بمثل ما أشار به محمد بن ياقوت، فغلبا المقتدر على رأيه، فخرج من بغداد إلى الشماسية فقتل بها، وكان مؤنس بالراشدية لم يحضر الحرب، فلما حمل إليه رأس المقتدر .. قال:
قتلتموه، والله؛ لنقتلن كلنا، وأقل ما يكون: أن نظهر أنه جرى بغير أمرنا، وتنصبوا مكانه ابنه أبا العباس؛ فإنه تربيتي، فعارض هذا الرأي إسحاق بن إسماعيل النوبختي وقال: بعد الكد استرحنا من خليفة له أم وخالة وخدم يدبرونه، والله؛ لا نرضى إلا برجل كامل، فعقدوا الخلافة لأخي المقتدر أبي منصور محمد بن المعتضد، ولقبوه: القاهر بالله، فكان في ذلك حين النوبختي وهلاكه، فقتله القاهر لما ولي (١).
وفيها: توفي الحافظ محدث الشام أبو الحسن محمد بن عمير المعروف بابن جوصا.
وفيها-أو قبلها، أو بعدها-: توفي القاضي الحافظ محمد بن يحيى العدني، قاضي عدن، ونزيل مكة.
وفيها: توفي الحافظ أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الفربري صاحب البخاري، وقاضي القضاة محمد بن يوسف الأزدي مولاهم، والإمام الكبير أبو علي بن خيران، وعبد الله بن عتاب الزّفتي.
والله أعلم (٢)
***
стр. 1262
العشرون الثانية من المائة الرابعة
[الاعلام]
١٤٨١ - [الإمام أبو جعفر الطحاوي] (١)
أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزدي أبو جعفر الطحاوي-نسبة إلى طحا، قرية بالصعيد-المقرئ.
تفقه بخاله إسماعيل المزني تلميذ الشافعي تفقها جيدا، ثم سأله المزني يوما عن مسألة، فتوقف في الجواب، فوبخه خاله وقال له: والله؛ لا أفلحت، فأنف من ذلك وانتقل إلى مذهب الحنفية، فأخذ عن أبي جعفر بن أبي عمران الحنفي، ولازمه إلى أن صار فقيها بارعا، وإليه انتهت رئاسة الحنفية بمصر، وصنف بها كتبا كثيرة في مذهبه، وكان يقرئ المذهبين معا، وعنه أخذ جماعة من الشافعية؛ فلذلك ذكرته معهم وإن كان قد اشتهر عنه الانتقال إلى الحنفية.
وله شعر جيد، ومنه ما يروى أنه كتب إليه أحدهم هذه الأبيات: [من الطويل]
أبا جعفر ماذا تقول فإنه ... إذا نابنا أمر عليك نعوّل
ولا تنكرن قولي وأبشر برحمة ... من الله في الأمر الذي عنه نسأل
أفي الحب عار أم ترى العار تركه ... وهل من لحى أهل الصبابة يجهل
وهل ذا مباح فيه قتل متيم ... وأحبابه عنه تصد وتقتل
فرأيك في رد الجواب فإنه ... بما فيه تقضي أيها الشيخ نفعل
فكتب إليه أبو جعفر أبياتا على ظهر الرقعة على الوزن والروي قال فيها:
سأقضي قضاء في الذي عنه تسأل ... وأحكم بين العاشقين وأعدل
فديتك ما في الحب عار على الفتى ... ولا العار ترك الحب إن كنت تعقل
стр. 1263
ومهما لحى في الحب لاح فإنه ... لعمرك عندي من ذوي الجهل أجهل
ولكنه إن مات في الحب لم يكن ... له قود عندي ولا منه يعقل
ووصلك من تهوى وتعشق واجب ... عليك كذا حكم المتيم يفعل
فهذا جواب فيه عندي مقنع ... لما جئت عنه أيها الشيخ تسأل
انتهت
ويحكى أن أبا جعفر الطحاوي لما حقق المذهب الحنفي .. قال: رحم الله أبا إبراهيم -يعني خاله المزني-لو عاش إلى اليوم .. لكفر عن يمينه، يعني قوله: والله؛ لا أفلحت.
والظاهر أنه لا تجب الكفارة على المزني؛ لأنه يعتقد تخطئته في انتقاله إلى المذهب الحنفي.
وتوفي الطحاوي المذكور سنة إحدى وعشرين وثلاث مائة.
١٤٨٢ - [أبو هاشم الجبائي] (١)
أبو هاشم الجبّائي-بضم الجيم، وتشديد الموحدة، نسبة إلى جبّا، قرية من قرى البصرة، وقيل: كورة (٢) وبلدة ذات قرى-شيخ المعتزلة، وابن شيخهم.
كان له ولد عامي لا يعرف شيئا، فدخل يوما على الصاحب بن عباد، فظنه عالما، فأكرمه ورفع مرتبته، ثم سأله عن مسألة فقال: لا أدري نصف العلم، فقال الصاحب:
صدقت يا ولدي؛ لأن أباك تقدم بالنصف الآخر.
توفي أبو هاشم المذكور سنة إحدى وعشرين وثلاث مائة.
١٤٨٣ - [ابن دريد] (٣)
أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد-تصغير أدرد-الإمام العلامة اللغوي، صاحب
стр. 1264
«المقصورة» المشهورة التي مدح بها ابني ميكائيل، وكانا يومئذ على عمالة فارس، فأجازاه بعشرة آلاف درهم، وصنف لهما أيضا كتاب «الجمهرة» وهو من الكتب المعتبرة في اللغة، فقلداه ديوان فارس، فكانت تصدر كتب فارس عن رأيه، ولا ينفذ أمر إلا بعد توقيعه، فأفاد منها أموالا عظيمة، وكان سخيا كريما لا يمسك درهما.
ومن مليح شعره قوله: [من الكامل]
غراء لو جلت الخدور شعاعها ... للشمس عند طلوعها لم تشرق
غصن على دعص (١) ... تأوّد فوقه
قمر تألّق تحت ليل مطبق
لو قيل للحسن احتكم لم يعدها ... أو قيل خاطب غيرها لم ينطق
فكأننا من فرعها في مغرب ... وكأننا من وجهها في مشرق
تبدو فيهتف بالعيون ضياؤها ... الويل حل بمقلة لم تطبق
أخذ عن أبي حاتم السجستاني، والرياشي، وعبد الرحمن بن عبد الله المعروف بابن أخي الأصمعي، وأبي عثمان سعيد بن هارون وغيرهم، وتنقل في البلدان.
ولما عزل ابنا ميكائيل عن فارس، وانفصلا إلى خراسان .. انتقل ابن دريد من فارس إلى بغداد، فأجرى له المقتدر كل شهر خمسين دينارا، واستمر ذلك إلى وفاته.
وكان واسع الرواية.
عرض له في رأس التسعين من عمره فالج، سقي له الترياق فبرئ، ثم عاوده، فبطلت حركته، وكان إذا دخل عليه الداخل وهو بعيد منه .. صاح وتألم، قال تلميذه ابن القالي:
فكنت أقول في نفسي: عاقبه الله تعالى بقوله في «مقصورته»: [من الرجز]
مارست من لو هوت الأفلاك من ... جوانب الجوّ عليه ما شكا
وكان مع ذلك ثابت الذهن، كامل العقل، يرد فيما يسأل عنه ردا صحيحا، وعاش بعد ذلك عامين، وكان كثيرا ما يتمثل: [من الطويل]
فوا حزني أن لا حياة لذيذة ... ولا عمل يرضى به الله صالح
توفي سنة إحدى وعشرين وثلاث مائة في اليوم الذي توفي فيه أبو هاشم الجبائي المعتزلي، فقال الناس: دفن علم اللغة والكلام.
стр. 1265
ورثاه بعضهم فقال: [من البسيط]
فقدت بابن دريد كل فائدة ... لما غدا ثالث الأحجار والترب
وكنت أبكي لفقد الجود منفردا ... فصرت أبكي لفقد الجود والأدب
مذكور في الأصل.
١٤٨٤ - [مؤنس الخادم] (١)
مؤنس الخادم الملقب بالمظفر، كان من مماليك المعتضد، كان أميرا معظما، شجاعا منصورا، عاش تسعين سنة، منها ستين سنة أميرا مطاعا ينفذ أمره فيما ينفذ فيه أمر الخلفاء.
قالوا: ولم يبلغ أحد من الخدام منزلته في ولايات الدنيا ورفعتها إلا كافور الإخشيدي صاحب مصر، وستأتي ترجمته إن شاء الله تعالى (٢).
قتل مؤنس في سنة إحدى وعشرين وثلاث مائة، احتال عليه القاهر حتى صار بين يديه، ثم قتله.
١٤٨٥ - [الأعمشي] (٣)
أحمد بن حمدون بن أحمد بن عمارة بن رستم الأعمشي أبو حامد-ويلقب: أبا تراب- النيسابوري، وأبوه حمدون القصار، أحد الزهاد الكبار، حدث ولده أحمد المذكور عن محمد بن رافع، وعلي بن خشرم.
روى عنه أبو علي الحافظ، وأبو أحمد الحاكم وغيرهما.
اعتنى بجمع حديث الأعمش وحفظه، وكان يسرده ترجمة ترجمة من لفظه، فلهذا عرف بالأعمشي، وكان من الحفاظ الموثوقين.
توفي سنة إحدى وعشرين وثلاث مائة.
стр. 1266
١٤٨٦ - [مكحول البيروتي] (١)
محمد بن عبد الله بن عبد السلام بن أبي أيوب البيروتي المعروف بمكحول.
حدث عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وسليمان بن سيف وغيرهما، وعنه ابن المقرئ، وأبو أحمد الحاكم وغيرهما من الحفاظ الثقات.
توفي سنة إحدى وعشرين وثلاث مائة.
١٤٨٧ - [الحافظ ابن الجبّاب] (٢)
أحمد بن خالد بن يزيد القرطبي أبو عمر ابن الجبّاب الأندلسي.
حدث عن بقي بن مخلد بالمغرب، وإسحاق الدبري باليمن، وعنه ابنه محمد في آخرين.
كان حافظا علامة، شيخ الأندلس.
قال القاضي عياض: كان إماما في وقته في مذهب مالك، وفي الحديث لا ينازع.
ومن مصنفاته كتاب «الإيمان» وكتاب «الصلاة» وكتاب «قصص الأنبياء».
توفي سنة اثنتين وعشرين وثلاث مائة.
١٤٨٨ - [خير النساج] (٣)
أبو الحسن خير النسّاج البغدادي، الولي الشهير الكبير.
كانت له حلقة يتكلم فيها، وعمر دهرا.
стр. 1267
قيل: إنه لقي سريّا السقطي، وله أحوال كثيرة، وكرامات شهيرة.
توفي سنة اثنتين وعشرين وثلاث مائة.
١٤٨٩ - [أبو بكر الكتاني] (١)
أبو بكر محمد بن علي الكتاني، شيخ الصوفية، نزيل مكة.
أخذ عن أبي سعيد الخرّاز وغيره، وهو مشهور.
توفي سنة اثنتين وعشرين وثلاث مائة.
١٤٩٠ - [أبو علي الروذباري] (٢)
أبو علي الروذباري (٣)، الشيخ الكبير، العارف بالله الشهير، نزيل مصر وشيخها في زمانه.
صحب الجنيد وجماعة، وكان إماما محققا.
روي عنه أنه قال: أستاذي في التصوف الجنيد، وفي الحديث إبراهيم الحربي، وفي الفقه ابن سريج، وفي الأدب ثعلب، وناهيك بفضائل هؤلاء الأربعة المذكورين.
توفي سنة اثنتين وعشرين وثلاث مائة.
١٤٩١ - [الإمام العقيلي] (٤)
محمد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلي أبو جعفر المكي.
حدث عن محمد بن موسى البلخي، وإسحاق الدبري، ومحمد بن خزيمة بن راشد وغيرهم.
стр. 1268
وعنه محمد بن نافع الخزاعي، وابن المقرئ وغيرهم.
وكان حافظا ثقة، عالما بالحديث، مقدما في حفظ الآثار، امتحن بزيادة ونقصان في أحاديث فرد كل شيء منها إلى أصله كما كان.
ومن مصنفاته كتاب في الضعفاء، وفوائده كثيرة.
توفي سنة اثنتين وعشرين وثلاث مائة.
١٤٩٢ - [الشلمغاني] (١)
محمد بن علي الشلمغاني، نسبة إلى شلمغان-بمعجمتين بينهما لام ساكنة، ثم ميم مفتوحة، وبعد الألف نون-من أعمال واسط.
كان قد أظهر الرفض، ثم قال بالتناسخ والحلول، ومخرق (٢) على الجهال، وضل به طائفة.
وأظهر شأنه الحسين بن روح زعيم الرافضة، فلما طلب .. هرب إلى الموصل، وغاب سنين، ثم عاد وادعى الإلهية وأنه يحيي الموتى، وكثر أتباعه، فأحضره ابن مقلة عند الراضي، فسمع كلامه، فأنكر الإلهية وقال: إن لم تنزل العقوبة بعد ثلاث، وأكثره تسعة أيام، وإلا .. فدمي حلال.
وكان ممن اتبعه إبراهيم ابن أبي عون أحد رؤساء الكتاب، وكان ابن أبي عون فاضلا مشهورا، صاحب تصانيف أدبية، لكن أغواه الشيطان، فقبض عليه ابن مقلة، وكبس بيته، فوجد فيه رقاعا وكتبا فيما قيل عنه: يخاطبونه في الرقاع بما لا يخاطب به البشر، فأحضر، فأصر على الإنكار، فصفعه ابن عبدوس (٣)، وأما ابن أبي عون .. فإنه قال:
إلهي وسيدي ورازقي، فقال الراضي للشلمغاني: أنت زعمت أنك لا تدعي الربوبية، فما هذا؟ ! قال: وما علي من قول ابن أبي عون.
стр. 1269
ثم أحضروه غير مرة، وجرت لهم فصول، وأحضر الفقهاء والقضاة، فأفتى الأئمة بإباحة دمه، وأحرق، وضربت رقبة ابن أبي عون، ثم أحرق، وذلك في سنة اثنتين وعشرين وثلاث مائة.
١٤٩٣ - [عبيد الله المهدي] (١)
عبيد الله الملقب بالمهدي، والد الخلفاء العبيدية الباطنية ملوك مصر والمغرب.
زعم أنه من ولد جعفر الصادق، ونسبوه إلى الكذب في ذلك، وكان بسلميّة (٢) من بلاد الشام، فبعث دعاته إلى اليمن والمغرب، واستولى على مملكة المغرب، وامتدت دولته بضعا وعشرين سنة، وكان يظهر الرفض، ويبطن الزندقة.
قال أبو الحسن القابسي صاحب «الملخص»: الذي قتله عبيد الله وبنوه بعده أربعة آلاف رجل في دار النحر في العذاب ما بين عالم وعابد؛ ليردهم عن الترضي عن الصحابة، فاختاروا الموت، وفي ذلك يقول بعضهم في قصيدة: [من الكامل]
وأحل دار النحر في أغلاله ... من كان ذا تقوى وذا صلوات
توفي عبيد الله المذكور بالمهدية التي بناها في سنة اثنتين وعشرين وثلاث مائة.
١٤٩٤ - [أبو بشر أحمد بن محمد المروزي] (٣)
أبو بشر أحمد بن محمد بن عمرو بن مصعب بن بشر بن فضالة المروزي الكندي الفقيه.
حدث عن محمود بن آدم، وطبقته، وادعى السماع من علي بن خشرم وغيره ممن هو في درجته.
روى عنه أبو المظفر وأبو الشيخ الأزدي.
стр. 1270
وكان حافظا إماما في السنة والرد على المبتدعة، لكنه غير ثقة ولا مأمون، رمي بوضع الأحاديث على الثقات، وبقلب الأسانيد مع الكذب في ادعاء شيوخ، وسماع المرويات.
توفي سنة ثلاث وعشرين وثلاث مائة.
١٤٩٥ - [أبو محمد الشاوري] (١)
عبد الله بن العباس أبو محمد الشاوري، كان من أعيان الزمن، خصيصا بمنصور بن حسن القائم بدعوة العبيديين باليمن، وكان قد أرسله منصور إلى عبيد الله المهدي صاحب إفريقية، وأرسل معه بهدية حسنة، وصار عند المهدي بمكانة.
فلما أحس منصور بالموت .. جمع بين ابنه وبين عبد الله بن العباس المذكور وقال:
أوصيكما بهذا الأمر، فاحفظاه ولا تقطعا دعوة بني عبيد الله، فنحن غرس من غروسهم، ولولا ما دعونا إليه من طاعتهم .. ما بلغنا المراد، ولا تم لنا أمر، فعليكم بمكاتبة إمامنا عبيد الله المهدي، فلا تقطعا أمرا دون مشاورته.
فلما توفي منصور-كما تقدم في العشرين الأولى من هذه المائة (٢) -كتب وصيّه عبد الله بن العباس المذكور إلى عبيد الله المهدي-وكان المهدي مقيما بالمهدية-يخبره بوفاة منصور وترك أمر الدعوة مرجأ حتى ترد أوامره، وأعلم المهدي أنه يقوم بأمر الدعوة قياما مرضيا وافيا دون أولاد منصور، وبعث بالكتاب مع بعض أولاد منصور إلى المهدي، فلما وقف عليه المهدي-وكان قد عرف الشاوري معرفة تامة يوم قدومه عليه برسالة منصور، وأفهمه أنه مكمل للدعوة، وخشي المهدي عجز أولاد منصور عنها، وكان ابن منصور لم يعلم بما في الكتاب الذي كتبه الشاوري-كتب المهدي إلى الشاوري بالاستقلال، وعاد ولد منصور خائبا مضمرا للشر، فلما وصل جواب المهدي إلى الشاوري .. استقل الشاوري بالأمر، وجعل بنو منصور يواصلونه، وهو يكرمهم ويبجلهم، ولا يحجب أحدا منهم.
ثم إن ولد منصور الذي وصل بجواب المهدي دخل يوما على الشاوري، فلم يجد عنده أحدا، فقتله واستولى على البلاد، وجمع الرعايا من أنحاء بلده، وأشهدهم على نفسه
стр. 1271
بالرجوع عن مذهب الإسماعيلية إلى مذهب أهل السنة، وترك مذهب أبيه، فأعجب الناس ذلك، وأحبوه ودانوا له، فنهاه أخوه جعفر عن ذلك وقبح عليه، فلم يلتفت إليه، فخرج عنه مغضبا، وقصد المهدي إلى القيروان، فوجد المهدي قد توفي، وقام بعده ولده القائم، وكانت وفاة المهدي في سنة اثنتين وعشرين وثلاث مائة، ولم أقف على تاريخ قتل الشاوري، والظاهر أنه في سنة وفاة المهدي، أو التي قبلها، فأقام جعفر بن منصور بالقيروان عند القائم، ثم إن أخاه قتل أهل مذهب أبيه وشردهم حتى لم يبق منهم إلا من لا يعرف، فكانوا يكاتبون أولاد المهدي إلى القيروان.
ثم إن ابن منصور خرج من مسور إلى عين محرم، وكان هناك رجل من بني العرجاء سلاطين تلك الناحية قد كتب إليه يستدعيه لبعض الأمر، فاستخلف ابن منصور على مسور إبراهيم بن عبد الحميد الآتي ذكره-وهو جد بني المنتاب-وخرج ابن منصور، فلما صار بعين محرم .. وثب عليه ابن العرجاء فقتله.
١٤٩٦ - [الحافظ أبو نعيم الجرجاني] (١)
أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي بن زيد الأسترآباذيّ الجرجاني.
حدث عن علي بن حرب، وعمر بن شبّة، والربيع بن سليمان المرادي وغيرهم.
وعنه ابن صاعد مع تقدمه، والطبراني، وأبو بكر الجوزقي وغيرهم من الأئمة.
كان أحد أئمة المسلمين، والحفاظ لشرائع الدين، إماما حافظا فقيها نبيها متورعا.
له كتاب «الضعفاء» في عشرة أجزاء.
توفي سنة ثلاث وعشرين وثلاث مائة وعمره إحدى وثمانون سنة.
١٤٩٧ - [أبو طالب البغدادي] (٢)
أبو طالب أحمد بن نصر بن طالب البغدادي.
стр. 1272
حدث عن عباس الدوري، وإسحاق الدبري وغيرهما.
روى عنه الدارقطني، وابن المظفر وغيرهما.
وكان حافظا ثقة مأمونا، يتقن ما يرويه، وكان الدارقطني يعظمه.
توفي سنة ثلاث وعشرين وثلاث مائة.
١٤٩٨ - [نفطويه] (١)
أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان بن المغيرة بن حبيب بن المهلب الأزدي العتكي، المعروف بنفطويه، النحوي الأديب الواسطي، صاحب التصانيف في الأدب.
كان إماما ورعا فصيحا في الخطاب، ولا يكاد يخلو ذو فضل من أن يطعن فيه ويعاب، هجاه بعض الناس بهذين البيتين: [من السريع]
من سره ألاّ يرى فاسقا ... فليجتهد ألاّ يرى نفطويه
أحرقه الله بنصف اسمه ... وصيّر الباقي صراخا عليه
روى عن شعيب بن أيوب، وطبقته.
توفي سنة ثلاث وعشرين وثلاث مائة، وولد سنة خمسين ومائتين (٢).
١٤٩٩ - [ابن مجاهد المقرئ] (٣)
أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد، مفتي العراق ومقرئه.
توفي سنة أربع وعشرين وثلاث مائة. مذكور في الأصل.
стр. 1273
١٥٠٠ - [الحافظ أبو بكر النيسابوري] (١)
عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري، الفقيه الشافعي، الجامع بين الفقه والحديث والعبادة والزهد، صاحب التصانيف والرحلة الواسعة.
سمع محمد بن يحيى الذهلي، ويونس بن عبد الأعلى.
قال الحاكم: وكان من أحفظ الناس للفقهيات واختلاف الصحابة.
مكث أربعين سنة لا ينام الليل؛ يصلي الصبح بوضوء العشاء، وكان زاهدا، يفتي الناس.
توفي سنة أربع وعشرين وثلاث مائة. مذكور في الأصل.
١٥٠١ - [جحظة البرمكي] (٢)
أبو الحسن أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد البرمكي، المعروف بجحظة بفتح الجيم، وسكون الحاء المهملة، وفتح الظاء المعجمة، ثم هاء.
كان فاضلا، صاحب فنون وأخبار، ونجوم ونوادر.
كان من ظرفاء عصره، وله أشعار رائقة، منها قوله: [من الطويل]
أنا ابن أناس موّل الناس جودهم ... فأضحوا حديثا للنوال المشهّر
فلم يخل من إحسانهم لفظ مخبر ... ولم يخل من تقريظهم بطن دفتر
والتقريظ: مدح الإنسان وهو حي، والتأبين: مدحه ميتا، وقد جمع المرزباني أشعاره وأخباره.
وكان مشوه الخلقة، وإلى قبح صورته وحسن منادمته يشير ابن الرومي بقوله: [من الكامل]
يا رحمة لمنادميه تحمّلوا ... ألم العيون للذة الآذان
توفي سنة أربع وعشرين وثلاث مائة، وقيل: في سنة ست وعشرين.
стр. 1274
١٥٠٢ - [أبو حامد ابن الشرقي] (١)
أحمد بن محمد بن الحسن النيسابوري أبو حامد ابن الشرقي.
حدث عن الذهلي، وأبي حاتم الرازي، وأحمد بن الأزهر، وأمثالهم.
وعنه ابن عدي، وأبو أحمد العسال، وابن عقدة وغيرهم.
كان من الأئمة الحفاظ الثقات، حج مرات، وصنف «الصحيح»، وهو تلميذ مسلم بن الحجاج.
توفي سنة خمس وعشرين وثلاث مائة. مذكور في الأصل.
١٥٠٣ - [الدّغولي] (٢)
محمد بن عبد الرحمن بن محمد السرخسي أبو العباس الدغولي.
حدث عن الذهلي، ومحمد بن إسماعيل الأحمسي وغيرهما.
وعنه أبو علي الحافظ، وأبو بكر الجوزقي وغيرهما.
وكان إماما حافظا من الأثبات، صنف كتاب «الآداب».
وتوفي سنة خمس وعشرين وثلاث مائة.
١٥٠٤ - [عبد الرحمن بن أبي حاتم] (٣)
عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي الرازي، الإمام الحافظ، شيخ الإسلام وابن شيخه.
ارتحل به أبوه إلى الشام، فأدرك بذلك الأسانيد العالية.
стр. 1275
حدث عن أبي سعيد الأشج، وعلي بن المنذر الطريفي، وأحمد بن سنان القطان وغيرهم.
وعنه أبو الشيخ الأصبهاني، وأبو أحمد الحاكم، وعلي بن محمد القصار.
كان إماما حافظا جليل المقدار، ذا علم وصيانة وديانة وورع.
صنف «التفسير الكبير» أربى على تفسير ابن جرير، وله كتاب «الجرح والتعديل» وكتاب في اختلاف الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار.
قال أبو يعلى الخليلي: (أخذ علم أبيه وأبي زرعة، وكان بحرا في العلوم ومعرفة الرجال، زاهدا يعد من الأبدال) (١).
توفي سنة سبع وعشرين وثلاث مائة.
١٥٠٥ - [مبرمان النحوي] (٢)
محمد بن علي العسكري المعروف بمبرمان النحوي، أخذ عن المبرد، وشرح «كتاب سيبويه» ولم يتمه.
توفي سنة سبع وعشرين وثلاث مائة (٣).
١٥٠٦ - [أبو سعيد الإصطخري] (٤)
أبو سعيد الحسن بن أحمد الإصطخري، شيخ الشافعية بالعراق.
روى عن سعدان بن نصر، وطبقته، وولي حسبة بغداد، وقضاء سجستان، فأبطل معظم مناكحاتهم؛ إذ وجدها على غير اعتبار الولي.
وصنف التصانيف، وكان ورعا زاهدا قانعا، وهو من نظراء أبي العباس بن سريج، وأقران أبي علي بن أبي هريرة.
توفي سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة-مذكور في الأصل-وعمره نيف وثمانون سنة.
стр. 1276
١٥٠٧ - [أبو علي الثقفي] (١)
محمد بن عبد الوهاب النيسابوري أبو علي الثقفي، الفقيه الواعظ أحد الأئمة.
سمع في كبره من موسى بن نصر الرازي، وأحمد بن ملاعب، وطبقتهما، وهو من ذرية الحجاج بن يوسف الثقفي.
قال ابن سريج: ما جاءنا من خراسان أفقه منه.
وذكره السلمي في «طبقات الصوفية» (٢).
توفي سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة، وعمر أربعا وثمانين سنة، وكان له جنازة لم يعهد مثلها.
١٥٠٨ - [ابن شنبوذ المقرئ] (٣)
أبو الحسن محمد بن أحمد ابن شنبوذ المقرئ البغدادي، أحد أئمة الأداء، ومشاهير القراء.
كان فيه سلامة صدر، وحمق مع دين.
كان يقرأ في المحراب بالشواذ مثل قوله تعالى: (فامضوا إلى ذكر الله)، (ولتكن منكم فئة يدعون إلى الخير)، (وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا) وغير ذلك، فأنكر عليه، وبلغ فعله الوزير أبا علي بن مقلة، فاعتقله في داره ثلاثة وعشرين يوما (٤)، ثم حضر القاضي أبو الحسين عمر بن محمد، والمقرئ أبو بكر بن مجاهد، وجماعة من القراء وناظروا ابن شنبوذ بحضرة الوزير، فأغلظ في الحديث للوزير والقاضي وابن مجاهد،
стр. 1277
ونسبهم إلى قلة المعرفة، وأنهم ما سافروا في طلب العلم كما سافر، واستطال بالكلام على القاضي أبي الحسين المذكور، فأمر الوزير ابن مقلة بضربه، فضربه سبع درر، فدعا في حال ضربه على الوزير ابن مقلة بأن يقطع الله يده، ويشتت شمله، فكان الأمر كذلك، كما سيأتي في ترجمة ابن مقلة (١)، وأنكر ابن شنبوذ ما كان ينكر عليه من الحروف التي يقرأ بها فيما هو شنيع، وقال فيما سوى ذلك: قرأ به قوم، فاستتابوه، فيقال: إنه رجع عما كان يقرؤه، وإنه لا يقرأ إلا بما في المصحف العثماني، وكتب عليه الوزير محضرا بما قاله، وكتب بخطه ما يدل على توبته.
وتوفي سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة.
١٥٠٩ - [الكاتب ابن مقلة] (٢)
أبو علي محمد بن علي بن مقلة الكاتب المشهور، وكان له خط حسن، وهو أول من نقل الخط من الوضع الكوفي إلى هذا الوضع المعروف.
نعم؛ هذبه وزاده طراوة وحسنا ابن البواب كما سيأتي في ترجمته (٣).
كان ابن مقلة المذكور في أول أمره يتولى بعض أعمال فارس، ويجبي خراجها، وتنقلت به الأحوال إلى أن استوزره المقتدر عند قبضه على علي بن عيسى الوزير، وذلك في سنة ست عشرة وثلاث مائة، فبقي في الوزارة إلى سنة ثمان عشرة، ثم قبض عليه، وأحرق محمد بن ياقوت داره، ونفاه المقتدر إلى بلاد فارس بعد أن صادره.
ثم استوزره الإمام القاهر بالله، فأرسل إليه إلى فارس رسولا يجيء به، ورتب له نائبا، فوصل يوم الأضحى من سنة عشرين، ولم يزل وزيره إلى أن اتهمه بمعاضدة مؤنس وغيره على الفتك به، وبلغ ابن مقلة الخبر فاستتر، وذلك في سنة إحدى وعشرين.
ثم استوزره الراضي بالله في سنة اثنتين وعشرين، وفي وزارته هذه ضرب ابن شنبوذ المقرئ سبع درر على قراءته الشواذ في المحراب بعد أن ناظره القراء في ذلك، فدعا عليه ابن شنبوذ بقطع يده وتشتيت شمله، وكان المظفر بن ياقوت مستحوذا على أمور الراضي،
стр. 1278
وكان بينه وبين ابن مقلة وحشة، فقرر ابن ياقوت مع الغلمان أنه إذا جاء ابن مقلة .. قبضوا عليه، وأن الخليفة لا يخالفه في ذلك، فلما حصل ابن مقلة في دهليز دار الخلافة .. وثب عليه ابن ياقوت والغلمان فقبضوا عليه، وأرسلوا إلى الراضي يعرفونه صورة الحال، وعددوا له ذنوبا وأسبابا تقتضي ذلك، فرجع جوابه باستصواب فعلهم، ويرتبوا في الوزارة من اختاروه، فاتفق رأيهم على توزير عبد الرحمن بن عيسى بن داود الجراح، فقلده الراضي الوزارة، وسلم إليه ابن مقلة فضربه بالمقارع، وجرى عليه من المكاره بالتعليق وغيره من العقوبة شيء كثير، وأخذ خطه بألف ألف دينار، ثم خلص، وجلس بطالا في داره.
ثم إن ابن رائق استولى على الخلافة، وخرج عن طاعتها، فاستماله الراضي، وفوض إليه تدبير المملكة، وجعله أمير الأمراء، وأمر أن يخطب له على جميع المنابر، وقوي أمره، وعظم شأنه، وتصرف برأيه، فاحتاط على أملاك ابن مقلة وضياعه، وعلى أملاك ولده أبي الحسين، فأخذ ابن مقلة في السعي بابن رائق، وكتب إلى الراضي يشير عليه بإمساكه، وضمن له متى فعل ذلك، وقلده الوزارة .. استخرج له ثلاث مائة ألف ألف دينار، وكانت مكاتبته على يد ابن هارون المنجم النديم، فأطمعه الراضي بالإجابة إلى ما سأل، فلما استوثق ابن مقلة من الراضي .. ركب من داره وقد بقي من رمضان ليلة واحدة، واختار هذا الطالع؛ لأن القمر يكون تحت الشعاع، وهو يصلح للأمور المستورة، فلما وصل إلى دار الخلافة .. لم يمكن من الوصول إلى الراضي، ووجه إلى ابن رائق وأخبره بما جرى، وأنه احتال على ابن مقلة حتى حصّله في أسره، وقطع الراضي يد ابن مقلة وحبسه، وقطع ابن رائق لسان ابن مقلة في الحبس، فكان يستقي الماء في الحبس بيده اليسرى وفمه، وذلك في سنة ست وعشرين، وغالب ظني أنه لم يزل في الحبس إلى أن توفي سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة.
١٥١٠ - [أبو بكر بن الأنباري] (١)
محمد بن القاسم بن محمد بن بشار أبو بكر بن الأنباري النحوي.
حدث عن إسماعيل القاضي، والكديمي، وأبي العباس ثعلب وغيرهم.
стр. 1279
وعنه الدارقطني، وأبو عمر بن حيوة وغيرهما.
وكان إماما حافظا علامة، صنف في فنون العلم، وكان يحفظ مائة وعشرين تفسيرا للقرآن بالأسانيد، وكان إملاؤه من حفظه.
توفي سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة، والله أعلم.
١٥١١ - [الخليفة الراضي بالله] (١)
الخليفة الراضي بالله محمد بن المقتدر جعفر بن المعتضد أحمد بن الموفق طلحة بن المتوكل جعفر بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد.
ولد سنة سبع وتسعين ومائتين، ولما قبض الغلمان على عمه القاهر أبي منصور محمد بن المعتضد .. أخرجوا محمد بن المقتدر من الحبس، وسلموا عليه بالخلافة، وبايعوه لست خلون من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وثلاث مائة، فأمر بإحضار علي بن عيسى بن الجراح وأخيه عبد الرحمن، فلما وصلا إليه .. استشارهما، فأشاروا عليه بأن يعقد لواء لنفسه على الرسم، وأن يستدعي خاتم الخلافة، ففعل، وكان فصه حديد صيني عليه:
(الله) سطر، (محمد رسول الله) سطر، وأحضر القاضي أبا الحسين والشهود؛ ليشهدوا على خلع القاهر، قال أبو الحسين: لما دخلنا عليه .. قال: ألست تعرفني؟ قلت: بلى، قال: أنا أبو منصور محمد بن المعتضد بالله، بيعتي في عنقك وأعناق أهلي وسائر الأولياء، ولست أبرئكم ولا أحلكم بوجه ولا سبب، فقمنا، وكان معنا طريف اليشكري، فلمته وعاتبته كيف أدخلنا على شخص ما وطئ (٢) ولا أخذ خطه؟ ! فلما عدل بنا إلى علي بن عيسى وحدثناه .. قطب وجهه وقال: نخلعه ولا نفكر فيه؛ فإن أفعاله مشهورة، فلما أصبحنا .. قيل: إن القاهر سمل، وقيل: إن الراضي طوى سمله عن علي بن عيسى إلى أن فعله.
ومات ببغداد لأربع عشرة بقيت من ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلاث مائة، فمدة
стр. 1280
خلافته سبع سنين تعجز خمسين يوما، وعمره اثنتان وثلاثون سنة تقصر خمسين يوما، ثم بويع أخوه المتقي بالله إبراهيم بن المقتدر.
١٥١٢ - [ابن حمدويه] (١)
أبو نصر محمد بن حمدويه بن سهل المروزي ثم الغازي، نزيل بغداد.
حدث عن محمود بن آدم، وأبي الموجه محمد بن عمرو وغيرهما.
وعنه الدارقطني، وأبو عمر بن حيوة، ومحمد بن عبد الله بن جامع الدهان وغيرهم.
وكان حافظا ثقة نبيلا، من علماء هذا الشأن.
توفي سنة تسع وعشرين وثلاث مائة.
١٥١٣ - [البربهاري] (٢)
أبو محمد البربهاري، بالموحدة والراء المكررتين، رأس الحنابلة.
نودي في سنة ثلاث وعشرين وثلاث مائة ألاّ يجتمع اثنان من أصحابه، وحبس منهم جماعة، واختفى هو، ومات مستترا سنة تسع وعشرين وثلاث مائة.
١٥١٤ - [الإمام المحاملي] (٣)
الحسين بن إسماعيل بن محمد المحاملي.
حدث عن الفلاس، ويعقوب الدورقي، وابن المثنى، وطبقتهم، وعنه دعلج، والدارقطني، وابن جميع وغيرهم.
وهو حافظ مكثر، ثقة مأمون، كان عنده من أصحاب ابن عيينة سبعون، وكان يحضر مجلسه عشرة آلاف رجل ممن يكتبون.
توفي سنة ثلاثين وثلاث مائة.
стр. 1281
١٥١٥ - [محمد بن مخلد الدوري] (١)
محمد بن مخلد بن حفص الدوري العطار أبو عبد الله، مسند بغداد.
حدث عن أبي حذافة السهمي، والحسن بن عرفة، ومسلم وغيرهم.
وعنه أبو بكر الآجري، والدارقطني وغيرهما من الأئمة.
وكان ثقة حافظا عابدا مجتهدا.
توفي سنة إحدى وثلاثين وثلاث مائة، وله تصانيف.
١٥١٦ - [الحسن بن سعد الكتامي] (٢)
الحسن بن سعد بن إدريس الكتامي القرطبي الحافظ، أكثر السماع من بقي بن مخلد ببلدته، ثم سمع من علي بن عبد العزيز البغوي، وإسحاق الدبري وغيرهما.
طاف البلاد، فسمع وأسمع، واستفاد وأفاد، وكان من الحفاظ الفقهاء الصالحين، لكنه لم يكن بالضابط المتقن.
توفي سنة إحدى وثلاثين وثلاث مائة (٣).
١٥١٧ - [أبو بكر الفرغاني] (٤)
محمد بن إسماعيل الفرغاني الصوفي الشيخ العارف، كان من العابدين، وله بزة حسنة، ومعه مفتاح منقوش يصلي ويضعه بين يديه كأنه تاجر، وليس له بيت، بل ينطرح في المسجد، ويطوي أياما.
توفي سنة إحدى وثلاثين وثلاث مائة.
стр. 1282
١٥١٨ - [أبو الحسن الدينوري] (١)
أبو الحسن علي بن محمد بن سهل الدينوري الشيخ الكبير، كان صاحب أحوال ومواعظ.
ومن كلامه: من أيقن أنه لغيره .. فما له أن يبخل بنفسه.
توفي سنة إحدى وثلاثين وثلاث مائة.
١٥١٩ - [أبو العباس ابن عقدة] (٢)
أحمد بن محمد بن سعيد بن عبد الرحمن الهاشمي مولاهم الكوفي أبو العباس بن عقدة -وهو لقب أبيه-الحافظ الشيعي.
حدث عن الحسن بن علي بن عفان، ويحيى بن أبي طالب، وإسماعيل القاضي وغيرهم.
وعنه الطبراني، وابن عدي، وابن شاهين وغيرهم.
وكان أحد أركان الحديث، آية من آيات الله في الحفظ، حتى قال الدارقطني: أجمع أهل بغداد أنه لم ير بالكوفة من زمن ابن مسعود إلى زمن ابن عقدة أحفظ منه.
قال: وسمعته يقول: أنا أجيب في ثلاث مائة ألف حديث من حديث أهل البيت وبني هاشم.
وقال أبو سعيد الماليني: تحول ابن عقدة مرة، فكانت كتبه ست مائة حمل.
وكان شيعيا، اتهمه بعضهم بالكذب، وضعفه آخرون.
قال بعضهم: كان يملي علي مثالب الصحابة، فتركته.
توفي سنة اثنتين وثلاثين وثلاث مائة.
стр. 1283
١٥٢٠ - [ابن ولاد النحوي] (١)
أبو العباس أحمد بن محمد بن الوليد التميمي المصري، مصنف كتاب «الانتصار لسيبويه على المبرد».
وكان شيخ الديار المصرية في العربية مع أبي جعفر النحاس.
توفي سنة اثنتين وثلاثين وثلاث مائة.
١٥٢١ - [أبو بكر الطحان] (٢)
أحمد بن عمرو بن جابر الطحان أبو بكر الرملي.
حدث عن العباس بن الوليد البيروتي، ومحمد بن عوف الحمصي وغيرهما.
وعنه ابن المظفر، وابن المقرئ وغيرهما.
وكان حافظا مفيدا، محدث أهل فلسطين.
توفي سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مائة.
١٥٢٢ - [أبو العرب الإفريقي] (٣)
أبو العرب محمد بن أحمد بن تميم بن تمام التميمي الإفريقي.
سمع جماعة من أصحاب ابن سحنون، وسمع منه محمد بن أبي زيد، ومشايخه ينيفون على مائة وعشرين.
وكان إماما صالحا ثقة مأمونا، من أبصر أهل وقته بالسنن والرجال والآداب، ومن مصنفاته «التاريخ الكبير» و «مسند حديث مالك في السنن» و «طبقات علماء إفريقية» وكتاب «عبادها» وكتاب «المحن» وكتاب «مناقب بني تميم»، وله شعر جيد مستقيم.
توفي سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مائة.
стр. 1284
١٥٢٣ - [أبو بكر الإخشيذ] (١)
محمد بن طغج التركي الفرغاني، صاحب سرير الذهب، الملقب بالإخشيذ-بكسر الهمزة، وبالخاء والشين والذال المعجمات، وياء آخر الحروف بين الشين والذال-وهو لقب ملوك فرغانة، لقبه بذلك الراضي بالله، ودعى له على المنابر بهذا اللقب، واشتهر به، وصار كالعلم عليه، ومعناه في لسان الترك: ملك الملوك.
أصله من أولاد ملوك فرغانة، ولاه المقتدر دمشق، فسار إليها ولم يزل واليا بها إلى أن ولاه القاهر بالله مصر في شهر رمضان سنة إحدى وعشرين وثلاث مائة، ثم ضم إليه الراضي بالله الجزيرة والحرمين وغير ذلك من البلاد، ثم ضم إليه المتقي الشام والحجاز وغير ذلك مع ما تقدم.
وكان ملكا حازما، كثير التيقظ في حروبه ومصالح دولته، حسن التدبير، مكرما للجند، شديد القوى.
قيل: إن جيشه كان يحتوي على أربع مائة ألف رجل، وله ثمانية آلاف مملوك، يحرسه في كل ليلة ألفان منهم، ويوكل بجانب الخيمة الخدم إذا سافر، ثم لا يثق مع ذلك، حتى يمضي إلى خيم الفراشين ينام فيها، ولم يزل في مملكته إلى أن توفي يوم الجمعة لثمان بقين من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وثلاث مائة بدمشق، وحمل تابوته إلى بيت المقدس، ودفن به.
وكانت ولادته ببغداد سنة ثمان وستين ومائتين.
وهو أستاذ فاتك المجنون، وكافور الإخشيذي المشهور، وتوفي عن ابنين أبي القاسم وأبي الحسن، فقام فاتك المذكور بتربية ابني مخدومه أحسن قيام، وخلفه كافور، وأقام الجند بعد كافور أبا الفوارس أحمد بن علي بن الإخشيذ، وجعل خليفته في تدبير أموره الحسن بن عبيد الله، وهو ابن عم أبيه، وفيه يقول المتنبي (٢): [من الطويل]
إذا صلت لم أترك مصالا لفاتك ... وإن قلت لم أترك مقالا لعالم
стр. 1285
وإلا فخانتني القوافي وعاقني ... عن ابن عبيد الله ضعف العزائم
في قصيدة طويلة يقول فيها:
أرى دون ما بين الفرات وبرقة ... ضرابا يمشّي الخيل فوق الجماجم
وطعن غطاريف كأن أكفهم ... عرفن الردينيات قبل المعاصم
هم يحسنون الكر في حومة الوغى ... وأحسن منه كرّهم في المكارم
وهم يحسنون العفو عن كل مذنب ... ويحتملون الغرم عن كل غارم
حييون إلا أنهم في نزالهم ... أقل حياء من شفار الصّوارم
ولولا احتقار الأسد شبهتها بهم ... ولكنها معدودة في البهائم
وكان امتداحه له في ولايته الرملة.
وانقرضت الدولة الإخشيذية في سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة، ودخل إلى مصر رايات المغاربة الواصلين صحبة القائد جوهر، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى (١).
١٥٢٤ - [الوزير العدل علي بن عيسى] (٢)
علي بن عيسى بن داود بن الجراح البغدادي الكاتب الوزير العدل، وزر مرات للمقتدر، ثم للقاهر، وكان دينا خيرا عالما محدثا عالي الإسناد.
روى عن أحمد بن بديل، والحسن الزعفراني، وطائفة.
وروى عنه جماعة آخرهم ابنه عيسى في «أماليه».
قيل: كان في الوزراء كعمر بن عبد العزيز في الخلفاء.
قال القاضي أحمد بن كامل: سمعت الوزير علي بن عيسى يقول: كسبت سبع مائة ألف دينار، أخرجت منها في وجوه البر ست مائة ألف وثمانين ألف دينار.
يحكى: أن بعض المضطرين من أهل الخير المعولين رأى النبي ﷺ في وقت ضرورة وهو يقول: إذا أصبحت .. فاذهب إلى الوزير علي بن عيسى وقل له:
стр. 1286
بأمارة ما صلّى عند قبري كذا وكذا مرة .. يدفع إليك كذا وكذا، وعين شيئا كثيرا من الصلاة عليه ومن المال، فلما أصبح الرجل .. ذهب إلى الوزير ومعه المقرئ أبو بكر بن مجاهد المشهور، فقال الوزير لابن مجاهد: ما حاجتك يا أبا بكر؟ قال: يدني الوزير هذا الشيخ ويسمع كلامه، فسأل ذلك الشيخ عن قصته، فأعلمه بضرورته وما قال له النبي ﷺ ، فذرفت عينا الوزير وقال: صدق رسول الله ﷺ ، وصدقت أيها الشيخ، هذا شيء لم يكن اطلع عليه إلا الله ورسوله، ثم استدعى بالكيس، فعدّ له ألفا وقال: هذا ما أمر به رسول الله ﷺ ، ثم عد له ألفا أخرى وقال: هذا شكر ما ذكرت عن النبي ﷺ .
قال الشيخ اليافعي: (وأشك في ألف ثالث دفعه إليه بشارة) (١).
ركب علي بن عيسى الوزير يوما في موكبه، فصار الغرباء يقولون: من هذا، من هذا؟ ! فقالت امرأة: إلى كم تقولون: من هذا، من هذا؟ ! هذا عبد سقط من عين الله، فابتلاه الله بما ترون، فسمعها علي بن عيسى، فرجع إلى منزله، فاستعفى من الوزارة، وذهب إلى مكة وجاور بها، وتوفي سنة أربع وثلاثين وثلاث مائة.
١٥٢٥ - [القائم ابن المهدي] (٢)
القائم بأمر الله أبو القاسم محمد بن المهدي عبيد الله، الداعي الباطني، صاحب المغرب، سار مرتين إلى مصر؛ ليتملكها، فما قدر له إلا دخول الإسكندرية في المرتين معا، وفي الثالثة جاء بعسكر عظيم وبلغ الجيزة، فوردت الأخبار بذلك إلى بغداد، فجهز المقتدر مؤنسا الخادم لمحاربته بالرجال والأموال، فجد في السير، والتقيا بمصر، وجرت بينهما حروب لا توصف، ووقع في عسكر القائم الوباء والغلاء، فمات الناس والخيل، فرجع إلى إفريقية ومعه عسكر مصر، وكان وصوله إلى المهدية في رجب سنة سبع وثلاث مائة، وفي أيامه خرج أبو يزيد مخلد بن كيداد الخارجي، وجرت له أمور يطول شرحها.
ومات القائم بالمهدية في سنة أربع وثلاثين وثلاث مائة.
стр. 1287
١٥٢٦ - [أبو بكر الشبلي] (١)
أبو بكر الشبلي، الشيخ الكبير، العارف بالله الشهير، واسمه: دلف بن جحدر.
اشتغل أول أمره بالفقه، وبرع في مذهب مالك، ثم سلك وصحب الجنيد وغيره من مشايخ عصره.
وكان نسيج وحده حالا وظرفا وعلما.
سأله بعض الفقهاء عن مسألة في الحيض امتحانا، فذكر له فيها ثمانية عشر قولا للعلماء، ولم يكن عند ذلك الفقيه من الأقوال سوى ثلاثة.
قيل: تاب في ابتداء أمره في مجلس خير النساج.
ومجاهداته في أول أمره فوق الحد، وكان يبالغ في تعظيم الشرع، وإذا دخل رمضان ..
جد في الطاعات ويقول: هذا شهر عظمه الله ربي ، وأنا أولى بتعظيمه.
دخل يوما على شيخه الجنيد وامرأته عنده، فوقف بين يديه، وصفق بيديه وأنشد: [من الخفيف]
عودوني الوصال والوصل عذب ... ورموني بالصد والصد صعب
زعموا حين عاتبوا أن ذنبي ... فرط حبي لهم وما ذاك ذنب
لا وحق الخضوع عند التلاقي ... ما جزاء من يحب إلا يحبّ
فقال الجنيد: نعم يا أبا بكر، فأرادت امرأة الجنيد أن تستتر منه فقال لها الجنيد:
لا عليك، هو غائب لا يراك، ثم بكى بعد إنشاده، فقال الجنيد لامرأته: استتري عنه الآن، فقد حضر.
وقال بعضهم: دخلت على الشبلي يوما في داره وهو يصيح ويقول: [من الهزج]
على بعدك لا يصب ... ر من عادته القرب
ولا يقوى على هجر ... ك من تيمه الحب
стр. 1288
فإن لم ترك العين ... فقد يبصرك القلب
وقال الشبلي: رأيت معتوها عند جامع الرصافة يقول: أنا مجنون أنا مجنون، فقلت له: لم لم تصل؟ ! فأنشأ يقول: [من الطويل]
يقولون زرنا واقض واجب حقنا ... وقد أسقطت حالي حقوقهم عني
إذا هم رأوا حالي ولم يأنفوا لها ... ولم يأنفوا مني أنفت لهم مني
توفي سنة أربع وثلاثين وثلاث مائة.
١٥٢٧ - [أبو علي القشيري] (١)
محمد بن سعيد بن عبد الرحمن القشيري الحراني، نزيل الرقة، ومؤلف تاريخها.
حدث عن سليمان بن سيف، وهلال بن العلاء وغيرهما، وعنه ابن جميع، وأبو مسلم الكاتب وغيرهما.
وكان من الحفاظ المصنفين النبهاء. توفي سنة أربع وثلاثين وثلاث مائة.
١٥٢٨ - [ابن القاص الطبري] (٢)
أبو العباس أحمد بن القاص الطبري الشافعي، له مصنفات مشهورة، تفقه بأبي العباس بن سريج، وتوفي سنة خمس وثلاثين وثلاث مائة.
١٥٢٩ - [الصولي الشطرنجي] (٣)
محمد بن يحيى البغدادي الصولي، العلامة الأخباري الأديب، صاحب التصانيف، المعروف بالشطرنجي، لم يكن في عصره مثله في معرفة لعب الشطرنج، حتى صار يضرب
стр. 1289
به المثل فيقال لمن يبالغ في حسن لعبه بها: فلان يلعب الشطرنج مثل الصولي.
كان أحد الأدباء الفضلاء المشاهير.
روى عن أبي داود السجستاني، وأبي العباس ثعلب، والمبرد وغيرهم.
وروى عنه الحافظ أبو الحسن الدارقطني، والإمام أبو عبيد الله المرزباني وغيرهما.
وله رواية واسعة، ومحفوظات كثيرة، وكان أغلب فنونه أخبار الناس.
وكان حسن الاعتقاد، جميل الطريقة، مقبول القول، نادم المكتفي، ثم المقتدر، ثم الراضي.
قال المسعودي في «مروج الذهب»: (وقد ذكر أن الصولي في بدء دخوله على المكتفي لعب مع الماوردي بالشطرنج، وكان الماوردي متقدما عند المكتفي، متمكنا من قلبه، معجبا بلعبه، فلما لعبا جميعا بحضرته .. حمل المكتفي حسن رأيه في الماوردي وتقدم الحرمة والألفة على نصرته وتشجيعه حتى أدهش ذلك الصولي في أول وهلة، فلما اتصل اللعب بينهما، وجمع له الصولي همه وقصده وكليته .. غلبه غلبا لا يكاد يرد عليه شيئا، وتبين للمكتفي حسن لعب الصولي، فعدل عن هواه ونصرته للماوردي وقال له: عاد ماء وردك بولا) (١).
قال ابن خلكان: (وأخبار الصولي وما جرى له أكثر من أن تحصر، ومع فضائله وتفننه في العلوم وظرافته ما خلا من منتقص هجاه هجوا لطيفا، فإن أبا سعيد العقيلي-بضم العين المهملة، وفتح القاف-رأى له بيتا مملوءا كتبا قد صفها وجلودها مختلفة الألوان، وكان يقول: هذه سماعي، وإذا احتاج إلى معاودة شيء منها .. قال: يا غلام؛ هات الكتاب الفلاني، فقال أبو سعيد المذكور: [مجزوء الرمل]
إنما الصولي شيخ ... أعلم الناس خزانه
إن سألناه بعلم ... أو طلبناه إبانه
قال يا غلمان هاتوا ... رزمة العلم فلانه
توفي الصولي سنة خمس وثلاثين وثلاث مائة.
قال ابن خلكان: ورأيت خلقا كثيرا يعتقدون أن الصولي هذا هو الذي وضع الشطرنج،
стр. 1290
وهو غلط؛ فإن الذي وضعه صصّه-بتكرير الصاد المهملة، الأولى منهما مكسورة، والثانية مفتوحة مشددة، ثم هاء ساكنة في آخره-ابن داهر الهندي، وضعه للملك شيرام، بكسر الشين المعجمة، وسكون المثناة من تحت، وبالراء بعد الياء، والميم (١)، وذلك أن أردشير-بفتح الهمزة والدال المهملة بينهما راء ساكنة، وكسر الشين المعجمة، وسكون المثناة تحت، آخره راء-ابن بابك أول ملوك الفرس الأخيرة قد وضع النرد، ولذلك قيل له: النردشير، نسبة إلى واضعه المذكور، وجعله مثلا للدنيا وأهلها، فرتب الرقعة اثني عشر بيتا بعدد شهور السنة، وجعل القطع ثلاثين قطعة بعدد أيام كل شهر، وجعل الفصوص مثل القدر وتقلبه بأهل الدنيا، فافتخرت الفرس بوضع النرد، وكان ملك الهند يومئذ بلهيت، بفتح الموحدة، وسكون اللام، وفتح الهاء، وسكون المثناة من تحت، ثم مثناة من فوق) (٢).
قال الشيخ اليافعي: (واسم الملك المذكور مخالف لما تقدم (٣) أن اسم الملك الذي وضع له الشطرنج: شيرام، ويحتمل أن يكون أحد اللفظين اسما له، والآخر لقبا) اهـ (٤)
ويحتمل أنه يوم وضعت الفرس النرد كان ملك الهند بلهيت، ثم ولي بعده شيرام، فوضع صصه الشطرنج في أيامه، والله سبحانه أعلم.
فلما وضع الشطرنج .. قضت حكماء ذلك العصر بترجيحه على النرد.
ويقال: إن صصه لما وضعه وعرضه على الملك المذكور .. أعجبه عجبا شديدا، وأظهر الشكر والسرور على ما أنعم عليه في ملكه بها وقال لصصه: اقترح علي ما تشتهي، فقال: أقترح أن تضع حبة بر في البيت الأول، ولا تزال تضعّفها في كل بيت حتى تنتهي إلى آخرها، فمهما بلغ .. تعطيني، فاستصغر الملك ذلك، وأنكر عليه كونه قابله بالنزر اليسير التافه الحقير وكان الملك قد أضمر له شيئا كثيرا، فقال صصه: ما أريد إلا هذا، فأجابه إلى مطلوبه، وأمر أرباب الديوان أن يحسبوه فقالوا: ما عندنا حب يفي بهذا، ولا بما
стр. 1291
يقاربه، فاستنكر الملك مقالتهم، وطالبهم بإقامة البرهان على ذلك، فقعدوا عنده وحسبوه، وظهر له صدق قولهم فقال الملك لصصه: أنت في اقتراحك ما اقترحت أعجب حالا من وضعك الشطرنج.
قال القاضي ابن خلكان: (وطريق هذا التضعيف أن يضع الحاسب في البيت الأول حبة، وفي الثاني حبتين، وفي الثالث أربع حبات، وفي الرابع ثماني حبات، وهكذا إلى آخره، كلما انتقل إلى بيت .. ضاعف ما قبله وأثبته فيه، قال: ولقد كان في نفسي شيء من هذه المبالغة حتى اجتمع بي بعض حساب الإسكندرية وذكر لي طريقا تبين صحة ما ذكروه، وأحضر لي ورقة بصورة ذلك، وهو أنه ضاعف العدد إلى البيت السادس عشر، فأثبت فيه اثنتين وثلاثين ألفا وسبع مائة وثماني وستين حبة، وقال: تجعل هذه الجملة مقدار قدح، قال: فعبرناها، فكانت كذلك والعهدة عليه في هذا النقل، ثم ضاعف القدح في البيت السابع عشر، وهكذا حتى بلغ ويبة في البيت العشرين، ثم انتقل إلى الويبات، ومنها إلى الأرادب، ولم يزل يضاعفها حتى انتهت في بيت الأربعين إلى مائة ألف إردب وأربعة وسبعين ألف إردب وسبع مائة واثنين وستين إردبا وثلثي إردب، وقال: تجعل هذه الجملة شونة؛ فإن الشونة ما يكون فيها أكثر من هذا، ثم ضاعف الشون إلى بيت الخمسين، فكانت الجملة ألفا وأربعا وعشرين شونة، فقال: تجعل هذه مدينة؛ فإن المدينة لا يكون فيها أكثر من هذه الشون، وأي مدينة يكون فيها هذه الجملة من الشون؟ ! ثم ضاعف البلدان حتى انتهت إلى بيت الرابع والستين، وهو آخر أبيات رقعة الشطرنج، إلى ستة عشر ألف مدينة وثلاث مائة وأربع وثمانين مدينة، وقال: تعلم أن ليس في الدنيا مدن أكثر من هذا العدد؛ فإن دور كرة الأرض معلوم بطريق الهندسة، وهو ثمانية آلاف فرسخ، بحيث لو وضعنا طرف حبل على أي موضع كان من الأرض، وأدرنا الحبل على كرة الأرض حتى انتهينا بالطرف الآخر إلى ذلك الموضع من الأرض، والتقى طرفا الحبل، فإذا مسحنا ذلك الحبل .. كان طوله أربعة وعشرين ألف ميل، وهي ثمانية آلاف فرسخ، قال: وذلك قطعي لا شك فيه، قال: ومعلوم أن ما في الأرض من المعمور هو قدر ربع الكرة بطريق التقريب) (١).
стр. 1292
١٥٣٠ - [الحافظ الشاشي] (١)
أبو سعيد الهيثم بن كليب بن سريج بن معقل الشاشي، صاحب «المسند».
حدث عن أبي عيسى الترمذي، وعباس الدوري، ويحيى بن جعفر بن الزبرقان.
وعنه علي بن أحمد الخزاعي، ومنصور بن نصر الكاغدي وغيرهما.
وكان إماما حافظا ثقة محدث ما وراء النهر في ذلك الزمان.
توفي سنة خمس وثلاثين وثلاث مائة.
١٥٣١ - [ابن المنادي] (٢)
أبو الحسين بن المنادي، واسمه: أحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله البغدادي الحافظ، مسند العراق.
حدث عن جده، ومحمد بن إسحاق الصاغاني، وأبي داود السجستاني وغيرهم، وعنه أبو عمر بن حيوة وغيره من المحدثين.
وكان من القراء المجودين، والحفاظ الثقات المتقنين المصنفين، وكان فيه شراسة أخلاق مع صلابة في الدين.
توفي سنة ست وثلاثين وثلاث مائة.
١٥٣٢ - [المحمدآباذي] (٣)
محمد بن الحسن النيسابوري، أحد أئمة اللسان.
كان إمام الأئمة ابن خزيمة إذا شك في لغة .. سأله عنها.
стр. 1293
توفي سنة ست وثلاثين وثلاث مائة.
وينظر أهو أبو طاهر المحمدآباذي، أو غيره، والله سبحانه أعلم (١).
١٥٣٣ - [القرميسيني] (٢)
أبو إسحاق إبراهيم بن شيبان القرميسيني، الشيخ الكبير، العارف بالله، صحب أبا عبد الله المغربي، والخواص وغيرهما.
ومن كلامه قوله: علم الفناء والبقاء يدور على إخلاص الوحدانية، وصحة العبودية، وما كان غير هذا فهو المغاليط والزندقة.
توفي سنة سبع وثلاثين وثلاث مائة.
١٥٣٤ - [أبو الطيب الصعلوكي] (٣)
أحمد بن محمد بن سليمان أبو الطيب الصّعلوكي.
توفي سنة سبع وثلاثين وثلاث مائة. مذكور في الأصل.
١٥٣٥ - [الخليفة المستكفي بالله] (٤)
الخليفة العباسي أبو القاسم عبد الله المستكفي بالله بن علي المكتفي بالله بن أبي العباس أحمد المعتضد.
ولد ثالث عشر صفر سنة اثنتين وتسعين ومائتين، وبويع له يوم خلع المتقي إبراهيم بن المقتدر، وذلك لعشر بقين من صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مائة، ولما قصد معز الدولة
стр. 1294
بغداد في سنة أربع وثلاثين .. اختفى الخليفة، وتسللت الأتراك إلى الموصل، وأقامت الديلم ببغداد، وقدّم المستكفي لمعز الدولة التقاديم والتحف، ثم دخل معز الدولة على الخليفة وبايعه، فلقبه الخليفة يومئذ معز الدولة، ولقب أخاه عليا عماد الدولة، وأخاه الحسن ركن الدولة، وأمر أن تكتب أسماؤهم في السكة، واستوسقت (١) المملكة لمعز الدولة، فلما تمكن معز الدولة .. خلع المستكفي من الخلافة وكحله، وذلك أن علما القهرمانة كانت السبب في عزل المتقي وتولية المستكفي، سعت في ذلك حتى بلغت ما أملته، فكافأها المستكفي بأن ملكها أزمة أموره، وجعل إليها الأمر والنهي، والفتق والرتق، فاتفق أن عملت دعوة عظيمة حضرها مقدم الديلم وعدة أمراء، فخاف معز الدولة عليهم، فساء ظنه مع ما علمه من جسارة هذه المرأة وإقدامها على قلب الدول، وكان بعض الشيعة يثير الفتن، فآذاه الخليفة المستكفي وحبسه، فشفع فيه بعض رؤساء الديلم فلم يشفعه، فأحفظه، فأكثر الكلام على المستكفي عند معز الدولة، وكان معز الدولة متشيعا أيضا، فحمل معز الدولة ذلك على عزل المستكفي وكحله، وهو ثالث من كحل من الخلفاء العباسية، ثم أحضروا الفضل بن المقتدر، فبايعوه ولقبوه المطيع لله، فمدة ولاية المستكفي سنة وأربعة أشهر ويومان.
وتوفي سنة ثمان وثلاثين وثلاث مائة.
١٥٣٦ - [عماد الدولة ابن بويه] (٢)
عماد الدولة أبو الحسن بن بويه-بضم الموحدة، وفتح الواو، وسكون المثناة من تحت، ثم هاء-الديلمي. كان أبوه صيادا ليس له معيشة إلا من صيد السمك، وكان له ثلاثة أولاد، ركن الدولة، ومعز الدولة، وعماد الدولة هذا المترجم له، وهو أكبرهم، وسبب سعادتهم وانتشار صيتهم، والجميع ملكوا واستولوا على البلاد، ملكوا العراقين والأهواز وفارس، وساسوا أمور الرعية أحسن سياسة، ثم لما ملك عضد الدولة بن ركن الدولة .. اتسعت مملكته، وزادت على ما كانت لأسلافه.
стр. 1295
وذكر هارون بن العباس المأموني في «تاريخه» أنه اتفق لعماد الدولة المذكور أشياء عجيبة كانت سببا لثبات مملكته، منها أنه اجتمع أصحابه في أول ملكه وطالبوه بالأموال، ولم يكن معه ما يرضيهم به، وأشرف على الانحلال، واغتم لذلك، فاستلقى في مجلسه على ظهره مفكرا في أمره، فرأى حية خرجت من موضع من سقف ذلك المجلس، ودخلت في موضع آخر منه، فخاف أن تسقط عليه، فدعا الفراشين والسلم، وأن تخرج الحية، فلما صعدوا وبحثوا عن الحية .. وجدوا ذلك السقف يفضي إلى غرفة، فعرفوه ذلك، فأمرهم بفتحها، ففتحوها ووجدوا فيها عدة صناديق من المال والصياغات قدر خمس مائة ألف دينار، فحمل المال إلى بين يديه فسر به، وأنفقه في رجاله، وثبت أمره بعد أن كان أشفى على الانخرام.
ثم إنه قطع ثيابا، وسأل عن خياط حاذق، فوصف له خياط كان لصاحب البلد قبله، فأمر بإحضاره-وكان الخياط أطروشا-فوقع له أنه قد سعي به إليه في وديعة كانت عنده لصاحب البلد، وأنه طلبه لهذا السبب، فلما خاطبه .. حلف أنه ليس عنده إلا اثنا عشر صندوقا لا يدري ما فيها، فعجب عماد الدولة من جوابه، ووجه معه من حملها، فوجدوا فيها أموالا عظيمة، وثيابا جميلة، فكان ذلك من الأسباب الدالة على قوة سعادته، ثم تمكنت حالته، واستقرت قواعده.
وتوفي سنة ثمان وثلاثين وثلاث مائة.
١٥٣٧ - [أبو جعفر النحاس] (١)
أحمد بن محمد النحوي المصري، المعروف بأبي جعفر النحاس، كان ينظّر بابن الأنباري ونفطويه، وله في النحو والأدب وغير ذلك مما يرجع إلى العربية بضعة عشر مصنفا، منها: «تفسير القرآن الكريم» وكتاب «إعراب القرآن» وكتاب «الناسخ والمنسوخ» و «التفاحة في النحو» وغير ذلك.
توفي سنة ثمان وثلاثين وثلاث مائة.
стр. 1296
١٥٣٨ - [ابن حمشاذ] (١)
أبو الحسن علي بن محمد بن سختويه النيسابوري، معروف بابن حمّشاذ، بالشين والذال المعجمتين بينهما ألف، وفي أوله حاء مهملة مكسورة، وميم مشددة (٢).
رحل وطوف وصنف.
حدث عن إسماعيل القاضي، والحارث بن أبي أسامة وغيرهما، وعنه الحاكمان أبو أحمد وأبو عبد الله، وبالغ في تعظيمه.
وهو حافظ ثقة كبير، له «التفسير» في عشر مجلدات، وله «المسند الكبير» وكتاب «الأحكام».
قال أحمد بن إسحاق الضبعي: صحبت علي بن حمّشاذ في الحضر والسفر، فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئة.
توفي فجأة في الحمام سنة ثمان وثلاثين وثلاث مائة.
١٥٣٩ - [ابن دينار النيسابوري] (٣)
محمد بن عبد الله بن دينار النيسابوري، الفقيه الصالح.
قال الحاكم: كان يصوم النهار ويقوم الليل، ويصبر على الفقر، ما رأيت في مشايخنا أصحاب الرأي أعبد منه.
توفي سنة ثمان وثلاثين وثلاث مائة.
١٥٤٠ - [الحافظ البلاذري] (٤)
أبو محمد أحمد بن محمد الطوسي الحافظ.
стр. 1297
قال الحاكم: كان أوحد عصره في الحفظ والوعظ، وخرج صحيحا على وضع «مسلم»، وتوفي سنة تسع وثلاثين وثلاث مائة.
١٥٤١ - [الحافظ أبو عبد الله الصفار] (١)
أبو عبد الله محمد بن عبد الله الأصبهاني الصفار.
كان من أكثر الحفاظ حديثا.
قال الحاكم: وهو محدث عصره، مجاب الدعوة، لم يرفع رأسه إلى السماء فيما بلغنا نيفا وأربعين سنة.
صنف في الزهد وغيره، وتوفي سنة تسع وثلاثين وثلاث مائة.
١٥٤٢ - [القاهر بالله] (٢)
الخليفة القاهر بالله أبو منصور محمد بن المعتضد العباسي.
لما قتل المقتدر .. عين للخلافة محمد بن المكتفي، فابتدأه مؤنس بخطابه فقال: عمّي أحق بها، فخوطب حينئذ محمد بن المعتضد المذكور، وبايعوه لليلتين بقيتا من شوال سنة عشرين وثلاث مائة، فأظهر الشهامة وقبض على جماعة منهم مؤنس وقتلهم، ووقعت هيبته في القلوب، وأمر بكسر آلات الطرب، ونفي المخنثين والقيان، وأراق الخمور، لكن قيل: إنه مع ذلك لم يكن يصحو من الخمر وسماع القيان.
وخلع القاهر لست خلون من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين، وكحل وحبس، فكانت مدة ولايته سنة ونصف، وبقي القاهر في الحبس إلى أن أخرجه المستكفي في سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مائة، وحمله إلى دار ابن طاهر بعد امتناع منه شديد، وهم أن يلقي نفسه في دجلة لما عبر عليها، وأخرج من دار الخلافة إلى دار ابن طاهر في قطن حشو جبة
стр. 1298
وفي رجله نعل خشب مربع، فأقام مدة في دار ابن طاهر، ثم خرج في يوم جمعة إلى المسجد الجامع، وأخذ في أن يتصدّق عليه، فرآه ابن أبي موسى الهاشمي، فمنعه من ذلك وأعطاه خمس مائة درهم، ورده إلى داره.
وتوفي سنة تسع وثلاثين وثلاث مائة.
١٥٤٣ - [أبو نصر الفارابي] (١)
أبو نصر محمد بن محمد التركي الفارابي الحكيم المشهور، صاحب التصانيف في المنطق والموسيقى وغيرهما من العلوم، وهو أكبر فلاسفة الإسلام، لم يكن فيهم من بلغ رتبته في فنونه، وناهيك أن رئيسهم أبا علي بن سينا بكتبه تخرج، وبكلامه انتفع.
خرج أبو نصر المذكور من بلده، ولم تزل تنتقل به الأسفار إلى أن وصل بغداد، وهو يعرف اللسان التركي وعدة لغات غير العربي، فتعلم اللسان العربي وأتقنه، ثم اشتغل بعلوم الحكمة، وكان ببغداد الحكيم المشهور [أبو بشر] متى بن يونس، وهو شيخ كبير يعلم الناس فنّ المنطق، ويملي على تلامذته شرحه، وكان أبو بشر في تواليفه حسن العبارة، لطيف الإشارة، وكان يستعمل في تصانيفه البسط والتذييل، حتى قال بعض علماء هذا الفن: ما أرى أن أبا نصر الفارابي أخذ طريق تفهيم المعاني الجزلة بالألفاظ السهلة إلا من أبي بشر، يعني شيخه المذكور، وكان أبو نصر يحضر حلقة أبي بشر من جملة تلامذته.
ثم ارتحل إلى حران، وبها الحكيم ابن خيلان النصراني (٢) -بخاء معجمة، ثم مثناة من تحت-فأخذ عنه طرفا من المنطق، ثم قفل راجعا إلى بغداد، وقرأ بها علوم الفلسفة، وتناول جميع كتب أرسطاطاليس، ومهر في استخراج معانيها والوقوف على أغراضه فيها.
قال أبو القاسم بن صاعد القرطبي في كتاب «طبقات الحكماء» كما نقله عنه ابن خلكان: (أربى في التحقيق على جميع علماء الفلسفة الإسلاميين، وشرح غامضها،
стр. 1299
وكشف سرها، وقرب تناولها وجميع ما يحتاج إليه منها على ما أغفله الكندي وغيره من صناعة [التحليل وأنحاء] (١) التعاليم، وأوضح الغفل فيها عن مواد المنطق الخمسة، وعرف طرق استعمالها، وكيف تصرّف صورة القياس في كل مادة، فجاءت كتبه في ذلك الغاية الكاملة، والنهاية الفاضلة) اهـ (٢)
قال ابن خلكان: (لم يزل أبو نصر ببغداد مكبا على الاشتغال بهذا العلم والتحصيل له إلى أن برز-أو قال: برع-فيه وفاق أهل زمانه، قال: ورأيت في بعض المجاميع أن أبا نصر لما ورد على سيف الدولة وكان مجلسه مجمع الفضلاء في جميع المعارف، فأدخل عليه وهو بزي الأتراك، وكان ذلك دأبه دائما، فوقف .. فقال له سيف الدولة: اقعد، فقال: حيث أنا أم حيث أنت، فقال: حيث أنت، فتخطى رقاب الناس حتى انتهى إلى مسند سيف الدولة، وزاحمه فيه حتى أخرجه عنه، وكان على رأس سيف الدولة مماليك، وله معهم لسان خاص يساررهم به قلّ من يعرفه، فقال لهم بذلك اللسان: إن هذا الشيخ قد أساء الأدب، وإني سائله عن أشياء إن لم يوف بها .. فاخرقوا به، فقال له أبو نصر بذلك اللسان: أيها الأمير؛ اصبر، فإن الأمور بعواقبها، فتعجب سيف الدولة وقال له: أتحسن هذه اللسان؟ ! فقال: نعم أحسن أكثر من سبعين لسانا، فعظم عنده، ثم أخذ يتكلم مع العلماء الحاضرين في المجلس في كل فن، فلم يزل كلامه يعلو وكلامهم يسفل حتى صمت الكل وبقي يتكلم وحده، ثم أخذوا يكتبون ما يقوله، وصرفهم سيف الدولة وخلا به، فقال: هل لك أن تأكل؟ قال: لا، قال: فهل تشرب؟ قال: لا، قال: فهل تسمع؟ قال: نعم، فأمر سيف الدولة بإحضار القيان، فحضر كل من هو من أهل هذه الصناعة بأنواع الملاهي، فلم يحرك أحد منهم آلته إلا وعابه أبو نصر وقال له: أخطأت، فقال له سيف الدولة: هل تحسن في هذه الصناعة شيئا؟ فقال: نعم، ثم أخرج من وسطه خريطة وفتحها وأخرج منها عيدانا، ثم ضرب بها، فضحك كل من في المجلس، وغيّر تركيبها وضرب بها، فبكى كل من في المجلس، ثم فكها وركبها تركيبا آخر وضرب بها، فنام كل من في المجلس حتى البواب، فتركهم نياما وخرج.
ويقال: إن الآلة المسماة بالقانون من وضعه، وهو أول من ركبها هذا التركيب، وكان
стр. 1300
منفردا بنفسه لا يجالس الناس، زاهدا في الدنيا، لا يحتفل بأمر مكسب ولا مسكن، ولم يزده سيف الدولة على أربعة دراهم كل يوم؛ لقناعته.
توفي سنة تسع وثلاثين وثلاث مائة) (١).
١٥٤٤ - [ابن الأعرابي] (٢)
أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد بن بشر بن درهم البصري، المحدث الصوفي، المعروف بابن الأعرابي، نزيل مكة.
حدث عن الحسن الزعفراني، وأبي داود السجستاني، وسعدان بن نصر وغيرهم، وعنه ابن المقرئ، وابن جميع، وعبد الله بن يوسف الأصبهاني وغيرهم.
وكان حافظا ثقة جليل القدر، جمع وصنف ورحل إليه، سكن مكة، وحصل بتصانيفه الانتفاع، وصنف للبصرة تاريخا، وصحب الجنيد وغيره، ولم يشنه ما كان يأخذ على السماع.
توفي سنة أربعين وثلاث مائة.
١٥٤٥ - [الحافظ ابن أصبغ] (٣)
أبو محمد قاسم بن أصبغ بن محمد بن يوسف بن واضح بن عطاء الأموي القرطبي، الحافظ الإمام، محدث الأندلس.
سمع ببلاده من بقي بن مخلد، وابن وضاح، ومحمد بن عبد السلام، وسمع في رحلته من ابن خزيمة، وابن أبي الدنيا، وإسماعيل الباجي وغيرهم من الأعلام.
وحدث عنه حفيده قاسم بن محمد بن قاسم وغيره.