وتملك حمص، وساروا إلى حماة والمعرة، فقتل وسبى، وعطف إلى بعلبك فقتل أكثر أهلها، ثم سار فأخذ سلمية؛ بذلها أهلها بالأمان، فلما خرجوا إليه بمن فيها من الهاشميين ..
قتلهم أجمعين، ثم قتل الصبيان والبهائم، وخرج وليس فيها عين تطرف، ثم جاء جيش المكتفي وعليهم الحسين بن حمدان ومحمد بن سليمان كاتب الجيش، فالتقوا بالحسين بن زكرويه القرمطي صاحب الشامة بقرب حمص، فانهزمت القرامطة خذلهم الله، وأسر خلق منهم، وهرب صاحب الشامة هو وابن عمه الملقب بالمدثّر وآخر يعرف بالمطوق في جماعة من أصحابه، فاخترقوا ثلاثتهم البرية، فمروا بدالية بن طوق، فأنكرهم والي تلك الناحية، فقررهم، فاعترف صاحب الشامة، فحملهم إلى المكتفي، وكانوا ثلاث مائة وستين، فيهم صاحب الشامة وابن عمه المدثّر والمطوق، فقطعت أيديهم وأرجلهم، وقتلوا، وحرقوا (١).
وفيها: توفي أبو العباس أحمد بن يحيى الشيباني مولاهم المعروف بثعلب الكوفي النحوي إمام أهل الأدب، وهارون بن موسى المعروف بالأخفش مقرئ أهل دمشق صاحب ابن ذكوان، ومحمد بن عبد الرحمن المخزومي المعروف بقنبل قارئ أهل مكة، والحافظ محمد بن إبراهيم البوشنجي، ومحمد بن علي الصائغ.
***
السنة الثانية والتسعون
فيها: خرج صاحب مصر هارون بن خمارويه الطولوني عن الطاعة، فأرسل المكتفي إليه الأمير محمد بن سليمان في جيش، ووقعت بينهم وقعات، ثم اختلف أمراء الطولوني واقتتلوا، فخرج هارون ليسكنهم، فجاءه سهم غرب فقتله (٢)، ودخل الأمير محمد بن سليمان قائد جيش المكتفي إلى مصر، وتملك الإقليم، واحتوى على الخزائن، وقتل من آل طولون بضعة عشر رجلا، وحبس طائفة، وكتب بالفتح إلى المكتفي.
وقيل: إن هارون هم بالمضي إلى المكتفي، فامتنع عليه أمراؤه وسجنوه وقتلوه غيلة (٣).
стр. 1192
وفيها: توفي الحافظ أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله البصري صاحب «السنن»، والمقرئ المحدث إدريس بن عبد الكريم، والحافظ أبو الحسن أسلم بن سهل، والقاضي أبو حازم عبد الحميد بن عبد العزيز الحنفي، والإمام أبو العباس محمد بن أحمد الهروي، ويحيى بن منصور أبو سعيد الهروي، والإمام أحمد بن علي بن سعيد المروزي، والحافظ أحمد بن عمرو البزار، وأبو مسلم الكجي.
وفيها: قتل أبو الفضل جعفر بن إبراهيم بن أبي جعفر المناخي نسبة إلى ذي مناخ، واسم ذي مناخ: زرعة بن عبد شمس بن وائل بن الغوث، يرجع نسبه إلى قحطان، وجعفر هذا هو الذي ينسب إليه مخلاف جعفر، وقيل: إن المخلاف منسوب إلى جعفر مولى ابن زياد، وكان أبو الفضل جعفر المذكور قيلا على هذه الناحية هو وآباؤه، وقد تقدم لأبيه ذكر في العشرين الأولى من هذه المائة، وفي أيام جعفر بن إبراهيم هذا كان قيام علي بن الفضل القرمطي، وانتشار القرامطة في اليمن، ثم إن علي بن الفضل القرمطي كتب إلى جعفر بن إبراهيم كتابا يقول فيه: بلغني ما أنت عليه من ظلم المسلمين وأخذ أموالهم، وإنما قمت؛ لإقامة الحق وإماتة الباطل، فادفع لأهل دلال دية ما قطعت من أيديهم وأرجلهم، وكان جعفر قد قطع منهم على حجر بالمذيخرة ثلاث مائة يد، ثم إن علي بن الفضل سار نحو جعفر بن إبراهيم، فلزم له جعفر نقيل البردان، وقاتله هنالك، فانهزم علي بن الفضل وجموعه، وذلك في شهر رمضان سنة إحدى وتسعين ومائتين، ثم إن علي بن الفضل جمع جموعا كثيرة، وقصد المذيخرة بلد جعفر بن إبراهيم، فدخلها وأخذ حصن التّعكر، وانهزم جعفر إلى قرية القرتب من وادي زبيد، فأمده صاحب زبيد بجيش كثيف، فرجع جعفر بن إبراهيم يريد المذيخرة، فلقيه علي بن الفضل في جموعه بوادي نخلة، فقتل جعفر بن إبراهيم وابن عمه أبو الفتوح في التاريخ المتقدم ذكره، واستقوى علي بن الفضل، واستولى على بلاد المناخي، وجعلها مستقر ملكه (١).
***
السنة الثالثة والتسعون
فيها: عاثت القرامطة بالشام، وقتلوا وسبوا وبدّعوا بحوران وطبرية، ودخلوا السماوة، وطلعوا إلى هيت واستباحوها، ثم وثبت هذه الفرقة الطاغية على زعيمها
стр. 1193
أبي غانم فقتلوه، ثم إن زكرويه رأس القرامطة جمع جموعا كثيرة، ونازل الكوفة، وقاتله أهلها، ثم جاءه جيش الخليفة، فالتقاهم وهزمهم، ودخل الكوفة يصيح في قومه:
يا ثارات الحسين، يعنون صاحب الخال ولد زكرويه الذي سموه: شامة (١).
وفيها: دخلت القرامطة صنعاء، وانحاز الأمير أسعد بن أبي يعفر إلى بلاد قدوم (٢).
وفيها: توفي عبدان بن محمد بن عيسى المروزي، وعيسى بن محمد المروزي اللغوي، وهو الذي رأى بخوارزم المرأة التي بقيت نيفا وعشرين سنة لا تأكل ولا تشرب، ولها قصة مذكورة في «طبقات السبكي الكبرى» (٣).
وفيها: توفي محمد بن أسد المديني أبو عبد الله الزاهد، والحافظ محمد ابن عبدوس، وداود بن الحسين البيهقي.
***
السنة الرابعة والتسعون
فيها: اعترض زكرويه القرمطي للحاج، وكانوا ثلاث قوافل، فقافلة تحصنت بفيدا، واستأصل القافلتين عن آخرهم قتلا، وكانوا نحو عشرين ألفا، ولم يسلم منهم إلا من وقع بين القتلى جريحا فظنوه قد قضي عليه ثم نجا بعد ذلك، وكان نساء القرامطة يسعون على القتلى بالماء، فإذا كلمهن الرجل واستسقاهن .. جهزن عليه، وحوى من الحجيج ما قيمته ألف ألف دينار، ووقع البكاء والنوح في البلدان، وعظم ذلك على المكتفي بالله، فبعث لقتالهم جيشا عليه وصيف بن صوارتكين في جماعة من القواد، فالتقوا هم وزكرويه في ثاني وعشرين شهر ربيع الأول، فانهزمت القرامطة، وقتل منهم خلق، وخلص إلى زكرويه، فضربه جندي وهو مول على قفاه ضربة وصلت إلى دماغه، وأخذ أسيرا، وعاش خمسة أيام، ثم هلك وأراح الله منه العباد، وحمل ميتا إلى بغداد، وقتل أصحابه ثم أحرقوا، وتمزق أصحابه في البرية (٤).
وفيها: توفي الحافظ الكبير أبو علي صالح بن محمد الأسدي الملقب جزرة، والحافظ
стр. 1194
محمد بن الإمام إسحاق بن راهويه، روى عن أبيه وعلي بن المديني، والإمام محمد بن نصر المروزي، والإمام أبو عمران موسى بن هارون البغدادي الحافظ، والحافظ محمد بن أيوب بن يحيى بن الضريس.
***
السنة الخامسة والتسعون
فيها: مات الخليفة المكتفي بالله أبو الحسن علي بن المعتضد أحمد بن الموفق بن المتوكل بن المعتصم العباسي، وولي بعده أخوه المقتدر وعمره إذ ذاك ثلاث عشرة سنة وأربعون يوما، ولم يل أمر الأمة صبي قبله.
وفيها: توفي إسماعيل بن أحمد صاحب خراسان وما وراء النهر، وقام ابنه أحمد مقامه، وقيل: إنه مات في السنة التي قبلها.
وفيها-أعني سنة خمس-: توفي الحافظ إبراهيم بن أبي طالب النيسابوري، والحافظ إبراهيم بن معقل قاضي نسف وعالمها، والحكم بن معبد الخزاعي الفقيه، مصنف كتاب «السنة» بأصبهان، من كبار أئمة الحنفية وثقاتهم، والحافظ أبو علي عبد الله بن محمد، وفقيه المغرب قاضي القيروان عيسى بن مسكين، والإمام أبو جعفر محمد بن أحمد الترمذي، شيخ الشافعية بالعراق قبل ابن سريج، والحافظ أبو بكر محمد بن إسماعيل الإسماعيلي، وأبو الحسين النوري، والحسن بن علي المعمري، وأبو شعيب الحراني.
***
السنة السادسة والتسعون
فيها: مات عبد الله بن المعتز بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد الأديب، وذلك أنه لما دخلت هذه السنة والناس يستصغرون المقتدر ويتكلمون في خلافته، فاتفق طائفة على خلعه، وخاطبوا عبد الله بن المعتز، فأجاب بشرط ألاّ يكون فيها حرب، وكان رأسهم محمد بن داود بن الجراح، وأحمد بن يعقوب القاضي، والحسين بن حمدان، واتفقوا على قتل المقتدر ووزيره العباس بن الحسن والأمير فاتك، فلما كان عاشر شهر ربيع الأول .. خرج المقتدر إلى الحلة ليلعب بالصولجان، فركب لخروجه الحسين بن حمدان، والوزير والأمراء، فشد ابن حمدان على الوزير العباس بن الحسن فقتله، فأنكر فاتك قتله، فألحقه بالوزير، ثم ساق ليثلث بالمقتدر وهو يلعب بالصولجة، فسمع الهيعة، فدخل
стр. 1195
وأغلقت الأبواب، ثم نزل الحسين بن حمدان بدار سليمان بن وهب، واستدعى ابن المعتز، وحضر الأمراء والقضاة سوى خواص المقتدر، فبايعوه، ولقبوه الغالب بالله، وقيل: الراضي بالله، وقيل: المرتضي بالله، واستوزر محمد بن داود بن الجراح، واستحجب يمن الخادم، ونفذت الكتب الخلافية إلى البلدان، وأرسلوا إلى المقتدر ليتحول من دار الخلافة إلى دار ابن طاهر فأجاب، ولم يكن معه غير مؤنس الخادم ومؤنس الخازن وخاله الأمير، فتحصنوا، وأصبح الحسين بن حمدان على محاصرتهم، فرموه بالنشاب، وصاحوا ونزلوا على حمية، وقصدوا ابن المعتز، فأوقع الله الرعب في قلوب الذين مع ابن المعتز، فانصرفوا من غير حرب، وقصد ابن المعتز سامراء؛ ليثبت بها أمره، فلم يتبعه كثير أحد وخذل، فنزل عن فرسه ودخل دار ابن الجصاص، واختفى وزيره، ووقع النهب والقتل ببغداد، وقتل بها جماعة من الكبار، واستقام الأمر للمقتدر، ثم أخذ ابن المعتز وقتل سرا، سلمه المقتدر إلى مؤنس الخادم فقتله وسلمه إلى أهله ملفوفا في كساء، وصودر ابن الجصاص، ثم ظفر بوزيره محمد ابن الجراح من بعده فقتل، وأصلح الحسين بن حمدان أمره، فبعث واليا على الموصل، فخرج بأهله وأولاده وأجناده وكراعه، وثبتت قاعدة المقتدر، فاستوزر أبا الحسن علي بن محمد بن الفرات، فدبر الدولة كما يدبرها الخلفاء، ونشر العدل، واشتغل المقتدر بلهوه (١).
وفيها: توفي المحدث أبو جعفر محمد ابن حماد-كذا في «اليافعي»، وفي «الذهبي»: أحمد بن محمد بن حماد-والقاضي أحمد بن يعقوب، أحد من قام في خلع المقتدر احتسابا، ذبح صبرا، ومحمد بن داود بن الجراح الأخباري العلامة، صاحب المصنفات، كان أوحد زمانه في معرفة أيام الناس، كذا في «تاريخ اليافعي».
وفيها: توفي أحمد بن نجدة، وخلف بن عمرو العكبري، وأبو حصين الوادعي.
***
السنة السابعة والتسعون
فيها: توفي الحافظ ابن الحافظ ابن الحافظ محمد بن أحمد بن زهير بن حرب، كان أبوه يستعين به في تصنيف «التاريخ»، والشيخ الكبير أبو عبد الله عمرو بن عثمان المكي
стр. 1196
شيخ الصوفية، والإمام البارع محمد بن داود بن علي الأصبهاني الظاهري، والحافظ أبو جعفر محمد بن عثمان ابن أبي شيبة، والقاضي يوسف بن يعقوب.
وفيها: قتل سوسن الحاجب، وكان أراد الفتك بالوزير ابن الفرات وبوابه محمد بن عبدون، فقتل سوسن وابن عبدون معا.
وفيها: مات أسد بن جمهور بالكوفة، وعبد الرحمن بن الدواس، وعبيد بن غنام، ومطين وهو محمد بن عبد الله الحضرمي.
***
السنة الثامنة والتسعون
فيها: توفي السيد الجليل أحمد بن محمد بن مسروق الطوسي أستاذ الجنيد، وتلميذه الشيخ الجليل شيخ الطريقة أبو القاسم الجنيد بن محمد القواريري الخزاز بزاي مكررة، والشيخ الكبير أبو عثمان الحيري، واسمه: سعيد بن إسماعيل، وبهلول الأنباري، ومحمد بن يحيى المروزي، والحسن بن علوية القطان.
وفيها: مات أبو برزة الحاسب.
وفيها: أصلح إبراهيم بن حمدان أمر أخيه الحسين، وصار إلى بغداد، فنزل بالجانب الغربي ولم يدخل دار السلطان، وخلع عليه، وسوّر ومنطق وقلّد ديار ربيعة (١).
وفيها: قتل أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن زكريا الصغاني المعروف بالشيعي، كان أحد رجال العالم الذين يضرب بهم المثل في السياسة والرئاسة، بعثه ميمون القداح داعيا لولده عبد الله المهدي بإفريقية من ناحية المغرب، وذلك في سنة تسعين ومائتين، فلم يستحكم أمره إلا في سنة ست وتسعين، فكتب إلى المهدي يخبره بقيام الأمر وطاعة الناس له، وأمره بالقدوم، فبادر المهدي عند ذلك وقدم إفريقية، وكان الشيعي المذكور قد غلب على ملكها وصار في يده، فلما قدم المهدي .. سلمه إليه، فندّمه أخوه وقال: بئس ما فعلت، بينما الملك بيدك تسلمه إلى غيرك، وجعل يكرر عليه ذلك حتى أثر عنده، وهمّ أن يغدر بالمهدي، واستشعر المهدي منه ذلك، فدس إليه من قتله وأخاه في ساعة واحدة، وذلك في نصف جمادى الآخرة في سنة ثمان وتسعين ومائتين (٢).
стр. 1197
السنة التاسعة والتسعون
فيها: قبض على الوزير أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات، وقلد الوزارة أبو علي محمد بن يحيى بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وتغلب أبو الهيثم العباس بن محمد بن بويه على الأمر والتدبير، وصرف من شاء، ورتب من شاء (١).
وفيها: توفي شيخ نيسابور أبو عمرو الخفاف أحمد بن نصر الحافظ الزاهد، وأبو الحسن محمد بن أحمد بن كيسان البغدادي النحوي، ومحمد بن حامد خال ولد السني.
***
السنة الموفية ثلاث مائة
فيها: توفي صاحب الأندلس أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام الأموي، وولي بعده ابنه أبو المطرد عبد الرحمن، وأبو الحسن علي بن سعيد العسكري، أحد أركان الحديث، وأبو الحسن مسدد بن قطن النيسابوري، وأبو أحمد يحيى بن علي، المعروف بالمنجم، وأحمد بن يحيى الراوندي الملحد، والله سبحانه أعلم.
وفيها: توفي أيضا أحمد البراني، ومحمد بن الحسن بن سماعة، ومحمد بن جعفر القتات، ومحمد بن أحمد أبو العلاء الوكيعي.
والله سبحانه أعلم
***
стр. 1198
[المجلد الثالث]
طبقات المائة الرابعة
стр. 1199
العشرون الأولى من المائة الرابعة
[الاعلام]
١٤٠٧ - [الجنّابي] (١)
أبو سعيد الحسن بن بهرام القرمطي الجنّابي، صاحب هجر.
كان هذا الملحد قد تمكن وهزم الجيوش، ثم هادنه الخليفة، وقتله خادم له في الحمام، راوده على نفسه ثم خرج الخادم بعد أن قتله، فاستدعى رئيسا من خواص القرمطي فقال له: السيد يطلبك، فلما دخل .. قتله، ثم آخر، ثم آخر كذلك حتى قتل أربعة يستدعيهم واحدا بعد واحد، ثم صاح الخامس-وقيل: صاح النساء-فتكاثر الناس على الخادم فقتلوه، وذلك في سنة إحدى وثلاث مائة، وكان أبو سعيد قد عهد إلى ابنه سعيد، فلم يضطلع بالأمر، فغلبه عليه أخوه الأصغر سليمان أبو طاهر-بل هو أبو النجس-الذي قلع الحجر الأسود، وفعل الفعائل القبيحة.
١٤٠٨ - [البسامي] (٢)
علي بن محمد البسامي نسبة إلى جده الشاعر المشهور.
كان من أعيان الشعراء، ومحاسن الظرفاء، مطبوعا في الهجاء، قالوا: لم يسلم منه أمير ولا وزير، ولا صغير ولا كبير، حتى وقع منه ذلك في ابنه وإخوته وسائر أهل بيته، ونقلوا عنه في ذلك أشعارا.
ومن شعره في غير الهجاء: [من الوافر]
وكانت بالسّراة لنا ليال ... سرقناهنّ من ريب الزمان
جعلناهن تاريخ الليالي ... وعنوان المسرة والأمان
стр. 1200
ومات أخو الوزير القاسم، فقال البسامي المذكور مخاطبا لأبي الوزير: [من مخلع البسيط]
قل لأبي القاسم المرزّا ... قابلك الدهر بالعجائب (١)
مات لك ابن وكان زينا ... وعاش ذو الشين والمعائب
حياة هذا كموت هذا ... فلست تخلو من المصائب
يعني: أن حياة ابنك الوزير مصيبة، كما أن موت أخيه مصيبة، ودخل الوزير المذكور على المعتضد، والمعتضد ينشد هجاءه المذكور، فاستحيا المعتضد منه وقال: اقطع لسان ابن بسام، فخرج الوزير مبادرا لقطع لسانه، فاستدعاه المعتضد وقال: اقطع لسانه بالبر والشغل، ولا تعرض له بسوء، فولاه البريد وبعض الأعمال.
ومن قوله هجاء لبعض الكتاب: [من الكامل]
تعس الزمان لقد أتى بعجاب ... ومحا رسوم الظرف والآداب
وأتى بكتّاب لو انبسطت يدي ... فيهم رددتهم إلى الكتّاب
توفي سنة إحدى وثلاث مائة.
١٤٠٩ - [أبو الفضل ابن الفرات] (٢)
أبو الفضل جعفر بن الفضل بن جعفر، المعروف بابن الفرات، وزير الإخشيدية بمصر مدة إمارة كافور، وبعد كافور، وكان عالما ومحبا للعلماء.
حدث عن محمد بن هارون الحضرمي وطبقته، وكان يملي الحديث بمصر وهو وزير، وقصده الأفاضل من البلدان الشاسعة، وبسببه سار الحافظ الدارقطني من العراق إلى مصر، ولم يزل عنده حتى فرغ من تأليف «مسنده»، وله تواليف في أسماء الرجال والأنساب وغير ذلك، ومدحه المتنبي مع كافور.
وكان كثير الخير إلى أهل الحرمين، واشترى دارا بالمدينة ليس بينها وبين الضريح الشريف سوى جدار واحد، وأوصى أن يدفن فيها، وقرر مع الأشراف ذلك، ولما مات في سنة إحدى وثلاث مائة .. حمل تابوته وخرجت الأشراف إلى لقائه؛ وفاء بما أحسن إليهم،
стр. 1201
وحجوا به وطافوا ووقفوا، ثم ردوه إلى المدينة ودفنوه بالدار المذكورة، وقيل: دفن بالقرافة، وعلى قبره مكتوب اسمه.
١٤١٠ - [أبو بكر البردعي] (١)
أحمد بن هارون بن روح أبو بكر البردعي، نزيل بغداد.
حدث عن أبي سعيد الأشج، وبحر بن نصر الخولاني وغيرهما، وعنه أخذ أبو بكر الشافعي، وأبو علي بن الصواف وغيرهما.
وكان من الحفاظ الثقات العلماء الرحالين، صنف واستفاد وأفاد، وبرز على الأصحاب.
وتوفي سنة إحدى وثلاث مائة.
١٤١١ - [محمد بن يحيى العبدي] (٢)
محمد بن يحيى بن إبراهيم بن منده بن الوليد العبدي مولاهم الأصبهاني أبو عبد الله، جد الحافظ الكبير أبي عبد الله محمد بن إسحاق بن منده.
حدث عن هناد بن السري، ولوين، وأبي كريب محمد بن العلاء وغيرهم، وعنه أخذ الطبراني، وأبو الشيخ وغيرهما.
وكان إماما حافظا رحالا، من العلماء الثقات، وكان يجاري أحمد بن الفرات وينازعه في بعض المرويات.
توفي سنة إحدى وثلاث مائة.
١٤١٢ - [أبو محمد البربري] (٣)
عبد الله بن محمد بن ناجية بن نجية أبو محمد البربري البغدادي.
стр. 1202
حدث عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعبد الأعلى بن حماد وغيرهما، وعنه أخذ أبو بكر الشافعي، ومحمد بن المظفر وغيرهما.
وكان حافظا مسندا، صنف مسندا في مائة واثنين وثلاثين جزءا.
وتوفي سنة إحدى وثلاث مائة.
١٤١٣ - [أبو بكر الفريابي] (١)
جعفر بن محمد بن الحسن بن المستفاض أبو بكر الفريابي التركي، قاضي الدينور، الحافظ العلامة، صاحب التصانيف.
حدث عن قتيبة، وإسحاق، وعبد الأعلى بن حماد وغيرهم، وعنه أخذ الإسماعيلي، وأبو بكر النجّاد.
وكان إماما حافظا علامة، من أوعية العلم، وله رحلة واسعة، وتصانيف نافعة، أملى ببغداد فحزر مجلسه نحو ثلاثين ألفا.
وتوفي سنة إحدى وثلاث مائة.
١٤١٤ - [الحسين بن إدريس الهروي] (٢)
الحسين بن إدريس بن المبارك بن الهيثم الأنصاري الهروي أبو علي بن خرّم.
حدث عن سعيد بن منصور، وهشام بن عمار وغيرهما، وعنه أبو حاتم بن حبان وغيره من المحدثين.
وكان حافظا ثقة من المكثرين، له تاريخ ك «تاريخ البخاري» لا على السنين.
توفي سنة إحدى وثلاث مائة.
стр. 1203
١٤١٥ - [إبراهيم الهسنجاني] (١)
إبراهيم بن يوسف بن خالد أبو إسحاق الرازي الهسنجاني.
حدث عن طالوت بن عباد، وهشام بن عمار وغيرهما، وعنه الإسماعيلي، وابن عدي، وخاتمة أصحابه العباس بن حسين الصفار.
وكان من الحفاظ الرحالين، والثقات المأمونين، وله «مسند» رواه عنه ميسرة بن علي من أهل قزوين.
توفي سنة إحدى وثلاث مائة.
١٤١٦ - [ابن حداد المالكي] (٢)
أبو عثمان بن حداد الإفريقي المالكي العلامة، فقيه المغرب.
أخذ عن سحنون وغيره، وبرع في العربية والنظر، ومال إلى مذهب الشافعي، وجعل يسمي «المدونة» المدودة (٣)، فهجره المالكية، ثم أحبوه لما قام على أبي عبد الله الشيعي وناظره ونصر السنة.
توفي سنة اثنتين وثلاث مائة.
١٤١٧ - [أبو زرعة القاضي] (٤)
محمد بن عثمان أبو زرعة القاضي.
توفي سنة اثنتين وثلاث مائة، مذكور في الأصل.
стр. 1204
١٤١٨ - [الإمام النسائي] (١)
أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر الخراساني، النسائي-نسبة إلى نسا مدينة بخراسان-مصنف كتاب «السنن» وغيره، الحافظ الإمام، أحد الأئمة الأعلام.
طوف في الآفاق، وسمع بالحجاز، وخراسان، والعراق، والجزيرة، والشام، وحدث عن قتيبة، وإسحاق، وهشام بن عمار وغيرهم، وعنه حدث ابن السني، وحمزة الكناني وغيرهما.
سكن مصر، وكان مقدما على محدثي عصره، وأفقه مشايخ عصره، حسن البزة، مليح الوجه، نبيلا، كبير القدر، كثير الصيام والاجتهاد في الدين، قيل: كان يصوم يوما، ويفطر يوما.
كان موصوفا بكثرة الجماع لا يخلو عن أربع زوجات وسراري.
صنف كتاب «الخصائص» في فضل علي وأهل البيت ﵃، فقيل له: ألا تصنف في فضل الصحابة؟ قال: دخلت دمشق والمنحرف عن عليّ كثير، فأردت أن يهديهم الله تعالى بهذا الكتاب.
قيل: كان يتشيع، وإنه دخل دمشق، فسئل عن معاوية وما روي من فضائله، فقال:
لا أعرف له فضيلة إلا: «لا أشبع الله بطنك» فما زالوا يدفعون في خصيتيه-أو قال:
خصييه-حتى أخرجوه من المسجد، ثم حملوه إلى الرملة، فمات بها.
وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني: لما امتحن النسائي بدمشق .. قال: احملوني إلى مكة، فحمل إليها، وتوفي بها في صفر سنة ثلاث وثلاث مائة.
قال: وهو مدفون بين الصفا والمروة.
١٤١٩ - [الحسن بن سفيان الشيباني] (٢)
الحسن بن سفيان بن عامر أبو العباس الشيباني النسوي، ويقال: النسائي أيضا، صاحب «المسند الكبير» وكتاب «الأربعين».
стр. 1205
حدث عن قتيبة، وإسحاق، ويحيى بن معين وغيرهم، وروى عنه حفيده إسحاق بن سعد بن الحسن، وابن خزيمة وغيرهما.
تفقه على أبي ثور، وكان يفتي بمذهبه، وكان شيخ خراسان ومحدثها، مقدما في حفظه وفقهه وأدبه وثقته وتثبته، قلبت عليه أحاديث، وعرضت عليه فردها كما كانت.
توفي سنة ثلاث وثلاث مائة، مذكور في الأصل.
١٤٢٠ - [علي بن الفضل القرمطي] (١)
علي بن الفضل القرمطي الجدني.
قال ابن سمرة: نسبة إلى ذي جدن بفتح الجيم والدال المهملة وبالنون، واسم ذي جدن: علقمة بن زيد بن الحارث بن زيد بن الغوث بن الأشرف بن سعد بن شرحبيل بن الحارث بن مالك بن زيد بن سدد بن زرعة بن سبأ الأصغر، وقال غيره: هو خنفري النسب، من ولد خنفر بن سبأ بن صيفي بن زرعة بن سبأ الأصغر.
قال العلماء: كان علي بن الفضل شيعيا اثني عشريا، وكان ساقطا في أول عمره لا شهرة له، غير أنه كان لبيبا أديبا ذكيا شجاعا فصيحا، فحج وخرج مع ركب العراق؛ لزيارة مشهد الحسين بن علي ﵄، فبكى عند القبر بكاء شديدا، وأظهر من الكآبة والتأسف عليه ما أطمع ميمون القداح في اصطياده، وكان ميمون القداح وولده عبيد الله-جد العبيديين ملوك مصر-ملازمين لخدمة الضريح.
وكان ميمون القداح منجما، له معرفة في علم الفلك، وقد شهد له علمه أنه سيكون لابنه عبيد الله شأن عظيم يفضي به إلى الملك، وأن عقبه يتوارثون ملكه بعده دهرا طويلا، وبعد عليه وجه اتصاله بالملك، وكان قد قدم عليه رجل يسمى منصور بن الحسن من ذرية عقيل بن أبي طالب وسيأتي ذكره.
فلما رأى في علي بن الفضل ما رأى، مع ما فيه من النجابة والشهامة .. جمع بينه وبين منصور بن الحسن، وباح لهما بما عنده من المذهب، وأخبرهما أن ابنه إمام الزمان، وأنه لا بد له من دعاة، ثم أخذ عليهما العهود والمواثيق، فأجاباه إلى ما يريد، وقال لهما:
стр. 1206
اعلما أن الإيمان يمان، والحكمة يمانية، وكل أمر يكون مبدؤه من قبل اليمن فهو ثابت؛ لثبوت نجمه، وقد رأيت أن تخرجا إلى اليمن، وتدعوا أهله إلى ولدي عبيد الله؛ فإنه سيكون لكما به شأن وسلطان، ثم عاهد بينهما وأوصى كلاّ منهما بالآخر، فسارا إلى اليمن في البحر، ثم افترقا من غلافقة، فقصد منصور عدن لاعة، وقصد علي بن الفضل شرق يافع، وأقام كل واحد منهما في ناحية يظهر من الزهد والورع والتقشف والصلاح ما يفتتن به من رآه، حتى صار كل واحد منهما مسموع القول في ناحيته، ثم أمر كل واحد منهما أهل ناحيته بجمع زكاتهم، حتى اجتمع لكل واحد منهما مال عظيم.
وأقام علي بن الفضل متخليا بزعمه للعبادة في رأس جبل من حدود أبين أهله يافع، وكانوا رعاعا، فجعل يريهم أنه يصوم النهار، ويقوم الليل، وإذا أتوه بطعام .. لم يأكل منه، وإن أكل منه .. فشيء يسير، فأحبوه واعتقدوا فيه، وسألوه أن يكون مسكنه بينهم، فقال: لا، إلا أن تأمروا بالمعروف، وتنهوا عن المنكر، وتجتنبوا المعاصي، وتقبلوا على طاعة الله، فأجابوه إلى ذلك، وأخذ عليهم العهد والميثاق بالطاعة، وأمرهم ببناء حصن في ناحية بلادهم، وأنهبهم أموال أطراف البلاد، وأراهم أن ذلك جهاد للعاصين.
وكان أبين ولحج مالكها ابن أبي العلاء من الأصابح، فغزاه علي بن الفضل بمن معه من يافع، فهزمهم ابن أبي العلاء، وقتل طائفة من أصحاب علي بن الفضل، وانهزم ابن الفضل وبقية أصحابه إلى صهيب، ثم قال لأصحابه: اعلموا أن القوم قد أمنوا منا، وأرى أن نهجم عليهم؛ فإنا نظفر بهم، فوافقوه على ذلك، فلم يشعر ابن أبي العلاء إلا وهم معه بخنفر على حين غفلة، فقتل ابن أبي العلاء وطائفة من عسكره، واستباح ما كان لهم، فوجد في خزانة ابن أبي العلاء سبع مائة ألف درهم.
وعاد إلى بلد يافع، فعظم شأنه، وشاع ذكره، ثم قصد المذيخرة وبها يومئذ جعفر بن إبراهيم المناخي وهو الذي ينتسب إليه مخلاف جعفر، فجمع له المناخي جموعه، والتقوا بنقيل البردان في رمضان سنة إحدى وتسعين ومائتين، فانهزم علي بن الفضل، وعاد إلى بلاد يافع، ثم قصد المذيخرة مرة أخرى في صفر من سنة اثنتين وتسعين ومائتين، فانهزم جعفر المناخي إلى تهامة، فأمده صاحبها إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن زياد بجيش كثيف، فالتقى هو وعلي بن الفضل بوادي نخلة، فقتل جعفر بن إبراهيم وأصحابه آخر يوم من رجب كما تقدم، فاستولى علي بن الفضل على بلاد المناخي، وجعل المذيخرة مستقر ملكه، وقويت شوكة القرامطة.
стр. 1207
ثم قصد صنعاء، فهرب منه أسعد بن أبي يعفر، ودخل علي بن الفضل صنعاء، وأظهر مذهبه القبيح، وادعى النبوة، واستحلال الخمر ونكاح المحارم، وكان يؤذن المؤذن في محلته: أشهد أن علي بن الفضل رسول الله، وأنشد أبياته المشهورة على منبر جامع صنعاء- وقيل: جامع الجند-: [من المتقارب]
خذي الدف يا هذه والعبي ... وغني هذاذيك ثم اطربي (١)
تولى نبي بني هاشم ... وهذا نبي بني يعرب
لكل نبي مضى شرعة ... وهاتا شريعة هذا النبي
فقد حط عنا فروض الصلاة ... وفرض الصيام فلم نتعب
إذا الناس صلوا فلا تنهضي ... وإن صوّموا فكلي واشربي
ولا تطلبي السعي عند الصفا ... ولا زورة القبر في يثرب
ولا تمنعي نفسك المعرسين ... من الأقربين أو الأجنبي
بماذا حللت لهذا الغريب ... وصرت محرمة للأب
أليس الغراس لمن ربّه ... وأسقاه في الزمن المجدب
وما الخمر إلا كماء السما ... يحل فقدّست من مذهب
بل قبحت من مذهب، وهي أكثر من ذلك حلّل فيها سائر المحرمات.
ثم سار من صنعاء إلى حراز وملحان، ثم نزل المهجم فقتل صاحبها، ثم أخذ الكدراء، ثم سار إلى زبيد، فهرب صاحبها إسحاق الزيادي، مقدم الذكر، فهجم على من فيها واستباحهم، وسبى من زبيد أربعة آلاف عذراء، ثم خرج يريد المذيخرة، فلما بلغ الملاحيط .. أمر أصحابه بقتل من معهم من النساء؛ زعم أنهن شغلنهم عن الجهاد، فقتلوهن أجمع، وكن أربعة آلاف عذراء، وأمر بقطع الحج كما قيل.
ثم إن أهل صنعاء استعانوا بالهادي يحيى بن الحسين-المقدم الذكر في آخر المائة قبل هذه (٢) -فسار إليهم من صعدة، ووجه ابنه أبا القاسم المرتضى إلى ذمار ومخاليفها، فجمع
стр. 1208
القرامطة جموعهم، وقصدوا ذمار، فلحق المرتضى بأبيه الهادي، وذلك في سنة أربع وتسعين ومائتين، ثم قصد علي بن الفضل صنعاء في جيش عظيم، ودخلها لثلاث مضين من رمضان سنة ثمان وتسعين ومائتين، ورتب فيها من يحفظها، فلما رأى أنه قد استحكم له الأمر .. خلع طاعة عبيد الله المهدي، وكاتب صاحبه منصورا بذلك، فلامه منصور على ذلك وقال له: كيف تخلع طاعة من لم تنل خيرا إلا به، وببركة الدعاء إليه؟ وذكره العهود والمواثيق، فلم يلتفت ابن الفضل إلى ذلك، ثم كتب إلى منصور وقال: إن لي أسوة بأبي سعيد؛ إذ قد دعا إلى نفسه، وأنت إن لم تدخل في طاعتي .. نابذتك بالحرب.
وغلب على ظن منصور صحة ما يقوله، ثم تحصن بحصن جبل مسور من كل ناحية، وسار ابن الفضل لحرب منصور في عشرة آلاف رجل من المعدودين المعروفين بالشجاعة، فحصر منصورا في حصنه ثمانية أشهر، فلم يظفر منه على طائل، وسئم الوقوف، وشق عليه الرجوع بغير وجه، فراسله منصور بن حسن في معنى الصلح، فقال: لا، إلا أن يرسل إلي بعض ولده، يقف معي على الطاعة، ويظهر للناس أني تركته تفضلا لا عجزا، فأرسل إليه منصور بعض ولده، فطوقه علي بن الفضل طوقا من ذهب، وسار معه إلى صنعاء، فأقام بها أياما، ثم استناب فيها أسعد بن أبي يعفر، وسار إلى المذيخرة، فقدم إلى صنعاء رجل بغدادي يزعم أنه شريف، وكان جراحيا ماهرا في عمل الأدوية، بصيرا بفتح العروق ومداواة الجرحى، فصحبه أسعد بن أبي يعفر واختص به، ثم قال الطبيب: قد عزمت على أن أهب نفسي لله وللمسلمين، وأريحهم من هذا الطاغية، فقال له أسعد بن أبي يعفر: لئن فعلت ذلك وعدت ..
لأقاسمنك ملكي، وتعاهدا على ذلك.
ثم قصد الطبيب المذيخرة، فخالط وجوه الدولة بها وكبراءها، وسقاهم الأدوية النافعة، وقصده من احتاج إلى ذلك، فانتفع به ناس كثير، ورفع ذكره إلى علي بن الفضل، وأثني عليه بحضرته، وقيل له: إنه لا يصلح أن يكون إلا لمثلك، فاحتاج يوما إلى الفصاد، فحضر الطبيب بين يديه، وجرّد من ثيابه، وغسل المبضع وهو ينظر، وكان قد دهن أطراف شعر رأسه بسم قاتل، فلما دنا ليفصده وقعد بين يديه .. مص المبضع بفمه؛ تنزيها لنفسه، ثم مسحه بأطراف شعره كالمنشف له، فعلق به السم ما علق، وفصده الأكحل وربطه، وخرج من فوره هاربا من المذيخرة، متوجها نحو أسعد بن أبي يعفر، فلما كان بعد ساعة .. أحس علي بن الفضل بالموت، فطلب الحكيم الغريب فلم يجده،
стр. 1209
فأيقن بالهلاك، وبعث العسكر في طلب الطبيب في كل جهة، فأدركه بعضهم بوادي السحول، فأرادوا لزمه، فامتنع وقاتلهم على نفسه حتى قتل.
وتوفي علي بن الفضل عقب ذلك في سنة ثلاث وثلاث مائة، وكانت مدة ملكه ومحنته تسع عشرة سنة، لا رحم الله مثواه، ولا بلّ بشيء من الرحمة ثراه.
وكان عنوان كتب علي بن الفضل: من باسط الأرض وداحيها، ومزلزل الجبال ومرسيها علي بن الفضل إلى عبده فلان. وكفى بذلك دليلا على كفره.
ولما علم أسعد بن أبي يعفر بموته .. خرج يريد المذيخرة، وكتب إلى أهل الجند والمعافر، فالتفت العساكر إليه، وكان لعلي بن الفضل ولد قد انضم إليه أهل مذهبه وتحصنوا بالمذيخرة، فأحاطت بهم العساكر مع أسعد بن أبي يعفر، ونصب المجانيق عليهم، ولم يزل محاصرا مصابرا لهم سنة كاملة حتى أخربها بالمنجنيق، ودخلها قهرا بالسيف، وقتل ولد علي بن الفضل، وسبى بناته، وكن ثلاثا، ففرقهن في رؤساء العرب، وانقطعت دولة القرامطة من مخلاف جعفر، ولم تزل المذيخرة خرابا إلى الآن.
١٤٢١ - [أسعد بن أبي يعفر] (١)
أسعد بن أبي يعفر الحوالي، أمير صنعاء.
كان موجودا في سنة ثلاث وثلاث مائة، ولم يترجم له الخزرجي.
١٤٢٢ - [أبو يعقوب المنجنيقي] (٢)
أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن يونس بن موسى بن منصور الوراق البغدادي، نزيل مصر، المعروف بالمنجنيقي، نسبة إلى المنجنيق التي ترمى بها الحجارة.
حدث عن محمد بن أبي عمر العدني، وداود بن رشيد وغيرهما، وروى عنه النسائي فيما قيل، وأبو سعيد بن يونس.
стр. 1210
وكان صدوقا صالحا من الزاهدين، وله كتاب «رواية الكبار عن الصغار والآباء عن الأبناء».
توفي سنة أربع وثلاث مائة.
١٤٢٣ - [يموت بن المزرّع] (١)
يموت بن المزرّع بن يموت العبدي البصري.
قال الخطيب: (هو ابن أخت أبي عثمان الجاحظ) (٢).
قدم يموت المذكور بغداد في سنة إحدى وثلاث مائة وهو شيخ كبير، فحدث بها عن أبي عثمان المازني، وأبي حاتم السجستاني، وجماعة كثيرة.
وروى عنه أبو بكر الخرائطي، وأبو بكر بن مجاهد المقرئ، وأبو بكر بن الأنباري وغيرهم.
وكان أديبا أخباريا، وله ملح ونوادر، وكان لا يعود مريضا؛ خوفا من أن يتطير باسمه، قيل: إنه كان يسمي نفسه محمدا، وكان إذا عاد مريضا، فاستأذن، فقيل: من هذا .. قال: أنا ابن المزرّع، ويسقط اسمه.
مدحه منصور بن الضرير بقوله: [من مجزوء الرمل]
أنت تحيا والذي يك ... ره أن تحيا يموت
أنت ضوء النفس بل أن ... ت لروح النفس قوت
أنت للحكمة بيت ... لا خلت منك البيوت
قال ابن المزرع: حدثني من رأى قبرا بالشام عليه مكتوب: لا تغترن أحد بالدنيا؛ فإني ابن من كان يطلق الريح إذا شاء، ويحبسها إذا شاء، وبحذائه قبر مكتوب: كذب الماصّ بظر أمّه، لا يظن أحد أنه ابن سليمان بن داود ﵉، إنما هو ابن حداد يجمع الريح في الزق، ثم ينفخ بها الجمر، قال: فما رأيت قبرين قبلهما يتشاتمان.
стр. 1211
ونحو ذلك ما يحكى: أن العسس في بعض الليالي لزموا شخصين وهما سكارى، فرفعوهما إلى الأمير-وأظنه الحجاج-فسألهما عن نسبهما، فقال أحدهما: [من الطويل]
أنا ابن الذي ذلت رقاب الورى له ... ومخزومها منهم وهاشمها معا
وقال الثاني:
أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره ... وإن نزلت تعلو وتملا لتشبعا
فظن الحجاج أنهما من أبناء الرؤساء، فأطلقهما؛ سترا على مروءتهما، ثم بحث عنهما؛ فإذا الأول ابن حجام، والثاني ابن طباخ.
وذكر الشيخ اليافعي في «تاريخه» حكاية حال عن ابن جزار وابن حائك، قال الأول منهما: [من الطويل]
أنا ابن الفتى ذباح كل سمينة ... ومزهق أرواح بماض مصرعا
ومفن لشجعان القرون مخضبا ... بمسفوك أقران لها السفك ضجّعا
وقال لسان حال الثاني: [من الطويل]
أنا ابن الذي يكسو الأنام صنيعه ... بهاء وزينا من له الغير صنعا
بوصل وقطع مبرم في فعاله ... لما لم يصل في الدهر غير ويقطعا (١)
وحكى ابن المزرع عن خاله الجاحظ أنه قال: طلب المعتصم جارية كانت لمحمود بن الحسن الشاعر، المعروف بالوراق، تسمى نشوى، وكان شديد الغرام بها، وبذل له في ثمنها سبعة آلاف دينار، فامتنع محمود من بيعها؛ لأنه كان يهواها أيضا، فلما مات محمود .. بيعت الجارية للمعتصم من تركته بسبع مائة دينار، فقال لها المعتصم: امتنع مولاك من سبعة آلاف، فأخذناك بسبع مائة، فقالت: أجل، إذا كان الخليفة ينتظر لشهواته المواريث .. فإن سبعين دينارا لكثيرة في ثمني فضلا عن سبع مائة، فخجل المعتصم.
توفي ابن المزرع المذكور في سنة أربع وثلاث مائة.
стр. 1212
١٤٢٤ - [الفضل بن الحباب] (١)
أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي البصري، مسند عصره.
حدث عن مسلم بن إبراهيم، ومسدد، وسليمان بن حرب وغيرهم.
وروى عنه الطبراني، والجعابي، وأبو أحمد الغطريفي وغيرهم.
كان محدثا متقنا أخباريا عالما إماما مكثرا.
عاش مائة سنة إلا أشهرا، وتوفي سنة خمس وثلاث مائة.
١٤٢٥ - [ابن شيرويه] (٢)
عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن شيرويه بن أسد، المعروف بابن شيرويه، القرشي المطلبي النيسابوري أبو محمد.
حدث عن إسحاق، وأحمد بن منيع، وأبي كريب محمد بن العلاء، وعنه محمد بن الأخرم وغيره، وكان حافظا مكثرا فقيها ثقة نبيها، له مصنفات.
توفي سنة خمس وثلاث مائة.
١٤٢٦ - [أبو بكر المطرز] (٣)
القاسم بن زكريا بن يحيى البغدادي، المعروف بالمطرز، أبو بكر.
تلا القراءات على أبي عمر الدوري وغيره، وحدث عن أبي كريب، وسويد بن سعيد وغيرهما.
وكان حافظا ثقة جليلا مقرئا مصنفا نبيلا.
توفي سنة خمس وثلاث مائة.
стр. 1213
١٤٢٧ - [عمران بن موسى الجرجاني] (١)
عمران بن موسى بن مجاشع الجرجاني أبو إسحاق السختياني، محدث جرجان.
حدث عن إبراهيم بن المنذر، والحزامي، وأبي كامل الجحدري، وهدبة بن خالد وغيرهم، وعنه محمد بن الأخرم، وأبو حاتم بن حبان وغيرهما.
وكان من الحفاظ الرحالين، والثقات المصنفين.
وتوفي سنة خمس وثلاث مائة.
١٤٢٨ - [ابن سريج] (٢)
أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج بن يونس بن إبراهيم بن الحارث، الإمام العلامة، الملقب الباز الأشهب على خصوم المذهب، حامل لواء مذهب الشافعي وناشره ومؤيده في زمانه وناصره.
توفي سنة ست وثلاث مائة، وهو مذكور في الأصل.
قيل: إنه كان يقول: يلزم الحكم بالحكاية، فسأله إنسان كيف يلبي المحرم؟ قال:
يقول: لبيك اللهم لبيك ... إلى آخر التلبية، فقال له السائل: صرت محرما، فقال له ابن سريج: تزبّبت حصرما.
يقال: إنه كان مجدد القرن الثالث.
قال الشيخ اليافعي: (والذي صرح به الحافظ أبو القاسم بن عساكر: أن الصحيح: أن المجدد على رأس المائة الثالثة الإمام أبو الحسن الأشعري؛ لأنه الذي رد على أئمة المبتدعة، ونصر مذهب أهل الحق والسنة، والناس في ذلك الزمان إلى إقامة الحق، والذب عن السنة، وإبطال مذهب المبتدعة بقواطع الأدلة والبراهين المفحمة المقررة في علم الأصول .. أحوج منهم إلى معرفة علم الفروع، فكان أبو الحسن الأشعري أولى بأن يكون
стр. 1214
من المجدّد بهم الدين على رأس كل مائة سنة، المشار إليهم في الحديث على وجه الإبهام دون التعيين) (١).
وكان جده سريج بن يونس مشهورا بالصلاح الوافر، توفي سنة خمس وثلاثين ومائة، وهو الذي رأى الباري في المنام، فقال له: سل، فقال بالعجمية ما معناه: (رأسا برأس) أي: السلامة، لا لي ولا علي. رحمهم الله تعالى، ونفع بهم آمين.
١٤٢٩ - [منصور بن إسماعيل] (٢)
أبو الحسن منصور بن إسماعيل بن عمر التميمي المصري، الفقيه الشافعي، الضرير.
توفي سنة ست وثلاث مائة.
حكي أنه أصابته مسغبة في سنة شديدة القحط، فرقي سطح داره ونادى بأعلى صوته: [من الخفيف]
الغياث الغياث يا أحرار ... نحن خلجانكم وأنتم بحار
إنما تحسن المواساة في الشد ... ة لا حين ترخص الأسعار
فسمعه جيرانه، فأصبح على بابه مائة حمل برّ، مذكور في الأصل.
١٤٣٠ - [أبو عبد الله بن الجلاء] (٣)
أبو عبد الله بن الجلاء، واسمه: أحمد بن يحيى، الشيخ الكبير، من أجل مشايخ الصوفية.
صحب ذا النون المصري، والكبار، وكان قدوة الشام، وقال لأبويه: أشتهي أن تهباني لله ، فقالا: قد وهبناك له، فغاب عنهما مدة من الزمان، ثم جاء في ليلة
стр. 1215
ذات مطر وبرد، فقرع الباب عليهما، فقالا: من هذا؟ قال: ولدكما، فقالا: ليس لنا ولد، كان لنا ولد وهبناه لله ، ونحن قوم عرب إذا وهبنا شيئا .. لا نرجع فيه.
توفي سنة ست وثلاث مائة.
١٤٣١ - [عبدان الجواليقي] (١)
عبد الله بن أحمد بن موسى بن زياد الأهوازي أبو محمد، المعروف بعبدان الجواليقي.
حدث عن أبي كامل الجحدري، ومحمد بن بكار، وأبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة، وحدث عنه الطبراني، وابن قانع، وأبو عمرو بن حمدان وغيرهم.
كان إماما حافظا مكثرا ثقة معمرا، لكنه كان عسرا.
توفي سنة ست وثلاث مائة، وأظنه قارب المائة؛ لأنه قال: دخلت البصرة سنة ثماني عشرة من أجل حديث أيوب، قال: فجمعت ما يجمع أصحاب الحديث إلا حديث مالك؛ فإنه لم يكن عندي «الموطأ» بعلوّ، وإلا حديث [أبي حصين] (٢).
١٤٣٢ - [أبو يعلى الموصلي] (٣)
أحمد بن علي بن المثنى بن يحيى بن عيسى بن هلال، المعروف بأبي يعلى، الموصلي التميمي.
حدث عن علي بن الجعد، وشيبان بن فروخ، ويحيى بن معين وغيرهم، وعنه حدث ابن حبان، وحمزة الكناني، وأبو عمرو بن حمدان في آخرين.
وكان أحد الأئمة الحفاظ الثقات، وله مصنفات، منها «المسند الكبير».
توفي سنة سبع وثلاث مائة.
стр. 1216
١٤٣٣ - [الحافظ الروياني] (١)
محمد بن هارون الروياني أبو بكر، الحافظ الكبير، صاحب «المسند».
حدث عن أبي كريب الهمداني، والفلاس، وابن الربيع الزهراني وغيرهم، وعنه الإسماعيلي، وجعفر بن عبد الله بن فناكي وغيرهما.
وكان من الحفاظ الثقات، وله مصنفات في الفقه.
توفي سنة سبع وثلاث مائة.
١٤٣٤ - [أبو يحيى الساجي] (٢)
زكريا بن يحيى بن عبد الرحمن بن بحر بن عدي الضبي البصري أبو يحيى الساجي.
حدث عن أبي الربيع الزهراني، وهدبة بن خالد وغيرهما، وعنه ابن عدي، والإسماعيلي وغيرهما.
كان محدث البصرة، وأحد الحفاظ المحدثين المهرة، له كتاب جليل في علل الحديث وطرق التعليل.
توفي سنة سبع وثلاث مائة.
١٤٣٥ - [الهيثم بن خلف الدوري] (٣)
الهيثم بن خلف بن محمد الدوري ثم البغدادي أبو محمد.
حدث عن عبد الله القواريري، وعبد الأعلى بن حماد، وعثمان بن أبي شيبة وخلق، وروى عنه أبو بكر الشافعي، وأبو عمرو بن حمدان.
وكان حافظا مكثرا ثقة متقنا لهذا الشأن.
توفي سنة سبع وثلاث مائة.
стр. 1217
١٤٣٦ - [إبراهيم بن محمد] (١)
إبراهيم بن محمد بن سفيان، الفقيه الصالح، راوي «صحيح مسلم».
قيل: كان مجاب الدعوة.
توفي سنة ثمان وثلاث مائة.
١٤٣٧ - [ابن وهب الدينوري] (٢)
أبو محمد عبد الله بن محمد بن وهب الدينوري، الحافظ الكبير.
حدث عن يعقوب الدورقي، وأبي سعيد الأشج وغيرهما.
وروى عنه أبو علي النيسابوري، وأبو بكر الأبهري، وجعفر الفريابي وغيرهم.
وكان حافظا رحالا، لكن عده الدارقطني وغيره من المتروكين.
قال ابن عدي: (وقد قبله قوم وصدقوه) (٣).
توفي سنة ثمان وثلاث مائة.
١٤٣٨ - [أبو الطيب الضبي] (٤)
أبو الطيب محمد بن المفضل بن سلمة بن عاصم الضبي، الفقيه الشافعي.
توفي سنة ثمان وثلاث مائة، مذكور في الأصل.
وأبوه أبو طالب المفضل بن سلمة الضبي اللغوي، صاحب التصانيف المشهورة في فنون الأدب، ومعاني القرآن، وجده سلمة بن عاصم، صاحب الفراء وراويته، وهم أهل بيت كلهم علماء نبلاء مشاهير، ﵏.
стр. 1218
قيل: إن ابن الرومي هجا المفضل المذكور فقال: [من الخفيف]
لو تلففت في كساء الكسائي ... وتفريت فروة الفراء
وتخللت بالخليل وأضحى ... سيبويه لديك رهن سباء
وتكونت من سواد أبي الأس ... ود شخصا يكنى أبا السوداء
لأبى الله أن يعدك أهل ال ... علم إلا في جملة الأغبياء
فلما بلغ هذا الهجاء الوزير إسماعيل بن بلبل .. شق عليه، وحرم ابن الرومي عطاياه؛ لأن المفضل المذكور كان له اتصال بالوزير المذكور.
١٤٣٩ - [الوزير ابن كلس] (١)
أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن إبراهيم، وزير العزيز بن المعز العبيدي صاحب مصر.
قالوا: كان يعقوب يهوديا، يزعم أنه من أولاد هارون بن عمران أخي موسى صلوات الله على نبينا وعليهم وسلم، وقيل: بل يزعم أنه من ولد السموءل بن عادياء اليهودي، صاحب الحصن المعروف بالأبلق الذي يضرب به المثل في الوفاء بالعهد، وتنسب إليه أبيات منها: [من الطويل]
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل
فقدم بيعقوب المذكور أبوه من بغداد إلى مصر، وقد تعلم الكتاب والحساب، فجعله كافور الإخشيدي على عمارة داره، فلما رأى كافور نجابته وشهامته وصيانته ونزاهته وحسن إدراكه .. استحضره وأجلسه في ديوانه الخاص، وتقدم كافور إلى سائر الدواوين ألاّ يمضي دينار ولا درهم إلا بتوقيعه، فوقع في كل شيء، وكان يبر ويصل من اليسير الذي يأخذه، كلّ هذا وهو على دينه.
ثم إنه أسلم يوم الاثنين لثمان عشرة مضت من شعبان سنة ست وخمسين وثلاث مائة، ولزم الصلاة ودراسة القرآن، ورتب لنفسه رجلا من أهل العلم يبيت عنده، ويصلي به،
стр. 1219
ويقرأ عليه، ولم يزل حاله يتزايد مع كافور إلى أن توفي كافور في التاريخ المذكور.
وكان ابن الفرات وزير كافور يحسده ويعاديه، ولما مات كافور .. قبض ابن الفرات على جميع الكتّاب وأصحاب الدواوين، وقبض على يعقوب في جملتهم، ولم يزل يتوصل ويبذل المال حتى أفرج عنه، فلما خرج من الاعتقال .. توجّه إلى بلاد المغرب، فلقي جوهرا الخادم وهو متوجه بالعساكر والخزانة إلى الديار المصرية ليملكها، فرجع في صحبته، وقيل: بل استمر في قصده، وانتهى إلى إفريقية، وتعلق بخدمة المعز، ثم رجع إلى الديار المصرية، فلم يزل يترقى إلى أن ولي الوزارة للعزيز بن المعز، وعظمت منزلته عنده، ومهد قواعد الدولة.
وكان يعقوب يحب العلماء، ويجمع عنده العلماء، وتقرأ عنده مصنفاته في كل ليلة جمعة، ويحضره الفقهاء والقضاة والقراء وأصحاب الحديث والنحاة وجميع أرباب الفضائل وغيرهم من وجوه الدولة، فإذا فرغ من مجلسه .. قام الشعراء ينشدون المدائح، وكان في داره قوم يتلون كتاب الله، وآخرون يقرءون الحديث والفقه والأدب حتى الطب، وينصب كل يوم خوانا للخاصة، وموائد عديدة لمن عداهم من أهل مجلسه، وكان يجلس كل يوم بعد صلاة الصبح، وتعرض عليه رقاع الناس في الحوائج والظلامات، وكان في خدمته قواد، من جملتهم القائد أبو الفتوح فضل بن صالح الذي تنسب إليه منية القائد، وهي بليدة من أعمال الجيزة من الديار المصرية، وكانت هيبته عظيمة وجوده وافرا.
وكان له طيور سابقة، وللعزيز كذلك، فسابق يوما بعض طيوره بعض طيور العزيز، فسبق طير العزيز، فعز ذلك على العزيز، وقيل له: إنه قد اختار لنفسه من كل شيء أجوده وأعلاه، حتى الحمام، وقصدوا بذلك الإغراء به؛ حسدا له، لعله يتغير عليه، فاتصل ذلك بالوزير، فكتب إلى العزيز: [من السريع]
قل لأمير المؤمنين الذي ... له العلا والنسب الثاقب
طائرك السابق لكنه ... جاء وفي خدمته حاجب
فأعجب ذلك العزيز، وذهب عنه ما كان يجده عليه، قيل: إن البيتين له، وقيل:
لمولى الدولة، المعروف بابن خيران.
ولما مرض .. عاده العزيز وقال له: لو كنت تشترى لاشتريتك بملكي، وفديتك بولدي، هل من حاجة توصي بها؟ فبكى وقبل يده وقال: أما فيما يخصني .. فأنت أرعى
стр. 1220
لحقي من أن أسترعيك إياه، وأرأف علي من أن أوصيك به، ولكن أنصح لك فيما يتعلق بدولتك: سالم الروم ما سالموك، واقنع من الحمداني بالدعوة والسكة، ولا تبق على مفرج بن دغفل إن عرضت لك فيه فرصة، فأمر العزيز أن يدفن في داره المعروفة بدار الوزارة بالقاهرة، داخل باب النصر، في قبة كان بناها، وصلّى عليه العزيز، وألحده بيده في قبره، وانصرف حزينا لفقده، وأمر بغلق الدواوين أياما، وكان إقطاعه من العزيز في كل سنة ألف دينار، وذكر بعضهم: أنه كفن في خمسين ثوبا، ويقال: إنه كفن وحنط بما مبلغه عشرة آلاف دينار، كذا ذكره الشيخ اليافعي فيمن توفي سنة ثمان وثلاث مائة (١).
١٤٤٠ - [الحلاج] (٢)
الحسين بن منصور الحلاّج، أصله من البيضاء، بلدة بفارس، ونشأ بواسط العراق، وصحب سهل بن عبد الله التستري، وأبا الحسين النوري، وأبا القاسم الجنيد وغيرهم.
وكان يصدر منه شطح وكلام ظاهره غير مقبول، مثل قوله: أنا الحق، فقبض عليه في سنة إحدى وثلاث مائة، وحبس مدة، وجرى منه كلام في مجلس حامد بن العباس وزير المقتدر بحضرة القاضي أبي عمر، فأفتى بحل دمه، وكتب خطه بذلك، وكتب معه من حضر المجلس من الفقهاء، فقال لهم الحلاج: ظهري حمى ودمي حرام، ولا ينبغي لكم أن تتأولوا علي بما يبيحه، وأنا اعتقادي الإسلام، ومذهبي السنة، وتفضيل الأئمة الأربعة والخلفاء الراشدين وبقية العشرة من الصحابة، ولي كتب في السنة موجودة في الوراقين، فالله الله في دمي، ولم يزل يردد القول وهم يكتبون خطوطهم إلى أن استكملوا ما احتاجوا إليه، وانفصلوا من المجلس، وحمل الحلاج إلى السجن، وكتب الوزير إلى المقتدر يخبره بما جرى في المجلس وسير الفتوى، فعاد جواب المقتدر بأن القضاة إذا كانوا قد أفتوا بقتله .. فليسلم إلى صاحب الشرطة، وليتقدم، وليضربه ألف سوط، فإن مات، وإلا ..
ضربه أخرى، ثم يضرب عنقه، فسلمه الوزير إلى الشرطي وقال له: قم بما رسم به المقتدر، وقال: إن لم يتلف بالضرب .. فتقطع يده ثم رجله ثم تحز رقبته وتحرق جثته،
стр. 1221
وإن خدعك وقال: أنا أجري لك الفرات ودجلة ذهبا وفضة .. فلا تقبل ذلك منه، ولا ترفع العقوبة عنه.
فتسلمه الشرطي ليلا، وأصبح يوم الثلاثاء لسبع بقين من ذي الحجة سنة تسع وثلاث مائة، فأخرجه إلى عند باب الطاق، وهو يتبختر في قيوده، واجتمع من العامة خلق لا يحصى عددهم، وضربه الجلاد ألف سوط ولم يتأوه، بل قال للشرطي لما بلغ الست مائة: ادع بي إلى عندك؛ فإن لك عندي نصيحة تعدل فتح القسطنطينية، فقال له: قد قيل لي عنك: بأنك تقول هذا وأكثر منه، وليس لي إلى رفع الضرب عنك سبيل، ولما فرغ من ضربه .. قطع أطرافه الأربعة، ثم حز رأسه، ثم أحرقت جثته، ولما صار رمادا .. ألقاه في دجلة، ونصب الرأس ببغداد على الجسر.
واتفق أن دجلة زاد تلك السنة زيادة وافرة، فادعى أصحابه أن ذلك بسبب إلقاء رماده فيها، وادعى بعض أصحابه أنه لم يقتل، ولكن ألقي شبهه على عدو من أعداء الله.
وقيل: إن أصحابه جعلوا يعدون أنفسهم برجوعه بعد أربعين يوما.
وبالجملة: فالناس مختلفون في أمره: منهم من يبالغ في تكفيره ويجعله صاحب مخاريق، ومنهم من يبالغ في تعظيمه ويجعله صاحب مقامات وكرامات، ومنهم من يتوقف فيه.
قال الشيخ اليافعي: (والمحققون اعتذروا عنه، وأجابوا عما صدر منه بتأويلات، منهم شيخ العارفين الشيخ عبد القادر الجيلاني، والشيخ شهاب الدين السهروردي، والإمام حجة الإسلام الغزالي، وقبلهم الشيخ أبو العباس بن عطاء، والشيخ أبو القاسم النصرآباذي، والشيخ أبو عبد الله بن خفيف، قال: وأفتى أكثر علماء عصره بإباحة دمه.
وكان الجنيد إذا سئل عنه .. يقول: هذا رجل خفي عليّ حاله، وما أقول فيه شيئا.
وما قيل: إن الجنيد وابن داود الظاهري ممن أفتى بقتله لا يصح؛ لأن الجنيد توفي سنة ثمان وتسعين ومائتين قبل الحلاج بإحدى عشرة سنة، ومحمد بن داود توفي قبل قضية الحلاج باثنتي عشرة سنة) اهـ (١)
ويمكن أنهما أفتيا بإباحة دمه قبل قتله عند ما ظهر منه ما ظهر، فقد قدمنا أنه لزم وحبس في سنة إحدى وثلاث مائة، والله سبحانه أعلم.
стр. 1222
١٤٤١ - [أبو العباس بن عطاء] (١)
أبو العباس بن عطاء.
كان من أجلاء المشايخ الأكابر، الجامعين بين علمي الباطن والظاهر.
توفي سنة تسع وثلاث مائة.
١٤٤٢ - [ابن جرير الطبري] (٢)
أبو جعفر بن جرير بن يزيد بن كثير الطبري الإمام، أحد الأئمة الأعلام، صاحب «التفسير» و «التاريخ» الكبيرين الشهيرين وغيرهما من المصنفات المفيدة في الفقه والحديث، وفي فنون عديدة تدل على سعة علمه، وغزارة فضله.
حدث عن أحمد بن منيع، ومحمد بن حميد، وأبي كريب محمد بن العلاء وغيرهم، وعنه الطبراني، وأحمد بن كامل وغيرهما.
وكان إماما مجتهدا ثقة في نقله.
قال ابن خزيمة: ما أعلم على الأرض أعلم من محمد بن جرير، ولقد ظلمته الحنابلة.
توفي سنة عشر وثلاث مائة، وقيل: سنة ثمان وله تسعون سنة. مذكور في الأصل.
١٤٤٣ - [أحمد بن يحيى التستري] (٣)
أحمد بن يحيى بن زهير أبو جعفر التستري.
حدث عن أبي كريب، ومحمد بن حرب النشائي وغيرهما.
وروى عنه ابن حبان، والطبراني، وابن المقرئ ولقّبه: تاج المحدثين.
стр. 1223
وكان أحد الحفاظ الأعيان الثقات الزاهدين.
توفي سنة عشر وثلاث مائة.
١٤٤٤ - [أبو بشر الدولابي] (١)
محمد بن أحمد بن حماد بن سعد بن مسلم الأنصاري الرازي، أبو بشر الدولابي الوراق.
حدث عن هارون بن سعيد الأيلي، وزياد بن أيوب، وبندار.
وروى عنه ابن أبي حاتم، وابن حبان وغيرهما، وله تصانيف مؤلفة مما يرويه، وكان حافظا، تكلموا فيه.
توفي سنة عشر وثلاث مائة.
١٤٤٥ - [ابن المنذر النيسابوري] (٢)
محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري الإمام الكبير، والعالم الشهير، مصنف كتاب «الإشراف في اختلاف العلماء»، وهو من أحسن الكتب وأنفعها، يدل على كثرة تطلعه على مذاهب الأئمة.
توفي سنة عشر وثلاث مائة، مذكور في الأصل.
١٤٤٦ - [الزجاج] (٣)
أبو إسحاق الزّجّاج إبراهيم بن محمد النحوي.
стр. 1224
كان يخرط الزجاج فنسب إليه، ثم تركه واشتغل بالأدب، فأخذ عن المبرد، وثعلب، وعنه أخذ أبو علي الفارسي النحوي، وإليه ينسب أبو القاسم عبد الرحمن الزجاجي، صاحب «كتاب الجمل» في النحو.
وكان أبو إسحاق الزجاج من أهل العلم والأدب والدين المتين، وله بضعة عشر مصنفا في معاني القرآن، وعلوم الأدب والعربية والنوادر وغير ذلك.
توفي سنة عشر-أو إحدى عشرة، أو ست عشرة-وثلاث مائة.
١٤٤٧ - [اليزيدي النحوي] (١)
محمد بن العباس اليزيدي، الإمام النحوي.
كان إماما في النحو والأدب، ونقل النوادر، منها: ما رواه أن أعرابيا أهدى إلى أعرابية كان يهواها ثلاثين شاة وزق خمر مع عبد له أسود، فذبح العبد شاة في الطريق وأكل منها، وشرب بعض الزق، فلما جاءها بالباقي .. عرفت أنه خانها في الهدية، فلما عزم على الرجوع إلى سيده .. قالت: اقرأ على سيدك السلام وقل له: إن الشهر كان عندنا محاقا، وإن سحيما راعي غنمنا جاء مرثوما، فلم يدر العبد ما أرادت بهذه الكناية، فلما بلّغ العبد سيده ذلك .. فطن السيد لما أرادت، فدعا بالهراوة وتهدد العبد وقال: لتصدقني في أمر الهدية، وإلا .. ضربتك بهذه ضربا مبرحا، فأخبره الخبر فعفا عنه، فهذا من لطيف الكنايات، وظريف الإشارات.
والمرثوم-بفتح الميم، وسكون الراء وضم المثلثة-: الملطخ بالدم، وهو في الزق مستعمل على وجه الاستعارة.
والمحاق-بكسر الميم-: ثلاث ليال من آخر الشهر.
توفي اليزيدي سنة عشر وثلاث مائة.
стр. 1225
١٤٤٨ - [أبو بكر الرازي] (١)
أبو بكر محمد بن زكريا، الطبيب المشهور.
كان إمام وقته في علم الطب، وله فيه مصنفات كثيرة منها «الحاوي»، وهو من الكتب النافعة، وكتاب «الأعصاب» و «كتاب المنصوري» وهو على صغر حجمه نافع، جمع فيه بين العلم والعمل.
ومن كلامه: إذا كان الطبيب عالما والمريض مطيعا .. فما أقل لبث العلة.
وقال أيضا: عالج في أول العلة بما لا يسقط القوة.
حكي أن غلاما من بغداد قدم الري، وكان ينفث الدم، وكان قد لحقه ذلك في طريقه، فاستدعى الرازي وأراه ما ينفث، ووصف له ما يجد، فأخذ الرازي مجسه، ورأى قارورته، واستوصف حاله، فلم يظهر له دليل على علته، فاستنظره لقيام دليل يظهر، فيئس العليل من الحياة، ثم إن الرازي فكر وسأله عن المياه التي شربها في طريقه، فأخبره أنه شرب من مستنقعات وصهاريج، فقام في نفس الرزاي بحدة حذقه وجودة فطنته أن علقة علقت به من شرب تلك المياه، وأن ذلك الدم بسببها، فقال له: إذا كان الغد .. أتيتك وعالجتك بما يكون سببا لبرئك بشرط أن تأمر غلمانك بطاعتي، قال: نعم، فانصرف الرازي فجمع من الطحلب مركنين، وأحضرهما من الغد معه وقال له: ابلع هذا، فأبى، فأمر غلمانه أن يضجعوه، فألقوه على قفاه وفتحوا فاه، فجعل الرازي يدس الطحلب في حلقه ويكبسه كبسا شديدا، ويطالبه ببلعه ويتهدده بالضرب إلى أن بلع ما في أحد المركنين، ثم قذف ما ابتلعه، وتأمل الرازي؛ فإذا هو بالعلقة في الطحلب الذي قذفه، ونهض العليل معافى.
يقال: كان اشتغال الرازي بالطب بعد الأربعين من عمره.
وتوفي سنة عشر وثلاث مائة.
стр. 1226
١٤٤٩ - [أحمد بن حمدان] (١)
أبو جعفر أحمد بن حمدان بن علي بن سنان النيسابوري الحيري.
حدث عن الذهلي، وأحمد بن أبي غرزة وغيرهما، وعنه ابناه المحمدان أبو العباس وأبو عمرو، وأبو علي النيسابوري وغيرهم.
وكان حافظا زاهدا قدوة، صحب جماعة من الزهاد، وكان الجنيد يكاتبه.
صنف «الصحيح على شرط مسلم»، وكان مجاب الدعوة.
توفي سنة إحدى عشرة وثلاث مائة.
١٤٥٠ - [ابن خزيمة] (٢)
محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السلمي النيسابوري الحافظ، أبو بكر، صاحب التصانيف.
رحل إلى العراق والشام ومصر، وتفقه على المزني وغيره، وسمع من إسحاق، ومحمد بن حميد صغيرا، ولم يحدث عنهما، وحدث عن أبي كريب، وعلي بن حجر، ومحمود بن غيلان، وعنه حدث البخاري ومسلم خارج «الصحيحين»، وأبو عمرو بن حمدان، وأبو بكر أحمد بن مهران.
أثنى عليه ابن حبان والدارقطني وأبو علي الحافظ وغيرهم من الأئمة، وله مصنفات كثيرة في الفقه والحديث.
توفي سنة إحدى عشرة وثلاث مائة. مذكور في الأصل.
стр. 1227
١٤٥١ - [عمر بن محمد السّغدي] (١)
عمر بن محمد بن بجير أبو حفص الهمداني السمرقندي السّغدي.
حدث عن الفلاس، وأحمد بن عبدة، وعنه محمد بن أحمد بن عمران الشاشي وغيره.
وكان حافظا ثبتا، صاحب حديث كثير، وتصانيف منها: «الصحيح» و «التفسير»، وله عناية تامة في طلب الآثار، ورحلة واسعة إلى الأقطار.
توفي سنة إحدى عشرة وثلاث مائة.
١٤٥٢ - [أبو بكر الخلال] (٢)
أحمد بن محمد بن هارون البغدادي، أبو بكر الخلال، الفقيه الحافظ، العلامة الرحال.
حدث عن الحسن بن عرفة، وسعدان بن نصر، وحرب الكرماني وغيرهم، وعنه محمد بن المظفر، وغيره من المحدثين.
كان واسع العلم، كبيرا، له كتاب «السنة» في ثلاثة مجلدات كبار، وكتاب «العلل» في عدة أسفار، وكتاب «الجامع» كتاب جليل المقدار.
توفي سنة إحدى عشرة وثلاث مائة.
١٤٥٣ - [علي بن محمد بن الفرات] (٣)
أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات الوزير، وزير المقتدر، ولي الوزارة له من سنة ست وتسعين ومائتين، فدبر الدولة كما يدبرها الخلفاء، ونشر العدل، واشتغل المقتدر بالخلوة واللهو.
стр. 1228
وفي سنة سبع وتسعين: أراد سوسن الحاجب الفتك بابن الفرات، وتولية محمد بن عبدون، فظفر بسوسن، وقيل: في سنة تسع وتسعين قبض على ابن الفرات، وولي الوزارة محمد بن عبد الله بن يحيى بن خاقان.
وفي سنة أربع وثلاث مائة: أعيد ابن الفرات إلى الوزارة، وخلع عليه سبع خلع، وسقى الناس من داره في ذلك اليوم والليلة أربعين ألف رطل ثلج، وكان يوما مشهورا، والتزم أن يحمل كل يوم من مال المرافق ألفا وخمس مائة دينار، من جملتها ألف دينار لخاصة المقتدر، وللسيدة ثلاث مائة وثلاثة وثلاثون دينارا وثلث دينار، ولأبي العباس وهارون ابني المقتدر ستة وستون دينارا وثلاثين، وكان لا يمكنه أن يخلّ بها.
وفي سنة ست وثلاث مائة: قبض على ابن الفرات، واستوزر حامد بن العباس، وكان فيه حدة وطيش، فأحضر ابن الفرات ليناظره، فأمر بنتف لحيته، ثم نهض إليه، فجذب لحيته بيده.
وفي سنة إحدى عشرة وثلاث مائة: صرف حامد بن العباس عن الوزارة، وأعيد ابن الفرات، وكان ابن الفرات قد خاف من مؤنس، فأشار على المقتدر بإبعاده من الحضرة، وأن يوليه الرقة، فبعثه إليها، فلما كان سنة اثنتي عشرة، وفعل أبو سعيد القرمطي بالحاج ما فعل-كما ذكرناه في السنين- .. أشار ابن الفرات على المقتدر بأن يكاتب مؤنسا بالقدوم لمحاربة القرمطي، فقدم مؤنس الخادم، فركب ابن الفرات إلى دار مؤنس للسلام عليه، ولم يتم مثل هذا من وزير، فأسرع مؤنس إلى باب داره، وقبّل يده وخضع له، وكان في حبس المحسن بن الوزير جماعة في المصادرة، فخاف العزل، وأن يظهر عليه ما أخذه منهم، فسم علي بن عيسى (١)، وذبح خادم حامد بن العباس، وعبد الوهاب بن ما شاء الله، ثم قبض المقتدر على ابن الفرات، وسلمه إلى مؤنس، فعاتبه مؤنس، وتذلل هو لمؤنس، فقال له مؤنس: الساعة تخاطبني بالأستاذ، وأمس تبعدني إلى الرقة، واختفى ولده المحسن، ثم ظفر به في زي امرأة قد خضبت يديها بالحناء، فعذب وأخذ خطه بثلاثة آلاف دينار، وولي الوزارة عبد الله بن محمد الخاقاني، فعذّب ابن الفرات وابنه المحسن، واصطفى أموالهم، فيقال: أخذ منهم ألفي ألف دينار.
стр. 1229
ثم ألح مؤنس ونصر الخادم وهارون بن خال المقتدر على المقتدر حتى أذن في قتل ابن الفرات، فذبح هو وابنه المحسن في سنة اثنتي عشرة وثلاث مائة.
وعاش ابن الفرات المذكور إحدى وسبعين سنة، وكان جبارا سائسا كريما، يقال: إنه كاتب الأعراب أن يكبسوا بغداد.
١٤٥٤ - [أبو بكر الباغندي] (١)
محمد بن محمد بن سليمان بن الحارث الواسطي ثم البغدادي أبو بكر الباغندي، محدث العراق.
حدث عن ابن المديني، وابن نمير، وهشام بن عمار وغيرهم، وعنه دعلج، وابن شاهين، وخلق سواهما.
وكان حافظا كبيرا عارفا، حدث بعامة ما رواه من حفظه، وكان يسرده سرد التلاوة، ولتدليسه وتخليطه رموه بالتجريح.
قال الخطيب: (رأيت كافة شيوخنا يحتجون به، ويخرجونه في الصحيح) (٢).
توفي سنة اثنتي عشرة وثلاث مائة.
١٤٥٥ - [أبو القاسم السرقسطي] (٣)
أبو القاسم ثابت بن حزم السرقسطي الإمام اللغوي العلامة.
قال ابن الفرضي: (كان مفتيا بصيرا بالحديث والنحو واللغة والغريب والشعر، عاش خمسا وتسعين سنة) (٤).
وتوفي سنة ثلاث عشرة وثلاث مائة.
стр. 1230
١٤٥٦ - [عبد الله بن زيدان] (١)
عبد الله بن زيدان.
قال محمد بن أحمد بن حماد الحافظ: لم تر عيني مثله، كان أكثر كلامه في مجلسه:
يا مقلب القلوب؛ ثبت قلبي على طاعتك.
وروي أنه مكث نحو ستين سنة لم يضع جنبه على مضرّبة.
توفي سنة ثلاث عشرة وثلاث مائة.
١٤٥٧ - [أبو العباس السراج] (٢)
أبو العباس محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران الثقفي مولاهم، السّرّاج النيسابوري.
حدث عن قتيبة، وأبي كريب، ومحمد بن بكار بن الريان وغيرهم، وعنه خلق منهم:
الشيخان خارج «الصحيح»، وأبو عمرو عثمان بن السماك.
وكان إماما حافظا، له «المسند المستخرج على صحيح مسلم» و «التاريخ».
قال أبو إسحاق المزكي: سمعته يقول: ختمت عن رسول الله ﷺ ألف ختمة، وضحيت عنه اثنتي عشرة ألف أضحية.
قال محمد بن أحمد الدقاق: رأيت السراج يضحي كل أسبوع أو أسبوعين أضحية، ثم يجمع أصحاب الحديث عليها، وكان أمّارا بالمعروف، نهّاء عن المنكر.
توفي سنة اثنتي عشرة وثلاث مائة، وعاش سبعا وتسعين سنة.
١٤٥٨ - [محمد بن جمعة] (٣)
أبو قريش محمد.
حدث عن أحمد بن منيع، وأحمد بن المقدام، وأبي كريب وغيرهم، وعنه أبو بكر