١٧٤٥ - [الشاعر ابن وكيع] (١)
الحسن بن علي الضبي، المعروف بابن وكيع، الشاعر المشهور.
ذكره الثعالبي قال: (كان شاعرا بارعا عالما جامعا، قد برع على أهل زمانه، فلم يتقدمه أحد في أوانه، وله كل بديعة تسحر الأوهام، وتستعبد الأفهام) (٢).
وله كتاب بين فيه سرقات المتنبي سماه: «المنصف».
وله ديوان شعر جيد، ومن شعره: [من المتقارب]
لقد قنعت همتي بالخمول ... وصدت عن الرتب العالية
وما جهلت طعم طيب العلا ... ولكنها تؤثر العافية
قال بعض الفقهاء: أنشدت الشيخ القضاعي المدرس بتربة الشافعي بالقرافة بيتي ابن وكيع المذكورين، فأنشدني لنفسه على البديهة: [من المتقارب]
بقدر الصعود يكون الهبو ... ط فإياك والرتب العالية
وكن في مكان إذا ما سقط ... ت تقوم ورجلاك في عافية
ولابن وكيع أيضا: [من الوافر]
سلا عن حبك القلب المشوق ... فما يصبو إليك ولا يتوق
جفاؤك كان عنك لنا عزاء ... وقد يسلي عن الولد العقوق
توفي سنة ثلاث وتسعين وثلاث مائة.
١٧٤٦ - [الجوهري] (٣)
إسماعيل بن حماد التركي أبو نصر الجوهري اللغوي، مصنف «الصحاح» في اللغة، أحد أئمة اللغة، وقيل: كان في جودة الخط في طبقة ابن مقلة.
стр. 1472
أكثر الترحال، ثم سكن نيسابور، وتغير مزاجه، فصعد سطحا بنيسابور، وعمل لنفسه شبه جناحين وقال: أريد أن أطير، فطفر فهلك في سنة ثلاث وتسعين وثلاث مائة.
١٧٤٧ - [الطائع لله العباسي] (١)
الطائع لله عبد الكريم بن المطيع لله الفضل بن المقتدر جعفر بن المعتضد أحمد بن الموفق طلحة بن المتوكل العباسي.
كان أصاب أباه الفالج، فخلع لأجل علته، وبويع ابنه الطائع المذكور في ثالث عشر ذي القعدة سنة ثلاث وستين وثلاث مائة، ثم قبض عليه بهاء الدولة أبو نصر بن عضد الدولة في تاسع عشر شعبان سنة إحدى وثمانين وثلاث مائة، ونودي بشعار القادر في بغداد، واستحضر القادر م البطيحة، وسلم إليه الطائع المخلوع، قيل: إنه قطع أذنه ونهب دار الخلافة يوم القبض عليه، وأشهد عليه بخلع نفسه ثاني يوم القبض عليه، فكانت مدة ولايته سبع عشرة سنة وثمانية أشهر وأياما، ولما تسلمه القادر .. لم يؤذه، بل تركه في دار عنده مكرما محترما إلى أن توفي ليلة عيد الفطر سنة ثلاث وتسعين وثلاث مائة وله ثلاث وسبعون سنة (٢)، وصلّى عليه القادر بالله، وشيعه الأكابر، ورثاه الشريف الرضي.
١٧٤٨ - [الشاعر السلامي] (٣)
محمد بن عبد الله المخزومي، المعروف بالسلامي، الشاعر المشهور.
قال الثعالبي: (هو من أشعر أهل العراق) (٤).
ومن شعره في عضد الدولة: [من الطويل]
إليك طوى عرض البسيطة جاعل ... قصارى المطايا أن يلوح لها القصر
فكنت وعزمي في الظلام وصارمي ... ثلاثة أشباه كما اجتمع النسر
стр. 1473
وبشرت أمالي بملك هو الورى ... ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر
وقد أخذ القاضي أبو بكر الأرجاني معنى البيت الأخير وسبكه في قوله: [من البسيط]
يا سائلي عنه لما ظلت أمدحه ... هذا هو الرجل العاري من العار
لو زرته لرأيت الناس في رجل ... والدهر في ساعة والأرض في دار
وقد استعمل المتنبي أيضا هذا المعنى، لكنه لم يكمله، بل أتى ببعضه في النصف الأخير من هذا البيت: [من الطويل]
هي الغرض الأقصى ورؤيتك المنى ... ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق
قال القاضي ابن خلكان: (وما ذكراه وإن كان في معنى ما ذكره السلامي .. فليس فيه رشاقته، ولا عليه طلاوته) (١).
وكان عضد الدولة يقول: إذا رأيت السلامي في مجلسي .. ظننت أن عطارد قد نزل من الفلك إلي.
توفي سنة ثلاث وتسعين وثلاث مائة.
١٧٤٩ - [القاسم بن علي الزيدي] (٢)
الشريف أبو محمد القاسم بن علي بن عبد الله بن محمد بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃.
كان من أعيان العترة، ووجوه السادة، إماما عالما عاملا، ملك ما بين صنعاء وصعدة إلى مخلاف كحلان، وخطب له في هذه النواحي.
ولد سنة عشر وثلاث مائة، وقام بالإمامة سنة تسع وثمانين بترح من بلاد خثعم، ثم أقام بتبالة، واستخرج الغيل القديم الذي بها، وملك صعدة، وسار إلى نجران، ثم عاد إلى تبالة وترح، فخالف عليه أهل صعدة، فجمع عليهم همدان، وأخرب دربها، وأخرج منها الإمام يوسف بن يحيى بن الناصر وطرده عنها، وولاها ابنه جعفر بن القاسم، ثم وصل إلى الريدة، وأطاعه كافة أهل البون وبايعوه، وأمر الشريف أبا القاسم الحسين الزيدي من ولد
стр. 1474
زيد بن علي بالخروج إلى بلاد عنس وذمار، فملكها وصارت كلها في طاعة الإمام القاسم بن علي.
وتوفي في رمضان من السنة المذكورة، ومشهده بعيان مشهور مزور، فقام بالأمر بعده ولده الحسين بن القاسم في العشرين بعد هذه (١)، والله سبحانه أعلم.
توفي الشريف القاسم سنة ثلاث وتسعين وثلاث مائة.
١٧٥٠ - [الحافظ ابن منده] (٢)
محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده العبدي الأصبهاني أبو عبد الله الإمام، أحد شيوخ الإسلام.
سمع أباه، وعم أبيه عبد الرحمن بن يحيى، وطائفة بأصبهان، وسمع خلقا بعدة بلدان، منهم أبو سعيد بن الأعرابي، والهيثم بن كليب، وخيثمة بن سليمان، وله إجازة من ابن أبي حاتم وغيره.
وحدث عنه الحاكم، وأبو نعيم، وغنجار، وأبو الشيخ الأصبهاني وغيرهم من الأئمة.
وكان إماما حافظا، ولما رجع من رحلته .. كانت كتبه أربعين حملا على الجمال، حتى قيل: إن أحدا من الحفاظ لم يسمع ما سمع، ولا جمع ما جمع.
توفي سنة خمس وتسعين وثلاث مائة.
١٧٥١ - [الحافظ البحيري] (٣)
محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر بن محمد أبو عمرو المزكّي (٤) النيسابوري.
стр. 1475
حدث عن أبيه، ويحيى بن منصور القاضي وغيرهما، وعنه أبو عثمان، وأبو العلاء الواسطي وغيرهما، وكان ثقة من حفاظ زمانه.
توفي سنة ست وتسعين وثلاث مائة.
١٧٥٢ - [ابن أبي بكر الإسماعيلي] (١)
أبو سعد إسماعيل بن أحمد الإسماعيلي، الإمام ابن الإمام، شيخ الشافعية بجرجان وابن شيخهم.
كان صاحب فنون وتصانيف.
توفي ليلة الجمعة وهو يقرأ في صلاة المغرب ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ، ﴾ ففاضت نفسه، وذلك في سنة ست وتسعين وثلاث مائة.
١٧٥٣ - [أبو الحسن ابن القصّار المالكي] (٢)
علي بن عمر البغدادي المالكي أبو الحسن بن القصار، صاحب كتاب «مسائل الخلاف».
قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: (لا أعرف لهم كتابا في الخلاف أحسن منه) (٣).
قال أبو ذر الهروي: هو أفقه من لقيت من المالكية.
ومن طبقته: أبو الحسن بن القصار علي بن محمد بن عمر الرازي الفقيه الشافعي.
كان مفتيا قريبا من ستين سنة، وكان له من كل علم حظ، وعاش قريبا من مائة سنة، كذا في «تاريخ اليافعي» (٤)، ولا يخلو ذلك من سقم، فليحقق إن شاء الله تعالى (٥).
стр. 1476
توفي ابن القصار المالكي سنة سبع وتسعين وثلاث مائة.
١٧٥٤ - [أبو نصر الكلاباذي] (١)
أحمد بن محمد بن الحسين بن الحسن بن علي البخاري أبو نصر الكلاباذي.
حدث عن الهيثم بن كليب الشاشي، وعبد المؤمن بن خلف النسفي وغيرهما، وعنه الدارقطني، والحاكم، وجعفر المستغفري وغيرهم.
وكان إماما حافظا مصنفا متقنا، له رحلة، ولم يخلف بما وراء النهر مثله.
توفي سنة ثمان وتسعين وثلاث مائة.
١٧٥٥ - [بديع الزمان الهمذاني] (٢)
أبو الفضل أحمد بن الحسين الهمذاني الأديب العلامة المعروف ببديع الزمان، صاحب المقامات الفائقة، التي هي بالاختراع سابقة، وعلى منوالها نسج الحريري مقاماته، واحتذى حذوه، واقتفى أثره، واعترف في خطبته بفضله، وأنه الذي أرشده إلى سلوك ذلك المنهج، وإلى ذلك أشار بقوله: [من الطويل]
فلو قبل مبكاها بكيت صبابة ... بسعدى شفيت النفس قبل التندم
ولكن بكت قبلي فهيّج لي البكا ... بكاها فقلت الفضل للمتقدم (٣)
سكن هراة من بلاد خراسان، وله الرسائل البديعة، والنظم المليح.
فمن رسائله: «الماء إذا طال مكثه .. ظهر خبثه، وإذا سكن متنه .. تحرك نتنه، وكذلك الضيف يسمج لقاؤه إذا طال ثواؤه، ويثقل ظله إذا انتهى محله، والسلام».
ومن رسائله أيضا: «حضرته التي هي كعبة المحتاج لا كعبة الحجاج، ومشعر الكرم لا مشعر الحرم، ومنى الضيف لا منى الخيف، وقبلة الصّلات لا قبلة الصّلاة».
стр. 1477
وله من تعزية الموت: «خطب قد عظم حتى هان، ومسّ قد خشن حتى لان، والدنيا قد تنكرت حتى صار الموت أخف خطوبها، وجنت حتى صار أصغر ذنوبها، فانظر يمنة هل ترى إلا محنة، ثم انظر يسرة هل ترى إلا حسرة».
ومن شعره من جملة قصيدة طويلة: [من البسيط]
وكاد يحكيك صوب الغيث منسكبا ... لو كان طلق المحيّا يمطر الذهبا
والدهر لو لم يخن والشمس لو نطقت ... والليث لو لم يصد والبحر لو عذبا
وله كل معنى مليح حسن من نظم ونثر.
توفي ﵀ مسموما بهراة سنة ثمان وتسعين وثلاث مائة.
قال بعضهم: سمعت الثقات يحكون أنه مات من السكتة وعجّل دفنه، فأفاق في قبره، وسمع صوته بالليل، وأنه نبش عنه، فوجد قد قبض على لحيته ومات من هول القبر.
١٧٥٦ - [الببغاء الشاعر] (١)
أبو الفرج عبد الواحد المعروف بالببغاء، الشاعر المترسل.
توفي سنة ثمان وتسعين وثلاث مائة.
١٧٥٧ - [النامي الشاعر] (٢)
أحمد بن محمد الدارمي الشاعر المشهور.
كان من فحول شعراء عصره، وخواص مدّاح سيف الدولة بن حمدان، كان عنده تلو المتنبي في المنزلة، وله معه وقائع ومعارضات في الأناشيد.
ومن شعره في القاضي أبي طاهر صالح بن جعفر الهاشمي: [من الطويل]
أمير العلا إن العوالي كواسب ... علاءك في الدنيا وفي جنة الخلد
يمر عليك الحول سيفك في الطّلا ... وطرفك ما بين الشكيمة واللّبد
стр. 1478
ويمضي عليك الدهر فعلك للعلا ... وقولك للتقوى وكفّك للرفد
قال الشيخ اليافعي: (كذا في الأصل المنقول منه، وصوابه:
علاك من الدنيا ومن جنة الخلد
والطلا، بضم الطاء المهملة وتشديدها: الأعناق، وهو المراد في البيت، وبكسرها:
القطران، وما طبخ من عصير العنب حتى ذهب ثلثاه، والخمر عند بعض العرب، وبفتحها: الولد من ذوات الظلف.
والطلي، بكسر اللام: الصغير من أولاد الغنم.
والطرف، بكسر الطاء: الكريم من الخيل) (١).
توفي المذكور سنة تسع وتسعين وثلاث مائة (٢).
١٧٥٨ - [ابن يونس المنجّم] (٣)
أبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن أحمد بن يونس الصّدفي-بضم الصاد-المنجم المصري، صاحب «الزيج» بكسر الزاي، وسكون المثناة من تحت، وآخره جيم، الحاكمي المشهور، المعروف ب «زيج ابن يونس»، وهو زيج كبير في أربع مجلدات، بسط القول والعمل فيه، وما أقصر في تحريره، وذكر أن الذي أمره بعمله وابتدأه له العزيز أبو الحاكم صاحب مصر.
قال بعضهم: كان ابن يونس المذكور أبله مغفّلا، يعتمّ على طرطور طويل، ويجعل رداءه فوق العمامة، وكان طويلا، إذا ركب .. ضحك منه الناس؛ لشهرته ورثاثة لباسه وسوء حالته، وكان له مع ذلك إصابة بديعة غريبة في النّجامة لا يشاركه فيها أحد، أفنى عمره في النجوم والشعر والتوليد مع تفنن في علوم كثيرة، وكان يضرب بالعود على جهة التأدب به، وله شعر حسن، منه قوله: [من الطويل]
أحمّل نشر الريح عند هبوبه ... رسالة مشتاق لوجه حبيبه
стр. 1479
بنفسي من تحيى النفوس بقربه ... ومن طابت الدنيا به وبطيبه
لعمري لقد عطّلت كأسي بعده ... وغيّبتها عني لطول مغيبه
وجدد وجدي طائف منه في الكرى ... سرى موهنا في خفية من رقيبه
توفي سنة تسع وتسعين وثلاث مائة، وكانت وفاته فجأة.
١٧٥٩ - [أبو الرّقعمق] (١)
أحمد بن محمد الأنطاكي الشاعر.
من شعره قوله في مدح وزير العزيز ابن المعز العبيدي: [من الخفيف]
قد سمعنا مقاله واعتذاره ... وأقلناه ذنبه وعثاره
والمعاني لمن عنيت ولكن ... بك عرّضت فاسمعي يا جاره
توفي سنة تسع وتسعين وثلاث مائة.
١٧٦٠ - [الحافظ أبو العباس الضرير] (٢)
أحمد بن محمد بن الحسين بن إسحاق الرازي أبو العباس الضرير.
ولد أعمى، واستملى على ابن أبي حاتم، وسمع أبا العباس الأصم، وأبا حامد بن بلال، وروى عنه الأزهري، وسليم الرازي وغيرهما، وكان بارعا ثقة.
توفي سنة تسع وتسعين وثلاث مائة.
١٧٦١ - [أبو نعيم الأسفراييني] (٣)
عبد الملك بن الحسن أبو نعيم الأسفراييني، راوي «المسند الصحيح» عن الحافظ أبي عوانة.
стр. 1480
كان عبدا صالحا.
توفي سنة أربع مائة.
١٧٦٢ - [جعفر ابن عبد الرحيم] (١)
جعفر ابن عبد الرحيم اليمني (٢)، من حوالي الجند، الفقيه العالم العامل، الصالح الورع الزاهد.
توفي سنة أربع مائة، كذا في «تاريخ اليافعي» (٣)، وقد وهم رحمه الله تعالى في تاريخ وفاته؛ لأنه ذكر في ترجمته ما اتفق له مع الصليحي لما ملك اليمن وعرض عليه القضاء فامتنع، فأعرض عنه الصليحي؛ مغضبا، فخرج الفقيه جعفر من عنده، فافتقده الصليحي فلم يجده، فأمر بعض من عنده من الجند أن يلحقوه ويبطشوا به، فلحقه في الطريق خمسة عشر رجلا منهم، فضربوه بسيوفهم، فلم تقطع فيه شيئا، والصليحي أول ظهوره في سنة تسع وعشرين وأربع مائة، ولم يملك الجند إلا بعد الخمسين وأربع مائة، والصواب في تاريخ وفاته ما نقلناه في غير هذا الموضع عن تاريخي «الخزرجي» و «الجندي» أنه توفي لنحو ستين وأربع مائة (٤)، ولعل ما ذكره الشيخ اليافعي في سنة أربع مائة تاريخ ولادته، والله سبحانه أعلم.
١٧٦٣ - [الكاتب أبو الفتح البستي] (٥)
أبو الفتح علي بن محمد البستي الكاتب المشهور، صاحب الطريقة الأنيقة في التجنيس الأنيس، البديع التأسيس.
من نثره: «من أصلح فاسده .. أرغم حاسده، ومن أطاع غضبه .. أضاع أدبه»، «عادات السادات سادات العادات»، «من سعادة جدك وقوفك عند حدك»، «أجهل
стр. 1481
الناس من كان للإخوان مذلا، وعلى السلطان مدلاّ»، «الفهم شعاع العقل»، و «المنية تضحك من الأمنية»، «حد العفاف الرضى بالكفاف»، «الرشوة رشاء الحاجات».
ومن بديع نظمه: [من البسيط]
إن هزّ أقلامه يوما ليعملها ... أنساك كل كميّ هز عامله
وإن أقرّ على رق أنامله ... أقرّ بالرّق كتّاب الأنام له
وقوله: [من البسيط]
إذا تحدثت في قوم لتؤنسهم ... بما تحدّث من ماض ومن آت
فلا تعد لحديث إنّ طبعهم ... موكل بمعاداة المعادات
وقوله: [من المتقارب]
تحمّل أخاك على ما به ... فما في استقامته مطمع
وأنّى له خلق واحد ... وفيه طبائعه الأربع
وله غير ذلك من الأشعار.
توفي سنة أربع مائة (١).
والله سبحانه أعلم، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
***
стр. 1482
الحوادث
السنة الحادية والثمانون بعد الثلاث مائة
فيها: أمر الخليفة الطائع بحبس أبي الحسن بن المعلم، وكان من خواص بهاء الدولة، فعظم ذلك عليه، ثم دخل على الطائع في هيئة دخوله للخدمة، فلما قرب منه .. قبل الأرض وجلس على الكرسي، وتقدم أصحابه، فجروا الطائع بحمائل سيفه من السرير، ولفوه في كساء حتى أتوا به دار السلطنة، واختبطت بغداد، وظن الأجناد أن القبض على بهاء الدولة من جهة الطائع، فوقعوا في النهب، ثم إن بهاء الدولة أمر بالنداء بخلافة القادر بالله، فأكره الطائع على خلع نفسه، واستدعي القادر وهو بالبطائح إلى بغداد، ونهبت دار الخليفة، وأخذ جميع ما فيها حتى الرخام والأبواب، واستباحت الرعاع قلع الشبابيك، وأقبل القادر بالله أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر بالله وله يومئذ أربع وأربعون سنة، وكان كثير التهجد والخير والبر، صاحب سنة وجماعة (١).
وفيها: توفي سعد الدولة أبو المعالي شريف بن سيف الدولة أبي الحسن علي بن عبد الله بن حمدان بحلب، وولي بعده ابنه سعد، وبموت سعد انقرض ملك سيف الدولة من جهة ذريته.
وفيها: اعترض أهل باب البصرة صاحب المعونة، وحرقوا به، وسرقوا مطارده يوم الغدير، فركب العسكر من الغد، وقتلوا بها جماعة وصلبوهم على القنطرة (٢).
وفيها: عقد الصلح بين بهاء الدولة وبين صمصام الدولة (٣).
وفيها: مات أبو بكر أحمد بن الحسين بن مهران الأصبهاني ثم النيسابوري العبد الصالح
стр. 1483
المقرئ، والحافظ أبو بكر ابن المقرئ محمد بن إبراهيم الأصبهاني صاحب الرحلة الواسعة، وقاضي الجماعة أبو بكر القرطبي المالكي، أحفظ أهل زمانه في مذهبه، وصاحب تصانيف.
وفيها: توفي القائد أبو الحسن جوهر بن عبد الله المعروف بالكاتب الرومي.
وفيها: توفي ابن حمّويه السرخسي، وأبو عدي عبد العزيز ابن الإمام، وأبو محمد بن معروف قاضي بغداد، وأبو الفضل الزهري.
***
السنة الثانية والثمانون
فيها: منع أبو الحسن بن المعلم الكوكبي الرافضة من عمل المأتم يوم عاشوراء الذي كان يعمل من نحو ثلاثين سنة، وأسقط طائفة من كبار الشهود الذين ولّوا بالشفاعات، وكان قد استولى على أمور السلطان بهاء الدولة كلها، فشغبت الجند وعسكروا، وبعثوا يطلبون من بهاء الدولة أن يسلم إليهم ابن المعلم، وصمموا على ذلك إلى أن قال له رسولهم: أيها الملك؛ اختر بقاءه أو بقاءك، فقبض حينئذ عليه وعلى أصحابه، وسلمه إليهم، فما زالوا به حتى قتلوه ﵀ (١).
وفيها: توفي أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري، أحد الأئمة في الأدب وحفظ الأخبار والنوادر، وأبو القاسم عبد الله النسائي، صاحب الحسن بن سفيان، وأبو سعيد ابن عبد الوهاب الرازي، وأبو عمر بن حيّويه.
***
السنة الثالثة والثمانون
فيها: توفي أبو محمد بن حزم القلعي، وإسحاق بن حمشاد، شيخ الكرامية ورأسهم بنيسابور، ومحمد بن العباس الخوارزمي الشاعر المشهور، ابن أخت الإمام محمد بن جرير الطبري.
وفيها: توفي أبو بكر بن شاذان، وجعفر الفناكي.
стр. 1484
السنة الرابعة والثمانون
فيها: اشتد البلاء بالعيارين ببغداد، وقووا على الدولة، وكان رأسهم عزيزا، والتف إليه خلق كثير، فنهض السلطان وتفرغ لهم فهربوا، وحصل الغلاء ببغداد (١).
وفيها: لم يحج أحد إلا الركب المصري فقط (٢).
وفيها: توفي الحافظ أبو الفضل صالح بن أحمد التميمي الهمداني السمسار، ومحمد بن عمران المرزباني الأخباري أبو عبيد الله، والمحسّن بن علي بن محمد التنوخي، وأبو الحسن علي بن عيسى الرماني النحوي، والحافظ أبو الحسن محمد بن العباس بن أحمد ابن الفرات البغدادي، والإمام أبو الحسن محمد بن علي الماسرجسي الفقيه.
***
السنة الخامسة والثمانون
فيها: توفي أبو القاسم إسماعيل بن أبي الحسن عباد ابن أحمد بن إدريس الطالقاني، الوزير المعروف بالصاحب ابن عباد، والحافظ المشهور أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني البغدادي، والحافظ أبو حفص ابن شاهين واسمه: عمر بن أحمد البغدادي، والأديب أبو الحسن محمد بن عبد الله المعروف بابن سكّرة الهاشمي العباسي، والإمام أبو بكر الأودني شيخ الشافعية ببخارى، وأبو محمد بن أبي سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي النحوي اللغوي الأخباري، وأبو بكر بن المهندس، وأبو الفتح القوّاس.
***
السنة السادسة والثمانون
فيها: مات محمد بن علي بن عطية المعروف بأبي طالب المكي، صاحب «قوت القلوب»، والعزيز بالله أبو منصور نزار بن المعز بالله معد بن المنصور إسماعيل بن القائم محمد بن المهدي العبيدي الباطني، صاحب مصر والمغرب والشام، والإمام أبو عبد الله محمد بن الحسن الأسترآباذيّ، ختن أبي بكر الإسماعيلي، ومؤرخ مصر الحسن ابن
стр. 1485
زولاق، وأبو حامد النعيمي، وأبو أحمد السامري، وعبيد الله ابن جميل، وعلي بن عمر الحربي.
***
السنة السابعة والثمانون
فيها: توفي أبو الحسين محمد بن أحمد المعروف بابن سمعون، وأبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي، والفقيه الإمام أبو عبد الله ابن بطة الحنبلي.
***
السنة الثامنة والثمانون
فيها: توفي الحافظ أبو بكر أحمد بن عبدان الشيرازي، والحافظ أبو عبد الله حسين بن أحمد بن عبد الله بن بكير البغدادي الصيرفي، والإمام الشهير أبو سليمان الخطابي واسمه:
حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي الشافعي، ومحمد بن الحسن بن المظفر الحاتمي الكاتب اللغوي البغدادي، وأبو الفرج الشنبوذي، وأبو بكر الجوزقي، ومحمد بن علي الأدفوي.
وفيها: نزل أولاد عز الدولة بختيار من القلعة التي كانوا معتقلين بها من أعمال فارس، واجتمع إليهم الديلم، وقصدوا شيراز، وظفروا بصمصام الدولة فقتلوه (١).
وفيها: تقلد أبو طالب بن فخر الدولة مكان أبيه، ولقب: مجد الدولة (٢).
***
السنة التاسعة والثمانون
فيها: كانت بداية أمر أبي القاسم محمود بن سبكتكين واستيلائه على خراسان، وإقامة الدعوة بها للقادر العباسي ولم تكن أقيمت من قبل، وطرد عبد الملك بن نوح وغيره عنها (٣).
стр. 1486
وفيها: توفي الإمام أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني المالكي، وأبو الطيب ابن غلبون الحلبي المقرئ الشافعي، وأبو الهيثم محمد بن مكي الكشميهني، أحد رواة «البخاري» عن الفربري، وأبو محمد المخلدي، وزاهر السرخسي، ومحمد بن النعمان قاضي مصر.
***
السنة الموفية تسعين بعد الثلاث مائة
فيها: كانت حرب بين الموفق أبي علي بن إسماعيل وبين ابن بختيار بكرمان، فقتل ابن بختيار، ونفذ برأسه إلى بهاء الدولة، ولما عاد .. تلقاه بهاء الدولة، ثم قبض عليه بعد أيام (١).
وفيها: استولى أيلك خان على بخارى وانقضت دولة السامانية (٢).
وفيها: مات أبو الحسين أحمد بن فارس الرازي اللغوي، صاحب كتاب «المجمل» في اللغة، والحافظ أبو زرعة الكشّي محمد بن يوسف الجرجاني، والقاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا النهرواني الجريري، وأمة السلام بنت القاضي أحمد بن كامل البغدادية، وكانت دينة حافظة فاضلة.
وفيها: توفي أبو حفص الكتاني.
***
السنة الحادية والتسعون
فيها: توفي أبو الحسن عبد العزيز بن أحمد الخوزي، إمام أهل الظاهر في عصره، وأبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد ابن الحجاج الشاعر، وحسام الدولة مقلد بن مسيب بن رافع العقيلي صاحب الموصل، وجعفر ابن حنزابة الوزير بن الوزير، والمؤمل بن أحمد الشيباني، وإسماعيل بن حاجب الكشاني.
***
стр. 1487
السنة الثانية والتسعون
فيها: زاد أمر الشطار ببغداد، وأخذوا الناس جهارا نهارا، وقتلوا وبدعوا، وواصلوا بعض ذلك ببعض، وكثروا، وصار فيهم هاشميون، فسير بهاء الدولة وكان غائبا عميد الجيوش أبا علي إلى العراق ليسوسها، فقطّع وغرّق، ومنع أهل السنة والشيعة معا من إظهار مذهب، وقامت الهيبة (١).
وفيها: توفي الفقيه أبو محمد عبد الله بن إبراهيم المغربي، وأبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح الأنصاري، محدث هراة، وأبو الفتح عثمان بن جني الموصلي النحوي، والوليد بن بكر الأندلسي، والحسن الضّرّاب، وعبد الله الأصيلي (٢).
***
السنة الثالثة والتسعون
فيها: توفي الحسن بن علي الضبي المعروف بابن وكيع، الشاعر المشهور، والإمام أبو نصر إسماعيل بن حماد التركي الجوهري اللغوي، مصنف «الصحاح» في اللغة، والخليفة العباسي الطائع لله عبد الكريم بن المطيع لله الفضل بن المقتدر جعفر بن المعتضد أحمد بن الموفق طلحة بن المتوكل، ومحمد بن عبد الله المخزومي المعروف بالسلامي، الشاعر المشهور، وأبو جعفر ابن المرزبان، وأبو طاهر المخلّص، والمنصور أبو عامر وزير الأندلس.
***
السنة الرابعة والتسعون
فيها: توفي أبو عمر عبد الله ابن عبد الوهاب السلمي الأصبهاني المقرئ، وأبو الفتح إبراهيم بن علي البغدادي، وأبو عبد الله محمد بن عبد الملك اللخمي القرطبي.
***
стр. 1488
السنة الخامسة والتسعون
فيها: توفي الحافظ أبو القاسم عبد الوارث بن سفيان القرطبي، وأبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد بن عمر الخفّاف الزاهد النيسابوري، وأبو الحسين (١) الإخميمي، وابن منده واسمه: محمد بن إسحاق.
***
السنة السادسة والتسعون
في ليلة النصف من رجب منها: طلع نجم من المشرق مثل الزهرة، وارتفع مرات بعد غروب الشمس بنصف ساعة، ولم يكن مدورا، بل هو إلى الطول أقرب، وفي أطرافه شعب مثل الأصابع، وله حركة عظيمة كأنه يضطرب، وله شعاع كشعاع الشمس، وكان طلوعه في الغفر من برج الميزان، ولم يزل كذلك إلى ليلة النصف من شهر رمضان، ثم نقص نوره واضمحل (٢).
وفيها: توفي الإمام أبو سعد إسماعيل بن أحمد الإسماعيلي، شيخ الشافعية بجرجان وابن شيخهم، والحافظ أبو عمرو محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر النيسابوري المزكي، صاحب «الأربعين المروية»، وأبو الحسن بن الجندي، وعبد الوهاب الكلابي، وعلي بن محمد الحلبي، وأبو بكر ابن المأمون، وأبو بكر ابن زنبور.
***
السنة السابعة والتسعون
فيها: واقع أبو ركوة الخارجي صاحب مصر، فهزم جيش أبي ركوة، وحمل إلى مصر أسيرا، فقتل بها، وكان قد عاث بالشام، واشتدت شوكته (٣).
وفيها: توفي الإمام أصبغ بن الفرج الأندلسي المالكي، مفتي قرطبة، وأبو الحسن بن القصار علي بن محمد البغدادي المالكي.
стр. 1489
السنة الثامنة والتسعون
فيها: ثارت فتنة هائلة ببغداد؛ قصد رجل شيخ الشيعة ابن المعلم وهو الشيخ المفيد عندهم، فأسمعه ما يكره، فثار تلامذته، وقاموا واستنفروا الرافضة، فأتوا قاضي القضاة محمد بن الأكفاني والشيخ أبا حامد الأسفراييني فسبّوهما، فحميت الفتنة، ثم إن أهل السنة أخذوا مصحفا، قيل: إنه على قراءة ابن مسعود، فيه خلاف كثير، فأمر الشيخ أبو حامد والفقهاء بإتلافه، فأتلف بمحضر منهم، فقام ليلة النصف رافضي وشتم [من أحرق المصحف]، فأخذ وقتل، فثارت الشيعة، ووقع القتال بينهم وبين السنة، واختفى أبو حامد، واستوفزت الرافضة، فصاحوا: الحاكم يا منصور، فغضب القادر بالله، وبعث خيلا لمعاونة السنة، فانهزمت الرافضة، وأحرق بعض دورهم، وذلوا، وأمر عميد الجيوش بإخراج ابن المعلم من بغداد فأخرج، وحبس جماعة، ومنع القصّاص مدة (١).
وفيها: زلزلت الدينور، فهلك تحت الردم أكثر من عشرة آلاف، وزلزلت سيراف والسّيب، وغرق عدة مراكب، ووقع برد عظيم بلغ وزن واحدة منها مائة وستة دراهم (٢).
وفيها: هدم الحاكم العبيدي الكنيسة المعروفة بالقمامة (٣) بالقدس؛ لكونهم يبالغون في إظهار شعارهم، ثم هدم الكنائس التي في مملكته، ونادى: من أسلم، وإلا .. فليخرج من مملكتي، أو يلتزم بما آمر، ثم أمر النصارى بتعليق صلبان كبار على صدورهم، وزن الصليب أربعة أرطال بالمصري، وبتعليق خشبة كيد المكمدة، وزنها ستة أرطال في عنق اليهودي؛ إشارة إلى رأس العجل الذي عبدوه، فقيل: كانت الخشبة على تمثال رأس عجل، وبقي هذا مدة سنين، ثم رخص لهم في الردة؛ لكونهم مكرهين وقال: ننزه مساجدنا عمن لا نية له في الإسلام (٤).
وفيها: توفي أبو الفضل أحمد بن الحسين الهمذاني، الأديب المعروف ببديع الزمان،
стр. 1490
صاحب «المقامات» الفائقة التي نسج الحريري على منوالها، وأبو بكر بن لال، وأبو نصر الكلاباذي، وعبد الواحد الببغاء الشاعر.
***
السنة التاسعة والتسعون
فيها: رجع ركب العراق؛ خوفا من ابن الجرّاح الطائي، فدخلوا بغداد قبل العيد، وأما ركب البصرة .. فأجاره بنو زغب الهلاليون، وقال ابن الجوزي: (أخذوا للركب ما قيمته ألف ألف دينار) (١).
وفيها: توفي أحمد بن محمد الدارمي الشاعر المشهور، وأبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن أحمد بن يونس الصّدفي-بضم الصاد-المنجم المصري، صاحب «الزيج» الحاكمي، المعروف «بزيج ابن يونس»، وأحمد بن محمد البصير، وأبو الحسن بن غلبون، وأبو مسلم الكاتب، وأبو الفضل أحمد بن أبي عمران القدوة، نزيل مكة، وأحمد بن محمد الأنطاكي الشاعر.
***
السنة الموفية أربع مائة
فيها: أقبل الحاكم العبيدي على التأله والدين على مقتضى مذهبه، وأمر بإنشاء دار العلم بمصر، وأحضر فيها الفقهاء والمحدثين، وعمّر الجامع المعروف بجامع الحاكم في القاهرة، وكثر الدعاء له، فبقي كذلك ثلاث سنين، ثم أغلق تلك الدار، وأخذ يقتل أهل العلم، ومنع من فعل كثير من الخير (٢).
وفيها: أنفذ الحاكم إلى المدينة من فتح بيت جعفر الصادق بن محمد الباقر، وأخرج منه سيفا ومصحفا وكساء وقعبا وسريرا.
وفيها: توفي الحافظ أبو نعيم الأسفراييني عبد الملك بن الحسن، راوي «المسند الصحيح» عن الحافظ أبي عوانة، وأبو الفتح علي بن محمد البستي الكاتب الشاعر
стр. 1491
المشهور، والفقيه جعفر ابن عبد الرحيم اليمني، من حوالي الجند-بفتح الجيم والنون- كذا في «تاريخ اليافعي» (١)، والمعروف في وفاته ما ذكره الخزرجي وغيره أنه لنحو ستين وأربع مائة (٢)، ويؤيد ذلك القصة التي اتفقت له مع الصليحي لما عرض عليه القضاء فأبى، والصليحي لم يستول على الجند إلا بعد الخمسين وأربع مائة، والله سبحانه أعلم، ولعل الشيخ اليافعي ذكر ولادته في سنة أربع مائة.
وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا طيبا مباركا فيه
***
стр. 1492
طبقات المائة الخامسة
стр. 1493
العشرون الأولى من المائة الخامسة
[الاعلام]
١٧٦٤ - [عميد الجيوش] (١)
أبو علي الحسين بن أبي جعفر، الملقب عميد الجيوش.
كان أبوه من حجّاب عضد الدولة، وخدم أبو علي المذكور بهاء الدولة، وترقت مرتبته، فولاه نائبا عنه العراق، فأحسن سياستها، وأبطل عاشوراء الرافضة، وأباد الحرامية والشطار، وصار عدله ذا اشتهار، وفي عدله وهيبته حكايات ذكرها علماء الأخبار.
توفي سنة إحدى وأربع مائة.
١٧٦٥ - [ابن المكوي المالكي] (٢)
أبو عمر أحمد بن عبد الملك الإشبيلي المالكي الإمام العالم الكبير.
انتهت إليه رئاسة العلم بالأندلس في زمنه مع الورع والصيانة، ودعي إلى القضاء بقرطبة مرتين فامتنع، وصنف كتاب «الاستيعاب» في مذهب مالك في عشر مجلدات، وتوفي سنة إحدى وأربع مائة.
١٧٦٦ - [الهروي] (٣)
أحمد بن محمد الهروي، مصنف كتاب «الغريبين»، جمع فيه بين تفسير غريب القرآن الكريم وغريب الحديث النبوي، وما قصّر فيه.
كان يصحب أبا منصور الأزهري اللغوي، وعليه اشتغل، وبه انتفع وتخرج، وكتابه
стр. 1494
المذكور من الكتب النافعة التي سارت في الآفاق الشاسعة.
توفي سنة إحدى وأربع مائة.
١٧٦٧ - [ابن الجسور القرطبي] (١)
أبو عمر أحمد بن محمد القرطبي الأموي مولاهم.
روى عن قاسم بن أصبغ وخلق، وهو أكبر شيخ لابن حزم.
توفي سنة إحدى وأربع مائة.
١٧٦٨ - [القاضي ابن النعمان الرافضي] (٢)
عبد العزيز بن محمد بن نعمان، قاضي قضاة العبيديين وابن قاضيهم وحفيد قاضيهم.
تزوج بنت القائد جوهر مولى المعز الذي افتتح مصر لسيده، وهي أخت الحسين بن القائد جوهر الملقب قائد القواد، وكان الحسين قد خاف من الحاكم، فهرب هو وصهره القاضي عبد العزيز المذكور، فأرسل الحاكم من ردهم وطيب قلوبهم وآنسهم مدة مديدة، ثم حضروا للخدمة، فتقدم الحاكم إلى سيف النقمة راشد، واستصحب معه عشرة من الغلمان الأتراك، وقتلوا القاضي عبد العزيز وصهره الحسين المذكور، وأحضروا رأسيهما بين يدي الحاكم، وذلك في سنة إحدى وأربع مائة.
١٧٦٩ - [البرّي قاضي طرابلس] (٣)
أبو الحسين علي بن عبد الواحد قاضي طرابلس.
قتله الحاكم العبيدي صاحب مصر، بعث إليه من قتله وحمل رأسه إليه إلى مصر؛ لكونه سلم عزّازا إلى متولي حلب، وذلك في سنة إحدى وأربع مائة.
стр. 1495
١٧٧٠ - [أبو الحسن العلوي النيسابوري] (١)
أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي النيسابوري شيخ الأشراف.
كان سيدا نبيلا صالحا.
قال الحاكم: عقد له مجلس الإملاء، وانتقيت له ألف حديث، وكان يعدّ في مجلسه ألف محبرة.
توفي سنة إحدى وأربع مائة.
١٧٧١ - [الحافظ أبو مسعود الدمشقي] (٢)
إبراهيم بن محمد بن عبيد المعروف بأبي مسعود الدمشقي، مصنف كتاب «الأطراف» وهو في الاصطلاح: أوائل أحاديث لرواة معزوة المخارج كلّها بطرقها.
حدث عن أبي بكر بن المقرئ، وعبد الله بن محمد السقاء وغيرهما، وعنه أبو ذر الهروي، وحمزة السهمي.
وكان حافظا صدوقا دينا، كان له اعتناء «بالصحيحين»، ورتب أطراف الكتابين، ولم يرو إلا اليسير؛ لأنه مات كهلا في سنة إحدى وأربع مائة.
١٧٧٢ - [الحافظ ابن فطيس الأندلسي] (٣)
أبو المطرّف عبد الرحمن بن محمد الأندلسي القرطبي قاضي الجماعة، صاحب التصانيف.
كان من جهابذة العلماء المحدثين وحفاظهم، جمع ما لم يجمعه أحد من أهل عصره بالأندلس، كان يملي من حفظه، قيل: إن كتبه بيعت بأربعين ألف دينار قاسميّة، وولي
стр. 1496
القضاء والخطابة، ثم عزل بعد تسعة أشهر، وله كتاب «أسباب النزول» في مائة جزء، وكتاب «فضائل الصحابة والتابعين» في مأتين وخمسين جزءا، و «دلائل النبوة» في عشرة أسفار.
توفي سنة اثنتين وأربع مائة.
حدث عن أبي عيسى الليثي، وأبي عبد الله بن مفرّج وغيرهما، وعنه ابن عبد البر وغيره.
١٧٧٣ - [ابن اللّبّان الفرضي] (١)
أبو الحسين محمد بن عبد الله بن الحسن المعروف بابن اللّبّان الفرضي البصري.
انتهى إليه علم الفرائض، وصنف فيه كتبا.
توفي سنة اثنتين وأربع مائة. مذكور في الأصل.
١٧٧٤ - [الهرواني] (٢)
أبو عبد الله محمد بن عبد الله الجعفي، القاضي الحنفي الكوفي، المعروف بالهرواني.
توفي سنة اثنتين وأربع مائة.
١٧٧٥ - [الحافظ ابن شنظير] (٣)
إبراهيم بن محمد بن حسين بن شنظير الأموي أبو إسحاق.
كان ذا ورع وصيام وقيام كثير، وكان سنّيا، عنده لأهل البدع تنفير.
توفي سنة اثنتين وأربع مائة.
стр. 1497
١٧٧٦ - [الأمير الحسين بن سلامة] (١)
الأمير الكبير أبو عبد الله الحسين بن سلامة، أمير تهامة اليمن.
كان أسود نوبيا، مولى لرشيد مولى بني زياد، نشأ على أحسن سيرة حازما عازما عفيفا، شريف النفس، عالي الهمة.
فلما مات سيده رشيد .. وزر لولد أبي الجيش ولأخته هند بنت أبي الجيش، وكانت دولة بني زياد قد تضعضعت أطرافها، وتغلب ولاة الحصون والجبال على ما تحت أيديهم منها، فنهض الحسين بن سلامة، وحارب أهل الجبال حتى دانوا له ودان له صاحب المخلاف السليماني، وابن الحرامي صاحب حلي، واستوثقت المملكة، وعادت على الحال الأول، وتقررت قواعد الملك، فاختط مدينة الكدراء على وادي سهام، والمهجم على وادي ذؤال، وكان عدلا في أحكامه، مشفقا على رعيته، كثير الصدقات والصّلات، مقتديا بسيرة عمر بن عبد العزيز في أكثر أحواله.
أنشأ الجوامع الكبار، والمنائر الطوال، وحفر الآبار الروية، والقلب العادية من حضرموت إلى مكة المشرفة، وله مآثر دينية، وأخبار مشهورة، ومناقب مأثورة.
يروى أن شخصا أتى إليه وقال له: أرسلني رسول الله ﷺ إليك بأن تدفع لي ألف دينار، فقال له: لعل الشيطان تمثل لك، فقال: لا، وعلامة ذلك أنك منذ عشرين سنة كل ليلة لا تنام حتى تصلي على النبي ﷺ مائتي مرة، فبكى الحسين وقال: أمارة-والله-صحيحة، لم يعلم بها إلا الله ، ودفع إليه ألف دينار.
وأقام في الملك ثلاثين سنة، وتوفي سنة اثنتين وأربع مائة، وقد بسطنا ترجمته في «تاريخ عدن» (٢)، وما ذكرناه في وفاته هو ما ذكره عمارة والجندي (٣).
قال الخزرجي: (وما في «كامل ابن الأثير» من أنه توفي سنة ثمان وعشرين وأربع
стр. 1498
مائة .. فبعيد جدا، وإن في تاريخ عمارة مسجد الأشاعر بزبيد ما يؤيد ذلك) (١).
ولما توفي الحسين بن سلامة في سنة اثنتين وأربع مائة، ومات القائم من بني زياد ..
انتقل الأمر من بعده إلى طفل من بني زياد، قال عمارة: أظن أن اسمه: عبد الله، وكفلته عمته هند بنت أبي الجيش وعبد حبشي أستاذ من عبيد الحسين بن سلامة يسمى: مرجان، وكان لمرجان المذكور عبدان فحلان من الحبشة، رباهما في الصغر، وولاهما الأمور في الكبر، يسمى أحدهما: نفيسا (٢)، والآخر: نجاحا، ونفيس هو الذي يتولى تدبير الحضرة، وكان ظلوما غشوما، وكان مولاه مرجان يحبه ويفضله على نجاح، وكان نجاح يتولى أعمال الكدراء والمهجم ومور وبيش، وكان رءوفا رحيما، وكان ابن زياد وعمته يفضلانه على نفيس، فشكا نفيس مواليه ابن زياد وعمته إلى مرجان، فقبض عليهما مرجان، وسلمهما إلى نفيس، فبنى نفيس عليهما جدارا وهما قائمان يناشدانه الله حتى ختمه عليهما، فكان آخر العهد بهما، وذلك في سنة سبع وأربع مائة.
فكانت مدة ولاية بني زياد باليمن منذ اختط ابن زياد زبيد إلى أن بنى نفيس على عبد الله وعمته الجدار مائتا سنة وثلاث سنين، ثم انتقل الملك إلى مواليهم، فسبحان من لا يزول ملكه.
١٧٧٧ - [الحليمي] (٣)
أبو عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي الجرجاني البخاري الشافعي، صاحب التصانيف الحسنة، منها «المنهاج في شعب الإيمان».
تفقه بأبي بكر الأودني، وأبي بكر القفال.
وكان إماما معظما، مرجوعا إليه فيما وراء النهر.
توفي سنة ثلاث وأربع مائة.
حدث عن خلف الخيّام وغيره، وعنه الحاكم، وعبد الرحيم البخاري وغيرهما.
стр. 1499
١٧٧٨ - [ابن حامد الحنبلي] (١)
القاضي أبو عبد الله (٢) بن حامد، شيخ الحنابلة، صاحب المصنفات في أنواع مختلفات.
توفي سنة ثلاث وأربع مائة.
١٧٧٩ - [الحافظ ابن الفرضي القرطبي] (٣)
أبو الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف بن نصر الأزدي الأندلسي القرطبي، المعروف بابن الفرضي.
كان فقيها عالما في فنون العلم؛ من الحديث وعلم الرجال والأدب البارع.
حدث عن أبي عبد الله بن مفرّج، وأبي بكر ابن المهندس، وأبي مسلم الكاتب وغيرهم، وعنه أبو عمر ابن عبد البر، وأبو مروان بن حبان وغيرهما.
وله «تاريخ الأندلس»، وكتاب حسن في «المؤتلف والمختلف» و «مشتبه النّسبة»، وكتاب في «أخبار شعراء الأندلس».
رحل من الأندلس إلى المشرق، فحج وأخذ عن العلماء، تعلق بأستار الكعبة، وسأل الله الشهادة، فاستجاب الله ذلك، قتلته البربر يوم فتح قرطبة، وذلك في سنة ثلاث وأربع مائة.
ومن شعره: [من الطويل]
أسير الخطايا عند بابك واقف ... على وجل ممّا به أنت عارف
стр. 1500
يخاف ذنوبا عنك لم يخف غيبها ... ويرجوك فيها وهو راج وخائف (١)
فمن ذا الذي يرجو سواك ويتّقي ... وما لك في فصل القضاء مخالف
فيا سيدي لا تخزني في صحيفتي ... إذا نشرت يوم الحساب الصحائف
وكن مؤنسي في ظلمة القبر عند ما ... يصدّ ذوو القربى ويجفو المؤالف
لئن ضاق عني عفوك الواسع الذي ... أرجّي لإسرافي فإنّي لتالف
قال الشيخ اليافعي: (وما أحسن هذه الأبيات إذا تضرّع بها إلى الله بقلب حلّه الوجل، إلا أن فيها شيئين:
أحدهما: قوله: (به أنت عارف) والله سبحانه لا يقال له: عارف، وإنما يقال له:
عالم، وفيه بحث طويل مذكور في الأصول.
والثاني: في الأصل المنقول منه «يخاف ذنوبا لم يخف عنك غيبها» بتقديم «لم يخف» فيزحف البيت، ولعله من غلط الكاتب، وصوابه: «عنك لم يخف غيبها» بتقديم عنك) (٢).
١٧٨٠ - [القاضي أبو بكر الباقلاني] (٣)
القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الشهير بابن الباقلاني، الأصولي المتكلم، المالكي الأشعري، الملقب: سيف السنة وقامع البدعة.
قال الخطيب البغدادي: (كان أعرف الناس بعلم الكلام، وأحسنهم خاطرا، وأجودهم لسانا، وأوضحهم بيانا، وأصحهم عبارة، وله التصانيف الكثيرة في الرد على المخالفين من الرافضة والمعتزلة والجهمية والخوارج وغيرهم.
حضر شيخ الرافضة ومتكلمها المعروف بابن المعلم بعض مجالس النظر مع أصحابه، فأقبل القاضي أبو بكر الأشعري، فالتفت ابن المعلم إلى أصحابه وقال: قد جاءكم
стр. 1501
الشيطان، فسمع القاضي قوله وكان بعيدا، فلما جلس .. أقبل على ابن المعلم وأصحابه وقال: قال الله تعالى: ﴿أَنّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا)﴾ (١).
وحكى الحافظ ابن عساكر عن بعض أهل العلم قال: (كان القاضي أبو بكر فارس هذا العلم، مباركا على الأمة، يلقب: سيف السنة ولسان الأمة، وكان مالكيا فاضلا متورعا، ممن لم يحفظ عليه زلة، ولا تنسب إليه نقيصة.
قال الحافظ ابن عساكر: كان الانتساب إلى الاعتزال فاشيا منتشرا، وكل من كان سنيا مستخفيا مستترا إلى أن قام القاضي أبو بكر بنصرة المذهب، فانتشر في المشرق والمغرب، وكان مظهره بدار السلام التي هي قبة الإسلام، فلم يذكر لذلك تغيير من الإمام ولا نكير من العوام، بل كان الكل يتقلدون منه المنة من العوام، والأئمة يلقبونه: سيف السنة ولسان الأمة.
وعن الإمام أبي حاتم القزويني قال: كان الإمام أبو بكر الأشعري يضمر من الورع والديانة، والزهد والصيانة أضعاف ما كان يظهره، فقيل له في ذلك، فقال: إنما أظهر ما أظهره غيظا لليهود والنصارى والمبتدعين المخالفين؛ لئلا يستحقروا علماء الحق والدين.
قال أبو بكر الخوارزمي: كل مصنف ببغداد ينقل من كتب الناس إلى تصانيفه سوى القاضي أبي بكر؛ فإن صدره يحوي علمه وعلم الناس) (٢).
وقال الخطيب البغدادي: (كان القاضي أبو بكر يهم أن يختصر ما يصنفه، فلا يقدر على ذلك؛ لسعة علمه وكثرة حفظه) (٣).
ولما توفي سنة ثلاث وأربع مائة .. حضر الشيخ أبو الفضل التميمي الحنبلي حافيا مع إخوانه وأصحابه، وأمر أن ينادى بين يدي جنازته: هذا ناصر السنة والدين، هذا إمام المسلمين، هذا الذي كان يذب عن الشريعة ألسنة المخالفين، هذا الذي صنف سبعين ألف ورقة ردا على الملحدين.
стр. 1502
ورثاه بعضهم بهذين البيتين: [من البسيط]
انظر إلى جبل تمشي الرجال به ... وانظر إلى القبر ما يحوي من الصّلف
انظر إلى صارم الإسلام منغمدا ... وانظر إلى درة الإسلام في الصّدف
قال الشيخ اليافعي: (ولقد ضمن هذين البيتين مدحا عظيما، لائقا بجلالة الإمام المذكور، لكن لو قال: «من الشرف» بدل «من الصلف» ولو قال: «درة التوحيد» بدل «درة الإسلام» .. لغاير بين اللفظين؛ فإنه قد قال في أول البيت: «انظر إلى صارم الإسلام» والتوحيد وإن كان داخلا فيه فالمغايرة بين الألفاظ وإن اتحدت معانيها أحسن وأبعد من كراهة التكرير) (١).
ورأى بعضهم في النوم بعد موت القاضي أبي بكر المذكور جماعة حسنة ثيابهم، بيضا وجوههم، طيبة روائحهم، ضاحكة أسنانهم، فقلت لهم: من أين جئتم؟ قالوا: من الجنة، فقلت: ما فعلتم؟ فقالوا: زرنا القاضي الإمام أبا بكر الأشعري، فقلت:
وما فعل الله به؟ فقالوا: غفر الله له، ورفع له في الدرجات، قال: ففارقتهم ومشيت، وكأني رأيت القاضي أبا بكر وعليه ثياب حسنة وهو جالس في رياض خضرة نضرة، فهممت أن أسأله عن حاله، وسمعته يقرأ ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ* فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ، ﴾ فهالني ذلك فرحا، وانتبهت.
ومدحه أبو الحسن السكري بقصيدة قال بعد غزلها: [من الكامل]
ملكت محبات القلوب ببهجة ... مخلوقة من عفّة وتحبب
فكأنّها من حيث ما قابلتها ... شيم الإمام محمّد بن الطّيّب
اليعربي فصاحة وبلاغة ... والأشعريّ إذا اعتزى للمذهب
قاض إذا التبس القضاء على الحجى ... كشفت له الآراء كلّ مغيب
لا يستريح إذا الشكوك تخالجت ... إلاّ إلى لب كريم المنصب
وصلته همّته بأبعد غاية ... أعيا المريد بها سبيل المطلب
أهدى له ثمر القلوب محبة ... وحباه حسن الذّكر من لم يحبب
ما زال ينصر دين أحمد صادعا ... بالحقّ يهدي للطريق الأصوب
стр. 1503
والناس بين مضلّل ومضلّل ... ومكذّب فيما أتى ومكذّب
حتى انجلت تلك الضلالة فاهتدى السّ ... اري وأشرق جنح ذاك الغيهب
قال الشيخ اليافعي: (وهو من المجددين دين الأمة على رأس المائة الرابعة على القول الصحيح) (١).
١٧٨١ - [شمس المعالي قابوس] (٢)
أبو الحسن قابوس بن أبي طاهر وشمكير الجيلي الأمير شمس المعالي، أمير جرجان وبلاد الجيل وطبرستان.
قال الثعالبي في «اليتيمة»: (أختم هذا الكتاب بذكر خاتم الملوك، وغرة الزمان، وينبوع العدل والإحسان، ومن جمع الله له إلى عزّة العلم بسطة القلم، وإلى فصل الحكمة نفاذ الحكم) اهـ (٣).
وكان خطه في نهاية من الحسن، كان الصاحب ابن عباد إذا رآه .. قال: هذا خط قابوس، أو جناح طاوس، وينشد قول المتنبي: [من الكامل]
في خطه من كلّ قلب شهوة ... حتى كأنّ مداده الأهواء
ولكلّ عين قرة في قربه ... حتى كأنّ مغيبه الأقذاء
وله من النظم والنثر أشياء مستحسنة، ومن مشهور ما ينسب إليه من الشعر: [من البسيط]
قل للذي بصروف الدّهر عيّرنا ... هل حارب الدهر إلا من له خطر
أما ترى البحر تعلو فوقه جيف ... وتستقر بأقصى قعره الدّرر
فإن تكن عبثت أيدي الزمان بنا ... ونالنا من تمادي بؤسه ضرر
ففي السماء نجوم ما لها عدد ... وليس يكسف إلا الشمس والقمر
كانت مملكة جرجان وتلك النواحي لعمه، ثم انتقلت من عمه إلى أبيه، فلما توفي أبوه .. ملكها قابوس في سنة ثمان وثمانين وثلاث مائة.
стр. 1504
وكان قابوس من محاسن الدنيا وبهجتها، غير أنه سريع الغضب، شديد السطوة، لا يعرف العفو عن الزلة، ولا الصفح عن الجاني، فاستوحشت منه النفوس، فأجمع أهل عسكره على خلعه عن ولايته، ونزع الأيدي عن طاعته، فحالوا بينه وبين جرجان وملكوها، وبعثوا إلى ولده أبي منصور منوجهر ليعقدوا البيعة له، فلما وصل إليهم ..
أجمعوا على طاعته إن خلع أباه، فلم يسعه في تلك الحال إلا المداراة، فأجابهم إلى مطلوبهم، فلما رأى قابوس ذلك .. توجه بمن معه من خواصه إلى ناحية بسطام لينظر ما يستقر عليه الأمر، فحملوا ولده على قصده وإزعاجه عن مكانه ومقابلته بالشر، فسار معهم مضطرا إلى حرب أبيه، فتلاقيا وتباكيا، وعرض الولد نفسه أن يكون حجابا بينه وبين أعاديه، ورأى الوالد أن ذلك لا يجدي، وأن ولده أحق بالولاية والملك بعده، فسلم إليه خاتم المملكة، واستوصاه خيرا بنفسه ما زال في الحياة، واتفقا على أن يكون قابوس في بعض القلاع إلى حلول أجله أو فناء أعاديه، فانتقل إلى قلعة هناك، وشرع الولد في الإحسان إلى الجيش وهم يسومون والده المهالك، فلم يزالوا يسيئون وهو يحسن إليهم حتى قتلوا والده؛ خشية قيامه عليهم، فآل الأمر إلى ما ذكر من انكساف الشمس والقمر، يقال: إنهم جعلوه في قلعة باردة في شدة البرد، ومنعوه الدثار حتى مات سنة ثلاث وأربع مائة.
١٧٨٢ - [أبو الحسن القابسي] (١)
علي بن محمد بن خلف المعافري القروي أبو الحسن القابسي الإمام العلامة، شيخ المالكية.
أخذ القراءات عن أبي الفتح ابن بدهن القيرواني، وحدث عن ابن مسرور الدباغ، وأبي زيد المروزي، وحمزة الكناني وغيرهم، وعنه أبو عمرو الداني.
وكان إماما جليلا، حافظا نبيلا، متقنا للعلل، من الأتقياء الورعين، وكان ضريرا، يعتمد في ضبطه على ثقات المحدثين.
توفي سنة ثلاث وأربع مائة.
стр. 1505
١٧٨٣ - [الصّعلوكي] (١)
أبو الطيب سهل بن أبي سهل العجلي النيسابوري المعروف بالصعلوكي الشافعي، مفتي خراسان.
قال الحاكم: قيل: إنه المجدد الدين على رأس المائة الرابعة؛ لكثرة فنونه، واتساع فضائله العلمية والعملية، وقيل: القاضي أبو بكر الباقلاني؛ لاحتياج الناس في زمن البدع إلى علم الأصول أكثر من علم الفروع وغيره لإدحاض حجج المبتدعين بقواطع البراهين.
وقد تقدم في ترجمة القاضي أبي بكر الباقلاني نقلا عن الشيخ اليافعي أن هذا القول الثاني أصح (٢)، قال: (وممن رجحه الإمام أبو القاسم بن عساكر) (٣).
توفي أبو الطيب الصعلوكي في سنة أربع وأربع مائة، وهو مذكور في الأصل.
١٧٨٤ - [الحافظ أبو الفضل البخاري] (٤)
أحمد بن علي بن عمرو البخاري البيكندي أبو الفضل السليماني.
حدث عن الأصم، وعبد الله بن جعفر بن فارس الأصبهاني وغيرهما، وعنه جعفر المستغفري، وابنه محمد بن جعفر وغيرهما.
وكان من الحفاظ المعمرين، والثقات المصنفين، رحل وطوف، وجمع وصنف، وحدث بغالب ما ألف.
توفي سنة أربع وأربع مائة.
стр. 1506
١٧٨٥ - [القاضي ابن كجّ] (١)
يوسف بن أحمد المعروف بأبي القاسم ابن كجّ الدينوري الإمام الشهير.
كان يضرب به المثل في حفظه لمذهب الشافعي، وكان بعض الفقهاء يفضله على الشيخ أبي حامد الأسفراييني.
قتله العيارون ليلة سبع وعشرين من رمضان سنة خمس وأربع مائة. مذكور في الأصل.
١٧٨٦ - [بكر بن شاذان] (٢)
أبو القاسم بكر بن شاذان الواعظ الزاهد.
قال الخطيب: (كان عبدا صالحا) (٣).
توفي سنة خمس وأربع مائة.
١٧٨٧ - [ابن البيع] (٤)
محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه الضّبّي الطّهماني النيسابوري، المعروف بأبي عبد الله الحاكم ابن البيّع الإمام الحافظ الكبير.
كتب عن نحو ألفي شيخ، منهم أبوه، والأصم، وابن الأخرم، ومحمد بن عبد الله الصفار وغيرهم، وبرع في علم الحديث وفنونه، وتفقه بأبي سهل الصعلوكي.
وروى عنه الدارقطني ولازمه، وروى عنه أبو ذر الهروي، والبيهقي، وسمع منه الإمام أبو بكر القفال الشاشي وغيره من الأئمة.
له «المستدرك على الصحيحين»، و «تاريخ نيسابور»، ومصنف في علوم الحديث،
стр. 1507
وهو صدوق من الأثبات، لكن فيه تشيع، ويصحح الواهيات.
دخل الحمام، فلما خرج منه وأراد أن يلبس ثيابه .. مات، وذلك في سنة خمس وأربع مائة.
١٧٨٨ - [الحافظ الإدريسي] (١)
عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس بن الحسن بن متّويه الأسترآباذيّ أبو سعد (٢) الإدريسي، محدث سمرقند، ومصنف تاريخها وتاريخ بلده.
حدث عن أبي العباس الأصم فمن بعده، وعنه أبو مسعود البجلي، وأحمد بن محمد العتيقي وغيرهما.
وكان حافظا ذا إتقان ورسوخ، له مؤلف على الأبواب وتراجم الشيوخ.
توفي سنة خمس وأربع مائة.
١٧٨٩ - [ابن نباتة الشاعر] (٣)
عبد العزيز بن عمر بن نباتة التميمي السعدي الشاعر.
جمع في شعره بين حسن السبك وجودة المعنى، طاف البلاد، ومدح الملوك والوزراء والرؤساء، وله في سيف الدولة ابن حمدان غرر القصائد، وكان قد أعطاه فرسا أدهم أغر محجّلا، فكتب إليه: [من الكامل]
يا أيها الملك الذي أخلاقه ... من خلقه ورواؤه من رائه
قد جاءنا الطرف الذي أهديته ... هاديه يعقد أرضه بسمائه
أولاية وليتنا فبعثته ... رمحا سبيب العرف عقد لوائه
نحتلّ منه على أغرّ محجّل ... ماء الدياجي قطرة من مائه
стр. 1508
فكأنّما لطم الصّباح جبينه ... فاقتصّ منه فخاض في أحشائه
في أبيات أخر.
ومن قوله في سيف الدولة: [من البسيط]
لم يبق جودك لي شيئا أؤمّله ... تركتني أصحب الدّنيا بلا أمل
وهذا المعنى فيه إلمام بقول البحتري: [من الكامل]
وقطعتني بالجود حتى أنني ... متخوف ألا يكون لقاء
أخجلتني بندى يديك فسودت ... ما بيننا تلك اليد البيضاء
وفي معناه أيضا قول دعبل: [من الكامل]
أصلحتني بالبرّ بل أفسدتني ... وتركتني أتسخط الإحسانا
وهذا المعنى مطروق للشعراء، وما ألطف قول المعري فيه: [من البسيط]
لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر
أي: بفتح الخاء المعجمة، والصاد المهملة، وبعدها راء، وهو البرد الشديد، والمعنى: أن الماء إذا أفرط في شدة البرد وزادت برودته .. ترك شربه.
قال محمد بن وشاح: سمعت عبد العزيز ابن نباتة يقول: كنت يوما في دهليزي، فدق علي الباب، فقلت: من؟ فقال: رجل من أهل المشرق، فقلت: ما حاجتك؟ فقال:
أنت القائل: [من الطويل]
ومن لم يمت بالسيف مات بغيره ... تنوّعت الأسباب والموت واحد
فقلت: نعم، فقال: أرويه عنك؟ فقلت: نعم، ثم ذهب، فدق علي آخر، فسألته: من أنت؟ فقال: رجل من المغرب، فقلت: ما حاجتك؟ فقال مثل ما قال الأول، فأجبته بجوابي الأول، وعجبت كيف وصل شعري إلى المشرق والمغرب!
قال أبو الحسن محمد بن علي البغدادي صاحب كتاب «المفاوضة»: عدت أبا نصر ابن نباتة في اليوم الذي توفي فيه، فأنشدني هذا البيت: [من البسيط]
متّع لحاظك من خلّ تودّعه ... فما إخالك بعد اليوم بالوادي
وودعته وانصرفت، فأخبرت في طريقي أنه توفي، وذلك في سنة خمس وأربع مائة.
стр. 1509
١٧٩٠ - [أبو حامد الأسفراييني] (١)
أحمد بن أبي الطاهر محمد بن أحمد الإمام أبو حامد الأسفراييني الشافعي، شيخ طريقة العراق، بل إمام الشافعية بالاتفاق.
انتهت إليه رئاسة الدين والدنيا ببغداد، وكان يحضر درسه أكثر من ثلاث مائة فقيه.
وقال الخطيب: (رأيته، وحضرت درسه، وسمعت من يذكر أنه كان يحضر مجلسه ودرسه سبع مائة متفقه، وكان الناس يقولون: لو رآه الشافعي .. لفرح به) (٢).
أخذ الفقه عن أبي الحسن بن المرزبان، ثم عن أبي القاسم الداركي، وحدث بشيء يسير عن عبد الله بن عدي، وأبي بكر الإسماعيلي، وإبراهيم بن محمد الأسفراييني وغيرهم.
قال تلميذه سليم الرازي: كان لا يخلو وقت له عن اشتغال، حتى أنه كان إذا برى القلم .. قرأ القرآن أو سبح، وكذلك إذا كان مارا في طريق.
روي أنه قابله بعض الفقهاء في مجلس المناظرة بما لا يليق، ثم أتاه في الليل معتذرا، فأنشده أبو حامد: [من الطويل]
جفاء جرى جهرا لدى النّاس وانبسط ... وعذر أتى سرّا فأكّد ما فرط
ومن ظنّ أن يمحو جليّ جفائه ... خفيّ اعتذار فهو في أعظم الغلط
وكان أبو الحسين القدوري الحنفي يعظمه ويفضله ويقول: إنه أفقه وانظر من الشافعي.
قال الشيخ أبو إسحاق: (وهذا القول من القدوري حمله عليه اعتقاده في الشيخ أبي حامد، وتعصبه للحنفية على الشافعي، ولا يلتفت إليه؛ فإن أبا حامد ومن هو أعلم منه وأقدم على بعد من تلك الطبقة، وما مثل الشافعي ومثل من بعده إلا كما قيل: [من الكامل]
نزلوا بمكة في قبائل نوفل ... ونزلت بالبيداء أبعد منزل) (٣)
стр. 1510
ولد الشيخ أبو حامد سنة أربع وأربعين وثلاث مائة، وقدم بغداد سنة ثلاث-أو أربع- وستين، ودرّس الفقه بها في سنة سبعين إلى أن توفي سنة ست وأربع مائة، ودفن في داره، ثم نقل إلى باب حرب في سنة عشر وأربع مائة.
قال الشيخ اليافعي: (وهذا يقتضي أنه نقل بعد موته بأربع سنين، وأن جسده ما بلي، ويكون ذلك كرامة في حقه) (١).
قال الخطيب: (صليت على جنازته في الصحراء، وكان الإمام في الصلاة عليه عبد الله بن المهتدي خطيب جامع المنصور، وكان يوما مشهورا بعظم الحزن وشدة البكاء وكثرة الناس) (٢).
١٧٩١ - [أبو علي الدقاق] (٣)
أبو علي الحسن بن علي الدقاق، الشيخ الكبير، الصوفي الشهير.
توفي سنة ست وأربع مائة. مذكور في الأصل.
١٧٩٢ - [ابن فورك] (٤)
محمد بن الحسن بن فورك-بضم الفاء، وسكون الواو، وفتح الراء-الأصبهاني، الأصولي المتكلم، الأديب النحوي الواعظ، ذو التصانيف الحميدة، بلغت مصنفاته في أصول الفقه والدين ومعاني القرآن نحو مائة مصنف.
وكان شديد الرد على الكرامية أصحاب أبي عبد الله بن كرام، فنمت عليه الكرامية عند السلطان محمود بن سبكتكين بما هو بريء منه، فدعاه السلطان محمود من نيسابور إلى غزنة -مدينة عظيمة في أوائل الهند من جهة خراسان-فلما تحقق السلطان براءة ساحته مما نسب إليه .. أكرمه، ورده إلى نيسابور، فدست الكرامية إليه من سمّه في الطريق، فمات