١٤٤٩ - [أحمد بن حمدان] (١)
أبو جعفر أحمد بن حمدان بن علي بن سنان النيسابوري الحيري.
حدث عن الذهلي، وأحمد بن أبي غرزة وغيرهما، وعنه ابناه المحمدان أبو العباس وأبو عمرو، وأبو علي النيسابوري وغيرهم.
وكان حافظا زاهدا قدوة، صحب جماعة من الزهاد، وكان الجنيد يكاتبه.
صنف «الصحيح على شرط مسلم»، وكان مجاب الدعوة.
توفي سنة إحدى عشرة وثلاث مائة.
١٤٥٠ - [ابن خزيمة] (٢)
محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السلمي النيسابوري الحافظ، أبو بكر، صاحب التصانيف.
رحل إلى العراق والشام ومصر، وتفقه على المزني وغيره، وسمع من إسحاق، ومحمد بن حميد صغيرا، ولم يحدث عنهما، وحدث عن أبي كريب، وعلي بن حجر، ومحمود بن غيلان، وعنه حدث البخاري ومسلم خارج «الصحيحين»، وأبو عمرو بن حمدان، وأبو بكر أحمد بن مهران.
أثنى عليه ابن حبان والدارقطني وأبو علي الحافظ وغيرهم من الأئمة، وله مصنفات كثيرة في الفقه والحديث.
توفي سنة إحدى عشرة وثلاث مائة. مذكور في الأصل.
стр. 1227
١٤٥١ - [عمر بن محمد السّغدي] (١)
عمر بن محمد بن بجير أبو حفص الهمداني السمرقندي السّغدي.
حدث عن الفلاس، وأحمد بن عبدة، وعنه محمد بن أحمد بن عمران الشاشي وغيره.
وكان حافظا ثبتا، صاحب حديث كثير، وتصانيف منها: «الصحيح» و «التفسير»، وله عناية تامة في طلب الآثار، ورحلة واسعة إلى الأقطار.
توفي سنة إحدى عشرة وثلاث مائة.
١٤٥٢ - [أبو بكر الخلال] (٢)
أحمد بن محمد بن هارون البغدادي، أبو بكر الخلال، الفقيه الحافظ، العلامة الرحال.
حدث عن الحسن بن عرفة، وسعدان بن نصر، وحرب الكرماني وغيرهم، وعنه محمد بن المظفر، وغيره من المحدثين.
كان واسع العلم، كبيرا، له كتاب «السنة» في ثلاثة مجلدات كبار، وكتاب «العلل» في عدة أسفار، وكتاب «الجامع» كتاب جليل المقدار.
توفي سنة إحدى عشرة وثلاث مائة.
١٤٥٣ - [علي بن محمد بن الفرات] (٣)
أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات الوزير، وزير المقتدر، ولي الوزارة له من سنة ست وتسعين ومائتين، فدبر الدولة كما يدبرها الخلفاء، ونشر العدل، واشتغل المقتدر بالخلوة واللهو.
стр. 1228
وفي سنة سبع وتسعين: أراد سوسن الحاجب الفتك بابن الفرات، وتولية محمد بن عبدون، فظفر بسوسن، وقيل: في سنة تسع وتسعين قبض على ابن الفرات، وولي الوزارة محمد بن عبد الله بن يحيى بن خاقان.
وفي سنة أربع وثلاث مائة: أعيد ابن الفرات إلى الوزارة، وخلع عليه سبع خلع، وسقى الناس من داره في ذلك اليوم والليلة أربعين ألف رطل ثلج، وكان يوما مشهورا، والتزم أن يحمل كل يوم من مال المرافق ألفا وخمس مائة دينار، من جملتها ألف دينار لخاصة المقتدر، وللسيدة ثلاث مائة وثلاثة وثلاثون دينارا وثلث دينار، ولأبي العباس وهارون ابني المقتدر ستة وستون دينارا وثلاثين، وكان لا يمكنه أن يخلّ بها.
وفي سنة ست وثلاث مائة: قبض على ابن الفرات، واستوزر حامد بن العباس، وكان فيه حدة وطيش، فأحضر ابن الفرات ليناظره، فأمر بنتف لحيته، ثم نهض إليه، فجذب لحيته بيده.
وفي سنة إحدى عشرة وثلاث مائة: صرف حامد بن العباس عن الوزارة، وأعيد ابن الفرات، وكان ابن الفرات قد خاف من مؤنس، فأشار على المقتدر بإبعاده من الحضرة، وأن يوليه الرقة، فبعثه إليها، فلما كان سنة اثنتي عشرة، وفعل أبو سعيد القرمطي بالحاج ما فعل-كما ذكرناه في السنين- .. أشار ابن الفرات على المقتدر بأن يكاتب مؤنسا بالقدوم لمحاربة القرمطي، فقدم مؤنس الخادم، فركب ابن الفرات إلى دار مؤنس للسلام عليه، ولم يتم مثل هذا من وزير، فأسرع مؤنس إلى باب داره، وقبّل يده وخضع له، وكان في حبس المحسن بن الوزير جماعة في المصادرة، فخاف العزل، وأن يظهر عليه ما أخذه منهم، فسم علي بن عيسى (١)، وذبح خادم حامد بن العباس، وعبد الوهاب بن ما شاء الله، ثم قبض المقتدر على ابن الفرات، وسلمه إلى مؤنس، فعاتبه مؤنس، وتذلل هو لمؤنس، فقال له مؤنس: الساعة تخاطبني بالأستاذ، وأمس تبعدني إلى الرقة، واختفى ولده المحسن، ثم ظفر به في زي امرأة قد خضبت يديها بالحناء، فعذب وأخذ خطه بثلاثة آلاف دينار، وولي الوزارة عبد الله بن محمد الخاقاني، فعذّب ابن الفرات وابنه المحسن، واصطفى أموالهم، فيقال: أخذ منهم ألفي ألف دينار.
стр. 1229
ثم ألح مؤنس ونصر الخادم وهارون بن خال المقتدر على المقتدر حتى أذن في قتل ابن الفرات، فذبح هو وابنه المحسن في سنة اثنتي عشرة وثلاث مائة.
وعاش ابن الفرات المذكور إحدى وسبعين سنة، وكان جبارا سائسا كريما، يقال: إنه كاتب الأعراب أن يكبسوا بغداد.
١٤٥٤ - [أبو بكر الباغندي] (١)
محمد بن محمد بن سليمان بن الحارث الواسطي ثم البغدادي أبو بكر الباغندي، محدث العراق.
حدث عن ابن المديني، وابن نمير، وهشام بن عمار وغيرهم، وعنه دعلج، وابن شاهين، وخلق سواهما.
وكان حافظا كبيرا عارفا، حدث بعامة ما رواه من حفظه، وكان يسرده سرد التلاوة، ولتدليسه وتخليطه رموه بالتجريح.
قال الخطيب: (رأيت كافة شيوخنا يحتجون به، ويخرجونه في الصحيح) (٢).
توفي سنة اثنتي عشرة وثلاث مائة.
١٤٥٥ - [أبو القاسم السرقسطي] (٣)
أبو القاسم ثابت بن حزم السرقسطي الإمام اللغوي العلامة.
قال ابن الفرضي: (كان مفتيا بصيرا بالحديث والنحو واللغة والغريب والشعر، عاش خمسا وتسعين سنة) (٤).
وتوفي سنة ثلاث عشرة وثلاث مائة.
стр. 1230
١٤٥٦ - [عبد الله بن زيدان] (١)
عبد الله بن زيدان.
قال محمد بن أحمد بن حماد الحافظ: لم تر عيني مثله، كان أكثر كلامه في مجلسه:
يا مقلب القلوب؛ ثبت قلبي على طاعتك.
وروي أنه مكث نحو ستين سنة لم يضع جنبه على مضرّبة.
توفي سنة ثلاث عشرة وثلاث مائة.
١٤٥٧ - [أبو العباس السراج] (٢)
أبو العباس محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران الثقفي مولاهم، السّرّاج النيسابوري.
حدث عن قتيبة، وأبي كريب، ومحمد بن بكار بن الريان وغيرهم، وعنه خلق منهم:
الشيخان خارج «الصحيح»، وأبو عمرو عثمان بن السماك.
وكان إماما حافظا، له «المسند المستخرج على صحيح مسلم» و «التاريخ».
قال أبو إسحاق المزكي: سمعته يقول: ختمت عن رسول الله ﷺ ألف ختمة، وضحيت عنه اثنتي عشرة ألف أضحية.
قال محمد بن أحمد الدقاق: رأيت السراج يضحي كل أسبوع أو أسبوعين أضحية، ثم يجمع أصحاب الحديث عليها، وكان أمّارا بالمعروف، نهّاء عن المنكر.
توفي سنة اثنتي عشرة وثلاث مائة، وعاش سبعا وتسعين سنة.
١٤٥٨ - [محمد بن جمعة] (٣)
أبو قريش محمد.
حدث عن أحمد بن منيع، وأحمد بن المقدام، وأبي كريب وغيرهم، وعنه أبو بكر
стр. 1231
الشافعي، وأبو علي النيسابوري وغيرهما من الأعلام.
وكان حافظا متقنا ثقة مكثرا رحالا، جمع المسندين على الأبواب وعلى الرجال.
وتوفي سنة ثلاثة عشرة وثلاث مائة.
١٤٥٩ - [محمد بن محمد الباهلي] (١)
أبو الحسن محمد بن محمد بن عبد الله بن بدر بن النّفّاح-بالنون والفاء المشددة، وآخره حاء مهملة-الباهلي البغدادي السامري، نزيل مصر.
حدث عن إسحاق بن أبي إسرائيل، وأحمد بن إبراهيم الدورقي وغيرهما، وعنه حمزة الكناني، وأبو بكر النقاش وغيرهما.
وكان إماما في الحديث، عارفا ثقة ثبتا دينا.
توفي سنة أربع عشرة وثلاث مائة.
وأبو الحسن الباهلي هذا هو تلميذ أبي الحسن الأشعري، وشيخ الأستاذين أبي إسحاق الأسفراييني، وأبي بكر بن فورك.
روى الحافظ أبو القاسم بن عساكر بسنده إلى القاضي أبي بكر الباقلاني قال: (كنت أنا والأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني والأستاذ ابن فورك في درس الشيخ أبي الحسن الباهلي تلميذ أبي الحسن الأشعري، قال: وكان من شدة اشتغاله بالله مثل واله أو مجنون، وكان يدرس لنا في كل جمعة مرة، وكان منا في حجاب يرخي الستر بيننا وبينه كي لا نراه) (٢).
قال الشيخ اليافعي: (وفي مثل ما ذكر عن الباهلي في تدريسه في الجمعة مرة:
ما سمعت من بعض أهل العلم والصلاح أنه كان مقيما في جبل عدن رجل مشتغل بالله تعالى، وله معرفة باللغة والنحو، فكان ينزل إلى عدن يوما في الجمعة يشتغل الناس عليه في النحو.
стр. 1232
قال: وإنما لم أترجم لأبي الحسن الباهلي؛ لأني لم أقف على تاريخ وفاته) (١).
وقد وقفت على ذلك بحمد الله في «الذهبي» مترجما له، والله سبحانه أعلم.
١٤٦٠ - [محمد بن المسيب الأرغياني] (٢)
محمد بن المسيب بن إسحاق أبو عبد الله النيسابوري الإسفنجي أبو عبد الله الأرغياني.
حدث عن محمد بن رافع، وبندار، وإسحاق بن شاهين، وعنه أبو بكر بن خزيمة، وأبو علي الحافظ، وأبو أحمد الحاكم وغيرهم.
وكان من الحفاظ المكثرين الجوالين، والعباد المجتهدين، والزهاد البكائين.
توفي سنة خمس عشرة وثلاث مائة.
١٤٦١ - [الأخفش الصغير] (٣)
أبو الحسن علي بن سليمان البغدادي النحوي، المعروف بالأخفش الصغير.
أخذ عن ثعلب، والمبرد، وروى عنه المرزباني، وأبو الفرج المعافى وغيرهما، وكان ثقة.
قال المرزباني: لم يكن بالمتسع في الرواية للأخبار والعلم بالنحو، وما علمته صنف شيئا ولا قال شعرا، وكان إذا سئل عن مسألة في النحو .. ضجر وانتهر من يسأله.
كان يواصل المقام عند أبي علي بن مقلة، وأبو علي يراعيه ويبره، فشكا إليه في بعض الأيام ما هو فيه من شدة الفاقة، وسأله أن يعلم الوزير علي بن عيسى حاله، ويسأله إقرار رزق له في جملة من يرتزق، فكلم أبو علي بن مقلة الوزير علي بن عيسى، وعرفه بحال الأخفش، وسأله أن يجري عليه رزقا، فانتهره الوزير انتهارا شديدا في مجلس حافل، فشق على ابن مقلة ذلك، وصار إلى منزله لائما نفسه، ووقف الأخفش على الصورة المذكورة
стр. 1233
فاغتم لها، وانتهت به الحال إلى أكل السلجم النّيء، فقيل: إنه قبض على فؤاده، فمات فجأة سنة خمس عشرة وثلاث مائة.
وقد تقدم ذكر الأخفش الكبير والأوسط في سنة خمس عشرة ومائتين (١).
١٤٦٢ - [بنان الحمال] (٢)
الشيخ الكبير الولي بنان الحمال، أبو الحسن، نزيل مصر وشيخها.
صحب الجنيد، وحدث عن الحسن بن محمد الزعفراني وجماعة.
وكان ذا منزلة جليلة، وأحوال جميلة وكرامات.
منها: أنه ألقاه بعض الخلفاء بين يدي الأسد في حال غضبه عليه، فصار الأسد يشمه ولم ينله بسوء، فقيل له: كيف كنت في وقت شمّ الأسد لك؟ قال: كنت أفكر في اختلاف العلماء في طهارة لعاب السباع.
ومنها: أنه قال له إنسان: ضاع لي قرطاس فيه تنزيل له صورة من المال، وسأله أن يدعو له بحفظه، فقال له: أنا رجل كبير، وأشتهي الحلوى، اشتر لي كذا وكذا منها، فاشترى له منها الذي طلب وأتاه به، فتناول منه شيئا يسيرا ثم قال له: اذهب بالباقي، وأطعمه صبيانك، فلما ذهب به إلى بيته .. وجد ذلك القرطاس الذي فيه الحلوى هو الذي ضاع له.
ومنها: أنه انبسط إلى إخوانه في شراء جارية، فوعدوه حتى يقدم النفر، فلما قدم النفر .. أجمع رأيهم على جارية أنها تصلح له، فكلّموا صاحبها في بيعها، فألحوا عليه، فقال: إنها ليست للبيع، إنها أهدتها امرأة من سمرقند للشيخ بنان الحمال، فحملت إليه.
توفي ﵀ في شهر رمضان سنة ست عشرة وثلاث مائة، وخرج أكثر أهل مصر في جنازته.
стр. 1234
١٤٦٣ - [عبد الله بن أبي داود] (١)
عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير الأزدي، الحافظ ابن الحافظ.
كان أول سماعه باعتناء أبيه سنة أربعين ومائتين، وحدث قديما سنة نيف وثمانين، وكانوا يأخذون عنه، وفي وقته بالعراق مشايخ أسند منه.
حدث عن عيسى بن حماد، وابن السراج، وعلي بن خشرم وغيرهم، وعنه ابن المظفر، والدارقطني، ودعلج، وابن شاهين.
وكان إماما علامة حافظا متقنا، له عدة مصنفات منها: «المسند» و «السنن» و «التفسير» و «المصاحف» و «القراءات».
توفي سنة ست عشرة وثلاث مائة.
١٤٦٤ - [الحافظ أبو عوانة] (٢)
الحافظ أبو عوانة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد النيسابوري الأسفراييني، صاحب «المسند الصحيح».
رحل إلى الشام والحجاز واليمن ومصر والجزيرة والعراق وفارس وأصبهان.
روى عن يونس بن عبد الأعلى، وعلي بن حرب، ومحمد بن يحيى الذهلي، ومسلم بن الحجاج، والمزني، والربيع، والحسن الزعفراني وغيرهم.
وروى عنه جماعة منهم: أبو بكر الإسماعيلي، والطبراني، وأبو نعيم عبد الملك الأسفراييني، وهو خاتمة أصحابه.
كان من علماء الحديث وأثباتهم، صنف «المستخرج على صحيح مسلم»، وله فيه
стр. 1235
زيادات، وحج خمس حجج، قال: كتب إليّ أخي محمد بن إسحاق: [من الوافر]
فإن نحن التقينا قبل موت ... شفينا النفس من مضض العتاب
وإن سبقت بنا أيدي المنايا ... فكم من غائب تحت التراب
توفي سنة ست عشرة وثلاث مائة. مذكور في الأصل.
١٤٦٥ - [محمد بن عقيل البلخي] (١)
محمد بن عقيل البلخي أبو عبد الله، صاحب «الجامع الصحيح».
حدث عن علي بن خشرم، وعلي بن إسكاف وغيرهما، وعنه عبد الرحمن بن أبي سريج، وغيره من الأصحاب.
وكان حافظا كبيرا، ومن مؤلفاته: «المسند» و «التاريخ» و «الأبواب».
توفي سنة ست عشرة وثلاث مائة.
١٤٦٦ - [ابن السراج] (٢)
محمد بن السري النحوي، المعروف بابن السراج.
أخذ الأدب عن أبي العباس المبرد وغيره، وأخذ عنه السيرافي، والرماني وغيرهما.
وكان أحد الأئمة المشاهير، مجمعا على فضله وجلالة قدره في النحو والأدب، وله التصانيف المشهورة في النحو منها: كتاب «الأصول»، وهو أجود ما صنف في هذا الشأن، وإليه المرجع عند اضطراب النقل واختلافه، و «شرح كتاب سيبويه»، وكتاب «الشعر والشعراء» وكتاب «الرياح والهواء والنار» مع كتب أخرى، نقل عنه الجوهري في مواضع من «صحاحه»، ومن الشعر المنسوب إليه: [من الكامل]
ميّزت بين جمالها وفعالها ... فإذا الخيانة بالملاحة لا تفي
حلفت لنا ألا تخون عهودنا ... فكأنما حلفت لنا ألا تفي
стр. 1236
قال الشيخ اليافعي: (وهذان البيتان يحسن استعارتهما لوصف الدنيا، وقد قيل:
إنهما لابن المعتز، وقيل: لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر، ومعهما بيت ثالث وهو:
والله لا كلمتها ولو أنها ... كالبدر أو كالشمس أو كالمكتفي
فأنشدها وزير المكتفي له، فقال: لمن هي؟ قال: لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر، فأمر له بألف دينار، فوصل إليه، فقال ابن الزنجي: ما أعجب هذه القصة؛ يعمل ابن السراج أبياتا تكون سببا لوصول الرزق لابن طاهر! ) (١)
توفي ابن السراج سنة ست عشرة وثلاث مائة.
١٤٦٧ - [أحمد بن الحسين الحنفي] (٢)
أحمد بن الحسين، الإمام، شيخ الحنفية ببغداد، وقد ناظر مرة داود الظاهري، فقطع داود، ولكنه معتزلي الاعتقاد.
قتل بمكة سنة سبع عشرة وثلاث مائة في فتنة القرمطي.
١٤٦٨ - [الجارودي الشهيد] (٣)
أبو الفضل محمد بن أبي الحسين أحمد بن محمد بن عمار الجارودي الهروي الشهيد.
حدث عن معاذ بن المثنى، وأحمد بن نجدة، وعثمان الداري وغيرهم، وعنه حدث أبو علي الحافظ، ومحمد بن المظفر وغيرهما من الأعيان.
وكان حافظا إماما.
قتل شابا يوم التروية وهو متعلق بحلقتي الكعبة، قتلته القرامطة في سنة سبع عشرة وثلاث مائة.
стр. 1237
١٤٦٩ - [البتاني] (١)
محمد بن جابر الرقي البتّاني-بفتح الموحدة، وتشديد المثناة من فوق، وقبل ياء النسب نون-المنجم المشهور الحاسب، صاحب الزنج والأعمال العجيبة، والأرصاد المتقنة، واحد عصره في وقته.
توفي سنة سبع عشرة وثلاث مائة بموضع يقال لها: الحضر-بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة ثم راء-مدينة بالقرب من الموصل، كان صاحبها الساطرون- بسين وطاء وراء مهملات-فحاصرها أزدشير أول ملوك الفرس أربع سنين، ولم يقدر على البلد حتى فتحت له ابنة الساطرون، وذلك أن أزدشير كان في غاية الجمال، فهويته ابنة الساطرون، فأرسلت إليه أن تفتح الحصن ويتزوجها، فالتزم لها ذلك، فدلته على فتح الحصن، فقيل: دلته على طلسم في الحصن، وكان في علمهم أنه لا يفتح حتى تؤخذ حمامة، فتنزل على سور الحصن، فيقع الطلسم، فينفتح الحصن، ففعل أزدشير ذلك، واستباح الحصن وخربه وأباد أهله، وقتل الساطرون، وسار ببنته وتزوجها وفاء بالشرط، فبينا هي نائمة على فراشها ليلا؛ إذ جعلت تتململ لا يأخذها النوم، فسألها عن ذلك، فقالت: ما نمت على فراش أخشن من هذا الفراش، وأنا أحس شيئا يؤذيني، ففتش الفراش؛ فإذا ورقة آس قد لزقت ببعض عكنها، وهي التي أسهرتها، فعجب من ذلك وقال: هذا الذي أسهرك؟ قالت: نعم، قال: فما كان أبوك يصنع لك؟ قالت: كان يفرش لي الديباج، ويلبسني الحرير، ويطعمني المخ والزبد وشهد أبكار النحل، ويسقيني الخمر الصافي، قال: فكان هذا جزاء أبيك ما صنعت به؟ ! أنت إلي بذلك أسرع، ثم أمر بها فشدت ذوائبها إلى فرسين جامحين، ثم أرسلا فقطعاها قطعا.
وذكر ابن هشام: أن الذي حاصر الحصن سابور ذو الأكتاف (٢)، والأول أصح.
стр. 1238
١٤٧٠ - [الخبزأرزّي] (١)
نصر بن أحمد الخبزأرزيّ، كان أميا، وكان يخبز الأرز وينشد الأشعار المقصورة على الغزل، والناس يزدحمون عليه، ويتطرفون باستماع شعره، ويتعجبون من حاله وأمره.
وذكره جماعة من المؤرخين، وأوردوا له عدة مقاطيع من شعره، فمن ذلك قوله: [من الطويل]
خليليّ هل أبصرتما أو سمعتما ... بأكرم من مولى تمشّى إلى عبد
أتى زائرا من غير وعد وقال لي ... أجلك عن تعليق قبلك بالوعد
فما زال نجم الوصل بيني وبينه ... يدور بأفلاك السعادة والسعد
وأهدى مرة إلى والي البصرة فصا، وكتب معه: [من السريع]
أهديت ما لو أن أضعافه ... مطّرح عندك ما بانا
كمثل بلقيس التي لم يبن ... إهداؤها عند سليمانا
هذا امتحان لك إن ترضه ... بان لنا أنك ترضانا
وطرقت نادرة لطيفة طريفة أحببت إيرادها ههنا تبعا لغيري؛ فإن الشيء بالشيء يذكر، وهي: أن اللبادي الشاعر خرج من بعض مدن أذربيجان يريد أخرى وتحته مهر له فاره، وكانت السنة مجدبة، فضمه الطريق وغلاما حدثا على حمار له، قال: فحادثته، فرأيته أديبا، رواية للشعر، خفيف الروح، حاضر الجواب، جيد الحجّة، فسرنا بقية يومنا، فأمسينا إلى خان على ظهر الطريق، فطلبت من صاحبه شيئا نأكله، فامتنع أن يكون عنده شيء، فرفقت به إلى أن جاءني برغيفين، فأخذت واحدا، ودفعت إلى الغلام واحدا، وكان غمّي على المهر أن يبيت بغير علف أعظم من غمّي على نفسي، فسألت صاحب الخان عن الشعير، فقال: ما أقدر منه على حبة واحدة، فقلت له: فاطلب، وجعلت له جعلا على ذلك، فمضى وجاءني بعد زمن طويل وقال: قد وجدت مكوكين عند رجل، وحلف بالطلاق أنه لا ينقصهما عن مائة درهم، فقلت: ما بعد يمين الطلاق كلام، فدفعت إليه خمسين درهما، وأخذت مكوكا، وعلقته على دابتي، وجعلت أحادث الفتى، وحماره
стр. 1239
واقف بغير علف، فأطرق مليا ثم قال: اسمع-أيدك الله-أبياتا حضرت الساعة، فقلت:
هاتها، فأنشد: [من الكامل]
يا سيدي شعري نقاية شعركا ... فلذاك نظمي لا يقوم بنثركا
وقد انبسطت إليك في إنشاد ما ... هو في الحقيقة قطرة من بحركا
آنستني وخصصتني وبررتني ... وجعلت أمري من مقدم أمركا
وأريد أذكر حاجة إن تقضها ... أك عبد مدحك ما حييت وشكركا
أنا في ضيافتك العشية ههنا ... فاجعل حماري في ضيافة مهركا
فضحكت واعتذرت إليه من إغفالي أمر حماره، وابتعت المكوك الآخر بخمسين درهما، ودفعته إليه.
توفي الخبزأرزيّ سنة سبع عشرة وثلاث مائة.
١٤٧١ - [ابن صاعد البغدادي] (١)
يحيى بن محمد بن صاعد البغدادي، مولى بني هاشم، الحافظ الحجة.
قال أبو علي النيسابوري: لم يكن بالعراق في أقران ابن صاعد أحد أجل في الفهم والحفظ من ابن صاعد، قال: وهو فوق أبي بكر بن أبي داود فيهما.
توفي سنة ثمان عشرة وثلاث مائة.
١٤٧٢ - [أبو بكر الأسفراييني] (٢)
أبو بكر عبد الله بن محمد بن مسلم الأسفراييني الحافظ المصنف.
حدث عن الذهلي، وأبي زرعة الرازي وغيرهما، وعنه حدث ابن عدي، والحاكم أبو أحمد، وغيرهما من المحدثين.
وكان من الحفاظ الأثبات المجودين.
توفي سنة ثمان عشرة وثلاث مائة.
стр. 1240
١٤٧٣ - [ابن العلاف الشاعر] (١)
الحسن بن علي بن عوف بن العلاف النهرواني، الشاعر المشهور.
حدث عن أبي عمر الدوري المقرئ، وحميد بن مسعدة المصري، ونصر بن علي الجهضمي وغيرهم، وروى عنه أبو حفص بن شاهين وغيره.
وكان ينادم الطمام المعتضد بالله، قال: بت ليلة في دار المعتضد مع جماعة من ندمائه، فأتانا خادم ليلا، فقال: أمير المؤمنين يقول: أرقت بعد انصرافكم فقلت: [من الطويل]
ولما انتبهنا للخيال الذي سرى ... إذا الدار قفر والمزار بعيد
وقد أرتج علي تمامه، فمن أجازه بما يوافق غرضي .. أمرت له بجائزة، قال: فأرتج على الجماعة، وكلهم شاعر فاضل، فابتدرت وقلت:
فقلت لعيني عاودي النوم واهجعي ... لعل خيالا طارقا سيعود
فرجع الخادم، ثم عاد فقال: أمير المؤمنين يقول: قد أحسنت، وأمر لك بجائزة.
توفي المذكور سنة ثمان-أو سبع-عشرة وثلاث مائة.
١٤٧٤ - [إبراهيم بن عبد الرحمن الدمشقي] (٢)
أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الملك بن مروان القرشي الدمشقي، محدث دمشق.
حدث عن يونس بن عبد الأعلى وطبقته، وحدث عنه ابنه محمد، وابن المقرئ وغيرهما.
وكان حافظا ثبتا رحالا.
توفي سنة تسع عشرة وثلاث مائة.
стр. 1241
١٤٧٥ - [الزبير بن أحمد الزّبيري] (١)
الزبير بن أحمد الزبيري-نسبة إلى الزبير بن العوام، أحد العشرة ﵃-الفقيه الشافعي.
كان إمام البصرة ومدرسها، وحافظ المذهب مع حظ من الأدب، قدم بغداد وحدث بها عن جماعة، وكان صحيح الرواية.
توفي سنة تسع عشرة وثلاث مائة. مذكور في الأصل.
١٤٧٦ - [ابن جوصا] (٢)
أبو الحسن أحمد بن عمير بن يوسف بن موسى بن جوصا الهاشمي مولاهم، ويقال:
الكلابي الدمشقي، الحافظ، محدث الشام.
حدث عن يونس بن عبد الأعلى، وكثير بن عبيد الحمصي، وعمرو بن عثمان، وحدث عنه الحفاظ: أبو بكر بن السني، وسليمان الطبراني، وأبو أحمد الحاكم.
وكان ثقة ركنا من أركان الحديث، وتكلم فيه الدارقطني، وحمزة الكناني، وذلك والله أعلم لغرائب حواها، وأفراد رواها، وله حديثان عاليان ثلاثيان، أحدهما: حديث الشيب عن معاوية بن عمير بن أحمد، عن عبد الله بن بسر، عن النبي ﷺ ، وهو آخر من وقع له الثلاثي فيما نعلم، قاله الحافظ شمس الدين محمد بن أبي بكر عبد الله بن محمد الدمشقي، المعروف بابن ناصر الدين في [«التبيان لبديعة] (٣) البيان».
توفي المذكور سنة عشرين وثلاث مائة.
стр. 1242
١٤٧٧ - [الفربري] (١)
أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الفربري، راوي «صحيح البخاري».
توفي سنة عشرين وثلاث مائة.
١٤٧٨ - [محمد بن يوسف القاضي] (٢)
محمد بن يوسف الأزدي مولاهم، قاضي القضاة، كان من خيار القضاة حلما وعقلا وصلابة وذكاء وصيانة، توفي سنة عشرين وثلاث مائة.
١٤٧٩ - [ابن خيران] (٣)
الحسين بن صالح، المعروف بأبي علي بن خيران الفقيه الإمام، الكبير الشأن، الشافعي المذهب.
عرض عليه القضاء في أيام المقتدر فامتنع، فختم الوزير على بيته، وضيق عليه مدة ليقبل، فلم يقبل، وكان يعاتب ابن سريج على توليه القضاء ويقول: هذا الأمر لم يكن فينا، وإنما كان في أصحاب أبي حنيفة، وعوتب الوزير علي بن عيسى في تضييقه عليه فقال: إنما قصدت ذلك؛ ليقال: كان في زمننا من وكل بداره؛ لتقليد القضاء فلم يقبل.
توفي سنة عشرين وثلاث مائة، وهو مذكور في الأصل.
стр. 1243
١٤٨٠ - [الخليفة المقتدر] (١)
أبو الفضل جعفر المقتدر بن المعتضد أحمد بن الموفق أبي أحمد طلحة بن المتوكل جعفر بن المعتصم محمد بن هارون الرشيد الخليفة العباسيّ.
ولد لثمان بقين من رمضان سنة اثنتين وثمانين ومائتين.
كان الخليفة قبله أخوه المكتفي علي بن المعتضد، فمات ولم يعهد إلى أحد، وكان الوزير العباس بن الحسن مستوليا على الأمر، فأشار عليه أكثر الناس بتولية عبد الله بن المعتز، ومال إلى ذلك أيضا، لكن صرفه عن ذلك أبو الحسن بن الفرات، وأشار عليه بتولية أبي الفضل جعفر المذكور، فقال له الوزير العباس بن الحسن: إنه صبي، فقال ابن الفرات: وإن كان فإنه ابن المعتضد، فاتق الله، ولا تنصب في هذا الأمر من قد لقي الناس ولقوه، وعرف ضيعة هذا، ودار هذا، ونعمة هذا، فعقدها الوزير لجعفر المذكور، ولقّبه المقتدر، وذلك يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من القعدة سنة خمس وتسعين ومائتين، وعمر المقتدر إذ ذاك ثلاث عشرة سنة وشهر وأيام، ولا يعلم خليفة قبله وليها وهو صغير، ولما كان مشورة أبي الحسن بن الفرات لغير الله تعالى .. سلط الله تعالى عليه المقتدر، فكان سببا لهلاكه وهلاك ولده، وانقراض بيته.
ثم كثر الخوض والكلام في صغر سن المقتدر، فعمل الوزير العباس بن الحسن على أن يحل أمر المقتدر، ويقلد الخلافة أبا عبد الله محمد بن المعتمد، وكان حسن العقل، جميل المذهب، وانتظر بذلك قدوم بارس غلام إسماعيل بن أحمد صاحب خراسان؛ فإنه كان موافيا إلى الحضرة، وقدر أن يستظهر به على غلمان المعتضد الذين مع المقتدر، ففلج محمد بن المعتمد قبل ذلك ومات، فعمل العباس بن الحسن الوزير على تقليد أبي الحسين من ولد المتوكل، فمات المذكور قبل أن يتم الأمر، ثم في سنة ست وتسعين اجتمع جماعة منهم الحسين بن حمدان على قتل المقتدر ووزيره العباس بن الحسن، وعلى تولية عبد الله بن المعتز، فخرج المقتدر يلعب بالصولجة، فعطف الحسين بن حمدان على العباس بن الحسن، فقتله وهو على ظهر دابته، وكان إلى جانبه فاتك المعتضدي، فصاح
стр. 1244
على الحسين بن حمدان منكرا عليه، فعطف الحسين على فاتك، فألحقه بالوزير، ثم ركض الحسين بن حمدان ليثلث بالمقتدر، وكان المقتدر قد سمع الصيحة عند قتل الوزير فبادر إلى الدار، وأغلقت الأبواب دون الحسين، فأحضر الحسين بن حمدان بن المعتز والقواد والجند وأصحاب الدواوين والقضاة غير أبي الحسن بن الفرات؛ فإنه لم يحضرهم، وبايعوا ابن المعتز، ولقبوه المرتضي بالله، ونفذت كتبه إلى الآفاق، وأمر المقتدر بالانصراف إلى دار ابن طاهر، فأجاب وكان مع المقتدر في الدار قليل من الجند، فأصبح ابن حمدان معدا لحربهم وحصارهم، فناوشوه الحرب، ووقع الرعب في قلوب الذين مع ابن المعتز، فانصرفوا من غير كثير حرب، واستتر ابن المعتز، ثم ظهر واستقر الأمر للمقتدر، فاستوزر أبا الحسن علي بن محمد بن الفرات، فدبر الدولة كما يدبرها الخلفاء، واشتغل المقتدر باللهو واللعب.
وفي سنة سبع عشرة: كانت فتنة أبي الهيجاء بن حمدان ونازوك التي أدت إلى خلع المقتدر، ونصب أخيه القاهر، ثم انتقض الأمر وعاد إلى المقتدر الخلافة، وقتل أبا الهيجاء ونازوك كما سيأتي ذلك (١)، وحمل القاهر إلى الحريم القاهري، ثم حصلت الوحشة بين المقتدر وبين مؤنس، فانحدر مؤنس من الموصل إلى بغداد، فأشار الأمراء على المقتدر بالإنفاق على العساكر، فعزم على التوجه إلى واسط في الماء؛ ليستنجد منها ومن البصرة والأهواز على مؤنس، فقال له محمد بن ياقوت: اتق الله، ولا تسلم بغداد بلا حرب، وقال له: لئن خرجت بنفسك .. أحجم رجال مؤنس عن مقاتلتك، فقال له المقتدر: أنت رسول إبليس، فلما أصبحوا .. ركب المقتدر في موكبه وعليه البرد وبيده القضيب، والقراء والمصاحف حوله، فشق بغداد إلى الشماسية، وأقبل جيش مؤنس وغالبهم البربر، وشرع القتال، فوقف المقتدر على تلّ، ثم جاء إليه ابن ياقوت وأبو العلاء بن حمدان فقالا له: تقدم، وهم يستدرجونه حتى صار في وسط المصاف في طائفة قليلة، وانكشف عنه أصحابه، وأسر منهم جماعة، وأبلى ابن ياقوت وهارون بن غريب بلاء حسنا، فعطف جماعة من البربر على المقتدر، فضربه رجل من خلفه ضربة أسقطه إلى الأرض، وقيل: رماه بحربة، وحز رأسه بالسيف، ورفع على رمح، ثم سلب ما عليه، وبقي مهتوك العورة حتى ستر بالحشيش، ثم حفر له حفرة
стр. 1245
فطم، وعفى أثره، وذلك في سنة عشرين وثلاث مائة، فمدة خلافته خمس وعشرون سنة إلا بضعة عشر يوما، وعمره ثمان وثلاثون سنة.
وكان مسرفا مبذرا ناقص الرأي، محّاقا للخزائن، حتى أعطى بعض جواريه الدرة اليتيمة وزنها ثلاثة مثاقيل.
ويقال: إنه ضيع من الذهب ثمانين ألف ألف دينار، وكثر في زمانه التقلب بالوزراء والكتاب والحجاب والولاة، وضعفت في أيامه الخلافة العباسية، بل اضمحلت.
وقيل: كان جيد العقل والرأي، لكنه كان يؤثر اللعب واللهو والشهوات، غير ناهض بأعباء الخلافة.
وكانت أمه وخالته والقهرمانة يدخلن في الأمور الكبار من الولايات والخلافات والحل والعقد.
وقيل: إن مؤنسا لم يحضر الحرب بل كان بالراشدية، فلما حمل إليه رأس المقتدر ..
بكى وندم وقال: قتلتموه، والله؛ لنقتلن كلنا، فأظهروا له أن قتله كان عن غير قصد، وأنه جرى بغير أمرنا، فأراد نصب أبي العباس ولد المقتدر مكان أبيه، فصرفه عن ذلك إسحاق بن إسماعيل النوبختي، فعقد الخلافة لأخي المقتدر أبي منصور محمد بن المعتضد، ولقّبوه القاهر، فكان حين النوبختي وهلاكه على يدي القاهر.
***
стр. 1246
الحوادث
السنة الأولى بعد الثلاث مائة
فيها: مات أبو سعيد الحسن بن بهرام الجنّابي القرمطي، صاحب هجر، قتله خادم له في الحمام.
وفيها: سار عبد الله المهدي المتغلب على المغرب في أربعين ألفا؛ ليأخذ مصر حتى بلغ بينه وبين مصر مسيرة أيام، ففجّر أمير مصر النيل، وحال الماء بينه وبين جيوش مصر، ثم جرت بينهم وبين جيش المقتدر حروب، فرجع إلى برقة بعد أن ملك الإسكندية والفيوم (١).
وفيها: قبض على الوزير علي بن خاقان، واستوزر علي بن عيسى بن داود الجراح.
وفيها: ورد الخبر بقتل علي بن إسماعيل صاحب خراسان، قتله غلمانه على شاطئ نهر بلخ، وقام ابنه أبو الحسن نصر مقامه.
وفيها: قبض على الحسين بن منصور الحلاج بالسوس.
وفيها: توفي الحافظ العلامة جعفر بن محمد أبو بكر الفريابي، صاحب التصانيف، وكان من أوعية العلم، والحافظ أبو عبد الله بن يحيى ابن منده الأصبهاني جد الحافظ الكبير محمد بن إسحاق بن منده، والأمير علي بن أحمد الراسبي أمير جند نيسابور، وخلف ألف فرس، وألف ألف دينار، والحافظ أحمد بن محمد الوشاء، وأبو بكر البرديجي، وإبراهيم بن يوسف الهسنجاني، والحسين بن إدريس، وابن ناجية.
وفيها: مات ابن أبي الشوارب القاضي الأحنف، وأبو عبد الله البسطامي الزاهد، وأحمد بن عبد الصمد بن طومار الهاشمي نقيب الطالبيين العباسيين، والوزير أبو الفضل جعفر بن الفضل بن جعفر، المعروف بابن الفرات، وزير الإخشيدية بمصر، وعلي بن أحمد البسامي الشاعر المشهور.
***
стр. 1247
السنة الثانية بعد الثلاث مائة
فيها: عاد المهدي إلى الإسكندرية، فوقعت وقعة كبيرة قتل فيها نائبه، فرد إلى القيروان (١).
وفيها: أخذت طيء الركب العراقي، وتمزق الوفد في البرية، وأسروا من الوفد مائتين وثمانين امرأة (٢).
وفيها: قلد أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان الموصل.
وفيها: ماتت بدعة الكبيرة جارية عريب، وكان إسحاق بن يعقوب بذل فيها لعريب مائة ألف دينار، وللوسيط عشرة آلاف دينار، فعرضت عليها البيع فأبت، فأعتقتها ووهبتها ثلاثين ألف دينار (٣).
وفيها: توفي العلامة فقيه أهل المغرب أبو عثمان بن حداد الإفريقي المالكي، والعلامة أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الأصبهاني، إمام جامع أصبهان، أحد العباد والحفاظ، وأبو زرعة محمد بن عثمان القاضي.
وفيها: خرج الحسن بن علي العلوي، وتغلب على طبرستان، وتلقّب بالداعي (٤).
***
السنة الثالثة بعد الثلاث مائة
فيها: خلع الحسين بن حمدان الطاعة، وكان مؤنس خرج إلى مصر؛ لمحاربة العلوي صاحب المغرب، فاستعد لحرب الحسين، فظفر به وحمله إلى بغداد أسيرا
وفيها: مات أبو علي الجبائي، واسمه: محمد بن عبد الوهاب المتكلم شيخ المعتزلة، والإمام العلامة الحافظ أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي، صاحب التصانيف المفيدة، والحافظ الكبير أبو العباس بن سفيان الشيباني.
стр. 1248
السنة الرابعة بعد الثلاث مائة
فيها: عزل علي بن عيسى من الوزارة، وأعيد أبو الحسن بن الفرات، وضمن له أن يحمل كل يوم من مال المرافق ألفا وخمس مائة دينار، من جملتها ألف دينار لخاصة المقتدر، وللسيدة أم المقتدر ثلاث مائة وثلاثة وثلاثين دينارا وثلث، ولأبي العباس وهارون ابني المقتدر ستة وستون دينارا وثلثي دينار، وكان لا يمكنه أن يخل بها.
وفيها: تغلب يوسف بن أبي الساج على الري وقزوين وأبهر وزنجار، وطرد عنها محمد بن علي بن صعلوك (١).
وفيها: توفي أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم المنجنيقي، ويموت بن المزرع بن يموت العبدي البصري، وهو ابن أخت أبي عثمان الجاحظ (٢).
***
السنة الخامسة بعد الثلاث مائة
فيها: قدم رسول ملك الروم يطلب الهدنة، فاحتفل المقتدر بجلوسه، وأقام الجيش بالسلاح وكانوا مائة وستين ألفا، ثم العلماء وكانوا سبعة آلاف، ثم الحجاب وكانت سبع مائة، وعلّقت ستور الديباج وكانت ثمانية وثلاثين ألف ستر من البسط وغيرها، ومما كان في الدار سبع مائة سلسلة، ثم أدخل الرسول دار الشجرة، وفيها بركة؛ فيها شجرة لها أغصان عليها طيور مذهبة، وورقها ألوان مختلفة، وكل طائر يصفر لونا بحركات مصنوعة، ثم أدخل دار الفردوس، وفيها من الفرش والآلات ما لا يقوّم.
وفيها: توفي مسند عصره أبو خليفة البصري الجمحي الفضل بن الحباب، وعبد الله ابن شيرويه، وعمران ابن مجاشع، وقاسم المطرز (٣).
وفيها: مات العباس بن عمرو الغنوي، وأبو موسى الحامض اللغوي (٤).
وعلى هذه السنة قطع محمد بن جرير الطبري «تاريخه» (٥).
стр. 1249
السنة السادسة بعد الثلاث مائة
فيها-أو قبلها-: أمرت أم المقتدر في أمور الأمة ونهت؛ لركاكة حال ابنها؛ فإنه لم يركب للناس ظاهرا منذ استخلف إلى سنة إحدى وثلاث مائة، ثم ولى ابنه عليا إمرة مصر، وهو ابن أربع سنين، وهذا من الوهن والخلل الذي دخل على الأمة، ولما كان في السنة المذكورة .. أمرت أمه القهرمانة أن تجلس للمظالم، وتنظر في القصص كل جمعة بحضرة القضاة، وكانت تبرز التواقيع عليها خطها.
وفيها: أقبل القائم محمد بن المهدي صاحب المغرب في جيوشه، فأخذ الإسكندرية وأكثر الصعيد ثم رجع.
وفيها: توفي الباز الأشهب على خصوم المذهب الإمام أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج المشهور، والإمام أبو الحسن منصور بن إسماعيل بن عمر التميمي الضرير المصري الشافعي، والشيخ الكبير أبو عبد الله بن الجلاّء أحمد بن يحيى من أجلّ مشايخ الصوفية، والإمام الحافظ أبو محمد عبدان بن أحمد الأهوازي الجواليقي، وأحمد بن الحسن الصوفي.
وفيها: قبض على الوزير أبي الحسن بن الفرات، وهي النكبة الثانية، واستوزر حامد بن العباس، وهو ابن خمس وثمانين سنة، وكان حينئذ ضامن واسط وأعمالها، ودخل بغداد ومعه أربع مائة غلام يحملون السلاح، منهم جماعة يجرون مجرى القواد وأكابر أصحاب السلطان، وكان فيه نقص وحدة وطيش، فثقل أمره على المقتدر، فاستناب له علي بن عيسى بن الجراح، وجعل الحكم له، وبلغ من طيش حامد أنه أحضر ابن الفرات ليناظره، فأمر بنتف لحيته، ثم نهض إليه فجذب لحيته بيده.
وفيها: قتل الحسين بن حمدان.
***
السنة السابعة بعد الثلاث مائة
فيها: توفي أبو يعلى الموصلي التميمي صاحب «المسند»، والحافظ الكبير أبو بكر محمد بن هارون الروياني صاحب «المسند» أيضا، والحافظ زكريا الساجي، وابن ذريح العكبري، والهيثم بن خلف.
стр. 1250
وفيها: قتل محمد بن سليمان كاتب الجيش بالري.
وفيها: قتل علي بن [ ... ] (١)، قتله خاله أبو العباس محمد بن مسافر المعروف بالسلار، قتله ليلا على فراشه.
***
السنة الثامنة بعد الثلاث مائة
فيها: ظهر اختلال الدولة العباسية ببغداد، فركبت الجند، وسبب ذلك كثرة الظلم من الوزير حامد بن العباس، فقصدت العامة داره، فحاربتهم غلمانه، وكان له مماليك كثيرة، ودام القتال أياما، وقتل خلق كثير، واستفحل البلاء، ووقع النهب ببغداد، وجرت فتن وحروب بمصر، وملك العبيديون جيزة الفسطاط، وانجفل الخلق وشرعوا في الهرب (٢).
وفيها: توفي الفقيه الصالح إبراهيم بن محمد بن سفيان النيسابوري، راوي «صحيح مسلم» قيل: كان مجاب الدعوة، والحافظ الكبير أبو محمد عبد الله بن محمد الدينوري، والفقيه أبو الطيب محمد بن المفضل الضبي، والحافظ أبو العباس الوليد بن أبان بأصبهان، صاحب «المسند» و «التفسير»، والمفضل الجندي، وإسحاق بن إبراهيم الخزاعي، والوزير أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن إبراهيم وزير العزيز بن المعزّ العبيدي صاحب مصر (٣).
***
السنة التاسعة بعد الثلاث مائة
فيها: أخذت الإسكندرية واستردت إلى نواب الخليفة، ورجع العبيدي إلى المغرب (٤).
وفيها: قتل ليلى بن النعمان الديلمي الخارج بطبرستان، وحمل رأسه إلى بغداد (٥).
وفيها: انفجرت دجلة بضعة عشر بثقا، أوسعها طول ألف ذراع، وأقصرها طول مائتي
стр. 1251
ذراع، وغرق من أمهات القرى ألف وثلاث مائة قرية (١).
وفيها: توفي الحسين بن منصور الحلاج، والشيخ الكبير أبو العباس بن عطاء، وحامد ابن شعيب، وعمر ابن أبي غيلان.
***
السنة العاشرة بعد الثلاث مائة
فيها: توفي أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، صاحب «التفسير» و «التاريخ» الكبيرين المشهورين، والإمام الشهير محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري.
وفيها-وقيل: في التي بعدها، وقيل: في سنة ست عشرة-: توفي أبو إسحاق الزجاج إبراهيم بن محمد النحوي، والإمام النحوي محمد بن العباس اليزيدي، والطبيب الماهر أبو بكر محمد بن زكريا الرازي المشهور.
وفيها: توفي أحمد بن يحيى التستري، وأبو بشر الدولابي.
***
السنة الحادية عشرة بعد الثلاث مائة
فيها: صرف حامد بن العباس عن الوزارة، وأعيد ابن الفرات، وهي وزارته الثالثة، وفيها هلك.
وفيها: دخل أبو طاهر سليمان بن الحسن الجنابي القرمطي البصرة في ألف وسبع مائة رجل، ونصب السلاليم على سورها، وقتل واليها سبك، ووضع السيف في أهل البصرة، وأحرق البصرة، وأحرق المربد وبعض المسجد الجامع، ومسجد قبر طلحة، ولم يتعرض للقبر، وأقام بالبصرة سبعة عشر يوما يحمل على جماله كل ما يقدر عليه من الأمتعة والنساء والصبيان، وهرب خلق إلى الماء فغرقوا، ثم انصرف إلى بلده (٢).
وفيها: توفي الحافظ الزاهد أبو جعفر أحمد بن حمدان بن علي بن سنان النيسابوري،
стр. 1252
والفقيه الخير أبو بكر الخلال البغدادي، وإمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري، وعمر بن محمد بن بجير.
***
السنة الثانية عشرة بعد الثلاث مائة
فيها: دخل أبو طاهر سليمان بن الحسن بن بهرام القرمطي الكوفة، وكان ينقل ما بها نهارا، ويخرج إلى عسكره فيبيت به ليلا، وخاف منه أهل بغداد، حتى انتقل أهل الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي (١).
وفيها: عارض أبو طاهر القرمطي المذكور ركب العراق ومعه ألف فارس، وألف راجل، فوضعوا السيف في الحجيج واستباحوهم، وساقوا الجمال بالأموال والحريم، وهلك الناس جوعا وعطشا، ونجا من نجا بأسوأ حال، ووقع النوح والبكاء ببغداد وغيرها، وامتنع الناس من الصلوات في المساجد، ورجم الناس الوزير ابن الفرات، وصاحوا عليه: أنت القرمطي الكبير، فأشار على المقتدر أن يكاتب مؤنسا الخادم وهو على الرقة-وكان ابن الفرات قد سعى في إبعاده إليها؛ خوفا منه-فقدم مؤنس، وكان القرمطي قد أسر طائفة من الحجاج، منهم أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان، فأطلقه، وأرسل النساء ثلاث مائة، وفي الأسر مثلهم (٢).
وفيها: قبض المقتدر على وزيره أبي الحسن بن الفرات وولده المحسّن، وسلمهما إلى مؤنس، فقتلهما، ووزر أبو القاسم الخاقاني.
وفيها: توفي الحافظ الباغندي، وأبو بكر بن المجدّر.
***
السنة الثالثة عشرة بعد الثلاث مائة
فيها: سار الركب العراقي ومعهم ألف، فاعترضهم أبو طاهر القرمطي بزبالة، وناوشهم القتال، فرد الناس ولم يحجوا، ونزل القرمطي على الكوفة، فقاتلوه، فغلب على البلد
стр. 1253
ونهبه، فندب المقتدر مؤنسا لحربه، وأنفق في الجيش ألف ألف دينار (١).
وفيها: قبض على الوزير أبي القاسم الخاقاني، ووزر أبو العباس أحمد بن عبد الله بن الخصيب (٢).
وفيها: كتب ملك الروم إلى الثغور يطلب منها الخراج؛ لضعفها، وعدم من يضبطها (٣).
وفيها: توفي الإمام اللغوي أبو القاسم ثابت بن حزم السرقسطي، والحافظ أبو العباس محمد بن إسحاق الثقفي مولاهم، السراج، صاحب التصانيف، وجماهر الزملكاني، وعبد الله بن زيدان، وعلي الغضائري، وأبو لبيد السرخسي، وأبو قريش.
وقدم أبو محمد الحسن بن موسى الجرجاني صنعاء سنة عشر وثلاث مائة كما ذكره القاضي أحمد العرشاني، قال: فأقام بها سنة وارتحل عنها، وكان فقيها فاضلا يروي مرفوعا عن النبي ﷺ أنه قال: «من أرضى سلطانا بسخط الله ﵎ .. خرج من دين الله» ولم يذكر تاريخ وفاته.
***
السنة الرابعة عشرة بعد الثلاث مائة
فيها: عزل أحمد بن عبد الله بن الخصيب من الوزارة، واستوزر علي بن عيسى، وكان حينئذ يتولى الإشراف على مصر والشام، واستدعى منها شبيب أبو القاسم الكلواذي.
وفيها: استوحش مؤنس المظفر من المقتدر، وبلغه عنه أنه حفر له زبية في طريقه من دار الخليفة (٤)؛ ليتردى فيها، فامتنع من الحضور، وخلع عليه للخروج إلى الثغر؛ لأن ملك الروم دخل سمساط، وضرب فيها بالنواقيس (٥).
стр. 1254
وفيها: لم يحج أحد من العراق؛ خوفا من القرامطة، ونزح أهل مكة منها؛ خوفا منهم.
وفيها: توفي أبو الليث نصر بن القاسم البغدادي الفرائضي، وكان ثقة، ومحمد بن محمد الباهلي، ومحمد بن عمر بن لبابة القرطبي.
***
السنة الخامسة عشرة بعد الثلاث مائة
فيها: نازلت القرامطة الكوفة في سبع مائة فارس، وثمان مائة راجل، فسار يوسف بن أبي الساج في أربعين ألف فارس، فلما تحقق عدتهم .. استهان بهم، فكتب إلى المظفر بالفتح قبل أن يلقاهم، ثم التقاهم، فانهزم عسكر يوسف بن أبي الساج، وقتل منهم عدة، وأسر أميرهم يوسف، فورد الكتاب أول النهار بالظفر، وآخره بالهزيمة.
ثم سار القرمطي إلى بغداد، فماج أهلها، وخرج إليه مؤنس المظفر وبنو حمدان- أبو الهيجاء بن حمدان وإخوته-في أربعين ألفا، فقطعوا القنطرة، فوصل إليها القرمطي فوجدها مقطوعة، وسبر المخاضة فلم يجد فيها معبرا، فعادوا إلى الأنبار، وأوقع الله الخذلان في العسكر، فلم يتجاسروا على العبور إليهم مع كثرتهم وقلة القرامطة، وتصدق المقتدر عند انصراف القرمطي بمائة ألف درهم.
وعند عود القرمطي إلى الأنبار رأى يوسف بن أبي الساج وهو في الأسر قد أخرج رأسه من خيمة يتطلع، فضرب عنقه وعنق جماعة معه، وسار القرمطي إلى هيت، فبادر العسكر، ودخل الوزير علي بن عيسى على المقتدر وقال: قد تمكنت هيبة هذا الكافر من القلوب، فخاطب السيدة في مال تنفقه في الجيش، وإلا .. فما لك إلا أقاصي خراسان، فأخبر أمه بذلك، فأخرجت خمس مائة ألف دينار، وأخرج المقتدر ثلاث مائة ألف دينار، ونهض ابن عيسى في استخدام العساكر، وجددت على بغداد الخنادق، وعدمت هيبة المقتدر، وشتمه الجند (١).
وفيها: توفي الحافظ أحمد بن علي بن الحسين الرازي النيسابوري، صاحب
стр. 1255
التصانيف، وأبو الحسن علي بن سليمان الأخفش الصغير البغدادي النحوي، وعبد الله بن محمد القزويني، ومحمد بن المسيب الأرغياني.
وفي هذه السنة: كان ظهور الديلم، وأول من تغلب على الري منهم ليلى بن النعمان كما سبق ذكر قتله في سنة تسع وثلاث مائة (١)، ثم كان ابن كالي دخل في طاعة صاحب خراسان، فاستدعاه ومضى إليه، ثم تغلب عليها أسفار بن شيرويه، فأساء السيرة، وحكم في الأموال والفروج، فاجتمع الناس إلى المصلى يدعون عليه، وبلغه الخبر فاستهان بالدعاء، فخرج عليه في اليوم الثاني مرداويج بن زيار أحد قواده، فواقعه وهزمه، وأوى أسفار إلى بيت طحان، ووقف مرداويج على مكانه فاحتز رأسه، وتغلب على الري وأصبهان، وطغى وتجبر، وقال: أنا سليمان بن داود، وهؤلاء الشياطين؛ يعني:
الديلم، وأبناء الدولة، وكان بالكرج حيث قتل مرداويج؛ وأخوه أبو علي الملقب ركن الدولة عنده بأصبهان مقيدا، فكسر القيود ولحق بأخيه، وغلب علي بن بويه على أصبهان، ثم فارقها وقصد شيراز، واستولى على فارس، واستقر ملك بني بويه على ما سنذكره في سياقة السنين (٢).
***
السنة السادسة عشرة بعد الثلاث مائة
فيها: دخل القرمطي الرحبة بالسيف واستباحها، ثم نازل الرقة، وقتل جماعة، وتحول إلى هيت، فرموه بالحجارة، وقتلوا صاحبه أبا الزوّار (٣)، فسار إلى الكوفة، ثم انصرف وبنى دارا وسماها دار الهجرة، ودعى إلى المهدي، وتسارع إليه كل مريب، ولم يحج أحد في هذه السنة (٤).
وفيها: استعفى علي بن عيسى من الوزارة، كذا في «تاريخ اليافعي» (٥).
стр. 1256
وفي بعض التواريخ: أن ياقوتا الحاجب قبض على علي بن عيسى في هذه السنة، وكان دائما يستعفي فلا يعفيه المقتدر، قال: وكانت وزارته هذه سنة وأربعة أشهر (١).اهـ
لكن قد تقدم في سنة اثنتي عشرة: أن علي بن عيسى كان في حبس ابن الفرات في المصادرة، فلما قدم مؤنس، وخاف ابن الفرات العزل، وأن يظهر المصادرون ما أخذه منهم .. قتل جماعة منهم، وسم علي بن عيسى، وكأنه لم يمت من ذلك السم (٢)، والله سبحانه أعلم.
ولما صرف علي بن عيسى من الوزارة بالإعفاء كما ذكره اليافعي، أو بالقبض كما ذكره غيره .. ولي الوزارة أبو علي محمد بن علي بن مقلة، وكان ناقص الرتبة عن الوزارة، لكن جد فيها وبذل، وكان محمد بن خلف السرياني كاتب يوسف بن أبي الساج، بذل فيها ثلاث مائة ألف دينار، فعدل عنه؛ لما علم من جهله وتهوره (٣).
وفيها: توفي الشيخ الكبير أبو الحسن بنان الحمال نزيل مصر وشيخها، والحافظ بن الحافظ عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، والحافظ أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الأسفراييني صاحب «المسند الصحيح»، ومحمد بن السري النحوي المعروف بابن السراج.
وفيها: دخل ابن الداعي الري، وخرج محمد بن صعلوك.
وفيها: توفي محمد بن خريم، ومحمد بن عقيل البلخي.
***
السنة السابعة عشرة بعد الثلاث مائة
فيها: هجم مؤنس الخادم وأكثر الجيش على دار الخلافة، وأخرج المقتدر وابنه وخالته وحرمه إلى دار مؤنس، وأحضروا محمد بن المعتضد من الحبس وبايعوه، ولقبوه: القاهر بالله، وقلدوا ابن مقلة وزارته، ووقع النهب في دار الخلافة وبغداد، وأشهد المقتدر على
стр. 1257
نفسه بالخلع، وجلس القاهر من الغد، وصار نازوك حاجبه، فجاءت الجند وطلبوا رزق البيعة، ورزق سنة، وعظم الصياح، ثم وثب جماعة على نازوك، فقتلوه وقتلوا خادمه، ثم صاحوا: المقتدر يا منصور، فهرب الوزير والحجاب والقاهر، ووصلوا إلى مؤنس ليرد المقتدر، وسدت المسالك على القاهر وأبي الهيجاء بن حمدان، ثم جاشت نفسه وقال:
يا آل تغلب، فرمي بسهم فيما بين ثدييه، وآخر في نحره، ثم حز رأسه، وأحضروا المقتدر، وألقي بين يديه رأس أبي الهيجاء، ثم أسر القاهر، وأتى به إلى المقتدر فاستدناه وقبل جبينه وقال: أنت لا ذنب لك يا أخي، وهو يقول: الله الله يا أمير المؤمنين في نفسي، فقال: والله لا ينالك مني سوء، فطيف برأسي نازوك وأبي الهيجاء بن حمدان، ثم أتى مؤنس والقضاة، وجددوا البيعة للمقتدر، فبذل في الجند أموالا عظيمة، باع في بعضها ضياعا وأمتعة (١).
وفيها: ماتت القهرمانة التي كانت تجلس للناس بدار العدل.
وفيها: قلد أبو عمر محمد بن يوسف قضاء القضاة.
وفيها: حج بالناس منصور الديلمي، فدخلوا مكة سالمين، فوافاهم يوم التروية عدو الله أبو طاهر القرمطي في تسع مائة نفس، فقتل الحجاج قتلا ذريعا في المسجد وفي فجاج مكة، وقتل أمير مكة ابن محارب، وقلع باب الكعبة-قيل: إن الذين قتلوا في المسجد الحرام ألف وسبع مائة نسمة، وقيل: ثلاثة آلاف، وقيل: إن الذين قتلوا بفجاج مكة وظاهرها ثلاثون ألفا، وسبي من النساء والصبيان نحو ذلك-وأقام بمكة ستة أيام، ولم يحج أحد، وصعد على باب البيت وصاح: [من الرمل]
أنا بالله وبالله أنا ... يخلق الخلق وأفنيهم أنا
وقلع باب الكعبة، واقتلع الحجر الأسود، ونقله إلى هجر، ولم يرد إلا في سنة تسع وثلاثين وثلاث مائة كما سيأتي (٢)، وسلب كسوة البيت، وطرح الميتة في بئر زمزم، وصعد رجل يأخذ الميزاب، فتردى ومات.
وقال محمود الأصبهاني: دخل القرمطي مكة وهو سكران، فصفر لفرسه، فبال عند البيت، وقتل جماعة، ثم ضرب الحجر الأسود بدبوس، فكسر منه ثم قلعه، وبقي الحجر
стр. 1258
الأسود بهجر نيفا وعشرين سنة، ولما قلع الحجر .. قال شعرا يدل على عظيم زندقته حيث يقول: [من الطويل]
فلو كان هذا البيت لله ربنا ... لصب علينا النار من فوقنا صبا
لأنا حججنا حجة جاهلية ... محللة لم تبق شرقا ولا غربا
وإنا تركنا بين زمزم والصفا ... جنائز لا تبغي سوى ربها ربا
وشعر هذا الزنديق مشهور في التواريخ (١).
قال الشيخ اليافعي: (وكانت فتنة القرامطة قد عمت كثيرا من الآفاق من اليمن والشام والعراق، وكان من دعاتهم في اليمن الزنديق علي بن الفضل، ما زال يدعو إلى مذهبهم مظهرا مذهب الرفض، وفي قلبه الكفر المحض-وقد تقدم ذكره في التراجم (٢) -وكان ظهور مذهب القرامطة إحدى فتنتين عظيمتين، والفتنة الثانية: أن الشريف الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃ لما ملك صعدة ومخاليف صنعاء .. دعا الناس إلى التشيع عند استقراره في صنعاء، وهذه الفتنة أهون من الأولى، وكان أهل اليمن صنفين: إما مفتون بهم، وإما مخالف لهم متمسك بأحكام الشريعة) (٣).
وفيها: قتل بمكة الإمام أحمد بن الحسين شيخ الحنفية ببغداد.
وفيها: توفي المنجم المشهور الحاسب محمد بن جابر الرقي البتاني، ونصر بن أحمد الخبزأرزّي، والبغوي، وعلاّن المصري، ومحمد بن زبّان.
***
السنة الثامنة عشرة بعد الثلاث مائة
فيها: قبض على ابن مقلة، وأحرقت داره، وولي الوزارة سليمان بن الحسن (٤).
وفيها: مات نجح الطولوني بفارس، فقلد أبو طاهر محمد بن عبد الصمد الحرب بها وبكرمان.
стр. 1259
وفيها: قلّد أبو القاسم بن الحسن بن مخلد، وأمر علي بن عيسى بالإشراف على سائر الأعمال (١).
وفيها: توفي الحافظ الحجة محمد بن يحيى بن صاعد البغدادي مولى بني هاشم، والحافظ عبد الله بن محمد بن مسلم الأسفراييني المصنف، والحافظ أبو عروبة الحسن بن أبي معشر محمد بن مودود السلمي الحراني محدث حران، وهو في عشر المائة.
وفيها-أو في التي قبلها-: توفي الحسن بن علي بن عوف بن العلاف النهرواني الشاعر المشهور، وابن نيروز الأنماطي.
***
السنة التاسعة عشرة بعد الثلاث مائة
فيها: قلد ياقوت أعمال الحرب والمعادن بفارس وكرمان، وكريب بن عبد الصمد بالانضمام إليه، وقلد المظفر بن ياقوت أعمال الحرب بأصفهان، وقلد محمد وإبراهيم ابنا رائق الحسبة مكان ياقوت (٢).
وفيها: هزم مرداويج هارون بن غريب الخال بنواحي همذان، وملك الجبل بأسره إلى حلوان (٣).
وفيها: قبض على الوزير سليمان بن الحسن، وولي الوزارة أبو القاسم الكلواذي، ثم صرف عنها الحسين بن القاسم بن عبد الله على كثرة المعارضين فيها، وعمل مناصبا وحيلا، ووضع ملحمة صنفها رجل يعرف بالدانيالي، ذكر فيها صورته وحليته وأن الشخص إذا وزر للثامن عشر من خلفاء بني العباس .. صلحت الأمور على يديه، فكان هذا من أعظم الأسباب في وزارته، وشرط ألا يكون لعلي بن عيسى معه إشراف ولا مداخلة، فلما ولي ..
شرع في إدخال فساد أمر مؤنس، وقبض ضياعه، وزاد المقتدر في إكرام الحسين بن القاسم، ولقبه: عميد الدولة، وكتب اسمه على السكة، واستوحش مؤنس من المقتدر، وجعل يتعنت على المقتدر، ويتحكم عليه في إبعاد ناس وتقريب غيرهم، ثم خرج في ثمان مائة من أصحابه إلى الموصل، فحارب جيش الموصل-وكانوا ثلاثين ألفا-فهزمهم، وملك
стр. 1260
الموصل في سنة عشرين، وفيها-أعني سنة عشرين-لم يحج أحد (١).
وفيها: أخذ الديلمي الدينور، ففتك بأهلها، ووصل المنهزمون إلى بغداد، فرفعوا المصاحف على القصب، واستغاثوا، وسبّوا المقتدر، وغلقت الأسواق، وخافوا من هجوم القرامطة (٢).
وفيها: قبض المقتدر على وزيره الحسين بن القاسم بن عبد الله، وولي الوزارة أبو الفتح الفضل بن جعفر بن محمد بن الفرات (٣).
وفيها: توفي الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن القرشي محدث دمشق، وأبو القاسم الكعبي البلخي شيخ المعتزلة، والسيد الجليل محمد بن الفضل البلخي الواعظ، قيل: مات في مجلسه مرة أربعة أنفس (٤).
وفيها-أو في التي قبلها-: توفي أبو عبد الله الزبير بن أحمد، الفقيه الشافعي، المعروف بالزبيري، نسبة إلى الزبير بن العوام.
وفيها: أبو الجهم المشغراني، ومحمد بن فطيس الأندلسي، والمؤمل بن الحسن الماسرجسي.
***
السنة الموفية عشرين بعد الثلاث مائة
فيها: انحدر مؤنس بالعساكر من الموصل إلى بغداد بعد أن حارب بني حمدان وكسرهم، وهرب داود بن حمدان، فنزل مؤنس بالشماسية، فأشار الأمراء على المقتدر بالإنفاق على العساكر، فعزم على التوجه إلى واسط؛ ليستنجد منها ومن البصرة والأهواز، ويستعد لحرب مؤنس، فقلبه محمد بن ياقوت عن هذا الرأي وقال له: اتق الله، ولا تسلم بغداد بلا حرب، وإن خرجت بنفسك إلى مؤنس .. أحجم رجال مؤنس عن مقاتلتك ومقاومتك، فقال له المقتدر: أنت رسول إبليس، وأشار هارون بن غريب على المقتدر
стр. 1261
بمثل ما أشار به محمد بن ياقوت، فغلبا المقتدر على رأيه، فخرج من بغداد إلى الشماسية فقتل بها، وكان مؤنس بالراشدية لم يحضر الحرب، فلما حمل إليه رأس المقتدر .. قال:
قتلتموه، والله؛ لنقتلن كلنا، وأقل ما يكون: أن نظهر أنه جرى بغير أمرنا، وتنصبوا مكانه ابنه أبا العباس؛ فإنه تربيتي، فعارض هذا الرأي إسحاق بن إسماعيل النوبختي وقال: بعد الكد استرحنا من خليفة له أم وخالة وخدم يدبرونه، والله؛ لا نرضى إلا برجل كامل، فعقدوا الخلافة لأخي المقتدر أبي منصور محمد بن المعتضد، ولقبوه: القاهر بالله، فكان في ذلك حين النوبختي وهلاكه، فقتله القاهر لما ولي (١).
وفيها: توفي الحافظ محدث الشام أبو الحسن محمد بن عمير المعروف بابن جوصا.
وفيها-أو قبلها، أو بعدها-: توفي القاضي الحافظ محمد بن يحيى العدني، قاضي عدن، ونزيل مكة.
وفيها: توفي الحافظ أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الفربري صاحب البخاري، وقاضي القضاة محمد بن يوسف الأزدي مولاهم، والإمام الكبير أبو علي بن خيران، وعبد الله بن عتاب الزّفتي.
والله أعلم (٢)
***
стр. 1262
العشرون الثانية من المائة الرابعة
[الاعلام]
١٤٨١ - [الإمام أبو جعفر الطحاوي] (١)
أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزدي أبو جعفر الطحاوي-نسبة إلى طحا، قرية بالصعيد-المقرئ.
تفقه بخاله إسماعيل المزني تلميذ الشافعي تفقها جيدا، ثم سأله المزني يوما عن مسألة، فتوقف في الجواب، فوبخه خاله وقال له: والله؛ لا أفلحت، فأنف من ذلك وانتقل إلى مذهب الحنفية، فأخذ عن أبي جعفر بن أبي عمران الحنفي، ولازمه إلى أن صار فقيها بارعا، وإليه انتهت رئاسة الحنفية بمصر، وصنف بها كتبا كثيرة في مذهبه، وكان يقرئ المذهبين معا، وعنه أخذ جماعة من الشافعية؛ فلذلك ذكرته معهم وإن كان قد اشتهر عنه الانتقال إلى الحنفية.
وله شعر جيد، ومنه ما يروى أنه كتب إليه أحدهم هذه الأبيات: [من الطويل]
أبا جعفر ماذا تقول فإنه ... إذا نابنا أمر عليك نعوّل
ولا تنكرن قولي وأبشر برحمة ... من الله في الأمر الذي عنه نسأل
أفي الحب عار أم ترى العار تركه ... وهل من لحى أهل الصبابة يجهل
وهل ذا مباح فيه قتل متيم ... وأحبابه عنه تصد وتقتل
فرأيك في رد الجواب فإنه ... بما فيه تقضي أيها الشيخ نفعل
فكتب إليه أبو جعفر أبياتا على ظهر الرقعة على الوزن والروي قال فيها:
سأقضي قضاء في الذي عنه تسأل ... وأحكم بين العاشقين وأعدل
فديتك ما في الحب عار على الفتى ... ولا العار ترك الحب إن كنت تعقل
стр. 1263
ومهما لحى في الحب لاح فإنه ... لعمرك عندي من ذوي الجهل أجهل
ولكنه إن مات في الحب لم يكن ... له قود عندي ولا منه يعقل
ووصلك من تهوى وتعشق واجب ... عليك كذا حكم المتيم يفعل
فهذا جواب فيه عندي مقنع ... لما جئت عنه أيها الشيخ تسأل
انتهت
ويحكى أن أبا جعفر الطحاوي لما حقق المذهب الحنفي .. قال: رحم الله أبا إبراهيم -يعني خاله المزني-لو عاش إلى اليوم .. لكفر عن يمينه، يعني قوله: والله؛ لا أفلحت.
والظاهر أنه لا تجب الكفارة على المزني؛ لأنه يعتقد تخطئته في انتقاله إلى المذهب الحنفي.
وتوفي الطحاوي المذكور سنة إحدى وعشرين وثلاث مائة.
١٤٨٢ - [أبو هاشم الجبائي] (١)
أبو هاشم الجبّائي-بضم الجيم، وتشديد الموحدة، نسبة إلى جبّا، قرية من قرى البصرة، وقيل: كورة (٢) وبلدة ذات قرى-شيخ المعتزلة، وابن شيخهم.
كان له ولد عامي لا يعرف شيئا، فدخل يوما على الصاحب بن عباد، فظنه عالما، فأكرمه ورفع مرتبته، ثم سأله عن مسألة فقال: لا أدري نصف العلم، فقال الصاحب:
صدقت يا ولدي؛ لأن أباك تقدم بالنصف الآخر.
توفي أبو هاشم المذكور سنة إحدى وعشرين وثلاث مائة.
١٤٨٣ - [ابن دريد] (٣)
أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد-تصغير أدرد-الإمام العلامة اللغوي، صاحب
стр. 1264
«المقصورة» المشهورة التي مدح بها ابني ميكائيل، وكانا يومئذ على عمالة فارس، فأجازاه بعشرة آلاف درهم، وصنف لهما أيضا كتاب «الجمهرة» وهو من الكتب المعتبرة في اللغة، فقلداه ديوان فارس، فكانت تصدر كتب فارس عن رأيه، ولا ينفذ أمر إلا بعد توقيعه، فأفاد منها أموالا عظيمة، وكان سخيا كريما لا يمسك درهما.
ومن مليح شعره قوله: [من الكامل]
غراء لو جلت الخدور شعاعها ... للشمس عند طلوعها لم تشرق
غصن على دعص (١) ... تأوّد فوقه
قمر تألّق تحت ليل مطبق
لو قيل للحسن احتكم لم يعدها ... أو قيل خاطب غيرها لم ينطق
فكأننا من فرعها في مغرب ... وكأننا من وجهها في مشرق
تبدو فيهتف بالعيون ضياؤها ... الويل حل بمقلة لم تطبق
أخذ عن أبي حاتم السجستاني، والرياشي، وعبد الرحمن بن عبد الله المعروف بابن أخي الأصمعي، وأبي عثمان سعيد بن هارون وغيرهم، وتنقل في البلدان.
ولما عزل ابنا ميكائيل عن فارس، وانفصلا إلى خراسان .. انتقل ابن دريد من فارس إلى بغداد، فأجرى له المقتدر كل شهر خمسين دينارا، واستمر ذلك إلى وفاته.
وكان واسع الرواية.
عرض له في رأس التسعين من عمره فالج، سقي له الترياق فبرئ، ثم عاوده، فبطلت حركته، وكان إذا دخل عليه الداخل وهو بعيد منه .. صاح وتألم، قال تلميذه ابن القالي:
فكنت أقول في نفسي: عاقبه الله تعالى بقوله في «مقصورته»: [من الرجز]
مارست من لو هوت الأفلاك من ... جوانب الجوّ عليه ما شكا
وكان مع ذلك ثابت الذهن، كامل العقل، يرد فيما يسأل عنه ردا صحيحا، وعاش بعد ذلك عامين، وكان كثيرا ما يتمثل: [من الطويل]
فوا حزني أن لا حياة لذيذة ... ولا عمل يرضى به الله صالح
توفي سنة إحدى وعشرين وثلاث مائة في اليوم الذي توفي فيه أبو هاشم الجبائي المعتزلي، فقال الناس: دفن علم اللغة والكلام.
стр. 1265
ورثاه بعضهم فقال: [من البسيط]
فقدت بابن دريد كل فائدة ... لما غدا ثالث الأحجار والترب
وكنت أبكي لفقد الجود منفردا ... فصرت أبكي لفقد الجود والأدب
مذكور في الأصل.
١٤٨٤ - [مؤنس الخادم] (١)
مؤنس الخادم الملقب بالمظفر، كان من مماليك المعتضد، كان أميرا معظما، شجاعا منصورا، عاش تسعين سنة، منها ستين سنة أميرا مطاعا ينفذ أمره فيما ينفذ فيه أمر الخلفاء.
قالوا: ولم يبلغ أحد من الخدام منزلته في ولايات الدنيا ورفعتها إلا كافور الإخشيدي صاحب مصر، وستأتي ترجمته إن شاء الله تعالى (٢).
قتل مؤنس في سنة إحدى وعشرين وثلاث مائة، احتال عليه القاهر حتى صار بين يديه، ثم قتله.
١٤٨٥ - [الأعمشي] (٣)
أحمد بن حمدون بن أحمد بن عمارة بن رستم الأعمشي أبو حامد-ويلقب: أبا تراب- النيسابوري، وأبوه حمدون القصار، أحد الزهاد الكبار، حدث ولده أحمد المذكور عن محمد بن رافع، وعلي بن خشرم.
روى عنه أبو علي الحافظ، وأبو أحمد الحاكم وغيرهما.
اعتنى بجمع حديث الأعمش وحفظه، وكان يسرده ترجمة ترجمة من لفظه، فلهذا عرف بالأعمشي، وكان من الحفاظ الموثوقين.
توفي سنة إحدى وعشرين وثلاث مائة.