من شدة حره، ولا على ترك العود إليه لشدة ما يجد من البرد عند الخروج، فلما أعيد إليه .. حضره أجله، وكان شجاعا مهابا حازما، فيه تشيع) (١).
١٣٥٥ - [الحسين بن محمد القباني] (٢)
الحسين بن محمد بن زياد المعروف بالقباني أبو علي النيسابوري الإمام الحافظ.
حدث عن إسحاق، وسهل بن عثمان، وأبي مصعب.
روى عنه دعلج، ومحمد بن الأخرم، وخلق من المحدثين.
وكان واسع الرحلة، كثير السماع، أحد أركان الحديث.
صنف «المسند» و «التاريخ» و «الكنى» وغير ذلك.
وتوفي سنة تسع وثمانين ومائتين.
١٣٥٦ - [زكريا خياط السنة] (٣)
زكريا بن يحيى بن إياس أبو عبد الرحمن السجزي، نزيل دمشق، المعروف بخياط السنة، أظنه عرف بذلك؛ لأنه كان يخيط أكفان أهل السنة دون غيرهم.
حدث عن قتيبة، وشيبان بن فروخ، وصفوان بن صالح وغيرهم.
روى عنه النسائي وغيره، وكان من الحفاظ الثقات، المكثرين الأثبات.
توفي سنة ثمان-أو تسع أو سبع-وثمانين ومائتين.
١٣٥٧ - [عبد الله بن أحمد ابن حنبل] (٤)
أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد ابن حنبل الشيباني المروزي البغدادي الإمام الحافظ ابن الإمام الحافظ.
стр. 1157
روى عن أبيه، وخلائق، منهم: الهيثم بن خارجة، وشيبان بن فروخ.
وروى عنه النسائي، وأبو بكر القطيعي، ودعلج وغيرهم.
كان من الحفاظ الثقات المكثرين العلماء، عالما بالرجال والعلل والكنى والأسماء.
قال فيه أبوه: ابني عبد الله محظوظ من علم الحديث-أو من حفظ الحديث-لا يكاد يذاكرني إلا بما لا أحفظ.
وبالغ فيه بعضهم، فقضى له بزيادة المعرفة والسماع على أبيه.
توفي سنة تسعين ومائتين.
١٣٥٨ - [ثعلب] (١)
أبو العباس أحمد بن يحيى الشيباني-نسبة إلى بني شيبان، حي من بني بكر بن وائل- المعروف بثعلب الكوفي النحوي صاحب التصانيف المفيدة.
سمع من ابن الأعرابي، والزبير بن بكار، وحدث عن إبراهيم بن المنذر الحزامي، والقواريري، ومحمد بن سلاّم الجمحي.
وروى عنه عدة، منهم: أحمد بن كامل، والأخفش الأصغر، وابن الأنباري، وأبو عمرو الزاهد وغيرهم.
كان ثقة صالحا، مشهورا بالحفظ وصدق اللهجة والمعرفة بالعربية، انتهت إليه رئاسة الأدب في زمانه، وكان إمام الكوفيين في النحو واللغة.
صنف بضعة عشر مصنفا، منها: «الفصيح» وهو صغير الحجم، كثير الفائدة، وكتاب «القراءات»، وكتاب «إعراب القرآن»، وكتاب «حد النحو» وغير ذلك، وكان شيخه ابن الأعرابي إذا شك في شيء .. قال له: ما تقول يا أبا العباس في هذا؟ لغزارة حفظه.
стр. 1158
قال ابن الأنباري: أنشدني ثعلب: [من الطويل]
إذا كنت قوت النفس ثم هجرتها ... فكم تلبث النفس التي أنت قوتها
ستبقى بقاء الضبّ في الماء أو كما ... يعيش لدى ديمومة البيت حوتها
قال الشيخ اليافعي: (هكذا حكاه ابن خلكان، والذي نعرفه:
............ أو كما ... يعيش ببيداء المفاوز حوتها) (١)
قال ابن خلكان: (قال أبو بكر بن مجاهد المقرئ: قال لي ثعلب: يا أبا بكر؛ اشتغل أصحاب القرآن بالقرآن ففازوا، واشتغل أصحاب الحديث بالحديث ففازوا، واشتغل أصحاب الفقه بالفقه ففازوا، واشتغلت أنا بزيد وعمرو وليت شعري ماذا يكون حالي في الآخرة؟ قال: فانصرفت من عنده، فرأيت النبي ﷺ في المنام، فقال لي: أقرئ أبا العباس عني السلام وقل له: أنت صاحب العلم المستطيل.
قال أبو عبد الله العبد الصالح الروذباري: أراد أن الكلام به يكمل، والخطاب به يجمل، وأن جميع العلوم مفتقرة إليه) (٢).
ولحق ثعلبا صمم، حتى كان لا يسمع إلا بعد تعب شديد، فخرج يوم الجمعة من الجامع بعد العصر وفي يده كتاب ينظر فيه في الطريق، فصدمته فرس فألقته في هوة، فخرج منها وهو كالمختلط، فحمل إلى منزله وهو يتأوه من رأسه، فمات ثاني يوم، وذلك في سنة إحدى وتسعين ومائتين.
١٣٥٩ - [هارون بن موسى الأخفش] (٣)
هارون بن موسى المعروف بالأخفش، مقرئ أهل دمشق، وصاحب ابن ذكوان.
توفي سنة إحدى وتسعين ومائتين.
стр. 1159
١٣٦٠ - [قنبل المقرئ] (١)
محمد بن عبد الرحمن المخزومي مولاهم المكي المعروف بقنبل، قارئ أهل مكة.
توفي سنة إحدى وتسعين ومائتين.
١٣٦١ - [القاسم بن عبيد الله] (٢)
الوزير القاسم بن عبيد الله وزير المعتضد.
كان سفاكا للدماء، الصغير والكبير منه على وجل، لا يعرف أحد من أرباب الأموال منه نعمة.
توفي سنة إحدى وتسعين ومائتين وقد نيف على الثلاثين، فقال فيه عبد الله بن الحسين بن سعد: [من المتقارب]
شربنا عشية مات الوزير ... سرورا ونشرب في ثالثه
فلا رحم الله تلك العظام ... ولا بارك الله في وارثه
وكان الوزير المذكور يخاف من هجو ابن الرومي، فحضر ابن الرومي يوما مجلس الوزير، فدس عليه ابن فراس، فأطعمه خشكنانه مسمومة وهو في مجلسه، فلما أكلها ..
أحس بالسم، فقام، فقال له الوزير: إلى أين تذهب؟ قال: إلى الموضع الذي بعثتني إليه، فقال له: سلم لي على والدي، فقال: ما طريقي على النار.
١٣٦٢ - [محمد بن إبراهيم البوشجني] (٣)
محمد بن إبراهيم بن سعيد بن عبد الرحمن بن موسى العبدي البوشنجي أبو عبد الله الفقيه المالكي.
حدث عن يحيى ابن بكير، ومسدد، وأمية بن بسطام، وخلق سواهم.
стр. 1160
وحدث عنه محمد بن إسحاق الصاغاني، وابن خزيمة وغيرهما من الأعلام.
وفي «صحيح البخاري» في تفسير (سورة البقرة): حدثنا محمد، قال: حدثنا النفيلي (١)، فقيل: هو البوشنجي الإمام (٢).
وكان رأسا في العلم، حافظا علامة، من أئمة هذا الشأن.
توفي سنة إحدى وتسعين ومائتين.
١٣٦٣ - [إبراهيم بن عبد الله البصري] (٣)
إبراهيم بن عبد الله البصري أبو مسلم الحافظ، صاحب «السنن»، ومسند الوقت.
كان محدثا حافظا محتشما كبير الشأن.
قيل: إنه لما فرغوا من سماع «السنن» عليه .. عمل لهم مائدة غرم فيها ألف دينار، وتصدق بجملة منها، ولما قدم بغداد .. ازدحموا عليه، حتى حزر مجلسه بأربعين ألفا وزيادة، وكان في المجلس سبعة مبلغين، كل واحد يبلغ الآخر.
توفي سنة اثنتين وتسعين ومائتين وقد قارب المائة أو أكملها.
١٣٦٤ - [بحشل] (٤)
أسلم بن سهل بن أسلم بن زياد أبو الحسن الواسطي الرزاز الملقب بحشل.
حدث عن جده لأمه وهب بن بقية، وعم أبيه سعيد بن زياد وغيرهما.
وروى عنه الطبراني وغيره من الحفاظ.
وكان حافظا صدوقا ثبتا، له تاريخ بلده واسط.
توفي سنة اثنتين وتسعين ومائتين.
стр. 1161
١٣٦٥ - [عبد الحميد بن عبد العزيز الحنفي] (١)
أبو حازم عبد الحميد بن عبد العزيز الحنفي قاضي القضاة.
كان من القضاة العادلة، له أخبار ومحاسن، ولما احتضر .. كان يقول: يا رب؛ من القضاء إلى القبر، ثم يبكي.
توفي سنة اثنتين وتسعين ومائتين.
١٣٦٦ - [محمد بن أحمد الهروي] (٢)
أبو العباس محمد بن أحمد الهروي الإمام.
كان فقيها محدثا صاحب تصانيف.
رحل إلى الشام والعراق، وحدث عن أبي حفص الفلاس، وطبقته.
وتوفي سنة اثنتين وتسعين ومائتين.
١٣٦٧ - [يحيى بن منصور الهروي] (٣)
يحيى بن أبي نصر منصور أبو سعيد الهروي، أحد الأئمة الأعلام في العلم والعمل.
حدث عن الإمام أحمد، وابن المديني، وابن نمير وغيرهم.
وروى عنه ابن عقدة، ومحمد بن الأخرم في طائفة.
وكان حافظا ناقدا صالحا زاهدا ثقة فيما نقله ورواه، إمام عصره بهراة، حتى قيل: إنه لم ير مثل نفسه.
توفي سنة اثنتين وتسعين ومائتين.
стр. 1162
١٣٦٨ - [أبو بكر المروزي] (١)
أحمد بن علي بن سعيد بن إبراهيم الأموي مولاهم أبو بكر المروزي.
القاضي بدمشق وحمص.
حدث عن علي بن الجعد، وسويد بن سعيد، ويحيى بن معين وغيرهم.
وعنه روى أبو عوانة، والطبراني وغيرهما.
وكان حافظا ثقة، له تصانيف مفيدة، ومسانيد عديدة.
توفي سنة اثنتين وتسعين ومائتين.
١٣٦٩ - [أبو بكر البزار] (٢)
أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري أبو بكر البزار.
حدث عن هدبة، وعبد الأعلى بن حماد وغيرهما من الكبار.
وحدث عنه ابن قانع، وأبو الشيخ، والطبراني، وخلق سواهم.
وكان حافظا علامة ذا علم غزير، وله «المسند المعلل الكبير»، وربما كان يخطئ إذا حدث من لفظه.
قال الدارقطني: يخطئ، ويتكل على حفظه.
توفي سنة اثنتين وتسعين ومائتين.
١٣٧٠ - [ابن عبدوس] (٣)
محمد بن عبد الجبار بن كامل أبو أحمد، المعروف بابن عبدوس السلمي البغدادي السراج.
стр. 1163
حدث عن علي بن الجعد، وأبي بكر بن أبي شيبة وغيرهما.
وروى عنه جعفر الخلدي، والطبراني، وطائفة من المحدثين.
وكان من المعدودين بالحفظ، وحسن المعرفة بالحديث، ووثاقته فيه، وضبطه، ولذا أكثر الناس الرواية عنه، وكان صديقا لعبد الله بن الإمام أحمد.
وتوفي سنة ثلاث وتسعين ومائتين.
١٣٧١ - [عبدان بن محمد] (١)
عبدان بن محمد بن عيسى المروزي الفقيه الحافظ.
حدث عن قتيبة، وأبي كريب محمد بن العلاء وغيرهما.
وحدث عنه أبو أحمد العسال، والطبراني وغيرهما.
وكان من العلماء الحفاظ الزهاد، وقيل: اسمه عبد الله، وعبدان لقب، وهو مذكور في الأصل.
١٣٧٢ - [عيسى بن محمد المروزي] (٢)
عيسى بن محمد المروزي اللغوي، كان إماما في العربية.
روى عن إسحاق بن راهويه، وهو الذي رأى بخوارزم المرأة التي بقيت نيفا وعشرين سنة لا تأكل ولا تشرب؛ أي: لأن زوجها قتل شهيدا، وكانت معولة منه، فحزنت عليه، فرأته في المنام ليلة قتل وهو مع جماعة يأكلون طعاما، فقال لهم زوجها: أطعموا هذه المسكينة، فأطعموها مما يأكلون، فطعمت شيئا لم تطعم مثله في الدنيا، فأصبحت شبعانة راوية، واستمرت على ذلك المدة المذكورة لا تأكل ولا تشرب، حتى إن بعض الأمراء امتحنها، فحبسها في مكان لا يمكن الوصول إليه بطعام ولا غيره أياما كثيرة، ثم أخرجت وهي أحسن حالا من يوم حبست، وقد ذكره التاج السبكي في «طبقاته الكبرى» (٣).
стр. 1164
قال الشيخ اليافعي: (وذكر الشيخ صفي الدين بن أبي منصور أن امرأة بجيزة مصر مكثت ثلاثين سنة لا تأكل ولا تشرب ولا تتألم بحر ولا برد) (١).
توفي عيسى المذكور سنة ثلاث وتسعين ومائتين.
١٣٧٣ - [محمد بن أسد المديني] (٢)
محمد بن أسد المديني أبو عبد الله الزاهد، يقال: إنه كان مجاب الدعوة.
توفي سنة ثلاث وتسعين ومائتين.
١٣٧٤ - [عبيد الله بن محمد العمري] (٣)
عبيد الله بن محمد بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، هكذا نسبه ابن يونس في «تاريخ الغرباء القادمين إلى مصر»، يكنى أبا بكر، مكي قدم مصر، وحدث بها.
توفي سنة ثلاث وتسعين ومائتين.
١٣٧٥ - [صالح جزرة] (٤)
أبو علي-وقيل: أبو جعفر-صالح بن محمد بن عمرو بن حبيب بن حسان ابن أبي الأبرش الأسدي مولاهم البغدادي، الملقب جزرة، نزيل بخارى، الحافظ الكبير، محدث ما وراء النهر، نزل بخارى وليس معه كتاب، فروى بها الكثير من حفظه.
حدث عن علي بن الجعد، وخالد بن خداش، ويحيى بن معين، وسعدويه الواسطي وغيرهم.
стр. 1165
ورحل إلى الشام ومصر والنواحي، وصنف، وجرح وعدل، وكان صاحب نوادر ومزاح، تقيا ثبتا.
روى عنه خلف الخيام، ومسلم خارج «صحيحه».
وتوفي سنة أربع وتسعين ومائتين.
١٣٧٦ - [محمد بن إسحاق بن راهويه] (١)
محمد بن الإمام إسحاق بن راهويه.
روى عن أبيه، وعلي بن المديني.
وتوفي سنة أربع وتسعين ومائتين.
١٣٧٧ - [محمد بن نصر المروزي] (٢)
محمد بن نصر بن الحجاج المروزي أبو عبد الله الإمام، أحد الأئمة الأعلام.
كان رأسا في الفقه والحديث والعبادة.
روى عن إسحاق بن راهويه، وشيبان بن فروخ، وهشام بن عمار وغيرهم.
وروى عنه أبو حامد بن الشرقي، ومحمد بن الأخرم وغيرهما من الأئمة، وله تصانيف نافعة.
روي أنه كان يقع الذباب على أذنه وهو في الصلاة، فيسيل الدم ولا يذبه، كان ينتصب كأنه خشبة.
توفي سنة أربع وتسعين ومائتين، وهو مذكور في الأصل.
стр. 1166
١٣٧٨ - [موسى بن هارون البغدادي] (١)
أبو عمران موسى بن هارون بن عبد الله بن مروان الحمال البغدادي الحافظ، محدث العراق.
حدث عن أبيه، وعلي بن الجعد، وخلف بن هشام.
وروى عنه جعفر الخلدي، والطبراني، وأبو بكر الشافعي.
وكان إماما حافظا حجة، يشبه في زمانه بابن المديني.
قال بعضهم: ما رأيت في حفاظ الحديث أهيب ولا أورع منه.
توفي سنة أربع وتسعين ومائتين.
١٣٧٩ - [ابن الضّريس] (٢)
أبو عبد الله محمد بن أيوب بن يحيى بن الضريس بن يسار بن الضريس البجلي الرازي الحافظ، محدث الري.
حدث عن القعنبي، ومسلم بن إبراهيم وغيرهما.
وروى عنه إسماعيل بن نجيد وغيره.
وكان حافظا مسندا، ومن أحسن مصنفاته كتاب «فضائل القرآن»، وفي آخر قدمة قدم البصرة أعطى أجرة الوراقين عشرة آلاف درهم.
توفي يوم عاشوراء سنة أربع وتسعين ومائتين وهو في عشر المائة.
١٣٨٠ - [إبراهيم بن أبي طالب] (٣)
إبراهيم بن أبي طالب محمد بن نوح بن عبد الله النيسابوري أبو إسحاق الحافظ، شيخ خراسان.
стр. 1167
حدث عن إسحاق، وداود بن رشيد، ومحمد بن مهران وغيرهم.
روى عنه ابن خزيمة، وكان إمام عصره بنيسابور في علوم الحديث ورجاله وعلله مع حفظ وإتقان، حتى قال بعضهم: إنما أخرجت نيسابور ثلاثة: محمد بن يحيى، ومسلم بن الحجاج، وإبراهيم بن أبي طالب.
توفي سنة خمس وتسعين ومائتين.
١٣٨١ - [إبراهيم بن معقل النسفي] (١)
إبراهيم بن معقل بن الحجاج بن خداش بن يزيد النسفي أبو إسحاق، قاضي نسف وعالمها ومحدثها.
روى عن قتيبة، وحدث عن البخاري ب «صحيحه»، وروى عنه ابنه سعيد وغيره من النسفيين.
وكان حافظا فقيها عفيفا نبيها صينا بصيرا بالحديث، عارفا بالفقه والاختلاف، صنف «التفسير» و «المسند الكبير».
وتوفي سنة خمس وتسعين ومائتين.
١٣٨٢ - [عيسى بن مسكين] (٢)
عيسى بن مسكين، قاضي القيروان، فقيه المغرب.
أخذ عن سحنون، وعن الحارث بن مسكين.
وكان إماما ورعا جامعا متمكنا من الفقه والآثار، مجاب الدعوة، يشبّه بسحنون في سمته وهيئته، أكرهه ابن الأغلب على القضاء، فولي ولم يأخذ رزقا، وكان يركب حمارا، ويستقي الماء لبنيه.
توفي سنة خمس وتسعين ومائتين.
стр. 1168
١٣٨٣ - [محمد بن أحمد الترمذي] (١)
أبو جعفر محمد بن أحمد الترمذي، شيخ الشافعية بالعراق قبل ابن سريج.
كان زاهدا ناسكا، قانعا باليسير، صبورا على الفقر.
قال الدارقطني: لم يكن بالعراق للشافعية أرأس ولا أورع منه.
حدث عن جماعة كثيرة، منهم يحيى بن بكير المصري، وروى عنه جماعة، منهم أحمد بن كامل، روى بالإسناد إليه عنه أنه تقوت في سبعة عشر يوما خمس حبات، أو سبع، أو ثلاث حبات، فقيل له: كيف عملت؟ فقال: لم يكن عندي غيرها، فاشتريت بها لفتا، فكنت آكل كل يوم واحدة.
وذكر أبو إسحاق الزجاج النحوي أنه كان يجرى عليه كل شهر أربعة دراهم، وكان لا يسأل أحدا شيئا، وكان يقول: تفقهت على مذهب أبي حنيفة، فرأيت النبي ﷺ في مسجد المدينة عام حججت، فقلت: يا رسول الله؛ تفقهت بقول أبي حنيفة، أفآخذ به؟ فقال: لا، فقلت: آخذ بقول مالك بن أنس؟ فقال: خذ منه ما وافق سنتي، قلت: فآخذ بقول الشافعي؟ فقال: ما هو بقوله، إلا أنه أخذ بسنتي، ورد على من خالفها، فخرجت في إثر هذه الرؤيا إلى مصر، وكتبت كتب الشافعي.
كذا ذكره جماعة من أهل الطبقات والتواريخ، منهم: الشيخ أبو إسحاق الشيرازي (٢)، والقاضي ابن خلكان، كذا في «تاريخ اليافعي» في ترجمة أبي جعفر الترمذي المذكور (٣)، ووقفت في «طبقات السبكي الكبرى» على مثل هذه الحكاية بل عينها أنها اتفقت للإمام محمد بن نصر المروزي (٤)، وقد ذكرتها في ترجمته، فلعل ذلك اتفق للإمامين جميعا، والله سبحانه أعلم.
توفي سنة خمس وتسعين ومائتين.
стр. 1169
١٣٨٤ - [محمد بن إسماعيل بن مهران] (١)
محمد بن إسماعيل بن مهران أبو بكر الإسماعيلي النيسابوري.
حدث عن حرملة، وعيسى بن حماد، وهشام بن عمار وغيرهم.
وروى عنه أبو العباس السراج، ومحمد بن الأخرم وغيرهما.
وكان أحد أركان الحديث بنيسابور، له تصانيف مفيدة، ورحلة واسعة، وكان ثقة مأمونا خيرا فاضلا.
توفي سنة خمس وتسعين ومائتين.
١٣٨٥ - [المكتفي بالله] (٢)
الخليفة المكتفي بالله أبو الحسن علي بن المعتضد أحمد بن الموفق أبي أحمد طلحة بن المتوكل جعفر بن المعتصم بن هارون الرشيد العباسي.
ولد غرة ربيع سنة أربع وستين ومائتين، وتوفي والده المعتضد وهو بالرقة، فأخذ له الوزير القاسم بن عبيد الله البيعة على من ببغداد، وكاتبه بأن يأخذ البيعة لنفسه على من قبله من القواد والأجناد، وقدم المكتفي إلى بغداد في الماء ثامن جمادى الأولى من سنة ولايته، وأراد المكتفي أن يجلس للمظالم، فشق ذلك على الوزير القاسم بن عبيد الله، فشاور أبا العباس بن الفرات، فقال: انظر الذي يشتد عليه، فعرفه به، فقال: ما أرى أشد عليه من المال، قال: فعرفه أن في يد السلطان وقوفا مدة مائة سنة أو أكثر، وأقل ارتفاعها في السنة خمس مائة ألف دينار، وأن أمير المؤمنين يحتاج أن يعلم هذا قبل جلوسه، فعرفه القاسم ذلك، فكان سبب امتناعه من الجلوس.
وتوفي في ذي القعدة سنة خمس وتسعين ومائتين، فمدة ولايته ست سنين ونصف، وعمره إحدى وثلاثون سنة، ثم ولي الخلافة بعده أخوه أبو الفضل جعفر المقتدر بالله بن المعتضد وعمره إذ ذاك ثلاث عشرة سنة وأربعون يوما، ولم يل أمر الأمة صبي قبله.
стр. 1170
١٣٨٦ - [الحسن بن علي بن شبيب] (١)
الحسن بن علي بن شبيب المعمري-نسبة إلى جده لأمه أبي سفيان محمد بن حميد المعمري، صاحب معمر-البغدادي أبو علي.
حدث الحسن عن ابن المديني، وأبي نصر التمار، وخلف بن هشام وغيرهم، وروى عنه الطبراني وغيره.
كان من أوعية العلم، موصوفا بالحفظ والذكاء والفهم، وانفرد برفع موقوفات وأحاديث غريبة، ولهذا تكلم فيه موسى بن هارون وغيره، وقواه آخرون، وقال الدارقطني: إنه صدوق حافظ.
توفي سنة خمس وتسعين ومائتين.
١٣٨٧ - [ابن المعتز] (٢)
أبو العباس عبد الله بن المعتز بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور العباسي الأديب.
أخذ الأدب عن أبوي العباس: المبرد وثعلب وغيرهما، وكان أديبا بالغا، شاعرا مطبوعا، مقتدرا على الشعر، قريب المأخذ، سهل اللفظ، جيد القريحة، حسن الإبداع للمعاني، مخالطا للعلماء، معدودا من جملتهم، حتى جرت له الحادثة المذكورة في حوادث سنة ست وتسعين ومائتين.
ومن تشبيهاته الفائقة تشبيهه ظلام الليل حين ظهر فيه ضوء الصبح بإشخاص الغربان قوادمها بيض في قوله: [من الطويل]
كأنا وضوء الصبح يستعجل الدجى ... نطير غرابا ذا قوادم جون
стр. 1171
بفتح الجيم (١)، ويعني به الأبيض، ويطلق الجون على الأسود أيضا، وهو من باب الأضداد.
وكان يقول: لو قيل: ما أحسن شعر تعرفه؟ لقلت: قول العباس بن الأحنف: [من البسيط]
قد سحب الناس أذيال الظنون بنا ... وفرق الناس فينا قولهم فرقا
فكاذب قد رمى بالظن غيركم ... وصادق ليس يدري أنه صدقا
ولما توفي المكتفي في ذي القعدة من سنة خمس وتسعين ومائتين، ولم يعهد إلى أحد، وكان وزيره العباس بن الحسن مستوليا على الأمر .. استشار الناس فيمن يعقد له الخلافة، فأكثرهم أشار عليه بعبد الله بن المعتز؛ لفضله وعلمه ونسبه، إلا أبا الحسن بن الفرات، فأشار عليه بجعفر بن المعتضد الملقب بالمقتدر، فقال له الوزير: إنه صبي! فقال له ابن الفرات: وإن كان؛ فإنه ابن المعتضد، فاتق الله ولا تنصب في هذا الأمر من قد عرف ضيعة هذا، وولد هذا، وبستان هذا، وبلد هذا، ولقي الناس ولقوه، فترجح للوزير رأي ابن الفرات، فعقدها لجعفر المقتدر، ولما كان اختيار ابن الفرات ذلك لغير الله .. كان هلاكه وهلاك ولده وانقراض بنيه على يد من اختار.
ثم إنه كثر كلام الناس في خلافة المقتدر؛ لصغره، فاتفق طائفة على خلعه ونصب ابن المعتز، وخاطبوه بذلك فقال: بشرط ألاّ يكون فيها حرب، فلما كان أول سنة ست وتسعين .. خرج المقتدر إلى الميدان يلعب بالصولجان، وركب لركوبه الأمير فاتك، والوزير العباس بن الحسن، والأمراء، فشد الحسين بن حمدان على الوزير فقتله، فأنكر عليه الأمير فاتك قتله، فألحقه به، ثم سار إلى المقتدر ليثلث به، وسمع المقتدر الهيعة عند قتل الوزير وهو يلعب بالصولجان، فدخل الدار وأغلقت الأبواب، ثم نزل ابن حمدان بدار سليمان بن وهب، وحضر الأمراء والقضاة سوى خواص المقتدر، واستدعي ابن المعتز، فبايعوه، ولقبوه الغالب بالله، وقيل: الراضي، وقيل: المرتضي، فاستوزر محمد بن داود بن الجراح، واستحجب يمن الخادم، ونفذت الكتب الخلافية إلى البلاد، وأرسلوا إلى المقتدر ليتحول من دار الخلافة، ولم يكن معه غير مؤنس الخادم، ومؤنس الخازن، وخاله الأمير في جمع قليل، فنزلوا على حميّة، وقصدوا ابن المعتز، وألقى الله الرعب في قلوب أصحاب ابن المعتز، فخرج إلى سر من رأى ليثبت بها أمره، فلم يتبعه كثير أحد،
стр. 1172
وخذل، فنزل عن فرسه واختفى بدار ابن الجصاص، واختفى وزيره، واستقام الأمر للمقتدر، فقبض على ابن المعتز وسلمه إلى مؤنس الخادم فقتله، وسلمه إلى أهله ملفوفا في كساء، وصودر ابن الجصّاص، وذلك في أوائل سنة ست وتسعين ومائتين، ورثاه علي بن محمد بن بسام بقوله: [من البسيط]
لله درّك من ميت بمضيقة ... ناهيك في العلم والآداب والحسب
ما فيه لوّ ولا لولا فتنقصه ... وإنما أدركته حرفة الأدب
١٣٨٨ - [زغبة بن محمد] (١)
أبو جعفر أحمد بن محمد بن حماد، المعروف بزغبة، المحدث.
توفي سنة ست وتسعين ومائتين.
١٣٨٩ - [محمد بن الحسين الوادعي] (٢)
أبو حصين-بمهملتين-محمد بن الحسين الوادعي الكوفي القاضي.
حدث عن أحمد اليربوعي، ويحيى الحماني، وعون بن سلام وغيرهم.
وروى عنه يحيى ابن صاعد، والحسين المحاملي، وطائفة.
وكان من الثقات، وله «المسند» من المصنفات.
توفي سنة ست وتسعين ومائتين.
١٣٩٠ - [محمد بن أحمد بن أبي خيثمة] (٣)
محمد بن أبي بكر أحمد بن أبي خيثمة زهير بن حرب بن شداد النسائي، ثم البغدادي، الحافظ ابن الحافظ ابن الحافظ.
стр. 1173
حدث عن نصر بن علي الجهضمي، وعمرو الفلاس وغيرهما.
وروى عنه الطبراني، وأحمد بن كامل وغيرهما.
وكان من الحفاظ والنقاد، كان أبوه يستعين به في تصنيف «التاريخ».
توفي سنة سبع وتسعين ومائتين.
١٣٩١ - [عمرو بن عثمان المكي] (١)
أبو عبد الله عمرو بن عثمان المكي، الشيخ الكبير، الولي الشهير، شيخ الصوفية، وأحد الخمسة المقتدى بهم في زمانهم، الجامعين بين علمي الباطن والظاهر، وله تصانيف في الطريقة.
توفي سنة سبع وتسعين ومائتين.
١٣٩٢ - [محمد بن عثمان ابن أبي شيبة] (٢)
محمد بن عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي الحافظ أبو جعفر.
حدث عن أبيه، وعميه أبي بكر والقاسم ابني أبي شيبة، وابن معين وغيرهم.
وروى عنه الطبراني، وعثمان بن السماك وغيرهما.
وكان حافظا ورعا، محدث الكوفة، ضعفه جماعة.
وتوفي سنة سبع وتسعين ومائتين.
١٣٩٣ - [يوسف بن يعقوب الأزدي] (٣)
القاضي يوسف بن يعقوب بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم الأزدي مولاهم البصري، ثم البغدادي أبو محمد.
стр. 1174
حدث عن مسلم بن إبراهيم، وسليمان بن حرب، وشيبان، وعنه روى ابن قانع، ودعلج وغيرهما.
وكان إماما حافظا، من الثقات، وله كتاب «السنن» وغيره من المصنفات.
توفي سنة سبع وتسعين ومائتين.
١٣٩٤ - [مطيّن] (١)
محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي الكوفي أبو جعفر، الملقب مطيّن.
حدث عن أحمد بن يونس، ويحيى الحماني وغيرهما، وعنه روى الطبراني، والإسماعيلي وغيرهما.
وكان حافظا، كثير التفقه، خبّارا مشهورا، صنف «المسند» وغيره، وله تاريخ صغير.
توفي سنة سبع وتسعين ومائتين.
١٣٩٥ - [محمد بن داود الظاهري الأصفهاني] (٢)
محمد بن داود بن علي الأصفهاني الظاهري، الإمام ابن الإمام، الفقيه أبو بكر.
كان فقيها أديبا شاعرا طريفا لبيبا ذكيا.
لما توفي أبوه .. جلس في حلقته، فاستصغروه، فدسوا إليه من سأله عن حد السكر، فقال له السائل: متى يكون الإنسان داخلا في حد السكران؟ فقال: إذا عزبت عنه الهموم، وباح بسره المكتوم، فاستحسن ذلك منه، وعلم موضعه من العلم.
ونقل عن الشافعي ﵀ مثل ذلك في حد السكران أنه الذي اختل كلامه المنظوم، وانكشف سره المكتوم.
وسألته امرأة عن رجل له زوجة لا هو يمسكها ولا يطلقها، فقال: قال بعضهم: تؤمر
стр. 1175
بالصبر والاحتساب، وتبعث على الطلب والاكتساب، وقال آخرون: يؤمر بالإنفاق، ولا يحمل على الطلاق، فلم تفهم المرأة قوله، وأعادت مسألتها، فقال لها: يا هذه؛ قد أجبتك عن مسألتك، وأرشدتك إلى طلبتك، ولست بسلطان فأمضي، ولا قاض فأقضي، ولا زوج فأرضي، فانصرفت ولم تفهم جوابه.
وصنف في عنفوان شبابه كتاب «الزهرة»، وهو مجموع أدب، أتى فيه بكل غريبة ونادرة وشعر رائق، وكان يناظر أبا العباس بن سريج.
واجتمع يوما هو وأبو العباس بن سريج في مجلس الوزير ابن الجراح، فتناظرا في الإيلاء، فقال له ابن سريج: أنت بقولك: من كثرت لحظاته .. دامت حسراته أبصر منك بالكلام في الإيلاء، فقال له ابن داود: لئن قلت ذلك .. فإني أقول: [من الطويل]
أنزّه في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محرّما
وأحمل من ثقل الهوى ما لو انه ... يصبّ على الصخر الأصمّ لهدّما
وينطق طرفي عن مترجم خاطري ... فلولا اختلاسي ردّه لتكلّما
رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم ... فما إن أرى حبا صحيحا مسلّما
فقال له ابن سريج: ولم تفتخر علي ولو شئت أنا أيضا .. لقلت: [من الكامل]
ومسامر بالغنج من لحظاته ... قد بتّ أمنعه لذيذ سناته
ضنا بحسن حديثه وغنائه ... وأكرر اللحظات في وجناته
حتى إذا ما الصبح لاح عموده ... ولى بخاتم ربه وبراته
فقال ابن داود: يحفظ الوزير عليه ذلك حتى يقيم شاهدي عدل أنه ولى بخاتم ربه وبراته، فقال ابن سريج: يلزمني في ذلك ما يلزمك في قولك:
أنزه في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محرما
فضحك الوزير وقال: لقد جمعتما ظرفا ولطفا، وفهما وعلما.
توفي يوم الاثنين تاسع شهر رمضان من سنة سبع وتسعين-أو ثمان وتسعين-ومائتين وعمره إذ ذاك اثنتان وأربعون سنة، ويوم وفاته هو اليوم الذي توفي فيه القاضي يوسف بن يعقوب الأزدي.
قال الشيخ اليافعي: (ونقل ابن خلكان عنه حكاية لا تصح؛ فإنه قال: ويحكى أنه لما بلغته وفاة ابن سريج .. كان يكتب شيئا، فألقى الكراس من يده وقال: مات من كنت أحث
стр. 1176
نفسي وأجهدها على الاشتغال لمناظرته ومقاومته؛ فإن ظاهر هذا اللفظ أن ابن داود هو الذي بلغته وفاة ابن سريج، فقال هذا القول، وهذا لا يصح؛ لأن ابن سريج مات بعده في سنة ست وثلاث مائة.
نعم؛ يحكى أنه لما مات ابن داود .. تأسف ابن سريج وقال: كيف تأكل الأرض مثله) (١).
١٣٩٦ - [أحمد ابن مسروق الطوسي] (٢)
أحمد بن محمد بن مسروق الطوسي، السيد الجليل، الشيخ العارف، أستاذ أبي القاسم الجنيد.
توفي سنة ثمان وتسعين ومائتين.
١٣٩٧ - [أبو القاسم الجنيد] (٣)
أبو القاسم الجنيد بن محمد القواريري-كان أبوه قواريريا-الخزاز-بخاء معجمة، وزاي مشددة مكررة-كان يعمل الخز.
سيد الطائفة، وأستاذ الطريقة، أصله من نهاوند، وولد ونشأ بالعراق، تفقه بأبي ثور صاحب الشافعي، وقيل: بل كان على مذهب سفيان الثوري.
وصحب خاله السري، والحارث بن أسد المحاسبي وغيرهما من المشايخ، وصحبه الإمام أبو العباس بن سريج، وكان ابن سريج إذا تكلم في الأصول والفروع بكلام، فعجب الحاضرون .. قال: هذا من بركة مجالستي لأبي القاسم الجنيد.
وكان الجنيد شيخ وقته، وفريد عصره، له كلام في الطريقة وأسرار الحقيقة مشهور.
قال: مذهبنا هذا مقيد بأصول الكتاب والسنة.
стр. 1177
وسئل عن العارف فقال: من نطق عن سرك وأنت ساكت.
ورئيت في يده سبحة، فقيل له: أنت مع شرفك تأخذ سبحة في يدك؟ فقال: طريق وصلت به إلى ربي، لا أفارقه.
وكان ﵁ من صغره منطقا بالمعارف والحكم، حتى إن خاله السري سئل عن الشكر والجنيد يلعب مع الصغار، فقال له: ما تقول يا غلام؟ فقال: الشكر ألاّ تستعين بنعمه على معاصيه، فقال السري: ما أخوفني عليك أن يكون حظك في لسانك، فقال الجنيد: فلم أزل خائفا من قوله هذا حتى دخلت عليه يوما بشيء كان محتاجا إليه، فقال لي: أبشر؛ فإني دعوت الله أن يسوق لي ذلك على يد مفلح أو موفق. اللهم؛ إنا نسألك التوفيق.
قال ﵀: قال لي خالي: تكلم على الناس، وكان في قلبي حشمة من الكلام على الناس؛ فإني كنت أتهم نفسي في استحقاق ذلك، فرأيت النبي ﷺ في المنام وكانت ليلة جمعة، فقال لي: تكلم على الناس، فانتبهت، وأتيت باب السري قبل أن يفتح، فدققت الباب، فقال لي: لم تصدق حتى قيل لك هذا؟ ! فقعدت في غد للناس بالجامع، وانتشر في الناس أن الجنيد قعد يتكلم على الناس، فوقف علي غلام نصراني متنكرا وقال: أيها الشيخ؛ ما معنى قول رسول الله ﷺ : «اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله» فأطرقت ساعة، ثم رفعت رأسي فقلت له: أسلم، فقد حان وقت إسلامك، فأسلم الغلام.
وفي ذلك كرامتان للجنيد: اطلاعه على كفر الغلام، وعلى أنه سيسلم في الحال، وكل ذلك باطلاع الله تعالى له تفضلا وتكرما.
قال الشيخ اليافعي: (وذكر بعض المشايخ أنه لما صنف عبد الله بن سعيد بن كلاّب كتابه الذي رتبه على جميع المذاهب .. قال: هل بقي أحد؟ قيل له: نعم، طائفة يقال لها:
الصوفية، قال: هل لهم من إمام يرجعون إليه؟ قيل: نعم، الأستاذ أبو القاسم الجنيد، فأرسل إليه يسأله عن حقيقة مذهبه، فأجابه أن مذهبنا إفراد القدم عن الحدث، وهجران الإخوان والأوطان، ونسيان ما يكون وما كان، فتعجب ابن كلاّب من هذا الجواب وقال:
هذا شيء أو كلام لا يمكن فيه المناظرة، ثم حضر مجلس الجنيد وسأله عن التوحيد، فأجابه بعبارة مشتملة على معارف الأسرار والحكم فقال: أعد علي ما قلت، فأعاده بعبارة
стр. 1178
أخرى، فقال: هذا شيء آخر، فأعده علي، فأعاده لا بتينك العبارتين، فقال: ما يمكننا حفظ ما تقول، فأمله علينا، فقال: لو كنت أجريه .. كنت أمليه، فاعترف بفضله وعلو شأنه) (١).
وعن بعض مشايخ الصوفية أنه قال: قال الكعبي من كبار أئمة المعتزلة: رأيت لكم شيخا ببغداد يقال له الجنيد، ما رأت عيني مثله، كان الكتبة يحضرونه لألفاظه، والفلاسفة لرقة كلامه، والشعراء لفصاحته، والمتكلمون لمعانيه، وكلامه ناء عن فهمهم.
وعن الأستاذ أبي القاسم الجنيد أنه قال: دخلت الكوفة في بعض أسفاري، فرأيت دارا لبعض الرؤساء وقد شف عليها النعيم، وعلى بابها عبيد وغلمان، وفي بعض رواشنها جارية تغني وتقول: [من الوافر]
ألا يا دار لا يدخلك حزن ... ولا يعبث بصاحبك الزمان
فنعم الدار أنت لكل ضيف ... إذا ما الضيف أعوزه المكان
قال: ثم مررت بعد مدة؛ فإذا الباب مسود، والجمع مبدد، وقد ظهر عليها كآبة الذل والهوان، وأنشد لسان الحال: [من الكامل]
ذهبت محاسنها وبان شجونها ... فالدهر لا يبقي مكانا سالما
فاستبدلت من أنسها بتوحش ... ومن السرور بها عزاء راغما
قال: فسألت عن خبرها، فقيل لي: مات صاحبها، فآل أمرها إلى ما ترى، فقرعت الباب الذي كان لا يقرع، فكلمتني جارية بكلام ضعيف، فقلت لها: يا جارية؛ أين بهجة هذا المكان وأنواره، وشموسه وأقماره، وقصاده وزواره؟ ! فبكت، ثم قالت: يا شيخ؛ كانوا فيه على سبيل العارية، ثم نقلتهم الأقدار إلى دار القرار، وهذه عادة الدنيا: ترحل من سكن فيها، وتسيء إلى من أحسن إليها، فقلت لها: يا جارية؛ مررت بها في بعض الأعوام وفي هذا الروشن جارية تغني:
ألا يا دار لا يدخلك حزن
فبكت، وقالت: أنا-والله-تلك الجارية، ولم يبق من أهل هذه الدار أحد غيري، فالويل لمن غرته دنياه، فقلت لها: كيف قربك القرار في هذا الموضع الخراب؟ ! فقالت
стр. 1179
لي: ما أعظم جفاءك! أما كان منزل الأحباب، ثم أنشأت: [من البسيط]
قالوا أتفنى وقوفا في منازلهم ... ونفس مثلك لا يفنى تحملها
فقلت والقلب قد ضجت أضالعه ... والروح تنزع والأشواق تبدلها
منازل الحب في قلبي معظمة ... وإن خلا من نعيم الوصل نازلها
فكيف أتركها والقلب يتبعها ... حبا لمن كان قبل اليوم ينزلها
قال: فتركتها، ومضيت وقد وقع شعرها من قلبي موقعا.
توفي الأستاذ سنة ثمان وتسعين ومائتين، أو سبع وتسعين ومائتين.
١٣٩٨ - [أبو عثمان الحيري] (١)
سعيد بن إسماعيل أبو عثمان الحيري-بحاء وراء مهملتين بينهما آخر الحروف ساكنة- الشيخ الكبير، العارف بالله، شيخ نيسابور في زمنه وواعظها، وكبير الصوفية بها.
صحب الشيخ الكبير أبا حفص النيسابوري، وكان كبير الشأن، مجاب الدعوة.
توفي سنة ثمان وتسعين ومائتين.
١٣٩٩ - [أحمد بن نصر الخفاف] (٢)
أحمد بن نصر بن إبراهيم النيسابوري أبو عمرو الخفاف، الملقب بزين الأشراف، شيخ نيسابور، الحافظ الزاهد.
سمع إسحاق بن راهويه، ويعقوب بن حميد بن كاسب، وأبو كريب محمد بن العلاء.
وروى عنه أبو بكر الضبعي، وأبو حامد بن الشرقي وغيرهما من الأعلام.
وكان إماما حافظا رحالا صائم الدهر، كثير البر والإحسان، تصدق حين كبر بأموال لها شأن.
стр. 1180
قال ابن خزيمة يوم وفاته: لم يكن بخراسان أحفظ للحديث منه.
توفي سنة تسع وتسعين ومائتين.
١٤٠٠ - [محمد بن أحمد بن كيسان] (١)
أبو الحسن محمد بن أحمد بن كيسان البغدادي النحوي، صاحب التصانيف في القراءات والغريب والنحو.
وكان أبو بكر بن مجاهد يعظمه ويطريه ويقول: هو أنحى من الشيخين، يعني المبرد وثعلبا.
توفي سنة تسع وتسعين ومائتين.
١٤٠١ - [أبو محمد صاحب الأندلس] (٢)
أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان الأموي صاحب الأندلس، وليها بعد أخيه المنذر.
وكان ذا صلاح وعبادة وعدل واجتهاد، يلتزم الصلوات في الجامع، وله غزوات كبار، أشهرها غزوة ابن حفصون الخارجي، وكان في ثلاثين ألفا، وهو في أربعة عشر ألفا، فالتقيا، فانكسر ابن حفصون الخارجي، وتبعه عبد الله يأسر ويقتل، حتى لم ينج منهم أحد.
وتوفي عبد الله المذكور سنة ثلاث مائة، ومدة ولايته خمس وعشرون سنة، وولي بعده ابنه أبو المطرد عبد الرحمن (٣).
стр. 1181
١٤٠٢ - [مسدد بن قطن] (١)
مسدد بن قطن النيسابوري.
قال الحاكم: كان مزني عصره، والمقدم في الزهد والورع. اه
توفي سنة ثلاث مائة.
١٤٠٣ - [يحيى بن علي المنجم] (٢)
أبو أحمد يحيى بن علي، المعروف بالمنجم.
كان أول أمره نديم الموفق طلحة بن المتوكل على الله، وكان الموفق نائبا عن أخيه المعتمد على الله ولم يل الخلافة، ثم نادم يحيى المذكور الخلفاء بعد الموفق، واختص بمنادمة المكتفي بالله، وعلت رتبته عنده، وتقدم على خواصه وجلسائه.
وكان متكلما، معتزلي الاعتقاد، وله في ذلك كتب كثيرة، وكان له مجلس يحضره جماعة من المتكلمين بحضرة المكتفي.
وله مع المعتضد نوادر، منها أنه قال: كنت يوما بين يدي المعتضد وهو مغضب، فأقبل بدر مولاه، وهو شديد الغرام به، فلما رآه من بعيد .. ضحك وقال: يا يحيى؛ من الذي يقول من الشعراء: [من البسيط]
في وجهه شافع يمحو إساءته ... من القلوب وجيه حيث ما شفعا
فقلت: يقوله الحكم بن عمرو الشاري، فقال: لله دره، أنشدني هذا الشعر، فأنشدت: [من البسيط]
ويلي على من أطار النوم فامتنعا ... وزاد قلبي على أوجاعه وجعا
كأنما الشمس في أعطافه لمعت ... حسنا أو البدر من أزراره طلعا
مستقبل بالذي يهوى وإن كثرت ... منه الذنوب ومعذور بما صنعا
في وجهه شافع يمحو إساءته ... من القلوب وجيه حيث ما شفعا
توفي ابن المنجم المذكور في سنة ثلاث مائة.
стр. 1182
١٤٠٤ - [ابن الراوندي] (١)
أحمد بن يحيى الراوندي الملحد، كان يلازم الرافضة والزنادقة.
قال ابن الجوزي: (كنت أسمع عنه العظائم حتى رأيت في كتبه ما لم يخطر على قلب أنه يقوله عاقل) (٢).
وقال ابن عقيل: كيف لم يقتل وقد صنف «الدامغ» يدمغ به القرآن في زعمه، و «الزمردة» يزري به على النبوات.
ومن تصانيفه كتاب «نعت الحكمة» وكتاب «قضيب الذهب».
وذكر بعضهم أن له من التصانيف ما ينيف على مائة مصنف.
قال الشيخ اليافعي: (وأئمتنا من أهل الحق ينقلون عنه في كتب الأصول أشياء ينسبونه فيها إلى الزندقة والإلحاد، فلا اعتبار بمن يمدحه بالفضائل، كابن خلكان وغيره) (٣).
توفي في حدود الثلاث مائة، والله سبحانه أعلم.
١٤٠٥ - [إبراهيم بن موسى الخداشي] (٤)
إبراهيم بن موسى بن عمران الخداشي-بكسر الخاء المعجمة، وفتح الدال المهملة بعدها ألف، وشين معجمة، ثم ياء النسب-المعافري.
تفقه بأبيه موسى وغيره، وبه تفقه جماعة، منهم: يعقوب البعداني، وأسعد بن الهيثم وغيرهما.
وسمع «مختصر المزني» على أبي رجاء محمد بن حامد البغدادي، وكان أول من نشر مذهب الشافعي باليمن في أول ظهوره، وكان فقيها كبيرا.
يسكن إبّا والسّحول، ثم تديّر الملحمة، قرية بوادي السحول تحت الحصن المعروف
стр. 1183
بشواحط-بشين معجمة مضمومة، وقيل: مفتوحة، وواو مفتوحة، ثم ألف، ثم حاء مهملة مكسورة، ثم طاء مهملة-ولم يزل بها إلى أن توفي، ولم أقف على تاريخ وفاته (١)، وذكرته في هذه الطبقة ظنا، والله أعلم.
١٤٠٦ - [أحمد بن إبراهيم بن عمران] (٢)
أحمد بن إبراهيم بن عمران، تفقه بأبيه، وكان فقيها نبيلا فاضلا، وكان مسكنه الملحمة من وادي السحول، وكان أحد الرجال المعدودين المشار إليهم في زمانه، وهو من بيت علم وصلاح.
ولم أقف على تاريخ وفاته، كذا ذكره الخزرجي (٣)، وأظنه ابن المتقدم ذكره، إلا أنه سقط في نسبه موسى بين إبراهيم وعمران (٤)، ولذلك ذكرته في هذه الطبقة.
والله أعلم، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
***
стр. 1184
الحوادث
السنة الحادية والثمانون بعد المائتين
فيها: خرج المعتضد إلى الجبل؛ لاضطرابه بوصيف الخادم، وانصرف، ثم أسره من بعد شهر ببغداد (١).
وفيها: توفي الإمام أبو بكر محمد بن عبيد بن أبي الدنيا الدمشقي القرشي مولاهم، كذا في الأصل: أبو بكر محمد بن عبيد، وفي بعض التواريخ: أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا (٢)، والإمام أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي الحافظ، كذا في الأصل:
الدمشقي، وفي «كتاب الذهبي»: (البصري) (٣)، وإبراهيم ابن ديزيل، ومحمد بن إبراهيم المواز.
***
السنة الثانية والثمانون بعد المائتين
فيها: غضب المعتضد على حمدان بن حمدون، وحبسه، واستصفى أمواله، ثم أطلقه لما هزم ابنه الحسين هارون الشاري، وحمله إلى المعتضد، ومات حمدان ببغداد، وأمر المعتضد أن تؤرخ كتب ديوان الخراج والضياع باسم عبد الله بن سليمان (٤).
وفيها: وقع الصلح بين المعتضد وخمارويه صاحب مصر، وذلك أنه لما مات المعتمد، وولي الخلافة المعتضد .. بادر إليه خمارويه بالهدايا والتحف، فأقره على عمله، وسأل خمارويه المعتضد أن يزوج ابنته أسماء الملقبة بقطر الندى للمكتفي بن المعتضد بالله وهو إذ ذاك ولي العهد، فقال المعتضد: أنا أتزوجها، فتزوجها وأصدقها ألف ألف درهم في سنة إحدى وثمانين، وزفت إليه من مصر في هذه السنة، حملها إليه ابن الجصّاص، ولما خرجت من مصر إلى بغداد .. شيعتها عمتها العباسة بنت أحمد بن طولون
стр. 1185
حتى بلغت إلى آخر أعمال مصر من جهة الشام، ونزلت هناك، وضربت قبابها وفساطيطها، وبنت هناك قرية، فسميت: العباسة، باسمها.
قال ابن خلكان: (وهي عامرة إلى الآن، وبها جامع حسن وسوق) (١).
وجهزها أبوها بجهاز لم يعمل مثله، حتى قيل: إنه كان لها ألف هاون ذهبا، وقوّم جهازها بألف ألف دينار، وأعطت الذي مشى في الدلالة مائة ألف درهم، ويقال: إن المعتضد أراد بنكاحها افتقار الطولونية، وكذلك كان (٢).
وفي هذه السنة: توفي خمارويه بن أحمد بن طولون أمير مصر، وأبو العيناء محمد بن القاسم البصري الضرير اللغوي الأخباري، صاحب النوادر والشعر والأدب.
وفيها: توفي الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل الطوسي، والحافظ أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل الأزدي مولاهم البصري الفقيه المالكي قاضي بغداد، والحافظ أبو الفضل جعفر بن محمد بن أبي عثمان الطيالسي البغدادي، والحافظ أبو محمد الحارث بن محمد بن أبي أسامة اليمني البغدادي، والحسين بن الفضل بن عمير البجلي الكوفي المفسر نزيل نيسابور، والحافظ أبو محمد الفضل بن محمد الشعراني.
***
السنة الثالثة والثمانون
فيها: ظفر المعتضد برأس الخوارج هارون الشاري-بالمعجمة-وذلك أن الحسين بن حمدان التقى هو والشاري المذكور، فهزم الحسين عسكر هارون الشاري، وحمله إلى المعتضد أسيرا، ودخل به بغداد راكبا على فيل، وزينت بغداد (٣).
وفيها: توفي قدوة السالكين وحجة الله على العارفين أبو محمد سهل بن عبد الله التستري، وقاضي القضاة أبو الحسن علي بن محمد بن أبي الشوارب الأموي البصري، والحافظ إسحاق الختليّ، وعبد الرحمن ابن خراش، والباغندي، وتمتام، وأبو الحسن علي بن العباس المعروف بابن الرومي الشاعر المشهور.
стр. 1186
وفيها: أمر المعتضد بتوريث ذوي الأرحام، وإبطال دواوين المواريث في ذلك، فكثر الدعاء عليه، وكان قبل ذلك قد أبطل النيروز ووقيد النار، وأمات سنة المجوس (١).
***
السنة الرابعة والثمانون
قال ابن جرير: (وفيها: عزم المعتضد على لعن معاوية على المنابر، فخوفه الوزير من العامة، فلم يلتفت، ومنع القصاص من الكلام، ومن اجتماع الخلق في الجوامع، وكتب كتابا فيه مصائب ومعائب، فقال القاضي يوسف بن يعقوب: يا أمير المؤمنين؛ أخاف الفتنة عند سماعه، فقال: إن تحركت العامة .. وضعت فيهم السيف، قال: فما تصنع بالعلوية الذين هم في كل ناحية قد خرجوا عليك، فإذا سمع الناس هذا من فضائل أهل البيت .. مالوا إليهم، وصاروا أبسط ألسنة، فأمسك المعتضد) (٢).
وفيها: توفي أبو يوسف أحمد بن يعقوب بن صالح، والحافظ أحمد بن المبارك المستملي، وأبو عبادة الوليد بن عبيد الطائي المعروف بالبحتري الشاعر المشهور.
***
السنة الخامسة والثمانون
فيها: وثب صالح بن مدرك الطائي في طيء، وانتهبوا الركب العراقي، وبدّعوا، وسبوا النساء، وراح للناس ما قيمته ألف ألف دينار (٣).
وفيها: ظهر بالبحرين أبو سعيد القرمطي، وقويت شوكته، وانضم إليه جمع من الأعراب والزنج واللصوص حتى تفاقم أمره، وهزم جيوش الخليفة مرات، فعاث وأفسد، وقصد البصرة، فحصنها المعتضد (٤).
стр. 1187
وفيها: توفي الحافظ الحبر أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربي، وإمام النحو أبو العباس المبرد، واسمه: محمد بن يزيد الأزدي البصري، وأبو الحسن علي بن عبد العزيز البغوي المحدث بمكة، وهو عم البغوي عبد الله بن محمد، والحافظ أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن عباد الدّبري اليمني-نسبة إلى دبرة بفتح الدال المهملة والموحدة، والراء، ثم هاء، قرية على نصف مرحلة من صنعاء-كان إماما مشهورا مذكورا، أخذ عن عبد الرزاق «جامع معمر»، وأخذ عنه عدة من العلماء المشاهير، وعمر عمرا طويلا.
حكى الجندي أنه كان موجودا في سنة اثنتين وسبعين ومائتين (١).
قال الخزرجي: (الصواب: سنة اثنتين وتسعين-بتقديم التاء على السين-ومائتين؛ فإن صاحب «العطايا السنية» حكى أن ميلاده كان في سنة خمس-أو ست-وتسعين ومائة) (٢).
وكان بعضهم يقول: هو الشيخ الذي حكى الشافعي أنه كان يقرأ الحديث على شيخ باليمن يدخل عليه خمسة كهول ... الخبر المشهور بين الفقهاء في كتبهم، وهو الذي يقول فيه القائل: [من الرجز]
لا بد من صنعا وإن طال السفر ... لطيبها والشيخ فيها من دبر
وممن رحل إليه إسحاق بن إبراهيم النحوي، وكان فقيها عارفا رحالا في طلب العلم.
قال القاضي أحمد العرشاني: قدم المذكور على إسحاق بن إبراهيم الدبري سنة اثنتين ومائتين.
قال الخزرجي: (الصواب: سنة اثنتين وثمانين ومائتين؛ لأن الصواب في ميلاد الدبري ما قدمناه: أنه سنة اثنتين وتسعين ومائة) (٣)، وهو الذي يروي عن إبراهيم بن هدبة، عن أنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لو أذن للسماوات والأرض أن يتكلما .. لبشرتا صائم رمضان بالجنة» (٤).
стр. 1188
وممن سمع منه أيضا كما قال القاضي العرشاني: عبد الرحمن بن أحمد الهمداني أبو أحمد، كان فقيها فاضلا محدثا، قدم صنعاء، وسمع من الدبري كما مر، وسمع منه- أعني: عبد الرحمن المذكور-مشايخ صنعاء: الحسن بن عبد الأعلى، والكشوري وغيره، يروي مرفوعا عن النبي ﷺ : «إن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا، فطوبى للغرباء» قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: «الذين يصلحون ما أفسد الزمان من سنتي» (١)، ولم يذكر القاضي تاريخ وفاته.
وكذلك أبو محمد عبد الأعلى بن محمد بن عباد بن الحسن البوسي، كان فقيها عارفا مجتهدا.
قال الجندي: (تفقه وأخذ عن إسحاق الدبري المقدم ذكره، ولم أقف على تاريخ وفاته) اه (٢)
وذكرته هنا كالذين قبله تبعا لشيخهم الدبري.
***
السنة السادسة والثمانون
فيها: توفي الشيخ الكبير العارف بالله الشهير أبو سعيد أحمد بن عيسى الخراز، والحافظ محمد بن وضاح محدث قرطبة، وعبد الرحيم ابن البرقي، وأبو عبادة البحتري على خلاف، والكديمي.
***
السنة السابعة والثمانون
فيها: قلد إسماعيل بن أحمد ما كان في يد عمرو بن الليث بخراسان، ونفذ إليه الخلع واللواء، فواقع عمرا وأسره وحمله إلى بغداد، فشهر بها، وحبس حتى مات قبل المعتضد بيومين (٣).
وفيها: اشتد أمر القرامطة، فبعث المعتضد العباس بن عمرو الغنوي في ألفي رجل،
стр. 1189
فالتقى هو وأبو سعيد الجنابي القرمطي، فأسر العباس، وهزم عسكره، وقيل: بل أسر سائر العسكر، وضربت رقابهم، وأطلق العباس وحده، فجاء إلى المعتضد برسالة القرمطي: أن كف عنا، واحفظ حرمتك (١).
وفيها: قصدت طيء ركب العراق في رجوعه من الحج؛ ليأخذوه كالعام الماضي، فكانوا في ثلاثة آلاف، وأمير الحج أبو الأغر، فواقعوهم يوما وليلة، والتحم القتال، ثم أيد الله الوفد، فقتل رئيس طيء صالح بن مدرك وجماعة من أشراف قومه، وأسر خلق، وانهزم الباقون، ثم دخل الركب بالأسرى وبالرءوس على الرماح بغداد (٢).
وفيها: توفي الحافظ أبو بكر بن عمرو بن أبي عاصم الضحاك الشيباني البصري قاضي أصبهان، والحافظ أبو سعيد الهروي، وزكريا المعروف بخياط السنة.
***
السنة الثامنة والثمانون
فيها: مات عبيد الله بن سليمان بن وهب، وقلد ابنه القاسم الوزارة مكانه بشفاعة بدر المعتضدي، فقال له المقتدر: والله لأقتلنك؛ غيرة، فكان كما قال.
وفيها: توفي الإمام أبو القاسم عثمان بن سعيد الأنماطي البغدادي، والحافظ بشر بن موسى، والحاسب الحكيم ثابت ابن قرة الحراني.
***
السنة التاسعة والثمانون
فيها: توفي المعتضد أبو العباس أحمد بن الموفق أبي أحمد طلحة بن المتوكل جعفر بن المعتصم العباسي، وولي المكتفي بالله.
وفيها: توفي الحافظ الحسين بن محمد القباني النيسابوري صاحب «المسند» و «التاريخ»، ويحيى بن أيوب العلاف المصري، صاحب سعيد بن أبي مريم، والحافظ أبو جعفر صاحب سليمان بن حرب، وأبو عبد الملك البسري، وبكر بن سهل، وأبو يزيد القراطيسي.
стр. 1190
وفيها: اشتد القحط باليمن، وأكل الناس بعضهم بعضا، ومات كثير من الناس جوعا، وخربت في اليمن قرى كثيرة (١).
***
السنة الموفية تسعين
فيها: حاصرت القرامطة دمشق، فقتل طاغيتهم يحيى بن زكرويه-بالزاي في أوله- فخلفه أخوه الحسين صاحب الشامة، فجهّز المكتفي لحربهم الأمير أبو الأغر في عشرة آلاف، فلقيهم صاحب الشامة في ألف نفس، فدخل حلب، وقتل تسعة آلاف، ووصل المكتفي إلى الرقة، وجهز الجيوش إلى أبي الأغر، وجاءت من مصر العساكر الطولونية، فهزموا القرامطة، وقتلوا منهم خلقا، وقيل: بل كانت الوقعة بين القرامطة والمصريين بأرض مصر، وإن القرمطي صاحب الشامة انهزم إلى الشام، ومر بالرحبة وهيت ينهب ويسبي الحرم، حتى دخل الأهواز (٢).
وكان زكرويه يكذب ويزعم أنه من آل الحسين بن علي، وكان باطني الاعتقاد، وهو الذي بنى المهدية في المغرب.
وفي السنة المذكورة: توفي الحافظ أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد ابن حنبل الشيباني، والغلابيّ، ومحمد بن يحيى بن المنذر.
***
السنة الحادية والتسعون
فيها: نهض جيش من طرسوس، فأوغلوا في الروم حتى نازلوا أنطاكية وافتتحوها عنوة، وقتلوا من الروم نحو خمسة آلاف، وغنموا غنيمة لم يعهد مثلها بحيث بلغ سهم الفارس ألف دينار (٣).
وفيها: عظم أمر القرمطي بالشام، والتزم له أهل دمشق بمال عظيم حتى يرحل عنهم،
стр. 1191
وتملك حمص، وساروا إلى حماة والمعرة، فقتل وسبى، وعطف إلى بعلبك فقتل أكثر أهلها، ثم سار فأخذ سلمية؛ بذلها أهلها بالأمان، فلما خرجوا إليه بمن فيها من الهاشميين ..
قتلهم أجمعين، ثم قتل الصبيان والبهائم، وخرج وليس فيها عين تطرف، ثم جاء جيش المكتفي وعليهم الحسين بن حمدان ومحمد بن سليمان كاتب الجيش، فالتقوا بالحسين بن زكرويه القرمطي صاحب الشامة بقرب حمص، فانهزمت القرامطة خذلهم الله، وأسر خلق منهم، وهرب صاحب الشامة هو وابن عمه الملقب بالمدثّر وآخر يعرف بالمطوق في جماعة من أصحابه، فاخترقوا ثلاثتهم البرية، فمروا بدالية بن طوق، فأنكرهم والي تلك الناحية، فقررهم، فاعترف صاحب الشامة، فحملهم إلى المكتفي، وكانوا ثلاث مائة وستين، فيهم صاحب الشامة وابن عمه المدثّر والمطوق، فقطعت أيديهم وأرجلهم، وقتلوا، وحرقوا (١).
وفيها: توفي أبو العباس أحمد بن يحيى الشيباني مولاهم المعروف بثعلب الكوفي النحوي إمام أهل الأدب، وهارون بن موسى المعروف بالأخفش مقرئ أهل دمشق صاحب ابن ذكوان، ومحمد بن عبد الرحمن المخزومي المعروف بقنبل قارئ أهل مكة، والحافظ محمد بن إبراهيم البوشنجي، ومحمد بن علي الصائغ.
***
السنة الثانية والتسعون
فيها: خرج صاحب مصر هارون بن خمارويه الطولوني عن الطاعة، فأرسل المكتفي إليه الأمير محمد بن سليمان في جيش، ووقعت بينهم وقعات، ثم اختلف أمراء الطولوني واقتتلوا، فخرج هارون ليسكنهم، فجاءه سهم غرب فقتله (٢)، ودخل الأمير محمد بن سليمان قائد جيش المكتفي إلى مصر، وتملك الإقليم، واحتوى على الخزائن، وقتل من آل طولون بضعة عشر رجلا، وحبس طائفة، وكتب بالفتح إلى المكتفي.
وقيل: إن هارون هم بالمضي إلى المكتفي، فامتنع عليه أمراؤه وسجنوه وقتلوه غيلة (٣).
стр. 1192
وفيها: توفي الحافظ أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله البصري صاحب «السنن»، والمقرئ المحدث إدريس بن عبد الكريم، والحافظ أبو الحسن أسلم بن سهل، والقاضي أبو حازم عبد الحميد بن عبد العزيز الحنفي، والإمام أبو العباس محمد بن أحمد الهروي، ويحيى بن منصور أبو سعيد الهروي، والإمام أحمد بن علي بن سعيد المروزي، والحافظ أحمد بن عمرو البزار، وأبو مسلم الكجي.
وفيها: قتل أبو الفضل جعفر بن إبراهيم بن أبي جعفر المناخي نسبة إلى ذي مناخ، واسم ذي مناخ: زرعة بن عبد شمس بن وائل بن الغوث، يرجع نسبه إلى قحطان، وجعفر هذا هو الذي ينسب إليه مخلاف جعفر، وقيل: إن المخلاف منسوب إلى جعفر مولى ابن زياد، وكان أبو الفضل جعفر المذكور قيلا على هذه الناحية هو وآباؤه، وقد تقدم لأبيه ذكر في العشرين الأولى من هذه المائة، وفي أيام جعفر بن إبراهيم هذا كان قيام علي بن الفضل القرمطي، وانتشار القرامطة في اليمن، ثم إن علي بن الفضل القرمطي كتب إلى جعفر بن إبراهيم كتابا يقول فيه: بلغني ما أنت عليه من ظلم المسلمين وأخذ أموالهم، وإنما قمت؛ لإقامة الحق وإماتة الباطل، فادفع لأهل دلال دية ما قطعت من أيديهم وأرجلهم، وكان جعفر قد قطع منهم على حجر بالمذيخرة ثلاث مائة يد، ثم إن علي بن الفضل سار نحو جعفر بن إبراهيم، فلزم له جعفر نقيل البردان، وقاتله هنالك، فانهزم علي بن الفضل وجموعه، وذلك في شهر رمضان سنة إحدى وتسعين ومائتين، ثم إن علي بن الفضل جمع جموعا كثيرة، وقصد المذيخرة بلد جعفر بن إبراهيم، فدخلها وأخذ حصن التّعكر، وانهزم جعفر إلى قرية القرتب من وادي زبيد، فأمده صاحب زبيد بجيش كثيف، فرجع جعفر بن إبراهيم يريد المذيخرة، فلقيه علي بن الفضل في جموعه بوادي نخلة، فقتل جعفر بن إبراهيم وابن عمه أبو الفتوح في التاريخ المتقدم ذكره، واستقوى علي بن الفضل، واستولى على بلاد المناخي، وجعلها مستقر ملكه (١).
***
السنة الثالثة والتسعون
فيها: عاثت القرامطة بالشام، وقتلوا وسبوا وبدّعوا بحوران وطبرية، ودخلوا السماوة، وطلعوا إلى هيت واستباحوها، ثم وثبت هذه الفرقة الطاغية على زعيمها
стр. 1193
أبي غانم فقتلوه، ثم إن زكرويه رأس القرامطة جمع جموعا كثيرة، ونازل الكوفة، وقاتله أهلها، ثم جاءه جيش الخليفة، فالتقاهم وهزمهم، ودخل الكوفة يصيح في قومه:
يا ثارات الحسين، يعنون صاحب الخال ولد زكرويه الذي سموه: شامة (١).
وفيها: دخلت القرامطة صنعاء، وانحاز الأمير أسعد بن أبي يعفر إلى بلاد قدوم (٢).
وفيها: توفي عبدان بن محمد بن عيسى المروزي، وعيسى بن محمد المروزي اللغوي، وهو الذي رأى بخوارزم المرأة التي بقيت نيفا وعشرين سنة لا تأكل ولا تشرب، ولها قصة مذكورة في «طبقات السبكي الكبرى» (٣).
وفيها: توفي محمد بن أسد المديني أبو عبد الله الزاهد، والحافظ محمد ابن عبدوس، وداود بن الحسين البيهقي.
***
السنة الرابعة والتسعون
فيها: اعترض زكرويه القرمطي للحاج، وكانوا ثلاث قوافل، فقافلة تحصنت بفيدا، واستأصل القافلتين عن آخرهم قتلا، وكانوا نحو عشرين ألفا، ولم يسلم منهم إلا من وقع بين القتلى جريحا فظنوه قد قضي عليه ثم نجا بعد ذلك، وكان نساء القرامطة يسعون على القتلى بالماء، فإذا كلمهن الرجل واستسقاهن .. جهزن عليه، وحوى من الحجيج ما قيمته ألف ألف دينار، ووقع البكاء والنوح في البلدان، وعظم ذلك على المكتفي بالله، فبعث لقتالهم جيشا عليه وصيف بن صوارتكين في جماعة من القواد، فالتقوا هم وزكرويه في ثاني وعشرين شهر ربيع الأول، فانهزمت القرامطة، وقتل منهم خلق، وخلص إلى زكرويه، فضربه جندي وهو مول على قفاه ضربة وصلت إلى دماغه، وأخذ أسيرا، وعاش خمسة أيام، ثم هلك وأراح الله منه العباد، وحمل ميتا إلى بغداد، وقتل أصحابه ثم أحرقوا، وتمزق أصحابه في البرية (٤).
وفيها: توفي الحافظ الكبير أبو علي صالح بن محمد الأسدي الملقب جزرة، والحافظ
стр. 1194
محمد بن الإمام إسحاق بن راهويه، روى عن أبيه وعلي بن المديني، والإمام محمد بن نصر المروزي، والإمام أبو عمران موسى بن هارون البغدادي الحافظ، والحافظ محمد بن أيوب بن يحيى بن الضريس.
***
السنة الخامسة والتسعون
فيها: مات الخليفة المكتفي بالله أبو الحسن علي بن المعتضد أحمد بن الموفق بن المتوكل بن المعتصم العباسي، وولي بعده أخوه المقتدر وعمره إذ ذاك ثلاث عشرة سنة وأربعون يوما، ولم يل أمر الأمة صبي قبله.
وفيها: توفي إسماعيل بن أحمد صاحب خراسان وما وراء النهر، وقام ابنه أحمد مقامه، وقيل: إنه مات في السنة التي قبلها.
وفيها-أعني سنة خمس-: توفي الحافظ إبراهيم بن أبي طالب النيسابوري، والحافظ إبراهيم بن معقل قاضي نسف وعالمها، والحكم بن معبد الخزاعي الفقيه، مصنف كتاب «السنة» بأصبهان، من كبار أئمة الحنفية وثقاتهم، والحافظ أبو علي عبد الله بن محمد، وفقيه المغرب قاضي القيروان عيسى بن مسكين، والإمام أبو جعفر محمد بن أحمد الترمذي، شيخ الشافعية بالعراق قبل ابن سريج، والحافظ أبو بكر محمد بن إسماعيل الإسماعيلي، وأبو الحسين النوري، والحسن بن علي المعمري، وأبو شعيب الحراني.
***
السنة السادسة والتسعون
فيها: مات عبد الله بن المعتز بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد الأديب، وذلك أنه لما دخلت هذه السنة والناس يستصغرون المقتدر ويتكلمون في خلافته، فاتفق طائفة على خلعه، وخاطبوا عبد الله بن المعتز، فأجاب بشرط ألاّ يكون فيها حرب، وكان رأسهم محمد بن داود بن الجراح، وأحمد بن يعقوب القاضي، والحسين بن حمدان، واتفقوا على قتل المقتدر ووزيره العباس بن الحسن والأمير فاتك، فلما كان عاشر شهر ربيع الأول .. خرج المقتدر إلى الحلة ليلعب بالصولجان، فركب لخروجه الحسين بن حمدان، والوزير والأمراء، فشد ابن حمدان على الوزير العباس بن الحسن فقتله، فأنكر فاتك قتله، فألحقه بالوزير، ثم ساق ليثلث بالمقتدر وهو يلعب بالصولجة، فسمع الهيعة، فدخل
стр. 1195
وأغلقت الأبواب، ثم نزل الحسين بن حمدان بدار سليمان بن وهب، واستدعى ابن المعتز، وحضر الأمراء والقضاة سوى خواص المقتدر، فبايعوه، ولقبوه الغالب بالله، وقيل: الراضي بالله، وقيل: المرتضي بالله، واستوزر محمد بن داود بن الجراح، واستحجب يمن الخادم، ونفذت الكتب الخلافية إلى البلدان، وأرسلوا إلى المقتدر ليتحول من دار الخلافة إلى دار ابن طاهر فأجاب، ولم يكن معه غير مؤنس الخادم ومؤنس الخازن وخاله الأمير، فتحصنوا، وأصبح الحسين بن حمدان على محاصرتهم، فرموه بالنشاب، وصاحوا ونزلوا على حمية، وقصدوا ابن المعتز، فأوقع الله الرعب في قلوب الذين مع ابن المعتز، فانصرفوا من غير حرب، وقصد ابن المعتز سامراء؛ ليثبت بها أمره، فلم يتبعه كثير أحد وخذل، فنزل عن فرسه ودخل دار ابن الجصاص، واختفى وزيره، ووقع النهب والقتل ببغداد، وقتل بها جماعة من الكبار، واستقام الأمر للمقتدر، ثم أخذ ابن المعتز وقتل سرا، سلمه المقتدر إلى مؤنس الخادم فقتله وسلمه إلى أهله ملفوفا في كساء، وصودر ابن الجصاص، ثم ظفر بوزيره محمد ابن الجراح من بعده فقتل، وأصلح الحسين بن حمدان أمره، فبعث واليا على الموصل، فخرج بأهله وأولاده وأجناده وكراعه، وثبتت قاعدة المقتدر، فاستوزر أبا الحسن علي بن محمد بن الفرات، فدبر الدولة كما يدبرها الخلفاء، ونشر العدل، واشتغل المقتدر بلهوه (١).
وفيها: توفي المحدث أبو جعفر محمد ابن حماد-كذا في «اليافعي»، وفي «الذهبي»: أحمد بن محمد بن حماد-والقاضي أحمد بن يعقوب، أحد من قام في خلع المقتدر احتسابا، ذبح صبرا، ومحمد بن داود بن الجراح الأخباري العلامة، صاحب المصنفات، كان أوحد زمانه في معرفة أيام الناس، كذا في «تاريخ اليافعي».
وفيها: توفي أحمد بن نجدة، وخلف بن عمرو العكبري، وأبو حصين الوادعي.
***
السنة السابعة والتسعون
فيها: توفي الحافظ ابن الحافظ ابن الحافظ محمد بن أحمد بن زهير بن حرب، كان أبوه يستعين به في تصنيف «التاريخ»، والشيخ الكبير أبو عبد الله عمرو بن عثمان المكي