١٥٧١ - [الحافظ أبو العباس الأصم] (١)
محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان الأموي مولاهم أبو العباس المعقلي الأصم النيسابوري.
رحل به أبوه إلى عدة أمصار، وأسمعه بها من الكبار، كأسيد بن عاصم، ومحمد بن عوف الحمصي، والعطاردي أحمد بن عبد الجبار.
حدث عنه أبو عبد الله بن الأخرم، وأبو عبد الرحمن السلمي وغيرهما، ولأبي نعيم الأصبهاني إجازة منه، تفرد بها عنه.
وكان محدث عصره، صدوقا، صحيح السماع مع علو سنده وارتفاعه.
توفي سنة ست وأربعين وثلاث مائة.
١٥٧٢ - [الحافظ ابن يونس] (٢)
أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى بن موسى بن ميسرة بن حفص الصدفي المصري، صاحب «تاريخ مصر».
له على مصر تاريخ كبير يعم المصريين، وآخر صغير يختص بالغرباء الواردين إليها، وذيلهما أبو القاسم يحيى بن علي الحضرمي، ومشى عليهما.
حدث عن أبيه، والنسائي، وأبي يعقوب المنجنيقي وغيرهم، وعنه طائفة، منهم:
أبو محمد النحاس، وأبو عبد الله بن منده.
وكان من الأئمة الحفاظ، الأثبات الأيقاظ.
توفي سنة سبع وأربعين وثلاث مائة، ورثاه عبد الرحمن بن إسماعيل الخولاني الخشاب المصري النحوي العروضي بقوله: [من البسيط]
بثثت علمك تصنيفا وتقريبا ... وعدت بعد لذيذ العيش مندوبا
стр. 1332
أبا سعيد وما يألوك إن نشرت ... عنك الدواوين تصديقا وتصويبا
ما زلت تلهج بالتاريخ تكتبه ... حتى رأيناك في التاريخ مكتوبا
مع أبيات أخر (١).
وكان أبو سعيد المذكور خبيرا بأحوال الناس، مطلعا على تواريخهم، وجده يونس بن عبد الأعلى هو صاحب الإمام الشافعي، والناقل لأقواله الجديدة.
١٥٧٣ - [الأمير بن المعز] (٢)
الأمير تميم بن المعز الحميري، رفعوا نسبه إلى سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عابر-قالوا: وهو هود ﵊-ابن شالخ بن إرفخشذ بن سام بن نوح ﵊، كما ذكره العماد في «الخريدة».
وتميم المذكور ملك إفريقية وما والاها بعد أبيه المعز، وجده المثنى بن المسور أول من دخل منهم إفريقية.
قال أبو الحسن بن رشيق القيرواني في الأمير تميم المذكور: [من الطويل]
أصحّ وأعلى ما سمعناه في الندى ... من الخبر المأثور منذ قديم
أحاديث ترويها السيول عن الحيا ... عن البحر عن كف الأمير تميم
ولتميم المذكور أشعار حسنة، منها قوله: [من الطويل]
سل المطر العام الذي عم أرضكم ... أجاء بمقدار الذي فاض من دمعي
إذا كنت مطبوعا على الصد والجفا ... فمن أين لي صبر فأجعله طبعي
توفي سنة سبع وأربعين وثلاث مائة، كذا ذكره اليافعي في هذه (٣)، ثم أعاد ذكره في سنة إحدى وخمس مائة، وذكر الأبيات المذكورة، والله أعلم بالصواب (٤).
стр. 1333
١٥٧٤ - [الحافظ أبو الحسين الرازي] (١)
أبو تمام (٢) محمد بن عبد الله بن جعفر بن عبد الله بن الجنيد الرازي ثم الدمشقي، يكنى: أبا الحسين أيضا.
حدث عن محمد بن أيوب بن الضّريس، وجعفر الفريابي، والحسن بن سفيان، وعنه ابنه تمام، وعقيل بن عبد الله بن عبدان وغيرهما.
وكان محدث الشام، حافظا نبيلا ثقة جليلا.
توفي سنة سبع وأربعين وثلاث مائة.
١٥٧٥ - [أبو بكر النّجّاد] (٣)
أحمد بن سليمان (٤) النّجّاد الحافظ، شيخ الحنابلة، صاحب التصانيف.
كان له حلقتان: حلقة للفتوى، وحلقة للإملاء، وكان رأسا في الفقه والحديث.
قيل: كان يصوم، ويفطر على رغيف، ويترك منه لقمة، فإذا كان ليلة الجمعة .. أكل تلك اللقم، وتصدق بالرغيف.
قال الشيخ اليافعي: (ومثل هذا من الفقيه عزيز كثير، ويذكر مثله عن بعض أهل الرياضة من الفقراء المجردين الذي هو في حقهم قليل حقير) (٥).
توفي المذكور سنة ثمان وأربعين وثلاث مائة.
стр. 1334
١٥٧٦ - [الخلدي] (١)
أبو محمد جعفر بن محمد بن نصير، الشيخ الكبير، شيخ الصوفية ومحدثهم.
سمع من ابن أبي أسامة، وعلي بن عبد العزيز البغوي وطبقتهم، وصحب الجنيد، وأبا الحسين النوري، وأبا العباس بن مسروق.
وكان إليه المرجع في علم القوم، وحج ستا وخمسين حجة.
وتوفي سنة ثمان وأربعين وثلاث مائة عن خمس وتسعين سنة.
١٥٧٧ - [أبو الفوارس الصابوني] (٢)
أبو الفوارس أحمد بن محمد الصابوني السندي، الثقة المعمر، مسند ديار مصر، روى عن يونس بن عبد الأعلى، والمزني، والكبار.
وتوفي سنة تسع وأربعين وثلاث مائة.
١٥٧٨ - [أبو الوليد الفقيه] (٣)
حسان بن محمد بن أحمد بن هارون القرشي الأموي النيسابوري أبو الوليد.
توفي سنة تسع وأربعين وثلاث مائة.
١٥٧٩ - [الحافظ أبو علي النيسابوري] (٤)
الحسين بن علي بن يزيد بن داود الإمام أبو علي النيسابوري.
رحل إلى الحرمين والشام ومصر والعراق وخراسان، وروى عن إبراهيم بن أبي طالب،
стр. 1335
وأبي خليفة، والنسائي، والحسن بن سفيان، وكتب عنه يحيى بن صاعد، وابن جوصا من القدماء.
وحدث عنه أبو بكر أحمد بن إسحاق الصّبغي وهو أكبر منه، وأبو الوليد الفقيه وهو من أقرانه، والحاكم، وابن مندة وغيرهم.
وكان أوحد عصره حفظا وإتقانا وثقة وصيانة، مع اشتهاره بالورع والديانة والصدق والأمانة.
توفي سنة تسع وأربعين وثلاث مائة. مذكور في الأصل.
١٥٨٠ - [القاضي أبو أحمد العسّال] (١)
محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان بن محمد بن سليمان بن عبد الله العنبري مولاهم أبو أحمد العسال الأصبهاني، قاضي أصبهان.
حدث عن أبيه، وإسماعيل بن عمر البجلي، وأبو مسلم الكجّي وغيرهم.
وعنه: بنوه: أحمد، وإبراهيم، وسعيد، وعامر، وعبد الله، والعباس، وعبد الوهاب.
كان حافظا كبيرا، له مصنفات حسان، منها: كتاب «الرؤية» وكتاب «العظمة» وكتاب «المعرفة في السنة المكرمة».
توفي سنة تسع وأربعين وثلاث مائة.
١٥٨١ - [أبو علي الطبري] (٢)
أبو علي الحسن-وقيل: الحسين-ابن القاسم الطبري، الإمام العلامة، الشافعي.
стр. 1336
أخذ الفقه عن ابن أبي هريرة، وكان إماما عالما، سكن بغداد ودرّس بها بعد شيخه أبي علي بن أبي هريرة، وله المصنفات المفيدة، منها: «الإيضاح» و «العدة» كلاهما في الفقه، و «المحرر في النظر»، وهو أول كتاب صنف في الخلاف المجرد، وصنف كتابا في أصول الفقه.
والطبري نسبة إلى طبرستان، والطبراني-بزيادة ألف ونون-نسبة إلى طبرية.
توفي المذكور سنة خمسين وثلاث مائة، مذكور في الأصل.
١٥٨٢ - [خليفة الأندلس الناصر] (١)
أبو المطرّف عبد الرحمن بن محمد الأموي، خليفة الأندلس، الملقب الناصر لدين الله، لما بلغه ضعف أحوال الخلافة بالعراق، ورأى أنه أمكن منهم وأولى .. تلقب باللقب المذكور، ومدة دولته خمسون سنة.
وكان كبير القدر، كثير المحاسن، أنشأ مدينة الزهراء، وهي مدينة عديمة النظير في الحسن، غرم عليها أموالا لا تحصى.
توفي سنة خمسين وثلاث مائة، وقام بعده ولده المستنصر بالله.
١٥٨٣ - [فاتك المجنون] (٢)
أبو شجاع فاتك الكبير الرومي، المعروف بفاتك المجنون.
كان روميا، أخذ صغيرا هو وأخ وأخت له من بلاد الروم، فتعلم الخط بفلسطين، ثم إن الإخشيذ أخذه من سيده بالرملة كرها بلا ثمن، فأعتقه مالكه، فكان معهم حرا في عدة المماليك.
وكان كريم النفس، بعيد الهمة، شجاعا، كثير الإقدام، ولذلك قيل له: المجنون، وكان رفيق الأستاذ كافور في خدمة الإخشيذ، فلما مات مخدومهما، وتقرر كافور في تربية
стр. 1337
ابن الإخشيذ .. أنف فاتك من الإقامة بمصر؛ كيلا يكون كافور أعلى رتبة منه، ويحتاج إلى أن يركب في خدمته، وكانت الفيوم وأعمالها إقطاعا له، فانتقل إليها واتخذها سكنى له، وهي بلاد وبيئة كثيرة الوخم (١)، فلم يصح له بها جسم، وكان كافور يخافه ويكرمه؛ فزعا منه، وفي نفسه منه ما فيها، فاستحكمت العلة في جسم فاتك، وأحوجته إلى الدخول إلى مصر للمداواة، فدخلها وبها المتنبي ضيفا للأستاذ كافور، وكان يسمع بكرم فاتك وكثرة سخائه، غير أنه لا يقدر على قصد خدمته؛ خوفا من كافور، وفاتك يسأل عنه ويراسله بالسلام، فالتقيا في الصحراء مصادفة من غير ميعاد، وجرى بينهما مفاوضات، فلما رجع فاتك إلى داره .. حمل للمتنبي من ساعته هدية قيمتها ألف دينار، ثم أتبعها بهدايا بعدها، فاستأذن المتنبي كافورا في مدحه، فأذن له، فمدحه بقصيدة من غرر القصائد أولها: [من البسيط]
لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم يسعد الحال
وما أحسن قوله فيها:
كفاتك ودخول الكاف منقصة ... كالشمس قلت وما للشمس أمثال (٢)
توفي فاتك بعد خروج المتنبي من مصر في سنة خمسين وثلاث مائة، ولما بلغ المتنبي وفاته .. رثاه بقصيدة أولها: [من الكامل]
الحزن يقلق والتّجمّل يردع ... والدمع بينهما عصيّ طيّع
إني لأجبن من فراق أحبتي ... وتحسّ نفسي بالحمام فأشجع
ويزيدني غضب الأعادي قسوة ... ويلمّ بي عتب الصديق فأجزع
تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عمّا مضى منها وما يتوقّع
ولمن يغالط في الحقائق نفسه ... ويسومها طلب المحال فتطمع (٣)
١٥٨٤ - [قاضي الحرمين] (٤)
أبو الحسين أحمد بن محمد النيسابوري، شيخ الحنفية، وقاضي الحرمين في عصره.
стр. 1338
تفقه على أبي الحسن الكرخي، وبرع في الفقه، وولي قضاء الحجاز مدة.
وتوفي سنة إحدى وخمسين وثلاث مائة.
١٥٨٥ - [الحافظ دعلج] (١)
أبو محمد دعلج بن أحمد بن دعلج السّجستاني (٢)، ثم البغدادي المعتزلي.
حدث عن عثمان الدارمي، وعلي بن عبد العزيز البغوي، ومحمد بن الضريس البجلي.
قال الحاكم: أخذ عن ابن خزيمة مصنفاته، وكان يفتي بمذهبه.
وروى عنه أبو علي بن شاذان، وابن رزقويه، والدارقطني، وقال: لم أر في مشايخنا أثبت من دعلج.
وكان حافظا ثقة إماما نبيها مصنفا.
قال الحاكم: لم يكن في الدنيا أيسر منه، اشترى بمكة دار العباس بثلاثين ألف دينار.
وقيل: كان الذهب في داره بالقفاف، وكان كثير المعروف والصلات، جمع له «المسند الكبير»، وله «مسند المقلين» مصنف خطير.
توفي سنة إحدى وخمسين وثلاث مائة.
١٥٨٦ - [الحافظ ابن قانع] (٣)
أبو الحسين عبد الباقي بن قانع بن مرزوق بن واثق الأموي مولاهم البغدادي.
حدث عن الحارث بن أبي أسامة، وإبراهيم بن الهيثم البلدي وغيرهما.
وعنه: الدارقطني، وأبو القاسم بن بشران، وابن رزقويه، وأبو علي بن شاذان.
стр. 1339
وكان حافظا عالما، وثقه عامة شيوخ خطيب بغداد (١)، ورماه بعضهم بالخطأ مع الإصرار عليه، اختلط قبل موته بنحو سنتين.
وتوفي سنة إحدى وخمسين وثلاث مائة.
١٥٨٧ - [المقرئ أبو بكر النّقّاش] (٢)
محمد بن حسن بن محمد بن زياد بن هارون الموصلي ثم البغدادي أبو بكر النقاش، المفسر المقرئ الحافظ.
طوف شرقا وغربا، وسمع أبا مسلم الكجّي، والحسن بن سفيان وغيرهما.
وحدث عنه شيخه أبو بكر بن مجاهد، والدارقطني، وجعفر الخلدي، وابن شاهين.
وكان حافظا، عالما بالقراءات والتفسير، صنف «التفسير» و «معاني القرآن» و «غريب القرآن» وغير ذلك.
قالوا: وهو في القراءات أمثل منه في المسندات، وفي «تفسيره» فضائح وطامات.
توفي سنة إحدى وخمسين وثلاث مائة.
١٥٨٨ - [الوزير المهلّبي] (٣)
أبو محمد الحسن بن محمد المهلبي الوزير، وزير معز الدولة ابن بويه.
كان من ارتفاع القدر واتساع الصدر وعلو الهمة وفيض الكف على ما هو مشهور به، وكان في غاية من الأدب والمحبة لأهله.
كان قبل اتصاله بمعز الدولة في شدة عظيمة من الضرورة، ولقي في سفره مشقة صعبة، واشتهى اللحم فلم يقدر عليه، فقال ارتجالا: [من الوافر]
ألا موت يباع فأشتريه ... فهذا العيش ما لا خير فيه
стр. 1340
ألا موت لذيذ الطعم يأتي ... يخلصني من العيش الكريه
إذا أبصرت قبرا من بعيد ... وددت أنني مما يليه
ألا رحم المهيمن نفس حرّ ... تصدق بالوفاة على أخيه
وكان معه رفيق يقال له: أبو عبد الله الصوفي-وقيل: أبو الحسن العسقلاني-فلما سمع الأبيات .. اشترى له بدرهم لحما وطبخه وأطعمه وتفارقا، وتنقلت بالمهلبي الأحوال، وتولى الوزارة ببغداد لمعز الدولة، وضاقت الأحوال برفيقه في السفر الذي اشترى له اللحم، وبلغه وزارة المهلبي، فقصده وكتب إليه: [من الوافر]
ألا قل للوزير فدته نفسي ... مقالة مذكر ما قد نسيه
أتذكر إذ تقول لضيق عيش ... ألا موت يباع فأشتريه
فلما وقف عليه .. تذكره وهزته أريحيّة الكرم، فأمر له في الحال بسبع مائة درهم، ووقع في ورقته ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْاالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ﴾ ثم دعا به وخلع عليه، وقلده عملا يرتفق به.
ومن الشعر المنسوب إلى الوزير المذكور في وقت الإضاقة: ما كتبه إلى بعض الرؤساء قوله: [من الوافر]
ولو أني استزدتك فوق ما بي ... من البلوى لأعوزك المزيد
ولو عرضت على الموتى حياة ... بعيش مثل عيشي لم يريدوا
وقيل: البيتان لأبي نواس.
وقال أبو إسحاق الصابي صاحب «الرسائل»: كنت يوما عند الوزير المهلبي، فأخذ ورقة وكتب، فقلت بديها: [من البسيط]
له يد برعت جودا بنائلها ... ومنطق درّه في الطّرس ينتثر
فحاتم كامن في بطن راحته ... وفي أناملها سحبان مستتر
وكان من رجال الدهر عزما وحزما وسؤددا وعقلا ونباهة ورأيا.
توفي سنة اثنتين وخمسين وثلاث مائة (١).
стр. 1341
١٥٨٩ - [الزاهي الشاعر] (١)
علي بن إسحاق الزاهي البغدادي، الشاعر المشهور.
كان وصافا محسنا كثير الملح، حسن الشعر في التشبيهات وغيرها، ومن قوله في تشبيه البنفسج: [من البسيط]
ولازوردية تزهو بزرقتها (٢) ... بين الرياض على جمر اليواقيت
كأنها فوق قامات ضعفن بها ... أوائل النار في أطراف كبريت
ويروى: فوق طاقات.
ومن محاسن شعره: [من الطويل]
وبيض بألحاظ العيون كأنما ... هززن سيوفا واستللن خناجرا
تصدّين لي يوما بمنعرج اللوى ... فغادرن قلبي بالتصبر غادرا
سفرن بدورا وانتقبن أهلة ... ومسن غصونا والتفتن جاذرا
وأطلعن في الأجياد بالدر أنجما ... جعلن لحبات القلوب ضرائرا
وهذا تقسيم طريف، وقد استعمله جماعة من الشعراء، لكنهم قصرت بهم القريحة عن بلوغ هذه الصنعة، ونحوه قول المتنبي: [من الوافر]
بدت قمرا ومالت خوط (٣) ... بان
وفاحت عنبرا ورنت غزالا (٤)
قال الشيخ اليافعي: (ولست أدري أيهما سلك طريق الآخر، وهما متعاصران، توفي المتنبي بعده في سنة أربع) (٥).
стр. 1342
ومن التقسيم الحسن أيضا قول بعض الشعراء: [من الوافر]
وسائلة تسائل عنك قلنا ... لها في وصفك العجب العجيبا
رنا ظبيا وغنّى عندليبا ... ولاح شقائقا ومشى قضيبا
قال ابن السمعاني: (ولست أدري نسبة الزاهي المذكور إلى أي شيء، لكن جماعة نسبوا هذه النسبة إلى قرية من قرى نيسابور) (١).
توفي المذكور سنة اثنتين وخمسين وثلاث مائة (٢).
١٥٩٠ - [ابن المنجّم الشاعر] (٣)
علي بن أبي عبد الله، المعروف بابن المنجم، الشاعر المشهور، ذو نسب عريق في ظرفاء الأدباء، وندماء الخلفاء، يفضون إليه بأسرارهم، ويأمنونه على أخبارهم، وله شعر حسن، منه: [من الكامل]
بيني وبين الدهر فيك عتاب ... سيطول إن لم يمحه الإعتاب
يا غائبا بوصاله وكتابه ... هل يرتجى من غيبتيك إياب
لولا التعلل بالرجا لتقطّعت ... نفس عليك شعارها الأوصاب
لا يأس من روح الإله فربّما ... يصل القطوع ويحضر الغيّاب
توفي سنة اثنتين وخمسين وثلاث مائة.
١٥٩١ - [الحافظ أبو القاسم الأندلسي] (٤)
أبو القاسم خالد بن سعد الأندلسي القرطبي الحافظ، أحد أركان الحديث بالأندلس.
стр. 1343
حدث عن محمد بن فطيس، وسليمان بن قريش وغيرهما، وكان علامة حافظا عجبا في معرفة الرجال والعلل، كان ينظّر في بلاده بيحيى بن معين، حتى قال المستنصر بالله: إذا فاخر أهل المشرق بيحيى بن معين .. فاخرناهم بخالد بن سعد.
قيل: كان يحفظ الشيء من فرد مرة، وله مصنفات.
توفي سنة اثنتين وخمسين وثلاث مائة.
١٥٩٢ - [الحافظ ابن الحيري] (١)
أبو سعيد أحمد بن محمد بن السيد الجليل الشيخ أبي عثمان سعيد بن إسماعيل الحيري النيسابوري.
حدث عن أبي الهيثم بن خلف، والحسن بن سفيان وغيرهما، وعنه الحاكم أبو عبد الله وغيره.
صنف «التفسير الكبير» و «الصحيح» على رسم «مسلم»، وكان إماما حافظا شجاعا، خرج بعسكر للجهاد، فقتل بطرسوس شهيدا في سنة ثلاث وخمسين وثلاث مائة.
١٥٩٣ - [الحافظ ابن حمزة] (٢)
أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن حمزة بن عمارة بن حمزة الخراساني.
حدث عن أبي شعيب الحراني، وأبي خليفة، ومطيّن وغيرهم، وعنه ابن مردويه، وابن منده، وأبو نعيم وغيرهم، وكان حافظا مبرزا على أقرانه في حفظ المسانيد والشيوخ، صنف «المسند الكبير».
وتوفي بأصبهان في شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وثلاث مائة وهو في عشر الثمانين.
стр. 1344
١٥٩٤ - [الحافظ ابن السّكن] (١)
أبو علي سعيد بن عثمان بن سعيد بن السّكن البغدادي، نزيل مصر.
حدث عن أبي القاسم البغوي، والفربري وغيرهما، وعنه عبد الغني بن سعيد، وابن منده وغيرهما.
رحل وطوف وجمع وصنف، وكان أحد الأئمة الحفاظ.
توفي سنة ثلاث وخمسين وثلاث مائة.
١٥٩٥ - [ابن حبّان البستي] (٢)
محمد بن حبان-بكسر المهملة، وتشديد الموحدة-ابن أحمد بن حبان بن معاذ بن حاتم التميمي البستي الحافظ، الإمام العلامة.
سمع النسائي، وابن خزيمة، وأبا خليفة الجمحي وغيرهم أكثر من ألفي شيخ من عدة بلدان.
وحدث عنه الحاكم، ومنصور بن عبد الله الخالدي وغيرهما.
كان أحد أوعية العلم حديثا وفقها ولغة ووعظا حتى الطب والنجوم والكلام، ولي قضاء سمرقند، ثم قضاء نسا، وغاب دهرا عن وطنه، ثم رجع إلى بست، وتوفي بها سنة أربع وخمسين وثلاث مائة.
من مصنفاته: «كتاب الأنواع» وهو كتاب جليل، و «كتاب التاريخ»، وكتابان في الجرح والتعديل، وله أوهام تتبّع بعضها الحافظ ضياء الدين.
بدرت منه هفوة طعن عليه بسببها.
стр. 1345
١٥٩٦ - [محمد بن عبد الله البجلي] (١)
محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عبد ربه (٢) البجلي البغدادي البزار الشافعي، محدث العراق.
رحل إلى الجزيرة ومصر وغيرهما، وحدث عن موسى بن سهل الوشاء آخر أصحاب ابن عليّة، وعن محمد بن شداد المسمعي آخر أصحاب يحيى القطان.
وروى عنه الدارقطني، وابن شاهين وغيرهما، آخرهم أبو طالب بن غيلان.
قال الخطيب: (كان ثقة ثبتا حسن التصنيف، ولما منعت الديلم الناس من ذكر فضائل الصحابة، وكتبوا السب على أبواب المساجد .. كان يتعمد إملاء أحاديث الفضائل بالجامع) (٣).
توفي سنة أربع وخمسين وثلاث مائة.
١٥٩٧ - [أبو الطّيّب المتنبّي] (٤)
أبو الطيب أحمد بن الحسين بن الحسن الجعفي نسبا، الكوفي، ثم الكندي-نسبة إلى محلة بالكوفة تسمى كندة، لا إلى القبيلة المشهورة المعروفة-المعروف بالمتنبي، قيل:
لأنه ادعى النبوة في بادية السماوة، وتبعه خلق كثير في تلك الناحية من كلب وغيرهم، فخرج عليه لؤلؤ أمير حمص نائب الإخشيذية فأسره، وتفرق أصحابه، وحبسه طويلا، ثم استتابه وأطلقه.
قدم الشام في صباه، وجال في أقطاره، واشتغل بفنون الأدب ومهر فيها، وكان من المكثرين في نقل اللغة، والمطلعين على غريبها ووحشيها، فلا يسأل عن شيء إلا واستشهد له بكلام العرب من النظم والنثر، حتى قيل: إن الشيخ أبا علي الفارسي صاحب
стр. 1346
«الإيضاح» و «التكملة» قال له: كم لنا من الجموع على وزن فعلى؟ بكسر الفاء، وسكون العين، وفتح اللام، فقال المتنبي في الحال: حجلى وظربى، قال أبو علي:
فطالعت كتب اللغة ثلاث ليال على أن أجد لهذين الجمعين ثالثا فلم أجد.
وشعره أشهر من أن يذكر، وله ديوان مجموع، اعتنى العلماء به فشرحوه.
وذكر ابن خلكان: (أن بعض مشايخه الذين أخذ منهم قال: وقفت له على أكثر من أربعين شرحا ما بين مطولات ومختصرات، ولم يفعل هذا بديوان غيره، قال: ولا شك أنه رزق في شعره السعادة التامة.
قال ابن خلكان: من الناس من يرجح شعر المتنبي على شعر أبي تمام ومن بعده، ومنهم من يرجح شعر أبي تمام عليه) (١).
ومدح الملوك وغيرهم، وأجزلوا صلته، قيل: إنه وصل إليه من ابن العميد ثلاثون ألف دينار، ومن عضد الدولة صاحب شيراز مثلها، وبعد أن خلص من حبس الأمير لؤلؤ التحق بالأمير سيف الدولة ابن حمدان في سنة سبع وثلاثين، ثم فارقه، ودخل مصر في سنة ست وأربعين، فمدح كافورا الإخشيذي، فوعده كافور بولاية بعض أعماله، فلما رأى تعاطيه في شعره السمو بنفسه .. خافه، فعوتب في خلف وعده، فقال: يا قوم؛ من ادعى النبوة مع محمد ﷺ أما يدعي الملك مع كافور الإخشيذي؟ ! فحسبكم.
قيل: إن المتنبي أنشد سيف الدولة في الميدان قصيدة: [من الطويل]
لكل امرئ من دهره ما تعوّدا (٢) ...
فلما عاد سيف الدولة إلى داره .. استعاده إياها، فأنشدها قاعدا، فقال بعض الحاضرين ممن يريد أن يكيد المتنبي: لو أنشدها قائما .. لأسمع أكثر الناس، فقال المتنبي: أما سمعت أولها:
لكل امرئ من دهره ما تعودا
فهذا من مستحسن الأجوبة.
وكان لسيف الدولة مجلس يحضره العلماء كل ليلة، يتكلمون بحضرته، فوقع بين
стр. 1347
المتنبي وابن خالويه النحوي كلام، فوثب ابن خالويه على المتنبي فضرب وجهه بمفتاح كان في يده فشجه، فخرج ودمه يسيل على ثيابه.
وخرج إلى مصر، فامتدح كافورا، فلما لم يف له بما وعده .. ذمه، ثم رحل عنه وقصد بلاد فارس، ومدح عضد الدولة الديلمي، فأجزل جائزته، ورجع من عنده قاصدا بغداد، ثم الكوفة، وذلك لثمان خلون من شعبان، فعرض له فاتك بن أبي الجهل الأسدي في عدة من أصحابه، وكان مع المتنبي أيضا جماعة من أصحابه، فقاتلوهم، فيقال: إن المتنبي لما رأى الغلبة .. فر، فقال له غلامه: لا يتحدث الناس عنك بالفرار وأنت القائل: [البسيط]
الخيل والليل والبيداء تعرفني ... والحرب والضرب والقرطاس والقلم (١)
فكرّ راجعا حتى قتل، وقتل قبله ابنه محسد-بضم الميم، وفتح الحاء، والسين المشددة بين المهملتين-وقتل معه غلامه مفلح بالقرب من النعمانية في موضع يقال له:
الصافية، وقيل: حيال الصافية في الجانب الغربي من سواد بغداد عند دير العاقول بينهما مسافة ميلين، وذلك يوم الأربعاء لست بقين من شهر رمضان سنة أربع وخمسين وثلاث مائة، وكان ميلاده بالكوفة في محلة تسمى كندة سنة ثلاث وثلاث مائة.
ورثاه أبو القاسم المظفر بقوله: [من الخفيف]
لا رعى الله سرب هذا الزمان ... إذ دهانا في مثل ذاك اللسان
ما رأى الناس ثاني المتنبي ... أي ثان يرى لبكر الزمان
كان من نفسه الكبيرة في جي ... ش وفي كبرياء ذي سلطان
هو في شعره نبي ولكن ... ظهرت معجزاته في المعاني
ويحكى أن المعتمد بن عباد اللخمي صاحب قرطبة وإشبيلية أنشد يوما بيت المتنبي وهو من جملة قصيدته المشهورة: [من الطويل]
إذا ظفرت منك العيون بنظرة ... أثاب بها معيي المطي ورازمه (٢)
стр. 1348
وجعل يردده استحسانا له وفي مجلسه أبو محمد عبد الجليل بن وهبون الأندلسي فأنشد ارتجالا: [من الطويل]
لئن جاد شعر ابن الحسين فإنما ... يجيد العطايا واللها تفتح اللها
تنبأ عجبا بالقريض (١) ... ولو درى
بأنك تروي شعره لتألها
واللها الأول-بضم اللام-: جمع لهوة، وهو ما يجعل في الرحى من الحب، واللها الثانية-بفتح اللام-: جمع لهاة، وهي الهنة المطبقة في أقصى سقف الفم، واستعار بذلك استعارة حسنة؛ يعني: إنما تفتح تلك اللهاة؛ لأجل ما يوضع في فمه من المآكل الطيبة.
والمراد: إنما يجيد شعره ما يأخذه من أموال السلاطين والولاة، فذلك الذي يحمله على تجويد شعره.
١٥٩٨ - [الجعابي] (٢)
أبو بكر محمد بن عمر بن محمد بن سليم بن البراء بن سبرة التميمي البغدادي، القاضي، المعروف بالجعابي.
حدث عن يوسف القاضي، وأبي خليفة الجمحي، وجعفر الفريابي وغيرهم، وعنه الدارقطني، والحاكم، وابن رزقويه، وخلق سواهم.
وكان أحد الحفاظ المجودين، روي عنه أنه قال: أحفظ أربع مائة ألف حديث، وأذاكر بست مائة ألف حديث.
رمي بالتشيع والشرب وغير ذلك، ذكر الدارقطني أنه خلط، وأنه شيعي.
توفي سنة خمس وخمسين وثلاث مائة.
١٥٩٩ - [القاضي أبو الحكم البلّوطي] (٣)
أبو الحكم منذر بن سعيد البلّوطي، قاضي الجماعة بقرطبة.
стр. 1349
كان ظاهري المذهب، فطنا مناظرا ذكيا بليغا مفوها شاعرا، كثير التصانيف، قوالا للحق، ناصحا للخلق، عزيز المثل، ﵀.
توفي سنة خمس وخمسين وثلاث مائة.
١٦٠٠ - [معز الدولة ابن بويه] (١)
السلطان معز الدولة أحمد بن بويه الديلمي.
كان في صباه يحتطب، وأبوه يصيد السمك، فما زال يترقى في أمر الدنيا حتى ملك بغداد نيفا وعشرين سنة.
وكان حازما سائسا مهيبا رافضيا عالما، وفي أيامه قوي شأن الرافضة، فأظهر المأتم على قتل الحسين ﵁ في يوم عاشوراء، وصلوا صلاة عيد الغدير؛ غدير خم وغير ذلك.
ويقال: رجع في مرضه عن الرفض، وندم على الظلم، وتوفي بالإسهال في سنة ست وخمسين وثلاث مائة، وهو عم عضد الدولة بن ركن الدولة، وسيأتي ذكرهم في محالهم إن شاء الله تعالى (٢).
١٦٠١ - [الباز الأبيض المغفّلي] (٣)
أبو محمد أحمد بن عبد الله الهروي المغفّلي، بفتح الغين المعجمة، والفاء المشددة.
قال الحاكم: كان إمام أهل خراسان بلا مدافعة، وكان فوق الوزراء، وكانوا يصدرون عن رأيه.
توفي سنة ست وخمسين وثلاث مائة.
стр. 1350
١٦٠٢ - [أبو علي القالي] (١)
أبو علي إسماعيل بن القاسم البغدادي اللغوي النحوي الأخباري، صاحب التصانيف، ونزيل الأندلس.
أخذ الأدب عن ابن كبيريت (٢)، وابن الأنباري، وسمع من أبي يعلى الموصلي، والبغوي وطبقتهما، وله كتاب «البارع في اللغة» في خمسة آلاف ورقة، ولم يتمه.
توفي بقرطبة في ربيع الآخر سنة ست وخمسين وثلاث مائة.
١٦٠٣ - [أبو الفرج الأصبهاني] (٣)
علي بن الحسين القرشي الأموي المرواني المعروف بأبي الفرج، الأصبهاني الأصل، البغدادي المنشأ، الكاتب الأخباري، مؤلف كتاب «الأغاني» الذي وقع الاتفاق على أنه لم يعمل في بابه مثله، جمعه في خمسين سنة، وحمله إلى سيف الدولة ابن حمدان، فأعطاه ألف دينار، واعتذر إليه.
ويحكى أن الصاحب ابن عباد كان يستصحب في أسفاره من كتب الأدب حمل ثلاثين جملا؛ ليطالعها، فلما وصل إليه كتاب «الأغاني» .. لم يكن بعد يستصحب سواه مستغنيا به.
وله جملة مصنفات أخر، روى عن كثير من العلماء، وكان عالما بأيام الناس والسير والمغازي والنحو واللغة والبيطرة والنجوم والأشربة وغير ذلك.
وله شعر يجمع إتقان العلماء وإحسان الظرفاء، وله في الوزير المهلبي-وكان منقطعا إليه-مدائح، منها قوله: [من الطويل]
ولما انتجعنا لائذين بظله ... أعان وما عنى ومنّ وما منّا
стр. 1351
وردنا عليه مقترين فراشنا ... وردنا نداه مجدبين فأخصبنا
وله من قصيدة يهنئه فيها بمولود جاءه من سرية رومية: [من الكامل]
اسعد بمولود أتاك مباركا ... كالبدر أشرق جنح ليل مقمر
سعد لوقت سعادة جاءت به ... أمّ حصان من بنات الأصفر
متبجّح في ذروتي شرف الورى ... بين المهلب منتماه وقيصر
شمس الضحى قرنت إلى بدر الدجى ... حتى إذا اجتمعا أتت بالمشتري
ومن العجائب أنه مرواني شيعي.
ولد سنة أربع وثمانين ومائتين، وتوفي سنة ست وخمسين وثلاث مائة.
١٦٠٤ - [كافور الإخشيذي] (١)
أبو المسك كافور الإخشيذي الحبشي الأسود الخادم، صاحب الديار المصرية والحجازية والشامية.
اشتراه الإخشيذ صاحب مصر بثمانية عشر دينارا على ما قيل، فتقدم عنده حتى صار من أكبر قواده؛ لعقله ورأيه وشجاعته، ثم صار أتابك ولده الأكبر أبو القاسم بعده وكان صبيا، فبقي الاسم لأبي القاسم والدست لكافور، فأحسن سياسة الأمور إلى أن مات أبو القاسم سنة تسع وأربعين، فأقام كافور في الملك بعده أخاه أبا الحسن عليا، واستمر كافور على نيابته وحسن سيرته إلى أن توفي علي سنة خمس-أو أربع-وخمسين، فاستقل كافور بالمملكة، وكان وزيره أبا الفضل جعفر بن الفرات، وكان يرغب في أهل الخير ويعظمهم، ولما فارق أبو الطيب المتنبي سيف الدولة بن حمدان مغاضبا .. قصد مصر، وامتدح كافورا بمدائح حسان، منها: قوله في قصيدة: [من الطويل]
قواصد كافور توارك غيره ... ومن قصد البحر استقل السواقيا
فجاءت بنا إنسان عين زمانه ... وخلت بياضا خلفها ومآقيا (٢)
стр. 1352
وأنشده أيضا قصيدة يقول فيها: [من الطويل]
وأخلاق كافور إذا شئت مدحه ... وإن لم أشأ تملي عليّ فأكتب
إذا ترك الإنسان أهلا وراءه ... ويمّم كافورا فما يتغرّب
ومن جملتها:
يضاحك في ذا العيد كلّ حبيبه ... حذائي وأبكي من أحب وأندب
أحنّ إلى أهلي وأهوى لقاءهم ... وأين من المشتاق عنقاء مغرب
فإن لم يكن إلا أبو المسك أو هم ... فإنك أحلى في فؤادي وأعذب
وكل امرئ يولي الجميل محبّب ... وكل مكان ينبت العز طيّب (١)
ومن قصيدة أخرى هي آخر قصيدة أنشده: [من الطويل]
أرى لي بقربي منك عينا قريرة ... وإن كان قربا بالبعاد يشاب
وهل نافعي أن ترفع الحجب بيننا ... ودون الذي أمّلت منك حجاب
وفي النفس حاجات وفيك فطانة ... سكوتي بيان عندها وخطاب
وما أنا بالباغي على الحب رشوة ... ضعيف هوى يبغى عليه ثواب
وما شئت إلا أن أدل عواذلي ... على أن رأيي في هواك صواب
وأعلم قوما خالفوني فشرقوا ... وغربت أني قد ظفرت وخابوا
جرى الخلف إلا فيك أنك واحد ... وأنك ليث والملوك ذئاب
وإنّ مديح الناس حق وباطل ... ومدحك حق ليس فيه كذاب
إذا نلت منك الود فالمال هيّن ... وكل الذي فوق التراب تراب
وما كنت لولا أنت إلا مهاجرا ... له كلّ يوم بلدة وصحاب
ولكنك الدنيا إلي حبيبة ... فما عنك لي إلا إليك ذهاب (٢)
وأقام المتنبي بعد إنشاء هذه القصيدة بمصر سنة لا يلقى كافورا غضبا عليه، يركب في خدمته؛ خوفا منه ولا يجتمع به، واستعد للرحيل في الباطن، وجهز جميع ما يحتاج إليه،
стр. 1353
وقال في يوم عرفة سنة خمسين وثلاث مائة قبل مفارقته مصر بيوم واحد قصيدته الدالية التي هجا كافورا فيها، وفي آخرها: [من البسيط]
من علّم الأسود المخصي مكرمة ... أقومه البيض أم آباؤه الصيد (١)
وله فيه من الهجو كثير تضمنه «ديوانه»، ثم فارقه ورحل إلى عضد الدولة.
ذكر بعضهم قال: حضرت مجلس كافور الإخشيذي، فدخل رجل ودعا له، فقال في دعائه: أدام الله تعالى أيام مولانا-بكسر الميم من أيام-فتكلم جماعة من الحاضرين في ذلك وعابوا عليه، فقام رجل من أوساط الناس وأنشد مرتجلا: [من البسيط]
لا غرو إن لحن الداعي لسيدنا ... أو غصّ من دهش بالريق أو بهر
فتلك هيبته حالت جلالتها ... بين الأديب وبين القول بالحصر
وإن يكن خفض الأيام من غلط ... في موضع النصب لا عن قلة النظر
فقد تفاءلت من هذا لسيدنا ... والفأل مأثورة عن سيد البشر
بأن أيامه خفض بلا نصب ... وأن أوقاته صفو بلا كدر
الحصر-بفتح الحاء والصاد المهملتين-: العي، وهو أيضا ضيق الصدر.
ولم يزل كافور مالكا لمصر والشام، يدعى له على المنابر بمكة والحجاز وجميع ديار مصر وبلاد الشام في دمشق وحلب وأنطاكية وطرسوس والمصيصة وغير ذلك إلى أن توفي سنة ست-أو سبع (٢) -وخمسين وثلاث مائة، وعمره نيف وستون سنة.
١٦٠٥ - [سيف الدولة] (٣)
علي بن عبد الله بن حمدان التغلبي الجزري الأمير، الجليل الشأن، المعروف بسيف الدولة، كان بطلا شجاعا أديبا شاعرا جوادا ممدحا.
قال أبو منصور الثعالبي في كتابه «يتيمة الدهر»: (كان بنو حمدان ملوكا، أوجههم
стр. 1354
للصباحة، وألسنتهم للفصاحة، وأيديهم للسماحة، وعقولهم للرجاحة، وسيف الدولة مشهور بسيادتهم، وواسطة قلادتهم، حضرته مقصد الوفود، ومطلع الجود، وقبلة الآمال، ومحطّ الرحال، وموسم الأدباء، وحلية الشعراء، قيل: إنه لم يجتمع بباب أحد من الملوك والخلفاء ما اجتمع ببابه من شيوخ الشعر، ونجوم الدهر، وكان أديبا شاعرا مجيدا، ومحبا لجيد الشعر، شديد الاهتزاز) (١).
ومن بديع شعره قوله: [من الطويل]
وساق صبيح للصّبوح دعوته ... فقام وفي أجفانه سنة الغمض
يطوف بكاسات العقار كأنجم ... فمن بين منقضّ علينا ومنفضّ
وقد نشرت أيدي الجنوب مطارفا ... على الجو دكنا والحواشي على الأرض
يطرّزها فوق السحاب بأصفر ... على أحمر في أخضر تحت مبيضّ
كأذيال خود أقبلت في غلائل ... مصبّغة والبعض أقصر من بعض
قال ابن خلكان: (وهذا من التشبيهات الملوكية التي لا يكاد يحضر مثلها للسوقة، ويقال: إن الأبيات لأبي الصقر القبيصي، والبيت الأخير أخذ معناه أبو علي الفرج بن محمد المؤدب البغدادي فقال في فرس أدهم محجّل: [من الخفيف]
لبس الصبح والدّجنّة بردي ... ن فأرخى بردا وقلص بردا
وقيل: إنها لعبد الصمد بن المعذّل.
وكان لسيف الدولة جارية من بنات ملوك الروم في غاية الجمال، فحسدها بعض الحظايا؛ لقربها منه ومحلها من قلبه، وعز من على إيقاع مكروه بها من سم أو غيره، فبلغه الخبر وخاف عليها، فنقلها إلى بعض الحصون احتياطا وقال: [من الخفيف]
راقبتني العيون فيك فأشفق ... ت ولم أخل قط من إشفاق
ورأيت العدو يحسدني في ... ك مجدّا يا أنفس الأعلاق
فتمنيت أن تكوني بعيدا ... والذي بيننا من الود باق
رب هجر يكون من خوف هجر ... وفراق يكون خوف فراق
стр. 1355
قال ابن خلكان: رأيت هذه الأبيات بعينها في ديوان عبد المحسن الصوري، والله أعلم لمن هي منهما) (١).
ومن شعر سيف الدولة: [من الهزج]
أقبّله على جزع ... كشرب الطائر الفزع
رأى ماء فأطمعه ... وخاف عواقب الطمع
فصادف فرصة (٢) ... فدنا
فلم يلتذ بالجرع
ومن شعره: [من الطويل]
تجنّى عليّ الذنب والذنب ذنبه ... وعاتبني ظلما وفي شقّه العتب
إذا برم المولى بخدمة عبده ... تجنّى له ذنبا وإن لم يكن ذنب
وأعرض لما صار قلبي بكفه ... فهلا جفاني حين كان لي القلب
ويحكى: أن ابن عمه أبا فراس كان يوما بين يديه في نفر من ندمائه، فقال سيف الدولة: أيكم يجيز قولي وليس له إلا سيدي؛ يعني أبا فراس: [من مجزوء الخفيف]
لك جسمي تعله ... فدمي لم تحله
فارتجل أبو فراس وقال:
قال إن كنت مالكا ... فلي الأمر كلّه
فاستحسنه وأعطاه ضيعة بأعمال منبج-المدينة المعروفة-تغل ألفي دينار كل سنة.
وجرت بينه وبين أخيه ناصر الدولة وحشة، فكتب إليه سيف الدولة: [من الخفيف]
لست أجفو وإن جفيت ولا أت ... رك حقا علي في كل حال
إنما أنت والد والأب الجا ... في يجازى بالصبر والاحتمال
وكتب إليه مرة أخرى: [من الطويل]
رضيت لك العليا وإن كنت أهلها ... وقلت لهم بيني وبين أخي فرق
ولم يك بي عنها نكول وإنما ... تجافيت عن حقي فتم لك الحق
ولا بد لي من أن أكون مصليا ... إذا كنت أرضى أن يكون لك السبق
стр. 1356
وكان سيف الدولة يوما بمجلسه، والشعراء ينشدونه بمدينة حلب، فتقدم رجل رث الهيئة وأنشد: [من المنسرح]
أنت عليّ وهذه حلب ... قد نفد الزاد وانتهى الطلب
بهذه تفخر البلاد وبال ... أمير تزهو على الورى العرب
وعبدك الدهر قد أضر به ... إليك من جور عبدك الهرب
فقال له سيف الدولة: أحسنت والله، وأمر له بمائتي دينار.
وكان ناصر الدولة أكبر سنا من سيف الدولة، وكان الذي لقبهما بهذا اللقب الخليفة المتقي بالله، وكان الخليفة المكتفي بالله قد ولى أباهما عبد الله بن حمدان الموصل وأعمالها، فملك ناصر الدولة الموصل بعد أبيه؛ لأنه أكبر سنا، وكان أقدم منزلة عند الخلفاء، فلما توفي سيف الدولة في سنة ست وخمسين .. تغيرت أحوال ناصر الدولة كما سيأتي في ترجمته (١).
وأخبار سيف الدولة كثيرة مع الشعراء وغيرهم، وملك حلب في سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مائة، انتزعها من أحمد بن سعيد الكلابي صاحب الإخشيذ.
ولد سيف الدولة سنة ثلاث-أو إحدى-وثلاث مائة، وتوفي يوم الجمعة لخمس بقين من صفر سنة ست وخمسين، ودفن في تربة أبيه، وكان قد جمع له من الغبار الذي يجتمع عليه في غزواته شيئا، وعمله لبنة بقدر الكف، وأوصى أن يوضع خده عليها في لحده، فنفذت وصيته.
قال الشيخ اليافعي: (لعل أحمد بن سعيد الكلابي المذكور هو المراد بقول الشاعر: [من البسيط]
ما زلت أسمع والركبان تخبرني ... عن أحمد بن سعيد أطيب الخبر
حتى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن مما قد رأى بصري
على ما ذكر بعضهم أنه أحمد بن سعيد، وذكر ابن خلكان وغيره أنه جعفر بن فلاح،
стр. 1357
وأن قائل البيتين ابن هاني الأندلسي، وغلّط من قال خلاف ذلك) (١)، وسيأتي في ترجمة جعفر بن فلاح في سنة ستين وثلاث مائة (٢).
وولي بعد سيف الدولة ابنه سعد الدولة، وستأتي ترجمته في سنة إحدى وثمانين (٣).
١٦٠٦ - [الخليفة المتقي لله] (٤)
الخليفة المتقي لله أبو إسحاق إبراهيم بن المقتدر أبي الفضل جعفر بن المعتضد.
ولد لخمس بقين من شوال سنة سبع وثلاث مائة (٥)، وبويع له بالخلافة لعشر بقين من ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلاث مائة.
وفي سنة ثلاثين: دخل أبو الحسين البريدي بغداد بعد محاربة وقعت بينه وبين أهلها، فهرب المتقي إلى الموصل، ونهبت دار المتقي نهبا شنيعا.
وفي سنة اثنتين وثلاثين: استوحش المتقي من الأمير توزون، ثم تم الصلح بينهما في سنة ثلاث وثلاثين، وحصل بينهما أيمان غليظة، فغدر توزون بالمتقي، فقبض عليه وهو قادم من الرقة مفارق لبني حمدان مستقيم إلى توزون، قبض عليه بالسندية وسمله، واستخلف المستكفي كما تقدم (٦)، ولم يفلح توزون، فمات قبل تمام الحول.
فمدة ولاية المتقي أربع سنين إلا شهرا، وتوفي في داره (٧) لأربع عشرة ليلة خلت (٨) من شعبان سنة سبع وخمسين وثلاث مائة، فعمره خمسون سنة ونحو شهرين (٩).
وكان فيه صلاح وكثرة صلاة وصيام، ولم يكن يشرب، وفي خلافته انهدمت القبة الخضراء المنصورية التي كانت فخر بني العباس.
стр. 1358
١٦٠٧ - [أبو فراس الحمداني] (١)
أبو فراس الحارث بن أبي العلاء سعيد بن حمدان، ابن عم سيف الدولة.
قال الثعالبي في وصفه: (كان فرد دهره وشمس عصره أدبا وفضلا، وكرما ومجدا، وبلاغة وبراعة، وفروسية وشجاعة، وشعره مشهور، سائر بين الحسن والجودة، والسهولة والجزالة، والعذوبة والفخامة والحلاوة، ومعه رواء الطبع، وسمة الظرف، وعزة الملك، قال: ولم تجتمع هذه الخلال قبله إلا في شعر عبد الله بن المعتز، وأبو فراس يعد أشعر منه عند أهل الصنعة ونقدة الكلام، وكان المتنبي يشهد له بالتقدم والتبريز، وإنما لم يمدحه ومدح من دونه من آل حمدان؛ إعظاما له وإجلالا، لا إغفالا وإخلالا.
وكان سيف الدولة يميزه على سائر قومه، ويستصحبه في غزواته، ويستخلفه في أعماله، ويعجب بمحاسنه) (٢).
أسرته الروم مرة، وذهبوا به إلى قلعة يجري الفرات تحتها، فيقال: إنه ركب فرسه، وركض برجله، وأهوى به من أعلى الحصن إلى الفرات ونجا، ثم أسروه مرة ثانية وهو جريح قد أصابه سهم بقي نصله في فخذه، وأقام مأسورا معهم في القسطنطينية أربع سنين، ثم خلصه الله تعالى.
قيل: إنه لما مات سيف الدولة .. عزم على التغلب على حمص، فاتصل خبره بأبي المعالي ابن سيف الدولة وغلام لأبيه، فأنفذ إليه من قاتله، فأخذ وقد ضرب ضربات، فمات في الطريق.
وقيل: بل مات في حرب بينه وبين موالي أسرته.
وقيل: قتله غلام سيف الدولة، ولم يعلم أبو المعالي، فلما بلغه خبر قتله .. شق عليه.
стр. 1359
وقيل: إنه كان خال أبي المعالي، وإن أم أبي المعالي لما بلغها قتل أبي فراس ..
لطمت وجهها حتى قلعت عينها، وذلك في سنة سبع وخمسين وثلاث مائة.
وله ديوان شعر منه: [من الكامل]
قد كنت عدّتي التي أسطو بها ... ويدي إذا اشتد الزمان وساعدي
فرميت منك بضد ما أمّلته ... والمرء يشرق بالزلال البارد (١)
وله أيضا: [من الطويل]
ونحن أناس لا توسط بيننا ... لنا الصدر دون العالمين أو القبر
تهون علينا في المعالي نفوسنا ... ومن خطب الحسناء لم يغلها المهر (٢)
وله أيضا: [من البسيط]
كانت مودة سلمان له نسبا ... ولم يكن بين نوح وابنه رحم (٣)
١٦٠٨ - [الحافظ الورّاق] (٤)
عمر بن جعفر بن عبد الله بن أبي السري الوراق البصري أبو حفص، نزيل بغداد.
حدث عن أبي خليفة، وابن جرير وغيرهما، وعنه الحاكم، وابن رزقويه، وعلي بن أحمد الرزاز.
وكان حافظا صدوقا، وخطأه الدارقطني في أشياء، واتهمه أبو محمد الحسن بن أحمد السّبيعي.
وتوفي سنة سبع وخمسين وثلاث مائة.
стр. 1360
١٦٠٩ - [محدث دمشق ابن مروان] (١)
محمد بن إبراهيم القرشي الدمشقي، محدث دمشق.
كان ثقة مأمونا جوادا مفضّلا، خرج له الحافظ ابن منده ثلاثين جزءا.
توفي سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة.
١٦١٠ - [ناصر الدولة] (٢)
الحسن بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان التغلبي، صاحب الموصل، الملقب: ناصر الدولة.
وكان أخوه سيف الدولة يتأدب معه؛ لسنه ومنزلته عند الخلفاء، ووقع بينهما مرة مشاحنة ووحشة، فكتب إليه سيف الدولة: [من الخفيف]
لست أجفو وإن جفيت ولا أت ... رك حقا عليّ في كل حال
إنما أنت والد والأب الجا ... في يجازى بالصبر والاحتمال
وكتب إليه سيف الدولة أيضا: [من الطويل]
رضيت لك العليا وإن كنت أهلها ... وقلت لهم بيني وبين أخي فرق
ولم يك بي عنها نكول وإنما ... تجافيت عن حقي فتم لك الحق
ولا بد لي من أن أكون مصليا ... إذا كنت أرضى أن يكون لك السبق
وكان ناصر الدولة كثير المحبة لسيف الدولة، فلما توفي سيف الدولة .. حزن عليه ناصر الدولة، وتغيرت أحواله، وضعف عقله، فبادر ولده أبو تغلب الغضنفر عدة الدولة، فحبسه في حصن السلامة، ومنعه من التصرف، وقام بالمملكة.
ولم يزل ناصر الدولة معتقلا إلى أن مات في سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة.
стр. 1361
١٦١١ - [ابن القطان الشافعي] (١)
أحمد بن محمد بن أحمد، المعروف بابن القطان، الإمام، الشافعي.
أخذ الفقه عن ابن سريج، ثم من بعده عن أبي إسحاق المروزي، وأخذ عنه العلماء، وله مصنفات في أصول الفقه وفروعه، انتهت إليه الرئاسة.
توفي سنة تسع وخمسين وثلاث مائة. مذكور في الأصل.
١٦١٢ - [ابن الصوّاف] (٢)
أبو علي ابن الصواف، المحدث الحجة، البغدادي.
قال الدارقطني: ما رأت عيناي مثله ومثل آخر بمصر.
توفي سنة تسع وخمسين وثلاث مائة.
١٦١٣ - [جعفر بن فلاح] (٣)
جعفر بن فلاح الكثامي، بضم الكاف وبعدها مثلثة (٤).
كان أحد قواد المعز العبيدي الباطني، سيره إلى الشام، فأخذ له الرملة ثم دمشق بعد أن حاصر أهلها أياما، وهو أول وال وليها للباطنية بني عبيد، ثم قدم لحربه الحسن بن أحمد القرمطي الذي تغلب قبله على دمشق، وكان جعفر مريضا، فأسره القرمطي، وقتله في سنة ستين وثلاث مائة.
стр. 1362
وكان رئيسا جليل القدر، ممدوحا، وفيه يقول أبو القاسم محمد بن هاني الأندلسي الشاعر المشهور: [من البسيط]
كانت مساءلة الركبان تخبرني ... عن جعفر بن فلاح أطيب الخبر
حتى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن مما قد رأى بصري
وروي (بأطيب) بدل (أحسن) وقال بعضهم: إنهما لأبي تمام في أحمد بن سعيد بن داود (١)، ورواهما:
عن أحمد بن سعيد أطيب الخبر
قال ابن خلكان: (وهو غلط، بل هما لمحمد بن هاني في جعفر بن فلاح المذكور) (٢).
١٦١٤ - [الإمام الطبراني] (٣)
سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الشامي أبو القاسم الطبراني، الحافظ الكبير المشهور.
أول سماعه بطبرية، ثم رحل إلى القدس، ثم إلى حمص وجبلة ومدائن الشام، وحج ودخل اليمن، وورد إلى مصر، ثم رحل إلى العراق وأصبهان وفارس، وسمع على أكثر من ألف شيخ، منهم: أبو زرعة الدمشقي، وإسحاق الدّبري، والنسائي، وهاشم بن مرثد.
وروى عنه خلق، منهم: ابن مردويه، وأبو نعيم، ومحمد بن عبيد الله بن شهريار.
وكان إماما كبيرا ثقة عارفا بالعلل والرجال، صنف المعاجم الثلاثة المنسوبة إليه، وكان يقول في «الأوسط»: هو روحي؛ لأنه تعب عليه، وله غير ذلك من المصنفات المفيدة.
توفي بأصبهان في ذي القعدة سنة ستين وثلاث مائة، وله مائة سنة وعشرة أشهر.
стр. 1363
١٦١٥ - [الحافظ ابن مطر] (١)
محمد بن جعفر بن محمد بن مطر النيسابوري الحافظ، المعروف بأبي عمرو ابن مطر.
حدث عن أحمد بن المبارك المستملي، ومحمد بن أيوب ابن الضّرّيس وغيرهما.
وكان متعففا، قانعا باليسير، مجتهدا في العبادة، يحيي الليل، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، مجتهدا في اتباع السنة، كان يقال له: شيخ السنة.
توفي سنة ستين وثلاث مائة.
١٦١٦ - [أبو بكر الآجرّي] (٢)
محمد بن الحسين بن عبد الله البغدادي الحافظ، أبو بكر الآجري، الفقيه المحدث.
كان صالحا عابدا.
روى عن أبي شعيب الحراني، وأحمد بن يحيى الحلواني، والمفضل بن محمد الجندي -بفتحتين-وغيرهم.
وروى عنه علي وعبد الملك ابنا بشران، وأبو نعيم الأصبهاني وغيرهم.
وكان إماما ثقة، حدث ببغداد، ثم انتقل إلى مكة وجاور بها ثلاثين سنة، قيل: إنه لما دخلها .. أعجبته فقال: اللهم؛ ارزقني الإقامة بها سنة، فسمع هاتفا يقول: بل ثلاثين سنة.
وله كتاب «الشريعة» وكتاب «الأربعين» وغيرهما من المصنفات.
توفي ﵀ سنة ستين وثلاث مائة.
стр. 1364
١٦١٧ - [أبو محمد الرّامهرمزي] (١)
الحسن بن عبد الرحمن بن خلاّد الفارسي أبو محمد الرامهرمزي.
حدث عن أبيه، وأبي خليفة، ويوسف القاضي وغيرهم.
وروى عنه ابن جميع، وابن مردويه، وأحمد بن إسحاق النهاوندي.
وكان حافظا عارفا بارعا، وصنف كتاب «الأمثال» وكتاب «المحدث الفاصل».
مات برامهرمز سنة ستين وثلاث مائة.
١٦١٨ - [الحافظ ابن علّك] (٢)
عبد الله بن عمر بن أحمد بن علّك المروزي الجوهري أبو عبد الرحمن.
سمع أباه الحافظ، ومحمد بن أيوب ابن الضّرّيس، وعبد الله بن الإمام أحمد وغيرهم، وعنه الحاكم، وأبو بكر البرقاني وغيرهما من المحدثين، وكان من الحفاظ الأثبات.
توفي سنة ستين وثلاث مائة.
١٦١٩ - [ابن أبي يعلى] (٣)
الشريف أبو القاسم بن أبي يعلى الهاشمي.
لما أخذ العبيديون دمشق .. قام هذا الشريف، وقام معه أهل الغوطة والشباب، واستفحل أمره في ذي الحجة سنة تسع وخمسين، وطرد عن دمشق متوليها، ولبس السواد، وأعاد الخطبة لبني العباس، فلم يلبث إلا أياما حتى جاء عسكر المغاربة، وحاربوا أهل دمشق، وقتل من الفريقين جماعة، ثم هرب الشريف في الليل، وصالح أهل البلد العسكر، وأسر الشريف عند تدمر، فشهره جعفر بن فلاح على جمل، وبعث به إلى مصر، فتوفي سنة ستين وثلاث مائة.
стр. 1365
١٦٢٠ - [ابن سالم الصّوفي] (١)
أبو الحسن ابن سالم البصري، الشيخ العارف.
كان له أحوال ومجاهدات، وعنه أخذ الشيخ أبو طالب المكي مؤلف كتاب «قوت القلوب».
توفي أبو الحسن المذكور سنة ستين وثلاث مائة، وهو آخر أصحاب الشيخ سهل بن عبد الله التستري وفاة.
١٦٢١ - [الوزير ابن العميد] (٢)
الوزير أبو الفضل محمد بن الحسين المعروف بابن العميد، وزير ركن الدولة ابن بويه.
كان كامل الرئاسة، جليل المقدار، متوسعا في علوم الفلسفة والنجوم والأدب والترسل، كانت له في الرسائل اليد البيضاء، وفي براعته في الكتابة قيل: بدئت بعبد الحميد، وختمت بابن العميد.
قصده جماعة من مشاهير الشعراء بالمدائح، منهم المتنبي، مدحه بقصيدته التي أولها: [من الكامل]
باد هواك صبرت أم لم تصبرا ... وبكاك إن لم يجر دمعك أو جرى (٣)
فأعطاه ثلاثة آلاف دينار، والألف في (أو لم تصبرا) منقلبة عن نون التأكيد الخفيفة.
وكان الصاحب بن عباد من بعض أتباعه، ولأجل صحبته له قيل له: الصاحب، كذا في «تاريخ اليافعي» (٤)، وأظن أن الصاحب صار لقبا للوزير، فكل من ولي الوزارة يقال له:
الصاحب، والله سبحانه أعلم.
стр. 1366
توفي ابن العميد سنة ستين وثلاث مائة، ولما مات .. رتب ركن الدولة مكانه في الوزارة ابنه أبا الفتح علي بن العميد ذا الكفايتين، وكان جليلا نبيلا سريا، ثم قبض عليه عضد الدولة في آخر الأمر، وصادره حتى تلف تحت العذاب، نسأل الله تعالى العافية.
والله سبحانه أعلم
***
стр. 1367
الحوادث
السنة الحادية والأربعون
فيها: دخل الروم مدينة سروج، وفتكوا فيها وقتلوا (١).
وفيها: ظهر رجل وامرأة من التناسخية، يزعم الرجل أن روح علي ﵁ انتقلت إليه، وتزعم المرأة أن روح فاطمة ﵂ انتقلت إليها، وآخر يدعي أنه جبريل، فضربهم الوزير المهلبي، فتعززوا بالانتماء إلى أهل البيت، وكان بعض الولاة إذ ذاك شيعيا، فأمر بإطلاقهم (٢).
وفيها: توفي أبو طاهر المنصور إسماعيل بن القائم بن المهدي العبيدي الباطني صاحب المغرب، وأبو الطاهر المديني، وإسماعيل الصفار، وابن الأخرم مقرئ دمشق.
***
السنة الثانية والأربعون
فيها: تدرّق (٣) الحاج لأبي عبد الله أحمد بن علي بن عمر بن يحيى ولأبي الحسين محمد بن عبد الله العلويين (٤)، وجرت بينهما وبين المصريين حرب كان الظفر فيها لهما، وأقيمت الدعوة بمكة لمعز الدولة (٥).
وفيها: توفي العلامة أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب الصّبغي شيخ الشافعية بنيسابور، والشيخ الكبير إبراهيم بن أحمد الرقي الواعظ، شيخ الصوفية، أخذ عن الجنيد وجماعة، وأبو القاسم علي بن محمد التنوخي القاضي، وأحمد بن عبيد الهمذاني،
стр. 1368
وأبو الفضل الحسن البخاري، وعبد الرحمن الجلاّب، والناشئ الأصغر علي بن عبد الله بن وصيف الشاعر المشهور.
***
السنة الثالثة والأربعون
فيها: مات نوح صاحب خراسان، وقام ابنه عبد الله (١) مقامه بمعونة ابن مالك له، وتجرد بكر بن مالك لابن محتاج، وقتل رجاله (٢).
وفيها: توفي شيخ الكوفة أبو الحسن علي بن محمد بن محمد الشيباني، وخيثمة، وعلي بن الفضل السّتوري.
***
السنة الرابعة والأربعون
فيها: مات أبو علي بن محتاج.
وفيها: تم الصلح بين ركن الدولة وعبد الملك بن نوح (٣).
وفيها: ملك ديسم الكردي سلماس وأذربيجان (٤)، وخطب فيها لناصر الدولة بن حمدان.
وفيها: توفي العلامة أبو الفضل القشيري المصري المالكي، صاحب التصانيف في الأصول والفروع، والإمام العلامة أبو بكر محمد بن أحمد المعروف بابن الحداد، والإمام أبو النضر محمد بن محمد الطوسي الشافعي، مفتي خراسان، والحافظ أبو عبد الله محمد بن يعقوب الشيباني محدث نيسابور، وأبو زكريا يحيى بن محمد العنبري النيسابوري، وابن بويان المقرئ، وأبو يعقوب الأذرعي، وعثمان ابن السّمّاك.
***
стр. 1369
السنة الخامسة والأربعون
فيها: غلبت الروم على طرسوس، وقتلوا، وسبوا، وأحرقوا قراها (١).
وفيها: توفي أبو علي الحسن بن الحسين ابن أبي هريرة شيخ الشافعية في عصره، والحافظ العلامة أبو الحسن ابن سلمة القطان القزويني، والإمام اللغوي الزاهد صاحب ثعلب أبو عمرو محمد بن عبد الواحد البغدادي المعروف بالمطرز، والوزير محمد بن علي البغدادي الكاتب، وأحمد بن سليمان العباداني، وبكر بن محمد المروزي، وعثمان السمرقندي القيسي، ومحمد بن العباس بن نجيح، ومكرم بن أحمد، والمسعودي المؤرخ.
***
السنة السادسة والأربعون
فيها: قل المطر، ونقص البحر نحوا من ثمانين ذراعا، وظهر فيه جبال وجزائر لم تعرف من قبل، وأشياء لم تعهد، وكان بالري زلازل عظيمة، وخسف ببلد الطالقان في ذي الحجة، ولم يفلت من أهلها إلا نحو ثلاثين رجلا، وخسف بخمسين ومائة قرية من قرى الري فيما نقل بعض المؤرخين، قال: وعلقت قرية بين السماء والأرض نحو نصف يوم، ثم خسف بها (٢).
وفي يوم عاشوراء منها: توفي شيخ المغرب أبو القاسم إبراهيم بن عثمان القيرواني، والحافظ الكبير أبو يعلى عبد المؤمن بن خلف النسفي، وأبو العباس محمد بن أحمد بن محبوب المحبوبي المروزي، والإمام وهب بن ميسرة التميمي المالكي، وأحمد بن بهراذ
стр. 1370
السيرافي، وأحمد بن جعفر السمسار، وابن عبدوس الطرائفي، وأبو محمد ابن فارس، وابن داسة، والأصم بن القاسم العتكي (١).
وفيها: توفي الحسين علي بن محمد بن مقلة (٢)، وأبو الحسين بن هارون، وسلار الديلمي صاحب أذربيجان، وأوصى إلى أخيه وهسوذان.
***
السنة السابعة والأربعون
فيها: فتكت الروم-خذلهم الله-ببلاد الإسلام، وقتلوا خلائق، وأخذوا عدة حصون بنواحي آمد وميّافارقين، ثم وصلوا إلى قنّسرين، فالتقاهم سيف الدولة بن حمدان فعجز عنهم، وقتلوا معظم رجاله، وأسروا أهله، ونجا هو في عدد يسير (٣).
وفيها: سار معز الدولة، واستولى على إقليم الجزيرة، وفر بين يديه صاحبها ناصر الدولة، فقدم على أخيه سيف الدولة بحلب، وجرت أمور طويلة، ثم إن سيف الدولة راسل معز الدولة يستعطفه، فعقد له على الموصل، وكان ناصر الدولة قد نكث بمعز الدولة مرات، ومنعه الحمل والخراج (٤).
وفيها: توفي الحافظ أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى صاحب «تاريخ مصر»، والحافظ أبو الحسين محمد بن عبد الله بن جعفر الرازي والد الحافظ تمام، والأمير تميم بن المعز الحميري، وأحمد بن سليمان ابن حذلم، وأبو علي ابن خزيمة، وحمزة العقبي، وعبد الله ابن درستويه، وأبو الميمون ابن راشد، وأبو علي ابن معروف.
***