← Тараджим

Тараджим · id 29560

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

الطيب بامخرمة

Полный текст (3 319 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

مقبوضة أصابع يده، مشيرا بالسبّابة كالمسبّح بها (١). وتوفي أبوه وهو حمل، قيل: قبل ولادته بشهرين (٢)، وأرضعته ثويبة عتيقة أبي لهب بلبان ابنها مسروح (٣). قلت: وفي «مغلطاي»: (وتوفيت ثويبة سنة سبع من الهجرة) (٤). قال أبو نعيم: لا أعلم أحدا أثبت إسلامها غير ابن منده (٥)، والله أعلم. ثم أرضعته حليمة بنت أبي ذؤيب السّعدية بلبان ابنها عبد الله أخي أنيسة وحذافة (٦)، وهي الشّيماء التي قدمت عليه بحنين وبسط لها رداءه، وقيل: القادمة عليه بحنين أمّه حليمة (٧). ونزل إليه ملكان وهو يلعب مع الغلمان في بني سعد، فشقا بطنه واستخرجا من قلبه حظ الشيطان، ثم غسلا قلبه وبطنه بالثلج وملآه حكمة وإيمانا، ثم وزناه بمائة ثم بخمس مائة ثم

стр. 107

بألف فوزنهم، فقال أحدهما للآخر: دعه؛ فلو وزنته بأمته كلها .. لوزنها (١)، وختما بين كتفيه بخاتم النبوة. وسارت به أمه إلى المدينة وهو ابن أربع سنين، وقيل غير ذلك (٢)؛ لتزوّره أخواله بني النجار، فماتت بالأبواء وهي راجعة (٣)، فحضنته بعد أمّه دايته أمّ أيمن بركة، وكفله جده عبد المطلب (٤)، ومات عبد المطلب عن مائة وعشر سنين وللنبي ﷺ ثمان سنين، فأوصى به إلى عمه-شقيق أبيه-أبي طالب، فكفله أبو طالب (٥). وخرج مع عمه أبي طالب إلى الشام وهو ابن اثنتي عشرة سنة حتى بلغ بصرى، فرآه بحيرا، واسمه: جرجيس، فعرفه بصفته، فقال وهو آخذ بيده: هذا سيد العالمين يبعثه الله رحمة للعالمين، فقيل له: وما علمك بذلك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم به من العقبة .. لم يبق شجر ولا حجر .. إلاّ خرّ ساجدا، ولا يسجدان إلا لنبي، وإنا نجده في كتبنا، وسأل أبا طالب أن يردّه خوفا عليه من اليهود (٦).

стр. 108

ولما بلغ ﷺ عشرين سنة .. حضر مع عمومته حرب الفجار في شوال، سمي بذلك لكونه في الأشهر الحرم، ورمى فيه ﷺ بأسهم، وكان بين قريش وهوازن (١). ولما بلغ ﷺ خمسا وعشرين سنة .. خرج ثانيا إلى الشام مع ميسرة غلام خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى في تجارة لها، وكانت استأجرته على أربع بكرات (٢) حتى بلغ سوق بصرى ونزل تحت شجرة، فقال نسطور الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبي (٣). وكان ميسرة يرى في الهاجرة ملكين يظلاّنه ﷺ من الشمس، فأخبر خديجة بذلك، فرغبت فيه ﷺ ؛ لما سبق لها من سابق السعادة، فخطبته إلى نفسها، فتزوجها ﷺ بعد رجوعه من الشام لنحو ثلاثة أشهر، وكانت خديجة إذ ذاك ابنة أربعين (٤) أو خمس وأربعين أو خمسين سنة (٥). ولمّا بلغ ﷺ خمسا وثلاثين سنة .. بنت قريش الكعبة، وتنافسوا في وضع الحجر في محله، فاتفقوا على أن يضعه أول داخل عليهم؛ فكان أول داخل عليهم النبي ﷺ ، فوضع الحجر بيده الكريمة في موضعه (٦) وذلك في يوم الاثنين. ولمّا بلغ ﷺ ثمانيا وثلاثين سنة .. كان ﷺ يرى الضوء والنور، ويسمع الصوت والنداء، ولا يرى أحدا (٧)، وحبّب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء (٨)، وكان عبادته الذكر، وقيل: الفكر. قال الشيخ العامري: (والظاهر: أنه كان قبل النبوة يدين بشريعة إبراهيم.

стр. 109

قال: والمختار: أنه لم يكن ملتزما شريعة أحد مع الاتفاق على أنه ﷺ لم يعبد صنما، ولم يقترف شيئا من قاذورات الجاهلية، وكانت الأحجار تسلم عليه قبل نبوته وتناديه بالرسالة، وقبل أن يشافهه جبريل بالرسالة بستة أشهر كان وحيه مناما، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح) (١). [ابتداء البعث]: ولما بلغ ﷺ أربعين سنة .. جاءه جبريل الأمين، بالرسالة من رب العالمين، إلى الخلق أجمعين. قال أهل التواريخ والسير: جاء جبريل إلى النبي ﷺ ليلة السبت، ثم ليلة الأحد، وخاطبه بالرسالة يوم الاثنين لثمان أو لعشر خلون من ربيع الأول (٢). وقيل: كان ذلك في رمضان لستة آلاف سنة ومائة سنة وثلاث وعشرين سنة من هبوط آدم كما ذكره المسعودي (٣). ولما بعث ﷺ .. أخفى أمره، وجعل يدعو أهل مكة، ومن أتاه إليها سرا، فاتّبعه أناس عامتهم ضعفاء من الرجال والنساء والموالي، وهم أتباع الرسل كما في حديث أبي سفيان مع هرقل (٤)، فلقوا من المشركين في ذات الله تعالى الأذى، فما ارتد أحد منهم عن دينه، ولا التوى. وأول من أسلم خديجة، ثم علي، ثم زيد بن حارثة، ثم أبو بكر على المشهور في ترتيب إسلامهم. والأحسن أن يقال: أول من أسلم من النساء خديجة، ومن الصبيان علي، ومن الرجال البالغين أبو بكر، ومن الموالي زيد بن حارثة (٥). وكان أبو بكر ﵁ رجلا مألوفا لخلقه ومعروفه، فلما أسلم .. جعل يدعو من

стр. 110

يغشاه إلى الإسلام، فأسلم على يده: عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله وغيرهم، ﵃. ثم دخل الناس في الإسلام أرسالا من الرجال والنساء حتى فشا دين الإسلام بمكة وتحدّث به. وفي السنة الرابعة [من المبعث]: نزل قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ، ﴾ فأظهر ﷺ دعوة الحق (١)، وكفاه الله المستهزئين كما وعده، وكانوا خمسة نفر: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وأبا زمعة الأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن قيس ابن غيطلة، قيل: ماتوا في يوم واحد بأدواء متنوعة (٢). ولمّا أظهر النبي ﷺ دعوة الحق .. لم يبعد منه قومه ولم يتفاحش أمرهم حتى ذكر عيب آلهتهم، وذلك في الرابعة، فاشتدوا عليه وأجمعوا له الشر، فحدب عليه عمه أبو طالب، وعرّض نفسه للشر دونه، وتآمرت قريش على تعذيب من أسلم، وحمى الله نبيه بعمه أبي طالب، وبني هاشم غير أبي لهب، وببني المطلب. واشترى أبو بكر جماعة من المعذّبين وأعتقهم، منهم بلال في ستة نفر. وفي رجب من سنة ست-وقيل: خمس-: أذن لهم في الهجرة إلى الحبشة (٣)، فهاجر منهم اثني عشر رجلا وأربع نسوة، وهي أول هجرة في الإسلام. وفيها: أسلم حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب. قلت: وفي «مغلطاي»: (أسلم بعد حمزة بثلاثة أيام) (٤)، والله سبحانه أعلم، ﵄، فأعز الله لهما الإسلام.

стр. 111

فلمّا رأى المشركون ظهور الإسلام، وفشوّه في القبائل .. اجتمعوا على أن يكتبوا صحيفة يتعاقدون فيها على بني هاشم وبني المطلب؛ ألا يناكحوهم ولا ينكحوا منهم، ولا يبيعوا منهم ولا يبتاعوا منهم، وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة هلال المحرم سنة سبع، فانحاز الهاشميون-غير أبي لهب-والمطلبيون إلى أبي طالب، ودخلوا معه في شعبه، وأقاموا محصورين نحو سنتين أو ثلاثا حتى جهدوا، وكان لا يصل إليهم شيء إلا يسيرا، فاجتمع خمسة من سادات قريش على نقض الصحيفة وهتكها، وهم: هشام بن عمرو العامري، وهو الذي تولّى كبر ذلك، وأبلى فيه، وسعى إلى باقي الأربعة؛ زهير بن أمية المخزومي-وأمه عاتكة بنت عبد المطلب-والمطعم بن عدي النوفلي، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود الأسدي، وقالوا: لا نقعد حتى نشق هذه الصحيفة، وكان ﷺ قد أخبر عمه أبا طالب بأن الأرضة قد أكلت جميعها إلا ما كان اسم الله، فلما قام مطعم بن عدي إلى الصحيفة ليشقها .. وجد الأرضة قد فعلت ما ذكره ﷺ (١). وفي السنة الثامنة [من المبعث]: نزلت (سورة الروم)؛ بسبب مخاطرة (٢) أبي بكر ﵁ لأبيّ بن خلف في ظهور الروم على فارس (٣). وفي السنة التاسعة [من المبعث]: كانت وقعة بعاث؛ اسم حصن للأوس، كانت به حرب عظيمة بينهم وبين الخزرج، وكانت الغلبة للأوس، فقدّمه الله تعالى في أسباب دخولهم في الإسلام (٤).

стр. 112

ولثمانية أشهر وأحد عشر يوما من العاشرة: مات عمه أبو طالب، فاشتد حزنه، ثم بعده بثلاثة أيام ماتت خديجة (١)، وكانت له وزير صدق، فتضاعف حزنه (٢). فلما مات أبو طالب .. نالت قريش من رسول الله ﷺ ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب؛ حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش، فوضع على رأسه ترابا (٣)، وطرح بعضهم على ظهره رحم الشاة وهو يصلي (٤)، وكان بعضهم يطرحها في برمته (٥) إذا نصبت له (٦)، وجميع ذلك إنما هو أذى يتأذى به مع قيام العصمة لجملته؛ ليناله حظه من البلاء، وليتحقق به مقام الصبر الذي أمر به كما صبر أولو العزم من الرسل. ولثلاثة أشهر من موت أبي طالب خرج ﷺ إلى ثقيف أهل الطائف وحده، وقيل: كان معه زيد بن حارثة، فأقام بها شهرا يدعوهم إلى الإسلام، فردوا عليه أقبح رد، واستهزؤوا به وأغروا به سفاءهم وعبيدهم يسألونه ويصيحون خلفه حتى ألجئوه إلى ظل حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة وكانا حينئذ هناك، فأرسلا إليه بطبق عنب مع غلامهما عدّاس فسأله ﷺ عن دينه وبلاده، فقال: إنه نصراني من أهل نينوى، فقال ﷺ : «من قرية الصالح يونس بن متّى؟ » فقال له عداس: وما يدريك؟ فقال ﷺ : «ذاك أخي، هو نبي وأنا نبي»، فقبل عداس رأسه ويديه ورجليه (٧). وانصرف ﷺ من الطائف راجعا مهموما مغموما، فلما بلغ قرن الثعالب وهو قرن المنازل .. أتاه جبريل ومعه ملك الجبال، واستأذنه أن يطبق عليهم الأخشبين وهما

стр. 113

جبلا مكة، فكره ﷺ ذلك وقال: «أرجو أن يخرج من أصلابهم من يوحد الله» (١). [قصة جن نصيبين]: ثم أخذ راجعا إلى مكة؛ حتى إذا كان بنخلة (٢) .. قام يصلي من جوف الليل، فمرّ به تسعة نفر أو سبعة من جنّ نصيبين؛ مدينة بالشام مباركة، وقيل: إنهم من جنّ نينوى، وإن جنّ نصيبين أتوه بعد ذلك بمكة، كذا قاله ابن إسحاق وغيره؛ أن سماع الجن كان بنخلة عند مرجعه من الطائف. وفي «البخاري» عن ابن عباس: أن ذلك كان عند انطلاقه في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، فسمعوه وهو يصلي بهم صلاة الفجر (٣). وفي «صحيح مسلم»: أنه أتاه داعي الجن مرة أخرى بمكة وذهب معه وقرأ عليهم القرآن، وسألوه الزاد فقال: «لكم كلّ عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكلّ بعرة علف لدوابكم»، فقال رسول الله ﷺ : «فلا تستنجوا بهما؛ فإنهما طعام إخوانكم الجن» (٤)، ويشبه تكرر اجتماعهم به ﷺ . ولمّا بلغ ﷺ في مرجعه من الطائف إلى حراء .. بعث إلى الأخنس بن شريق ليجيره، فقال: أنا حليف والحليف لا يجير، فبعث إلى سهيل بن عمرو، فقال: إن بني عامر لا تجير على بني كعب، فبعث ﷺ إلى المطعم بن عدي فأجاره، فلذلك قال ﷺ في أسارى بدر: «لو كان المطعم بن عدي حيا [ثم كلّمني] في هؤلاء النّتنى .. لتركتهم له» (٥). وفي هذه السنة-وهي عشر من المبعث، وخمسين من المولد-تزوّج ﷺ سودة بنت زمعة وبنى بها، ثم تزوج بعائشة بنت أبي بكر، ولم يدخل بها إلا بالمدينة (٦).

стр. 114

وفي سنة إحدى عشرة [من المبعث]: اجتهد ﷺ في عرض نفسه على القبائل في مجامعهم بالمواسم: منى وعرفات ومجنّة وذو المجاز (١)، وكان عمه أبو لهب يقفو أثره، فكلما دعا قوما .. كذبه وحذرهم منه. ولما أراد الله إعزاز دينه وسياقة الخير إلى الأنصار .. لقي ستة نفر من الخزرج عند العقبة، فعرض عليهم ما عرض، فقالوا فيما بينهم: والله؛ إنه للنبي الذي تواعدنا به يهود، فلا تسبقنا إليه، ثم صدّقوه وآمنوا بما جاء به، وأخبروه أنهم خلّفوا قومهم وبينهم العداوة والبغضاء، وقالوا: إن جمعنا الله بك .. فلا رجل أعز منك (٢). وهم فيما ذكر ابن إسحاق وغيره: أبو أمامة أسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث وهو ابن عفراء، ورافع بن مالك بن العجلان، وقطبة بن عامر، وعقبة بن عامر، وجابر بن عبد الله بن رئاب بن النعمان (٣)، ولما قدموا المدينة وأخبروا قومهم بذلك .. فشا فيهم الإسلام، فلم يبق دار من دورهم .. إلا وفيها ذكر من رسول الله ﷺ . [قصة الإسراء]: ولتسعة أشهر من الثانية عشرة، قبل الهجرة بسنة-كما صوبه الحافظ العامري (٤) -: أسري به ﷺ من المسجد الحرام من بين زمزم والمقام إلى المسجد الأقصى؛ وهو بيت المقدس، ثم إلى السماوات العلا، ثم إلى ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وفارقه جبريل، وانقطعت منه الأصوات، وسمع صريف الأقلام في اللوح المحفوظ، ثم

стр. 115

سمع كلام المولى ، فأوحى إليه ما أوحى، ورأى من آيات ربه الكبرى؛ كما نطق به الكتاب العزيز. والصحيح: أن الإسراء كان بروحه وجسده ﷺ يقظة لا مناما، أو أن الإسراء كان مرتين؛ مرة بروحه مناما، ومرة أخرى يقظة، أو أن الإسراء بجسده كان إلى بيت المقدس، وبروحه الشريفة إلى ما فوق ذلك (١). وفرضت الصلوات الخمس ليلة الإسراء (٢). فلما أصبح وأخبرهم بالإسراء .. كذّبته قريش واستبعدوا ذلك؛ حتى ارتد من ضعف إيمانه، ثم استوصفوه بيت المقدس، ولم يكن أثبت صفاته، فرفعه الله له، فجعل يخبرهم عنه وهو ينظره (٣)، وأخبرهم بالرفقة والعلامة في عيرهم (٤)، وأنها تجيء يوم الأربعاء، فجاءت في آخر يوم الأربعاء. [قصة موافاة الأنصار]: وفي موسم هذه السنة-أعني: سنة إحدى عشرة-: وافاه من الأنصار اثنا عشر رجلا؛ تسعة من الخزرج (٥)، وهم: أسعد بن زرارة، وعوذ (٦) ومعاذ ابنا عفراء، ورافع بن العجلان، وذكوان بن عامر، وعبادة بن الصّامت، ويزيد بن ثعلبة، وعباس بن عبادة، وعقبة بن عامر، وقطبة بن عامر، واثنان من الأوس، وهم: أبو الهيثم بن التّيّهان، وعويم بن ساعدة، فلقوا رسول الله ﷺ بالعقبة، وهي العقبة الأولى، فبايعوه بيعة النساء؛ ألاّ يشركوا بالله شيئا ولا يسرقوا ولا يزنوا ... إلى آخر ما قص الله سبحانه في آية بيعة النساء، فبعث معهم ﷺ مصعب بن عمير العبدري؛ يقرئهم القرآن ويعلمهم الأحكام، فكانوا يسمونه المقرئ، وكان منزله على أسعد بن

стр. 116

زرارة (١)، فأسلم على يديه أسيد بن حضير وسعد بن معاذ، فلما أسلم سعد .. لم يمس في دار بني عبد الأشهل مشرك، ثم فشا الإسلام في دور الأنصار كلها (٢). وفي سنة ثلاث عشرة من المبعث: خرج حجاج الأنصار من المسلمين مع حجاج قومهم من أهل الشرك، فلما قدموا مكة .. واعدوا رسول الله ﷺ العقبة من أوسط أيام التشريق، وهي العقبة الثالثة المتفق على صحّتها. فلما كان ليلة الميعاد .. باتوا مع قومهم، فلما مضى ثلث الليل .. خرجوا مستخفين، فلما اجتمعوا بالشعب عند العقبة .. جاءهم رسول الله ﷺ ، ومعه عمه العباس وهو إذ ذاك على شركه وإنما أراد التوثق لابن أخيه، فتكلم رسول الله ﷺ ، وتلا عليهم شيئا من القرآن، ثم قال: «أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم ونساءكم وأبناءكم»، ثم قال ﷺ : «أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا كفلا على قومهم»، فأخرجوا تسعة من الخزرج، وهم: أبو أمامة أسعد بن زرارة، عبد الله بن رواحة، سعد بن الرّبيع، رافع بن مالك بن العجلان، البراء بن معرور، سعد بن عبادة، عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر وكان إسلامه ليلتئذ، المنذر بن عمرو، عبادة بن الصّامت، وثلاثة من الأوس، وهم: أسيد بن حضير، سعد بن خيثمة، رفاعة بن عبد المنذر، وعدّ بعضهم بدل رفاعة أبا الهيثم بن التّيّهان (٣). ونقب ﷺ على النقباء أسعد بن زرارة، وقال لهم النبي ﷺ : «أنتم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا الكفيل على قومي» (٤) أي: المؤمنين، قالوا: نعم، فبايعوه، ووعدهم على الوفاء الجنة، وأول من بايع: البراء بن معرور، ثم تتابع الناس، وكانوا ثلاثة وسبعين رجلا وامرأتين (٥).

стр. 117

وقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «إن الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها» (١)، فأول من هاجر إلى المدينة بعد العقبة: أبو سلمة بن عبد الأسد، ثم عامر بن ربيعة، ثم عبد الله بن جحش، ثم تتابعوا أرسالا، فلقوا من الأنصار دارا، وجوارا آثروهم على أنفسهم في أقواتهم، وقاسموهم أموالهم. وأقام رسول الله ﷺ ينتظر الإذن في الهجرة، ولم يتخلف معه أحد إلا من حبس أو فتن، إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر الصديق ﵄؛ فإنهما حبسا أنفسهما على صحبة رسول الله ﷺ (٢). ولما رأت قريش ما لقي أصحاب النبي ﷺ من حسن الجوار وطيب الحال .. خافوا خروج النبي ﷺ ، فاجتمعوا في دار الندوة وتشاوروا في أمره، فتصور لهم إبليس في صورة شيخ نجدي مشاركا لهم في الرأي، فتحدثوا أن يربطوه في الحديد، ويغلقوا دونه الأبواب حتى يموت، أو أن يخرجوه من بين أظهرهم فيستريحوا منه، وأشار أبو جهل أن يجمعوا من كل قبيلة رجلا، فيقتلونه دفعة واحدة، فيفترق دمه في القبائل حتى يعجز قومه عن طلب الثأر، فحسّن الشيخ النجدي رأيه، وتفرقوا على ذلك (٣). ولما قصدوه لذلك .. أخبره جبريل بقصدهم، فأمر ﷺ عليا أن ينام على فراشه يتسجّى ببرده، وأخبره أنه لن يخلص إليه شيء يكرهه، فلما قعدوا على بابه لذلك .. خرج عليهم ﷺ وبيده حفنة من تراب، فجعل ينثرها على رءوسهم وهو يتلو صدر (سورة يس)، فأتاهم آت، فقال لهم: ما تنتظرون؟ قالوا: محمدا، قال: خيّبكم الله؛ قد خرج عليكم محمد، ثم ما ترك أحدا منكم إلا وقد وضع على رأسه ترابا، فمسّ كل منهم رأسه فوجده كما قيل، ثم نظروا إلى الفراش، فرأوا عليا مسجّى بالبرد، فبقوا متحيرين حتى أصبحوا، فقام علي، فعرفوا صدق المخبر لهم، وأنزل الله في

стр. 118

ذلك: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾ الآية (١). وفي سنة أربع عشرة [من المبعث]: أمر ﷺ بالهجرة، فخرج رسول الله ﷺ من مكة يوم الاثنين لأربع خلون من شهر ربيع الأول. قلت: وقال بعض العلماء المتأخرين ممن عني بتلخيص سيرة سيد المرسلين ﷺ : كان خروجه ﷺ من مكة آخر ليلة من شهر صفر، وأقام في الغار ثلاثة أيام، ودخل عوالي المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول، والله سبحانه أعلم. وسيأتي في ذكر الأحداث ما جرى منذ هجرته ﷺ إلى المدينة مرتبا على السنين من الغزوات وغيرها مبسوطا إلى آخر وفيات طبقة العشرين الأولى، لكن لا بأس بذكر ما ينبغي ذكره ههنا على الاختصار من ذلك (٢). [ابتداء الهجرة له ﷺ ]: ففي السنة الأولى من الهجرة: بنى ﷺ مسجده الشريف ومساكنه، ونصب له أحبار يهود العداوة، وساعدهم منافقو الأوس والخزرج، وآخى ﷺ بين المهاجرين والأنصار، وبعث ﷺ مولياه زيد بن حارثة وأبا رافع ليأتيا ببناته وزوجته سودة، فقدموا بهم إلى المدينة إلا زينب زوجة أبي العاصي بن الربيع؛ فإنها تخلفت بمكة إلى بعد وقعة بدر، وبعث معهما أبو بكر عبد الله بن أريقط العامري لعائشة وأمها، وصام ﷺ عاشوراء، وشرع الأذان، وأسلم عبد الله بن سلام الإسرائيلي وسلمان الفارسي، ومات أسعد بن زرارة والبراء بن معرور وكلثوم بن الهدم ﵃. السنة الثانية: غزا ﷺ ودّان، وحولت القبلة إلى الكعبة، وفرض صيام رمضان وصدقة الفطر، وصلّى الله عليه وسلم عيد الفطر، وابتنى بعائشة، وتزوج علي بفاطمة، وأسلم العباس بن عبد المطلب.

стр. 119

وفيها: كانت سرية عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف إلى [ثنيّة المرة، مرجع النبي ﷺ من غزوة] الأبواء، وهي أول راية عقدها ﷺ ، ثم سرية حمزة بن عبد المطلب إلى سيف البحر من ناحية العيص (١)، ثم غزوة بواط (٢) من ناحية رضوى (٣)، ثم غزوة العشيرة. وفيها: بعث ﷺ سعد بن أبي وقاص إلى الخرّار (٤) من أرض الحجاز (٥)، وبعث ابن عمته عبد الله بن جحش إلى بطن نخلة بين مكة والطائف (٦). وفيها: غزوة بدر الكبرى المشهورة، ثم غزوة بني قينقاع يهود المدينة، ثم غزوة السّويق، ثم غزوة بني سليم بالكدر (٧)، ثم غزوة ذي أمر (٨). وفيها: سرية زيد بن حارثة. وفيها: قتل كعب بن الأشرف وأبو رافع عبد الله بن [أبي] الحقيق. السنة الثالثة: بها تزوج ﷺ حفصة، وتزوج عثمان بأم كلثوم، وولد الحسن بن علي. وفيها: غزوة أحد، وغزوة حمراء الأسد، وغزوة بني النضير، وبدر الثالثة، وسرية عاصم بن ثابت الأنصاري إلى الرجيع، وسرية أصحاب بئر معونة. السنة الرابعة: فيها: قصرت الصلاة، وتزوج ﷺ أم سلمة، وولد الحسين بن علي.

стр. 120

وفيها: قصة ابن أبيرق وسرقته الدّرع. وفيها: توفي عبد الله بن عثمان من رقيّة بنت رسول الله ﷺ ، وفاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب. وفيها: غزوة ذات الرّقاع، وشرع فيها صلاة الخوف. وفيها: كانت قصة غورث بن الحارث وقصد فتكه بالنبي ﷺ . وفيها: قصة جمل جابر بن عبد الله. وفي هذه السنة: كانت غزوة بني المصطلق، وهي: غزوة المريسيع، وتزوج ﷺ جويرية بنت الحارث. وفي هذه الغزاة: قال ابن أبيّ ما قال، فأنزل الله (سورة المنافقين). وفيها: نزلت رخصة التيمم، وجرى حديث الإفك. وفي هذه السنة: كانت غزوة الخندق، وقيل: في الخامسة. وفيها: غزوة بني قريظة، ومات سعد بن معاذ، وحرّمت الخمر. السنة الخامسة: فيها-على خلاف-: فرض الحج، وقدم ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد أهل رضاع النبي ﷺ ، وتزوج ﷺ زينب بنت جحش، وفي بنائه بها نزلت آية الحجاب. وفيها: ركب ﷺ فرسا إلى الغابة، فسقط عنه فجحش فخذه الأيمن، فأقام في البيت أياما يصلي قاعدا. وفيها: غزوة بني لحيان من هذيل لطلب الثأر بأصحاب الرجيع. السنة السادسة: فيها: ﷺ صلاة الاستسقاء. وفيها: كسفت الشمس فصلّى صلاة الكسوف. وفيها: نزل حكم الظّهار. وفيها: صلح الحديبية، وبيعة الرضوان.

стр. 121

وفيها: أسلم خالد بن الوليد، وعمرو بن العاصي، وعقيل بن أبي طالب. وفيها: غزوة الغابة، وتسمى: ذي قرد (١)؛ لاستنقاذ لقاح النبي ﷺ التي أغارت عليها بنو فزارة (٢). وفيها: قصة العرنيّين الذين استوخموا المدينة (٣). وفيها: ماتت أم رومان زوجة أبي بكر، أم عائشة وعبد الرحمن (٤). وفيها: جهّز ﷺ بعثه إلى ملوك الأقاليم يدعوهم إلى الإسلام. وفيها: تزوج ﷺ أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان بن حرب. السنة السابعة: فيها: فتحت خيبر، فأهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلاّم بن مشكم شاة مسمومة مصليّة (٥)، فنهس منها نهسة ولم يسغها، وقال: «إنه ليخبرني أنه مسموم» (٦). وفيها: فتح وادي القرى، وتزوج ﷺ بصفية بنت حيي. وفيها: فاتتهم صلاة الصبح بالوادي، فأول من استيقظ رسول الله ﷺ بعد طلوع الشمس. وفيها: أسلم أبو هريرة. وفيها: غزوة زيد بن حارثة أغار فيها على جذام. وفيها: غزوة ذات السلاسل. وفيها: اعتمر ﷺ عمرة القضاء، وتزوج ﷺ ميمونة بسرف (٧).

стр. 122

السنة الثامنة: فيها: قدم وفد عبد القيس، وماتت زينب بنت رسول الله ﷺ ، ووقع غلاء بالمدينة، فقالوا: سعّر لنا يا رسول الله؛ فقال: «إن الله هو المسعّر القابض الباسط، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة» (١). وفيها: اتخذ النبي ﷺ المنبر، فصاح الجذع الذي كان يخطب عليه حتى نزل ﷺ وسكّنه (٢). وفيها: غزوة مؤتة قتل فيها الأمراء: زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة ﵃. وفيها: غزوة سيف البحر، وأميرهم أبو عبيدة ابن الجراح يرصدون عيرا لقريش، فجاعوا جوعا شديدا، فألقى لهم البحر دابّة عظيمة، فأكلوا منها وادّهنوا. وفيها: فتحت مكة. وفيها: غزوة حنين، وأوطاس، وحصار الطائف. وفيها: بعث ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة من كنانة، فقالوا: صبأنا، ولم يحسنوا [أن] يقولوا: أسلمنا، فقتلهم خالد، فلامه النبي ﷺ ، وودى لهم قتلاهم، ثم بعثه ﷺ لهدم العزّى بنخلة. وفيها: أسلم عباس بن مرداس، وكعب بن زهير وأنشد النبيّ ﷺ قصيدته (بانت سعاد) المشهورة. وفيها: بعث ﷺ عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي في جيش، فلما كانوا ببطن إضم (٣) .. مرّ بهم عامر بن الأضبط الأشجعي، فسلم عليهم، فكف عنه القوم، فحمل عليه محلّم بن جثّامة فقتله لعداوة كانت بينهما، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً﴾ الآية.

стр. 123

وفي آخر هذه السنة: ولد إبراهيم بن النبي ﷺ . السنة التاسعة: فيها: قدمت الوفود على النبي ﷺ بإسلام قومهم، ولذلك تسمى: سنة الوفود. وفيها: غزوة تبوك، ولم يكن في عامها غزوة غيرها. وفي هذه السنة: اعتزل ﷺ نساءه شهرا؛ من أجل الخبر الذي أفشته حفصة ﵂. وفيها-بعد مرجعه من تبوك-: لاعن ﷺ بين عويمر العجلاني وزوجته، وبين هلال بن أمية الواقفي وزوجته. وفيها: رجم ﷺ ماعزا والغامدية؛ لإقرارهما بالزنا. وفيها: ماتت أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ زوجة عثمان الثانية. وفيها: توفي النجاشي بالحبشة، وصلّى عليه رسول الله ﷺ بأصحابه في المدينة (١). وفيها: حج أبو بكر الصديق بالناس، ثم أردفه ﷺ بعلي؛ ليؤذّن ب (براءة). السنة العاشرة: فيها: أسلم سيد بجيلة جرير بن عبد الله البجلي، فبعثه ﷺ إلى ذي الخلصة بيت لخثعم تدعى: كعبة اليمانية، فهدمه وحرّقه، ثم بعثه ﷺ إلى اليمن بعد حجة الوداع قبيل موته. وفيها: بعث ﷺ خالد بن الوليد إلى بني الحارث بن كعب أهل نجران، فأسلموا ووفدوا إلى النبي ﷺ ، وبعث ﷺ علي بن أبي طالب إلى اليمن. وفي آخر هذه السنة: قدم على النبي ﷺ مسيلمة الكذاب.

стр. 124

وفيها: حج ﷺ بالناس حجة الوداع، وفي يوم عرفة بعرفة: نزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً.﴾ وفي صفر سنة إحدى عشرة: ضرب ﷺ بعثا إلى الشام، وأمّر عليهم أسامة بن زيد بن حارثة مولاه، وأمره أن يوطئ [الخيل] تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين. وفي أول شهر ربيع الأول: خرج ﷺ ليلا إلى البقيع، فدعا لهم واستغفر كالمودع للأموات، وأصبح يشكو رأسه. قلت: وفي بعض السير: بدأ المرض برسول الله ﷺ لليلتين بقيتا من شهر صفر، والله أعلم (١). فخرج ﷺ عاصبا رأسه، وصعد المنبر، وحثّهم على تنفيذ جيش أسامة، وانضم إلى الصّداع الحمّى، وأصابه أيضا وجع الخاصرة، وقال ﷺ في مرضه الذي مات فيه: «يا عائشة؛ ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السّم» (٢)، فيحتمل أن يكون مع وجودها تداعت أسباب هذه الأواجع كلها. واشتد وجعه في بيت ميمونة وفي يومها، فاستأذن ﷺ أزواجه أن يمرض في بيت عائشة، فأذنّ له، فخرج من بيت ميمونة إلى بيت عائشة ويد له على علي والأخرى على الفضل بن العباس. وتوفي ﷺ آخر يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول حين اشتد الضحى. وقال السهيلي: (لا يصح أن تكون وفاته يوم الاثنين إلا في ثاني الشهر أو ثالث عشره أو رابع عشره أو خامس عشره؛ للإجماع على أن وقوفه بعرفة كان يوم الجمعة، فيكون ذو الحجة بالخميس والمحرم بالجمعة أو بالسبت، فإن كان بالجمعة .. فصفر إما بالسبت أو بالأحد، فأول ربيع إما الأحد أو الاثنين أو الثلاثاء، وإن كان المحرم بالسبت .. فصفر إما

стр. 125

بالأحد أو الاثنين، فأول ربيع إما الاثنين أو الثلاثاء أو الأربعاء) (١). وكان شدة مرضه اثني عشر يوما، وغسّل ﷺ في قميصه من ماء بئر يقال لها: الغرس (٢) ثلاث غسلات بماء وسدر، وولي غسله علي والعباس وابنه الفضل، وكان قثم وأسامة يصبون الماء وأعينهم معصوبة، وحضرهم أوس بن خولي من غير أن يلي شيئا، وقيل: كان يحمل الماء، وحنّط ﷺ بالكافور، وقيل: بالمسك، وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، نسبة إلى السّحول باليمن، وصلّى عليه المسلمون فرادى؛ الرجال ثم الصبيان ثم النساء، وألحد قبره، وفرش شقران فيه قطيفة كان يتغطى بها ﷺ ، وتولّى دفنه العباس وعلي والفضل وقثم وشقران وابن عوف وعقيل وأسامة وأوس بن خولي، وعمره ﷺ ثلاث وستون سنة، وما في «مسلم» بأنه ابن خمس وستين (٣) .. باعتبار سنتي المولد والوفاة. فصل في ذكر صفته ﷺ وأخلاقه وشمائله ومعجزاته وغير ذلك أما صفته ﷺ : فروي عن علي ﵁: (أنه لم يكن بالطويل الممغّط-أي: الذاهب طولا-ولا بالقصير المتردد، كان ربعة من القوم، لم يكن بالجعد القطط، ولا بالسّبط، كان جعدا رجلا، ولم يكن بالمطهّم-أي: البادن الكثير اللحم- ولا بالمكلثم-أي: القصير الحنك الناتئ الجبهة-كان في وجهه تدوير، أبيض مشرب، أدعج العينين، أهدب الأشفار، جليل المشاش والكتد، أجرد ذو مسربة، شثن الكفين والقدمين، إذا مشى .. تقلّع كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت .. التفت معا، بين كتفيه خاتم النبوة وهو خاتم النبيين، أجرأ الناس صدرا، وأصدقهم لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة .. هابه، ومن خالطه معرفة .. أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ (٤).

стр. 126

وقال أنس: (ما لمست ديباجا ولا حريرا ألين من كف رسول الله ﷺ ، ولا شممت رائحة قط أطيب من ريحه ﷺ (١). (أشجع الناس) (٢)؛ (كان يتقى به عند البأس) (٣). وأسخاهم؛ (ما سئل شيئا قط .. فقال: لا) (٤). وأحلمهم؛ (كسرت رباعيته وشج وجهه .. فقال: «اللهم؛ اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون») (٥). وأزهدهم في الدنيا؛ قال أبو هريرة ﵁: (خرج ﵊ من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير هو وأهل بيته) (٦)، و (كان يأتي عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيت من بيوته نار، كان قوتهم التمر والماء) (٧). قالت عائشة ﵂: (ألا إن حولنا أهل دور من الأنصار يبعثون بشياههم، فنصيب من ذلك اللبن حدا) (٨)، وقد (عرضت عليه الدنيا فأعرض عنها وأباها) (٩). و(كان ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها) (١٠)، لا يثبت بصره في وجه أحد، وكان لا يشتم لنفسه، و (لا يغضب لها إلا أن تنتهك حرمات الله) (١١)، وإذا

стр. 127

غضب لله .. لم يقم لغضبه أحد، و (ما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما .. كان أبعد الناس منه) (١). و(ما عاب طعاما قط، إن اشتهاه .. أكله، وإلا .. تركه) (٢)، و (كان لا يأكل متكئا) (٣) (ولا على خوان ولا في سكرجة، ولا خبز له مرقق) (٤)، أكل البطيخ بالرطب، والقثاء بالرطب وقال: «يكسر حرّ هذا برد هذا» (٥). و(كان يحب الحلواء والعسل) (٦)، و (أحبّ الشراب إليه الحلو البارد) (٧)، و (يحب الطيب) (٨) ويكره الريح الكريهة. و(كان يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويخدم في مهنة أهله) (٩)، و (يحلب الشاة) (١٠)، و (يجيب من دعاه من غني أو فقير، ويحب المساكين، ويعود المرضى، ويشهد الجنائز) (١١)، ولا يحقر فقيرا لفقره، ولا يهاب ملكا لملكه، يركب الفرس والبعير والبغلة والحمار، ويردف خلفه العبد والصغير وغيرهما (١٢)، و (كان يلبس الصوف) (١٣)، و (ينتعل المخصوف) (١٤)، و (أحب اللباس إليه الحبرة) (١٥).

стр. 128

(يألف أهل الشرف ويكرم أهل الفضل) (١)، ولا يطوي بشره عن أحد ولا يجفو عنه، (يمزح ولا يقول إلا حقا) (٢)، (أفكه الناس خلقا) (٣)، يقبل معذرة من اعتذر إليه، (يكثر الذكر ويقل اللغو، يطيل الصلاة ويقصر الخطبة، يمشي مع الأرملة والعبد) (٤)، (كان خلقه القرآن) (٥) (يغضب لغضبه ويرضى لرضاه) (٦). وأما معجزاته ﷺ (٧): فأكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر: (انشقاق القمر) (٨)، و (نبع الماء من بين أصابعه الشريفة؛ حتى توضأ وشرب نحو ألف وخمس مائة بالحديبية) (٩)، و (سبّح الحصى في كفّه) (١٠)، و (كان يسمع تسبيح الطعام وهو يأكل) (١١)، و (يسلّم عليه الحجر والشجر) (١٢)، و (يسلّم عليه البعير) (١٣) و (الضب) (١٤)، و (يشهد الذئب بنبوته) (١٥)، و (أصيبت عين قتادة بن النعمان يوم أحد أو يوم بدر؛ حتى وقعت على وجنته .. فردّها ﵊ بيده) (١٦)، فكانت أصح عينيه وأحدّهما، لا ترمد إذا رمدت الأخرى، و (تفل في عين علي يوم خيبر وكان أرمد ..

стр. 129

فبرأ من ساعته) (١)، [يقول علي ﵁]: (فما رمدت ولا صدعت بعد) (٢). و(أصيبت رجل عبد الله بن عتيك فمسحها بيده الكريمة .. فبرأت من حينها) (٣)، و (أطعم أهل الخندق وهم ألف من صاع شعير وبهيمة في بيت جابر حتى شبعوا والطعام أكثر ما كان) (٤)، و (أطعم من بيت أبي طلحة ثمانين رجلا من أقراص شعير جاء بها أنس تحت إبطه حتى شبعوا وبقي كما هو) (٥)، و (أطعم في بنائه بزينب من قصعة أهدتها له أم سليم خلقا، ثم رفعت وهي كما هي) (٦). وأخبر ﷺ بأشياء قبل وقوعها فوقعت، كما أخبر ﷺ : (أن الشام واليمن يفتحان) (٧)، و (أن أمته يفتحون مصرا أرضا يذكر فيها القيراط) (٨)، و (أن المسلمين يقاتلون قوما صغار الأعين، دلف الأنوف، عراض الوجوه) (٩)، و (أن خزائن فارس والروم تفتح، وتنفق كنوزهما في سبيل الله) (١٠)، و (أن سراقة يسور سواري كسرى) (١١)، و (أن أويسا القرني يقدم مع أمداد اليمن وكان به برص، فبرأ منه إلا قدر درهم) (١٢)، وغير ذلك مما يطول ذكره، والله سبحانه أعلم. فصل في ذكر أولاده وزوجاته وأعمامه وعماته ومواليه وخدمه وغير ذلك أولاده ﷺ الذكور (١٣): القاسم أكبرهم، وبه يكنى صلّى الله عليه

стр. 130

وسلم، وعبد الله، ويلقب بالطّيّب والطاهر، وقيل: اسمه الطيب، والطاهر ولد ثالث. وهؤلاء من خديجة، هلكوا قبل النبوة وهم يرضعون، وقيل: بلغ القاسم أن يركب الدابة ويسير على النّجيبة (١). والرابع من الأولاد الذكور: إبراهيم، أمه مارية القبطية، ولد بالمدينة، ومات رضيعا. وأما البنات : فزينب ورقية وأم كلثوم [وفاطمة]، وكلهن من خديجة ﵂، وأدركن الإسلام، وهاجرن ومتن قبله ﷺ ، فكن في ميزانه إلا فاطمة؛ فإنها ماتت بعده بأشهر، فكان النبي ﷺ في ميزانها، وحق لمن كان النبي ﷺ في ميزانها أن تفضل على من سوى النبيين. وأما زوجاته ﷺ (٢): فاللاتي دخل بهن: خديجة بنت خويلد الأسدية، ثم سودة بنت زمعة العامرية، ثم عائشة بنت أبي بكر الصديق التيمية، ثم حفصة بنت عمر بن الخطاب العدوية، وأم حبيبة بنت أبي سفيان الأموية، وأم سلمة هند بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية، وزينب بنت جحش الأسدية، [وجويرية بنت الحارث المصطلقية]، وصفية بنت حيي بن أخطب النضرية الإسرائيلية الهارونية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وأم المساكين زينب بنت خزيمة الهلالية، فاثنتان منهن متن قبله ﷺ ، وهما: خديجة بنت خويلد، وزينب بنت خزيمة، والباقيات مات ﷺ وهن في عقده. وتزوج ﷺ فاطمة بنت الضحاك، ولما نزلت آية التخيير .. اختارت الدنيا ففارقها، ثم ندمت فلم يحل له الرجوع إليها (٣).

стр. 131

وتزوج ﷺ أساف-أو شراف-بنت خليفة أخت دحية بن خليفة (١)، ولم تقم عنده إلا يسيرا حتى توفيت، وقيل: توفيت قبل أن يدخل بها. وذكر في أزواجه ﷺ : عالية بنت ظبيان، وطلقها حين أدخلت عليه (٢)، وخولة، وقيل: خويلة بنت حكيم، يقال: هي التي وهبت نفسها (٣)، وقيل: الواهبة: أم شريك (٤)، ويجوز أن يكونا معا. وزينب بنت الصّلت، وماتت قبل أن يدخل بها (٥). وامرأة من بني غفار، فلما نزعت ثيابها .. رأى بها برصا، فقال: «الحقي بأهلك» (٦). والجونية، وهي: المتعوّذة، قال لها ﷺ : «هبي نفسك لي»، قالت: وهل تهب الملكة نفسها لسوقة، فأهوى بيده ليضع يده عليها لتسكن، فقالت: أعوذ بالله منك، فقال: «عذت بمعاذ»، ثم قال ﷺ : «اكسها يا أسيد رازقيتين-أي: ثياب كتان بيض-وألحقها بأهلها» (٧). وخطب ﷺ امرأة من أبيها، فوصفها أبوها، ثم قال: أزيدك أنها لم

стр. 132

تمرض-يصفها بذلك-فتركها ﷺ (١). وخطب امرأة إلى أبيها، فقال أبوها: إن بها برصا، ولم يكن بها برص، فرجع إليها أبوها؛ فإذا هي برصاء (٢). وذكر ابن هشام وغيره تبعا لابن إسحاق: أن جملة أزواجه ﷺ أربع عشرة؛ ست قرشيات، وسبع عربيات، وإسرائيلية (٣). وذكر أبو سعيد في «شرف النبوة»: أن جملتهن إحدى وعشرون. واتفقوا على أنه ﷺ دخل بإحدى عشرة، مات ثنتان قبله، وتوفي عن تسع، وكان يقسم لثمان، وأكثر صداق عقد به ﷺ لنفسه وبناته: خمس مائة درهم. وأما عمومته ﷺ (٤): فالذكور منهم أحد عشر، أسلم اثنان منهم، وهما: حمزة بن عبد المطلب، والعباس بن عبد المطلب. والباقون: أبو طالب، واسمه: عبد مناف شقيق عبد الله أبي النبي ﷺ ، أمهما: أم عاتكة فاطمة بنت عمرو المخزومية. والحارث بن عبد المطلب، وهو والد أبي سفيان، وهو أكبر أولاد عبد المطلب. وشقيقه قثم بن عبد المطلب، مات صغيرا (٥). والزّبير (٦) بن عبد المطلب أبو ضباعة وأمّ الحكم الصحابيتين.

стр. 133

وعبد الكعبة بن عبد المطلب (١). والغيداق بن عبد المطلب، سمي بذلك لسخائه وجوده (٢). وحجل بن عبد المطلب-بحاء مهملة ثم جيم مفتوحة-واسمه: المغيرة (٣). وضرار بن عبد المطلب شقيق العباس. وأبو لهب بن عبد المطلب، واسمه: عبد العزى، وكني: أبا لهب لحسن وجهه، أو باعتبار مآله إليها، نسأل الله العافية. وأما عماته .. فستّ (٤): صفية، أمّ الزبير بن العوام، وهي شقيقة حمزة، أسلمت وهاجرت. وعاتكة، وهي صاحبة الرؤيا في يوم بدر. وأروى، أمّ طليب بن عمير الصحابي البدري. وأميمة، أمّ زينب أمّ المؤمنين، وأمّ عبد الله وأبي أحمد الشاعر، وأمّ حبيبة وحمنة الصحابيتين، أولاد جحش بن رئاب. وبرّة، أمّ أبي سلمة بن عبد الأسد بن هلال المخزومي. وأمّ حكيم، واسمها: البيضاء، توأمة عبد الله أبي النبي ﷺ ، وهي أمّ أروى بنت كريز بن ربيعة العبشمي، وأروى أمّ عثمان بن عفان ﵁.

стр. 134

ولم أر من تعرّض لذكر أخواله وخالاته ﷺ ، ورأيت لبعض العلماء: (أن آمنة بنت وهب أمّ النبي ﷺ فرد أبيها، لم يكن لها أخ ولا أخت) اهـ وقوله [تعالى] في (سورة الأحزاب): ﴿وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللاّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ﴾ يدل على أن له خالا وخالات (١). وأما مواليه ﷺ (٢): من الرجال: زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، وابنه أسامة. وثوبان بن بجدد: قيل: إنه من حمير، أصابه سبي في الجاهلية. وأبو كبشة: وكان من مولّدي مكة. وأنيسة: من مولدي السّراة. وشقران: واسمه: صالح، قيل: ورثه من أبيه، وقيل: اشتراه من عبد الرحمن بن عوف وأعتقه. ورباح: أسود نوبي، اشتراه من وفد عبد القيس وأعتقه. ويسار: نوبي أيضا، أصابه في بعض الغزوات، وهو الذي قتله العرنيون ومثّلوا به، وحمل إلى المدينة ميتا. وأبو رافع القبطي: واسمه: أسلم، وهبه العباس للنبي ﷺ ، فأعتقه النبي ﷺ حين بشّره بإسلام العباس. وأبو مويهبة: من مولدي مزينة، اشتراه ﷺ وأعتقه. وفضالة.

стр. 135

ورافع: كان لسعيد بن العاصي، فورثه ولده، فأعتقه بعضهم، وتمسك بعضهم، فوهب له النبي ﷺ ما أدى قيمته، فكان يقول: أنا مولى رسول الله ﷺ . ومدعم: وهبه له رفاعة بن زيد الجذامي، فقتل بوادي القرى، فقال فيه ﷺ : «إن الشّملة التي غلّها لتشتعل عليه نارا» (١). وكركرة: أهداه له هوذة بن علي الحنفي فأعتقه، وكان على ثقل النبي ﷺ ، وكان نوبيا. وزيد: جدّ بلال بن يسار بن زيد. وعبيدة، وطهمان. ومأبور القبطي: من هدايا المقوقس، وهو ابن عم مارية أمّ إبراهيم، وكان خصيا. وواقد، وأبو واقد، وهشام. وأبو ضميرة: كان من الفيء، فأعتقه ﷺ يوم حنين. وأبو عسيب (٢): قال في «البهجة» للعامري: (واسمه: أحمر) (٣). وأبو عبيد. وسفينة، واسمه: مهران (٤): من مولدي الأعراب، وقيل: من أبناء فارس، اشتراه النبي ﷺ فأعتقه، وقيل: أعتقته أم سلمة، وشرطت عليه خدمة النبي ﷺ .

стр. 136

وأبو هند: ابتاعه النبي ﷺ منصرفه من الحديبية وأعتقه، وقال في حقه: «زوّجوا أبا هند وتزوجوا إليه» (١). وأنجشة: حادي القوارير. وأنسة الحبشي. وأبو لبابة: كان لبعض عماته ﷺ ، فوهبته له، فأعتقه. ورويفع: سباه من هوازن فأعتقه، وجملتهم أحد وثلاثون. ومواليه من الإماء سبع (٢): سلمى: أمّ رافع. وبركة: أمّ أيمن، وهي: أم أسامة بن زيد، ورثها ﷺ من أبيه، فحضنته بعد وفاة أمه، فلما كبر ﷺ .. أعتقها، وزوجها من مولاه زيد بن حارثة، قيل: أصلها من سبي الحبشة أصحاب الفيل. ومارية القبطية: أمّ إبراهيم بن النبي ﷺ ، أهداها المقوقس. وريحانة بنت عمرو القرظية: اصطفاها ﷺ من سبي بني قريظة (٣). وميمونة بنت سعد، وخضرى، ورضوى. وأما خدمه من الأحرار ﷺ (٤): فأنس بن مالك، خدمه تسع سنين. وهند وأسماء ابنا حارثة الأسلميان. وربيعة بن سعد الأسلمي: كان من أصحاب الصفة. وعبد الله بن مسعود الهذلي: كان صاحب نعلي رسول الله ﷺ ؛ إذا

стр. 137

قام .. ألبسه إياهما، وإذا جلس .. جعلهما في ذراعيه حتى يقوم، وكان يخبئ له سواكه. وعقبة بن عامر الجهني: كان صاحب بغلة رسول الله ﷺ يراعيه ويقود به في الأسفار. وبلال بن رباح: خدمه ولازمه حضرا وسفرا، وتولى الأذان، وهو أول من أذن في الإسلام. وسعد: مولى أبي بكر الصديق. وذو مخمر، ويقال له: ذو مخبر، ابن أخي النجاشي، وقيل: ابن أخته. وبكير بن شدّاخ الليثي، وأبو ذر الغفاري ﵃. وأما حرسه ﷺ الذين يحرسونه (١): فسعد بن معاذ سيد الأنصار؛ حرسه يوم بدر حين نام ﷺ في العريش، وذكوان بن عبد قيس (٢)، ومحمد بن مسلمة الأنصاري؛ حرسه بأحد، والزبير بن العوام؛ حرسه يوم الخندق، وعبّاد بن بشر، وسعد بن أبي وقاص، وأبو أيوب الأنصاري؛ حرسه بخيبر حين دخل بصفية، وبلال؛ حرسه بوادي القرى. قالت عائشة ﵂: كان النبي ﷺ يحرس حتى نزلت: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ، ﴾ فأخرج النبي ﷺ رأسه من القبة، فقال: «أيها الناس؛ انصرفوا فقد عصمني الله» (٣). وأما رسله ﷺ إلى الملوك (٤): فأحد عشر: أرسل دحية بن خليفة إلى قيصر، وعبد الله بن حذافة إلى كسرى، وحاطب بن أبي بلتعة اللخمي إلى المقوقس صاحب مصر والإسكندرية-واسمه: جريج بن مينا-وعمرو بن العاصي إلى ابن الجلندى وأخيه ملكي عمان (٥)، وسليط بن عمرو العامري إلى هوذة بن علي الحنفي، وشجاع بن

стр. 138

وهب الأسديّ إلى الحارث بن أبي شمر الغسّاني ملك البلقاء، ثم أرسله ثانيا إلى جبلة بن الأيهم الغسّاني، والمهاجر بن أبي أمية المخزومي إلى الحارث بن عبد كلال الحميري أحد مقاولة اليمن، والعلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى العبدي ملك البحرين. وأما كتّابه ﷺ : فخمسة وعشرون (١)؛ وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن الأرقم، وأبي بن كعب، وثابت بن قيس بن شمّاس، وخالد بن سعيد بن العاصي، وأخوه أبان، وحنظلة بن أبي عامر الأسدي، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان، وشرحبيل ابن حسنة، وعبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول، والزبير بن العوام، ومعيقيب بن أبي فاطمة الدوسي، والمغيرة بن شعبة، وخالد بن الوليد، والعلاء بن الحضرمي، وعمرو بن العاصي، وجهيم بن الصّلت، وعبد الله بن رواحة، ومحمد بن مسلمة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح. فصل في ذكر دوابه (٢) الخيل والبغال والحمير ونعمه وغنمه وسلاحه وبيوته وملبوساته وغير ذلك من أنواع آلاته [كان له من الخيل] كان له من الخيل: السّكب، وكان أدهم أغرّ محجّلا طلق اليمين، وهو أول فرس ملكه، اشتراه من أعرابي من بني فزارة بعشر أواق، وكان تحته يوم أحد. وفرس يسمى: سبحة، وهو الذي سابق عليه فسبق ففرح به. وآخر يسمى: المرتجز؛ لحسن صوته، اشتراه من سواء بن الحارث المحاربي، وانطلق لينقده ثمنه، فأعطي أكثر من ذلك، فجحد بيع النبي ﷺ ، فشهد

стр. 139

خزيمة بن ثابت له بالمشترى، فقال له: «كيف تشهد ولم تحضر؟ ! » قال: نصدقك بخبر السماء ولا نصدقك فيما في الأرض؟ ! فقال ﷺ : «من شهد له خزيمة أو شهد عليه .. فحسبه» فسمي: ذا الشهادتين (١). وفرس يقال له: لزاز، أهداه له المقوقس، وكان يعجبه ويركبه في أكثر غزواته. وفرس يقال له: اللّحيف، أهداه له ربيعة بن أبي البراء، فأثابه فرائض من نعم بني كلاب. وفرس يقال له: الضّرب (٢)، أهداه له فروة بن عمرو الجذامي. وفرس يقال له: الورد، أهداه له تميم الداري، فأعطاه عمر، فحمل عليه عمر في سبيل الله، ثم أضاعه الذي حمله عليه عمر وأخرجه للبيع، فأراد عمر شراءه، فنهاه النبي ﷺ عن العود في هبته. وفرس يقال له: الصّرم، وفرس يقال له: ملاوح، كان لأبي بردة بن نيار. وفرس يقال له: البحر، اشتراه من تجار قدموا من البحرين، فسبق عليه ثلاث مرات، فمسح ﷺ وجهه وقال: «ما أنت إلا بحر» (٣). [كان له من البغال] وكان له من البغال: شهباء، أهداها له المقوقس يقال لها: دلدل، وهي أول بغلة ركبت في الإسلام، وعاشت بعده حتى كبرت وزالت أضراسها، فكان يحشّ لها الشعير، وماتت بينبع في زمن معاوية ﵁. وأخرى يقال لها: فضّة، وهبها من أبي بكر (٤). وأخرى يقال لها: الأيليّة، أهداها له ملك أيلة. وأخرى بيضاء، أهداها فروة بن نفاثة الجذامي، وهي التي ركبها يوم حنين، ولما أخذ ﷺ القبضة من التراب التي رمى بها وجوه الكفار .. تطأطأت [به] حتى بلغ بطنها الأرض.

стр. 140

[كان له من الحمير] وكان له ﷺ من الحمير حمار يقال له: يعفور، أهداه له فروة بن عمرو الجذامي، مات في حجة الوداع، وقيل: بقي بعده، وألقى نفسه في بئر يوم موته ﷺ أسفا. وعفير، أهداه له المقوقس، قال الحافظ أبو زكريا العامري: (وأما الحمار الذي أصابه بخيبر، وكلمه بكلام طويل، وأنه بعد موت النبي ﷺ تردى في بئر .. فقال الحفاظ: هو حديث منكر إسنادا ومتنا) (١). [كان له من الإبل] وكان له ﷺ من الإبل عشرون لقحة بالغابة، يراح له منها كل ليلة بقربتين عظيمتين لبنا، منهن: الحنّاء، والسّمراء، والعريس، والسّعدية، والبغوم، والنّسيرة، والرّنّاء، وبردة، ومهريّة. وكانت ناقته التي يركب عليها: القصواء، وهي: الجدعاء، والعضباء، وكل هذه الألقاب لنقص يكون في الأذن، ولم يكن بناقة النبي ﷺ شيء من ذلك، وإنما هي ألقاب لزمتها، وكان لا يحمل النبيّ ﷺ إذا نزل عليه الوحي غيرها. [كان له من الغنم] وكان له من الغنم مائة لا يزيد عليها، فإذا راح الراعي بسخلة .. ذبح مكانها أخرى (٢)، وكان له شاة يختص بشرب لبنها، تدعى: غيثة (٣). ولم يذكر أنه اقتنى من البقر شيئا. وكان له ديك أبيض. وأما سلاحه ﷺ (٤): فكان له أربعة أرماح، ثلاثة أصابها من سلاح بني قينقاع، والرابع يقال له: المنثني. وكانت له عنزة وهي: حربة دون الرمح كان يمشي بها في يديه، وتحمل بين يديه في العيدين حتى تركز أمامه فتكون سترته.

стр. 141

وكان له محجن قدر الذراع يتناول به الشيء (١). وكان له مخصرة تسمى: العرجون (٢)، وقضيب يسمى: الممشوق. وكان له أربع قسي؛ اثنان من شوحط (٣) يسميان: الروحاء والبيضاء، وأخرى من نبع تسمى: الصفراء، وأخرى تسمى: الكتوم، كسرت يوم بدر. وكان له جعبة (٤) تسمى: الكافور. وكان له ترس عليه تمثال عقاب، أهدي له، فوضع يده عليه، فأذهبه الله (٥). وكان له ﷺ تسعة أسياف: ذو الفقار، كان لمنبه بن الحجاج السهمي، تنفّله ﷺ يوم بدر (٦)، وثلاثة أسياف من سلاح بني قينقاع، يدعى أحدهم: البتّار، والآخر: الحتف، [والثالث: القلعيّ]، وكان له سيف يقال له: المخذم، وسيف يسمى: الرّسوب، وآخر ورثه من أبيه (٧)، وآخر يدعى: العضب، أهداه له سعد بن عبادة، وآخر يدعى: القضيب، وهو أول سيف تقلّده ﷺ . وكان له تسعة أدراع: يسمى أحدها: الخرنق للينها، وأخرى: البتراء لقصرها، وأخرى: ذات الفضول لطولها، وهي التي مات وهي مرهونة، وذات الوشاح، وذات الحواشي، وفضّة، والسّغديّة، وقيل: هي درع داود التي كانت عليه حين قتل جالوت، ودرعان أصابهما من بني قينقاع، نقل ذلك الحافظ العامري (٨) عن الكمال الدميري (٩).

стр. 142

قال العامري: (ودرعه الخطميّة التي سلّحها عليا، وأمره أن يجعلها صداقا لفاطمة، وروي: أنه أمره أن يبيعها في جهازها) (١). وكان له ﷺ مغفر يقال له: السّبوغ، ومنطقة من أدم فيها ثلاث حلق فضة (٢)، وكانت له راية سوداء مخمّلة (٣) يقال لها: العقاب، وكان لواؤه أبيض، وربما جعلت الألوية من خمر نسائه ﷺ . وكان له تسعة أبيات؛ بعضها من جريد مطيّن بالطين، وبعضها من حجارة مرضومة (٤) بعضها فوق بعض، وسقف الجميع جريد النخل، وكان سماؤها (٥) قامة وبسطة، لكل بيت حجرة من أكسية الشعر مربوطة في خشب عرعر (٦). وبعد وفاة أمهات المؤمنين خلط الوليد بن عبد الملك البيوت والحجر في المسجد على يدي أميره عمر بن عبد العزيز، فلما ورد كتابه بذلك .. ضجّ أهل المدينة بالبكاء كيوم وفاته ﷺ . وأما لباسه ﷺ (٧): فكان يلبس ما وجد: مرّة شملة، ومرة حبرة يمانية، ومرة جبّة، ومرة قباء. وتوشح مرة بثوب قطري (٨)، ومرة ببرد نجراني غليظ الحاشية، وكان أحب الثياب إليه القميص (٩) والحبرة (١٠)، وترك ﷺ يوم مات ثوبي حبرة، وإزارا عمانيا، ورداء أخضر حضرميا يشهد فيه العيدين، طوله: أربعة أذرع وشبر، وعرضه: ذراعان، وثوبين صحاريين، وقميصا صحاريا-وصحار: قرية باليمن-وقميصا سحوليا، وجبّة

стр. 143

يمنية، وخميصة وكساء أبيض ملبّدا، وقلانس صغارا لاطية (١) ثلاثا أو أربعا، وإزارا طوله: خمسة أشبار، وملحفة مورّسة (٢)، وكانت له عمامة سوداء، وأخرى يقال لها: السّحاب، كساها عليا، وأهدى له النجاشي خفين ساذجين فلبسهما، وأهدى له دحية خفّين فلبسهما حتى تخرّقا، وكان له نعلان جرداوان (٣)، لهما قبالان، مثنّى شراكهما (٤). وكان له ﷺ خاتم من فضة، وفصّه حبشي (٥)، وآخر من ورق، نقشه: (محمد رسول الله)، كان يختم به كتبه ﷺ ، وكان بعده بيد أبي بكر الصديق، ثم عمر، ثم عثمان حتى سقط منه في بئر أريس، فنزحوها فلم توجد، ومن بعد ذلك اليوم اختلف الناس على عثمان، كان له خاتما للفتنة. وكان له ربعة (٦) فيها مرآة، تسمى: المدلّة، ومشط (٧) ومكحلة ومقراض (٨) وسواك. وكان له وسادة من أدم حشوها ليف، وسرير مزمل بشريط، وقبة يضربها في أسفاره، تسع أربعين رجلا، وسفرة يأكل عليها، وقصعة يقال لها: الغرّاء، يحملها أربعة رجال، لها أربع حلق، وقدح من خشب مضبّب بثلاث ضبّات من فضة، وقيل: من حديد، وفيه حلقة يعلق بها، كان بعده عند أنس، ثم عند بنيه بعده. وكان له قدح من زجاج، وقدح آخر يدعى: الرّيان، وتور من حجارة (٩)، ومخضب من شبه (١٠) يكون فيه الحناء والكتم (١١)، يوضع على رأسه إذا وجد حرا. وكان له مغتسل من صفر (١٢)، وصاع يخرج به فطرته ﷺ وشرّف وكرّم، صلاة وتسليما كثيرا.

стр. 144

١٧٨ - [أم أيمن حاضنة النبي ﷺ ] (١) أم أيمن، واسمها: بركة، قيل: إنها بنت محصن بن ثعلبة بن عمرو بن حفص (٢) بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان. قال الواقدي: وقد ذكر بعض المؤرخين: أنها من سبي جيش أبرهة صاحب الفيل، لما انهزم أبرهة عن مكة .. أخذها عبد المطلب من قبل عسكره. وفي «صحيح مسلم» عن الزهري: أنها كانت وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب، وكانت من الحبشة، فلما ولد رسول الله ﷺ بعد ما توفي أبوه .. كانت أم أيمن تحضنه حتى كبر رسول الله ﷺ ، فأعتقها وأنكحها مولاه زيد بن حارثة (٣). وكانت قبل زيد عند عبيد الحبشي، فولدت له أيمن الذي كنيت به. أسلمت قديما وهاجرت إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، وفي سفرها إلى المدينة أصابها عطش شديد ولم يكن عندها ماء، فسمعت قعقعة فوقها، فرفعت رأسها؛ فإذا بدلو مدلّى من السماء فيه ماء، فشربت منه ماء عذبا باردا، ثم رفع، ويقال: إنها لم تظمأ بعد ذلك (٤). وكان لها إدلال على النبي ﷺ ، وكان ﷺ يحبّها ويزورها في بيتها، وزارها أبو بكر وعمر بعد موته ﷺ . وقال ﷺ : «أم أيمن أمي بعد أمي» (٥).

стр. 145

وتوفيت بعده ﷺ بخمسة أشهر. قلت: قال الحافظ العامري في «البهجة»: (وكانت أول أهله لحوقا به بعد فاطمة) (١)، والله أعلم. وقال النووي: (وما ذكره الواقدي في وفاتها في خلافة عثمان .. فشاذ منكر مردود) (٢). قال ابن سيرين: وكانت أم أيمن سوداء؛ فلهذا خرج لون ابنها أسامة كلونها وإن كان أبوه زيد أبيض. ١٧٩ - [فاطمة الزهراء] (٣) فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ ، وتكنى بأم أبيها، سيدة نساء العالمين ما عدا مريم بنت عمران، أمها خديجة بنت خويلد. وهي أصغر بناته ﷺ على الصحيح، وأنكحها رسول الله ﷺ عليا ﵁ بعد أحد وهي بنت خمس عشرة سنة وخمسة أشهر، فولدت الحسن والحسين ومحسنا-مات صغيرا-وأم كلثوم وزينب، وانقطع نسل رسول الله ﷺ إلا منها، ولما توفي رسول الله ﷺ .. وجدت عليه وجدا عظيما. وتوفيت لثلاث خلون من رمضان سنة إحدى عشرة بعد وفاة أبيها بستة أشهر، وكان عمرها سبعا أو تسعا وعشرين سنة (٤)، وفضائلها ومناقبها مشهورة لا حاجة إلى التطويل بذكرها رحمها الله ورضي عنها.
следующие страницы →