← Тараджим

Тараджим · id 29560

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

الطيب بامخرمة

Полный текст (3 319 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وكان له محجن قدر الذراع يتناول به الشيء (١). وكان له مخصرة تسمى: العرجون (٢)، وقضيب يسمى: الممشوق. وكان له أربع قسي؛ اثنان من شوحط (٣) يسميان: الروحاء والبيضاء، وأخرى من نبع تسمى: الصفراء، وأخرى تسمى: الكتوم، كسرت يوم بدر. وكان له جعبة (٤) تسمى: الكافور. وكان له ترس عليه تمثال عقاب، أهدي له، فوضع يده عليه، فأذهبه الله (٥). وكان له ﷺ تسعة أسياف: ذو الفقار، كان لمنبه بن الحجاج السهمي، تنفّله ﷺ يوم بدر (٦)، وثلاثة أسياف من سلاح بني قينقاع، يدعى أحدهم: البتّار، والآخر: الحتف، [والثالث: القلعيّ]، وكان له سيف يقال له: المخذم، وسيف يسمى: الرّسوب، وآخر ورثه من أبيه (٧)، وآخر يدعى: العضب، أهداه له سعد بن عبادة، وآخر يدعى: القضيب، وهو أول سيف تقلّده ﷺ . وكان له تسعة أدراع: يسمى أحدها: الخرنق للينها، وأخرى: البتراء لقصرها، وأخرى: ذات الفضول لطولها، وهي التي مات وهي مرهونة، وذات الوشاح، وذات الحواشي، وفضّة، والسّغديّة، وقيل: هي درع داود التي كانت عليه حين قتل جالوت، ودرعان أصابهما من بني قينقاع، نقل ذلك الحافظ العامري (٨) عن الكمال الدميري (٩).

стр. 142

قال العامري: (ودرعه الخطميّة التي سلّحها عليا، وأمره أن يجعلها صداقا لفاطمة، وروي: أنه أمره أن يبيعها في جهازها) (١). وكان له ﷺ مغفر يقال له: السّبوغ، ومنطقة من أدم فيها ثلاث حلق فضة (٢)، وكانت له راية سوداء مخمّلة (٣) يقال لها: العقاب، وكان لواؤه أبيض، وربما جعلت الألوية من خمر نسائه ﷺ . وكان له تسعة أبيات؛ بعضها من جريد مطيّن بالطين، وبعضها من حجارة مرضومة (٤) بعضها فوق بعض، وسقف الجميع جريد النخل، وكان سماؤها (٥) قامة وبسطة، لكل بيت حجرة من أكسية الشعر مربوطة في خشب عرعر (٦). وبعد وفاة أمهات المؤمنين خلط الوليد بن عبد الملك البيوت والحجر في المسجد على يدي أميره عمر بن عبد العزيز، فلما ورد كتابه بذلك .. ضجّ أهل المدينة بالبكاء كيوم وفاته ﷺ . وأما لباسه ﷺ (٧): فكان يلبس ما وجد: مرّة شملة، ومرة حبرة يمانية، ومرة جبّة، ومرة قباء. وتوشح مرة بثوب قطري (٨)، ومرة ببرد نجراني غليظ الحاشية، وكان أحب الثياب إليه القميص (٩) والحبرة (١٠)، وترك ﷺ يوم مات ثوبي حبرة، وإزارا عمانيا، ورداء أخضر حضرميا يشهد فيه العيدين، طوله: أربعة أذرع وشبر، وعرضه: ذراعان، وثوبين صحاريين، وقميصا صحاريا-وصحار: قرية باليمن-وقميصا سحوليا، وجبّة

стр. 143

يمنية، وخميصة وكساء أبيض ملبّدا، وقلانس صغارا لاطية (١) ثلاثا أو أربعا، وإزارا طوله: خمسة أشبار، وملحفة مورّسة (٢)، وكانت له عمامة سوداء، وأخرى يقال لها: السّحاب، كساها عليا، وأهدى له النجاشي خفين ساذجين فلبسهما، وأهدى له دحية خفّين فلبسهما حتى تخرّقا، وكان له نعلان جرداوان (٣)، لهما قبالان، مثنّى شراكهما (٤). وكان له ﷺ خاتم من فضة، وفصّه حبشي (٥)، وآخر من ورق، نقشه: (محمد رسول الله)، كان يختم به كتبه ﷺ ، وكان بعده بيد أبي بكر الصديق، ثم عمر، ثم عثمان حتى سقط منه في بئر أريس، فنزحوها فلم توجد، ومن بعد ذلك اليوم اختلف الناس على عثمان، كان له خاتما للفتنة. وكان له ربعة (٦) فيها مرآة، تسمى: المدلّة، ومشط (٧) ومكحلة ومقراض (٨) وسواك. وكان له وسادة من أدم حشوها ليف، وسرير مزمل بشريط، وقبة يضربها في أسفاره، تسع أربعين رجلا، وسفرة يأكل عليها، وقصعة يقال لها: الغرّاء، يحملها أربعة رجال، لها أربع حلق، وقدح من خشب مضبّب بثلاث ضبّات من فضة، وقيل: من حديد، وفيه حلقة يعلق بها، كان بعده عند أنس، ثم عند بنيه بعده. وكان له قدح من زجاج، وقدح آخر يدعى: الرّيان، وتور من حجارة (٩)، ومخضب من شبه (١٠) يكون فيه الحناء والكتم (١١)، يوضع على رأسه إذا وجد حرا. وكان له مغتسل من صفر (١٢)، وصاع يخرج به فطرته ﷺ وشرّف وكرّم، صلاة وتسليما كثيرا.

стр. 144

١٧٨ - [أم أيمن حاضنة النبي ﷺ ] (١) أم أيمن، واسمها: بركة، قيل: إنها بنت محصن بن ثعلبة بن عمرو بن حفص (٢) بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان. قال الواقدي: وقد ذكر بعض المؤرخين: أنها من سبي جيش أبرهة صاحب الفيل، لما انهزم أبرهة عن مكة .. أخذها عبد المطلب من قبل عسكره. وفي «صحيح مسلم» عن الزهري: أنها كانت وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب، وكانت من الحبشة، فلما ولد رسول الله ﷺ بعد ما توفي أبوه .. كانت أم أيمن تحضنه حتى كبر رسول الله ﷺ ، فأعتقها وأنكحها مولاه زيد بن حارثة (٣). وكانت قبل زيد عند عبيد الحبشي، فولدت له أيمن الذي كنيت به. أسلمت قديما وهاجرت إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، وفي سفرها إلى المدينة أصابها عطش شديد ولم يكن عندها ماء، فسمعت قعقعة فوقها، فرفعت رأسها؛ فإذا بدلو مدلّى من السماء فيه ماء، فشربت منه ماء عذبا باردا، ثم رفع، ويقال: إنها لم تظمأ بعد ذلك (٤). وكان لها إدلال على النبي ﷺ ، وكان ﷺ يحبّها ويزورها في بيتها، وزارها أبو بكر وعمر بعد موته ﷺ . وقال ﷺ : «أم أيمن أمي بعد أمي» (٥).

стр. 145

وتوفيت بعده ﷺ بخمسة أشهر. قلت: قال الحافظ العامري في «البهجة»: (وكانت أول أهله لحوقا به بعد فاطمة) (١)، والله أعلم. وقال النووي: (وما ذكره الواقدي في وفاتها في خلافة عثمان .. فشاذ منكر مردود) (٢). قال ابن سيرين: وكانت أم أيمن سوداء؛ فلهذا خرج لون ابنها أسامة كلونها وإن كان أبوه زيد أبيض. ١٧٩ - [فاطمة الزهراء] (٣) فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ ، وتكنى بأم أبيها، سيدة نساء العالمين ما عدا مريم بنت عمران، أمها خديجة بنت خويلد. وهي أصغر بناته ﷺ على الصحيح، وأنكحها رسول الله ﷺ عليا ﵁ بعد أحد وهي بنت خمس عشرة سنة وخمسة أشهر، فولدت الحسن والحسين ومحسنا-مات صغيرا-وأم كلثوم وزينب، وانقطع نسل رسول الله ﷺ إلا منها، ولما توفي رسول الله ﷺ .. وجدت عليه وجدا عظيما. وتوفيت لثلاث خلون من رمضان سنة إحدى عشرة بعد وفاة أبيها بستة أشهر، وكان عمرها سبعا أو تسعا وعشرين سنة (٤)، وفضائلها ومناقبها مشهورة لا حاجة إلى التطويل بذكرها رحمها الله ورضي عنها.

стр. 146

وكانت أشبه الناس بأبيها في حديثها ومشيها، ولما توفيت .. غسلتها أسماء بنت عميس وعلي ﵃، ودفنت ليلا. ١٨٠ - [مالك بن نويرة الحنظلي] (١) مالك بن نويرة-كتصغير نار-ابن حمزة اليربوعي، أخو متمّم. قدم على النبي ﷺ ، وأسلم، فلما توفي النبي ﷺ .. منع الزكاة واتّهم بالردة، فقتله خالد بن الوليد وتزوج امرأته، فقدم أخوه متمّم على أبي بكر يطلب بدمه، فودى أبو بكر مالكا من بيت المال، وقال عمر لخالد: قتلت مسلما، وكان من الرجال المعدودين (٢)، وفيه يقول أخوه متمّم ﵄: [من الطويل] لقد لامني عند القبور على البكا ... صحابي لتذراف الدّموع السّوافك فقالوا أتبكي كلّ قبر رأيته ... لقبر ثوى بين اللّوى والدّكادك (٣) فقلت لهم إنّ الشّجى يبعث الشّجى ... دعوني فهذا كلّه قبر مالك ١٨١ - [زيد بن الخطّاب] (٤) أبو عبد الرحمن زيد بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي، أخو عمر بن الخطاب

стр. 147

لأبيه، وأسنّ منه، أسلم قبل عمر، وهو من المهاجرين الأولين. وشهد بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، قال عمر يوم أحد: خذ درعي، فقال: إني أريد من الشهادة ما تريد، فتركا الدرع، وآخى النبي ﷺ بينه وبين معن بن عديّ الأنصاري، فقتلا جميعا باليمامة، وكانت الراية يومئذ مع زيد، فلم يزل يتقدم بها في نحر العدو، ثم ضارب بسيفه حتى قتل ووقعت الراية، فأخذها مولى أبي حذيفة، وحزن عليه عمر حزنا شديدا، وقال: ما هبّ الصّبا إلا وأنا أجد ريح زيد. وقال ﵀: زيد سبقني إلى الحسنيين؛ أسلم قبلي، واستشهد قبلي. وكانت وقعة اليمامة في ربيع الأول سنة ثنتي عشرة، وقيل: إحدى عشرة (١)، ﵁. ١٨٢ - [معن بن عدي] (٢) معن بن عدي العجلاني البلوي، حليف بني عمرو بن عوف. شهد العقبة وبدرا والمشاهد كلها، لا عقب له، وآخى النبي ﷺ بينه وبين زيد بن الخطاب فقتلا جميعا باليمامة، ﵄. ١٨٣ - [أبو حذيفة بن عتبة] (٣) أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس القرشي.

стр. 148

قلت: اسمه هشام، وقيل: هشيم، وهو الأشهر (١)، كذا ذكره العلامة عبد الله بن محمد بن أحمد بافضل في «كفاية مريد الدراية»، والله أعلم. أمه فاطمة بنت صفوان بن أمية، أسلم قديما قبل دخوله ﷺ دار الأرقم، وهاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، وهمّ بقتل أبيه يوم بدر، فنهاه النبي ﷺ عن ذلك، وهو زوج سهلة بنت سهيل بن عمرو، وشهد المشاهد كلها، وكان من فضلاء الصحابة، وآخى النبي ﷺ بينه وبين عبّاد بن بشر. واستشهد يوم اليمامة عن ثلاث أو أربع وخمسين سنة، ولا عقب له، ﵁. ١٨٤ - [سالم مولى أبي حذيفة] (٢) سالم مولى أبي حذيفة، وهو أبو عبد الله سالم بن عبيد بن ربيعة، وقيل: سالم بن معقل. أصله: من أهل فارس من إصطخر، أعتقته مولاته بثينة (٣) امرأة أبي حذيفة الأنصارية، فتولّى أبا حذيفة، فتبناه، فلهذا يقال له: قرشي وأنصاري وفارسي. كان من فضلاء الصحابة، هاجر قبل النبي ﷺ ، فكان يؤم المهاجرين

стр. 149

بالمدينة، وزوّجه أبو حذيفة بنت أخيه فاطمة بنت الوليد بن عتبة، وكانت من المهاجرات، من أفضل أيامى قريش. وشهد سالم بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ . ولما قتل زيد بن الخطاب باليمامة .. أخذ اللواء سالم، فقيل له: لو أعطيته غيرك يخشى عليه معك، فقال: بئس حامل القرآن أنا إذا! فقطعت يمينه، فأخذ اللواء بيساره، فقطعت يساره، فاعتنق اللواء وهو يقول: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ ولم يزل يتلوها حتى قتل، وفضائله كثيرة، ﵁. ١٨٥ - [ثابت بن قيس بن شماس] (١) ثابت بن قيس بن شمّاس الأنصاري الخزرجي المدني. خطيب الأنصار، وخطيب رسول الله ﷺ ، بشره ﷺ بالجنة، وأخبره أنه من أهلها. شهد أحدا وما بعدها من المشاهد مع رسول الله ﷺ . واستشهد يوم اليمامة وكانت عليه درع نفيسة، فأخذها رجل، فرأى آخر ثابتا في منامه بعد موته يقول له: إني أوصيك وصية، فإياك أن تقول: هذا حلم فتضيعه؛ إني قتلت أمس، فمرّ بي رجل فأخذ درعي، ومنزله في أقصى الناس، وعند خبائه فرس يستن في طوله، وقد كفأ على الدرع برمة، وفوق البرمة رحل، فأت خالدا، فمره فليبعث فليأخذها، فإذا قدمت المدينة .. فقل لأبي بكر: عليّ من الدين كذا وكذا، وفلان من رقيقي حرّ وفلان، فأخبر الرجل خالدا بذلك، فبعث إلى الدرع فأتي بها على ما وصف، وأخبر أبا بكر برؤياه فأجاز وصيته (٢)، وقال: لا نعلم أحدا أوصى بعد موته فأجيزت وصيته غير ثابت ﵁.

стр. 150

وكانت اليمامة سنة ثنتي عشرة كما في «تاريخ اليافعي» (١)، وقيل: سنة إحدى عشرة، وجزم به النووي رحمه الله تعالى (٢). ١٨٦ - [أبو دجانة] (٣) أبو دجانة بضم الدال، واسمه: سماك بن خرشة بن لوذان الأنصاري الخزرجي الساعدي، من رهط سعد بن عبادة. شهد بدرا، وكان من الأبطال الشجعان المعروفين، ودافع عن رسول الله ﷺ يوم أحد. وفي «صحيح مسلم» عن أنس: أنه ﷺ أخذ سيفا يوم أحد وقال: «من يأخذ مني هذا؟ »، فبسطوا أيديهم، كلّ إنسان منهم يقول: أنا أنا، قال: «فمن يأخذه بحقه؟ » فأحجم القوم، فقال أبو دجانة: أنا آخذه بحقه، فأخذه ففلق به هام المشركين (٤). وقال: [من الرجز] أنا الذي عاهدني خليلي ... ونحن بالسّفح لدى النّخيل ألاّ أقوم الدهر في الكبول ... أضرب بسيف الله والرسول (٥) وشهد بقية المشاهد مع رسول الله ﷺ ، واستشهد يوم اليمامة على الأصح، وله مشاركة في قتل مسيلمة الكذاب، وقيل: إنه عاش وشهد صفين، ﵁.

стр. 151

١٨٧ - [بشير بن سعد] (١) بشير بن سعد-بفتح الباء وكسر الشين-ابن ثعلبة بن جلاس (٢) بن زيد بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصاري المدني الصحابي، والد النعمان بن بشير. شهد العقبة الثانية وبدرا وأحدا والخندق وما بعدها من المشاهد مع رسول الله ﷺ . قيل: إنه أول من بايع أبا بكر الصديق من الأنصار بالخلافة، واستشهد مع خالد بن الوليد يوم عين التمر بعد انصرافه من اليمامة سنة اثنتي عشرة، ﵁. ١٨٨ - [بشير بن عبد الله] (٣) بشير بن عبد الله الأنصاري، وقيل: بشر، استشهد يوم اليمامة، ﵁. ١٨٩ - [الطّفيل بن عمرو] (٤) الطّفيل بن عمرو بن طريف الدوسي. أسلم قديما بمكة، وقال للنبي ﷺ : أنا راجع إلى قومي وداعيهم إلى

стр. 152

الإسلام، فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونا عليهم، فقال: «اللهم؛ اجعل له آية» فظهر نور بين عينيه، فقال: أخشى أن يقولوا: مثلة، فحولها الله إلى رأس سوطه، فكان كالقنديل المعلق (١)، فأسلم أهله، ثم قدم بمن أسلم من قومه ورسول الله ﷺ بخيبر، فنزل بهم المدينة في سبعين أو ثمانين بيتا من دوس، ثم لحق برسول الله ﷺ بخيبر، فأسهم لهم مع المسلمين، ولم يزل مع رسول الله ﷺ حتى قبض ﷺ . فلما ارتدت العرب .. خرج مجاهدا أهل الردة حتى فرغ من نجد وسار مع المسلمين إلى اليمامة، فرأى في منامه كأن رأسه محلوق، وأنه خرج من فمه طائر، وأنه لقيته امرأة فأدخلته فرجها، وأن ابنه عمرا طلبه طلبا حثيثا، ثم حبس [عن] ذلك، فأوّل ذلك لنفسه: حلق رأسه بقطعه، وخروج الطائر بخروج روحه، وإدخال المرأة [له] في فرجها بحفر الأرض له ودفن عينه فيها، وطلب ابنه له ثم حبسه؛ فإنه سيجهد أن يصيبه ما أصاب أباه من الشهادة، فكان كذلك: قتل الطفيل باليمامة شهيدا، وجرح ابنه عمرو بن الطفيل، ثم عوفي، وقتل عام اليرموك في خلافة عمر شهيدا، ﵁. ١٩٠ - [عبّاد بن بشر الحارثي] (٢) عبّاد بن بشر بن قيظي الحارثي، شهد بدرا (٣)، وقتل يوم اليمامة، ﵁. ١٩١ - [عبّاد بن بشر الأشهلي] (٤) عبّاد بن بشر بن وقش بن زغبة الأنصاري الأشهلي، يكنى: أبا بشر، وقيل: أبو الربيع.

стр. 153

شهد بدرا والمشاهد كلها، وكان من فضلاء الصحابة. وقتل يوم اليمامة وهو ابن خمس وأربعين سنة، ولا عقب له، ﵁. ١٩٢ - [أبو العاصي بن الربيع] (١) أبو العاصي بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، القرشي العبشمي. زوج زينب بنت رسول الله ﷺ ، وهو أبو أمامة التي حملها ﷺ في صلاته (٢)، وأمه هالة، وقيل: هند بنت خويلد أخت خديجة أم المؤمنين، والصحيح: أن اسمه لقيط (٣). كان فيمن أسر يوم بدر، فبعثت زوجته زينب قلادة لها في فدائه، فمنّ عليه بلا فداء؛ كرامة لرسول الله ﷺ ، وشرط عليه أن يرسل زينب إلى المدينة، فوفّى بذلك؛ فلذلك قال ﷺ : «حدّثني فصدقني، ووعدني فوفى لي» (٤)، ثم أسلم قبل الفتح أول السنة الثامنة، فرد عليه رسول الله ﷺ زينب بنكاح جديد، وقيل: بالنكاح الأول (٥)، وتوفيت زينب عنده، وتوفي هو في سنة اثنتي عشرة في شهر ذي الحجة، ﵁. ١٩٣ - [عكاشة بن محصن] (٦) عكاشة-بتشديد الكاف وتخفيفها-ابن محصن-بكسر الميم-بن حرثان-بضم الحاء

стр. 154

المهملة وإسكان الراء ثم مثلثة-الأسدي، من ولد أسد بن خزيمة بن مدركة حليف بني عبد شمس. شهد بدرا وأبلى فيه بلاء حسنا، قالوا: وانكسر سيفه، فأعطاه ﷺ عرجونا أو عودا، فعاد في يده سيفا شديد المتن أبيض الحديدة، فقاتل به، ولم يزل يشهد به المشاهد مع رسول الله ﷺ (١)، وكان ذلك السيف يسمى: العون. وثبت في الحديث: أنه ممن يدخل الجنة بغير حساب (٢)، واستشهد يوم اليمامة؛ ﵁. ١٩٤ - [أبو بكر الصّدّيق] (٣) أبو بكر الصديق، اسمه: عبد الله-وقيل: عتيق، لقّب [به] لحسن وجهه وجماله، أو لعتقه من النار، أو لأنه لم يكن في نسبه شيء يعاب به، وأجمعوا على تلقيبه بالصّدّيق؛ لمبادرته إلى تصديق رسول الله ﷺ ، ولازم الصدق فلم تقع منه هناة ولا وقفة في حال من الأحوال-ابن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب القرشي التيمي، يجتمع مع رسول الله ﷺ في مرّة بن كعب. أمه أم الخير سلمى بنت صخر بن عامر، بنت عم أبيه. أسلم أبوه وأمه، وصحبا رسول الله ﷺ ، ولا يعرف أربعة متناسبون بعضهم من بعض صحبوا رسول الله ﷺ إلا آل أبي بكر، وهم أبو عتيق بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة، وعبد الله بن أسماء بنت أبي بكر بن أبي قحافة. وله في الإسلام المواقف الرفيعة منها: ثباته في أمر الإسراء، وجوابه للكفار في ذلك، وهجرته مع رسول الله ﷺ تاركا لعياله وأطفاله وماله، وملازمته له في الغار

стр. 155

وسائر الطريق، ثم كلامه يوم بدر، ويوم الحديبية حين اشتبه الأمر على غيره في تأخر دخول مكة، ثم بكاؤه حين قال ﷺ : «إن عبدا خيّره الله بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده» (١)، ثم ثباته في وفاة رسول الله ﷺ ، وخطبته الناس وتسكينهم، ثم قيامه في قبة البيعة لمصلحة المسلمين، واهتمامه وثباته في تنفيذ جيش أسامة بن زيد إلى الشام وتصميمه في ذلك، ثم ثباته في قتال أهل الردة ومناظرته للصحابة حتى حجّهم بالدلائل وشرح الله صدورهم بما شرح له صدره من الحق؛ وهو قتال أهل الردة، ثم تجهيز الجيوش إلى الشام والعراق لفتوحه وإمدادهم بالأمداد، ثم تفرّسه في عمر واستخلافه على المسلمين، ووصيته له واستيداعه الله للأمة. وأما زهده وورعه وخوفه ومراقبته ويقينه وعلمه وتواضعه .. فأمر معلوم، وكذا فضائله وكراماته-﵁-أشهر من أن تذكر. ولد ﵁ بعد عام الفيل بثلاث سنين تقريبا، وتوفي ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة، ومدة خلافته سنتين وثلاثة أشهر وخمسة أيام، وعمره ثلاث وستون سنة، ﵁. ١٩٥ - [عتّاب بن أسيد] (٢) عتّاب بن أسيد-بفتح الهمزة وكسر السين-ابن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي العبشمي. أسلم يوم الفتح، واستعمله النبي ﷺ على مكة حين انصرف عنها وهو ابن عشرين سنة، ولم يزل واليا عليها حتى توفي بها في سنة ثلاث عشرة، قيل: توفي في اليوم الذي توفي فيه أبو بكر الصديق ﵄، وهو يوم الاثنين لثمان بقين من جمادى الآخرة (٣)، وقيل: جاء نعي أبي بكر إلى مكة يوم دفن عتاب.

стр. 156

وكان خيّرا فاضلا صالحا. وأمه زينب بنت عمرو بن أمية بن عبد شمس، ﵁. ١٩٦ - [أبو عبيد بن مسعود الثقفي] (١) أبو عبيد بن مسعود بن عمرو الثّقفي، والد المختار الكذاب. أسلم في عهد رسول الله ﷺ (٢)، واستعمله عمر سنة ثلاث عشرة، وسيّره إلى العراق، وإليه ينسب الجسر المعروف بجسر أبي عبيد؛ لأنه كان أمير الجيش في الوقعة التي وقعت عند الجسر، فاستشهد أبو عبيد ذلك اليوم في نحو ثمان مائة من المسلمين، وكان المسلمون قد قطعوا الجسر هنالك، فلما انهزم المسلمون .. رأوا الجسر مقطوعا، فألقوا أنفسهم في الماء، فغرق كثير منهم، وحمى المثنى بن حارثة الشيباني الناس حتى نصب الجسر، فعبر من سلم عليه، وقيل: كانت وقعة الجسر سنة أربع عشرة، ﵁. ١٩٧ - [أبو قحافة] (٣) أبو قحافة والد أبي بكر الصديق، اسمه: عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي.

стр. 157

أسلم يوم الفتح، وأتى به ابنه أبو بكر إلى النبي ﷺ ليبايعه، فقال ﷺ مراعاة لأبي بكر: «هلاّ تركت الشيخ في موضعه حتى آتيه» فقال أبو بكر: هو أحق أن يأتيك يا رسول الله، ورأى ﷺ رأسه ولحيته أبيض كالثّغامة فقال: «غيّروا هذا بشيء واجتنبوا السواد» (١). وعاش بعد أبي بكر وورثه، وهو أول من ورث خليفة في الإسلام (٢)، إلا أنه رد نصيبه من الميراث-وهو السدس-على أولاد أبي بكر. وتوفي بمكة سنة أربع عشرة وله سبع وتسعون سنة، ﵁. ١٩٨ - [سعد بن عبادة] (٣) سعد بن عبادة بن دليم-بضم الدال المهملة وفتح اللام مصغرا-ابن حارثة بن أبي حزيمة -بفتح الحاء المهملة وكسر الزاي (٤) -ابن ثعلبة بن طريف بن الخزرج، الأنصاري الخزرجي الساعدي المدني، يكنى: أبا ثابت، وقيل: أبا قيس. كان نقيب بني ساعدة، وصاحب راية الأنصار في المشاهد كلها، وكان ذا رئاسة وسياسة وكرم، وكان يحمل إلى النبي ﷺ كل يوم جفنة مملوءة ثريدا ولحما (٥). قالوا: ولم يكن في الأنصار أربعة مطعمون متوالدون إلا قيس بن سعد بن عبادة بن دليم وآباؤه هؤلاء، وله ولأهله في الجود والكرم أشياء كثيرة مشهورة، وكان شديد الغيرة.

стр. 158

شهد العقبة وبدرا، وقيل: لم يشهدها (١)، وشهد باقي المشاهد كلها. وفيه وفي سعد بن معاذ سمع صالح الجن على أبي قبيس يقول: [من الطويل] وإن يسلم السّعدان يصبح محمّد ... بمكّة لا يخشى خلاف مخالف فظنت قريش أنه يعني: سعد بن مناة من تميم، وسعد هذيم من قضاعة، فسمعوا قائلا يقول: [من الطويل] أيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا ... ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف أجيبا إلى داعي الهدى وتمنّيا ... على الله في الفردوس منية عارف وإنّ ثواب الله للطالب الهدى ... جنان من الفردوس ذات زخارف ولما توفي رسول الله ﷺ .. طمع سعد في الخلافة، وجلس في سقيفة بني ساعدة ليبايع لنفسه، فجاء إليه أبو بكر وعمر، فبايع الناس أبا بكر وعدلوا عن سعد، فلم يبايع سعد أبا بكر ولا عمر، ولم يشق العصا ولم ينزع يده من طاعة (٢)، وسار إلى الشام فأقام به إلى أن توفي سنة خمس عشرة أو أربع عشرة، وقيل: ست عشرة، وأما من قال: سنة إحدى عشرة .. فشاذ وغلط. قال الحافظ ابن عساكر وغيره: (وهذا القبر المشهور في المنيحة (٣) القرية المعروفة بغوطة دمشق يقال: إنه قبر سعد بن عبادة، فيحتمل أنه نقل من حوران) (٤). قالوا: ووجد ميتا على مغتسله وقد اخضرّ جسده، يقال: إن الجن قتلته، وسمعوا بالمدينة قائلا يقول-ولم يروه-: [من الهزج] نحن قتلنا سيّد الخزر ... ج سعد بن عباده ورميناه بسهمين ... فلم نخطئ فؤاده (٥) ﵁.

стр. 159

١٩٩ - [عكرمة بن أبي جهل] (١) عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام بن المغيرة القرشي المخزومي، يكنى: أبا عثمان. كان هو وأبوه من أشد الناس عداوة لرسول الله ﷺ ، فلما كان يوم الفتح .. أمّن ﷺ الناس إلا أربعة رجال وامرأتين قال: «اقتلوهم وإن وجدتموهم معلّقين بأستار الكعبة» (٢) منهم عكرمة المذكور، فركب عكرمة البحر فأصابهم عاصف، فقال لهم أصحاب السفينة: أخلصوا؛ فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئا ههنا، فقال عكرمة: إن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص، فما ينجيني في البر غيره، اللهم؛ لك عهد عليّ إن أنت عافيتني مما أنا فيه .. أن آتي محمدا حتى أضع يدي في يده، فلأجدنه عفوّا كريما، فجاء فأسلم. وقيل: إن زوجته-وكانت قد أسلمت-سارت إليه إلى اليمن بأمان رسول الله ﷺ ، فجاءت به إلى النبي ﷺ ، فأسلم وحسن إسلامه، وقال: يا رسول الله؛ لا أدع مالا أنفقته عليك إلا أنفقت في سبيل الله مثله. واستعمله ﷺ على صدقات هوازن، واستعمله أبو بكر على جيش وسيّره إلى عمان وكانوا قد ارتدوا، فظهر عليهم، ثم وجهه أبو بكر إلى اليمن، وله في قتال أهل الرّدة أثر عظيم، فلما فرغ من قتال أهل الردة .. سار إلى الشام مجاهدا، واستشهد بأجنادين (٣)، وقيل: بمرج الصّفّر (٤)، وكلاهما كانا في سنة ثلاث عشرة، وقيل: استشهد باليرموك-أي: سنة خمس عشرة-وقال في ذلك اليوم: قاتلت رسول الله ﷺ في كل موطن [وأفرّ منكم اليوم! ! ثم نادى: من يبايع على الموت؟ فبايعه عمّه

стр. 160

الحارث بن هشام وضرار بن الأزور في أربع مائة من وجوه فرسانهم، فقاتلوا قدّام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعا جراحة وقتلوا، إلا ضرار بن الأزور] (١). ٢٠٠ - [الحارث بن هشام] (٢) الحارث بن هشام بن المغيرة أبو عبد الرحمن المخزومي، أخو أبي جهل لأبويه، وابن عم خالد بن الوليد، وابن عم حنتمة بنت هاشم بن المغيرة أم عمر بن الخطاب، وقيل: أخوها. شهد بدرا كافرا وانهزم، وعيّره حسان بفراره بقوله: [من الكامل] إن كنت كاذبة التي حدّثتني ... فنجوت منجى الحارث بن هشام ترك الأحبّة أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرّة ولجام (٣) فاعتذر الحارث عن فراره بما قال الأصمعي: إنه لم يسمع أحسن من اعتذاره في الفرار: [من الكامل] الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى حبوا مهري بأشقر مزبد (٤) وأسلم يوم الفتح، وحسن إسلامه، واستشهد يوم اليرموك سنة خمس عشرة، وقيل: مات في طاعون عمواس سنة سبع عشرة، والله سبحانه أعلم

стр. 161

٢٠١ - [عياش بن أبي ربيعة] (١) عياش بن أبي ربيعة عمرو بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، القرشي المخزومي المكي، أخو عبد الله بن أبي ربيعة، وأخو أبي جهل بن هشام لأمه وابن عمه. أسلم قديما قبل دخوله ﷺ دار الأرقم، وهاجر إلى الحبشة، ثم عاد إلى مكة، وهاجر إلى المدينة هو وعمر بن الخطاب، فقدم عليه أخواه لأمه أبو جهل والحارث ابني هشام، وقالا: إن أمك حلفت لا يدخل رأسها دهن ولا تستظل حتى تراك، فرقّ لها، ورجع معهما بعد أن عقله عمر عن الرجوع، فحبساه بمكة وأوثقاه، فكان من المستضعفين بمكة، وكان ﷺ يدعو لهم في القنوت (٢). واستشهد عياش يوم اليرموك سنة خمس عشرة. وقال الطبري: توفي بمكة. له حديث مرسل في تعظيم حرمة الكعبة (٣)، ﵁. ٢٠٢ - [عبد الرحمن بن العوّام] (٤) عبد الرحمن بن العوّام بن خويلد الأسدي، أخو الزّبير بن العوام ﵄.

стр. 162

أسلم عام الفتح، وصحب النبي ﷺ ، واستشهد يوم اليرموك سنة خمس عشرة، كان اسمه: عبد الكعبة، فغيّر، ﵁. ٢٠٣ - [عامر بن أبي وقاص] (١) عامر بن أبي وقاص مالك بن أهيب الزهري، أخو سعد بن أبي وقاص، وهو من مهاجرة الحبشة. وفي «تاريخ اليافعي»: (أنه استشهد يوم اليرموك) (٢)، ﵁. ٢٠٤ - [ابن أم مكتوم] (٣) عمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم القرشي العامري (٤)، المعروف بابن أم مكتوم، الأعمى المذكور في قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى* أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى.﴾ مؤذّن النبي ﷺ ، وأمه أم مكتوم التي عرف بها، اسمها: عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة بن عامر بن مخزوم، وهو ابن خال خديجة بنت خويلد أم المؤمنين؛ فإن أم خديجة فاطمة بنت زائدة بن الأصم. هاجر ابن أم مكتوم إلى المدينة قبل مقدم رسول الله ﷺ إليها، وبعد مصعب بن عمير، واستخلفه النبي ﷺ على المدينة ثلاث عشرة مرة في غزواته، وكان معه اللواء بالقادسية سنة خمس عشرة، فقتل بها على المشهور، وقيل: رجع من القادسية ومات بالمدينة، ﵁.

стр. 163

٢٠٥ - [أبو زيد القارئ] (١) سعيد-ويقال: سعد-ابن عبيد بن النعمان بن قيس الأوسي، ويكنى: أبا زيد، أحد الأربعة الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ ، ويعرف بالقارئ، وقيل: اسمه معيد. قال الكاشغري تبعا لابن الأثير: (قتل يوم اليمامة) (٢)؛ أي: سنة إحدى عشرة أو ثنتي عشرة. وذكره الشيخ اليافعي فيمن قتل بالقادسية سنة خمس عشرة (٣). وذكره الذهبي فيمن توفي سنة ست عشرة (٤)، والله سبحانه أعلم. قال ابن الأثير: (توفي وهو ابن أربع وستين سنة، وقيل: عاش بعدها شهورا، ومات ولا عقب له. قال ابن الأثير: وأستبعد أن يكون هذا ممن جمع القرآن؛ لأن الحديث يرويه أنس بن مالك، وذكر الأربعة، وقال في أبي زيد: هو أحد عمومتي، وأنس من بني عدي بن النجار خزرجي، فكيف يكون هذا من عمومته وهو أوسي؟ ! ) اهـ (٥) ﵁، والله سبحانه أعلم. ٢٠٦ - [مارية القبطية] (٦) مارية القبطية، سرية رسول الله ﷺ ، وأم ابنه إبراهيم.

стр. 164

أهداها له المقوقس ملك مصر سنة سبع على يد حاطب بن أبي بلتعة هي وبغلته دلدل وحماره يعفور (١). وكانت مارية بيضاء جعدة جميلة، فأسلمت وتسرّاها ﷺ ، وكانت حسنة الدين. توفيت سنة ست عشرة، وقيل: خمس عشرة، ودفنت بالبقيع، ﵂. ٢٠٧ - [عتبة بن غزوان] (٢) عتبة بن غزوان بن جابر بن وهب المازني، من بني عوف بن مازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بالعين المهملة، حليف بني عبد شمس، يكنى: أبا عبد الله، وقيل: أبا غزوان. أسلم قديما بمكة بعد ستة رجال هو سابعهم، وهاجر إلى الحبشة وهو ابن أربعين سنة، ثم عاد إلى رسول الله ﷺ وهو بمكة، فأقام معه حتى هاجر إلى المدينة مع المقداد، وشهد بدرا وبيعة الرضوان وما بعدها، وهو أول من نزل البصرة، وهو الذي اختطها بأمر عمر ﵄. وكان رجلا طويلا جميلا، من الرماة المذكورين. توفي بطريق البصرة-وقيل: في الربذة سنة سبع عشرة، وقيل: خمس عشرة، وقيل: أربع عشرة-وهو ابن سبع وخمسين سنة، ﵁. ٢٠٨ - [أبو عبيدة ابن الجرّاح] (٣) أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجرّاح بن هلال بن وهيب بن ضبّة بن الحارث بن فهر بن

стр. 165

مالك القرشي الفهري، أمه أم غنم أميمة بنت جابر، وباشر قتل أبيه؛ لأنه سمعه يسبّ النبي ﷺ . شهد بدرا وما بعدها من المشاهد مع رسول الله ﷺ ، وهو الذي انتزع حلقتي المغفر من وجه رسول الله ﷺ (١)، وقال فيه ﷺ : «إنه أمين هذه الأمة» (٢). وكان عمر يحبه حبا شديدا؛ لزهده ودينه، وجعله أمير أمراء الشام. توفي في طاعون عمواس-بفتح العين والميم (٣)، اسم لقرية بين الرّملة وبيت المقدس، بدأ منها الطاعون فنسب إليها، وقيل: لأنه عمّ الناس وتواسوا به-وذلك سنة ثمان عشرة. قال النووي في «التهذيب»: (وقبر أبي عبيدة بغور بيسان عند قرية تسمى: عمتا، وعلى قبره من الجلالة ما هو لائق به، وقد زرته فرأيت عنده عجبا، ونزل في قبره معاذ بن جبل وعمرو بن العاصي والضحاك بن قيس، وتوفي وهو ابن ثمان وخمسين سنة) (٤)، ﵁. ٢٠٩ - [معاذ بن جبل] (٥) أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ بن عدي بن كعب، الأنصاري الخزرجي الجشمي المدني الفقيه الفاضل الصالح. أسلم وهو ابن ثمان عشرة سنة، وشهد العقبة مع السبعين، ثم شهد بدرا وما بعدها من

стр. 166

مشاهد رسول الله ﷺ ، وآخى بينه وبين عبد الله بن مسعود، وقال له ﷺ : «والله إني لأحبّك» (١). وهو ممن جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ (٢)، وبعثه إلى اليمن قاضيا، وقال له: «بم تقضي؟ » قال: بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد؟ »، قال: بسنة رسول الله، قال: «فإن لم تجد؟ »، قال: أجتهد رأيي، فقال رسول الله ﷺ : «الحمد لله الذي وفق رسول الله» (٣) ﷺ . قال الشيخ اليافعي: (وإنما لم يذكر الإجماع؛ لأن حكم الإجماع متعذر في حياته ﷺ (٤). توفي شهيدا بالطاعون-سنة ثمان عشرة-طاعون عمواس، ﵁. ٢١٠ - [الفضل بن العباس] (٥) الفضل بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي، يكنى: أبا محمد، وقيل: أبا العباس، أمه وأم إخوته أم الفضل لبابة بنت الحارث الكبرى (٦)، وبه كانت تكنى هي والعباس. شهد الفضل مع النبي ﷺ الفتح وحنينا، وثبت معه يوم حنين حين انهزم الناس، وأردفه ﷺ في حجة الوداع من المزدلفة إلى منى (٧)، وكان من

стр. 167

أجمل الناس، وحضر غسل النبي ﷺ فكان يصب الماء. وتوفي بالشام في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة (١). وقيل: استشهد بأجنادين، وقيل: بمرج الصّفّر، وكلاهما سنة ثلاث عشرة. ولم يخلف إلا ابنته أم كلثوم، تزوجها الحسن بن علي ﵄، ثم فارقها، فتزوجها أبو موسى الأشعري، ﵃ أجمعين. ٢١١ - [يزيد بن أبي سفيان] (٢) يزيد بن أبي سفيان بن حرب القرشي الأموي الصحابي بن الصحابي. كان أفضل بني أبي سفيان، وكان يقال له: يزيد الخير. أسلم يوم الفتح، وشهد حنينا، وأعطاه ﷺ مائة بعير وأربعين أوقية، واستعمله أبو بكر على جيوش الشام حين بعثهم لفتوحه، وخرج يشيعه أبو بكر ماشيا وهو راكب بأمر أبي بكر، فلما استخلف عمر .. ولاّه فلسطين وناحيتها، فلما توفي أبو عبيدة .. استخلف معاذا، فلما توفي معاذ .. استخلف يزيد، ولما توفي يزيد .. استخلف أخاه معاوية، ﵃ أجمعين. وكان موت الثلاثة بطاعون عمواس سنة ثمان عشرة. وقال الوليد بن مسلم: إنه توفي بعد فتح قيساريّة سنة تسع عشرة، ﵁. ٢١٢ - [شرحبيل ابن حسنة] (٣) شرحبيل ابن حسنة، وهي أمه، واسم أبيه: عبد الله بن المطاع بن عبد الله التميمي، وقيل: الكندي، يكنى: أبا عبد الله.

стр. 168

أسلم قديما هو وأخواه لأمه جنادة وجابر، وهاجروا إلى الحبشة ثم إلى المدينة، ثم استعمله أبو بكر ﵄ على جيوش الشام وفتوحه، ولم يزل واليا لعمر ﵁ على بعض نواحي الشام إلى أن توفي بطاعون عمواس سنة ثمان عشرة، طعن [هو] وأبو عبيدة في يوم واحد، ﵄. ٢١٣ - [سهيل بن عمرو] (١) سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ودّ بن نصر بن [مالك بن] حسل بن عامر بن لؤي بن غالب القرشي العامري. أسر يوم بدر، ولما أتى إلى النبي ﷺ بالحديبية .. قال ﷺ : «سهل عليكم أمركم» (٢)، فانبرم على يديه صلح الحديبية، ثم أسلم يوم الفتح. ولم يكن أحد من كبراء قريش الذين أسلموا عام الفتح أكثر صلاة وصدقة وصوما واشتغالا بما ينفعه في آخرته من سهيل بن عمرو؛ حتى شحب لونه وتغيّر، وكان كثير البكاء، رقيقا عند قراءة القرآن، وكان بمكة يختلف إلى معاذ يقرئه القرآن، فقيل له: تختلف إلى هذا الخزرجي؟ ! لو كان اختلافك إلى رجل من قومك، فقال: هذا الذي صنع بنا ما صنع حتى سبقنا. ولما بلغ أهل مكة موته ﷺ .. ارتجت مكة؛ لما رأوا من ارتداد العرب؛ حتى اختفى أميرها عتاب بن أسيد، فقام فيهم سهيل بن عمرو خطيبا وقال: يا معشر قريش؛ لا نكون آخر من أسلم وأول من ارتد، والله؛ ليمتدن هذا الدين امتداد الشمس والقمر ... في خطبته. ولعل هذا المقام هو الذي أشار إليه ﷺ في قوله لعمر لما قال للنبي ﷺ : أقطع لسانه، فقال ﷺ : «وما يدريك لعله يقوم مقاما تحمده فيه؟ ! » (٣).

стр. 169

وخرج بأهل بيته إلى الشام مجاهدا، فاستشهد باليرموك، وقيل: بمرج الصّفّر، وقيل: توفي في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة، ﵁. ٢١٤ - [أبو جندل] (١) أبو جندل، واسمه: العاصي بن سهيل بن عمرو القرشي العامري. أسلم بمكة فحبسه أبوه وقيده، فهرب يوم الحديبية إلى رسول الله ﷺ ، وردّ إليهم بسبب العهد الذي جرى، ثم هرب والتحق بأبي بصير ورفقته ﵃، وأقاموا بسيف البحر؛ أي: جانبه. ثم عزم إلى الشام هو وأبوه، فلم يزالا مجاهدين بالشام حتى توفيا في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة، ﵃. ٢١٥ - [أبي بن كعب] (٢) أبيّ بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي النجاري المعاوي المدني، يكنى: أبا الطفيل بابنه الطفيل، وكنّاه رسول الله ﷺ بأبي المنذر. أمه صهيلة-بضم الصاد المهملة مصغرا-بنت الأسود بن حرام، وهي عمة أبي طلحة زيد بن سهل بن الأسود بن حرام. شهد أبيّ العقبة الثانية مع السبعين، وشهد بدرا وغيرها من المشاهد مع رسول الله

стр. 170

صلّى الله عليه وسلم، وقال ﷺ : «أقرأ أمتي أبي بن كعب» (١)، وقال ﷺ : «خذوا القرآن من أربعة: عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأبيّ بن كعب» (٢). ومن مناقبه المختصة به: أنه ﷺ قرأ عليه سورة (لم يكن) وقال: «إن الله أمرني أن أقرأها عليك» (٣). وهو أول من كتب في آخر الكتاب: وكتب فلان بن فلان. توفي بالمدينة سنة تسع عشرة أو عشرين أو ثنتين وعشرين. قال ابن عبد البر: (والأكثر: أنه مات في خلافة عمر) (٤)، وقيل: توفي سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: ثلاثين، وصححه أبو نعيم الأصبهاني (٥)، والله سبحانه أعلم. ٢١٦ - [بلال بن رباح الحبشي] (٦) بلال بن رباح الحبشي القرشي التيمي، مولى أبي بكر الصديق، وقيل: ينسب إلى أمه حمامة مولاة لبني جمح فيقال: ابن حمامة. كان من مولدي مكة، وقيل: من مولدي السراة. أسلم قديما أول النبوة، وكان مولاه أمية بن خلف يعذبه عذابا شديدا ليرجع عن الإسلام وهو يقول: أحد أحد، فاشتراه أبو بكر ﵁ بخمس أواق أو سبع أواق أو تسع، وأعتقه لله . وهاجر وشهد بدرا، وقتل فيه مولاه أمية بن خلف الذي كان يعذبه، وشهد أحدا والخندق والمشاهد كلها مع النبي ﷺ ، وآخى ﷺ بينه وبين

стр. 171

أبي عبيدة ابن الجراح، ولما شرع الأذان .. أمر ﷺ بلالا أن يؤذن، فلازم الأذان حضرا وسفرا إلى أن مات ﷺ . فلما توفي ﷺ .. ذهب إلى الشام للجهاد، وقدم بعد ذلك المدينة لزيارة النبي ﷺ ، فالتمس منه الصحابة الأذان، فلم ير باكيا أكثر من ذلك اليوم، ولم يمكنه أن يتم الأذان. قال فيه عمر: أبو بكر سيدنا-﵁-وأعتق سيدنا (١). وقال له ﷺ : «إني دخلت الجنة فسمعت خشف نعليك بين يدي» (٢). وأقام بداريّا؛ قرية بدمشق، وتوفي بها-وقيل: بدمشق-سنة عشرين، ودفن بباب الصغير بدمشق، وقيل: بباب كيسان، وقيل: بداريا، وغلّط النووي من قال: إنه دفن بالمدينة (٣). وكان ﵁ آدم شديد الأدمة، ولم يعقب، ﵁. وله أخ اسمه: خالد، وأخت اسمها: غفرة، وهي مولاة عمر بن عبد الله مولى غفرة (٤)، ﵁. ٢١٧ - [أم المؤمنين زينب بنت جحش] (٥) زينب بنت جحش بن رئاب الأسدية أم المؤمنين، وتكنى: أم الحكم، أمها: أميمة بنت عبد المطلب عمّة رسول الله ﷺ .

стр. 172

أسلمت قديما، وهاجرت في سنة خمس من الهجرة، وتزوجها زيد بن حارثة، ثم طلقها، ثم زوجها الله رسوله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها، ﴾ فكانت تفتخر على نسائه بذلك. وكانت امرأة صالحة صوّامة قوّامة كثيرة الصدقة، وكانت صناعا؛ تعمل بيدها وتتصدق به، وقال ﷺ لأزواجه: «أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا» (١)، قالت عائشة ﵂: فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد رسول الله ﷺ .. نمد أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش، وكانت امرأة قصيرة ﵂، ولم تكن أطولنا، فعرفنا حينئذ أن النبي ﷺ أراد بطول اليد الصدقة (٢). توفيت سنة عشرين، وهي أول من مات من أزواجه ﷺ ، ودفنت بالمدينة، وهي أول امرأة جعل عليها النعش، أشارت به أسماء بنت عميس، كانت رأته في الحبشة، كذا في «تهذيب النووي» (٣)، وقد قيل: أول من جعل عليها النعش فاطمة، ﵂. ٢١٨ - [أبو الهيثم بن التّيّهان] (٤) أبو الهيثم بن التّيّهان، واسمه: مالك بن التيهان بن مالك.

стр. 173

بايع يوم العقبة الأولى. خرج رسول الله ﷺ يوما فلقي أبا بكر وعمر ﵄، فقال: «ما أخرجكما؟ »، قالا: الجوع، قال: «وأنا أخرجني الذي أخرجكما»، فذهبوا جميعا إلى بيت أبي الهيثم، فلم يجدوه، فرحبت بهم المرأة، وذكرت أنه ذهب يستعذب لهم الماء، فلم يبرحوا أن جاء، فرحب بهم وسهل وقال: من أكرم مني ضيفا اليوم؟ ! ثم أتاهم بعذق فيه رطب وبسر، فعلّلهم بذلك بينما يذبح، فقال له ﷺ : «اجتنب الحلوب» أي: لا تذبحها، وقرّب إليهم اللّحم فأكلوا وشربوا، فقال ﷺ : «دخلتم جياعا وخرجتم شباعا، لتسألنّ عن هذا النعيم» (١). توفي أبو الهيثم سنة عشرين على الصحيح، ﵁. ٢١٩ - [أسيد بن حضير] (٢) أسيد بن حضير بن سماك الأشهلي، أبو يحيى، كني بابنه، أسلم بعد العقبة الأولى، وقيل: الثانية. وكان يقرأ (سورة الكهف) وعنده فرسه مربوط بطنبين وابنه يحيى صغير قريب من الفرس، فرأى ظلة نزلت من السماء حتى غشيت المكان الذي هو فيه، فجعلت الفرس تنفر، فخشي على ابنه فرفعه، فقال ﷺ : «تلك السكينة تنزلت للقرآن» (٣). توفي ﵁ بالمدينة في شعبان سنة عشرين، وحمل عمر بن الخطاب سريره حتى وضعه بالبقيع، ﵁.

стр. 174

٢٢٠ - [عياض بن غنم] (١) عياض بن غنم بن زهير القرشي الفهري (٢)، يكنى: أبا سعد أو أبا سعيد. أسلم قبل الحديبية وشهدها، وكان بالشام مع ابن عمه أبي عبيدة ابن الجراح، فلما توفي أبو عبيدة .. استخلفه بالشام، فأقره عمر وقال: لا أغير أميرا أمّره أبو عبيدة، وهو الذي فتح بلاد الجزيرة وصالحه أهلها، وهو أول من أجاز الدروب. وكان صالحا فاضلا جوادا يطعم الناس زاده، فإذا نفد .. يجيء لهم بغيره؛ فلذا كان يسمى: زاد الراكب. ولم يزل واليا لعمر على حمص حتى توفي بالشام سنة عشرين وهو ابن ستين سنة، ﵁. ٢٢١ - [أبو سفيان بن الحارث] (٣) أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، ابن عم النبي ﷺ وأخوه من الرضاعة، أرضعتهما حليمة، قيل: اسمه كنيته، وقيل: اسمه المغيرة. وأسلم قبل الفتح والنبي ﷺ في الطريق متوجها لفتح مكة، وحسن

стр. 175

إسلامه، وشهد مع النبي ﷺ حنينا، وأبلى فيه بلاء حسنا، وهو من فضلاء الصحابة. قال عند موته: لا تبكوا علي؛ فلم أفعل خطيئة منذ أسلمت. حلق في الحج، فقطع الحالق أثلولا في رأسه، فلم يرقا منه الدم إلى أن مات بالمدينة سنة عشرين، وصلّى عليه عمر بن الخطاب، وقيل: سنة خمس عشرة، ﵁. تقدم الفصل إلى ههنا، أعني: فصل الحوادث. ***

стр. 176

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ذكر الأحداث من أول سنة الهجرة إلى آخر أيام سنة طبقة العشرين الأولى منها في السنة الأولى من الهجرة : هاجر ﷺ من مكة المشرفة إلى المدينة المكرمة ومعه أبو بكر ﵁، وعامر بن فهيرة يخدمهم، وعبد الله بن أريقط الدّيلي دليلهم، فأعطيا الديلي راحلتهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث، فخرجا من مكة وكمنا في الغار (١)، وكان عبد الله بن أبي بكر غلاما شابّا ثقفا لقنا يبيت عندهما (٢)، فيدّلج من عندهما بسحر (٣)، فيصبح مع قريش كبائت، فلا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، وكان عامر بن فهيرة مولى أبي بكر يرعى عليهما منحة من غنم (٤)، فيريحها عليهما عشاء، وينعق بها (٥) من عندهما بغلس، قيل: وكانت أسماء بنت أبي بكر ﵄ تأتيهما من الطعام بما يصلحهما، وطلبهم المشركون بجميع وجوه الطلب، ومرّوا على غارهما، فوجدوا عليه من نسج العنكبوت وتفريخ الحمام ما ظنوا أنه لم يدخل منذ عام (٦). ففي «البخاري» عن أبي بكر ﵁: فرفعت رأسي وإذا أنا بأقدام القوم،

стр. 177

فقلت: يا رسول الله؛ لو أن بعضهم طأطأ بصره .. لأبصرنا، قال: «اسكت يا أبا بكر، اثنان الله ثالثهما» (١). وبعد الثلاث جاءهم الدليل بالراحلتين فارتحلوا، وأردف أبو بكر خلفه عامر بن فهيرة ليخدمهما، قال: فأخذ بهم طريق الساحل، وأخذت قريش عليهم بالرصد والطلب، وجعلوا دية كل واحد منهما لمن أسره أو قتله (٢). قال أبو بكر ﵁: (فأخذ علينا الرصد، فخرجنا ليلا، فاختبأنا ليلتنا ويومنا حتى قام قائم الظهيرة، ثم رفعت لنا صخرة، فأتيناها ولها شيء من ظل، ففرشت لرسول الله ﷺ فروة معي، ثم اضطجع، فانطلقت أنفض ما حوله (٣)؛ فإذا أنا براع قد أقبل في غنمه يريد من الصخرة الذي أردنا، فسألته: لمن أنت يا غلام؟ فقال: أنا لفلان، فقلت له: هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم، فقلت له: هل أنت حالب لنا؟ قال: نعم، فأخذ شاة من غنمه، فقلت: انفض الضّرع، قال: فحلب كثبة من لبن (٤)، ومعي إداوة من ماء عليها خرقة، قد روأتها لرسول الله ﷺ (٥)، فصببت على اللبن حتى برد أسفله، ثم أتيت به رسول الله ﷺ ، فقلت: اشرب يا رسول الله؛ فشرب حتى رضيت، ثم ارتحلنا بعد ما زالت الشمس والطلب في أثرنا، واتبعنا سراقة بن مالك بن جعشم ونحن في جلد من الأرض (٦)، فقلت: يا رسول الله؛ أتينا، فقال: «لا تحزن إن الله معنا»، فدعا عليه رسول الله ﷺ ، فارتطمت فرسه إلى بطنها (٧)، فقال: إني علمت أنكما قد دعوتما عليّ، فادعوا الله لي، والله؛ لكما أن أرد الطلب، فدعا الله فنجا، فرجع لا يلقى أحدا إلا قال: قد كفيتكم ما ههنا، فلا يلقى أحدا إلا رده، قال: ووفى لنا) (٨). وروي: أنهما مرا بخيمة أم معبد، واسمها: عاتكة بنت خالد الخزاعية الكعبية،

стр. 178

فسألوها الزاد، فلم يصيبوا عندها شيئا، وكانوا مسنتين (١)، وسألها عن شاة في خيمتهم: «هل بها من لبن؟ » قالت: هي أجهد من ذلك، إنما خلّفها عن الغنم الجهد، فمسح ﷺ بيده الكريمة على ضرعها، وسمّى الله ودعا [لها] في شاتها فتفاجّت (٢) عليه ودرّت، فدعا بإناء يربض الرهط-أي: يرويهم-فحلب وسقاها وسقى أصحابه، وشرب ﷺ آخرهم، ثم ملأه وغادره عندها، وبايعها وارتحلوا عنها. وأصبح صوت بمكة عال يسمعونه ولا يرون من صاحبه-قيل: هو من الجن-وهو يقول: [من الطويل] جزى الله ربّ العرش خير جزائه ... رفيقين قالا خيمتي أمّ معبد (٣) هما نزلاها بالهدى فاهتدت به ... فقد فاز من أمسى رفيق محمد فيال قصيّ ما زوى الله عنكم ... به من فخار لا يجارى وسؤدد ليهن بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنّكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلّبت ... له بصريح ضرّة الشاة مزبد (٤) قيل: ولما هبطوا العرج (٥) .. أبطأ عليهم بعض ظهرهم، فحمل رسول الله ﷺ رجل يقال له: أوس بن حجر (٦) على جمل له اسمه: الرّداح (٧)، وبعث معه غلاما له يقال له: مسعود بن هنيدة، ثم سلكوا من العرج ثنية العائر (٨) عن يمين ركوبه وهبوطه بطن رئم (٩)، ثم قدموا قباء على بني عمرو بن عوف. ولما سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله ﷺ من مكة .. كانوا

стр. 179

يغدون كل غداة إلى الحرّة ينتظرون حتى يردّهم حرّ الظهيرة، فانقلبوا يوما بعد ما طال انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم .. أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله ﷺ وأصحابه مبيّضين يزول بهم السّراب (١)، فلم يملك اليهودي أن قال: يا معشر العرب؛ هذا جدّكم الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقّوا النبي ﷺ بظهر الحرّة، فعدل بهم ذات اليمين، حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف يوم الاثنين في شهر ربيع الأول (٢)، وقيل: لثنتي عشرة منه، وقيل: لثمان. وقيل: كان نزوله بقباء على كلثوم بن الهدم، وقيل: على سعد بن خيثمة، فمكث ﷺ بقباء أربع عشرة ليلة، أسس فيه المسجد الذي أسّس على التقوى، وهو أول مسجد بني في الإسلام، وصلّى فيه رسول الله ﷺ ، وكان مربدا لكلثوم بن الهدم (٣)، وهو الذي ذكره الله في كتابه العزيز: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (٤)، وكان ﷺ يأتيه كل اثنين وخميس راكبا وماشيا، وورد في فضله أحاديث كثيرة (٥). ثم سار ﷺ من قباء يوم الخميس-وقيل: يوم الجمعة-فأدركته الصلاة في بني سالم بن عوف، فصلاها في بطن وادي رانوناء (٦)، فكانت أول صلاة جمعة صلاها بالمدينة. قال حافظ اليمن يحيى العامري: (واتخذ موضع مصلاه مسجدا، ويسمى: مسجد الجمعة، وهو مسجد عتبان بن مالك الذي شكى إلى رسول الله ﷺ أنه يحول بينه وبين السيل، وكان ﷺ لما ركب من قباء كلما مرّ على دور من

стр. 180

دور الأنصار .. اعترضوه ولزموا بزمام ناقته يقولون: هلمّ يا رسول الله إلى القوة والمنعة، فيقول: «خلّوا سبيلها؛ فإنها مأمورة»، وقد أرخى لها زمامها ولا يحركها، وهي تنظر يمينا وشمالا والناس كنفتيها حتى بركت على باب مسجده (١) -وهو إذ ذاك مريد ليتيمين من الأنصار-ثم ثارت وهو عليها، فسارت حتى بركت على باب أبي أيوب الأنصاري، ثم التفتت يمينا وشمالا، ثم ثارت وبركت في مبركها الأول، وألقت جرانها بالأرض (٢)، وأرزمت-أي: صوّتت-فنزل عنها، وقال: «هذا المنزل إن شاء الله تعالى»، فاحتمل أبو أيوب رحله فأدخله بيته، وكان ﷺ يحب النزول على أخواله بني النجار، فاختار الله له ما كان يختاره (٣)) (٤). ودار أبي أيوب اليوم مدرسة للمذاهب الأربعة، اشترى عرصتها الملك المظفر أحد بني أيوب بن شاذي (٥)، وبناها مدرسة وأوقفها على المذاهب الأربعة من أهل السنة، وأوقف عليها أوقافا بميّافارقين (٦). وفي هذه السنة: بنى ﷺ مسجده الشريف حيث مبرك الراحلة، وكان مربدا للتمر لسهل وسهيل ابني رافع بن عمرو؛ غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة، فاشتراه ﷺ بعشرة دنانير ذهبا دفعها عنه أبو بكر، ثم بناه ﷺ وأعانه المسلمون عليه، وكان ينقل معهم اللّبن ويقول: [من الرجز] هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبرّ ربّنا وأطهر (٧) فقال بعض المسلمين: [من الرجز] لئن قعدنا والنّبيّ يعمل ... لذاك منّا العمل المضلّل
следующие страницы →