← Тараджим

Тараджим · id 29560

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

الطيب بامخرمة

Полный текст (3 319 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ذكر الأحداث من أول سنة الهجرة إلى آخر أيام سنة طبقة العشرين الأولى منها في السنة الأولى من الهجرة : هاجر ﷺ من مكة المشرفة إلى المدينة المكرمة ومعه أبو بكر ﵁، وعامر بن فهيرة يخدمهم، وعبد الله بن أريقط الدّيلي دليلهم، فأعطيا الديلي راحلتهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث، فخرجا من مكة وكمنا في الغار (١)، وكان عبد الله بن أبي بكر غلاما شابّا ثقفا لقنا يبيت عندهما (٢)، فيدّلج من عندهما بسحر (٣)، فيصبح مع قريش كبائت، فلا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، وكان عامر بن فهيرة مولى أبي بكر يرعى عليهما منحة من غنم (٤)، فيريحها عليهما عشاء، وينعق بها (٥) من عندهما بغلس، قيل: وكانت أسماء بنت أبي بكر ﵄ تأتيهما من الطعام بما يصلحهما، وطلبهم المشركون بجميع وجوه الطلب، ومرّوا على غارهما، فوجدوا عليه من نسج العنكبوت وتفريخ الحمام ما ظنوا أنه لم يدخل منذ عام (٦). ففي «البخاري» عن أبي بكر ﵁: فرفعت رأسي وإذا أنا بأقدام القوم،

стр. 177

فقلت: يا رسول الله؛ لو أن بعضهم طأطأ بصره .. لأبصرنا، قال: «اسكت يا أبا بكر، اثنان الله ثالثهما» (١). وبعد الثلاث جاءهم الدليل بالراحلتين فارتحلوا، وأردف أبو بكر خلفه عامر بن فهيرة ليخدمهما، قال: فأخذ بهم طريق الساحل، وأخذت قريش عليهم بالرصد والطلب، وجعلوا دية كل واحد منهما لمن أسره أو قتله (٢). قال أبو بكر ﵁: (فأخذ علينا الرصد، فخرجنا ليلا، فاختبأنا ليلتنا ويومنا حتى قام قائم الظهيرة، ثم رفعت لنا صخرة، فأتيناها ولها شيء من ظل، ففرشت لرسول الله ﷺ فروة معي، ثم اضطجع، فانطلقت أنفض ما حوله (٣)؛ فإذا أنا براع قد أقبل في غنمه يريد من الصخرة الذي أردنا، فسألته: لمن أنت يا غلام؟ فقال: أنا لفلان، فقلت له: هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم، فقلت له: هل أنت حالب لنا؟ قال: نعم، فأخذ شاة من غنمه، فقلت: انفض الضّرع، قال: فحلب كثبة من لبن (٤)، ومعي إداوة من ماء عليها خرقة، قد روأتها لرسول الله ﷺ (٥)، فصببت على اللبن حتى برد أسفله، ثم أتيت به رسول الله ﷺ ، فقلت: اشرب يا رسول الله؛ فشرب حتى رضيت، ثم ارتحلنا بعد ما زالت الشمس والطلب في أثرنا، واتبعنا سراقة بن مالك بن جعشم ونحن في جلد من الأرض (٦)، فقلت: يا رسول الله؛ أتينا، فقال: «لا تحزن إن الله معنا»، فدعا عليه رسول الله ﷺ ، فارتطمت فرسه إلى بطنها (٧)، فقال: إني علمت أنكما قد دعوتما عليّ، فادعوا الله لي، والله؛ لكما أن أرد الطلب، فدعا الله فنجا، فرجع لا يلقى أحدا إلا قال: قد كفيتكم ما ههنا، فلا يلقى أحدا إلا رده، قال: ووفى لنا) (٨). وروي: أنهما مرا بخيمة أم معبد، واسمها: عاتكة بنت خالد الخزاعية الكعبية،

стр. 178

فسألوها الزاد، فلم يصيبوا عندها شيئا، وكانوا مسنتين (١)، وسألها عن شاة في خيمتهم: «هل بها من لبن؟ » قالت: هي أجهد من ذلك، إنما خلّفها عن الغنم الجهد، فمسح ﷺ بيده الكريمة على ضرعها، وسمّى الله ودعا [لها] في شاتها فتفاجّت (٢) عليه ودرّت، فدعا بإناء يربض الرهط-أي: يرويهم-فحلب وسقاها وسقى أصحابه، وشرب ﷺ آخرهم، ثم ملأه وغادره عندها، وبايعها وارتحلوا عنها. وأصبح صوت بمكة عال يسمعونه ولا يرون من صاحبه-قيل: هو من الجن-وهو يقول: [من الطويل] جزى الله ربّ العرش خير جزائه ... رفيقين قالا خيمتي أمّ معبد (٣) هما نزلاها بالهدى فاهتدت به ... فقد فاز من أمسى رفيق محمد فيال قصيّ ما زوى الله عنكم ... به من فخار لا يجارى وسؤدد ليهن بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنّكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلّبت ... له بصريح ضرّة الشاة مزبد (٤) قيل: ولما هبطوا العرج (٥) .. أبطأ عليهم بعض ظهرهم، فحمل رسول الله ﷺ رجل يقال له: أوس بن حجر (٦) على جمل له اسمه: الرّداح (٧)، وبعث معه غلاما له يقال له: مسعود بن هنيدة، ثم سلكوا من العرج ثنية العائر (٨) عن يمين ركوبه وهبوطه بطن رئم (٩)، ثم قدموا قباء على بني عمرو بن عوف. ولما سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله ﷺ من مكة .. كانوا

стр. 179

يغدون كل غداة إلى الحرّة ينتظرون حتى يردّهم حرّ الظهيرة، فانقلبوا يوما بعد ما طال انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم .. أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله ﷺ وأصحابه مبيّضين يزول بهم السّراب (١)، فلم يملك اليهودي أن قال: يا معشر العرب؛ هذا جدّكم الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقّوا النبي ﷺ بظهر الحرّة، فعدل بهم ذات اليمين، حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف يوم الاثنين في شهر ربيع الأول (٢)، وقيل: لثنتي عشرة منه، وقيل: لثمان. وقيل: كان نزوله بقباء على كلثوم بن الهدم، وقيل: على سعد بن خيثمة، فمكث ﷺ بقباء أربع عشرة ليلة، أسس فيه المسجد الذي أسّس على التقوى، وهو أول مسجد بني في الإسلام، وصلّى فيه رسول الله ﷺ ، وكان مربدا لكلثوم بن الهدم (٣)، وهو الذي ذكره الله في كتابه العزيز: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (٤)، وكان ﷺ يأتيه كل اثنين وخميس راكبا وماشيا، وورد في فضله أحاديث كثيرة (٥). ثم سار ﷺ من قباء يوم الخميس-وقيل: يوم الجمعة-فأدركته الصلاة في بني سالم بن عوف، فصلاها في بطن وادي رانوناء (٦)، فكانت أول صلاة جمعة صلاها بالمدينة. قال حافظ اليمن يحيى العامري: (واتخذ موضع مصلاه مسجدا، ويسمى: مسجد الجمعة، وهو مسجد عتبان بن مالك الذي شكى إلى رسول الله ﷺ أنه يحول بينه وبين السيل، وكان ﷺ لما ركب من قباء كلما مرّ على دور من

стр. 180

دور الأنصار .. اعترضوه ولزموا بزمام ناقته يقولون: هلمّ يا رسول الله إلى القوة والمنعة، فيقول: «خلّوا سبيلها؛ فإنها مأمورة»، وقد أرخى لها زمامها ولا يحركها، وهي تنظر يمينا وشمالا والناس كنفتيها حتى بركت على باب مسجده (١) -وهو إذ ذاك مريد ليتيمين من الأنصار-ثم ثارت وهو عليها، فسارت حتى بركت على باب أبي أيوب الأنصاري، ثم التفتت يمينا وشمالا، ثم ثارت وبركت في مبركها الأول، وألقت جرانها بالأرض (٢)، وأرزمت-أي: صوّتت-فنزل عنها، وقال: «هذا المنزل إن شاء الله تعالى»، فاحتمل أبو أيوب رحله فأدخله بيته، وكان ﷺ يحب النزول على أخواله بني النجار، فاختار الله له ما كان يختاره (٣)) (٤). ودار أبي أيوب اليوم مدرسة للمذاهب الأربعة، اشترى عرصتها الملك المظفر أحد بني أيوب بن شاذي (٥)، وبناها مدرسة وأوقفها على المذاهب الأربعة من أهل السنة، وأوقف عليها أوقافا بميّافارقين (٦). وفي هذه السنة: بنى ﷺ مسجده الشريف حيث مبرك الراحلة، وكان مربدا للتمر لسهل وسهيل ابني رافع بن عمرو؛ غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة، فاشتراه ﷺ بعشرة دنانير ذهبا دفعها عنه أبو بكر، ثم بناه ﷺ وأعانه المسلمون عليه، وكان ينقل معهم اللّبن ويقول: [من الرجز] هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبرّ ربّنا وأطهر (٧) فقال بعض المسلمين: [من الرجز] لئن قعدنا والنّبيّ يعمل ... لذاك منّا العمل المضلّل

стр. 181

وقال علي ﵁: لا يستوي من يعمل المساجدا ... يدأب فيها قائما وقاعدا ومن يرى عن الغبار حائدا ودخل عمار بن ياسر مثقلا باللّبن، فقال: يا رسول الله؛ قتلوني؛ يحملون عليّ ما لا يحملون، فجعل رسول الله ﷺ ينفض عنه التراب ويقول: «ويح ابن سميّة -وهي أم عمار-ليسوا بالذين يقتلونك، إنما تقتلك الفئة الباغية» (١). وبناه ﷺ مربعا، طوله سبعون ذراعا في ستين أو أزيد، وجعل قبلته إلى بيت المقدس، وجعلوا له ثلاثة أبواب، ولم يسطحوه، فشكوا الحرّ، فجعلوا خشبه وسواريه جذوعا، وظللوا بالجريد، ثم بالخصف، فلما وكف .. طيّنوه بالطين، وجعلوا وسطه رحبة (٢)، وكان جداره قبل أن يظلل قامة وشبرا، وبقي كذلك إلى خلافة عمر، فزاد فيه كما سيأتي. وفيها: آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار، وجملة من تآخى من الفريقين تسعون رجلا، خمسة وأربعون من المهاجرين، ومثلهم من الأنصار، وقيل: جملتهم ثلاث مائة، وآخى النبي ﷺ عليا ﵁، فآووهم في منازلهم، وقاسموهم في أموالهم، وآثروهم بأقواتهم، وبلغوا المكاره دونهم، وصار أحدهم أرأف وأرحم بنزيله وأخيه في الدين من أخيه في النسب، كما قيل: [من الطويل] أبوا أن يملّونا ولو أنّ أمّنا ... تلاقي الذي يلقون منّا لملّت قلت: ثم بعد مدة وجدت بخط شيخ مشايخنا جدي القاضي جمال الدين صاحب «التاريخ» معلقا (٣): قال الإمام الشافعي في «الأم»: (حدثني بعض أهل العلم: أن أبا بكر ﵁ قال: ما وجدت لنا ولأهل هذا الحي من الأنصار مثلا إلا ما قال: طفيل الغنوي: [من الطويل]

стр. 182

أبوا أن يملّونا ولو أنّ أمّنا ... تلاقي الذي يلقون منّا لملّت) (١) البيت، لكن له بيت قبله؛ كما وجدتهما معلقين بخط سيدنا وشيخنا الوالد رحمه الله تعالى، وهما: [من الطويل] هم أسكنونا في ظلال بيوتهم ... ظلال بيوت أكفأت وأكنّت أبوا أن يملّونا ولو أنّ أمّنا ... تلاقي الذي يلقون منّا لملّت قال شيخنا الوالد رحمه الله تعالى: وجدتهما معلقين بخط سيدنا ومولانا شيخ الإسلام قدوة الأنام الإمام النووي، ومن خطه نقلت هذا، قال: هكذا قيل: إنهما منسوبان لسيدنا أبي بكر يخاطب بهما الأنصار، ويمدحهم ﵃ أجمعين. وفيها: وادع النبي ﷺ اليهود، وشرط لهم وعليهم، وألحق كل مسلم منهم بحلفائهم من الأنصار. وفيها: بعث ﷺ زيد بن حارثة وأبا رافع مولياه إلى مكة ليأتيا ببناته-غير زينب-وزوجته سودة، وبعث معهم أبو بكر عبد الله بن أريقط لعائشة وأمّها، فجاءوا بهم وصحبهم طلحة بن عبيد الله، ﵃. وأما زينب .. فإنما لحقت بأبيها بعد وقعة بدر؛ وذلك: أن زوجها أبا العاصي بن الربيع استؤسر ببدر، فأطلقه النبي ﷺ بغير فداء، وأخذ عليه أن يخلي سبيل زينب إليه، وبعث ﷺ زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار وقال لهما: كونا ببطن يأجج-موضع على ثمانية أميال من مكة-حتى تمرّ بكما زينب، فلمّا قدم أبو العاصي مكة .. بعث بها مع أخيه كنانة بن الربيع، فألحقها بهما؛ كما تقدم ذلك في ترجمتها. وفيها: صام رسول الله ﷺ عاشوراء، وأمر بصومه، وكانت اليهود في الجاهلية تصومه، فأمر ﷺ بصيامه وحضّ عليه وأكّد في صيامه، فلما فرض رمضان خفّ ذلك التأكيد، وبقي مسنونا، وقيل: كان واجبا، ثم نسخ برمضان، فيكون من باب نسخ الأخف بالأثقل (٢). وفيها: شرع الأذان، وذلك: أنهم لمّا قدموا المدينة .. تشاوروا فيما يجمعهم

стр. 183

للصلاة، فتآمروا أن يتخذوا ناقوسا أو قرنا أو بوقا أو نارا فكرهوا ذلك؛ لما فيه من موافقة اليهود والنصارى والمجوس، فقال عمر ﵁: أولا تبعثون رجلا ينادي، فقال رسول الله ﷺ : «يا بلال؛ قم فناد بالصلاة» (١). وظاهر هذا أنه مجرد إعلام ليس على صفة الأذان المشروع، ثم رأى عبد الله بن زيد بن عبد ربه في منامه واحدا معه ناقوسا، فقال له: ألا تبيع هذا، فقال: وما تريد به؟ ! قال: الإعلام بالصلاة، فقال: أولا أدلّك على خير من ذلك؟ إذا أردت الإعلام بدخول وقت الصلاة .. فقل: الله أكبر، الله أكبر ... إلى آخر الأذان المعروف، ثم قال له: وإذا أردت القيام .. فقل: الله أكبر، الله أكبر ... الإقامة إلى آخرها. فأخبر عبد الله بن زيد النبي ﷺ بما رأى، فأمره النبي ﷺ أن يلقيه على بلال؛ لأنه أندى منه صوتا-أي: أرفع، وقيل: أحسن-فلما سمع عمر ﵁ أذان بلال .. خرج يجر ثوبه، قال: والذي بعثك بالحق نبيا؛ لقد رأيت مثل الذي رأى، فقال ﷺ : «إنها لرؤيا حق» (٢). قال النووي رحمه الله تعالى: (ولا خلاف أن هذا ليس عملا بمجرد المنام، بل شرعه النبي ﷺ إما بوحي وإما باجتهاده على مذهب الجمهور في جواز الاجتهاد له ﷺ (٣). وفيها: أسلم عبد الله بن سلام الإسرائيلي وسلمان الفارسي، ومات من رؤساء الأنصار: أسعد بن زرارة والبراء بن معرور نقيبان، وكلثوم بن الهدم، ومن صناديد المشركين: العاصي بن وائل، والوليد بن المغيرة. *** وفي السنة الثانية من الهجرة : في شعبان، وقيل: رجب على رأس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر: حوّلت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وكان ﷺ زار امرأة من بني سلمة، يقال لها: أم بشر، فصنعت لهم طعاما، فحانت صلاة الظهر، فصلى بهم ﷺ ، فأنزل عليه وهو راكع في الثانية قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ الآية، فاستدار ﷺ واستدارت الصفوف

стр. 184

خلفه، ثم صلّى ما بقي من صلاته إلى الكعبة، ولم يستأنف، فسمّي ذلك المسجد: مسجد القبلتين، وأخبر أهل قباء في صلاة الصبح، فاستداروا كما هم إلى الكعبة (١)، وهو أول منسوخ من أمور الشرع. وفي شعبان أيضا: فرض صيام رمضان، وفرضت صدقة الفطر. وفي شوال منها: دخل ﷺ بعائشة وهي بنت تسع سنين، وكان قد عقد بها قبل ذلك بمكة وهي بنت ست سنين، وقيل: سبع سنين. وفي صفر منها: تزوج علي بفاطمة ﵄ ولها يومئذ خمس عشرة سنة وخمسة أشهر ونصف، وقيل: ثماني عشرة، ولعلي يومئذ إحدى وعشرون سنة، ودخل بها في ذي الحجة بعد وقعة أحد. وفيها: أسلم العباس ﵁ بعد أن فادى نفسه وابني أخويه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث، وكان قد أسر الثلاثة. وفي صفر منها-كما قال ابن إسحاق: غزا النبي ﷺ غزوة ودّان يريد قريش (٢) وبني ضمرة من كنانة، فوادعه مخشي بن عمرو الضّمري ورجع، وهي أول غزوة غزاها النبي ﷺ ، واستعمل على المدينة سعد بن عبادة، وتسمى أيضا: غزوة الأبواء (٣). وفيها: سرية عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف، وهي أول راية عقدها النبي ﷺ (٤)، قيل: بعثه رسول الله ﷺ مرجعه من غزوة الأبواء قبل أن يصل إلى المدينة، وكان عددهم ستين أو ثمانين راكبا من المهاجرين، وليس فيهم أنصاري، فلقوا جمعا من قريش بالحجاز، فلم يكن منهم قتال، إلا أن سعد بن أبي وقاص رمى بسهم، فكان أول سهم رمي به في سبيل الله، ثم انصرفوا وللمسلمين حامية، وفر إلى المسلمين يومئذ المقداد بن عمرو البهراني، وعتبة بن غزوان وكان من المستضعفين بمكة،

стр. 185

وكان يومئذ على المشركين عكرمة بن أبي جهل، وقيل: مكرز بن حفص. قلت: وقد تقدم في ترجمة عبيدة المذكور: كان على المشركين يومئذ أبو سفيان بن حرب (١)، كما هو مقرر في «سيرة مغلطاي» وغيرها (٢)، والله سبحانه أعلم. وفيها: سرية حمزة بن عبد المطلب إلى سيف البحر من ناحية العيص في ثلاثين راكبا من المهاجرين، فلقي أبا جهل في ذلك الساحل في ثلاث مائة راكب، فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني وكان موادعا للفريقين، وقيل: إن سرية حمزة كانت في السنة الأولى من الهجرة. وفي ربيع الأول منها: غزا رسول الله ﷺ بواط من ناحية رضوى، واستعمل على المدينة السائب بن مظعون (٣). قال البكري: (وإليها انتهى النبي ﷺ ولم يلق كيدا) (٤). ولما رجع منها .. أقام ﷺ بالمدينة بقية ربيع الآخر وبعض جمادى الأولى، ثم غزا العشيرة في خمسين ومائة (٥) -وقيل: في مائتين-من المهاجرين على ثلاثين بعيرا يعتقبونها-وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب، وكان اللواء أبيض، واستخلف أبا سلمة المخزومي على المدينة-يطلب عيرا لقريش صادرة إلى الشام، وهي التي كانت وقعة بدر بسببها حين رجعت من الشام، فبلغ ذا العشيرة من بطن ينبع-وبين المدينة وينبع تسعة برد-فوجد العير قد مضت إلى الشام قبل ذلك بأيام، فوادع بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة، ثم رجع ولم يلق كيدا. وما في «صحيح البخاري» عن زيد بن أرقم: أن غزاة ذي العشيرة أول الغزوات (٦) .. هو خلاف المشهور عن أهل النقل (٧).

стр. 186

ثم أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة (١)، فخرج ﷺ في طلبه حتى انتهى إلى واد يقال له: سفوان من ناحية بدر، وفاته كرز بن جابر، وتسمى: بدرا الأولى. وفي مرجعه من ذلك: بعث ابن عمته عبد الله بن جحش الأسدي في ثمانية رهط من المهاجرين، وكتب لهم كتابا أمره فيه: أن ينزل بطن نخلة بين مكة والطائف، فيرصد بها عير قريش، ولا يستكره أحدا من الصحابة، وقال له: «لا تفتح الكتاب حتى تسير يومين»، فمضى عبد الله ومعه أصحابه لم يتخلّف منهم أحد إلا سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان، تخلّفا فوق الفرع (٢) -بالمهملة-في طلب بعير لهما أضلاه (٣). ولمّا نزلوا نخلة .. مرت بهم عير لقريش تحمل تجارة فيها عمرو بن الحضرمي وثلاثة معه، فقتلوا ابن الحضرمي، وأسروا اثنين، وفر واحد، وذلك في آخر جمادى، وكانوا يظنون أنه من جمادى وهو من رجب، وكان ذلك أول قتل وأسر في المشركين، وأول غنيمة في الإسلام، فقال المشركون: قد استحل محمد الشهر الحرام، وعيّروا المسلمين بذلك، فشقّ ذلك على رسول الله ﷺ ، ووقف العير والأسيرين حتى نزل قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ الآية، فقسم رسول الله ﷺ الغنيمة، ووقف الأسيرين حتى قدم سعد وصاحبه، وفاداهم. وفي رمضان منها: كانت الملحمة العظمى التي أعز الله بها الإسلام، وأذل أهل الأصنام، وهي غزوة بدر الكبرى، وتلخيص ذلك على ما ذكر ابن إسحاق: أنه ﷺ لمّا سمع بأبي سفيان صخر بن حرب خرج في تجارة إلى الشام معه ثلاثون أو أربعون رجلا .. خرج في طلبها، فلما فاتته في ذهابها .. طمع بها في إيابها، وجعل العيون

стр. 187

عليها، فجاءه عينه بسبسة (١) بن عمرو الجهني بخبرها، فخرج ﷺ بمن خف معه من المسلمين في ثلاث مائة وثلاث أو أربع عشرة رجلا-عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ولم يجاوز معه إلا مؤمن-المهاجرون منهم ثلاثة وثمانون رجلا، وبقيتهم من الأنصار؛ من الأوس أحد وستون، ومن الخزرج مائة وسبعون-وعدّ منهم من ضرب له رسول الله ﷺ سهمه وأجره ولم يحضرها كعثمان بن عفان-ومعهم ثمانون بعيرا يعتقبونها، وفرس واحد للمقداد ابن الأسود، قيل: وفرسان آخران للزبير ومرثد بن أبي مرثد الغنوي ﵃ (٢)، واستعمل ﷺ على المدينة أبا لبابة، وعلى الصلاة ابن أم مكتوم، ودفع لواءه-وكان أبيض-إلى مصعب بن عمير العبدري، وكان له رايتان سوداوان: إحداهما بيد علي، والأخرى بيد رجل من الأنصار ﵃. ولما قارب أبو سفيان الحجاز .. اشتد خوفه، وجعل يتحسس الأخبار، فلما أخبر بمخرج رسول الله ﷺ .. بعث إلى قريش يستنفرهم، فأوعبت قريش في الخروج (٣)، فلم يتخلف من بطونها أحد إلا بنو عدي، ولا من أشرافها إلا أن أبا لهب استأجر مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة. فلما كان ﷺ ببعض الطريق وصحّ له نفير قريش .. استشار أصحابه في طلب العير وحرب النفير، وكانت العير أحب إليهم كما قال الله تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ، ﴾ فتكلم أبو بكر، فأعرض عنه، ثم عمر كذلك، ثم المقداد فأحسن القول وقال: لا نقول يا رسول الله كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، بل إنا معك مقاتلون، وهو في كل ذلك يقول: «أشيروا علي»، وإنما يريد الأنصار؛ لأنهم العدد الكثير، وكان يتخوّف منهم أنهم لا يرون نصرته إلا على من دهمه بالمدينة كما هو في أصل بيعتهم ليلة العقبة، فقام سعد بن عبادة (٤) فقال: إيانا

стр. 188

تريد يا رسول الله؛ والذي نفسي بيده؛ لو أمرتنا أن نخيضها البحر .. لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب بأكبادها إلى برك الغماد (١) .. لفعلنا، فسر رسول الله ﷺ بقوله ونشّطه، ثم قال: «سيروا على بركة الله تعالى وأبشروا؛ فإن الله وعدني إحدى الطائفتين، والله؛ لكأني انظر الآن إلى مصارع القوم» (٢). ولما نزل ﷺ ببدر .. كان بالعدوة الدنيا؛ وهي: شفير الوادي الأدنى إلى المدينة، وكان المشركون بالعدوة القصوى؛ وهي: شفير الوادي الأقصى من المدينة، وكان الركب-وهو عير أبي سفيان حينئذ-أسفل منهم إلى ساحل البحر على ثلاثة أميال من بدر، ولا علم عند أحد منهم بالآخر، وقد حجب الوادي بينهم، فوردت عليه روايا قريش (٣) وفيهم غلام أسود لبني الحجاج، فأخذه أصحاب رسول الله ﷺ ، فسألوه عن أبي سفيان وأصحابه، فقال: لا علم لي بأبي سفيان، ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأميّة بن خلف في الناس، فإذا قال ذلك .. ضربوه، فإذا أوجعه الضرب .. قال: أنا أخبركم: هذا أبو سفيان، فإذا تركوه وسألوه .. قال: مالي بأبي سفيان علم، ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف في الناس، فإذا قال هذا ضربوه، ورسول الله ﷺ قائم يصلي، فلما رأى ذلك .. انصرف وقال: «والذي نفسي بيده؛ لتضربوه إذا صدقكم، وتتركوه إذا كذبكم» (٤)، فقال رسول الله ﷺ : «هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها» (٥). وكان رسول الله ﷺ حين نزل بدرا .. نزل على أدنى ماء إلى العدو، وترك المياه كلها خلفه بمشورة الحباب بن المنذر، وبني له عريش يستظل فيه بمشورة

стр. 189

سعد بن معاذ، فلما أصبحت قريش .. ارتحلت، فلما رآها ﷺ تصوّب من العقنقل-وهو الكثيب الذي هبطوا منه إلى الوادي- .. قال: «اللهم؛ هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخارها تحادّك وتكذّب رسلك، اللهم؛ فنصرك الذي وعدتني، اللهم؛ أحنهم الغداة (١)، اللهم؛ إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام .. لا تعبد في الأرض»، وما زال يهتف بربه مادا يديه حتى سقط رداؤه، فأخذ أبو بكر ﵁ بيده وقال: حسبك يا رسول الله؛ فقد ألححت على ربك، وهو في الدرع، فخرج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ* بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ﴾ (٢). وفي «صحيح مسلم» أنه ﷺ قال: «هذا مصرع فلان» ويضع يده على الأرض ههنا وههنا، فما ماط أحد من موضع يده ﷺ (٣)، ثم عدّل رسول الله ﷺ الصفوف وقال لأصحابه: «لا تحملوا حتى آمركم»، وقال: «إذا كثبوكم-أي: قاربوكم- .. فعليكم بالنبل، واستبقوا نبلكم» (٤)، ثم رجع العريش ومعه أبو بكر، فخفق خفقة (٥)، ثم انتبه فقال: «يا أبا بكر؛ أتاك نصر الله؛ هذا جبريل آخذ بعنان فرس يقوده على ثناياه النّقع» (٦). وكان عدد المشركين ما بين التسع مائة والألف، ومعهم ثمانون فرسا، فلما تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض .. قال أبو جهل-لعنه الله-: اللهم؛ أقطعنا الرحم، وآتانا بما لا يعرف فأحنه الغداة، فكان هو المستفتح على نفسه (٧). فبرز من الصف شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة وولده الوليد بن عتبة يطلبون البراز، وهم في الحديد لا يرى إلا أعينهم، فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار كذلك أيضا لا يرى إلا أعينهم. فقال القرشيون لهم: من أنتم؟ فسموا أنفسهم، فقالوا: أكفاء كرام، لكنا لا نريد إلا

стр. 190

من قومنا، فبرز إليهم بأمر النبي ﷺ حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث بن المطلب، فأما حمزة وعلي فما أمهلا صاحبيهما، واختلف الوليد بن عتبة وعبيدة بن الحارث بضربتين، كلاهما أثبت صاحبه، فكرّ حمزة وعلي على عتبة فذفّفاه، واحتملا عبيدة وقد قطعت رجله، وآخر ذلك أخذ رسول الله ﷺ حفنة من الحصى ورماهم بها، وقال لأصحابه: «شدوا»، فكانت الهزيمة (١)، فقتلوا من الكفار سبعين، وأسروا سبعين، وقتل من المسلمين أربعة عشر رجلا: ستة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار، ولما فرغ ﷺ من أمرهم أسرا وقتلا .. أمر بأربعة وعشرين رجلا منهم فقذفوا بالقليب قليب بدر؛ وهي: بئر غير مطوية، وكان ﷺ إذا أغار على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث .. أمر براحلته فشد عليها رحلها، ثم مشى، واتبعه أصحابه وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفير الرّكيّ (٢)، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم ويقول: «أيسرّكم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ »، فقال عمر: ما تكلم يا رسول الله من أجساد لا أرواح فيها؟ ! فقال ﷺ : «والذي نفس محمد بيده؛ ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» (٣). قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله؛ توبيخا وتصغيرا ونقمة وحسرة وندامة. وروي: أنه ﷺ قيل له بعد الهزيمة: هذه العير ليس دونها شيء، فانهض في طلبها، فناداه عمه العباس وهو أسير: لا يصلح لك ذلك، فقال له النبي ﷺ : «ولم ذلك؟ » قال: لأن الله وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك ما وعدك، فقال النبي ﷺ : «صدقت» (٤). وبعث النبي ﷺ عبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة؛ يبشران أهل المدينة، قال أسامة بن زيد: أتانا الخبر حين سوّينا التراب على رقيّة ابنة رسول الله ﷺ ، ثم أقبل رسول الله ﷺ راجعا إلى المدينة، فلما كان بمضيق

стр. 191

الصّفراء (١) .. قسّم النّفل-أي: الغنيمة-وأمر بقتل النضر بن الحارث بالصفراء، وأمر بقتل عقبة بن أبي معيط بعرق الظّبية (٢)، فلما كان ﷺ بالروحاء .. لقيه المسلمون يهنّئونه، ودخل المدينة قبل الأسرى بيوم، ولما قدم بالأسارى .. فرّقهم بين أصحابه وقال: «استوصوا بهم خيرا» (٣)، واستمر فداؤهم على أربعة آلاف درهم، ومنهم من نقص عنه، ومنّ رسول الله ﷺ على بعضهم بغير فداء. وكانت وقعة بدر يوم الجمعة سابع عشر شهر رمضان، على رأس سنة وثمانية أشهر وسبع عشرة ليلة من الهجرة، وسمي يوم بدر باسم المكان الذي جرت فيه الوقعة؛ وهو ماء معروف وقرية عامرة على نحو أربع مراحل من المدينة. قال ابن قتيبة: (وهي بئر لرجل يسمى: بدرا، سميت باسمه) (٤). ومن أسمائه في كتاب الله العزيز: يوم الفرقان؛ وهو يوم التقى الجمعان، ويوم اللزام، ويوم البطشة الكبرى. وفي هذه السنة بعد بدر: غزوة بني قينقاع يهود المدينة (٥)، رهط عبد الله بن سلام، وكانوا أول ناقض للعهد من اليهود، فحاصرهم النبي ﷺ حتى نزلوا على حكمه، فوهبهم في أنفسهم لحليفهم عبد الله بن أبي، وأخذ أموالهم، وكان لعبادة بن الصامت منهم من الحلف مثل ما لعبد الله بن أبي، فتبرأ منهم، قيل: نزل فيه وفي عبد الله بن أبي قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ﴾ الآية. وبعد بدر غزوة السّويق (٦)، وسببها: أن أبا سفيان بن حرب بعد بدر حلف ألاّ يمسّ رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا، فخرج في مائتي راكب، فلما كان على بريد من المدينة .. خرج في الليل حتى أتى حييّ بن أخطب، فضرب بابه، فخافه وأبى أن يخرج

стр. 192

إليه، فانصرف إلى سلاّم بن مشكم اليهودي، فأطعمه وسقاه وحادثه بالأخبار، ثم خرج عنه، فأتى أصحابه، فبعث رجالا منهم، فوجدوا رجلا من الأنصار وحليفا له في حرث لهما، فقتلوهما، فخرج النبي ﷺ في طلبهم، واستعمل على المدينة أبا لبابة الأنصاري، وانتهى ﷺ إلى قرقرة الكدر (١)، وفاته أبو سفيان، وقد كان ﷺ أصاب أزوادا كثيرة طرحها أبو سفيان وأصحابه يتخففون عنها، أكثرها السويق، ولذلك سميت غزوة السّويق. وبعد بدر أيضا: غزا ﷺ بني سليم بالكدر على ثمانية برد من المدينة، فاستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وكان لواؤه ﷺ مع علي ﵁، فغنم النبي ﷺ خمس مائة بعير، قسّم أربع مائة منها على الغانمين، أصاب كل واحد بعيرين، وأخذ النبي ﷺ مائة بعير، وكانت مدة غيبته عن المدينة خمس عشرة ليلة. وبعد بدر أيضا: كانت غزوة ذي أمرّ (٢)؛ وهي غزوة أنمار بنجد، يريد ﷺ غطفان، واستعمل على المدينة عثمان بن عفان، وأقام ﷺ بنجد شهرا، ثم رجع من غير قتال، ومنها كانت سرية زيد بن حارثة، وذلك: أن قريشا بعد بدر تجنبوا طريق الشام، وسلكوا طريق العراق، فبعث ﷺ زيد بن حارثة، فلقي أبا سفيان في رفقة يحملون تجارة فيها فضة كثيرة، فغنم زيد ما في العير، وأعجزه الرجال هربا، ففي ذلك قال حسان يعيّر قريشا بأخذهم تلك الطرائق: [من الطويل] دعوا فلجات الشام قد حال دونها ... جلاد كأفواه المخاض الأوارك بأيدي رجال هاجروا نحو ربّهم ... وأنصاره حقا وأيدي الملائك إذا سلكت للغور من بطن عالج ... فقولا لها: ليس الطريق هنالك (٣)

стр. 193

قال الحافظ أبو زكريا العامري: (وفي هذه السنة: ذكر ابن إسحاق قتل كعب بن الأشرف الطائي وأمه من بني النضير، وذكره غير واحد في الثالثة قبيل غزوة بني النّضير (١)، وكان من حديثه: لما نصر الله نبيه ببدر .. اشتد حسده وبغضه، فقدم مكة فجعل يحرضهم ويرثي من قتل منهم، ثم رجع المدينة فشبّب بنساء المسلمين، فقال ﷺ : «من لكعب بن الأشرف؛ فإنه قد آذى الله ورسوله»، فقال محمد بن مسلمة الأنصاري: أتحب يا رسول الله أن أقتله؟ قال: «نعم»، قال: فأذن لي أن أقول شيئا، قال: «قل»، فأتاه محمد بن مسلمة، فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقة، وإنه قد عنّانا، وإني آتيك أستسلفك، قال: وأيضا والله؛ لتملّنّه، قال: إنا قد اتبعناه، فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أيّ شيء يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلفنا وسقا أو وسقين، قال: نعم، أرهنوني نساءكم، قالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟ ! قال: أرهنوني أبناءكم، قالوا: كيف نرهنك أبناءنا فيسبّ أحدهم فيقال: رهن بوسق أو وسقين؟ ! هذا عار علينا، ولكنا نرهنك اللّأمة-يعني: السلاح-فواعده أن يأتيه، فجاءه ليلا ومعه أبو نائلة-وهو أخو كعب بن الأشرف من الرضاعة-وأبو عبس بن جبر والحارث ابن أوس وعبّاد بن بشر، فلما دعوه .. قالت امرأته: أين تخرج هذه الساعة؟ ! وقالت: أسمع صوتا كأنه يقطر منه الدم، فقال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة؛ إن الكريم إذا دعي إلى طعنة بليل .. لأجاب، فنزل إليهم متوشّحا ينفح منه ريح الطيب، فقال محمد بن مسلمة: ما رأيت كاليوم ريحا؛ أي: أطيب، قال: عندي أعطر النساء، قال: أتأذن لي أن أشم رأسك، قال: نعم، فشمه، ثم أشمّ أصحابه، ثم قال: أتأذن لي، قال: نعم، فلما استمكن منه .. قال: دونكم، فقتلوه، ثم أتوا النبي ﷺ فأخبروه (٢). وذكر ابن إسحاق بعده قتل أبي رافع عبد الله بن أبي الحقيق اليهودي تاجر أهل الحجاز (٣)، وكان بخيبر، وكان يؤذي رسول الله ﷺ ، ويعين عليه، فبعث

стр. 194

النبي ﷺ لقتله رجالا من الأنصار، وأمّر عليهم عبد الله بن عتيك، فدنوا من حصنه وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم، فدخل عبد الله مع آخر من دخل من أهل الحصن، فكمن داخل الباب، وأبصر المفاتيح حيث وضعت، فلما هدأت الأصوات .. قام وأخذ المفاتيح، وجعل يفتح الأبواب بابا بابا، فكلما فتح بابا .. أغلقه عليه، قال: قلت: إن القوم نذروا بي .. لم يخلصوا إلى حتى أقتله، قال: فانتهيت إليه وهو في بيت مظلم وسط عياله، لا أدري أين هو من البيت، قلت: أبا رافع؛ قال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت، فضربته ضربة بالسيف وأنا دهش فما أغنيت شيئا، وصاح، فخرجت من البيت فأمكث غير بعيد، ثم دخلت إليه فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ ! فقال: لأمّك الويل؛ إن رجلا في البيت ضربني قبل بالسيف، قال: فأضربه ضربة أثخنته ولم أقتله، ثم وضعت ضبيب السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره، فعرفت أني قتلته، فجعلت أفتح الأبواب بابا بابا حتى انتهيت إلى درجة وقعت منها على الأرض، فانكسرت رجلي، فعصبتها بعمامة، ثم انطلقت حتى جلست على الباب، فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته؟ فلما صاح الديك .. قام الناعي على السور، فانطلقت إلى أصحابي، فقلت: النجاء؛ فقد قتل الله أبا رافع، فانتهيت إلى النبي ﷺ فحدّثته؛ فقال: «ابسط رجلك»، فبسطت رجلي، فمسحها، فكأني لم أشتكها قط (١). قال ابن إسحاق عقيب ذكره لقتل كعب بن الأشرف: فقال رسول الله ﷺ : «من ظفرتم به من رجال يهود .. فاقتلوه»، فوثب محيصة بن مسعود على رجل من تجار يهود كان يلابسهم فقتله، فجعل حويصة يضربه ويقول: أي عدو الله؛ أقتلته؟ أما والله؛ لربّ شحم في بطنك من ماله، فقال محيصة: والله؛ لقد أمرني بقتله من لو أمرني

стр. 195

بقتلك .. لضربت عنقك، قال: والله؛ إن دينا بلغ بك هذا لعجب، فأسلم حويصة (١)) (٢). وفيها: مات عثمان بن مظعون. وفيها: ولد عبد الله بن الزبير، والنعمان بن بشير. *** وفي السنة الثالثة : تزوج النبي ﷺ حفصة بنت عمر ﵂. وفيها: تزوج ﷺ زينب بنت خزيمة الهلالية أمّ المساكين-﵂-في رمضان على ما ذكره اليافعي في «تاريخه» (٣). قلت: وذكر ذلك مغلطاي أيضا في «مختصره» (٤)، والله أعلم. فلبثت معه شهرين أو ثلاثة وماتت. وفيها: تزوج عثمان أم كلثوم بنت النبي ﷺ بعد أختها رقيّة. وفي منتصف رمضان: ولد الحسن بن علي ﵄. وفيها: بعد أحد حرّمت الخمر. وفيها: كانت وقعة أحد التي خصّ الله فيها المؤمنين، وختم لسبعين منهم بالشهادة. وكان من حديث أحد: أن أبا سفيان بن حرب وأولاد من قتل ببدر تحاشدوا بينهم، وأنفقوا الأموال في طلب الثأر بمن أصيب منهم ببدر، وخرجوا لغزو رسول الله ﷺ بظعنهم ومن أطاعهم من الأحابيش وكنانة، حتى نزلوا بأحد شاميّ (٥) المدينة إلى جهة المشرق قليلا، على ثلاثة أميال أو نحوها من المدينة، وهم ثلاثة آلاف، ومعهم مائتا فرس، وكان على خيلهم خالد بن الوليد، فلما علم بهم ﷺ .. استشار أصحابه في الخروج إليهم أو الإقامة، وقال لهم: «إني رأيت في منامي أن في سيفي ثلمة، وأن بقرا لي تذبح، وأني أدخلت يدي في درع حصينة»، وتأولها أن نفرا من أصحابه

стр. 196

يقتلون، وأن رجلا من أهل بيته يصاب، وأن الدرع الحصينة المدينة، ثم قال: «فإن رأيتم أن تقيموا بها وتدعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا .. أقاموا بشر مقام، وإن دخلوها .. قاتلناهم فيها» (١)، فاختلفت آراؤهم في ذلك، فرأى جماعة-منهم: عبد الله بن أبي وكان قد أظهر الإسلام-الإقامة بالمدينة، ورأى جماعة-منهم: من قضى الله لهم بالشهادة، وغيرهم-الخروج إليهم، حتى غلب رأي من أحب الخروج، فدخل ﷺ ، فلبس لأمته وخرج عليهم، فوجدهم قد رجّحوا رأي القعود، فأبى عليهم وقال: «ما ينبغي للنبي إذا ليس لأمته أن يضعها حتى يقاتل» (٢)، فسار بهم وذلك بعد أن صلّى بهم الجمعة، وصلّى على مالك بن عمرو أخي بني النجار وكان توفي ذلك اليوم، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، فخرج من المدينة في نحو ألف، فلما بلغوا الشّوط (٣) .. انخزل عبد الله بن أبي المنافق بثلث الناس أنفة أن خولف رأيه في القعود، فهمّ بنو حارثة من الأوس وبنو سلمة من الخزرج بالرجوع والفشل، فتولاهم الله وثبتهم كما قال الله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللهُ وَلِيُّهُما، ﴾ قال جابر ﵁: وفينا نزلت وما أحب أنها لم تنزل؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللهُ وَلِيُّهُما﴾ (٤)، ونزل ﷺ بالشعب من أحد على شفير وادي قناة، وجعل ظهره إلى أحد، ورتب أصحابه وبوأهم مقاعد للقتال، وكانوا مشاة فجعل عبد الله بن جبير أخا خوّات بن جبير على الرماة، وهم خمسون رجلا، وأقعدهم على جبل عينين (٥)، وقال لهم: «لا تبرحوا مكانكم إن غلبنا أو غلبنا» (٦)، وظاهر ﷺ بين درعين (٧)، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير، وتعبأت قريش، وجعلوا على ميمنتهم وخيلهم خالد بن الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل، وقال أبو سفيان لبني عبد الدار-وكان إليهم لواء قريش-: إنكم وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم،

стр. 197

وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم؛ إذا زالت .. زالوا، وكانت قريش قد سرحت رواعيها في زرع الأنصار بقناة (١)، فحميت الأنصار لذلك، فحمل النبي ﷺ وأصحابه على المشركين، فهزموهم حتى قال البراء بن عازب ﵄: رأيت النساء- يعني: هندا وصواحبها-يشددن في الجبل هربا رفعن عن سوقهن حتى بدت خلاخلهن، فقال الرماة-أصحاب عبد الله بن جبير-: الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون (٢)؟ فأقبلوا على الغنيمة، وثبت عبد الله بن جبير في نفر دون العشرة، فلما رأى خالد بن الوليد ذلك ورأى ظهور المسلمين خالية من الرماة .. صاح في خيله، فحملوا على بقية الرماة، ثم أتى المسلمين من خلفهم، وجالت الريح فصارت دبورا بعد أن كانت صبا (٣)، وصرخ إبليس- لعنه الله-ألا إن محمدا قد قتل فانفضت صفوف المسلمين، وتزاحفت قريش بعد هزيمتها، وذلك بعد أن قتل على لوائها أحد عشر رجلا من بني عبد الدار، وبقي لواؤهم صريعا حتى رفعته لهم عمرة بنت علقمة الكنانية، فلاثوا به (٤)، وخلص العدو إلى رسول الله ﷺ ، ورموه بالحجارة حتى وقع لشقه، وكسر رباعيته (٥) عتبة بن أبي وقاص-أخو سعد بن أبي وقاص-اليمنى السّفلى، وجرح شفته، وجرح ابن قميئة الليثي-واسمه عبد الله -وجه النبي ﷺ ، فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنتيه الكريمتين (٦)، وشجّه أيضا عبد الله بن شهاب الزهري جد الإمام محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري، وهشّم البيضة على رأسه (٧)، وكان هؤلاء معهم أبيّ بن خلف الجمحي، تعاقدوا على قتله ﷺ ، أو ليقتلنّ دونه، فمنعه الله منهم. قال سعد بن أبي وقاص ﵁: رأيت رسول الله ﷺ يوم أحد ومعه رجلان يقاتلان عنه كأشد القتال، عليهما ثياب بيض، ما رأيتهما قبل ولا بعد، وهما جبريل وميكائيل (٨).

стр. 198

وكان أول من عرف رسول الله ﷺ بعد أن أشيع قتله .. كعب بن مالك، قال: رأيت عيناه تزهران تحت المغفر، فقلت: يا معشر المسلمين؛ أبشروا، هذا رسول الله ﷺ ، فأشار إلى: أن اسكت (١)، فعطف عليه نفر من المسلمين، ونهضوا إلى الشعب. وقد كان أبي بن خلف يقول للنبي ﷺ : عندي فرس أعلفها كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليها (٢)، فقال له النبي ﷺ : «أنا أقتلك عليها إن شاء الله تعالى»، فلما كان يوم أحد .. شدّ أبيّ بن خلف على فرسه قاصدا النبي ﷺ إلى الشّعب وهو يقول: أين محمد؟ لا نجوت إن نجا، فاعترضه رجال من المسلمين، فقال النبي ﷺ هكذا؛ أي: خلوا طريقه، وتناول ﷺ الحربة من الحارث بن الصّمّة، فانتفض بها انتفاضة تطايروا عنه تطاير الشّعراء عن ظهر البعير إذا انتفض (٣)، ثم استقبله فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا (٤)، ورجع إلى أصحابه وهو يقول: قتلني محمد، وهم يقولون: لا بأس عليك، فقال: لو كان ما بي بجميع الناس لقتلهم، أليس قد قال: «أنا أقتلك»؟ ! والله؛ لو بصق علي .. لقتلني، فمات بسرف (٥). وطفق نساء المشركين يمثلن بالقتلى من المسلمين بتبقير البطون، وقطع المذاكير، وجدع الآذان والأنوف، لم يحترموا أحدا منهم غير حنظلة الغسيل؛ فإن أباه أبا عامر الراهب -الذي سماه النبي ﷺ الفاسق بدل الراهب-كان مع المشركين، فتركوه لذلك. ولما نظر النبي ﷺ إلى ذلك من عمه حمزة .. لم ينظر إلى شيء قط كان أوجع لقلبه منه، وترحم عليه وأثنى وقال: «أما والله؛ لئن ظفّرني الله بهم .. لأمثّلنّ بسبعين منهم مكانك»؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾

стр. 199

﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ (١)، فكان ﷺ بعد ذلك ينهى عن المثلة (٢)، ويوصي من يبعث من السرايا ألاّ يمثلوا. ولما انصرفت قريش وعلم الله سبحانه ما في قلوب أصحاب رسول الله ﷺ من تراكم الغموم والهموم مما أصابهم وخوف كرة العدو عليهم .. تفضل عليهم بالنعاس؛ أمنة منه للمؤمنين منهم وهم أهل اليقين، ولم يغش أحدا من المنافقين، كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ الآية. قال أبو طلحة ﵁: غشينا النعاس ونحن في مصافنا، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه (٣). وقال ﵁: رفعت رأسي فجعلت ما أرى أحدا .. إلا وهو يميل تحت حجفته (٤). وقال الزبير ﵁: والله؛ إني لأسمع قول معتّب بن قشير والنعاس يتغشّاني ما أسمعه إلا كالحلم يقول: لو كان لنا من الأمر شيء .. ما قتلنا ههنا (٥). وكان يوم أحد يوم بلاء وتمحيص، أكرم الله فيه من أكرم بالشهادة، وممن أبلى يومئذ وعظم نفعه: طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص ﵃. وكان ذلك يوم السبت للنصف من شوال، وقيل: السابع منه. وفي هذه السنة: غزا ﷺ حمراء الأسد، وذلك: أن قريشا لما انصرفوا من أحد وبلغوا الروحاء .. هموا بالرجوع؛ لاستئصال من بقي من أصحاب رسول الله ﷺ بزعمهم، فلما علم بهم النبي ﷺ .. ندب أصحابه للخروج موريا من نفسه القوة، وقال: «لا يخرجن معنا إلا من حضر يومنا

стр. 200

بالأمس» (١)، فانتدب منهم سبعون رجلا الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، فلما بلغوا حمراء الأسد-وهي على ثمانية أميال من المدينة- .. مر بهم معبد الخزاعي، وكانت خزاعة نصحاء رسول الله ﷺ مسلمهم وكافرهم، فعزّى رسول الله ﷺ بمن أصيب من أصحابه، ثم جاوزهم، فلما انتهى إلى قريش .. أخبرهم بمخرج النبي ﷺ ، وهوّل جيوشه، وقال: والله، لقد حملني ما رأيت على أن قلت: [من البسيط] كادت تهدّ من الأصوات راحلتي ... إذ مالت الأرض بالجرد الأبابيل (٢) في أبيات أنشدها، فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه عن الرجوع، ومر عليهم ركب من عبد القيس، فجعل لهم أبو سفيان جعلا على أن يخبروا رسول الله ﷺ ومن معه بأنهم يريدون الكرة عليهم، فلما مر الركب برسول الله ﷺ وأخبروه وأصحابه بمقالة أبي سفيان .. قالوا-كما حكى الله عنهم-: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، ﴾ وأقام ﷺ بحمراء الأسد ثلاثا، ثم رجع. وفي هذه الغزوة أخذ ﷺ معاوية بن المغيرة الأموي جدّ عبد الملك بن مروان أبا أمه، وأبا عزة الجمحي الشاعر، فأما معاوية .. فشفع فيه عثمان ﵁، فشفّع فيه على أنه إن وجد بعد ثلاث .. قتل، فوجد بعدها فقتل، وأما أبو عزة .. فكان النبي ﷺ أسره ببدر، فشكا حاجة وعيالا، فمنّ عليه رسول الله ﷺ مجانا، وأخذ عليه ألاّ يعين عليه، فنكث، فلما وقع الثانية .. شكا مثلها، فقال النبي ﷺ : «لا والله؛ لا تمسح عارضيك بمكة وتقول: خدعت محمدا مرتين؛ إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين» (٣)، وأمر بضرب عنقه. وفي هذه السنة: غزوة بني النّضير بعد أحد، وقال الزهري عن عروة: وكانت قبل أحد على رأس ستة أشهر من بدر (٤)، وكانوا صالحوا النبي ﷺ حين قدموا المدينة على ألاّ يقاتلوا معه ولا يقاتلوه، فنقضوا العهد، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين

стр. 201

راكبا إلى قريش، فحالفهم بعد بدر، وقيل: بعد أحد، وكان النبي ﷺ قصدهم يستعينهم في دية الرجلين الذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري في غزوة بئر معونة، ولم يعلم ما بين قومهما وبين النبي ﷺ من العقد، فهمّوا بطرح حجر عليه من فوق الحصن، فأخبره جبريل بذلك، فانصرف راجعا عنهم، وأمر بقتل كعب بن الأشرف كما تقدم، وأصبح غاديا عليهم بالكتائب، وكانوا بقرية يقال لها: زهرة، فوجدهم ينوحون على كعب بن الأشرف، فقالوا: يا محمد، واعية على إثر واعية (١)، ثم حشدوا للحرب، ودس إليهم إخوانهم من المنافقين ما حكاه الله عنهم: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ الآية. فحاصرهم النبي ﷺ إحدى وعشرين ليلة، وقطع نخلهم وحرّقها؛ وهي البويرة. وفيها يقول حسان بن ثابت يوبّخ قريشا ويعيّرهم بذلك: [من الوافر] وهان على سراة بني لؤيّ ... حريق بالبويرة مستطير فأجابه أبو سفيان بن الحارث: أدام الله ذلك من صنيع ... وحرّق في نواحيها السّعير ستعلم أيّنا منها بنزه ... وتعلم أيّ أرضينا تضير (٢) وكان بعض الصحابة مترددا في قطع النخل، ورأوا أن ذلك من الفساد، وعيّرهم اليهود بذلك أيضا، فأنزل الله تعالى: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ.﴾ ولما اشتد على أعداء الله الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب، وأيسوا من نصر المنافقين .. طلبوا الصلح من رسول الله ﷺ ، فصالحهم على الجلاء، وأن لهم ما أقلّت الإبل إلا السلاح، فكانوا يخربون بيوتهم بأيديهم؛ لينقلوا أبوابها وأخشابها، فخرج ناس منهم إلى أذرعات وأريحا من الشام، وبعضهم إلى الحيرة (٣)، ولحق آل

стр. 202

أبي الحقيق وآل حيي بن أخطب بخيبر، فكانوا أول من أجلي من اليهود، كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ [الحشر: ٢]، والحشر الثاني: من خيبر في أيام عمر ﵁. فكانت أموال بني النّضير خالصة لرسول الله ﷺ ، فقسمها بين المهاجرين لفقرهم وحاجتهم، ولم يعط الأنصار منها شيئا، إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة: أبو دجانة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصّمّة، فطابت بذلك أنفس الأنصار ﵃، وأثنى الله عليهم لذلك بقوله تعالى: ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً﴾ أي: حسدا ﴿مِمّا أُوتُوا﴾؛ يعني: المهاجرين ﵃ أجمعين. وفي ذي القعدة منها: كانت غزوة بدر الثالثة، وهي: الصغرى، كما قاله النووي (١)، وذكرها غير واحد في الرابعة، قال الحافظ العامري: (وهو موافق لما ذكر فيها: أنهم تواعدوا لها يوم أحد العام القابل) (٢)؛ وذلك: أن أبا سفيان حين انصرف من أحد .. واعد رسول الله ﷺ موسم بدر، وكانت سوقا من أسواق الجاهلية يجتمعون إليها في كل عام ثمانية أيام، فلما كان ذلك .. خرج أبو سفيان بمن معه حتى نزل مجنّة من ناحية مرّ الظّهران، وقيل: بلغ عسفان، وبدا له الرجوع، وتعلل بجدب العام وعدم المرعى، قيل: وجعل جعلا لبعض العرب على أن يلقوا رسول الله ﷺ ويثبّطوه. وخرج ﷺ بمن معه للميعاد، واستعمل على المدينة عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول، وجعل كفار العرب يلقونهم ويخبرونهم بجمع أبي سفيان، فيقولون: حسبنا الله ونعم الوكيل حتى نزلوا بدرا، ووافقوا السوق وأصابوا الدرهم درهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين كما قال الله تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ الآية. وفي ذلك يقول عبد الله بن رواحة-وقيل كعب بن مالك-: [من الطويل] وعدنا أبا سفيان بدرا فلم نجد ... لميعاده صدقا وما كان وافيا

стр. 203

فأقسم لو وافيتنا ولقيتنا ... لأبت ذليلا وافتقدت المواليا تركنا بها أوصال عتبة وابنه ... وعمرا أبا جهل تركناه ثاويا عصيتم رسول الله أفّ لدينكم ... وأمركم السّيء الذي كان غاويا فإنّي وإن عنّفتموني لقائل ... فدى لرسول الله أهلي وماليا أطعناه لم نعدله فينا بغيره ... شهابا لنا في ظلمة الليل هاديا (١) وفي هذه السنة: كانت سرية عاصم بن ثابت الأنصاري، قال ابن إسحاق: كانت بعد أحد، بعثه النبي ﷺ في عشرة رهط عينا، فلما كانوا بالرّجيع؛ ماء لهذيل بين عسفان ومكة .. ذكروا لحي من هذيل، فتبعهم منهم نحو من مائة رام، فلما أحس بهم عاصم وأصحابه .. لجئوا إلى فدفد؛ أي: مرتفع من الأرض، وأحاط بهم القوم، وأعطوهم العهد؛ إن استسلموا وألقوا ما بأيديهم .. لا يقتلون منهم أحدا، فقال عاصم: أما أنا .. فلا أنزل في ذمة كافر أبدا، اللهم؛ أخبر عنا رسولك، فرموهم حتى قتلوا عاصما في سبعة، ونزل إليهم خبيب بن عدي وزيد بن الدّثنة وعبد الله بن طارق بالأمان، فربطوهم بأوتار قسيّهم، فقال عبد الله بن طارق: هذا أول الغدر، والله لا أصحبكم أبدا، فقتلوه، وانطلقوا بخبيب وزيد فباعوهما بمكة، فاشترى خبيبا بنو الحارث بن عامر بن نوفل، وكان قد قتل أباهم ببدر فقتلوه به (٢)، واشترى زيد بن الدّثنة صفوان بن أمية، فقتله بأبيه (٣). وبعد مقتل خبيب وأصحابه بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري وجبّار بن صخر الأنصاري ليقتلا أبا سفيان غيلة، فقدما مكة خفية، فشهرا وخرجا هاربين ولم يقعا على ما أرادا، ذكر ذلك ابن هشام من غير رواية ابن إسحاق (٤). وفيها-أو في الرابعة-: كانت سرية بئر معونة، وسببها: أنه قدم على رسول الله ﷺ أبو براء عامر بن مالك بن جعفر الكلابي العامري ملاعب الأسنّة، فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام، فلم يسلم ولم يبعد، وقال: يا محمد؛ ابعث معي رجالا من أصحابك إلى أهل نجد؛ يدعوهم إلى أمرك وأنا لهم جار،

стр. 204

فبعث النبي ﷺ المنذر بن عمرو الأنصاري الساعدي في سبعين من الأنصار، فساروا حتى نزلوا بئر معونة، فانطلق حرام بن ملحان إلى رئيس المكان عامر بن الطفيل؛ ليبلغه رسالة رسول الله ﷺ ، فأتاهم وجعل يحدثهم، فأومئوا إلى رجل، فأتاه من خلفه فطعنه بالرمح، فقال حرام: الله أكبر، فزت ورب الكعبة، ثم أخذ من دمه ونضحه على وجهه ورأسه؛ فرحا بالشهادة (١). ثم استصرخ عليهم عامر بني عامر، فأبوا عليه، وقالوا: لن نخفر أبا براء في جواره، فاستصرخ عليهم قبائل بني سليم: عصيّة ورعلا وذكوان، فأجابوه وقتلوا السرية عن آخرهم، إلا كعب بن زيد؛ فإنه بقي به رمق، فعاش حتى استشهد يوم الخندق. وفي «صحيح البخاري»: قتلوا كلهم غير الأعرج؛ كان في رأس جبل (٢). وكان في سرحهم عمرو بن أمية الضمري وأنصاري (٣)، فلما راحا وجدا أصحابهم صرعى، والخيل التي أصابتهم واقفة، فقتلوا الأنصاري، وأطلقوا عمرا حين أخبرهم أنه من ضمرة، فخرج عمرو حتى إذا كان بقناة .. أقبل رجلان، فنزلا معه في ظل هو فيه، فتحدث معهما وأخبراه أنهما من بني عامر، فأمهل حتى ناما فقتلهما، وكان معهما عقد وجوار من رسول الله ﷺ لم يعلم به، فلما قدم على رسول الله ﷺ وأخبره .. قال: «لقد قتلت قتيلين، لأدينّهما» (٤)، وهما اللذان خرج رسول الله ﷺ إلى بني النضير يستعين بهم في ديتهما كما تقدم. وهذا يؤيد أن بئر معونة في الثالثة، كما ذكره النووي وغيره (٥)؛ لاتفاق أهل التواريخ جميعا: أن سبب غزوة بني النضير خروج النبي ﷺ يستعينهم في دية هذين الرجلين، والله سبحانه أعلم. ***

стр. 205

[وفي] السنة الرابعة : قصرت الصلاة بنزول قوله تعالى: ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ.﴾ وفيها: تزوج النبي ﷺ أمّ سلمة ﵂. وفيها: ولد الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄، قيل: حملت به أمه بعد مولد أخيه الحسن بخمسين ليلة، وولد لخمس خلون من شعبان. وفيها: أمر النبي ﷺ زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب يهود؛ ليكتب له إليهم، ويقرأ له كتبهم. وفي جمادى الأولى: توفي عبد الله بن عثمان من رقيّة بنت رسول الله ﷺ ، وكان بلغ ست سنين؛ نقره ديك في عينه، فكان سبب موته. وفيها: توفيت فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب، وهي: أول هاشمية ولدت هاشميا، فولدت لأبي طالب طالبا وعقيلا وجعفرا وعليا، وكان بين كل واحد منهم عشر سنين، وولدت له أيضا أم هاني وجمانة وريطة (١)، وكانت فاطمة المذكورة محسنة إلى النبي ﷺ ؛ إذ كان في حجر عمه أبي طالب، فلما ماتت .. دفنها وأشعرها قميصه؛ لتلبس من ثياب الجنة، واضطجع في قبرها؛ ليخفف عنها من ضغطة القبر (٢). وفيها: سرق ابن أبيرق-أو بنو أبيرق-درعا لقتادة بن النعمان أو لعمه رفاعة بن زيد، وألقوا تهمتهما على زيد بن السمين اليهودي، فلما وجدت عنده .. قال: دفعها إلى طعمة بن أبيرق، ففشى ذلك وكبر على قومه بني ظفر، وقالوا: يا رسول الله؛ ذهب هؤلاء إلى أهل بيت منا أهل صلاح، فرموهم بالسرقة، وكرّروا عليه حتى غضب ﷺ على قتادة بن النعمان وعمه، وهمّ أن يجادل عن ابن أبيرق-أو بني أبيرق-على ظاهر الأمر، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ، ﴾ الآيات ولما افتضح ابن أبيرق .. هرب إلى مكة، ثم إلى خيبر، فنقب بيتا ليسرقه، فسقط عليه فمات مرتدا (٣).

стр. 206

وفيها: كانت غزوة ذات الرقاع إلى نجد يريد غطفان، فانتهى ﷺ إلى نخل، ولقي جمعا من غطفان، فتقاربوا ولم يكن قتالا. قال مغلطاي: (وكانت غزوة ذات الرقاع لعشر خلون من المحرم) (١)، فخرج النبي ﷺ في أربع مائة، وقيل: سبع مائة، واستخلف بالمدينة عثمان، وقيل: أبا ذر. وأصح ما قيل في تسميتها ذات الرقاع: ما روى البخاري عن أبي موسى الأشعري: أن أقدامهم نقبت، فلفّوا عليها الخرق (٢)؛ ولهذا قال البخاري: (إنها بعد خيبر؛ لأن أبا موسى إنما جاء من الحبشة بعد خيبر) (٣). وفي هذه الغزوة: صلّى ﷺ صلاة الخوف (٤)، وذلك: أن المشركين لما رأوا النبي ﷺ صلّى الظهر جميعا .. ندموا ألا كانوا أكبوا عليهم، فقالوا: دعوهم؛ فإن لهم صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم-يعنون: صلاة العصر- فإذا قاموا فيها .. فشدوا عليهم واقتلوهم، فنزل جبريل بصلاة الخوف كما في «تفسير البغوي» عن جابر ﵁ (٥). وذكر ابن هشام بروايته عن ابن إسحاق: أن في هذه الغزوة اشترى النبي ﷺ من جابر جمله الذي كان أعيى به في الطريق وتخلف به، فلحق به النبي ﷺ ، فنزل فحجنه بمحجنه، ثم قال: «اركب»، فركبه جابر، قال: فلقد رأيته أكفّه عن رسول الله ﷺ ، فاشتراه منه ﷺ -وفي ثمنه اضطراب

стр. 207

كثير-فلما قدموا المدينة .. وزن له ثمن الجمل وزاده قيراطا، وردّ عليه الجمل، ولم يسترد الثمن، وفي إحدى روايات «مسلم» عن جابر: أن ذلك كان في إقبالهم من مكة إلى المدينة (١). وفي هذه الغزوة: قصة غورث بن الحارث؛ ففي «صحيح البخاري»: عن جابر: أنهم لما قفلوا .. نزلوا منزلا، وتفرقوا في الشجر، ونزل رسول الله ﷺ تحت شجرة، فعلّق سيفه، قال جابر: فنمنا نومة، ثم إذا رسول الله ﷺ يدعونا، فجئناه؛ فإذا عنده أعرابي جالس، فقال رسول الله ﷺ : «إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتا، فقال: من يمنعك مني؟ قلت: الله» (٢). وفي رواية: (أن السيف سقط من يد الأعرابي، فأخذه النبي ﷺ ، وقال: «من يمنعك مني؟ »، قال: كن خير آخذ، فتركه وعفا عنه، فجاء إلى قومه وقال: جئتكم من عند خير الناس) (٣)، وأسلم (٤). وفي هذه السنة: كانت غزوة بني المصطلق من جذيمة، وهم بنو جذيمة بن سعد بطن من خزاعة، وتسمى: غزوة المريسيع-بالعين المهملة والمعجمة-اسم ماء لخزاعة، بينه وبين الفرع نحو من يوم، وبين الفرع والمدينة ثمانية برد. قال موسى بن عقبة: كانت سنة أربع، ويؤيده ذكر سعد بن معاذ في قصة الإفك الواقعة فيها، وسعد ﵁ أصيب يوم الخندق سنة أربع على الأصح، فعلم من هذا أن المريسيع قبلها (٥)؛ وذلك: أن النبي ﷺ علم أن بني المصطلق اجتمعوا

стр. 208

لحربه، فخرج إليهم، واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري، فلقيهم النبي ﷺ بالمريسيع من ناحية قديد، فهزم الله بني المصطلق، وقتل منهم من قتل، ونفّل رسوله أبناءهم ونساءهم وأموالهم، وكان من سباياهم أم المؤمنين جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، وكان أبوها قائد الجيش يومئذ، وصارت جويرية في سهم ثابت بن قيس بن شمّاس، فكاتبها، فجاءت رسول الله ﷺ تستعينه في كتابتها، وكانت ملاّحة من رآها أحبها، فقال لها ﷺ : «هل لك في خير من ذلك؛ أقضي كتابتك وأتزوجك؟ »، قالت: نعم، قال: «قد فعلت»، فتزوجها، فلما علم الناس تزويجه لها .. أرسلوا ما بأيديهم من سبي بني المصطلق، وقالوا: أصهار رسول الله ﷺ ، قالت عائشة ﵂: فما أعلم امرأة كانت على قومها أعظم بركة منها؛ فلقد أعتق بسببها أهل مائة بيت (١). وفي هذه الغزوة: أصيب هشام بن صبابة من المهاجرين بأيدي المسلمين خطأ، فقدم أخوه مقيس من مكة وأظهر الإسلام، فأمر له رسول الله ﷺ بدية أخيه، ثم عدا على قاتل أخيه فقتله، ورجع إلى مكة مرتدا، وقال في ذلك: [من الطويل] وكانت هموم النّفس من قبل قتله ... تلمّ فتحميني وطاء المجامع حللت به وتري وأدركت ثؤرتي ... وكنت إلى الأوثان أوّل راجع

стр. 209

ثم قتل عام فتح مكة وهو متعلّق بأستار الكعبة، ونزل فيه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ الآية. وفيها: اقتتل أنصاري ومهاجري، فقال المهاجري: يا للمهاجرين، وقال: الأنصاري: يا للأنصار، فغضب عبد الله بن أبيّ ابن سلول وقال: قد تداعوا لنا، ثم قال لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضّوا، وقال عدو الله: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ، في كلام كثير، فحمل زيد بن الأرقم الأنصاري مقالته إلى رسول الله ﷺ ، فعاتبه النبي ﷺ ، فحلف: ما قلت شيئا من ذلك، وإن زيدا لكاذب، فصدقه من حضر من الأنصار، وكذّبوا زيدا ولاموه حتى استحيى وندم، ووقع الخوض في ذلك؛ فنزلت (سورة المنافقين) بأسرها، فقال ﷺ : «يا زيد؛ إن الله قد صدقك وأوفى بأذنك» (١) أي: استماعك، فلما قرب عبد الله بن أبيّ من المدينة .. منعه ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبيّ من دخولها، وقال: والله؛ لا تدخلها إلا بإذن رسول الله ﷺ ؛ ليعلم اليوم من الأعز ومن الأذل؟ فأرسل إليه النبي ﷺ : أن خلّ عنه، فدخلها (٢). وفي هذه الغزوة: كانت رخصة التيمم؛ ففي «الصحيحين»: عن عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش .. انقطع عقد لي، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء؟ ! فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: أحبست رسول الله ﷺ والناس وليس معهم ماء؟ ! فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي، ولا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي، فنام رسول الله ﷺ حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم، فتيمموا (٣). قال الحافظ العامري: (والأقرب: أن المراد آية النساء لا آية المائدة) اهـ (٤)

стр. 210

وكان ذلك في ذهابهم إلى الغزوة. وفي قفولهم من هذه الغزوة: اتفق حديث الإفك، قالت عائشة ﵂: لما قفل رسول الله ﷺ من غزوته ودنونا من المدينة .. أذّن ليلة بالرحيل، فقمت حين أذن بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت من شأني .. أقبلت إلى الرحل فلمست صدري؛ فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع (١)، فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه، ورحلوا هودجي على بعيري وهم يظنون أني فيه، وكان النّساء إذ ذاك خفافا لم يثقلن ولم يغشهنّ اللحم، إنما يأكلن العلقة من الطعام (٢)، فلم يستنكر القوم حين رفعوا خفة الهودج، فاحتملوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمرّ الجيش، فجئت منزلهم وليس فيه أحد، فتيممت منزلي الذي كنت [به]، وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي، وكان صفوان بن معطّل السّلمي ثم الذّكواني قد عرّس من وراء الجيش، فادّلج عند منزلي (٣)، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي وجلبابي، فو الله ما كلمني بكلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته، فوطئ على يديها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا معرّسين في نحر الظهيرة (٤)، فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول (٥). قال السّهيلي في «الروض»: (وكان صفوان ﵁ يكون على ساقة العسكر يلتقط ما سقط من متاع المسلمين حتى يأتيهم به، ولذلك تخلّف في هذا الحديث. قال: وروي: أنه كان ثقيل النوم لا يستيقظ حتى يرتحل الناس، ويؤيده حديث أبي داود: أن امرأة صفوان اشتكت به إلى رسول الله ﷺ ، وذكرت أشياء

стр. 211

منها، أنه لا يصلي الصبح، فقال صفوان: يا رسول الله؛ إني امرؤ ثقيل الرأس لا أستيقظ حتى تطلع الشمس، فقال له النبي ﷺ : «إذا استيقظت .. فصلّ» (١). ونزلت براءة عائشة ﵂ بعد قدومهم إلى المدينة بسبع وثلاثين ليلة في قول بعض المفسرين) اهـ (٢) وفي هذه السنة: -وقيل: في الخامسة-: غزوة الخندق (٣)، وذلك: أنه ﷺ لما أجلى بني النّضير .. سار رئيسهم حيي بن أخطب في رجال من قومه ودعوا قريشا إلى حرب رسول الله ﷺ ، وأخبروهم: أنهم أهدى منه سبيلا، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً.﴾ فلما أجابتهم قريش .. تقدموا إلى قيس عيلان، فدعوهم إلى مثل ذلك، فأجابوهم، فسارت تلك القبائل، فلما علم ﷺ بهم .. شرع في حفر الخندق بمشورة سلمان الفارسي، وقطع لكل عشرة أربعين ذراعا (٤)، فجهدوا أنفسهم في حفره متنافسين في الثواب، لا ينصرف أحد منهم لحاجة إلا بإذن رسول الله ﷺ ، وجهد معهم ﷺ في ذلك؛ فحمل من تراب الخندق حتى وارى الغبار جلدة بطنه، وكان كثير الشّعر، وكان يرتجز بشعر ابن رواحة: والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا إنّ الألى قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا ويرفع صوته: «أبينا أبينا» (٥).

стр. 212

ولما رأى ﷺ ما بهم من النّصب والجوع .. قال: [من الرجز] اللهمّ إنّ العيش عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة فأجابوا: [من الرجز] نحن الذين بايعوا محمّدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا (١) وجرى في أثناء الحفر معجزات باهرة؛ كخبر الكدية التي أعيت سلمان، فلما ضربها ﷺ .. صارت كأنها كثيب أهيل (٢)، وإشباعهم من أقراص أتى بها أنس تحت إبطه من بيت أبي طلحة (٣)، وإشباعهم في بيت جابر من صاع شعير وبهيمة داجن وهم نحو الألف (٤). ولما فرغوا من الخندق .. أقبلت جموع الأحزاب، كما قال الله تعالى: ﴿إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ﴾ الآية، [ومن فوقكم]؛ أي: من قبل المشرق؛ وهم: أسد وغطفان في ألف عليهم عوف بن مالك النصري، وعيينة بن حصن الفزاري في قبائل أخر، ونزلوا إلى جانب أحد، ومن أسفل [منكم]؛ وهم: قريش وكنانة والأحابيش، ومن انضاف إليهم من تهامة، عليهم أبو سفيان بن حرب في عشرة آلاف، فنزلوا برومة من وادي العقيق (٥). وخرج ﷺ في ثلاثة آلاف، وجعل ظهره إلى سلع (٦)، والخندق بينه وبين العدو، ورفع النساء والذراري في الآطام، واشتد الحصار على المسلمين، ونجم النفاق، واضطرب ضعفاء الدين، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ﴾ الآيات. وتقدم حيي بن أخطب إلى كعب بن أسد سيّد بني قريظة، وسأله أن ينقض العهد الذي

стр. 213

بينه وبين رسول الله ﷺ ، فأبى عليه، فلم يزل يخادعه بقول الزور ويمنّيه أمانيّ .. حتى أجاب إلى النقض على أن أعطاه العهد: لئن رجعت تلك الجموع خائبة .. أن يرجع معه إلى حصنه يصيبه ما أصابه، فزاد الأمر اشتدادا حتى بعث ﷺ إلى عيينة بن حصن الفزاري، والحارث بن عوف المرّي قائدي غطفان، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يفرّقا الجمع. فلما تم ذلك ولم يبق إلا الكتاب .. استشار ﷺ السّعدين سيّدي الأنصار، فقالا: يا رسول الله؛ أمر أمرك الله به لا بد منه أم أمر تحبه فنصنعه أم لنا؟ فقال: «بل لكم؛ رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، فأردت أن أكسر شوكتهم». فقال سعد بن معاذ: قد كنا نحن وهؤلاء على الشّرك لا يطمعون منا بتمرة إلا قرى أو بيعا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وأعزنا بك نعطيهم؟ ! والله؛ لا نعطيهم إلا السيف، فقال له رسول الله ﷺ : «أنت وذاك» (١)، [وترك ما كان همّ به من ذلك، ثم أقام رسول الله ﷺ ] وليس بينهم وبين العدو إلا الرمي بالنبل والحصى، إلا أن عكرمة بن أبي جهل وعمرو بن عبد ودّ في فوارس من قريش لما وقفوا على الخندق .. قالوا: إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها، ثم أقحموا خيولهم مهزما من الخندق (٢)، وجالوا في السبخة، فخرج عليهم علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين، فأخذ عليهم الثغرة التي اقتحموا، وأقبلت خيل قريش نحوهم، فقتل علي عمرو بن عبد ودّ، وألقى عكرمة رمحه، وولّوا منهزمين، ففي ذلك قال حسان: [من المتقارب] فرّ وألقى لنا رمحه ... لعلك عكرم لم تفعل وولّيت تعدو كعدو الظّليم ... ما إن تحور عن المعدل ولم تلق ظهرك مستأنسا ... كأنّ قفاك قفا فرعل (٣) وسقط نوفل بن عبد الله المخزومي في الخندق، فنزل إليه علي فقتله، وأصيب يومئذ سعد بن معاذ؛ رماه حبّان ابن العرقة بسهم في أكحله، فقال سعد: اللهم؛ إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا .. فأبقني له، وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم .. فاجعله لي

стр. 214

شهادة، ولا تمتني حتى تقرّ عيني من بني قريظة (١). ثم كان من مقدمات اللطف: أن جاء نعيم بن مسعود الغطفاني ثم الأشجعي إلى رسول الله ﷺ مسلما، وقال: يا رسول الله؛ إن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت، فقال له النبي ﷺ : «إنما أنت رجل واحد، فخذل عنا إن استطعت» (٢). فجاء نعيم إلى اليهود وأخبرهم أن قبائل العرب ينصرفون ويتركونكم ومحمدا، ولا طاقة لكم به، فيرجع الشؤم والوبال عليكم، فاتخذوا منهم رهائن؛ لئلا ينصرفوا حتى يناجزوا محمدا، [فصدّقوه في ذلك وتصادقوه (٣)، ثم جاء إلى قريش وأخبرهم: أن اليهود قد ندموا وباطنوا محمدا]، ووعدوه أن يتخذوا منكم رهائن، فيدفعونهم إليه فيقتلهم، وأخبر غطفان بمثل ذلك. فلما أصبحوا .. أخذت العرب للحرب، وأرسلوا لليهود لينهضوا معهم، فاعتذروا بأنه يوم السبت، وأنهم لا ينطلقون معهم حتى يعطوهم رهائن تدعوهم إلى المناجزة، فصدّقوا نعيم بن مسعود فيما كان حدثهم به، فأوقع في قلوبهم الوهن والتجادل، وافترقت عزائمهم، وأرسل عليهم ريح الصّبا في برد شديد، فزلزلتهم وقلقلتهم وأسقطت كل قائمة لهم، وجالت الخيل بعضها في بعض، وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم، حتى كان سيد كل حي يقول: يا بني فلان، فإذا اجتمعوا عنده .. قال: النجاء النجاء أتيتم. فلما رأى أبو سفيان ما فعلت الريح وجنود الله بهم؛ لا تقرّ لهم قدرا ولا بناء .. قام فقال: يا معشر قريش؛ ليأخذ كل رجل بيد جليسه فلينظر من هو؟ قال حذيفة-وكان قد أرسله رسول الله ﷺ يأتيه بخبر القوم-: فأخذت بيد جليسي فقلت: من أنت؟ فقال: سبحان الله! أما تعرفني؟ ! أنا فلان بن فلان رجل من هوازن. فقال أبو سفيان: يا معشر قريش؛ إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من هذه الريح ما ترون، فارتحلوا فإني مرتحل، ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه، ثم ضربه فوثب به على ثلاث،

стр. 215

فما أطلق عقاله إلا وهو قائم، فسمعت غطفان بذلك، فانشمروا راجعين إلى بلادهم، فلما انتهى إلى النبي ﷺ خبر انصرافهم .. قال: «الآن نغزوهم ولا يغزونا» (١). وفيها: كانت غزوة بني قريظة، وذكرها النووي في الخامسة مع ترجيح أن الخندق في الرابعة مع الاتفاق على أنه ﷺ توجه إلى بني قريظة في اليوم الذي انصرف فيه عن غزوة الخندق (٢). وذلك: أنه ﷺ لما أصبح من ليلة منصرف الأحزاب، وكان وقت الظهر، ووضع السلاح واغتسل .. أتاه جبريل وهو ينفض رأسه من الغبار، فقال: وضعت السلاح؟ والله ما وضعناه، اخرج إليهم، قال النبي ﷺ : «فأين؟ »، فأشار إلى بني قريظة (٣)، فنادى منادي رسول الله ﷺ : لا يصلّينّ أحد العصر إلا في بني قريظة (٤)، وقدّم النبي ﷺ علي بن أبي طالب برايته، ثم سار خلفه. قال أنس: كأني انظر إلى الغبار ساطعا في زقاق بني غنم موكب جبريل حين سار
следующие страницы →