توفي ابن العميد سنة ستين وثلاث مائة، ولما مات .. رتب ركن الدولة مكانه في الوزارة ابنه أبا الفتح علي بن العميد ذا الكفايتين، وكان جليلا نبيلا سريا، ثم قبض عليه عضد الدولة في آخر الأمر، وصادره حتى تلف تحت العذاب، نسأل الله تعالى العافية.
والله سبحانه أعلم
***
стр. 1367
الحوادث
السنة الحادية والأربعون
فيها: دخل الروم مدينة سروج، وفتكوا فيها وقتلوا (١).
وفيها: ظهر رجل وامرأة من التناسخية، يزعم الرجل أن روح علي ﵁ انتقلت إليه، وتزعم المرأة أن روح فاطمة ﵂ انتقلت إليها، وآخر يدعي أنه جبريل، فضربهم الوزير المهلبي، فتعززوا بالانتماء إلى أهل البيت، وكان بعض الولاة إذ ذاك شيعيا، فأمر بإطلاقهم (٢).
وفيها: توفي أبو طاهر المنصور إسماعيل بن القائم بن المهدي العبيدي الباطني صاحب المغرب، وأبو الطاهر المديني، وإسماعيل الصفار، وابن الأخرم مقرئ دمشق.
***
السنة الثانية والأربعون
فيها: تدرّق (٣) الحاج لأبي عبد الله أحمد بن علي بن عمر بن يحيى ولأبي الحسين محمد بن عبد الله العلويين (٤)، وجرت بينهما وبين المصريين حرب كان الظفر فيها لهما، وأقيمت الدعوة بمكة لمعز الدولة (٥).
وفيها: توفي العلامة أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب الصّبغي شيخ الشافعية بنيسابور، والشيخ الكبير إبراهيم بن أحمد الرقي الواعظ، شيخ الصوفية، أخذ عن الجنيد وجماعة، وأبو القاسم علي بن محمد التنوخي القاضي، وأحمد بن عبيد الهمذاني،
стр. 1368
وأبو الفضل الحسن البخاري، وعبد الرحمن الجلاّب، والناشئ الأصغر علي بن عبد الله بن وصيف الشاعر المشهور.
***
السنة الثالثة والأربعون
فيها: مات نوح صاحب خراسان، وقام ابنه عبد الله (١) مقامه بمعونة ابن مالك له، وتجرد بكر بن مالك لابن محتاج، وقتل رجاله (٢).
وفيها: توفي شيخ الكوفة أبو الحسن علي بن محمد بن محمد الشيباني، وخيثمة، وعلي بن الفضل السّتوري.
***
السنة الرابعة والأربعون
فيها: مات أبو علي بن محتاج.
وفيها: تم الصلح بين ركن الدولة وعبد الملك بن نوح (٣).
وفيها: ملك ديسم الكردي سلماس وأذربيجان (٤)، وخطب فيها لناصر الدولة بن حمدان.
وفيها: توفي العلامة أبو الفضل القشيري المصري المالكي، صاحب التصانيف في الأصول والفروع، والإمام العلامة أبو بكر محمد بن أحمد المعروف بابن الحداد، والإمام أبو النضر محمد بن محمد الطوسي الشافعي، مفتي خراسان، والحافظ أبو عبد الله محمد بن يعقوب الشيباني محدث نيسابور، وأبو زكريا يحيى بن محمد العنبري النيسابوري، وابن بويان المقرئ، وأبو يعقوب الأذرعي، وعثمان ابن السّمّاك.
***
стр. 1369
السنة الخامسة والأربعون
فيها: غلبت الروم على طرسوس، وقتلوا، وسبوا، وأحرقوا قراها (١).
وفيها: توفي أبو علي الحسن بن الحسين ابن أبي هريرة شيخ الشافعية في عصره، والحافظ العلامة أبو الحسن ابن سلمة القطان القزويني، والإمام اللغوي الزاهد صاحب ثعلب أبو عمرو محمد بن عبد الواحد البغدادي المعروف بالمطرز، والوزير محمد بن علي البغدادي الكاتب، وأحمد بن سليمان العباداني، وبكر بن محمد المروزي، وعثمان السمرقندي القيسي، ومحمد بن العباس بن نجيح، ومكرم بن أحمد، والمسعودي المؤرخ.
***
السنة السادسة والأربعون
فيها: قل المطر، ونقص البحر نحوا من ثمانين ذراعا، وظهر فيه جبال وجزائر لم تعرف من قبل، وأشياء لم تعهد، وكان بالري زلازل عظيمة، وخسف ببلد الطالقان في ذي الحجة، ولم يفلت من أهلها إلا نحو ثلاثين رجلا، وخسف بخمسين ومائة قرية من قرى الري فيما نقل بعض المؤرخين، قال: وعلقت قرية بين السماء والأرض نحو نصف يوم، ثم خسف بها (٢).
وفي يوم عاشوراء منها: توفي شيخ المغرب أبو القاسم إبراهيم بن عثمان القيرواني، والحافظ الكبير أبو يعلى عبد المؤمن بن خلف النسفي، وأبو العباس محمد بن أحمد بن محبوب المحبوبي المروزي، والإمام وهب بن ميسرة التميمي المالكي، وأحمد بن بهراذ
стр. 1370
السيرافي، وأحمد بن جعفر السمسار، وابن عبدوس الطرائفي، وأبو محمد ابن فارس، وابن داسة، والأصم بن القاسم العتكي (١).
وفيها: توفي الحسين علي بن محمد بن مقلة (٢)، وأبو الحسين بن هارون، وسلار الديلمي صاحب أذربيجان، وأوصى إلى أخيه وهسوذان.
***
السنة السابعة والأربعون
فيها: فتكت الروم-خذلهم الله-ببلاد الإسلام، وقتلوا خلائق، وأخذوا عدة حصون بنواحي آمد وميّافارقين، ثم وصلوا إلى قنّسرين، فالتقاهم سيف الدولة بن حمدان فعجز عنهم، وقتلوا معظم رجاله، وأسروا أهله، ونجا هو في عدد يسير (٣).
وفيها: سار معز الدولة، واستولى على إقليم الجزيرة، وفر بين يديه صاحبها ناصر الدولة، فقدم على أخيه سيف الدولة بحلب، وجرت أمور طويلة، ثم إن سيف الدولة راسل معز الدولة يستعطفه، فعقد له على الموصل، وكان ناصر الدولة قد نكث بمعز الدولة مرات، ومنعه الحمل والخراج (٤).
وفيها: توفي الحافظ أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى صاحب «تاريخ مصر»، والحافظ أبو الحسين محمد بن عبد الله بن جعفر الرازي والد الحافظ تمام، والأمير تميم بن المعز الحميري، وأحمد بن سليمان ابن حذلم، وأبو علي ابن خزيمة، وحمزة العقبي، وعبد الله ابن درستويه، وأبو الميمون ابن راشد، وأبو علي ابن معروف.
***
стр. 1371
السنة الثامنة والأربعون
فيها: ظفر الروم بسرية، فأسروها وأسروا أميرها محمد بن ناصر الدولة بن حمدان، ثم أغاروا على الرّها وحران، وقتلوا وسبوا وكروا على ديار بكر، فعمل الخطيب عبد الرحيم بن نباته خطبه الجهاديات، يحرض المسلمين على غزو الروم (١).
وفيها: توفي الفقيه أحمد بن سليمان النّجّاد الحافظ شيخ الحنابلة، والشيخ الكبير أبو محمد جعفر بن محمد بن نصير الخلدي شيخ الصوفية ومحدثهم، وعلي بن محمد بن الزبير القرشي، ومحمد بن جعفر الأدمي.
***
السنة التاسعة والأربعون
فيها: أوقع غلام سيف الدولة بالروم، فقتل وأسر، وفرح المسلمون (٢).
وفيها: حشد سيف الدولة ودخل بلاد الروم، فأغار وفتك وسبى، وزحفت إليه جيوش الروم، فعجز عن لقائهم وكر-أو قال: فر-في ثلاث مائة، وذهبت خزائنه، وقتل جماعة من أمرائه (٣).
وفيها: كان إسلام الترك (٤)، قال ابن الجوزي: (أسلم من الترك مائتا ألف) (٥).
وفيها: كانت وقعت هائلة ببغداد بين أهل السنة والرافضة، وقويت الرافضة ببني هاشم ومعز الدولة، وعطلت الصلوات في الجوامع، ثم رأى معز الدولة المصلحة في القبض على جماعة من الهاشميين، فسكنت الفتنة (٦).
стр. 1372
وفيها: ظهر إسحاق بن عيسى بن المكتفي بالله بناحية أرمينية، وتلقب بالمستجير بالله، يدعو إلى الرضى من آل محمد ﷺ ، وأمر بالمعروف، ولبس الصوف، وتغلب على عدة بلاد من أذربيجان، ثم إن جستان بن السّلاّر ظفر به فقتله (١).
وفيها: توفي أبو الفوارس أحمد بن محمد الصابوني السندي، الثقة المعمر، مسند ديار مصر، والفقيه العلامة أبو الوليد حسان بن محمد القرشي الأموي النيسابوري شيخ الشافعية بخراسان، والحافظ أبو علي الحسين بن علي بن يزيد النيسابوري، والحافظ أبو أحمد محمد بن أحمد العسّال قاضي أصبهان، وأحمد بن عثمان العطشي، وعبد الله بن إسحاق الخراساني، وعبد الواحد بن أبي هاشم، وابن علم.
***
السنة الموفية خمسين
فيها: بنى معز الدولة ببغداد دار السلطنة في غاية الحسن والكبر، يقال: إنه غرم عليها ثلاثة عشر ألف ألف درهم (٢)، وقد درست آثارها في حدود الست مائة، وبقي مكانها [دحلة] (٣) تأوي إليه الوحوش، وبعض أساسها موجود؛ فإنه حفر لها في الأساسات نيفا وثلاثين ذارعا (٤).
وفيها: تقلد أبو العباس عبد الله بن الحسن بن أبي الشوارب القضاء، وتوصل إلى ذلك بغلام لمعز الدولة اسمه: أرسلان الخامدار (٥)، وقرر على نفسه في كل سنة مائة ألف درهم (٦)، وكتب عليه بها كتاب يؤخذ في نجوم، وامتنع الخليفة من إمضاء ترتيبه، ولم يوصلهم إليه في موكب ولا في غيره (٧)، فكان فعله هذا سببا لأن ضمنت الحسبة أيضا،
стр. 1373
وضمنت الشرطة في كل شهر من شهور الأهلة بعشرين ألف درهم (١).
وفيها: توفي عبد الملك بن نوح، وأقيم أخوه منصور مقامه، وافتتنت خراسان بعده (٢).
وفيها: توفي أبو شجاع فاتك الكبير الرومي، المعروف بالمجنون.
وفيها: توفي أبو المطرّف عبد الرحمن بن محمد الأموي الملقب بالناصر، خليفة الأندلس، والفقيه أبو علي الحسن بن القاسم الطبري، نسبة إلى طبرستان، وأبو حامد بن حسنويه، وأحمد بن كامل، وأبو سهل القطان، وإسماعيل الخطبيّ، وابن بريه الهاشمي، والقاضي أبو السائب عتبة، وابن خنب ببخارى.
***
السنة الحادية والخمسون
فيها: نازل طاغية الروم الدمستق عين زربة-بضم الزاي، وسكون الراء، وفتح الموحدة (٣) -في مائة ألف وستين ألفا، فأخذها وقتل خلقا كثيرا لا يحصون، وأحرقها، ومات أهلها في الطرقات جوعا وعطشا إلا من نجا بأسوأ حال، وهدم حولها نحوا من خمسين حصنا، أخذ بعضها بالأمان ورجع، فجاء سيف الدولة على عين زربة، وأخذ يتلافى الأمور ويلم شعثها، واعتقد أن الطاغية لا يعود، فدهمه الملعون ونازل حلب بجيوشه، قيل: كان معه مائتا ألف رجل، منهم ثلاثون ألفا للهدم وتطريق الثلج، وأربعة آلاف بغل، وعليها حسك الحديد تجعل في الليل حول عسكره، فلم يقاومه سيف الدولة، ونجا في نفر يسير، وكانت داره ظاهر حلب، فاحتوى الملعون على ما فيها من الخزائن، وحاصر أهل حلب إلى أن انهدمت ثلمة من السور، فدخلت الروم منها، فدفعهم المسلمون عنها وبنوها، وبادرت الروم فتسلقوا وملكوا البلد، ووضعوا السيف في المسلمين حتى كلّوا، واستباحوا حلب، ولم ينج إلا من صعد القلعة، وحوصرت القلعة، فقتل ابن أخت
стр. 1374
الملك في حصارها، وأقام الملعون تسعة أيام ينهب، وقتل جماعة من بني حمدان، وعاد الدمستق خذله الله إلى بلاده (١).
وفيها: أسرت الروم الأمير أبا فراس الحارث بن سعيد بن حمدان بمنبج، وبقي في أسرهم سنين (٢).
[وفيها]: وقعت الفتنة ببغداد، فرفعت المنافقون رءوسها، وقامت الدولة الرافضية، وكتبوا على أبواب المساجد لعن معاوية، ولعن من غصب فاطمة حقها، ولعن من نفى أبا ذر، فمحاه أهل السنة بالليل، فأمر معز الدولة بإعادته، وأشار عليه الوزير المهلبي أن يكتب: ألا لعنة الله على الظالمين لآل محمد، ولعن معاوية فقط (٣).
وفيها: توفي قاضي الحرمين أبو الحسين أحمد بن محمد النيسابوري شيخ الحنفية، والوزير المهلبي في قول (٤)، وأبو محمد دعلج السجزي، والحافظ أبو الحسين عبد الباقي بن قانع، وعبد الله ابن الورد، والحبيبي، ومحمد بن علي بن دحيم كذا في «كتاب الذهبي» (٥)، وفي «شرح التبيان لبديعة البيان» للحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي:
أن أحمد بن دحيم القرطبي أحد الحفاظ والمحدثين الأيقاظ، وذكره فيمن توفي هذه السنة، فليحقق ذلك إن شاء الله تعالى (٦).
***
стр. 1375
السنة الثانية والخمسون
في يوم عاشوراء منها: ألزم معز الدولة أهل بغداد النوح والمآتم، وأمر بإغلاق الأسواق، وعلّقت عليها المسوح، ومنع الطباخين من عمل الأطعمة، وخرجت نساء الرافضة منشرات الشعر، مسخمات الوجوه، يلطمن ويفتن الناس، قيل: وهذا أول ما نيح فيه على الحسين رضوان الله عليه ورضي الله عن الصحابة أجمعين (١).
وفي ثامن عشر ذي الحجة منها: عملت الرافضة عيد الغدير غدير خم-بضم الخاء المعجمة-ودقت الكوسات، وصلوا بالصحراء صلاة العيد (٢).
وفيها: قلّد أبو بشر عمر بن أكثم القضاء بغير رزق، وعفي عما كان تحمله ابن أبي الشوارب، وأمر بألاّ تمضى أحكامه وسجلاته (٣).
وفيها-أو في التي قبلها-: مات الوزير أبو محمد الحسن بن محمد المهلبي وزير معز الدولة ابن بويه، والزاهي علي بن إسحاق البغدادي الشاعر المشهور، وابن المنجم علي بن أبي عبد الله الشاعر المشهور، والحافظ أبو القاسم خالد بن سعد أحد أركان الحديث بالأندلس، وابن مالك الإسكافي.
***
السنة الثالثة والخمسون
فيها: توجه معز الدولة من بغداد إلى الموصل لمحاربة أمير الموصل ناصر الدولة، وخرج من الموصل، فلما تجاوزها معز الدولة إلى نصيبين .. خالفه ناصر الدولة إلى الموصل، وأوقع بأصحابه، وأسر وجوههم، وأسر عدة من الأتراك، واستولى على حواصل معز الدولة وثقله، واستأمن إليه عالم من الديلم، فأحرق أتراسهم، وأعطى كل واحد منهم عشرة دراهم وصرفهم، ثم إن أبا تغلب بن ناصر الدولة سأله عقد البلاد عليه،
стр. 1376
وضمن البقايا بست مائة ألف درهم، والأربع سنين المستقبلة كل سنة ستة آلاف ومائتا درهم، فعاد معز الدولة إلى بغداد (١).
وفيها: توفي الحافظ أبو سعيد أحمد بن محمد بن السيد الجليل أبي عثمان سعيد بن إسماعيل الحيري النيسابوري، والحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن حمزة، وأبو الفوارس شجاع بن جعفر الواعظ ببغداد، وقد قارب المائة، والحافظ أبو علي محمد بن هارون بن شعيب الأنصاري الدمشقي، وأبو عيسى بكار، وأبو علي سعيد ابن السكن، وأبو محمد الفاكهي، وعلي ابن أبي العقب.
***
السنة الرابعة والخمسون
فيها: ورد الخبر بأن أبا عبد الله بن الداعي لما وصل إلى بلاد الديلم .. اجتمع إليه عشرة آلاف رجل، وتلقب بالمهدي لدين الله، وهرب ابن ناصر الدولة (٢).
وفيها: فتح الروم المصيصة، وقتلوا ما شاءوا، ثم لما ضجروا من القتل .. ساقوا بين أيديهم نحو مائتي ألف إنسان، ثم فتحوا طرسوس سلما (٣).
وفيها: دخل نافع صاحب عمان في طاعة معز الدولة، فوثب أهل البلد به، وأخرجوه وسلموه إلى أصحاب هجر القرامطة (٤).
وفيها: توفي الحافظ أبو حاتم محمد بن حبان التميمي البستي، والمحدث محمد بن عبد الله بن إبراهيم البغدادي الشافعي، وأبو بكر بن مقسم، وأبو بكر الشافعي (٥)، وأبو الطيب أحمد بن الحسين بن الحسن المعروف بالمتنبي، الشاعر.
***
стр. 1377
السنة الخامسة والخمسون
فيها: أخذ بنو سليم ركب مصر والشام، وهلك الناس، وتمزقوا في البراري (١).
وفيها: ملك ركن الدولة أذربيجان، وانصرف عنها وهسوذان، وكان متولي فتحها أبو الفضل بن العميد، ثم إن ركن الدولة سلمها إلى ابن أخيه إبراهيم بن المرزبان؛ لأنه استنجد به على عمه وهسوذان، وأشار عليه أبو الفضل بن العميد بأن يصطفيها لنفسه ويعوض إبراهيم عنها فلم يفعل، وأنف أن يرمى بعين الشره إليها (٢).
وفيها: ابتدأ معز الدولة ببناء المارستان الجديد ببغداد، فمات وقد بنيت المنساة (٣).
وفيها: توفي الحافظ أبو بكر محمد بن عمر بن محمد بن سليم التميمي البغدادي، وأبو الحكم منذر بن سعيد البلوطي قاضي الجماعة بقرطبة.
وفيها: أبو مسلم محمد بن معمر بن ناصح الذهلي الأديب بأصبهان.
***
السنة السادسة والخمسون
فيها: أقامت الرافضة المأتم على الحسين على العادة المارة في هذه السنوات (٤).
وفيها: توفي السلطان معز الدولة أحمد بن بويه، وعقدت الولاية لابنه عز الدولة بختيار، فصمم صاحب خراسان على حرب بني بويه ومناجزتهم، وجمع لهم الجيوش، وجعل يديرها وشمكير؛ لخلوصه في عداوتهم، فاستمد (٥) ركن الدولة ابنه عضد الدولة وبختيار بن معز الدولة، وخاف بنو بويه البراز، فاتفق على أن علا وشمكير خنزير وهو غافل، فشبت به الفرس، فسقط وهلك (٦).
стр. 1378
وفيها: قبض أبو تغلب بن ناصر الدولة على أبيه، واعتقله في قلعته، وعقدت عليه أعماله بألف ألف ومائتي ألف درهم (١).
وفيها: مات الأمير سيف الدولة علي بن عبد الله بن حمدان بن حمدون التغلبي الجزري صاحب الشام، توفي بحلب، وأبو الفرج علي بن الحسين القرشي الأموي المرواني الأصبهاني، مصنف كتاب «الأغاني» وغيره.
وفيها-وقيل: في التي بعدها-: توفي أبو المسك كافور الحبشي الأسود الخادم الإخشيذي، صاحب الديار المصرية وغيرها، والإمام أبو محمد أحمد بن عبد الله الهروي المغفّلي بفتح الغين المعجمة والفاء المشددة، والأديب أبو علي إسماعيل بن القاسم البغدادي النحوي الأخباري، وأبو محمد المزني، وأبو علي القالي (٢)، وحامد الرفاء، والعباس الرّافقي.
وفيها: مات الحسن بن الفيرزان صاحب جرجان، وأبو علي محمد بن إلياس صاحب كرمان، وأقام ابنه اليسع مقامه.
وفيها: مات أبو جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد المسمول عن سن عالية (٣)، والقاضي أبو نصر يوسف بن عمر بن محمد بن يوسف.
***
السنة السابعة والخمسون
فيها: لم يحج الركب؛ لفساد الوقت وموت السلاطين في الشهور الماضية (٤).
وفيها: هلك الغزاة الخراسانية بدرب الروم، وكانوا أربعين ألفا، فلم يفلت منهم أحد.
وفيها: توفي أبو سعيد النخعي النّسوي صاحب التصانيف، والحافظ المحدث عمر بن جعفر البصري، وحمزة الكناني، وعبد الله بن الحسين النضري، وابن محرم، والخليفة المتقي لله.
стр. 1379
وفيها: قتل أبو فراس الحارث بن أبي العلاء سعيد بن حمدان، ابن عم سيف الدولة، والقاضي عمر بن أكثم، وأبو إسحاق القراريطي.
***
السنة الثامنة والخمسون
فيها: كان خروج الروم من الثغور، فأغاروا وقتلوا وسبوا، ووصلوا إلى حمص، وعظم المصاب (١).
وفيها: جاءت المغاربة مع القائد جوهر المغربي، فأخذوا ديار مصر، وأقاموا الدعوة لبني عبيد الرافضة، مع أن الدولة بالعراق في هذه المدة رافضية، وشعارهم قائم يوم عاشوراء ويوم العيدين، وستأتي قصة دخول جوهر مصر إن شاء الله تعالى (٢).
وفيها: توفي ناصر الدولة الحسن بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان التغلبي، صاحب الموصل، وأبو القاسم زيد بن علي العجلي الكوفي شيخ الإقراء ببغداد، ومحمد بن إبراهيم القرشي الدمشقي محدث دمشق.
***
السنة التاسعة والخمسون
فيها: توفي الإمام أحمد بن محمد المعروف بابن القطان، الشافعي، وأحمد بن بندار الشعار مسند أصبهان، وأحمد بن يوسف بن خلاد النّصيبيني، وأبو علي ابن الصواف البغدادي، وحبيب القزاز.
***
السنة الموفية ستين بعد الثلاث مائة
فيها: أصاب الخليفة العباسي المطيع لله فالج أبطل نصفه، وثقل لسانه (٣).
стр. 1380
وفيها: أقامت الشيعة عاشوراء باللطم والعويل والأتراح، وعيد الغدير بالكوسات (١) واللهو والأفراح (٢).
وفيها: توفي جعفر بن فلاح الكثامي، والحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني، والحافظ أبو عمرو ابن مطر النيسابوري، والفقيه المحدث محمد بن الحسين الآجري البغدادي، والشريف أبو القاسم بن أبي يعلى الهاشمي، والشيخ العارف أبو الحسن ابن سالم البصري، والوزير أبو الفضل محمد بن الحسين، المعروف بابن العميد، وزير ركن الدولة ابن بويه، وأبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الفارسي الرامهرمزي، وعبد الله بن جعفر الموصلي الجابري، وأبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر المروزي الجوهري، وأبو جعفر الرّوذراوري محمد بن عبد الله بن برزة، حدث بهمذان.
والله سبحانه أعلم، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
***
стр. 1381
العشرون الرابعة من المائة الرابعة
[الاعلام]
١٦٢٢ - [ابن الحارث القيرواني] (١)
محمد بن الحارث القيرواني الأندلسي الحافظ، مصنف كتاب «الاختلاف والافتراق» في مذهب مالك، وكتاب «الفتيا»، وكتاب «تاريخ الأندلس»، وكتاب «تاريخ إفريقية»، وكتاب «النسب».
توفي سنة إحدى وستين وثلاث مائة.
١٦٢٣ - [أبو حامد المرورّوذي] (٢)
أحمد بن عامر الشافعي أبو حامد المرورّوذي، الإمام الكبير، صاحب التصانيف، وصاحب أبي إسحاق المروزي.
تفقه به أهل البصرة.
وتوفي سنة اثنتين وستين وثلاث مائة.
١٦٢٤ - [أبو إسحاق المزكّي] (٣)
أبو إسحاق المزكّي النيسابوري.
قال الحاكم: هو شيخ نيسابور في عصره، وكان من العباد المجتهدين الحجّاجين، المنفقين على العلماء والفقراء، وكان مثريا متمولا.
توفي سنة اثنتين وستين وثلاث مائة، ودفن بنيسابور.
стр. 1382
١٦٢٥ - [ابن هاني الأندلسي] (١)
محمد بن هاني الأندلسي الشاعر المشهور، قيل: إنه من ولد يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي، وقيل: هو من ولد روح بن حاتم أخي يزيد المذكور.
كان أبوه هاني من قرية من قرى المهدية بإفريقية، وكان شاعرا أديبا، فانتقل إلى الأندلس، فولد بها محمد المذكور بمدينة إشبيلية، وحظي عند ملكها، وكان منتهكا للمحرمات، منهمكا في اللذات، متهما بالعقائد الفلسفيات، فلما اشتهر ذلك عنه .. نقم عليه أهل إشبيلية، وساءت المقالة في حق الملك بسببه، واتهم بمذهبه، فأشار الملك عليه بالغيبة من البلد مدة ينسى فيها خبره، فانفصل عنها وعمره حينئذ سبع وعشرون سنة، وحديثه يطول، وخلاصته:
أنه خرج فلقي جوهرا القائد مولى منصور، فامتدحه، ولم يزل يرحل ويمتدح ولاة الأمر إلى أن نمي خبره إلى المعز أبي تميم معدّ بن المنصور العبيدي، فلما انتهى إليه .. بالغ في الإنعام عليه، ثم توجه المعز إلى الديار المصرية-كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى (٢) - فشيعه ابن هاني المذكور، ورجع إلى المغرب؛ لأخذ عياله والالتحاق به، فتجهز وتبعه، فلما وصل برقة .. أضافه شخص من أهلها، فأقام عنده أياما في مجلس الأنس، فيقال:
إنهم عربدوا عليه فقتلوه.
وقيل: إنه خرج من تلك الدار وهو سكران، فنام في الطريق، وأصبح ميتا، ولم يعرف سبب موته.
وقيل: إنه وجد في سانية من سواني برقة مخنوقا بتكة سراويله، وذلك لسبع ليال بقين من رجب سنة اثنتين وستين وثلاث مائة، وعمره ست وثلاثون سنة، وقيل: اثنتان وأربعون سنة، ولما بلغ المعزّ وفاته وهو بمصر .. أسف عليه كثيرا وقال: هذا الرجل كنا نرجو أن نفاخر به شعراء المشرق، فلم يقدر لنا ذلك.
стр. 1383
وله في المعز غرر القصائد، فمن ذلك قصيدته النونية التي أولها: [من الكامل]
هل من أعقّة عالج يبرين ... أم منهما بقر الحدوج العين (١)
ولمن ليال ما ذممنا عهدها ... مذ كنّ إلا أنهن شجون
المشرقات كأنهن كواكب ... والناعمات كأنهن غصون
أدمى لها المرجان صفحة خدّه ... وبكى عليها اللؤلؤ المكنون (٢)
يقال: إن أبا العلاء المعري كان إذا سمع شعره .. قال: ما أشبّهه إلا برحى تطحن قرونا؛ لأجل القعقعة في ألفاظه، ويزعم أنه لا طائل تحت تلك الألفاظ.
قال ابن خلكان: (ولعمري؛ ما أنصفه في هذا المقال، وما حمله على هذا إلا فرط تعصبه للمتنبي، قال: وبالجملة فما كان إلا من المحسنين في النظم، وديوانه كبير، ولولا ما فيه من الغلو في المدح والإفراط المفضي إلى الكفر .. لكان من أحسن الدواوين، وليس في متقدمي المغاربة ولا متأخريهم من هو في طبقته، بل هو أشعرهم على الإطلاق، وهو عندهم كالمتنبي عند المشارقة، وكانا متعاصرين) (٣).
يحكى أن المتنبي وصل إلى قابس؛ ليمدح صاحبها، فخيم بإزاء قصر صاحب قابس، وهو في زي أمير في الحشمة والغلمان والخدم والخيل والأتباع والحشم، ففزع صاحب قابس من ذلك وسأل عنه، فلما قيل له: إنه شاعر أتى ليمدحك .. كره ذلك وقال: بأي شيء يرضى صاحب هذه الهيئة ويقنعه من الجائزة؟ فقال شاعره: أنا أرده عنك-قال ابن خلكان: وغالب ظني أنهم قالوا: إنه ابن هاني المذكور-فقال له: بأي وجه ترده عني؟ فقال: بوجه جميل، فقال: افعل، فأخذ شاة رديئة، ولبس لباس بدوي، وجعل يقود الشاة متوجها إلى جهة منزل المتنبي وهو في مخيم كأنه مخيم أمير، فلما قرب منه .. قال:
طرقوا لي إلى الأمير، فضحكوا عليه وتعجبوا منه، فلما وصل إليه وهو يقود الشاة في تلك الهيئة التي اتصف بها هو وشاته .. ضحك منه هو ومن حوله وقال له: ما هذه الشاة؟ قال:
стр. 1384
هذه جائزتي من الملك، قال: جائزة؟ ! قال: نعم، قال: جائزة علام ذا؟ قال: على مدحي له، فتعجب من ذلك وقال: عسى أن تكون جائزته على قدر مدحه، ثم قال له:
أسمعني مدحك له، كيف قلت فيه؟ قال: قلت:
ضحك الزمان وكان قدما عابسا ... لما فتحت بجد عزمك قابسا
أنكحتها عذرا وما أمهرتها ... إلا قنى وصوارما وفوارسا
من كان بالسّمر العوالي خاطبا ... جلبت له بيض الحصون عرائسا (١)
فتحير المتنبي عند سماع شعره وقال: أنا ما أقدر أقول مثل هذا الذي أجازه عليه بهذه الشاة، فارتحل راجعا من حيث جاء.
قال الشيخ اليافعي: (كذا حكى لي بعض أهل الخبرة ممن له إلمام ومعرفة ببعض الشعراء من جهة المغرب، أو ما يقرب منها، بهذا اللفظ، أو ما يقرب من معناه، ولكن ما رأيت أحدا من المؤرخين ذكر للمتنبي دخولا إلى بلاد المغرب) (٢).
واعلم: أن محمد بن هاني هذا ليس هو أخا لأبي نواس بن هاني كما توهمه بعضهم؛ فإنهما وإن اتفقا في اسم الأبوين فيفترقان في التاريخ والنسب والبلد؛ فإن محمد بن هاني صاحب الترجمة أزدي مغربي أندلسي متأخر الوفاة، وأبو نواس الحسن بن هاني حكمي عراقي بغدادي متقدم الوفاة، توفي سنة ست وتسعين ومائة، فبين وفاتيهما مائة وست وسبعون سنة، والأخوان لا يتباعد ما بين موتهما هذا التباعد، كذا قاله ابن خلكان (٣).
١٦٢٦ - [الشهيد ابن النابلسي] (٤)
أبو الحسين (٥) محمد بن أحمد بن سهل الرملي الحافظ.
كان عابدا صالحا زاهدا، قوالا بالحق، قال: لو كان معي عشرة أسهم .. لرميت الروم
стр. 1385
بسهم، ورميت بني عبيد بتسعة، فبلغ ذلك القائد جوهر، فلما ظفر به .. قرره، فاعترف وأغلظ لهم، فقتلوه، قتل بأمر المعز صاحب مصر، وذلك في سنة ثلاث وستين وثلاث مائة.
١٦٢٧ - [الحافظ ابن السمسار] (١)
أبو العباس محمد بن موسى بن الحسين الدمشقي، المعروف بابن السمسار.
حدث عن محمد بن خريم، وابن جوصا، وابن مخلد وغيرهم.
وعنه أخوه أبو الحسن محمد بن السمسار، وتمام الرازي وغيرهما.
وكان ثقة نبيلا حافظا جليلا محدث الشام.
توفي سنة ثلاث وستين وثلاث مائة.
١٦٢٨ - [النعمان العبيدي] (٢)
أبو حنيفة النعمان بن محمد، صاحب المعز العبيدي وقاضيه.
ذكر بعض المؤرخين (٣): أنه كان من العلم والفقه والدين والنبل ما لا مزيد عليه، وأنه كان في غاية الفضل، من أهل القرآن والعلم بمعانيه، عالما بوجوه الفقه وعلم اختلاف الفقهاء واللغة والشعر والمعرفة بأيام الناس مع عقل وإنصاف.
كان مالكي المذهب، ثم انتقل إلى مذهب الإمامية، وصنف كتاب «ابتداء الدعوة للعبيديين» وكتاب «الأخبار في الفقه» وكتاب «اختلاف أصول المذاهب»، وعمل في المناقب والمثالب كتابا حسنا، وله رد على المخالفين: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وابن سريج، وكتاب «اختلاف الفقهاء» ينتصر فيه لأهل البيت، وقصيدة فقهية، وألف لأهل البيت من الكتب آلاف أوراق، بأحسن تأليف وأملح سجع، وكان ملازما صحبة المعز
стр. 1386
العبيدي، ووصل معه إلى الديار المصرية، ومات بها سنة ثلاث وستين وثلاث مائة، وصلّى عليه المعز.
١٦٢٩ - [الخليفة المطيع لله] (١)
الخليفة المطيع لله أبو القاسم الفضل بن جعفر المقتدر بن المعتضد العباسي.
ولد في سنة إحدى وثلاث مائة، وبويع لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين يوم قبض على المستكفي، وفلج في سنة ستين؛ أصابه فالج أبطل نصفه وثقل لسانه، وأخفى ذلك إلى سنة ثلاث وستين، فخرج لفتنة وقعت ببغداد؛ لينحدر إلى واسط، فأعاده سبكتكين، ووكل به توكيلا جميلا.
ثم ظهر له عجزه بسبب ما أصابه من الفالج، فألزمه أن يخلع نفسه (٢)، ويسلم الأمر إلى ولده أبي الفضل (٣) عبد الكريم الطائع لله، ففعل وخلع نفسه، وولي الطائع الخلافة في ثالث عشر ذي القعدة في سنة ثلاث وستين.
وتوفي بدير العاقول لثمان بقين من المحرم سنة أربع وستين وثلاث مائة، فمدة ولايته تسع وعشرون سنة ونحو أربعة أشهر، وعمره ستون سنة إلا أياما (٤)، واستولى بنو بويه على الملك، وصار الوزراء لهم من ذلك الوقت.
١٦٣٠ - [الأمير جعفر الأندلسي] (٥)
جعفر بن علي بن أحمد بن حمدان الأندلسي الأمير.
стр. 1387
كان سخيا مؤثرا لأهل العلم، كثير العطاء، وفيه يقول محمد بن هاني الأندلسي: [من الكامل]
المدنفان من البرية كلها ... جسمي وطرف بابليّ أحور
والمشرقات النيرات ثلاثة ... الشمس والقمر المنير وجعفر (١)
قال الشيخ اليافعي: (وكأنه استقى من منهل الشاعر الذي يقول: [من البسيط]
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر) (٢)
توفي الأمير المذكور سنة أربع وستين وثلاث مائة.
١٦٣١ - [الحافظ أبو بكر ابن السّنّي] (٣)
أحمد بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن أسباط الهاشمي الجعفري مولاهم، الدينوري، أبو بكر بن السّنّي.
حدث عن النسائي، وزكريا الساجي، وأبي عروبة الحراني.
وعنه أحمد بن الحسين بن الكسار، وحمد (٤) بن عبد الله الأصبهاني.
وكان إماما حافظا خيرا ثبتا، اختصر «سنن النسائي» وسماه «المجتبى»، وصنف كتاب «عمل اليوم والليلة».
قال ابنه أبو علي الحسن بن أحمد: كان أبي يكتب الحديث، فوضع القلم في أنبوبة المحبرة، ورفع يديه يدعو الله ، فمات ﵀ في سنة أربع وستين وثلاث مائة.
١٦٣٢ - [أبو هاشم السّلمي] (٥)
عبد الجبار بن عبد الصمد السّلمي أبو هاشم المؤدّب.
стр. 1388
حدث عن ابن خريم وابن عبادل وغيرهما، وعنه تمام الرازي وغيره.
وكتب جملة كتب، وصار عنده من المصنفات شيء كثير.
وتوفي سنة أربع وستين وثلاث مائة.
١٦٣٣ - [الحافظ ابن الخشاب] (١)
أحمد بن القاسم بن عبد الله (٢) بن مهدي أبو الفرج البغدادي.
نزل طرسوس، وأقام بدمشق، وحدث عن عبد الله بن أبي داود، وعبد الله بن محمد البغوي وغيرهما.
وكان أحد الحفاظ المفيدين.
توفي سنة أربع وستين وثلاث مائة.
١٦٣٤ - [ابن نجيد الصوفي] (٣)
إسماعيل بن نجيد النيسابوري، الشيخ الكبير، شيخ الصوفية بخراسان.
أنفق أموالا على الزهاد والعلماء، وصحب الجنيد، وأبا عثمان الحيري، وسمع محمد بن إبراهيم البوشنجي، وأبا مسلم الكجّي، وطبقتهما.
وكان صاحب أحوال ومناقب.
توفي سنة خمس وستين وثلاث مائة (٤).مذكور في الأصل.
стр. 1389
١٦٣٥ - [الحافظ الماسرجسي] (١)
أبو علي الحسين بن محمد بن أحمد بن محمد بن الحسين بن ماسرجس الماسرجسي النيسابوري، الحافظ الكبير.
رحل إلى العراق ومصر والشام، وسمع جده، وابن خزيمة، ومحمد بن إسحاق السراج وغيرهم، وحدث عنه الحاكم وغيره.
وكان إماما ثقة مأمونا، صنف «المسند الكبير» مهذبا معللا، وهو في نحو سبعين مجلدا تقريبا.
قال الحاكم: عندي أنه لم يصنف في الإسلام أكبر منه، وجمع حديث الزهري جمعا لم يسبق إليه، وكان يحفظه مثل الماء، وصنف كتابا على «البخاري»، وآخر على «مسلم»، وكان أحد الأئمة المحررين.
وتوفي سنة خمس وستين وثلاث مائة.
١٦٣٦ - [الحافظ الكبير ابن عديّ] (٢)
عبد الله بن عدي بن عبد الله بن مبارك بن القطان الجرجاني أبو أحمد.
سمع النسائي، وأبا خليفة الجمحي، والحسن بن سفيان وغيرهم، يقال: إن شيوخه يزيدون على ألف شيخ.
وروى عنه ابن عقدة من شيوخه، وحمزة السهمي وغيرهما.
وكان إماما كبيرا حافظا ثقة مأمونا، صنف «كتاب الكامل» في الجرح والتعديل، وهو كتاب حافل جليل، وله كتاب على «مختصر المزني» سماه «الانتصار»، وله «معجم شيوخه الأخيار».
توفي سنة خمس وستين وثلاث مائة.
стр. 1390
١٦٣٧ - [القفال الشاشي الكبير] (١)
محمد بن علي بن إسماعيل أبو بكر القفال الكبير الشاشي.
ولد سنة إحدى وتسعين ومائتين، وسمع من ابن خزيمة، ومحمد بن جرير، وأبي القاسم البغوي وغيرهم.
ولم يثبت ابن الصلاح ملاقاته لابن سريج (٢)، قال: بل مات ابن سريج قبل دخول القفال بغداد، فأخذ عن أبي الليث الشالوسي عن ابن سريج، وأما اليافعي وغيره (٣) .. فذكروا أنه أخذ عن ابن سريج.
وكان فقيها محدثا أصوليا لغويا شاعرا، لم يكن بما وراء النهر للشافعية مثله.
رحل إلى العراق والشام والحجاز والثغور وخراسان.
روى عنه الحاكم أبو عبد الله، وأبو عبد الله بن منده، وأبو عبد الرحمن السلمي وغيرهم من الأئمة.
وتوفي سنة ست وستين وثلاث مائة، كما قاله ابن السمعاني في موضع (٤).
وقال الحاكم: سنة خمس وستين وثلاث مائة، ووافقه ابن السمعاني في موضع آخر (٥).
وعند الشيخ أبي إسحاق: أنه توفي سنة ست وثلاثين (٦).
قال بعضهم: ووهم من قال بذلك، بل المعروف: أنه بقي إلى الستين.
وهو والد القاسم صاحب «التقريب»، وقيل: إن «التقريب» له، ولأجل الشك في مصنفه يقال: قال صاحب «التقريب».
واعلم: أن هذا قفال شاشي، ولهم قفال غير شاشي، وهو عبد الله بن أحمد المروزي
стр. 1391
شيخ المراوزة، متأخر الوفاة، أخذ عنه القاضي حسين، والشيخ أبو محمد الجويني وغيرهما، وتوفي سنة سبع عشرة وأربع مائة.
ولهم شاشي غير القفال، وهو فخر الإسلام محمد بن أحمد، مصنف «المستظهري»، أخذ عن الشيخ أبي إسحاق، وابن الصباغ، وتوفي سنة سبع وخمس مائة، والله سبحانه أعلم.
١٦٣٨ - [المعزّ العبيدي] (١)
المعز لدين الله أبو تميم معد بن المنصور إسماعيل بن القائم بن المهدي العبيدي، صاحب المغرب والديار المصرية.
لما افتتح مولاه جوهر سجلماسة مع فاس وسبتة إلى البحر المحيط، وخطب له في جميع بلدان المغرب، وبلغه موت كافور الإخشيذي صاحب مصر .. جهز جوهرا المذكور بالجيوش والأموال، قيل: خمس مائة ألف ألف دينار، وأنفقها على جميع قبائل العرب حتى البربر، فأخذ جوهر الديار المصرية، وبنى القاهرة المعزية، ووصلت البشائر إليه في رمضان سنة ثمان وخمسين بفتح الديار المصرية، ودخول عساكره إليها، وانتظام الحال بمصر والشام والحجاز، وإقامة الدعوة له بهذه المواضع، فسر بذلك سرورا عظيما، واستخلف على إفريقية، وخرج متوجها إلى ديار مصر بأموال جمة جليلة المقدار، ورجال عظيمة الأخطار، فدخل الإسكندرية لست بقين من شعبان سنة اثنتين وستين، وركب فيها ودخل الحمام، وقدم عليه قاضي مصر أبو طاهر وأعيان أهل البلاد، وسلموا عليه، وجلس لهم عند المنارة، وخاطبهم بخطاب طويل ذكر فيه: أنه لم يرد دخول مصر لزيادة في ملكه ولا لمال، وإنما أراد إقامة الحج والجهاد، وأن يختم عمره بالأعمال الصالحة، ويعمل بما أمر به جده ﷺ ، ووعظهم حتى بكى بعض الحاضرين، وخلع على القاضي وبعض الجماعة، ثم ودعوه وانصرفوا، ورحل عنها في آخر شعبان، فنزل يوم السبت ثاني شهر رمضان على جزيرة ساحل مصر بالجيزة، فخرج إليه القائد جوهر، وترجل عند لقائه وقبل الأرض بين يديه، وأقام هنالك ثلاثة أيام، ثم رحل ودخل القاهرة، ولم يدخل مصر
стр. 1392
وكانت قد زينت له، وظنوا أنه يدخلها، وأهل القاهرة لم يستعدوا للقائه؛ لظنهم أنه يدخل مصر أولا، ولما دخل القاهرة ودخل القصر، ثم دخل مجلسا فيه .. خر ساجدا لله تعالى، ثم صلّى فيه ركعتين، وانصرف عنه الناس.
وفي أول سنة أربع وستين: عزل المعز القائد جوهرا عن دواوين مصر وجباية أموالها.
وكان المعز حليما كريما وقورا حازما سريا، يرجع إلى الإنصاف، يجري الأمور على أحسن أحكامها، مظهرا للتشيع، معظما لحرمة الإسلام، ومما ينسب إليه من الشعر: [من مجزوء الكامل]
لله ما صنعت بنا ... تلك المحاجر في المعاجر
أمضى وأقضى في النفو ... س من الخناجر في الحناجر
ولقد تعبت ببينكم ... تعب المهاجر في الهواجر
ولد بالمهدية حادي عشر رمضان سنة تسع عشرة وثلاث مائة، وتوفي يوم الجمعة حادي عشر ربيع الآخر من سنة خمس وستين.
١٦٣٩ - [أبو علي القرمطي] (١)
الحسن بن أحمد بن أبي سعيد القرمطي، ملك القرامطة الذي استولى على أكثر الشام، وهزم جيش المعز العبيدي، وقتل قائدهم جعفر بن فلاح، وذهب إلى مصر وحاصرها شهورا قبل مجيء المعز إليها، وكان يظهر الطاعة للطائع العباسي، وله شعر وفضيلة.
ولد بالأحساء، ومات بالرملة سنة ست وستين وثلاث مائة.
١٦٤٠ - [شيخ الشافعية ابن المرزبان] (٢)
أبو الحسن علي بن أحمد البغدادي، المعروف بابن المرزبان-بفتح الميم، وسكون الراء، وضم الزاي-هو لفظ فارسي، في الأصل اسم من كان دون الملك.
стр. 1393
أخذ الفقه عن أبي الحسين بن القطان، وعنه أخذ الشيخ أبو حامد الأسفراييني أول قدومه بغداد، ودرس بنظامية بغداد، وله وجه في مذهب الشافعي.
وكان ورعا، حكي عنه أنه قال: ما أعلم أن لأحد علي مظلمة، ومفهومه: أنه لم يغتب أحدا؛ إذ الغيبة من جملة المظالم.
توفي سنة ست وستين وثلاث مائة. مذكور في الأصل.
١٦٤١ - [المستنصر بالله صاحب الأندلس] (١)
المستنصر بالله أبو مروان (٢) بن عبد الرحمن بن محمد الأموي المرواني، صاحب الأندلس، كان مشغوفا بجمع الكتب والنظر فيها، قيل: جمع منها ما لم يجمعه أحد قبله ولا بعده حتى ضاقت خزائنه عنها.
وتوفي سنة ست وستين وثلاث مائة.
١٦٤٢ - [الإمام السرّاج] (٣)
أبو الحسن محمد النيسابوري السرّاج المقرئ الرجل الصالح.
قال الحاكم: قلّ من رأيت أكثر اجتهادا وعبادة منه.
توفي يوم عاشوراء في سنة ست وستين وثلاث مائة.
١٦٤٣ - [القاضي أبو الحسن الجرجاني] (٤)
أبو الحسن علي بن عبد العزيز (٥) الجرجاني، الفقيه الشافعي، القاضي الفاضل، الأديب الشاعر.
стр. 1394
قال الثعالبي في «اليتيمة»: (جمع خط ابن مقلة إلى نثر الجاحظ ونظم البحتري، واقتبس في صباه من العلوم والآداب ما صار به في العلوم علما، وله ديوان شعر، ومنه: [من الطويل]
وقالوا توصّل بالخضوع إلى الغنى ... وما علموا أن الخضوع هو الفقر
وبيني وبين المال شيئان حرّما ... عليّ الغنى نفسي الأبيّة والدّهر
إذا قيل هذا اليسر أبصرت دونه ... مواقف خير من وقوفي بها العسر
وله: [من الخفيف]
ما تطعمت لذة العيش حتى ... صرت للبيت والكتاب جليسا
ليس شيء أعز عندي من العل ... م فما أبتغي سواه أنيسا
إنما الذل في مخالطة النا ... س فدعهم وعش عزيزا رئيسا
وله في الصاحب ابن عباد: [من الطويل]
ولا ذنب للأفكار أنت تركتها ... إذا احتشدت لم تنتفع باحتشادها
سبقت بإفراد المعاني وألفت ... خواطرك الألفاظ بعد شرادها
فإن نحن حاولنا اختراع بديعة ... حصلنا على مسروقها ومعادها
وله فيه يهنئه بالعافية: [من الطويل]
أفي كل يوم للمكارم روعة ... لها في قلوب المكرمات وجيب (١)
تقسّمت العلياء جسمك كله ... فمن أين للأسقام فيك نصيب
إذا ألمت نفس الوزير تألّمت ... لها أنفس تحيا بها وقلوب) (٢)
قال ابن خلكان: (وشعره كثير، وطريقه سهل، وله كتاب «الوساطة بين المتنبي وخصومه» أبان فيه عن فضل غزير، واطلاع كثير، ومادة متوفرة) (٣).
توفي سنة ست وستين وثلاث مائة.
стр. 1395
١٦٤٤ - [عز الدولة بختيار] (١)
عز الدولة بختيار بن معز الدولة الديلمي.
ولي إمرة بغداد بعد موت أبيه في سنة ست وخمسين.
وفي سنة أربع وستين: وصل عضد الدولة إلى بغداد منجدا ابن عمه بختيار، ودافع الأتراك فهزمهم، ولما استقر عضد الدولة ببغداد .. طمع فيها، فقبض على بختيار وأخرجه، وعول على أن يقيم لهم ما يحتاجون إليه، وأشهد على بختيار أنه سلم الإمارة إليه لعجزه عنها، وكاتب عضد الدولة أباه ركن الدولة يعلمه أنه إنما فعل ذلك؛ حفظا للملك، وأن بختيار لا يقوم بضبط ولايته، فقامت القيامة على أبيه ركن الدولة، وعزم عليه بالعود والتخلية بين بختيار وبين ولايته، وتهدده أن يقصده بنفسه إن هو لم يفعل، وتجرد في ذلك تجردا لم يمكن عضد الدولة مخالفته، فعاد إلى فارس وفي نفسه ما فيها.
وفي سنة سبع: وقع بين عضد الدولة وبين عز الدولة بختيار حرب، استظهر فيها عضد الدولة، وضعف بختيار، ثم ترددت الرسل بينهم بالصلح، والتمس عضد الدولة من بختيار أن يسلم إليه وزيره ابن بقية، فسلمه إليه، فتسلمه ثم قتله، ثم كانت وقعة بين عضد الدولة، وبين بختيار وأبي تغلب الغضنفر عدة الدولة بن ناصر الدولة، فأجلت عن قتل بختيار، وهزيمة أبي تغلب، وذلك في سنة سبع وستين وثلاث مائة.
١٦٤٥ - [أبو تغلب الغضنفر] (٢)
أبو تغلب الغضنفر عدّة الدولة بن ناصر الدولة بن حمدان.
لما توفي سيف الدولة بن حمدان في سنة ست وخمسين .. حزن عليه أخوه ناصر الدولة، وتغيرت أحواله، وضعف عقله، فبادر ولده أبو تغلب المذكور، فحبسه في حصن السلامة، ومنعه من التصرف، وقام بالمملكة، وتوفي والده في الاعتقال في سنة ثمان وخمسين.
стр. 1396
واستمر الغضنفر في الولاية إلى سنة سبع وستين، فكانت بينه وبين عضد الدولة حرب، انهزم فيها أبو تغلب المذكور، ثم راسل أبو تغلب عضد الدولة في الصلح، [فأجابه] بأن عادتي إذا فتحت بلدة عنوة .. ألا أصالح عنه، وأحب عضد الدولة تلك البلاد، ورآها أنفس من العراق، وكان ناصر الدولة قد تملك أكثر أعمال الموصل وعقارها؛ لطول أيامه، فصارت له ملكا وملكا، واندفع أبو تغلب عنها، ثم كانت بينه وبين أصحاب عضد الدولة وقعات، وعاد أبو تغلب إلى الرحبة، وراسل عضد الدولة، فأجابه بما يريد، على أن يطأ بساطه (١).
١٦٤٦ - [أبو القاسم النصراباذي] (٢)
أبو القاسم النصراباذي، شيخ الصوفية والمحدثين بخراسان.
صحب الشبلي، وأبا علي الرّوذباري، وسمع ابن خزيمة، وابن صاعد، وكان صاحب فتوى من الفقه والحديث والتاريخ وعلم سلوك الصوفية.
قال ﵀: التصوف ملازمة الكتاب والسنة، وترك الأهواء والبدع، وتحريم حرمات المشايخ، ورؤية أعذار الخلق، والمداومة على الأوراد، وترك ارتكاب الرخص والتأويلات.
وقيل له: إن بعض الناس يجالس النسوان ويقول: أنا معصوم في رؤيتهن، فقال:
ما دامت الأشباح باقية .. فالأمر والنهي باق، والتحليل والتحريم مخاطب به.
حج وجاور بمكة سنتين، ومات بها في سنة سبع وستين وثلاث مائة.
١٦٤٧ - [القاضي ابن قريعة] (٣)
القاضي أبو بكر محمد بن عبد الرحمن، المعروف بابن قريعة-بضم القاف، وفتح الراء، وسكون المثناة من تحت، ثم عين مهملة-البغدادي، قاضي السندية-بكسر السين
стр. 1397
والدال المهملتين بينهما نون ساكنة، وتشديد الياء المثناة من تحت-قرية بين بغداد والأنبار، والنسبة إليها: سنداوي (١)؛ للفرق بين النسبة إليها والنسبة إلى السند المجاورة لبلاد الهند.
قال ابن خلكان: (كان من أحد عجائب الدنيا في سرعة البديهة بالجواب في جميع ما يسأل عنه، في أفصح لفظ وأملح سجع، وكان رؤساء ذلك العصر وفضلاؤه يداعبونه، ويكتبون إليه بالمسائل الغريبة المضحكة، فيكتب الجواب من غير توقف ولا تلبث مطابقا لما ساقوه.
وكان الوزير أبو محمد المهلبي يغري به جماعة يضعون له من الأسئلة الهزلية على معان شتى من النوادر الظريفة، فيجيب عليها بتلك الأجوبة، فمن ذلك ما كتبه إليه العباس بن المعلى الكاتب: ما يقول القاضي-وفقه الله تعالى-في يهودي زنى بنصرانية، فولدت ولدا جسمه للبشر ووجهه للبقر، وقد قبض عليهما، فما يرى القاضي فيهما؟
فكتب جوابه: هذا من أعدل الشهود، على الملاعين اليهود، بأنهم أشربوا حب العجل في صدورهم، حتى خرج من أيورهم، وأرى أن يناط برأس اليهودي رأس العجل، ويصلب على عنق النصرانية الساق مع الرجل، ويسحبا على الأرض، وينادى عليهما:
ظلمات بعضها فوق بعض، والسلام.
ولما قدم الصاحب بن عباد إلى بغداد .. حضر مجلس الوزير أبي محمد المهلبي، وكان في المجلس القاضي أبو بكر المذكور، فرأى من ظرفه وسرعة أجوبته مع لطافتها ما عظم تعجبه، فكتب الصاحب إلى أبي الفضل ابن العميد كتابا يقول فيه: وكان في المجلس شيخ خفيف الروح، يعرف بالقاضي ابن قريعة، جاراني في مسائل خفتها تمنع من ذكرها، إلا أني استظرفت من كلامه، وقد سأله كهل يتطايب بحضرة الوزير أبي محمد عن حد القفا، فقال: ما اشتمل عليه جربّانك، ومازحك فيه إخوانك، وأدبك فيه سلطانك، وباسطك فيه غلمانك، فهذه حدود أربعة. وجميع مسائله على هذا الأسلوب.
وقوله: «جربّانك» هو لفظ فارسي-بضم الجيم والراء، وتشديد الموحدة، وبالنون
стр. 1398
بين الألف والكاف-: لبنة الثوب، وهي الخرقة العريضة فوق القب، تستر القفا.
قال ابن خلكان: ولولا خوف الإطالة .. لذكرت جملة منها، وقد سرد محمد بن شرف القيرواني الشاعر المشهور في كتابه الذي سماه «أبكار الأفكار» عدة مسائل، وجواباتها من هذه المسائل.
توفي القاضي المذكور أبو بكر سنة سبع وستين وثلاث مائة) (١).
١٦٤٨ - [ابن القوطية] (٢)
محمد بن عمر الأندلسي، المعروف بابن القوطيّة-بضم القاف، وسكون الواو، وكسر الطاء، وتشديد المثناة من تحت، ثم هاء-اسم جدة جده، نسبة إلى قوط بن حام بن نوح ﵊، وقوط أبو السودان والهند والسند، وكانت القوطية المذكورة وفدت إلى هشام بن عبد الملك متظلمة من عمها، فتزوجها عيسى بن مزاحم، وسافر بها إلى الأندلس.
كان المذكور من أعلم أهل زمانه باللغة، حافظا للحديث والفقه والخبر والنوادر، راويا للأشعار والآثار، مع العبادة والنسك، لقي مشايخ عصره بالأندلس، وأخذ عنهم، وروى عنه الشيوخ والكهول.
وكان جيد الشعر، إلا أنه ترك ذلك ورفضه.
حكى الأديب الشاعر يحيى بن هذيل التميمي أنه توجه يوما إلى ضيعة بسفح جبل قرطبة، وهي من بقاع الأرض الطيبة المونقة، فصادف ابن القوطية المذكور صادرا عنها، وكانت له هناك أيضا ضيعة، قال: فلما رآني .. عرّج علي واستبشر بلقائي، فقلت له على البديهة مداعبا له: [من البسيط]
من أين أقبلت يا من لا شبيه له ... ومن هو الشمس والدنيا له فلك
стр. 1399
قال: فتبسم وأجاب بسرعة: [من البسيط]
من منزل يعجب النساك خلوته ... وفيه ستر على الفتّاك إن فتكوا
قال: فما تمالكت أن قبلت يده-إذ كان شيخي-ومجدته ودعوت له.
توفي ابن القوطية المذكور سنة سبع وستين وثلاث مائة.
١٦٤٩ - [أبو سعيد السيرافي] (١)
أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي-بسين مهملة، ثم مثناة من تحت ساكنة، وبعد الراء ألف وفاء-نسبة إلى سيراف، النحوي.
قرأ القراءات على ابن مجاهد، واللغة على ابن دريد، والنحو على ابن السراج، وكان من أعلم أهل زمانه بنحو البصريين، شرح «كتاب سيبويه» و «مقصورة ابن دريد»، وله تصانيف أخر.
وتصدر لإقراء القراءات والنحو واللغة والفقه والفرائض والحساب والكلام والشعر والعروض والقوافي.
وكان نزها عفيفا، جميل السيرة، ورعا، يأكل من نسخ يده، ينسخ الكراس بعشرة دراهم؛ لبراعة خطه.
يذكر عنه الاعتزال، ولم يظهر منه شيء، والله أعلم بحاله.
وكان كثيرا ما ينشد في مجالسه: [من الكامل]
أسكن إلى سكن تسرّ به ... ذهب الزمان وأنت منفرد
ترجو غدا وغدا كحاملة ... في الحيّ لا يدرون ما تلد
وكان بينه وبين أبي الفرج الأصبهاني صاحب «الأغاني» ما جرت به العادة من التنافس بين أهل الفضل، فعمل فيه أبو الفرج شعرا ذكره ابن خلكان (٢).
توفي سنة ثمان وستين وثلاث مائة.
стр. 1400
١٦٥٠ - [أبو أحمد الجلودي] (١)
أبو أحمد محمد بن عيسى الجلودي النيسابوري، راوي «صحيح مسلم» عن ابن سفيان.
قال الحاكم: هو من كبار عباد الصوفية، يعرف مذهب سفيان وينتحله.
توفي سنة ثمان وستين وثلاث مائة.
١٦٥١ - [الحافظ الحجّاجي] (٢)
أبو الحسين محمد بن محمد النيسابوري، الحافظ المقرئ، العبد الصالح الصدوق.
سمع بمصر والشام والعراق وخراسان، وصنف في العلل والشيوخ والأبواب.
قال الحاكم: صحبته نيفا وعشرين سنة، فما أعلم أن الملك كتب عليه خطيئة.
توفي سنة ثمان وستين وثلاث مائة.
١٦٥٢ - [الوزير الكبير ابن بقية] (٣)
الوزير أبو طاهر نصير الدولة محمد بن محمد بن بقية، وزير عز الدولة بختيار بن معز الدولة بن بويه.
كان قبل تقلده الوزارة يقدم الطعام على مائدة بختيار، ويحمل الطعام، ويمسح بالمنديل الغمر (٤)، فلما قبض بختيار على وزيره أبي الفضل في سنة اثنتين وستين .. استوزر ابن بقية المذكور، وكان من أكابر الوزراء، وجلة الرؤساء، وأعيان الكرماء، فلم يزل وزيرا إلى سنة سبع وستين، فحصل بين عز الدولة بختيار وابن عمه عضد الدولة وحشة، فيقال: إن
стр. 1401
الوزير المذكور حمل عز الدولة على محاربة عضد الدولة، فالتقيا على الأهواز، فانكسر عز الدولة، فنسب ذلك إلى رأيه ومشورته، وفي ذلك يقول أبو غسان الطبيب بالبصرة: [من الطويل]
أقام على الأهواز خمسين ليلة ... يدبر أمر الملك حتى تدمّرا
فدبّر أمرا كان أوله عمى ... وأوسطه بلوى وآخره خرا
ثم ترددت الرسل بين عز الدولة وعضد الدولة بالصلح على أن يسلم الوزير ابن بقية إلى عضد الدولة، فلما قبض عليه .. سمل عينيه، فلزم بيته، ثم طلبه بعد ذلك، فرماه بين أرجل الفيلة، فمات من ذلك فصلبه، وذلك في سنة ثمان وستين وثلاث مائة، ولم يزل مصلوبا إلى أن توفي عضد الدولة، فأنزل عن الخشبة، ودفن في موضعه، فقال فيه أبو الحسن ابن الأنباري: [من البسيط]
لم يلحقوا بك عارا إذ صلبت بلى ... باءوا بإثمك ثم استرجعوا ندما
وأيقنوا أنهم في فعلهم غلطوا ... وأنهم نصبوا من سؤدد علما
فاسترجعوك وواروا منك طود علا ... بدفنه دفنوا الإفضال والكرما
لئن بليت فلا تبلى نداك ولا ... ينسى وكم هالك ينسى إذا عدما
تقاسم الناس حسن الذكر فيك كما ... ما زال مالك بين الناس منقسما
١٦٥٣ - [الرّوذباري الصوفي] (١)
أبو عبد الله أحمد بن عطاء الرّوذباري، الشيخ الكبير، شيخ الصوفية.
توفي سنة تسع وستين وثلاث مائة.
١٦٥٤ - [أبو سهل الصّعلوكي] (٢)
محمد بن سليمان النيسابوري أبو سهل الصعلوكي، الإمام الكبير، شيخ الشافعية بخراسان.
стр. 1402
قال فيه الحاكم: أبو سهل الصعلوكي الشافعي اللغوي المفسر النحوي المتكلم المفتي الصوفي، حبر زمانه، وبقية أقرانه.
ولد سنة تسعين ومائتين، واختلف إلى ابن خزيمة، ثم إلى أبي علي الثقفي، وناظر، وسمع من أبي العباس السرّاج وطبقته، ولم يبق موافق ولا مخالف إلا أقر بفضله وتقدمه، ودرّس وأفتى بنيسابور وأصبهان وبلدان شتى.
قال الصاحب بن عبّاد: ما رأى أبو سهل مثل نفسه، ولا رأينا مثله.
توفي سنة تسع وستين وثلاث مائة. مذكور في الأصل بأبسط من هذا.
١٦٥٥ - [الحافظ أبو بكر النقاش] (١)
محمد بن علي بن الحسن بن أحمد المصري، نزيل تنيس، أبو بكر النقاش.
حدث عن النسائي، والمنجنيقي، ومحمد بن جعفر الدمياطي وغيرهم، وعنه الدارقطني، وإبراهيم بن علي الغازي وغيرهما.
وكان حافظا جوالا، من علماء هذا الشأن، وهو غير النقاش المقرئ المفسر مقدم الذكر (٢).
توفي سنة تسع وستين وثلاث مائة.
١٦٥٦ - [الحافظ أبو الشيخ الأصبهاني] (٣)
أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيّان الأصبهاني الوزان، المعروف بأبي الشيخ، حافظ أصبهان، ومسند ذلك الزمان.
حدث عن جده لأمه محمود بن الفرج، وأبي بكر بن أبي عاصم، وأبي خليفة، وأبي عروبة، وإبراهيم بن سعدان وغيرهم.
стр. 1403
وعنه أبو نعيم، وابن مردويه، وأبو بكر أحمد بن عبد الرحمن.
وكان عالما ثقة، وله «تاريخ» على السنين، و «تفسير»، وكتاب «السنن المعظمة»، و «الأخلاق النبوية»، و «تاريخ بلده» و «طبقات أهله»، و «ثواب الأعمال الزكية».
توفي سنة تسع وستين وثلاث مائة.
١٦٥٧ - [أبو بكر الرازي الحنفي] (١)
أحمد بن علي الفقيه، شيخ الحنفية ببغداد، صاحب أبي الحسن الكرخي، إليه انتهت رئاسة المذهب.
كان مشهورا بالزهد والدين، عرض عليه القضاء الأكبر فامتنع، وله عدة مصنفات.
توفي سنة سبعين وثلاث مائة.
١٦٥٨ - [الحافظ ابن رشيق] (٢)
أبو محمد الحسن بن رشيق العسكري المصري.
حدث عن النسائي، والمفضّل بن محمد الجندي وغيرهما، وعنه الدارقطني، وعبد الغني بن سعيد، وليّناه، وثقه جماعة غيرهما.
كان أوسع أهل بلده رواية، ذا دراية.
توفي سنة سبعين وثلاث مائة.
стр. 1404
١٦٥٩ - [ابن خالويه] (١)
الحسين بن أحمد الهمذاني النحوي اللغوي الأديب، المعروف بابن خالويه.
دخل بغداد، فأدرك ابن الأنباري، وابن مجاهد المقرئ، وأبا عمر الزاهد، وابن دريد، وقرأ على السيرافي، ثم انتقل إلى الشام، واستوطن حلب، وصار بها أحد أفراد الدهر في كل قسم من أقسام الأدب، وكانت الرحلة إليه من الآفاق، وآل حمدان يكرمونه، ويدرسون عليه، ويقتبسون منه.
قال: دخلت يوما على سيف الدولة، فلما مثلت بين يديه .. قال لي: اقعد، ولم يقل: اجلس، فتبينت بذلك اعتلاقه بأهداب الأدب، واطلاعه على أسرار كلام العرب؛ أي: أن المختار عند أهل الأدب أن يقال للقائم: اقعد؛ لأن القعود هو الانتقال من العلو إلى السفل؛ ولهذا قيل لمن أصيب برجله: مقعد، والجلوس هو الانتقال من السفل إلى العلو؛ ولهذا قيل لنجد: جلسا؛ لارتفاعها، وقيل لمن أتاها: جالس، وقد جلس، ومنه قول مروان بن الحكم لما كان واليا بالمدينة يخاطب الفرزدق: [من الكامل]
قل للفرزدق والسفاهة كاسمها ... إن كنت تارك ما أمرتك فاجلس
أي: اقصد الجلسا، وهي نجد، وهذا البيت من جملة أبيات.
ولابن خالويه كتاب كبير في الأدب سماه كتاب «ليس» يدل على اطلاع عظيم؛ فإن مبنى الكلام من أوله إلى آخره على أنه ليس في كلام العرب كذا إلا كذا، وله كتاب لطيف سماه «الآل» ذكر في أوله أن الآل ينقسم إلى خمسة وعشرين قسما، وما أقصر فيه، وذكر فيه الأئمة الاثني عشر-وتاريخ مواليدهم ووفاتهم، وأمهاتهم-لما ذكر في جملة أقسام الآل: (آل محمد ﷺ بنو هاشم والمطلب)، وشرح «مقصورة ابن دريد»، وله غير ذلك من المصنفات.
وله مع المتنبي مجالس ومباحث عند سيف الدولة، وهو كان سبب إغضاب المتنبي
стр. 1405
وارتحاله عن سيف الدولة إلى كافور الإخشيذي صاحب مصر، كما ذكر في ترجمة المتنبي (١).
وشعره حسن، منه: [من الطويل]
إذا لم يكن صدر المجالس سيدا ... فلا خير فيمن صدّرته المجالس
وكم قائل مالي رأيتك راجلا ... فقلت له من أجل أنك فارس
توفي سنة سبعين وثلاث مائة، ذكره الذهبي واليافعي وغيرهما، وفي «تاريخ الخزرجي» تبعا للجندي فيما أظن: أنه توفي سنة ست وخمسين وثلاث مائة (٢)، والله سبحانه أعلم بالصواب.
١٦٦٠ - [الأزهري] (٣)
محمد بن أحمد بن الأزهر الهروي أبو منصور الأزهري النحوي اللغوي الشافعي، المتفق على فضله وثقته ودرايته وورعه.
صنف «التهذيب في اللغة» في أكثر من عشر مجلدات، وله تصنيف في غرائب الألفاظ التي تستعملها الفقهاء من اللغة المتعلقة بالفقه.
توفي سنة سبعين وثلاث مائة. مذكور في الأصل.
١٦٦١ - [الحافظ أبو بكر غندر] (٤)
محمد بن جعفر بن الحسين بن محمد بن زكريا البغدادي أبو بكر الورّاق، الملقب غندر -بضم الغين المعجمة، وسكون النون، وفتح الدال المهملة، ثم راء-الحافظ المحدث المشهور.