الحوادث
السنة الحادية والعشرون بعد الأربع مائة
فيها: أقبلت الروم في ثلاث مائة ألف على قصد الشام، فأشرف على معسكرهم سرية من العرب نحو مائة فارس وألف راجل، فظن ملكهم أنها كبسة، فتخفى ولبس خفا أسود (١) وهرب، فوقعت الخبطة فيهم، واستحكمت الهزيمة، فطمع أولئك العرب فيهم ووضعوا السيف، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وغنموا خزائن الملك، واستغنوا بها، وكاد يستولي الخراب إلى بغداد لضعف الهيبة وتتابع السنين، فاجتمع الهاشميون في جامع المنصور، ورفعوا المصاحف، واستنفروا الناس، فاجتمع إليهم الفقهاء وخلق من الإمامية والرافضة، فضجوا بأن يعفوا من الترك، فعمد الترك-نعوذ بالله من الضلال-فرفعوا صليبا على رأس رمح، وترامى الفريقان بالنشاب والآجر، وقتل طائفة، ثم تحاجزوا، فكثرت العملات والكبسات، وأخذت المخازن الكبار والدور، وتجدد دخول الأكراد اللصوص إلى بغداد، فأخذوا خيول الأتراك من الإصطبلات (٢).
وفيها: توفي السلطان أمين الملة ويمين الدولة محمود بن الأمير ناصر الدولة أبي منصور سبكتكين.
وفيها: توفي أحمد بن محمد المعروف بابن دراج الأندلسي الشاعر، والإمام أبو الفتوح يحيى بن عيسى ابن ملامس اليمني.
وفيها-أو في التي قبلها أو بعدها-: توفي الإمام أبو عبد الله محمد بن مسعود بن أحمد المسعودي، وإسماعيل بن ينال، ومحمد بن موسى الصيرفي، والحيري.
***
стр. 1577
السنة الثانية والعشرون
فيها: عزم الصوفي الملقب بالمذكور على الغزو، وكتب له السلطان منشورا، وقصد الجامع لقراءة المنشور وبين يديه الرجال بالسلاح يترضون عن الشيخين، وصاحوا: هذا يوم معاوي؛ أي: فيه إظهار شعار معاوية بن أبي سفيان في الذكر لأبي بكر وعمر دون علي ﵃ أجمعين، فحصبهم أهل الكرخ، فثارت الفتنة واضطرمت، ونهبت العامة دار الشريف المرتضى، ودافع عنه جيرانه الأتراك، واحترقت له سريّة (١)، وبات الناس في ليلة صعبة، وتأهبوا للحرب، واجتمعت العامة وخلق من الترك، وقصدوا الكرخ، فرموا الناس في أسواقه، وأشرف أهل الكرخ على التلف، فركب الوزير والجند، فوقعت آجرة على صدر الوزير، وسقطت عمامته، وقتل جماعة من الشيعة، وزاد النهب فيهم، وأحرق عدة أسواق، ولم يجر من السلطان إنكار لضعفه وعجزه، وتبسطت العامة، وأثاروا الفتن، فالنهار فتن ومحن، والليل عملات ونهب، وقام الجند على السلطان جلال الدولة لاطّراحه مصالحهم، وراموا قطع خطبته، فأرضاهم بالمال، فثاروا بعد أيام عليه (٢).
وفيها: توفي الخليفة القادر بالله بن المقتدر بن المعتضد العباسي، واستخلف ابنه القائم بأمر الله، فبايعه الشريف المرتضى، ثم الأمير حسن بن عيسى بن المقتدر، وقامت الأتراك على القائم بالرسم الذي للبيعة فقال: إن القادر لم يخلف مالا، وصدق؛ لأنه كان من أفقر الخلفاء، ثم صالحهم على ثلاثة آلاف دينار باع فيها خانا وبستانا، وصغر دست الخلافة إلى هذا الحد، وصارت الأموال والأعمال مقسومة بين الأعراب والأكراد والأتراك مع ضعف ارتفاع الخراج، والوزارة خالية من أهلية وما يناسبها من صلاحية، والوقت هرج ومرج، والناس بلا رأس.
وفيها: توفي القاضي عبد الوهاب المالكي، والواعظ يحيى بن عمار الشيباني السّجستاني نزيل هراة، وعلي بن محمد الطّرازي، وعلي بن عبد كويه.
***
стр. 1578
السنة الثالثة والعشرون
فيها: ثارت الغلمان بالسلطان جلال الدولة، وصمموا على عزله وطرده، فهرب بالليل مع جماعة من غلمانه إلى عكبرا، ونهبت داره من الغد (١).
وفيها: سار الملك مسعود بن محمود بن ناصر الدولة سبكتكين، فدخل أصبهان بالسيف، ونهب وقتل عالما لا يحصون، وفعل ما لا يفعله الكفرة (٢).
وفيها: مات الحافظ أبو الحسن علي بن أحمد النعيمي البصري، وابن البواب علي بن هلال الكاتب (٣)، وأبو القاسم الحرفي، ومنصور الكاغدي.
***
السنة الرابعة والعشرون
فيها: اشتد الخطب ببغداد بسبب الحرامية وأخذهم أموال الناس عيانا، يأخذون للتاجر ما قيمته عشرة آلاف دينار، وقتلوا صاحب الشرطة، وبقي الناس لا يجسرون يقولون: فعل بنا فلان كذا؛ خوفا منه، وزادت العملات والكبسات، ووقع القتال، واحترقت أماكن وأسواق ومساجد، وقوي الشر، وثارت الجند وقبضت على السلطان جلال الدولة ليرسلوه إلى واسط والبصرة، فأنزلوه في مركب، فابتلت ثيابه وأهين، ثم رجموه، فأخرجوه وأركبوه فرسا ضعيفة وشتموه، فانتصر له أبو الوفاء القائد في طائفة، وأخذوه من أيدي أولئك، وردوه إلى داره، ثم سار بالليل إلى الكرخ، فدعا له أهلها، ونزل في دار الشريف المرتضى، فأصبح العسكر وهموا به، واختلفوا: فقال بعضهم: ما بقي إلا هذا وابن أخيه من بني بويه، وقد سلم الأمر ومضى إلى بلاد فارس، ثم كتبوا له ورقة بالطاعة والاعتذار، فركب معهم إلى دار السلطنة (٤).
وفيها: توفي الحافظ محمد بن إبراهيم الأردستاني العبد الصالح.
стр. 1579
السنة الخامسة والعشرون
فيها: توفي الحافظ أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي البرقاني، وأبو علي الحسن بن شاذان، وعمر بن إبراهيم الهروي الفقيه العالم الزاهد، والحافظ عبد الوهاب بن عبد الله بن عمر المرّي الدمشقي أبو نصر الشروطي، وأبو بكر محمد بن علي ابن مصعب الأصبهاني، وعبد الرحمن ابن شبانة.
***
السنة السادسة والعشرون
فيها: تملك العيارون بغداد، وغزا مسعود بن محمود بن سبكتكين بلاد الهند، فوصل كتابه بأنه قتل من القوم خمسين ألفا وسبى سبعين ألفا (١).
وفيها: توفي أبو عامر أحمد بن عبد الملك بن مروان المعروف بابن شهيد الأشجعي القرطبي الشاعر، وأبو محمد ابن الشقاق-بالشين المعجمة، والقاف المكررة-شيخ المالكية ورأس القراء، والفقيه الأديب المحدث أبو عمرو الرّزجاهي-بفتح الراء، وسكون الزاي قبل الجيم، على ما ضبطه في بعض النسخ-محمد بن عبد الله البسطامي.
وفيها: وثب أبو الحسن بن أبي البركات بن ثمال الخفاجي على عمه علي فقتله، وقام بإمارة بني خفاجة (٢).
***
السنة السابعة والعشرون
فيها: دخل العيارون وهم مائة من الأكراد والأعراب، فأحرقوا دار صاحب الشرطة، وفتحوا خانا، فأخذوا ما فيه، وخرجوا بالكارات والناس لا ينطقون.
وفيها: شغبت الجند على الملك جلال الدولة وقالوا: اخرج عنا، فقال: أمهلوني ثلاثة أيام، وهرب منهم إلى رافع بن الحسين بن مقن صاحب تكريت (٣).
стр. 1580
وفيها: كانت وقعة بخراسان بين الغز وبين أصحاب مسعود، استظهر فيه الغز (١).
وفيها: مات رافع بن الحسين بن مقن صاحب تكريت، وعلي الملقب بالظاهر لإعزاز دين الله بن منصور الملقب بالحاكم، صاحب مصر، وقام بالأمر بعده ابنه الملقب: المستنصر.
***
السنة الثامنة والعشرون
فيها: توفي أبو الحسين أحمد بن محمد القدوري الفقيه الحنفي، والحافظ أحمد بن علي ابن منجويه، والرئيس أبو علي ابن سينا واسمه: الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا، وعثمان ابن دوست، والشريف أبو علي ابن أبي موسى الحنبلي الهاشمي، والقاضي أبو الحسن مهيار بن مرزويه الكاتب الشاعر المشهور، ووجيه الدولة أبو المطاع بن حمدان بن ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان التغلبي.
***
السنة التاسعة والعشرون
فيها: وقع إنكار من أهل العلم على أبي يعلى بن الفراء الحنبلي من أجل ما تضمنه كتاب «الصفات»، وحضر أبو الحسن القزويني الزاهد، فتكلم في ذلك بجامع المنصور (٢).
وفيها: كان أول ظهور الداعي علي بن محمد الصليحي، وذلك أنه ثار في رأس جبل، فسار ومعه ستون رجلا قد حالفهم بمكة في موسم سنة ثمان وعشرين على الموت والقيام بدعوة المستنصر العبيدي كما سيأتي في ترجمة الصليحي (٣)
وفيها: مات أبو القاسم علي بن الحسين بن مكرم صاحب عمان، وقام ابنه مقامه (٤).
وفيها: خطب لجلال الدولة بملك الملوك الأعظم شاهنشاه، فنفر لذلك العامة، ورموا الخطباء بالآجرّ، ووقعت فتنة (٥).
стр. 1581
وفيها: توفي محدث هراة الحافظ أبو يعقوب القراب واسمه: إسحاق بن إبراهيم السرخسي الهروي، والإمام يونس بن عبد الله بن محمد بن مغيث قاضي الجماعة بقرطبة، والأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي الفقيه الشافعي الأصولي الأديب، والحافظ أبو عمر الطّلمنكي.
***
السنة الموفية ثلاثين بعد الأربع مائة
فيها: خوطب أبو منصور بن جلال الدولة بالملك العزيز، وكان مقيما بواسط، وبه انقرض ملك بني بويه (١).
وفيها: توفي الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني الصوفي مصنف كتاب «حلية الأولياء»، وأبو منصور الثعالبي عبد الملك بن محمد النيسابوري، الأديب اللبيب الشاعر، صاحب التصانيف الأدبية السائرة في الدنيا، وأبو القاسم عبد الملك بن بشران البغدادي الواعظ، وإسماعيل بن أحمد الحيري، وأبو زيد الدبوسي، وأبو الحسن الحوفي، وأبو عمران الفاسي.
***
السنة الحادية والثلاثون
فيها: توفي أبو العلاء محمد بن علي بن أحمد الواسطي، ومحمد بن عوف المزني، وعبد الرحمن ابن الطّبيز، والمسدد الأملوكي، وابن نظيف، والإمام أبو علي الحسن بن محمد بن شعيب السنجي (٢).
***
السنة الثانية والثلاثون
فيها: نزلت الغز وهم السلجوقية-بالسين المهملة، والجيم، والقاف-بالري، وفر
стр. 1582
السلطان مسعود بن محمود بن سبكتكين إلى غزنة، واستولت الغز على جميع خراسان (١).
وفيها: كانت الحروب ببغداد بين الرافضة والسنية تستعر (٢).
وفيها: توفي الحافظ أبو العباس جعفر بن محمد المستغفري، وأبو حسّان المزكّي، ومحمد بن عمر بن بكير.
***
السنة الثالثة والثلاثون
فيها: توفي السلطان مسعود بن السلطان محمود بن سبكتكين صاحب غزنة، وقام أخوه محمد مقامه، فخرج عليه ابن أخيه مودود بن مسعود، فقبض على عمه محمد المذكور، وعاد إلى غزنة، واستقر له الملك والأمر (٣).
وفيها: توفي الرئيس أحمد بن محمد أبو الحسين الأصبهاني راوي «المعجم الكبير» عن الطبراني، والقاضي أبو نصر الكسار أحمد بن الحسين الدّينوري، سمع «سنن النسائي» من ابن السني وحدث به، وعبد الرحمن بن أحمد النصرويّي، وأبو عثمان سعيد بن العباس، وأبو القاسم الزيدي، وأبو الحسن بن السّمسار، وأبو القاسم محمد ابن عباد قاضي إشبيلية وملكها.
***
السنة الرابعة والثلاثون
فيها: كانت الزلزلة العظمى بتبريز، فهدمت أسوارها، وأحصي من هلك تحت الهدم فكانوا أكثر من أربعين ألفا، نسأل الله العفو والعافية (٤).
وفيها: مات الحافظ عبد بن أحمد أبو ذر الهروي، نزيل مكة.
стр. 1583
السنة الخامسة والثلاثون
فيها: وصل الغز الموصل، وأخذوا حرم قرواش وأفسدوا (١)
وفيها: توفي السلطان جلال الدولة ابن بويه، وأبو الحزم جهور بن محمد بن جهور أمير قرطبة ورئيسها وصاحبها، ومحمد بن جعفر الميماسي.
وفيها: أجمع قرواش بن المقلّد ودبيس بن علي بن مزيد على الإيقاع بالغز، فقتل منهم مقتلة عظيمة (٢).
***
السنة السادسة والثلاثون
فيها: توفي الشريف المرتضى أبو القاسم علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق نقيب الطالبيين وشيخ الشيعة، وأبو الحسين محمد بن علي البصري شيخ المعتزلة، والقاضي أبو عبد الله الصّيمري أحد أئمة الحنفية، والحافظ أبو الحسن علي بن الحسن الربعي.
***
السنة السابعة والثلاثون
فيها: توفي شيخ الأندلس وعالمها وخطيبها أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي، والإمام العالم القاسم بن محمد بن عبد الله القرشي الجمحي اليمني، وأبو الحسن علي بن محمد بن نصر صاحب الرسائل، وأبو الشوك فارس بن محمد بن عنّاز صاحب حلوان والدينور.
***
السنة الثامنة والثلاثون
فيها: ظفر بنو نمير بأصفر بني تغلب الغازي، وكان قد أوغل في بلاد الروم، وثقلت
стр. 1584
وطأته عليهم، وسلّم إلى ابن مروان، فسد عليه برجا من أبراج آمد (١).
وفيها: قصدت طائفة من الغز شهرزور، وفتحت قلعة السيروان، وأجفل الناس هاربين إلى بغداد (٢).
وفيها: توفي الإمام أبو محمد الجويني والد إمام الحرمين.
***
وتوفي الحافظ أبو محمد الحسن بن محمد بن الحسن الخلال البغدادي، وأبو الفرج الطناجيري في السنة التاسعة والثلاثين.
***
السنة الموفية أربعين بعد الأربع مائة
فيها: أقام المعز بالمغرب الدعوة للقائم بأمر الله العباسي، وخلع طاعة المستنصر العبيدي صاحب مصر، فبعث المستنصر جيشا من العرب يحاربونه، فذلك أول دخول العربان إلى إفريقية، وهم بنو رياح، وبنو زغبة، وجرت لهم أمور يطول شرحها (٣).
وفيها: توفي أبو القاسم عبيد الله بن عمر ابن شاهين، وعلي بن ربيعة بمصر، وأبو ذر الصالحاني، وابن ريذة، وابن غيلان، وأبو منصور السواق، والكارزيني مقرئ مكة.
والله سبحانه أعلم
***
стр. 1585
العشرون الثالثة من المائة الخامسة
[اعلام]
١٨٨٦ - [ابن خلاد] (١)
أسعد-ويقال: أيوب-ابن خلاد أبو الفتح.
تفقه بالقاسم بن محمد الجمحي، وروى عنه «معاني القرآن» للصفار، وكان فقيها محققا، زاهدا ورعا، ومسكنه بذي أشرف.
توفي بعد الأربعين وأربع مائة.
١٨٨٧ - [أحمد بن عبد الرحمن التميمي] (٢)
أبو علي أحمد بن عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم بن أبي نصر التميمي الدمشقي، أحد الأكابر.
توفي سنة إحدى وأربعين وأربع مائة.
١٨٨٨ - [الحافظ أبو عبد الله الصوري] (٣)
أبو عبد الله محمد بن علي الصوري، أحد أركان الحديث.
قال الخطيب: (كان يسرد الصوم) (٤).
وقال أبو الحسين: ما رأيت أحفظ من الصوري.
توفي سنة إحدى وأربعين وأربع مائة.
стр. 1586
١٨٨٩ - [الحافظ ابن حمدان] (١)
أبو طاهر محمد بن أحمد بن علي بن حمدان الحمداني الخراساني.
سمع خلقا بعدة أقطار، منهم أبو بكر الجوزقي، والحاكم، وبه تخرج في علم الآثار وغيرها.
وكان أحد الرحالين، والمصنفين المتقنين.
توفي سنة إحدى وأربعين وأربع مائة.
١٨٩٠ - [ابن القزويني] (٢)
علي بن عمر بن محمد بن الحسن أبو الحسن القزويني الزاهد القدوة.
قال الخطيب: (كان أحد الزهاد، ومن عباد الله الصالحين، يقرئ ويحدث، ولا يخرج إلا لصلاة، وغلقت بغداد يوم وفاته، ولم نر جمعا أعظم من ذلك الجمع) (٣).
توفي سنة اثنتين وأربعين وأربع مائة.
١٨٩١ - [أبو القاسم الثمانيني] (٤)
أبو القاسم عمر بن ثابت الثمانيني الموصلي، الضرير النحوي، أحد أئمة العربية بالعراق.
أخذ عن ابن جني، وتصدر للإفادة، وصنف شرحا ل «لمع ابن جني»، وشرحا ل «التصريف».
وتوفي سنة اثنتين وأربعين وأربع مائة.
стр. 1587
١٨٩٢ - [ابن العلاف] (١)
أبو طاهر محمد بن علي ابن العلاف الواعظ.
توفي سنة اثنتين وأربعين وأربع مائة.
١٨٩٣ - [أبو القاسم الفارسي] (٢)
أبو القاسم علي بن أحمد الفارسي، مسند الديار المصرية.
أكثر عن أبي أحمد بن الناصح، والذهلي.
توفي سنة ثلاث وأربعين وأربع مائة.
وما ذكرت من أن اسم أبيه: أحمد هو ما في «تاريخ اليافعي» (٣)، وفي «الذهبي» أن اسم والده: محمد (٤).
١٨٩٤ - [أبو سعد السرخسي] (٥)
أبو سعد السرخسي الحنفي.
قتلته الرافضة في الفتنة الواقعة بين أهل السنة والشيعة، قتل فيها جمع، ونبشت عدة قبور للشيعة، وأحرقوا، فعمدت الشيعة إلى خان الحنفية فأحرقوه، وقتلوا مدرسهم أبا سعد السرخسي المذكور، وذلك في سنة ثلاث وأربعين وأربع مائة.
١٨٩٥ - [الإمام أبو عمرو الداني] (٦)
عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد الأموي مولاهم القرطبي المعروف بأبي عمرو الداني
стр. 1588
المقرئ، أحد الأئمة الأعلام، ومصنف التفسير وغيره من الكتب المفيدة في القراءات وغيرها.
قيل: بلغت مصنفاته مائة وعشرين مصنفا.
قرأ بالروايات على أبي الحسن طاهر ابن غلبون، وفارس بن أحمد، وخلف بن خاقان.
وسمع الحديث من أبي مسلم الكاتب، وأبي الحسن القابسي وغيرهما، وأخذ عنه سليمان بن نجاح في آخرين، وروى عنه يحيى بن سليمان العنبري (١)، وخلف الطليطلي وغيرهما.
وكان إماما ثقة، ورعا تقيا.
توفي بدانية المنسوب إليها سنة أربع وأربعين وأربع مائة.
قيل: كان مجاب الدعوة.
١٨٩٦ - [أبو غانم الكراعي] (٢)
أبو غانم أحمد بن علي بن الحسين المروزي الكراعي، مسند خراسان في وقته.
توفي سنة أربع وأربعين وأربع مائة، كذا في «الذهبي» كنيته: أبو غانم (٣)، وفي «تاريخ اليافعي»: أبو عاصم (٤).
١٨٩٧ - [ناصر العمري] (٥)
ناصر العمري، من ذرية عمر بن الخطاب ﵁.
стр. 1589
توفي سنة أربع وأربعين وأربع مائة. مذكور في الأصل.
١٨٩٨ - [أبو نصر الوائلي السجزي] (١)
عبيد الله بن سعيد بن حاتم بن أحمد الوائلي البكري الحافظ أبو نصر السجزي، نزيل مكة.
حدث عن أبي أحمد الفرضي، والحاكم، وأبي عمر بن مهدي، وأبي عبد الرحمن السلمي وغيرهم، وله رحلة إلى الشام ومصر وخراسان والحجاز.
حدث عنه أبو إسحاق الحبال، وأبو معشر الطبري، وسهل بن بشر الأسفراييني وغيرهم.
وله كتاب «الإبانة الكبرى» في مسألة القرآن دال على إمامته وبصره بالرجال والطرق، وكان مع ذلك زاهدا.
ذكر أبو إسحاق الحبال أنه كان عنده يوما في بيته، فدقّ الباب، ففتح أبو إسحاق، فدخلت امرأة، فأخرجت كيسا فيه ألف دينار، فوضعته بين يدي أبي نصر وقالت: أنفقها فيما ترى، فقال: ما المقصود؟ قالت: تتزوجني، ولا حاجة لي في الزوج، ولكن لأخدمك، فأمرها بأخذ الكيس وأن تنصرف، فلما انصرفت .. قال: خرجت من سجستان بنية طلب العلم، ومتى تزوجت .. سقط عني هذا الاسم، وما أؤثر على طلب العلم شيئا.
توفي بمكة في المحرم سنة أربع وأربعين وأربع مائة.
١٨٩٩ - [المقرئ تاج الأئمة] (٢)
أبو العباس أحمد بن علي بن هاشم المصري، الملقب بتاج الأئمة، مقرئ الديار المصرية.
توفي سنة خمس وأربعين وأربع مائة.
стр. 1590
١٩٠٠ - [أبو إسحاق البرمكي] (١)
إبراهيم بن عمر أبو إسحاق البرمكي البغدادي الحنبلي.
قال الخطيب: (كان صدوقا دينا فقيها، له حلقة الفتوى) (٢).
توفي سنة خمس وأربعين وأربع مائة.
١٩٠١ - [الحافظ أبو سعد السّمّان] (٣)
إسماعيل بن علي بن الحسين بن زنجويه الرازي أبو سعد السمان.
كان من الحفاظ الكبار، زاهدا عابدا، رأسا في القراءات والحديث والفقه، بصيرا بمذهبي أبي حنيفة والشافعي، لكنه من رءوس المعتزلة.
يقال: إن شيوخه ثلاثة آلاف وست مائة شيخ.
ومن كلامه: من لم يكتب الحديث .. لم يتغرغر بحلاوة الإسلام.
قال الشيخ اليافعي: (إنه سمع من ثلاثة آلاف شيخ) (٤)، وذكر غيره أن شيوخه ثلاثة آلاف وست مائة شيخ.
قال الشيخ اليافعي: (وما سمعت أن أحدا له من الشيوخ مثل هذا المذكور إلا الحافظ أبا سعيد السمعاني؛ فإن شيوخه يزيدون على أربعة آلاف شيخ، قال: وممن سمعت أن شيوخه يزيدون على ألفين الحافظ عبد الله بن المبارك، وممن سمعت أن شيوخه يزيدون على ألف الحافظ أبو القاسم ابن عساكر، ذكروا أن شيوخه ألف وثلاث مائة، وممن شيوخه ألف الطبراني، وممن شيوخه دون الألف الشيخ صلاح الدين العلائي، مدرس الصالحية في القدس ﵀ أخبرني بذلك، أو قال: نحو الألف، قال: وليس فيهم أجل من الشيخ
стр. 1591
رضي الدين، بقية المحدثين الصالحين، إبراهيم بن محمد الطبري إمام مقام إبراهيم الخليل على نبينا وعليه أفضل الصلاة والتسليم) اهـ (١)
توفي أبو سعد السمان المذكور سنة خمس وأربعين وأربع مائة، وقيل: سنة سبع.
١٩٠٢ - [أبو طاهر مسند أصبهان] (٢)
أبو طاهر محمد بن أحمد بن محمد الكاتب، مسند أصبهان.
توفي سنة خمس وأربعين وأربع مائة.
١٩٠٣ - [أبو يعلى الخليلي] (٣)
أبو يعلى الخليلي، واسمه: الخليل بن عبد الله بن أحمد القزويني.
حدث عن أبي طاهر المخلّص، وأبي عبد الله الحاكم وغيرهما، وأجاز له ابن المقرئ والغطريفي وابن شاهين.
وروى عنه ابنه أبو زيد، وأبو بكر بن لال.
وكان إماما حافظا، أحد أئمة الحديث، صنف «الإرشاد في معرفة المحدثين».
توفي سنة ست وأربعين وأربع مائة.
١٩٠٤ - [أبو علي الأهوازي] (٤)
الحسن بن علي بن إبراهيم المقرئ أبو علي الأهوازي المحدث، صاحب التصانيف.
توفي سنة ست وأربعين وأربع مائة.
стр. 1592
١٩٠٥ - [ابن اللّبّان] (١)
أبو محمد بن اللبّان الأصبهاني.
قال الخطيب: (كان أحد أوعية العلم) (٢).
توفي سنة ست وأربعين وأربع مائة.
١٩٠٦ - [سالم الشعبي] (٣)
سالم بن عبد الله بن يزيد الشعبي.
ولد في ربيع الأول سنة ستين وثلاث مائة، وكان فقيها فاضلا.
وتوفي أول يوم من المحرم من سنة ست وأربعين وأربع مائة.
وهو جد الفقيه سالم بن عبد الله بن محمد بن سالم الآتي ذكره في المائة السادسة (٤).
١٩٠٧ - [أبو عبد الله ابن ماكولا] (٥)
أبو عبد الله الحسين بن علي العجلي، قاضي القضاة ابن ماكولا الشافعي.
قال الخطيب: (لم نر قاضيا أعظم نزاهة منه) (٦).
توفي سنة سبع وأربعين وأربع مائة، وكان ميلاده سنة ثمان وستين وثلاث مائة.
١٩٠٨ - [سليم الرازي] (٧)
سليم بن أيوب بن سليم الرازي-نسبة إلى الري بزيادة الزاي على غير قياس-الفقيه الإمام
стр. 1593
الشافعي، المفسر الأديب، صاحب التصانيف المشهورة ككتاب «الإشارة» وكتاب «غريب الحديث» وكتاب «التقريب»، وليس هو «التقريب» الذي ينقل عنه الإمام في «النهاية» والغزالي في «البسيط» و «الوسيط»؛ فإن ذلك للقاسم ابن القفال الشاشي.
سكن سليم مدينة صور من الشام متصديا لنشر العلم والإفادة، وكان يقول: وضعت مني صور، ورفعت من أبي الحسن المحاملي بغداد.
توفي بعد رجوعه من الحج غريقا في بحر القلزم عند ساحل جدّة، ودفن بجزيرة بقرب الجار، وذلك في سنة سبع وأربعين وأربع مائة.
١٩٠٩ - [عبد الله بن الوليد الأندلسي] (١)
عبد الله بن الوليد بن سعد الأنصاري الأندلسي، الفقيه المالكي.
توفي سنة ثمان وأربعين وأربع مائة.
١٩١٠ - [أبو الحسين الفارسي] (٢)
أبو الحسين عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر الفارسي.
توفي سنة ثمان وأربعين وأربع مائة.
١٩١١ - [أبو الحسن الفالي] (٣)
أبو الحسن علي بن أحمد الفالي المؤدب-نسبة إلى فالة بالفاء، بلدة بخوزستان- الأديب.
حكى الخطيب أبو زكريا يحيى بن علي التبريزي اللغوي أن أبا الحسن الفالي المذكور كانت له نسخة من كتاب «الجمهرة» لابن دريد في غاية الجودة، فدعته الحاجة إلى بيعها،
стр. 1594
فباعها إلى الشريف المرتضى بستين دينارا، قال الشريف: فتصفحتها فوجدت فيها أبياتا بخط بائعها أبي الحسن الفالي، وهي: [من الطويل]
أنست بها عشرين حولا وبعتها ... لقد طال وجدي بعدها وحنيني
وما كان ظني أنني سأبيعها ... ولو خلّدتني في السجون ديوني
ولكن لضعف وافتقار وصبية ... صغار عليهم تستهل شئوني
وقد تخرج الحاجات يا أم مالك ... كرائم من ربّ بهن ضنين
توفي الفالي المذكور سنة ثمان وأربعين وأربع مائة.
١٩١٢ - [أبو حفص ابن مسرور] (١)
أبو حفص ابن مسرور.
قال عبد الغفار: وهو أبو حفص الماوردي الزاهد الفقيه.
كان كثير العبادة والمجاهدة، وكانوا يتبركون بدعائه.
توفي سنة ثمان وأربعين وأربع مائة وعمره تسعون سنة.
١٩١٣ - [أبو العلاء المعري] (٢)
أحمد بن عبد الله التنوخي المعروف بأبي العلاء المعري اللغوي، الشاعر المشهور.
ولد عند مغيب شمس يوم الجمعة لثلاث بقين من ربيع الأول سنة ثلاث وستين وثلاث مائة بالمعرة، وعمي في صغره أول سنة سبع وستين، غشّى يمنى عينيه بياض، وذهبت اليسرى جملة، وكان متضلعا من فنون الأدب.
قرأ النحو واللغة على أبيه بالمعرة، وعلى محمد بن عبد الله بن سعد النحوي بحلب.
شرح «ديوان المتنبي»، ولما فرغ من تصنيفه وقرئ عليه .. أخذ الجماعة في وصفه،
стр. 1595
فقال أبو العلاء: كأنما نظر المتنبي إليّ بلحظ الغيب حيث يقول: [من البسيط]
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم
واختصر «ديوان أبي تمام» وشرحه، وكذا «ديوان البحتري»، و «ديوان المتنبي» وتولى الانتصار لهم، وانتقد عليهم في مواضع.
وله من النظم «لزوم ما لا يلزم» في نحو خمسة أجزاء، وله «سقط الزند»، وشرحه بنفسه وسماه: «ضوء السقط»، وله الكتاب المعروف ب «الهمزة والردف» يقارب المائة جزء في الأدب.
ومن لطيف نظمه قوله: [من البسيط]
لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر
الخصر-بالخاء المعجمة والصاد المهملة المفتوحتين-: البرد.
ومن نظمه المشير به إلى فضله: [من الطويل]
وإني وإن كنت الأخير زمانه ... لآت بما لم تستطعه الأوائل
يقال: إنه لما أنشد هذا البيت .. قال له بعض الصغار الذين في المكتب: قد أجمع الأولون على أن حروف الهجاء ثمانية وعشرون، فزد لنا أنت حرفا لا نستغني عنه، أو أنقص منها حرفا لا نحتاج إليه، فأبهته.
وكان فيه ذكاء مفرط.
يحكى أنه لما دخل بغداد .. حضر مجلس الشريف المرتضى، وكان الشريف يغض من شعر المتنبي، والمعري يمدحه، حتى قال: ولو لم يكن من شعره إلا قصيدته التي يقول فيها: [من الكامل]
لك يا منازل في القلوب منازل
.. لكفاه ذلك، فأمر الشريف المرتضى بإخراجه من المجلس مسحوبا، ثم قال:
أتدرون ما عنى الأعمى في القصيدة المذكورة، إنما أومأ فيها إلى قول المتنبي:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل
وممن أخذ عن المعري أبو القاسم التنوخي، والخطيب أبو زكريا التبريزي وغيرهما.
стр. 1596
وأقام ببلدة المعرة، وقصده الطلبة من الآفاق.
نظم الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة، ومن نظمه: [من الكامل]
لا تطلبن بغير حظ رتبة ... قلم البليغ بغير حظ مغزل (١)
سكن السماكان السماء كلاهما ... هذا له رمح وهذا أعزل
قال الشيخ اليافعي: (أشرك بين السماكين في نيل المرتبة مع كون أحدهما ذا آلة يكتسب بها المراتب، وهي الرمح، ولي ثلاثة أبيات خصصت بالمرتبة الخالي منهما عن الآلة، وهو الأعزل حيث قلت: [من الكامل]
لو كان بالآلات حظ يحصل ... والسعد يأتي والعطايا تجزل
ما كان في عالي المنازل رامح ... أو لم يحزها دون ذلك أعزل
لكنه من دونه قد حازها ... في سوحه البدر المتمم ينزل
وكلا النظمين في قوافيهما التزام ما لا يلزم) (٢).
قيل: إن المعري مكث خمسا وأربعين سنة لا يأكل اللحم، يرى رأي الحكماء المتقدمين في تحريم إيلام الحيوان وذبحه، وهو خلاف ما جاءت به الشرائع.
توفي ليلة الجمعة ثاني عشر شهر ربيع الأول من سنة تسع وأربعين وأربع مائة، ورثاه تلميذه أبو الحسن بن همام يشير إلى ما كان يراه ويدين به من تحريم ذبح الحيوان مطلقا بقوله: [من الكامل]
إن كنت لم ترق الدماء زهادة ... فلقد أرقت اليوم من جفني دما
سيّرت ذكرك في البلاد كأنه ... مسك فسامعه يعطر أو فما
قال الشيخ اليافعي: (يعني: أن طيب ثنائه يعطر سامعه والمتكلم به المثني عليه، واقتصر على الفم لضيق المقام في مساعدة الوزن على عموم المتكلم دون تخصيص فمه، قال: ويحتمل أنه أراد بالتعطير تعميم السامع والمتكلم، وتكون (أو) بمعنى الواو، مثلها في قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ على رأي، والله سبحانه أعلم) (٣).
стр. 1597
١٩١٤ - [أبو مسعود البجلي] (١)
أبو مسعود أحمد بن محمد بن عبد الله بن عبد العزيز بن شاذان البجلي الرازي.
حدث عن زاهر السرخسي، وأبي محمد المخلدي، وأبي بكر بن لال وغيرهم.
وعنه إسماعيل بن عبد الغافر وغيره.
وكان حافظا صدوقا، تاجرا تقيا، صنف على الأبواب.
وتوفي سنة تسع وأربعين وأربع مائة.
١٩١٥ - [أبو عبد الله الخبازي] (٢)
أبو عبد الله الخبازي المقرئ النيسابوري.
كان كبير الشأن، وافر الحرمة، مجاب الدعوة.
توفي سنة تسع وأربعين وأربع مائة.
١٩١٦ - [أبو عثمان الصابوني] (٣)
إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن عامر بن عابد النيسابوري، الشهير بأبي عثمان الصابوني، شيخ الإسلام، وأحد الأئمة الأعلام، الواعظ المفسر.
حدث عن الحاكم أبي عبد الله، وأبي بكر الجوزقي وغيرهما.
وعنه زاهر السرخسي (٤)، وابنه عبد الرحمن وغيرهما.
стр. 1598
ومن مصنفاته كتاب «الفصول في الأصول».
توفي سنة تسع وأربعين وأربع مائة.
١٩١٧ - [أبو الفتح الكراجكي] (١)
أبو الفتح الكراجكي الخيمي رأس الشيعة، صاحب التصانيف.
كان نحويا لغويا، منجما طبيبا متكلما، من كبار أصحاب الشريف المرتضى.
توفي سنة تسع وأربعين وأربع مائة.
١٩١٨ - [أبو الطيّب الطبري] (٢)
طاهر بن عبد الله القاضي أبو الطيب الطبري الشافعي، الإمام العالم الكبير الشهير.
كان دينا ورعا، محققا للأصول والفروع، حسن الخلق، سليم الصدر، وله شعر حسن، منه ما أرسل به لغزا إلى أبي العلاء المعري حين ورد بغداد: [من الطويل]
وما ذات درّ لا يحل لحالب ... تناوله واللحم منها محلل
لمن شاء في الحالين حيا وميتا ... ومن رام شرب الدّرّ فهو مضلّل
إذا طعنت في السنّ فاللحم طيب ... وآكله عند الجميع معقّل (٣)
وخرفانها للأكل فيه كزازة ... فما لحصيف الرأي فيهن مأكل
وما يجتني معناه إلا مبرّز ... عليم بأسرار القلوب محصّل
فأجابه المعري ممليا على الرسول في الحال ارتجالا: [من الطويل]
جوابان عن هذا السؤال كلاهما ... صواب وبعض القائلين مضلّل
стр. 1599
فمن ظنه كرما فليس بكاذب ... ومن ظنه نخلا فليس يجهّل
لحومهما الأعناب والرّطب الذي ... هو الحلّ والدر الرحيق المسلسل
ولكن ثمار النخل وهي غضيضة ... تمرّ وغضّ الكرم يجنى ويؤكل
يكلفني القاضي الجليل مسائلا ... هي النجم قدرا بل أعز وأطول
فأجابه أبو الطيب: [من الطويل]
أثار ضميري ناظما من نظيره ... من الناس طرا سابغ الفضل مكمل
ومن قلبه كتب العلوم بأسرها ... وخاطره في حدة النار مشعل
تساوى له سرّ المعاني وجهرها ... ومعضلها باد لديه مفصّل
فلما أثار الخبء (١) ... قاد منيعه
أسيرا لأنواع البيان مكبّل
وقربه من كل فهم بكشفه ... وإيضاحه حتى رآه المغفل
وأعجب منه نظمه الدرّ مسرعا ... ومرتجلا من غير ما يتمهل
فيخرج من بحر ويسمو مكانه ... جلالا إلى حيث الكواكب تنزل
فهنأه الله الكريم بفضله ... محاسنه والعمر فيها مطوّل
فأجابه المعري مرتجلا ممليا على الرسول: [من الطويل]
ألا أيها القاضي الذي بلهاته (٢) ... سيوف على أهل الخلاف تسلّل
فؤادك مغمور من العلم آهل ... وجدّك في كل المسائل مقبل
فإن كنت بين الناس غير مموّل ... فأنت من الفهم المصون ممول
إذا أنت خاطبت الخصوم مجادلا ... فأنت وهم حاكي الحمام وأجدل (٣)
كأنك من في الشافعيّ مخاطب ... ومن قلبه تملي فما تتمهل
وكيف يرى علم ابن إدريس دارسا ... وأنت بإيضاح الهدى متكفّل
تفضلت حتى ضاق ذرعي بشكر ما ... فعلت وكفّي عن جوابك أجمل
لأنك في كنه الثريا فصاحة ... وأعلى ومن يبغي مكانك أسفل
مع أبيات أخرى حذفتها اختصارا آخرها:
стр. 1600
تجملت الدنيا بأنك فوقها ... ومثلك حقا من به يتجمل
وعليه اشتغل الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وقال في حقه: (لم أر أكمل اجتهادا، وأشد تحقيقا، وأجود نظرا منه، قال: لازمت مجلسه بضع عشرة سنة، ودرّست أصحابه في مسجده سنين بإذنه، ورتبني-أو قال: استنابني-في حلقته) (١).
واستوطن بغداد، وولي القضاء بربع الكرخ بعد موت أبي عبد الله الصيمري، ولم يزل على القضاء إلى أن توفي سنة خمسين وأربع مائة، قيل: عمره مائة وستون سنة، وقيل: مائة وعشرون سنة، ولعله الصواب كما يفهم ذلك من تاريخ مولده (٢)، ومع ذلك لم يهن له عظم، حكي أنه أتى على نهر أو مكان يحتاج إلى طفرة كبيرة، فطفره ولم يختل عقله، ولم يتغير فهمه، يفتي، ويستدرك على الفقهاء الخطأ، ويقضي، ويحضر المواكب في دار الخلافة إلى أن مات. مذكور في الأصل.
١٩١٩ - [الإمام الماوردي] (٣)
أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي-نسبة إلى بيع الماورد-البصري- بالموحدة-الإمام الشهير، مصنف «الحاوي الكبير» و «التفسير» و «الإقناع» و «أدب الدين والدنيا» و «الأحكام السلطانية» و «قانون الوزارة» و «سياسة الملك» وغير ذلك.
قيل: إنه لم يظهر شيئا من تصانيفه في حياته، بل جمع جميعها في موضع وقال لشخص يتولاه: الكتب التي في المكان الفلاني كلها تصنيفي، وإنما لم أظهرها؛ لأني لم أجد نية خالصة لله تعالى، فإذا عاينت الموت، ووقعت في النزع .. فاجعل يدك في يدي، فإن قبضت عليها وعصرتها .. فاعلم أنه لم يقبل مني شيء منها، فألقها في دجلة، وإن بسطت يدي ولم أقبض على يدك .. فاعلم أنها قد قبلت وقد ظفرت بما كنت أرجوه، ففعل الوصي ذلك، فبسط يده ولم يقبضها على يده، فعلم أنها علامة القبول، فأظهر كتبه بعده.
стр. 1601
ونقل الخطيب في أول «تاريخه» عن الماوردي قال: (كتب إلي أخي من البصرة وأنا ببغداد: [من البسيط]
طيب الهواء ببغداد يشوّقني ... قدما إليها وإن عاقت مقادير
فكيف صبري عنها الآن إذ جمعت ... طيب الهوائين ممدود ومقصور
وقيل: إنه لما خرج من بغداد راجعا إلى البصرة .. كان ينشد أبيات ابن الأحنف: [من الوافر]
أقمنا كارهين لها فلما ... ألفناها خرجنا مكرهينا
وما حبّ البلاد بنا ولكن ... أمرّ العيش فرقة من هوينا
خرجت أقرّ ما كانت لعيني ... وخلفت الفؤاد بها رهينا
توفي سنة خمسين وأربع مائة بعد القاضي أبي الطيب الطبري بأيام قليلة. مذكور في الأصل.
١٩٢٠ - [أبو الكرم الشهرزوري] (١)
أبو الكرم المبارك بن الحسن البغدادي، شيخ المقرئين، مصنف «المصباح».
وأجاز له أبو الغنائم ابن المأمون، وطائفة.
توفي سنة خمسين وأربع مائة.
وفيها: توفي الحافظ محمد بن ناصر السلامي (٢).
١٩٢١ - [المقرئ ابن شبيب] (٣)
أبو المظفر عبد الله بن شبيب الضبي المقرئ، شيخ القراء بأصبهان، وخطيبها وواعظها، وشيخها وزاهدها.
стр. 1602
توفي سنة إحدى وخمسين وأربع مائة.
١٩٢٢ - [المقرئ القزويني] (١)
محمد بن أحمد المقرئ القزويني، شيخ الإقراء بمصر.
أخذ عن طاهر ابن غلبون، وسمع من أبي الطيب والد طاهر، وعبد الوهاب الكلابي، وطائفة.
وتوفي سنة اثنتين وخمسين وأربع مائة.
١٩٢٣ - [نصير الدولة الكردي] (٢)
أبو نصر أحمد بن مروان الكردي، صاحب ميافارقين وديار بكر، الملقب: نصير الدولة (٣).
ملك بعد أن قتل أخوه منصور بن مروان، وكان رجلا مسعودا، عالي الهمة، حسن السياسة، كثير الحزم.
حكي أنه لم يصادر في دولته أحدا سوى شخص واحد، وأنه لم تفته صلاة الصبح عن وقتها مع انهماكه في اللذات، وأنه كان له ثلاث مائة وستون جارية، يخلو في كل ليلة من ليالي السنة بواحدة منهن، ثم لا تعود النوبة إليها إلا في مثل تلك الليلة من العام الثاني، وأنه قسم أوقاته، فمنها ما ينظر فيه في مصالح دولته، ومنها ما يجتمع فيه بأهله والزامه ويصل به إلى لذاته وقضاء وطره.
توفي بميافارقين سنة ثلاث وخمسين وأربع مائة عن نيف وثمانين سنة.
стр. 1603
١٩٢٤ - [أبو نصر السرخسي] (١)
أبو نصر زهير بن الحسن السرخسي الفقيه الشافعي، مفتي خراسان.
توفي سنة أربع وخمسين وأربع مائة.
١٩٢٥ - [أبو الفضل الرازي] (٢)
أبو الفضل عبد الرحمن بن أحمد الرازي.
قال أبو سعد السمعاني: كان مقرئا، كثير التصانيف، خشن العيش، قانعا، منفردا عن الناس، يسافر وحده، ويدخل البراري.
سمع بمكة وبالري ونيسابور، وبجرجان وبأصبهان، وببغداد والبصرة والكوفة، وحران وفارس، ودمشق ومصر، وكان من أفراد الدهر.
توفي سنة أربع وخمسين وأربع مائة.
١٩٢٦ - [القضاعي] (٣)
أبو عبد الله محمد بن سلامة القضاعي الفقيه الشافعي، قاضي الديار المصرية، مصنف كتاب «الشهاب»، وكتاب «مناقب الإمام الشافعي»، وكتاب «الإنباء عن الأنبياء»، و «تواريخ الخلفاء».
قال ابن ماكولا: (كان متفننا في عدة علوم، لم أر بمصر من يجري مجراه) (٤).
وقال السمعاني: حج القضاعي والخطيب سنة خمس وأربعين، فسمع الخطيب منه.
وتوفي القضاعي سنة أربع وخمسين وأربع مائة.
стр. 1604
١٩٢٧ - [أبو حفص الذهلي القرطبي] (١)
أبو حفص عمر بن عبيد الله الذهلي القرطبي، محدث الأندلس.
كتب بها عن أبي المطرف بن فطيس، وسلمة بن سعيد، وعبد الوارث بن سفيان وغيرهم.
وعنه حدث محمد بن عتاب، وأبو علي الغساني وغيرهما.
وكان ثقة، واختلط بأخرة.
توفي سنة أربع وخمسين وأربع مائة.
١٩٢٨ - [ابن باديس] (٢)
شرف الدولة ابن باديس-بالموحدة قبل الألف-ابن المنصور الحميري الصنهاجي، صاحب إفريقية وما والاها من بلاد الغرب، لقبه الحاكم صاحب مصر: شرف الدولة، وسير له تشريفا وسجلا.
وكان ملكا جليلا، عالي الهمة، محبا لأهل العلم، كثير العطاء، وكان واسطة عقد بيته، ومدحه الشعراء، وانتجعه الأدباء، وكانت حضرته محط ذوي الآمال.
كان مذهب أبي حنيفة بإفريقية أظهر المذاهب، فحمل أهل المغرب على التمسك بمذهب مالك ﵃، وحسم مادة الخلاف في المذاهب، واستمر الحال على ذلك إلى الآن.
وأخباره كثيرة، وسيرته شهيرة، وله شعر قليل، وكان يوما في مجلسه وعنده جماعة من الأدباء وبين يديه أترجة ذات أصابع، فأمرهم أن يعملوا فيها شعرا، فقال ابن رشيق: [من البسيط]
أترجة سبطة الأطراف ناعمة ... تلقى العيون بحسن غير منحوس
стр. 1605
كأنما بسطت كفا لخالقها ... تدعو بطول بقاء لابن باديس
توفي سنة أربع وخمسين وأربع مائة.
١٩٢٩ - [السلطان طغرلبك] (١)
السلطان طغرلبك محمد بن ميكائيل بن سلجوق-بفتح السين المهملة، وسكون اللام، وضم الجيم، وبالقاف-أول ملوك السلجوقية.
كانوا يسكنون قبل استيلائهم على الممالك في ما وراء النهر قريبا من بخارى، وكانوا عددا غير محصور، لا يدخلون تحت طاعة سلطان، فإذا قصدهم جمع لا يقوون عليه ..
دخلوا المفاوز، وتحصنوا بالرمال، وجرت لهم مع ولاة خراسان أمور يطول شرحها، وحاصل الأمر أنهم استظهروا على الولاة، وظفروا بهم، وملكوا البلاد، وكان ابتداء ملكهم في سنة تسع وعشرين وأربع مائة، وكان السلطان محمد المذكور كبيرهم، وإليه الأمر والنهي في السلطنة، وأخذ أخوه داود مدينة بلخ، واتسع لهم الملك، واقتسموا البلاد، وانحاز السلطان مسعود بن محمود بن سبكتكين إلى غزنة ونواحيها، وكانوا يخطبون له في أول الأمر، فعظم شأنهم إلى أن راسلهم القائم بأمر الله، وكان الرسول بينه وبينهم القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي، مصنف «الحاوي الكبير».
وكان السلطان محمد المذكور حليما، محافظا على الصلوات الخمس في أوقاتها جماعة، ويصوم الاثنين والخميس، ويكثر الصدقات، ويبني المساجد ويقول: أستحيي من الله تعالى أن أبني دارا ولا أبني إلى جانبها مسجدا.
ولما تمهدت له البلاد، وملك العراق وبغداد .. خطب السيدة ابنة الخليفة القائم، فاستعفى الخليفة من ذلك، وترددت الرسل بينهما حتى كاد يؤول الأمر إلى الوحشة بينهما، ثم لم يجد الخليفة بدا من إجابته، فزوجه بها على ما ذكرناه في حوادث السنين (٢).
ذكر السمعاني عن السلطان محمد المذكور أنه قال: رأيت وأنا بخراسان في المنام كأني رفعت إلى السماء وأنا في ضباب لا أبصر معه شيئا، غير أني أشم رائحة طيبة، فنوديت:
стр. 1606
أنت قريب من الباري جلت قدرته، فسل حاجتك .. تقض، فقلت في نفسي: أسألك طول العمر، فقيل لي: لك سبعون سنة، فقلت: يا رب؛ لا تكفيني، فقيل: لك سبعون سنة.
فلما حضرته الوفاة .. قال: إنما مثلي مثل شاة شدت قوائمها لجز الصوف، فتظن أنها تذبح فتضطرب، حتى إذا أطلقت .. تفرح، ثم تشد للذبح، فتظن أنها تشد لجز الصوف فتسكن، فتذبح، وهذا المرض الذي أنا فيه هو شد القوائم للذبح، فمات رحمه الله تعالى يوم الجمعة ثامن شهر رمضان سنة خمس وخمسين وأربع مائة بالري وعمره سبعون سنة، وكان قد عهد إلى ابن أخيه سليمان بن داود بن ميكائيل، فأجلسه الوزير الكندري في تخت الملك، ثم إن الأتراك مالت إلى عضد الدولة ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل، فخطب له، وبعده لأخيه سليمان.
١٩٣٠ - [أبو طاهر الثقفي] (١)
أحمد بن محمود الثقفي الأصبهاني المؤدب.
كان ثقة صالحا، سنيا، كثير الحديث.
توفي سنة خمس وخمسين وأربع مائة.
١٩٣١ - [عميد الملك الكندري] (٢)
أبو نصر محمد بن منصور بن محمد الكندري-نسبة إلى كندر، قرية من قرى قزوين- الملقب: عميد الملك، وزير السلطان طغرلبك السلجوقي.
أرسله مخدومه طغرلبك يخطب له امرأة، فتزوجها وعصى عليه، فظفر به وخصاه، وأقره على وزارته.
وتوفي طغرلبك بالري وعميد الملك على سبعين فرسخا من الري، فلما بلغه خبر موت السلطان .. بادر إلى الري قبل أن يدفن، فتولى أمره، وأقام ابن أخيه سليمان بن داود
стр. 1607
جغري بك بن ميكائيل؛ لكون طغرلبك قد نص عليه، فمالت الأمراء إلى عضد الدولة ألب أرسلان بن داود، فخطب له ولأخيه سليمان من بعده.
ثم إن ألب أرسلان قبض على الوزير المذكور واعتقله في سنة ست وخمسين وأربع مائة، ثم قتله في آخر العام المذكور، وحمل رأسه إلى نيسابور.
وكان عميد الملك من رجال الدهر جودا وشجاعة، وشهامة وكتابة لولا ما كان فيه من التعنت على الأشعرية أهل السنة، حتى حمل السلطان على سبهم ولعنهم على المنابر، وتشتت أهل السنة في زمنه، وهاجر من هاجر منهم إلى الحرم وغيره كإمام الحرمين أبي المعالي الجويني، وزين الإسلام أبي القاسم القشيري وغيرهما من أئمة الهدى إلى أن كفاهم الله أمره بقتله، فتفرد الوزير نظام الملك الطوسي بوزارة ألب أرسلان، فأبطل ما عمله العميد من سب الأشعرية، ثم انتصر لأهل السنة، فتراجع أهل السنة إلى أوطانهم.
مدحه الشعراء، منهم: أبو الحسن الباخرزي، ولصرّدرّ قصيدة في مدح عميد الملك يقول في غزلها: [من الكامل]
أكذا يجازى ود كل قرين ... أم هذه شيم الظباء العين
قصّوا عليّ حديث من قتل الهوى ... إن التأسي روح كل حزين
ولئن كتمتم مشفقين لقد درى ... بمصارع العذري والمجنون
إلى أن قال بعد غزل طويل:
فإذا عميد الملك حلّى ربعه ... ظفرا بفأل الطائر الميمون
ملك إذا ما العزم حثّ جياده ... مرحت بأزهر شامخ العرنين
١٩٣٢ - [الحافظ النخشبي] (١)
عبد العزيز بن محمد النخشبي الحافظ.
كان من كبار الحفاظ.
وتوفي سنة ست وخمسين وأربع مائة.
стр. 1608
١٩٣٣ - [أبو القاسم العكبري] (١)
أبو القاسم عبد الواحد بن علي بن برهان-بفتح الموحدة-النحوي، صاحب التصانيف.
قال الخطيب: (كان متضلعا بعلوم كثيرة، منها النحو واللغة، والنسب، وأيام العرب وأخبار المتقدمين، وله أنس شديد بعلم الحديث) (٢).
وكان فقيها حنفيا، أخذ علم الكلام عن أبي الحسين البصري وتقدم فيه.
وتوفي سنة ست وخمسين وأربع مائة.
١٩٣٤ - [ابن رشيق القيرواني] (٣)
أبو علي الحسن بن رشيق، أحد الفضلاء البلغاء.
له التصانيف المليحة، والرسائل الفائقة، والنظم الجيد، ومن شعره: [من الوافر]
أحب أخي وإن أعرضت عنه ... وقلّ على مسامعه كلامي
ولي في وجهه تقطيب راض ... كما قطّبت في وجه المدام
وربّ تقطّب من غير بغض ... وبغض كامن تحت ابتسام
وله: [من الكامل]
يا رب لا أقوى على دفع الأذى ... وبك استغثت من الضعيف الموذي
ما لي بعثت إليّ ألف بعوضة ... وبعثت واحدة إلى نمروذ
وله: [من الطويل]
وقائلة ماذا الشحوب وذا الضنى ... فقلت لها قول المشوق المتيّم
стр. 1609
هواك أتاني وهو ضيف أعزّه ... فأطعمته لحمي وأسقيته دمي
لم يزل ابن رشيق مقيما بالقيروان إلى أن هجم العرب عليها، وقتلوا أهلها وأخربوها، فانتقل إلى جزيرة صقلية، وأقام بمازر-وهي قرية في الجزيرة المذكورة-إلى أن توفي سنة ست وخمسين وأربع مائة (١).
١٩٣٥ - [ابن حزم الظاهري] (٢)
علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري الأموي مولاهم، الفارسي الأصل، الأندلسي القرطبي، صاحب المصنفات الشهيرة.
قال ابن خلكان: (كان حافظا، عالما بعلوم الحديث وفقهه، مستنبطا للأحكام من الكتاب والسنة) (٣).
انتقل إلى مذهب أهل الظاهر بعد أن كان شافعيا، وفي ذلك يقول: [من الطويل]
وذي عذل فيمن سباني حسنه ... يطيل ملامي في الهوى ويقول
أفي حسن وجه لاج لم تر غيره ... ولم تدر كيف الجسم أنت قتيل
فقلت له أسرفت في اللوم ظالما ... وعندي ردّ لو أردت طويل
ألم تر أني ظاهريّ وأنني ... على ما بدا حتى يقوم دليل
قال الشيخ اليافعي: (وفي قوله هذا مناقشة، وهي ألاّ يكون الوجه الظاهر مستحيلا في العقل كما في صفات الله تعالى في الاستواء والنزول إلى سماء الدنيا، وألاّ يكون مخالفا للقياس الجلي كما هو معلوم في التشنيع على داود الظاهري في تنجيس الماء بالبول فيه وعدم تنجيسه بالتغوط فيه) (٤).
قال الحافظ أبو عبد الله الحميدي: (ما رأينا مثله فيما اجتمع له من الذكاء، وسرعة
стр. 1610
الحفظ، وكرم النفس، والتدين، وما رأيت من يقول الشعر على البديهة أسرع منه، ثم قال: أنشدني لنفسه: [من الوافر]
لئن أصبحت مرتحلا بجسمي ... فروحي عندكم أبدا مقيم
ولكن للعيان لطيف معنى ... له سأل المعاينة الكليم
وروى الحافظ الحميدي له أيضا: [من الوافر]
أقمنا ساعة ثم ارتحلنا ... وما يغني المشوق وقوف ساعة
كأن الشمل لم يك ذا اجتماع ... إذا ما شتّت البين اجتماعه) (١)
وكان عاملا بعلمه، زاهدا بعد الرئاسة التي كانت له ولأبيه من قبله في الوزارة وتدبير الملك والممالك، فإن والده كان وزير أبي عامر المنصور في بلاد المغرب، وكان من أهل العلم والأدب والخير، قال ولده المذكور (٢): أنشدني والدي في بعض وصاياه لي: [من الطويل]
إذا شئت أن تحيى غنيا فلا تكن ... على حالة إلا رضيت بدونها
ومن تصانيف أبي محمد المذكور كتاب «الخصال الجامعة لجمل شرائع الإسلام في الواجب والحلال والحرام والسنة والإجماع» أورد فيه أقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين، وكتاب «إظهار تبديل اليهود والنصارى في التوراة والإنجيل، وبيان تناقض ما بأيديهم من ذلك بما لا يحتمله التأويل» وهو شيء لم يسبق إليه.
ومع فضائله المذكورة كان كثير الوقوع في العلماء المتقدمين، لا يكاد أحد يسلم من لسانه، حتى قال أبو العباس ابن العريف: كان لسان ابن حزم وسيف الحجاج بن يوسف شقيقين، فنفرت عنه القلوب، واستهدف لفقهاء وقته، فتمالئوا على بغضه، وردوا قوله، وأجمعوا على تضليله، وشنعوا عليه، وحذروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا عوامهم عن الدنو إليه والأخذ عنه، فأقصته الملوك وشردوه عن بلادهم حتى انتهى إلى بادية، فمات بها في سنة ست وخمسين وأربع مائة.
стр. 1611
١٩٣٦ - [الحافظ النخشبي] (١)
أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن محمد بن عاصم بن رمضان النخشبي.
حدث عن أبي طالب بن غيلان، وأبي بكر بن ريذة وغيرهما.
وعنه سهل بن بشر الأسفراييني وغيره.
وكان أحد الحفاظ الرحالين، والأئمة المخرجين المتقنين.
توفي سنة ست وخمسين وأربع مائة.
١٩٣٧ - [محمد بن سالم الشعبي] (٢)
محمد بن سالم بن عبد الله بن محمد بن سالم بن يزيد الشعبي، وقد يقال له:
اليزيدي، نسبة إلى جده يزيد المذكور.
أصل بلد أهله ذبحان من معاشير الدملوة، وانتقل أهله إلى ذي أشرق وتديّروها، ولهم بها عقب يعرفون ببني الإمام، وهم بيت صلاح وعلم، ومحمد المذكور جدهم.
قال الجندي: (وأظنه أول من ولي الإمامة منهم في جامع ذي أشرق، قال: وذريته على ذلك إلى سنة اثنتين وعشرين وسبع مائة) (٣).
ولد المذكور في صفر سنة خمس وتسعين وثلاث مائة.
وتفقه بالإمام قاسم بن محمد الجمحي، وأخذ عن أبي الفتوح ابن ملامس «الترمذي» في صفر سنة ست وعشرين وأربع مائة.
وكان فقيها فاضلا، خيرا زاهدا ورعا.
وتوفي بذي أشرق في رمضان سنة ست وخمسين وأربع مائة.
стр. 1612
١٩٣٨ - [العيّار الصوفي] (١)
سعيد بن أبي سعيد المعروف بالعيار.
توفي سنة سبع وخمسين وأربع مائة.
١٩٣٩ - [الإمام البيهقي] (٢)
أحمد بن الحسين البيهقي، الإمام الكبير، والحافظ النحرير.
توفي سنة ثمان وخمسين وأربع مائة. مذكور في الأصل.
١٩٤٠ - [أبو عاصم العبّادي] (٣)
أبو عاصم محمد بن أحمد العبّادي الهروي الشافعي.
توفي سنة ثمان وخمسين وأربع مائة. مذكور في الأصل.
١٩٤١ - [أبو يعلى ابن الفرّاء الحنبلي] (٤)
القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الحنبلي ابن الفرّاء البغدادي، فقيه عصره في مذهبه.
توفي سنة ثمان وخمسين وأربع مائة.
стр. 1613
١٩٤٢ - [ابن سيده] (١)
علي بن إسماعيل المعروف بابن سيده بكسر السين المهملة، وسكون الياء آخر الحروف، ثم دال مهملة مفتوحة، ثم هاء.
كان إماما في اللغة العربية، وله كتاب «المحكم» وكتاب «المخصص» كلاهما في اللغة، و «شرح الحماسة» في ست مجلدات، وغير ذلك، وكان أعمى، والله أعلم أولد كذلك، أم عمي في صغره.
وتوفي سنة ثمان وخمسين وأربع مائة، ووجد على ظهر مجلد من «المحكم» بخط بعض الفضلاء أن ابن سيده دخل المتوضأ وهو صحيح، فأخرج منه وقد سقط لسانه وانقطع كلامه، ثم مات بعد يومين، نسأل الله تعالى العفو والعافية.
١٩٤٣ - [أبو نصر الموصلي] (٢)
أبو نصر أحمد بن عبد الباقي الموصلي.
توفي سنة تسع وخمسين وأربع مائة.
١٩٤٤ - [حمزة بن أبي هاشم الزيدي] (٣)
الشريف أبو الحسين حمزة بن أبي هاشم الحسن بن عبد الرحمن بن يحيى بن عبد الله بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وإليه تنسب الأشراف بنو حمزة جميعا، ومنه تفرقت الحمزات.
كان ﵀ أحد أئمة الزيدية، بايعته الشيعة بعد وفاة أبيه.
وكان ذا كرامات، منها: أنه حضر يوما في محفل من العرب للإصلاح بينهم، فبينا هم على انفصال؛ إذ نعر ناعر من عرض الناس يريد نقض الصلح، فقال الإمام حمزة: من هذا
стр. 1614
الذي غير محضرنا غير الله لونه؟ فرماه الله بالبرص من وقته، فافترق الناس وما لهم ذكر إلا ما شاهدوه من كرامته وفضله.
وكان شجاعا مقداما، جاهد الصليحي وشيعته الإسماعيلية، وكان له معهم وقعات مشهورة، آخرها اجتماعهم بالمثوى ومع الشريف ألف وخمس مائة فارس وآلاف من الرّجل، ومع الصليحي أضعاف ذلك، فقتل الشريف حمزة في تلك الوقعة في سنة تسع وخمسين وأربع مائة، وفي ذلك يقول شاعر الصليحي: [من الكامل]
وصرعن بالمثوى منهم سيدا ... ذا نجدة وبكرهنا أن يصرعا (١)
وكان الشريف يقاتل وهو يقول: [من الرجز]
أطعن طعنا ثائرا غباره ... طعن غلام بعدت أنصاره
وانتزحت من يومه دياره
وصبر يومئذ عنده تسعون شيخا صرعوا حوله، منهم عشرة أنفس لكل واحد عشرة بنين وعشر بنات.
١٩٤٥ - [علي بن محمد الصليحي] (٢)
أبو الحسن علي بن محمد القائم باليمن.
كان والده القاضي محمد بن علي الصليحي فقيها عالما، سنيا، حسن السيرة، مطاعا في أهله.
وكان الداعي عامر بن عبد الله الزواحي يركب إليه كثيرا لصلاحه ورئاسته وعلمه، فرأى يوما ولده عليا المذكور، فلاحت له فيه مخائل النجابة وهو إذ ذاك دون البلوغ، فجعل الزواحي كلما وصل إلى القاضي محمد بن علي الصليحي .. اجتمع بولده علي المذكور وحادثه، وإذا خلا به .. أطلعه على ما عنده حتى استماله وغرس في قلبه من علومه وأدبه
стр. 1615
ومحبة مذهبه، وقيل: كانت حلية الصليحي الداعي عند الزواحي في كتاب «الصور»، وأوقفه منه على تنقل حاله وشرف مآله، كل ذلك سرا من أبيه القاضي محمد وأهله جميعا، فلما مات عامر الزواحي .. أوصى بجميع كتبه لعلي بن محمد الصليحي، وأعطاه مالا كان قد جمعه من أهل مذهبه، فعكف الصليحي على درس الكتب-وكان ذكيا-فلم يبلغ الحلم حتى تضلع من علم معارفه التي بلغ بها وبالجد السعيد غاية الأمل البعيد، فكان فقيها في مذهب الإمامية، ثم صار يحج بالناس دليلا على طريق السراة نحوا من خمس عشرة سنة، فانتشر ذكره في البلاد على لسان الخاصة والعامة أنه سيملك اليمن بأسره، ويكون له شأن عظيم، فإذا بلغه ذلك .. كرهه وأنكر على قائله، فلما كان سنة ثمان وعشرين وأربع مائة ..
حالف بمكة ستين رجلا على الموت، أو الظفر بقيام الدعوة، وما منهم إلا من هو في عزّة وفي منعة من قومه.
وفي سنة تسع وعشرين ثار في رأس جبل مسار-وهو أعلى جبل في تلك الناحية-ومعه الستون الذين حالفهم، ولم يكن في رأس الجبل بناء، إنما كان قلعة عالية منيعة، فلم ينتصف ذلك النهار الذي ملكها في ليلته إلا وقد أحاط به عشرون ألف سياف، فحصروه وشتموه وقالوا له: إن نزلت وإلا .. قتلناك ومن معك، فقال: إني ما فعلت هذا إلا خوفا عليكم أن يملك هذا الجبل غيرنا، فإن تركتمونا نحرسه لكم وإلا .. نزلنا إليكم، فانصرفوا وتفرقوا عنه، فلم يمض عليه شهر إلا وقد بناه وحصنه وديره، وظهر شأنه، واستفحل أمره، ووصلته الشيعة من أنحاء اليمن، وجمعوا له أموالا جليلة، وأظهر الدعاء إلى المستنصر بالله معد بن الظاهر بالله العبيدي صاحب مصر، فلما ظهر بمسار وكان معه جمع كثير .. حصره جعفر بن الإمام قاسم بن علي في جمع كثير، وساعده جعفر بن العباس، كان على مغارب اليمن الأعلى في ثلاثين ألفا، فأوقع الصليحي بجعفر بن العباس في محطته في شعبان من السنة المذكورة فقتله، وقتل جمعا كثيرا من أصحابه، وتفرق الناس عنه، فاستفتح الصليحي جبل حضور، وأخذ حصن يفاع، فجمع له ابن أبي حاشد جمعا عظيما، فالتقوا بصوف-قرية بين حضور وبين بني شهاب-فقتل ابن أبي حاشد في ألف رجل من أصحابه، وسار الصليحي إلى صنعاء فملكها، وطوى اليمن طيا، سهله ووعره، وبره وبحره، وهذا شيء لم يعهد في جاهلية ولا إسلام، حتى قال يوما وهو يخطب على منبر الجند: في مثل هذا اليوم نخطب على منبر عدن، ولم يكن ملكها يومئذ، فقال بعض من حضر: سبوح قدوس مستهزئا، فأمر بالحوطة عليه، فلما كان الجمعة الثانية .. خطب