأربعون بعد المائتين
فيها: ماجت النجوم في السماء، وجعلت تتطاير شرقا وغربا كالجراد، من قبل غروب الشمس إلى الفجر، ولم يكن مثله إلا عند ظهور النبي ﷺ (١).
وفيها: أغارت البجة على حرس من أرض مصر، فوجه إليهم محمد بن عبد الله القمي، ووضع السيف فيهم، وقدم بملكهم علي بابا على المتوكل، وأرض البجة لا خراج فيها ولا ارتفاع، وإنما عندهم معادن الذهب يستخرجها المسلمون فيؤخذ مما يستخرج الخمس، وبين أرضهم وأرض الإسلام مسيرة شهر في قفر وجبال وعرة لا ماء فيها ولا زرع ولا معقل ولا حصن، والذي يدخلها من المسلمين وأصحاب السلطان يتزودون للمدة التي يقيمونها هناك، فإن نفدت الميرة ولم يعد إلى بلاد الإسلام .. أخذته البجة بالأيدي (٢).
وفيها: توفي الإمام الكبير الشهير أحمد بن محمد بن حنبل، والإمام أبو علي الحسن بن حماد الحضرمي البغدادي سجادة، والحافظ أبو قدامة عبيد الله بن سعيد، وجبارة بن المغلس، وأبو توبة الحلبي، ويعقوب ابن كاسب.
***
السنة الثانية والأربعون بعد المائتين
فيها: كانت الزلازل بنيسابور، فسقطت دار الإمارة، وأصحر الناس عن المنازل، وزلزلت قومس ورساتيقها حتى بلغت إلى الري وجرجان وطبرستان وأصبهان وقاشان كلها في وقت واحد، وزلزلت الدامغان، فهلك من أهلها خمسة وأربعون ألفا، وقيل: مات ألف من الناس وأكثر.
وكان بفارس والشام زلازل منكرة، وباليمن زلزلة وخسف، وتقطعت جبال، ودنا بعضها من بعض، وسار جبل باليمن عليه مزارع حتى أتى مزارع قوم آخرين، وسمع للسماء والأرض أصوات عالية، ووقع طائر أبيض دون الرخمة وفوق الغراب على علّيّة بحلب لسبع
стр. 1085
مضين من رمضان، وصاح: يا معشر الناس؛ اتقوا الله، حتى صاح أربعين صوتا، ثم طار حتى جاء من الغد، وصاح أربعين صوتا، فكتب صاحب البريد بذلك، وأشهد خمس مائة إنسان سمعوه.
ومات رجل بكور الأهواز، فسقط طائر أبيض على جنازته فصاح بالفارسية: إن الله قد غفر لهذا الميت ولمن شهد جنازته (١).
وفيها: توفي القاضي يحيى بن أكثم-بالمثلثة-والقاضي أبو حسان الحسن بن عثمان الزيادي، وابن ذكوان، ومحمد بن أسلم الطوسي الزاهد، ومحمد بن رمح، ومحمد بن عبد الله بن عمار، وأبو مصعب الزهري.
***
السنة الثالثة والأربعون بعد المائتين
فيها: توفي الشيخ الكبير الحارث بن أسد المحاسبي-بضم الميم-البصري، والفقيه الإمام أبو حفص حرملة بن يحيى التجيبي المصري الحافظ، مصنف «المختصر» و «المبسوط»، وإبراهيم بن العباس الصولي الشاعر المشهور، والحافظ محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني صاحب «المسند»، وأحمد بن يحيى بن إسحاق المعروف بالراوندي، وأحمد بن سعيد الرباطي، وهناد وعبد الله بن معاوية الجمحي، وهارون الحمال.
***
السنة الرابعة والأربعون بعد المائتين
فيها-وقيل: في سنة ست وأربعين-: توفي دعبل-بكسر الدال المهملة والباء الموحدة بينهما عين مهملة ساكنة وآخره لام-ابن علي الخزاعي الشاعر المشهور، يرجع نسبه إلى عامر بن مزيقيا.
وفيها: توفي الإمام اللغوي النحوي أبو يوسف يعقوب بن إسحاق المعروف بابن الكسيت-بكسر السين المهملة وتشديد الكاف وسكون المثناة من تحت ثم مثناة من فوق-
стр. 1086
صاحب كتاب «إصلاح المنطق» وغيره من التصانيف في النحو واللغة وغير ذلك.
وفيها: توفي من المحدثين أحمد بن منيع، وإسحاق بن موسى الخطمي، وحميد بن مسعدة، وعبد الحميد بن بيان، وعلي بن حجر.
وفيها: توفي الوزير محمد بن عبد الملك الزيات كذا في «الذهبي»، وذكره اليافعي وغيره فيمن توفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وقد ذكرناه، ولعله الصواب، والله سبحانه أعلم (١).
***
السنة الخامسة والأربعون بعد المائتين
فيها: زلزلت أنطاكية، ووقعت بها رجفة قتلت خلقا، وسقط فيها ألف وخمس مائة دار، وسقط من سورها نيف وخمسون-أو نيف وتسعون-برجا، وسمع أهلها أصواتا هائلة، فمات منها خلق كثير، وتقطع جبلها فسقط في البحر، فهاج البحر في ذلك اليوم وارتفع منه دخان مظلم أسود منتن، وغار منها نهر على فرسخ، ولا يدرى أين ذهب (٢).
وفيها: دفع المتوكل نجاح بن سلمة إلى موسى بن عبد الملك الأصبهاني صاحب ديوان الخراج والحسن بن مخلد وكانا قد تضمناه بألفي ألف دينار، فضربه ضربا أداه إلى التلف، وأخرج من السجن ميتا (٣).
وفيها: توفي محمد بن هشام بن عوف التميمي السعدي وكان ممدوحا بالحفظ وحسن الرواية، والشيخ الكبير الولي الشهير أبو الفيض المعروف بذي النون أحد رجال الطريقة نفع الله بهم، ومن الحفاظ أحمد بن عبدة الضبي، وأبو الحسن القواس مقرئ مكة، وأحمد بن نصير النيسابوري، وإسحاق بن أبي إسرائيل، ومحمد بن رافع، وإسماعيل بن موسى السدي، والقاضي سوّار بن عبد الله، ودحيم، وأبو تراب النخشبي، وهشام بن عمار، ﵏.
***
стр. 1087
السنة السادسة والأربعون بعد المائتين
فيها: حج محمد بن عبد الله بن طاهر، فحمل معه لمكة والمدينة ولإجراء الماء من عرفات إلى مكة مالا جزيلا (١).
وفيها: توفي موسى بن عبد الملك الأصبهاني صاحب ديوان الخراج، تبع عدوّه في الأثر، والشيخ الكبير العارف بالله أحمد بن أبي الحواري ريحانة الشام، ومن المحدثين أحمد بن إبراهيم الدورقي، والحسين بن الحسن المروزي، وأبو عمرو الدوري، ولوين، وابن مصفى رحمهم الله تعالى.
وفيها: توفي العباس بن عبد العظيم البصري الحافظ أحد علماء السنة ﵏.
***
السنة السابعة والأربعون بعد المائتين
فيها: توفي إبراهيم بن سعيد الجوهري، وسفيان بن وكيع، وسلمة بن شبيب، وأبو عثمان المازني على خلاف فيه.
وفي شوال منها: قتل الخليفة العباسي المتوكل على الله أبو الفضل جعفر بن المعتصم محمد بن الرشيد هارون بن المهدي محمد بن المنصور ﵀.
***
السنة الثامنة والأربعون بعد المائتين
فيها: مات المنتصر بالله أبو جعفر محمد بن المتوكل على الله، وولي المستعين بالله (٢).
وفيها: مات طاهر بن عبد الله بن طاهر الخزاعي أمير خراسان، مات بنيسابور، فعقد المستعين لابنه محمد بن طاهر على أعماله، وعقد لعمه محمد بن عبد الله بن طاهر على العراق (٣).
وفيها: غضب المستعين على الوزير أحمد بن الخصيب، وقبض أمواله، ونفي إلى
стр. 1088
أقريطيس-ونفي أخوه الخشاب-بعد أن بلغ الغاية في التمكين، وأعطي الأموال والأثاث العظيم، أعطاه المستعين ثلاث مائة ألف درهم، ووهب له فرش الجعفري، فحمل على خمسين ومائتي بعير، وقيل: إن قيمته كانت ألفي ألف دينار، ولما سخط على ابن الخصيب .. جعل عرض الكتب إلى شجاع بن القاسم وكان عاميا عاريا عن المعاني (١).
وفيها: توفي الحافظ ابن صالح، والفقيه الإمام المتكلم الحسين الكرابيسي البغدادي، وعبد الجبار بن العلاء، وعبد الملك بن شعيب، وعيسى بن حماد، وأبو كريب، ومحمد بن زنبور، وأبو هشام الرفاعي.
***
السنة التاسعة والأربعون بعد المائتين
فيها: قتل الروم عمر بن عبيد الله الأقطع في ألفي رجل من المسلمين.
وفيها: قتلوا علي بن يحيى الأرمني، وكان هذان نابين من أنياب المسلمين، ولم يكن من المستعين في ذلك حركة، فنفر المسلمون، وقطعوا الجسور وخربوا بعضها، وكسروا السجون وأخرجوا من فيها (٢).
وفيها: وثب الأتراك بأوتامش وكاتبه شجاع فقتلوهما، ولجأ (٣) إلى المستعين ولم ينفعه.
وفيها: توفي من العلماء أيوب الوزان، والحسن بن الصباح، وعبد بن حميد، ورجاء بن مرجّا، والفلاس.
***
السنة الموفية خمسين بعد المائتين
فيها: ظهر يحيى بن عمر الحسيني بالكوفة، وخرج الحسن بن زيد بطبرستان، كما هو مذكور في الأصل (٤).
стр. 1089
وفيها: توفي أبو الحسن أحمد بن محمد البزي المقرئ.
وفيها-وقيل في سنة خمس وخمسين-: توفي الإمام أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني.
وفيها: -أو في سنة خمس وخمسين-: توفي عمرو بن بحر الجاحظ البصري، والحافظ أبو عمرو نصر بن علي الجهضمي البصري، والحسين بن الضحاك الشاعر البصري المشهور بالخليع، والفضل بن مروان وزير المعتصم، والحافظ أبو الطاهر ابن السرح المصري، والحارث بن مسكين، وعباد الرواجني، وكثيّر بن عبيد.
وفيها: ظهر يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسن المكنى بأبي الحسين بالكوفة في صفر-وقيل: في رجب-فقتل، وقتل معه نحو من عشرين ألفا (١).
وفيها: خرج الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بطبرستان، فغلب عليها وعلى جرجان والري، فوجه محمد بن طاهر إليه من خراسان محمد بن ميكال، فقتل محمد بن ميكال، قتله رجل من أصحاب الحسن بن زيد يقال له: واجن، ودخل واجن الري، وخطب بها للحسن بن علي (٢).
***
السنة الحادية والخمسون بعد المائتين
فيها: وثب بغا الصغير ووصيف على باغر التركي فقتلاه، وكان عزم على الفتك بهما، وهو الذي قتل المتوكل، وشغبت الأتراك لأجله، وهموا بقتلهما، وهاجت الفتنة، فانحدر المستعين إلى بغداد ومعه وصيف وبغا، فنزل دار محمد بن عبد الله بن طاهر، فخلع الأتراك والمغاربة والفراعنة بسرّمن رأى المستعين، وبايعوا عبد الله بن المعتز، وثبت من ببغداد
стр. 1090
على البيعة للمستعين، وفي هذه الفتنة أدار محمد بن عبد الله بن طاهر على بغداد سورا غرم عليه ثلاث مائة ألف وثلاثين ألف دينار (١).
وفيها: خرج بالري محمد بن جعفر بن حسن بن علي بن عمر بن علي بن أبي طالب فغلب عليها (٢)، وخرج الحسين بن أحمد الكوكبي بالديلم (٣)، وخرج بالحجاز إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن حسن، ومات بمكة في سنة اثنتين وخمسين ومائتين (٤).
وفيها: توفي الحافظ أبو يعقوب إسحاق بن منصور المروزي المعروف بالكوسج، والحافظ حميد بن زنجويه، وعمرو بن عثمان، وأبو التقي هشام اليزني، وخشيش بن أصرم (٥)، وعبد الوهاب الوراق.
***
السنة الثانية والخمسون بعد المائتين
فيها: توفي الخليفة المستعين بالله أبو العباس أحمد بن المعتصم محمد بن الرشيد هارون العباسي في شهر رمضان.
وفيها: سخط المعتز على أخيه إبراهيم المؤيد، وحبسه وخلعه من ولاية العهد، فمات في آخر الشهر محبوسا، وألزم أخاه أبا أحمد منزله، ثم أشخصه إلى البصرة، وأخرج علي بن المعتصم فاكتريت له دار صالح بن مسكين بخمسين دينارا في كل شهر (٦).
وفيها: توفي من الحفاظ محمد بن بشار البصري المعروف ببندار.
***