← Тараджим

Тараджим · id 29560

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

الطيب بامخرمة

Полный текст (3 319 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

منها، أنه لا يصلي الصبح، فقال صفوان: يا رسول الله؛ إني امرؤ ثقيل الرأس لا أستيقظ حتى تطلع الشمس، فقال له النبي ﷺ : «إذا استيقظت .. فصلّ» (١). ونزلت براءة عائشة ﵂ بعد قدومهم إلى المدينة بسبع وثلاثين ليلة في قول بعض المفسرين) اهـ (٢) وفي هذه السنة: -وقيل: في الخامسة-: غزوة الخندق (٣)، وذلك: أنه ﷺ لما أجلى بني النّضير .. سار رئيسهم حيي بن أخطب في رجال من قومه ودعوا قريشا إلى حرب رسول الله ﷺ ، وأخبروهم: أنهم أهدى منه سبيلا، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً.﴾ فلما أجابتهم قريش .. تقدموا إلى قيس عيلان، فدعوهم إلى مثل ذلك، فأجابوهم، فسارت تلك القبائل، فلما علم ﷺ بهم .. شرع في حفر الخندق بمشورة سلمان الفارسي، وقطع لكل عشرة أربعين ذراعا (٤)، فجهدوا أنفسهم في حفره متنافسين في الثواب، لا ينصرف أحد منهم لحاجة إلا بإذن رسول الله ﷺ ، وجهد معهم ﷺ في ذلك؛ فحمل من تراب الخندق حتى وارى الغبار جلدة بطنه، وكان كثير الشّعر، وكان يرتجز بشعر ابن رواحة: والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا إنّ الألى قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا ويرفع صوته: «أبينا أبينا» (٥).

стр. 212

ولما رأى ﷺ ما بهم من النّصب والجوع .. قال: [من الرجز] اللهمّ إنّ العيش عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة فأجابوا: [من الرجز] نحن الذين بايعوا محمّدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا (١) وجرى في أثناء الحفر معجزات باهرة؛ كخبر الكدية التي أعيت سلمان، فلما ضربها ﷺ .. صارت كأنها كثيب أهيل (٢)، وإشباعهم من أقراص أتى بها أنس تحت إبطه من بيت أبي طلحة (٣)، وإشباعهم في بيت جابر من صاع شعير وبهيمة داجن وهم نحو الألف (٤). ولما فرغوا من الخندق .. أقبلت جموع الأحزاب، كما قال الله تعالى: ﴿إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ﴾ الآية، [ومن فوقكم]؛ أي: من قبل المشرق؛ وهم: أسد وغطفان في ألف عليهم عوف بن مالك النصري، وعيينة بن حصن الفزاري في قبائل أخر، ونزلوا إلى جانب أحد، ومن أسفل [منكم]؛ وهم: قريش وكنانة والأحابيش، ومن انضاف إليهم من تهامة، عليهم أبو سفيان بن حرب في عشرة آلاف، فنزلوا برومة من وادي العقيق (٥). وخرج ﷺ في ثلاثة آلاف، وجعل ظهره إلى سلع (٦)، والخندق بينه وبين العدو، ورفع النساء والذراري في الآطام، واشتد الحصار على المسلمين، ونجم النفاق، واضطرب ضعفاء الدين، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ﴾ الآيات. وتقدم حيي بن أخطب إلى كعب بن أسد سيّد بني قريظة، وسأله أن ينقض العهد الذي

стр. 213

بينه وبين رسول الله ﷺ ، فأبى عليه، فلم يزل يخادعه بقول الزور ويمنّيه أمانيّ .. حتى أجاب إلى النقض على أن أعطاه العهد: لئن رجعت تلك الجموع خائبة .. أن يرجع معه إلى حصنه يصيبه ما أصابه، فزاد الأمر اشتدادا حتى بعث ﷺ إلى عيينة بن حصن الفزاري، والحارث بن عوف المرّي قائدي غطفان، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يفرّقا الجمع. فلما تم ذلك ولم يبق إلا الكتاب .. استشار ﷺ السّعدين سيّدي الأنصار، فقالا: يا رسول الله؛ أمر أمرك الله به لا بد منه أم أمر تحبه فنصنعه أم لنا؟ فقال: «بل لكم؛ رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، فأردت أن أكسر شوكتهم». فقال سعد بن معاذ: قد كنا نحن وهؤلاء على الشّرك لا يطمعون منا بتمرة إلا قرى أو بيعا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وأعزنا بك نعطيهم؟ ! والله؛ لا نعطيهم إلا السيف، فقال له رسول الله ﷺ : «أنت وذاك» (١)، [وترك ما كان همّ به من ذلك، ثم أقام رسول الله ﷺ ] وليس بينهم وبين العدو إلا الرمي بالنبل والحصى، إلا أن عكرمة بن أبي جهل وعمرو بن عبد ودّ في فوارس من قريش لما وقفوا على الخندق .. قالوا: إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها، ثم أقحموا خيولهم مهزما من الخندق (٢)، وجالوا في السبخة، فخرج عليهم علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين، فأخذ عليهم الثغرة التي اقتحموا، وأقبلت خيل قريش نحوهم، فقتل علي عمرو بن عبد ودّ، وألقى عكرمة رمحه، وولّوا منهزمين، ففي ذلك قال حسان: [من المتقارب] فرّ وألقى لنا رمحه ... لعلك عكرم لم تفعل وولّيت تعدو كعدو الظّليم ... ما إن تحور عن المعدل ولم تلق ظهرك مستأنسا ... كأنّ قفاك قفا فرعل (٣) وسقط نوفل بن عبد الله المخزومي في الخندق، فنزل إليه علي فقتله، وأصيب يومئذ سعد بن معاذ؛ رماه حبّان ابن العرقة بسهم في أكحله، فقال سعد: اللهم؛ إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا .. فأبقني له، وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم .. فاجعله لي

стр. 214

شهادة، ولا تمتني حتى تقرّ عيني من بني قريظة (١). ثم كان من مقدمات اللطف: أن جاء نعيم بن مسعود الغطفاني ثم الأشجعي إلى رسول الله ﷺ مسلما، وقال: يا رسول الله؛ إن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت، فقال له النبي ﷺ : «إنما أنت رجل واحد، فخذل عنا إن استطعت» (٢). فجاء نعيم إلى اليهود وأخبرهم أن قبائل العرب ينصرفون ويتركونكم ومحمدا، ولا طاقة لكم به، فيرجع الشؤم والوبال عليكم، فاتخذوا منهم رهائن؛ لئلا ينصرفوا حتى يناجزوا محمدا، [فصدّقوه في ذلك وتصادقوه (٣)، ثم جاء إلى قريش وأخبرهم: أن اليهود قد ندموا وباطنوا محمدا]، ووعدوه أن يتخذوا منكم رهائن، فيدفعونهم إليه فيقتلهم، وأخبر غطفان بمثل ذلك. فلما أصبحوا .. أخذت العرب للحرب، وأرسلوا لليهود لينهضوا معهم، فاعتذروا بأنه يوم السبت، وأنهم لا ينطلقون معهم حتى يعطوهم رهائن تدعوهم إلى المناجزة، فصدّقوا نعيم بن مسعود فيما كان حدثهم به، فأوقع في قلوبهم الوهن والتجادل، وافترقت عزائمهم، وأرسل عليهم ريح الصّبا في برد شديد، فزلزلتهم وقلقلتهم وأسقطت كل قائمة لهم، وجالت الخيل بعضها في بعض، وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم، حتى كان سيد كل حي يقول: يا بني فلان، فإذا اجتمعوا عنده .. قال: النجاء النجاء أتيتم. فلما رأى أبو سفيان ما فعلت الريح وجنود الله بهم؛ لا تقرّ لهم قدرا ولا بناء .. قام فقال: يا معشر قريش؛ ليأخذ كل رجل بيد جليسه فلينظر من هو؟ قال حذيفة-وكان قد أرسله رسول الله ﷺ يأتيه بخبر القوم-: فأخذت بيد جليسي فقلت: من أنت؟ فقال: سبحان الله! أما تعرفني؟ ! أنا فلان بن فلان رجل من هوازن. فقال أبو سفيان: يا معشر قريش؛ إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من هذه الريح ما ترون، فارتحلوا فإني مرتحل، ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه، ثم ضربه فوثب به على ثلاث،

стр. 215

فما أطلق عقاله إلا وهو قائم، فسمعت غطفان بذلك، فانشمروا راجعين إلى بلادهم، فلما انتهى إلى النبي ﷺ خبر انصرافهم .. قال: «الآن نغزوهم ولا يغزونا» (١). وفيها: كانت غزوة بني قريظة، وذكرها النووي في الخامسة مع ترجيح أن الخندق في الرابعة مع الاتفاق على أنه ﷺ توجه إلى بني قريظة في اليوم الذي انصرف فيه عن غزوة الخندق (٢). وذلك: أنه ﷺ لما أصبح من ليلة منصرف الأحزاب، وكان وقت الظهر، ووضع السلاح واغتسل .. أتاه جبريل وهو ينفض رأسه من الغبار، فقال: وضعت السلاح؟ والله ما وضعناه، اخرج إليهم، قال النبي ﷺ : «فأين؟ »، فأشار إلى بني قريظة (٣)، فنادى منادي رسول الله ﷺ : لا يصلّينّ أحد العصر إلا في بني قريظة (٤)، وقدّم النبي ﷺ علي بن أبي طالب برايته، ثم سار خلفه. قال أنس: كأني انظر إلى الغبار ساطعا في زقاق بني غنم موكب جبريل حين سار

стр. 216

رسول الله ﷺ إلى بني قريظة (١)، فلم يعنف النبي ﷺ أحدا منهم، فلما اشتدت وطأته عليهم .. أرسلوا إليه: أن أرسل إلينا أبا لبابة، فأرسله إليهم، فتلقاه النساء والصبيان يبكون في وجهه، فرقّ لهم لولائه منهم، فقالوا: أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه-[يعني]: أنّ حكمه القتل-ثم ندم أبو لبابة لكونه قد خان الله ورسوله، فلم يرجع إلى النبي ﷺ ، بل راح إلى المسجد، وربط نفسه بسارية، وأقام على ذلك سبعة أيام لا يذوق ذواقا حتى خر مغشيا عليه، فتاب الله عليه، فنزل فيه: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ، ﴾ وآية توبته: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا، ﴾ الآية، ولم يطأ بلد بني قريظة بعدها، وكان له بها أموال وأشجار (٢). وسأل بنو قريظة النبي ﷺ أن يقبل منهم ما قبل من إخوانهم بني النّضير، فأبى عليهم، فلما أيسوا من ذلك .. نزلوا على حكمه ﷺ ، فشفع فيهم حلفاؤهم الأوس كما شفعت الخزرج في حلفائهم بني قينقاع، فقال النبي ﷺ للأوس: «ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟ » قالوا: بلى، قال: فذلك إلى سعد بن معاذ، وكان سعد قد جعله النبي ﷺ في خيمة في جانب مسجده؛ ليعوده من قريب، فأتاه قومه فاحتملوه على حمار، وأقبلوا به إلى النبي ﷺ ، وهم يقولون: يا أبا عمرو؛ أحسن إلى مواليك، فقال لهم: قد آن لسعد ألاّ تأخذه في الله لومة لائم، فحينئذ أيس قومه من بني قريظة ونعوهم إلى أهليهم قبل أن يحكم، ولما أقبل إلى النبي ﷺ .. قال لمن عنده: «قوموا إلى سيدكم»، فحكم سعد ﵁ بقتل الرجال وسبي الذراري والنساء وقسمة الأموال، فقال له النبي ﷺ : «لقد حكمت بحكم الله تعالى»، وربما قال: «بحكم الملك» (٣). فحبسهم النبي ﷺ في بيت واحد، وخد لهم أخاديد في موضع سوق المدينة، فخرج بهم أرسالا، تضرب أعناقهم، ثم يلقون في الأخاديد (٤)، وترك منهم من

стр. 217

لم ينبت، وممن ترك لعدم الإنبات عطية القرظي (١) جد محمد بن كعب بن عطية المفسر. ولما أخرجوا حيي بن أخطب .. نظر إلى رسول الله ﷺ وقال: أما والله؛ ما لمت نفسي في عداوتك، ولكن من يخذل الله .. يخذل، ففي ذلك يقول جبل بن جوّال الثعلبي: [من الطويل] لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه ... ولكنّه من يخذل الله يخذل لجاهد حتى أبلغ النّفس عذرها ... وقلقل يبغي العزّ كلّ مقلقل (٢) فكان عدد قتلاهم ست مائة أو سبع مائة، وقيل: بين الثمان مائة والتسع [مائة]، وعدد نسائهم وذراريهم سبع مائة وخمسين، وقيل: تسع مائة، وبعث ﷺ ببعض السبي إلى نجد ليشترى له به خيل وسلاح، وكان مدة حصارهم خمسا وعشرين أو إحدى وعشرين ليلة، فلما فرغ من شأن بني قريظة .. استجاب الله دعوة سعد؛ فانفجر جرحه وسال دما حتى مات ﵁ (٣). *** السنة الخامسة : فيها: فرض الحج، وقيل: في السادسة أو التاسعة أو العاشرة (٤)، فنزل قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً.﴾ وفيها: قدم ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر أهل رضاع النبي ﷺ (٥)، وقيل: قدم سنة سبع أو تسع (٦). وفيها-أو في الثالثة-: تزوج النبي ﷺ زينب بنت جحش الأسدية (٧)،

стр. 218

وهي ابنة عمته أميمة بنت عبد المطلب، وكان ﷺ خطبها أولا لمولاه الذي أعتقه وتبناه زيد بن حارثة الكلبي، فكرهت زينب وأخوها عبد الله بن جحش، فأنزل الله: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ، ﴾ فلما سمعا ذلك .. رضيا، وجعلا الأمر إلى رسول الله ﷺ ، فأنكحها النبي ﷺ زيدا، فمكثت معه حينا، ثم جاء إلى النبي ﷺ يشكوها ويستشيره في طلاقها، فقال له ﷺ : «أمسك عليك زوجك واتق الله» (١)، وكان النبي ﷺ قد أخبره ربّه ﵎ قبل ذلك أنها ستكون من أزواجه؛ فلذلك عاتبه تعالى بقوله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ﴾ بالإسلام ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ أي: بالعتق ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾ أي: تخفي في نفسك ما كان الله أعلمك من أنها ستكون زوجتك، فطلقها زيد، فلما انقضت عدتها .. أرسل إليها زيدا يخطبها للنبي ﷺ ، فقالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، فدخل عليها رسول الله ﷺ من غير إذن (٢)، فكانت تفتخر على أزواج النبي ﷺ ؛ تقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات، وعند بنائه ﷺ بزينب بنت جحش نزل الحجاب (٣). وفي هذه السنة: ركب ﷺ [فرسا] إلى الغابة فسقط عنه، فجحش [فخذه] الأيمن، فأقام في البيت أياما يصلي قاعدا، وعاده أصحابه يصلون وراءه قياما، فأمرهم بالقعود، فصلّوا خلفه قعودا (٤)، ثم نسخ ذلك في مرض موته ﷺ ؛ صلّى قاعدا والناس وراءه قياما (٥). وفيها: غزا ﷺ دومة الجندل، واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري، ورجع ﷺ من الطريق قبل أن يصل إليها (٦). وفيها: غزا ﷺ بني لحيان من هذيل بن مدركة؛ لطلب الثأر لخبيب بن

стр. 219

عدي وأصحابه، وذلك بعد بني قريظة بثلاثة أشهر، فخرج ﷺ فيها مورّيا بطريق الشام، فلما بلغ البتراء .. صفّق ذات اليسار (١)، فلما بلغ منازلهم .. وجدهم قد حذروا وتمنّعوا في رءوس الجبال، فرجع إلى المدينة (٢). *** السنة السادسة : فيها: استسقى النبي ﷺ . وفيها: صلّى [رسول الله ﷺ صلاة الكسوف وقال: «إن] الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك .. فادعوا الله وكبروا وتصدقوا» (٣). وفيها: ظاهر أوس بن الصامت من زوجته خولة بنت مالك بن ثعلبة، وكان الظّهار في الجاهلية وصدر الإسلام طلاقا، فلما ظاهر أوس من زوجته .. شكت ذلك إلى النبي ﷺ ، فأنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما﴾ (٤) الآيات. وفيها: كان صلح الحديبية، وذلك: أنه ﷺ خرج من المدينة للعمرة في ألف وأربع مائة ليس قصده قتال أحد، وإنما غرضه العمرة، فلما وصل الحديبية .. منعته قريش من دخول مكة، ثم حصل الصلح بينهم على وضع الحرب بينهم وبين النبي ﷺ عشر سنين، ومن أحب أن يدخل في صلح النبي ﷺ .. دخل، ومن أحب أن يدخل في صلح قريش .. دخل (٥)، فدخلت خزاعة في صلح النبي ﷺ ، ودخلت كنانة في صلح قريش، وكان النبي ﷺ قبل الصلح قد بعث عثمان إلى مكة، فعرض عليه أهل مكة الطواف والاعتمار، فقال: لا أطوف به حتى يطوف به النبي ﷺ ، ثم أشيع أن عثمان قتل بمكة، فقال ﷺ : «أما والله؛ لئن قتلوه .. لأناجزنهم»، فدعا الناس إلى البيعة فبايعوه تحت شجرة بعضهم على الموت، وبعضهم على ألاّ يفر، وضرب النبي ﷺ بإحدى يديه

стр. 220

على الأخرى فقال: «هذه لعثمان»، وهي بيعة الرضوان التي قال الله : ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ﴾ (١) الآية. وقال ﷺ : «لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة» (٢). وذكر أكثر المفسرين في قوله تعالى: ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ أنه صلح الحديبية؛ لم يكن فتح أعظم منه. قال العلماء: وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين في تلك الهدنة، وسمعوا منهم أحوال النبي ﷺ الباهرة، ومعجزاته الظاهرة، وحسن سيرته، وجميل طريقته، وشاهدها كثير منهم، فمالت أنفسهم إلى الإيمان، وأسلم في تلك الأيام خلق كثير؛ ولذلك أجبرهم ﷺ على الصلح مع كراهة أكثرهم له. وفيها: أسلم خالد بن الوليد المخزومي، وعمرو بن العاصي السهمي، وعثمان بن طلحة العبدري، وعقيل بن أبي طالب الهاشمي (٣). وفيها: غزوة الغابة (٤)، وتسمى أيضا: غزوة ذي قرد؛ باسم الموضع الذي جرى فيه

стр. 221

القتال، وذلك: أن لقاح النبي ﷺ بالغابة (١)، وهي على بريد من المدينة من الشام، وكان فيها أبو ذر وابنه، فأخذها بنو فزارة من غطفان في أربعين فارسا عليهم عيينة بن حصن وابنه (٢) عبد الرحمن الفزاريان، فجاء الصريخ إلى النبي ﷺ ، فبعث الطلب في آثارهم، وأمّر على الطلب سعد بن زيد الأنصاري، ثم لحقهم النبي ﷺ في بقية الناس، فجاءوا وقد استنقذوا اللّقاح، وقتلوا من قتلوا، ولم يجئ الطلب حتى فعل سلمة بن الأكوع الأفاعيل، وكان ممن أبلى يومئذ: أبو قتادة، وعكاشة بن محصن، والمقداد بن عمرو، والأخزم (٣) الأسدي. واستشهد في هذه الغزوة: الأخزم الأسدي، ووقاص بن مجزّز المدلجي، وبعث النبي ﷺ بعد ذلك أخاه علقمة طالبا بثأره، فلما كان ببعض الطريق .. أذن لعبد الله بن حذافة في طائفة من الجيش، فأمرهم عبد الله بن حذافة فأوقدوا نارا، ثم أمرهم بدخولها، فبلغ النبيّ ﷺ خبرهم، فقال: «لو دخلوها .. ما خرجوا منها إلى يوم القيامة» (٤). وبعد ستة أشهر من ذي قرد قدم نفر من عكل-أو من عرينة-ثمانية على رسول الله ﷺ ، فأسلموا، واستوخموا المدينة، فأمرهم ﷺ أن يخرجوا مع إبل الصدقة، فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا وصحوا، فارتدوا وقتلوا

стр. 222

رعاتها واستاقوها، فبعث النبي ﷺ الطلب في آثارهم، فما ترجل النهار حتى جيء بهم، وقطع أيديهم وأرجلهم ولم يحسموا، وكحلت أعينهم، وطرحوا في الحرة يستسقون فلا يسقون، وكان أحدهم يكدم الأرض بفيه حتى ماتوا (١). وقال أبو قلابة: قتلوا وسرقوا، وحاربوا الله ورسوله، وسعوا في الأرض فسادا. وروي: أنهم كحلوا الرعاة، وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ الآية. وفي هذه السنة: ماتت أم رومان زوجة أبي بكر الصديق أم ولديه عائشة وعبد الرحمن ﵄، ووهم من قال: إنها ماتت سنة أربع؛ لذكرها في حديث الإفك. وما في «صحيح البخاري» من قول مسروق التابعي: سمعت أم رومان .. قالوا: صوابه: سئلت أم رومان بالبناء (٢). وفي ذي الحجة منها: بعث رسول الله ﷺ رسله بكتبه إلى ملوك الأقاليم، فبعث دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر، فلما قرأه .. همّ بالإسلام ولم يساعده قومه وشحّ بملكه، وقصته مشهورة في «الصحيحين» (٣). وبعث عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى، فلما قرأ كتاب النبي ﷺ .. مزّقه، فدعا عليهم النبي ﷺ أن يمزّقوا كلّ ممزق (٤)، فهلك منهم في سنة واحدة أربعة عشر ملكا حتى ملّكوا أمرهم امرأة، فلما بلغ النبي ﷺ ذلك .. قال: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» (٥)، ثم اندرس أمرهم إلى آخر الأبد، فلم يبق لهم ملك ولا مملكة كما بقي للروم. وبعث النبي ﷺ عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي، وكان قد أسلم، وإنما بعثه النبي ﷺ في تزويج أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان بن حرب، وأن يرسل إليه جعفر بن أبي طالب ومن معه من المهاجرين، فلما ورد الكتاب على النجاشي ..

стр. 223

وضعه على عينيه، ونزل عن سرير ملكه إجلالا له، وبادر بإرسال مولاته أبرهة إلى أم حبيبة بأربع مائة دينار، واستأذنها في التزويج من النبي ﷺ ، وأمر مولاته ألاّ تأخذ من أم حبيبة شيئا، فرفعت إليها أم حبيبة خمسين دينارا، فأبت أن تأخذها، وقالت: أنا صاحبة ذهب الملك وثيابه، وقد آمنت بما جاء به محمد ﷺ ، وحاجتي منك أن تقرءيه مني السلام، وقد أمر نساءه أن يبعثن بما عندهن من عود وعنبر، وولت أم حبيبة أمرها في التزويج خالد بن سعيد بن العاصي، ثم جهز النجاشي جميع من عنده من المسلمين في سفينتين بجميع ما يحتاجون إليه، قالت أم حبيبة: فخرجنا إلى المدينة فوافقنا النبي ﷺ حين افتتح خيبر، فخرج من خرج إليه، وأقمت بالمدينة حتى قدم ﷺ ، فدخلت عليه، فكان يسألني عن النجاشي. وبعث ﷺ حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب مصر، فقارب وهادن وبعث أنواعا من الهدايا. وبعث ﷺ شجاع بن وهب إلى الحارث بن أبي شمر الغسّاني ملك البلقاء نيابة عن قيصر، فلما قرأ كتاب النبي ﷺ .. رمى به وقال: أنا سائر إليه، وعزم على ذلك، فمنعه الله. ثم بعث ﷺ شجاع بن وهب المذكور إلى جبلة بن الأيهم الغسّاني، فقال: سأنظر، ولما فتح الشام .. أسلم ولطم إنسانا، فرفعه إلى أبي عبيدة، فحكم عليه بالقصاص، فأنف من ذلك ورجع إلى نصرانيته، ومات عليها مرتدا، نسأل الله العافية، وكان طول جبلة اثني عشر ذراعا، تمسح رجلاه الأرض وهو راكب. قلت: وفي «الروض الأنف» للسهيلي: (أن طوله اثنا عشر شبرا، وكان يمسح برجليه الأرض وهو راكب، والله أعلم) (١). وبعث ﷺ سليط بن عمرو العامري إلى هوذة بن علي، فأكرم الرسول: وكتب إلى النبي ﷺ : ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله! وأنا خطيب قومي وشاعرهم، فاجعل لي بعض الأمر، فأبى عليه النبي ﷺ ، ولم يسلم، ومات زمن الفتح. وبعث ﷺ عمرو بن العاصي إلى ابني الجلندى، وهما الأزديان ملكا

стр. 224

عمان فأسلما، وخلّيا بين عمرو وبين الصدقة، فلم يزل عمرو عندهم حتى توفي النبي ﷺ . وبعث ﷺ ابن أبي أمية المخزومي إلى الحارث بن عبد كلال الحميري أحد مقاولة اليمن، فتردد الحارث ثم أسلم. وبعث ﷺ العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى العبدي ملك البحرين، فأسلم. وبعث ﷺ أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل إلى أهل اليمن داعيين إلى الإسلام، فأسلم عامة أهل اليمن وملوكهم وسوقتهم طوعا من غير قتال. *** السنة السابعة من الهجرة الشريفة : فيها: افتتح ﷺ خيبر، وهو اسم جامع لجملة من الحصون والقرى، وبينها وبين المدينة ثلاث مراحل، ولما رجع ﷺ من الحديبية وقد وعده الله فتح خيبر؛ إثابة عما لحقهم من الانكسار يومئذ .. قال الله تعالى: ﴿وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ إلى قوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ.﴾ فقدم ﷺ من الحديبية في ذي الحجة، فأقام بها إلى ثاني المحرم؛ ثم خرج إلى خيبر ففتحها بكرة على غرة وقد خرج القوم إلى أعمالهم بمساحيهم ومكاتلهم (١)، فلما رأوه .. أدبروا راجعين، وقالوا: محمد والخميس-أي: الجيش-فقال ﷺ : «الله أكبر؛ خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم .. فساء صباح المنذرين» (٢). فلما نزل ﷺ بخيبر .. همّ قبائل تلك الناحية من أسد وغطفان ليظاهروا اليهود، فألقى الله الرعب في قلوبهم فرجعوا، ثم هموا أن يخالفوا إلى المدينة فخذلهم الله، وخلوا بين رسول الله ﷺ وبين اليهود، وذلك قوله تعالى: ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ﴾ فأول حصن افتتحه ﷺ من حصون خيبر حصن ناعم، وعنده ألقيت على محمود بن مسلمة رحى فقتلته، ثم ألفوا من حصن أبي الحقيق

стр. 225

ومن سباياه صفية بنت حيي، فمر بلال بها وبامرأة أخرى على القتلى، فلما رأتهم المرأة التي مع صفية .. صاحت وصكّت وجهها وحثت التراب على رأسها، فقال ﷺ : «أغربوا عني هذه الشيطانة»، واصطفى صفية لنفسه، وقال لبلال: «انتزعت الرحمة منك يا بلال؛ تمر بامرأتين على قتلى رجالهما؟ ! » (١). ثم افتتح ﷺ حصن الصعب، ومنه شبع الجيش طعاما بعد مخمصة شديدة، ثم انتهى ﷺ إلى حصنهم الوطيح والسّلالم وهما آخر حصونها افتتاحا، وأوسعها أموالا، وأكثرها قتالا، فحاصرهم النبي ﷺ بضع عشرة ليلة (٢). وروي: أنه ﷺ كانت به شقيقة، ولم يخرج إلى الناس، فأخذ الراية أبو بكر ﵁، فقاتل قتالا شديدا ولم يفتح عليه، ثم عمر كذلك، فقال ﷺ : «لأعطين الراية رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله»، فلما أصبح الناس .. غدوا إلى رسول الله ﷺ ، كلّهم يرجو أن يعطاها، فقال ﷺ : «أين علي بن أبي طالب؟ »، فقالوا: يا رسول الله؛ هو يشتكي عينيه، قال: «فأرسلوا إليه» وكان قد تخلف عن رسول الله ﷺ بخيبر، وكان به رمد، فقال: أنا أتخلف عن رسول الله ﷺ ؟ ! فخرج إلى خيبر، فأصبح بها صبيحة شوال ﵁ كما قاله الراوي؛ فإذا نحن بعلي وما نرجوه، فبصق ﷺ في عينيه ودعا له وأعطاه الراية، فلما وافى من حصنهم .. أشرف عليه يهودي، فقال له: من أنت؟ قال: علي بن أبي طالب، قال: علوتم وما أنزل على موسى؛ فخرج مرحب يرتجز بهذا الرجز: قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهّب فبارزه عامر بن الأكوع عم سلمة بن عمرو بن الأكوع، فرجع سيف عامر عليه فقتله، فقال ﷺ : «إن له لأجرين»، ثم خرج مرحب أيضا يرتجز، فبرز له علي وهو يقول:

стр. 226

أنا الذي سمتني أمي حيدرة ... كليث غابات كريه المنظره أوفيهم بالصّاع كيل السّندره فقتل مرحبا (١)، وقيل: إن قاتله محمد بن مسلمة الأنصاري (٢). فلما أيقن أهل الوطيح والسلالم .. استسلموا، وسألوا رسول الله ﷺ أن يحقن دماءهم ففعل، فلما سمع بهم أهل فدك (٣) .. أرسلوا يطلبون مثل ذلك أيضا، فكانت فدك خالصة لرسول الله ﷺ لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب (٤). وقسم ﷺ خيبر نصفين: نصف لنوائبه وما ينزل به من الأمور المهمة، ونصف بين المسلمين، وكان عدة الذين قسمت عليهم خيبر من أصحاب رسول الله ﷺ ألف سهم وثمان مائة سهم برجالهم وخيلهم، الرجال: أربع عشرة مائة، والخيل: مائتي فارس؛ [فكان] لكل فرس سهمان، ولفارسه سهم، وللراجل: سهم، وكانت أصول السهام ثمانية عشر سهما؛ لأنه ﷺ فرق رؤساء أصحابه سبعة عشر رأسا، وأضاف إلى كل واحد منهم مائة، والثامن عشر سهم اللفيف، وهو سهم جمع قبائل شتى. ولم يغب أحد من أهل الحديبية عن خيبر إلا جابر بن عبد الله، فأسهم له النبي ﷺ كمن حضر، وأسهم ﷺ لمهاجرة الحبشة ولم يحضروا. وفي هذه الغزوة: نهى ﷺ عن لحوم الحمر الإنسيّة، وأذن في لحوم الخيل (٥). وفيها: أهدت زينب بنت الحارث اليهودية امرأة سلاّم بن مشكم شاة مصليّة، دسّت فيها سما، وأكثرت منه في الذراع؛ لمّا بلغها أن الذراع تعجبه ﷺ ، فقربت إليه وعنده بشر بن البراء بن معرور، فأكلا منها وأساغ بشر لقمته ومات من ذلك، وأما النبي

стр. 227

صلّى الله عليه وسلم .. فلم يسغ اللقمة، بل لفظها وقال: «إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم»، واعترفت اليهودية، وقالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك، فقلت: إن كان ملكا .. استرحنا منه، وإن كان نبيا .. سيخبر، فتجاوز ﷺ عنها، فلما مات بشر .. قتلها قصاصا (١). واستشهد بخيبر أربعة عشر رجلا، وقيل: نحو العشرين (٢). ويوم فتح خيبر قدم جعفر بن أبي طالب في أصحاب السفينة من الحبشة، وأبو موسى الأشعري ورفقته من الأشعريين، فقبّل رسول الله ﷺ بين عيني جعفر والتزمه وقال: «ما أدري بأيهما أسر أكثر، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟ » (٣). فلما فرغ ﷺ من فتح خيبر .. انصرف إلى وادي القرى، فحاصره حتى فتح الله عليه، وأصيب به مولاه مدعم بسهم غرب فقتله، فقال الناس: هنيئا له الشهادة، فقال ﷺ : «كلاّ والذي نفسي بيده؛ إن الشملة التي أصابها يوم خيبر لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا» (٤). ولما انتهى ﷺ في مرجعه من وجهه ذلك إلى سد الصهباء .. حلت صفية بنت حيي، فجهزتها له أم سليم، ثم ضربت له قبة فدخل بها، وأولم صبيحة ذلك اليوم حيسا (٥). وكانت صفية قد رأت في منامها وهي عروس بكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق أن قمرا وقع في حجرها، فعرضت رؤياها على زوجها، فقال: ما هذا إلا أنك تمنين ملك الحجاز محمدا، فلطم وجهها لطمة خضّر عينها، فأتي بها رسول الله ﷺ وبها أثر منه، فأخبرته بذلك (٦)، وكان عند كنانة بن الربيع كنز بني النضير، فسأله النبي صلّى الله

стр. 228

عليه وسلم عن ذلك فجحده، فأخبره ﷺ أنه رأى كنانة يظهر كل يوم بخربة، فحفرت الخربة، فوجد فيها بعض الكنز، وأبى أن يخبر بالباقي، فدفعه ﷺ إلى الزبير ليعذبه حتى يبين ذلك، فعذبه الزبير وأصر على عدم علمه بذلك، فدفعه ﷺ إلى محمد بن مسلمة ليقتله بأخيه محمود (١). وفي قفولهم هذا: سار ﷺ ليلة حتى إذا أدركه الكرى .. عرّس (٢)، وقال لبلال: «اكلأ لنا الفجر»، ونام رسول الله ﷺ وأصحابه، وصلّى بلال ما كتب الله من الليل، فلما تقارب الفجر .. استند بلال إلى راحلته مواجهة الفجر، فغلبته عيناه وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ بلال ولا غيره حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله ﷺ أولهم استيقاظا، ففزع رسول الله ﷺ فقال: «أي بلال»؛ فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ-بأبي أنت وأمي يا رسول الله- بنفسك، فقال رسول الله ﷺ : «هذا منزل حضرنا فيه الشيطان، سيروا» فساروا حتى الوادي، ثم توضأ ﷺ وصلّى ركعتين، ثم أقيمت الصلاة فصلى الغداة، ثم قال: «من نسي الصلاة .. فليصلّها إذا ذكرها؛ فإن الله تعالى قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ (٣). وفي هذه الغزوة: أسلم أبو هريرة، واسمه: عبد الرحمن بن صخر على الأصح من نحو ثلاثين قولا كما قاله النووي (٤)، كني بهرّة كان يربّيها، وأسلمت أمه. وكان ﷺ قبل خروجه إلى خيبر بعث أبان بن سعيد بن العاصي، وهو الذي أجار عثمان يوم الحديبية حين أرسله النبي ﷺ إلى مكة، ثم أسلم أبان بعد ذلك، فبعثه النبي ﷺ من المدينة في سريّة قبل نجد، قال أبو هريرة: فقدم أبان وأصحابه على النبي ﷺ بخيبر بعد ما افتتحها، وإنّ حزم خيلهم لليف (٥).

стр. 229

فلما قربوا المدينة .. رفعوا مطيّهم، ورفع النبي ﷺ مطيّته وصفية خلفه قد أردفها، فعثرت مطيّة رسول الله ﷺ ، فصرع وصرعت، فألقى أبو طلحة ثوبه على المرأة وأصلح من شأنها، قال أنس: فدخلنا المدينة، فخرج جواري نسائه يتراءينها ويشمتن بصرعها (١). وفي هذه السنة: أغار زيد بن حارثة على جذام (٢)، وسببه: أن دحية بن خليفة الكلبي لما رجع من عند قيصر لما بعثه النبي ﷺ بكتابه إليه .. جاء معه بتجارة من الشام، فلما كان ببلد جذام .. أغار عليه الهنيد الجذامي ثم الصّليعي (٣) وأخذ جميع ما معه، فلما قدم دحية على النبي ﷺ .. استسقاه دم الهنيد (٤)، فجهز النبي ﷺ إليه زيد بن حارثة، فقتل الهنيد وابنه ورجلا من قومه، فجمع السبايا والأموال من بلاد جذام، فاعترضه رجال من جذام كانوا قد أسلموا، فأخبروه بإسلامهم وصدقهم، وأمر الجيش ألا يطأ واديهم، وأراد أن يردّ عليهم سبيهم، فصرفه من ذلك تهمة سمعها منهم، فانطلق رفاعة بن زيد الجذامي في رجال من قومه إلى المدينة وشكوا إلى النبي ﷺ ما حصل عليهم من زيد بعد إسلامهم وأمانه ﷺ ، فأرسل ﷺ معهم علي بن أبي طالب، وأعطاه سيفه علامة لذلك، فلما خرجوا من المدينة .. استقبلهم رسول زيد على ناقة من إبلهم، فأخذوها، ثم لقوا زيدا بفيفاء الفحلتين (٥)، فأخذوا كل شيء معه من أموالهم (٦). وفي هذه السنة-وقيل: في الثامنة (٧) -كانت غزوة ذات السّلاسل، وهو اسم ماء انتهت

стр. 230

إليه غزوتهم في أرض بني عذرة (١)، ولأن المشركين ارتبط بعضهم بعضا؛ لئلا يفروا (٢)، وكان أمير السرية عمرو بن العاصي، بعثه ﷺ يستنفر العرب إلى الإسلام، فلما كان بأرض بني عذرة .. خاف وأرسل إلى رسول الله ﷺ يستمده، فأمدّه بأبي عبيدة ابن الجراح في المهاجرين الأول فيهم أبو بكر وعمر، فكان عمرو بن العاصي يصلي بهم حتى انصرفوا (٣). وفي ذي القعدة من هذه السنة: اعتمر ﷺ عمرة القضاء، فلما سمع به المشركون مقبلا .. خرجوا من مكة، فدخلها ﷺ وعبد الله بن رواحة آخذ بخطام ناقته يقول: [من الرجز] خلّوا بني الكفّار عن سبيله ... خلّوا فكلّ الخير في رسوله (٤) يا ربّ إنّي مؤمن بقيله ... أعرف حقّ الله في قبوله فأقام ﷺ بمكة ثلاثا، فأرسل إليه المشركون عليا ﵁ يقول له: إنه قد مضى الأجل فاخرج عنا، فخرج ﷺ (٥)، فتبعتهم أمامة ابنة حمزة، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، فقال علي: أتأخذها وهي ابنة عمي؟ وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد: بنت أخي، فقضى بها ﷺ لخالتها وقال: «الخالة بمنزلة الأم»، وقال لعلي: «أنت مني وأنا منك»، وقال لجعفر: «أشبهت خلقي وخلقي»، وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا» (٦).

стр. 231

وفي عمرة القضاء: نزل قوله تعالى: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ ... ﴾ الآية في شأن الحطيم البكري (١). وفي ذهابه ﷺ إلى مكة في عمرة القضاء: تزوج ميمونة بنت الحارث الهلالية بسرف، ودخل بها بسرف أيضا في رجوعه، وماتت بسرف أيضا بعد موت النبي ﷺ (٢). قال الحافظ العامري: (وأشد الأقوال أنه تزوجها وهو محرم، وكان ذلك من خصائصه) اهـ (٣) وكان ﵀ اعتمد رواية ابن عباس، وأكثر المحدثين اعتمد رواية ميمونة وأبي رافع: أنه تزوجها ﷺ وهو حلال، والله أعلم (٤). *** السنة الثامنة : فيها: قدم وفد عبد القيس على النبي ﷺ (٥)، وكانوا أربعة عشر راكبا، وقيل: أربعين، ولعل الأربعة عشر كبراؤهم، والباقون أتباع، ورئيسهم

стр. 232

المنذر بن عائذ الملقب بالأشج العصري-وإنما سمي الأشجّ؛ لأثر في وجهه-الذي فيه قال ﷺ : «إن فيك لخصلتين يحبّهما الله؛ الحلم والأناة»، فقال: يا رسول الله؛ كانتا فيّ أم حدثتا؟ قال: «بل قديم»، قال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبّهما الله (١). فلما دنوا من المدينة .. قال رسول الله ﷺ لجلسائه: «أتاكم وفد عبد القيس خير أهل المشرق» (٢)، فلما دخلوا عليه ﷺ .. قال: «مرحبا بالقوم-أو بالوفد-غير خزايا ولا ندامى» (٣)، وعبد القيس أول من دان بالدين وأقام شرائعه من الآفاقيين، وأول جمعة أقيمت بعد جمعة المدينة بمسجد عبد القيس بجواثى من البحرين (٤)، وثبتوا على إسلامهم لمّا ارتدت العرب عند موت النبي ﷺ ، حتى لم يكن مسجد لله تعالى إلا في ثلاثة مساجد: مسجد مكة، ومسجد المدينة، ومسجد عبد القيس، فقال في ذلك شاعرهم يفتخر فيه: [من البسيط] فالمسجد الثالث الشرقيّ كان لنا ... والمنبران وفصل القول في الخطب أيّام لا منبر للناس تعرفه ... إلا بطيبة والمحجوج ذي الحجب وفي هذه السنة: توفيت زينب بنت رسول الله ﷺ زوجة أبي العاصي بن الربيع، وهي أكبر بناته ﷺ ، وبعد وفاة زينب تزوج ﷺ فاطمة بنت الضحاك، ولما نزلت آية التخيير .. اختارت الدنيا، ففارقها ﷺ ، فكانت بعد ذلك تلتقط البعر وتقول: أنا الشقية؛ اخترت الدنيا (٥). وفيها: وقع غلاء بالمدينة فقالوا: يا رسول الله؛ سعّر لنا، فقال: «إن الله هو المسعّر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال» (٦).

стр. 233

وفيها: صنع المنبر للنبي ﷺ ، وكان قبل ذلك يخطب إلى جذع يقوم إليه، فقالت امرأة من الأنصار: يا رسول الله، ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه؛ فإن لي غلاما نجارا إن شئت، فتوانت في عمل ذلك؛ وكأنها لم تفهم منه الرضا، فاستنجزها ﷺ الوعد، فأمرت غلامها ميناء-وقيل: باقوم أو باقول (١) -فعمل المنبر من طرفاء الغابة (٢)، وكان عدد درجاته ثلاث بالمقعد، وسمكه ذراعان وثلاث أصابع، وعرضه ذراع في ذراع، وتربيعه سواء، وطول رمانيته اللتين كان يمسكهما النبي ﷺ بيديه الكريمتين إذا جلس: شبر وأصبعان، ولما قعد ﷺ .. حنّ الجذع الذي كان يقوم عليه أولا، حتى سمع صوت كأصوات العشار، فنزل إليه ﷺ وضمه حتى سكت أو سكن (٣). ولم يزل المنبر المذكور على حالته تلك إلى زمن معاوية ﵁، فيقال: إنه همّ بنقله إلى الشام فرجفت المدينة، فتركه وزاد من أسفله ست درجات، وكساه قطيفة، وهمّ المهدي بن المنصور العباسي أن يردّه إلى حاله الأول، فقال الإمام مالك: إنما هو من طرفاء، وقد شدّ إلى هذه العيدان وسمّر، فمتى نزعته خفت أن يتهافت، فتركه، ثم تهافت لطول الزمان، فجدّده بعض خلفاء بني العباس، واتخذ من بقايا منبر النبي ﷺ أمشاطا للتبرك بها. ولما احترق المسجد الشريف وما فيه سنة أربع وخمسين وست مائة، واشتغل الناس باستيلاء التتار على بلاد الإسلام، وقتلهم الخليفة المستعصم بالله العباسي في سنة ست وخمسين وست مائة .. أرسل إليه الملك المظفر يوسف بن عمر الرسولي اليمني (٤) منبرا رمانتاه من الصندل، فنصب مكان المنبر النبوي، وبقي إلى سنة ست وستين وست مائة، إلى أن حوّله الملك الظاهر بيبرس (٥)، ولم يزل منبر الظاهر مستمرا إلى أن وقع بالحرم

стр. 234

الشريف في سنة خمس أو ست وثمانين وثمان مائة حريق (١)، فاحترق المنبر، فجدد الملك الأشرف قايتباي في الحرم الشريف، وعمل المنبر الذي هو اليوم منصوب. وفي جمادى الأول من سنة ثمان: كانت غزوة مؤتة، فأمّر رسول الله ﷺ زيد بن حارثة على ثلاثة آلاف من المسلمين، وقال: إن قتل زيد .. فجعفر، وإن قتل جعفر .. فعبد الله بن رواحة (٢)، فساروا حتى بلغوا معان، فبلغهم أن هرقل نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم، ومائة ألف من العرب المتنصرة؛ لخم وجذام والقين وبهراء وبليّ، وكان المسلمون في ثلاثة آلاف، فتشاوروا أن يراجعوا رسول الله ﷺ فيأمرهم بأمر، فشجّع الناس عبد الله بن رواحة، وقال: إنما هي إحدى الحسنيين: نصر أو شهادة، فوافقوا على ذلك، ومضوا حتى التقوا بمؤتة، فقاتل زيد بالراية حتى قتل، ثم أخذها جعفر فقاتل قتالا شديدا، ثم نزل عن فرسه فعقرها (٣)، فكان أول من عقر في الإسلام، وجعل يقول: [من الرجز] يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وبارد شرابها والروم روم قد دنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها عليّ إذ لاقيتها ضرابها (٤) ... ثم قاتل حتى قطعت يده، فأخذ الراية بشماله فقطعت أيضا، فاحتضنها بعضديه، فعوضه الله بذلك جناحين يطير بهما في الجنة (٥). ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة، وجعل يقول: [من الرجز] يا نفس إلا تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد صليت وما تمنّيت فقد أوتيت ... إن تفعلي فعليهما هديت ثم قاتل حتى قتل (٦)، فاصطلح الناس بعده على خالد بن الوليد، فأخذ الراية وقاتل قتالا

стр. 235

شديدا، ودافع عن المسلمين حتى انحازوا، وقفلوا راجعين إلى المدينة، فلما قدموا المدينة .. تلقّاهم النبي ﷺ والمسلمون، فعيّرهم المسلمون بالفرّار، فقال ﷺ : «ليسوا بالفرّار، ولكنهم الكرّار إن شاء الله تعالى» (١). وقد كان ﷺ نعى زيدا وأصحابه بالمدينة يوم أصيبوا، فقال ﷺ : «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب-وإن عينيه تذرفان-حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم» (٢). وفي هذه السنة قبل الفتح: بعث ﷺ ثلاث مائة راكب وأمّر عليهم أبا عبيدة ابن الجراح يرصد عير قريش، فأقاموا بالساحل نصف شهر، وجاعوا جوعا شديدا حتى أكلوا الخبط (٣)، يسمى ذلك الجيش: جيش الخبط، وتعرف الغزوة بغزوة سيف البحر، ونحر قيس بن عبادة ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم إن أبا عبيدة نهاه، فألقى البحر لهم دابّة يقال لها: العنبر، فأكلوا منها نصف شهر، وادّهنوا من ودكها حتى ثابت أجسامهم (٤)، وأخذ أبو عبيدة ضلعا من أضلاعه، فنصبه ومرّ تحته رجل راكب بعيرا (٥). وفي رمضان من هذه السنة: كان فتح مكة، ويسمى: فتح الفتوح؛ لأن العرب كانت تنتظر بإسلامها إسلام قريش، ويقولون: هم أهل الحرم وقد أجارهم الله من أصحاب الفيل، فإن غلبهم محمد ﷺ .. فلا طاقة لأحد به، فلما فتحت مكة .. دخلوا في دين الله أفواجا، وكانوا قبل ذلك يدخلون أفرادا، ولم تقم للشرك قائمة بعده. وسبب الفتح: أنه كان بين خزاعة وبين بكر عداوة وترات، وكانت خزاعة دخلت في عهد رسول الله ﷺ في صلح الحديبية، ودخلت بنو بكر في عهد قريش كما قدمناه، فمكثوا على ذلك سنة ونصفا، ثم بيّتت بنو بكر خزاعة على ماء لهم تسمّى: الوتير؛ ناحية عرنة، وأعانتهم قريش بالسلاح والرجال مختفين في سواد الليل، فقتلوا

стр. 236

رجلا من خزاعة، فركب عمرو بن سالم الخزاعي ثم الكعبي إلى رسول الله ﷺ ، وأنشده في المسجد بين ظهراني الناس: [من الرجز] يا ربّ إنّي ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا قد كنتم ولدا وكنّا والدا ... ثمّت أسلمنا فلم ننزع يدا فانصر هداك الله نصرا أعتدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تجرّدا ... إن سيم خسفا وجهه تربّدا في فيلق كالبحر يجري مزبدا ... إنّ قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكّدا ... وجعلوا لي في كداء رصّدا وزعموا أن لست أدعو أحدا ... وهم أذلّ وأقلّ عددا هم بيّتونا بالوتير هجّدا ... وقتلونا ركّعا وسجّدا (١) قلت: قال ابن هشام في «سيرته»: (ويروى: نحن ولدناك فكنت الولدا ... فانصر هداك الله نصرا أيّدا) (٢) قال السهيلي في «الروض الأنف» في قوله: (قد كنتم ولدا وكنّا والدا): (يريد: أنّ بني عبد مناف أمّهم من خزاعة، وكذلك قصي أمّه فاطمة بنت سعد الخزاعية، وقوله: «ثمّت أسلمنا» هو من السّلم، لا من الإسلام؛ لأنهم لم يكونوا آمنوا بعد، غير أنه قال: «ركعا وسجدا»؛ فدلّ على أنه كان فيهم من صلّى لله تعالى فقتل) اهـ (٣)، والله أعلم. فقال ﷺ : «نصرت يا عمرو بن سالم»، وعرضت سحابة في السماء فقال ﷺ : «إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب» (٤). وجاء أبو سفيان يريد تأكيد العقد والمزايدة في المدة، فأبى عليه رسول الله صلّى الله عليه

стр. 237

وسلم، ولم يجبه بشيء، ورجع خائبا، وقال: «اللهم؛ خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها» (١). ثم إن حاطب بن أبي بلتعة كتب كتابا إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله ﷺ ، قال السهيلي: (وكان في كتابه: أن رسول الله ﷺ قد نفر بجيش يسير كالسيل، فإما إليكم وإما إلى غيركم، فخذوا حذركم، وأقسم بالله؛ لو جاءكم وحده .. لنصره الله عليكم؛ فإنه منجز وعده) (٢)، فأخبر جبريل النبي ﷺ بذلك، فبعث ﷺ عليا والزبير وأبا مرثد الغنوي، وكلّهم فوارس، فقال لهم: «انطلقوا إلى روضة خاخ؛ فإن بها ظعينة معها كتاب من حاطب إلى المشركين»، فأدركوها تسير على بعير لها حيث قال رسول الله ﷺ ، فأخذوا الكتاب منها وانطلقوا به إلى رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ لحاطب: «ما حملك على ما صنعت؟ ! » فقال: والله؛ ما بي إلا أن أكون مؤمنا بالله ورسوله، أردت أن يكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي، وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله، فصدقه ﷺ ، فاستأذن عمر النبي ﷺ في ضرب عنقه، فقال ﷺ : «إنه من أهل بدر، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم .. فقد غفرت لكم» (٣) أي: إنه سبق في علم الله سبحانه أنه لا يصدر من بدري زلة أو هفوة إلا وتلافاها بالتوبة الموجبة للمغفرة. ثم خرج ﷺ من المدينة إلى مكة في عشرة آلاف من المسلمين، واستعمل على المدينة كلثوم بن حصين الغفاري، فلما بلغ الجحفة .. لقيه عمه العباس مهاجرا ببنيه، وكان بعد إسلامه مقيما بمكة على سقايته، وعذره رسول الله ﷺ ، ولقيه أيضا ببعض الطريق ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وابن عمته عبد الله بن أبي أمية أخو أم سلمة لأبيها، فكلمته أم سلمة فيهما، فقال: «لا حاجة لي بهما؛ أما ابن عمي .. فهتك عرضي، وأما ابن عمتي وصهري .. فإنه قال لي بمكة

стр. 238

ما قال»، وأشار ﷺ إلى ما قاله له عبد الله بن أبي أمية بمكة: لا والله؛ لا آمنت بك حتى تتخذ سلّما إلى السماء، فتعرج فيه وأنا انظر، ثم تأتي بصكّ وأربعة من الملائكة فيشهدون معك بأن الله أرسلك (١). قال أبو سفيان بن الحارث: والله؛ لتأذنن لي أو لآخذن بيد بني هذا، ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشا وجوعا، فرقّ لهما ﷺ ، فدخلا عليه وأسلما (٢). ولما بلغ ﷺ الكديد (٣) .. أفطر وأفطر الناس معه (٤)، ثم مضى حتى نزل مرّ الظّهران (٥)، فرقّ العباس على قومه، فخرج على بغلة رسول الله ﷺ ؛ رجاء أن يصادف أحدا فيبعثه إليهم فيستأمنوا، فلقي أبا سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء، وكانوا قد خرجوا يتحسّسون الأخبار، فأخبرهم العباس الخبر، فقال للعباس: فما الحيلة؟ فقال: اركب خلفي حتى آتيك رسول الله ﷺ وأستأمنه لك، فردفه ورجع صاحباه، فلما مر به العباس على منزل عمر .. لحقه عمر محرشا عليه، ومذكرا لرسول الله ﷺ سالف إساءته، فقال رسول الله ﷺ : «اذهب به إلى رحلك، فإذا أصبح .. فأت به»، فعرض عليه ﷺ الإسلام، فتلكأ قليلا ثم أسلم، فقال العباس: يا رسول الله؛ إن أبا سفيان يحب الفخر، فاجعل له شيئا، فقال: «نعم، من دخل دار أبي سفيان .. فهو آمن، ومن أغلق بابه .. فهو آمن، ومن دخل المسجد .. فهو آمن» (٦). وكانت الراية مع سعد بن عبادة، ثم سلمها ﷺ إلى الزبير، وأمره أن يركزها بالحجون (٧)، ودخل ﷺ من أعلى مكة، ولم يعرض له قتال، وأمّر

стр. 239

خالد بن الوليد في عدد من المسلمين، فدخلوا من أسفلها، فعرض لهم عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو بالخندمة (١)، فهزمهم وقتل منهم اثني عشر أو ثلاثة عشر رجلا، ولم يقتل من خيل خالد إلا سلمة بن الميلاء الجهني، وكان كرز بن جابر الفهري وخنيس بن الأشعر قد شذا عن خالد وسلكا طريقا غير طريقه فقتلا (٢)، وقد كان ﷺ عهد إلى أمرائه ألا يقاتلوا إلا من قاتلهم، إلا أنه أمر بقتل جماعة سماهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، فقتل بعضهم (٣) واستؤمن لبعض (٤). وكان فتح مكة لعشرين بقين من رمضان، ولما انتهى النبي ﷺ إلى البيت .. طاف به سبعا على راحلته يستلم الركن بمحجن بيده (٥)، وهو منكّس رأسه تواضعا لله تعالى، ثم دعا بمفتاح الكعبة-وكان بيد عثمان بن طلحة بن أبي طلحة الحجبي العبدري (٦)، وبيد ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة-فأتي به، ففتح الكعبة وركع فيها ركعتين، وكسر ما كان فيها من الأوثان، وطمس الصور، فأخرج مقام إبراهيم (٧)، فسأله العباس أن يجمع له السدانة مع السقاية، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها، ﴾ فدعا عثمان وشيبة فأعطاهما المفتاح وقال: «خذاها خالدة تالدة لا ينزعها

стр. 240

منكم إلا ظالم» (١)، وكان حول البيت ثلاث مائة وستون صنما مثبتة بالرصاص، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: ﴿جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ، ﴾ ﴿وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ﴾ (٢)، وكلما طعن منها واحدا بالعود .. سقط (٣)، ثم قال ﷺ : «يا معشر قريش؛ ما ترون أني فاعل بكم؟ » قالوا: خيرا؛ أخ كريم وابن أخ كريم، قال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»؛ فلذلك سمي مسلمة الفتح: الطلقاء. وأقام ﷺ بمكة خمسة عشر أو ثمانية عشر أو تسعة عشر يقصر الصلاة (٤). ولما فرغ من الفتح .. بلغه ﷺ أن عوف بن مالك النّصري جمع نحو أربعة آلاف من هوازن وثقيف لحربه، فاستعار ﷺ من صفوان بن أمية-وهو يومئذ مشرك-مائة درع بما يكفيها من السلاح (٥)، ثم خرج ﷺ بجيش الفتح وألفين من الطلقاء، واستخلف بمكة عتّاب بن أسيد الأموي. فلما انتهى ﷺ إلى حنين-وهو واد بين مكة والطائف وراء عرفة، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلا-كان المشركون قد سبقوا إليه، وكمنوا في أحنائه (٦) وشعابه، فلما تصوب المسلمون فيه في عماية الصبح (٧) .. شدوا عليهم شدة رجل واحد، فانشمر المسلمون مدبرين لا يلوي أحد على أحد (٨). وقد كان قال رجل من المسلمين حين رأى تكاثر الجيش: لن نغلب اليوم عن قلّة، فلم يرض الله قوله، ووكلوا إلى كلمته وولّوا مدبرين، ولم يفر رسول الله ﷺ .

стр. 241

قلت: القائل ذلك سلمة بن سلامة الأنصاري، ذكر ذلك ابن الصارم في تفسيره الكبير «الإبريز»، والله أعلم. وعن البراء بن عازب: كانت هوازن رماة، وإنا لما حملنا عليهم .. انكشفوا، فأكببنا على الغنائم، فاستقبلنا بالسهام، ولقد رأيت رسول الله ﷺ على بغلته البيضاء وأبو سفيان بن الحارث آخذ بزمامها وهو يقول: أنا النبيّ لا كذب ... أنا ابن عبد المطّلب قال: فما رئي في الناس يومئذ أشدّ منه، فلما فرّ المسلمون .. قال رسول الله ﷺ للعباس وكان صيّتا: «أي عباس؛ ناد أصحاب السّمرة» (١) فقلت بأعلى صوتي، قال: فو الله؛ لكأنّ عطفتهم عليّ حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، يقولون: يا لبيك يا لبيك، فجعل الرجل منهم يثني بعيره فلا يقدر عليه، فيقتحم عنه ويؤم الصوت، حتى اجتمع عند رسول الله ﷺ مائة، وقيل: ألف، فاستعرضوا الناس، وساروا قدما حتى فتح الله عليهم، فنظر ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم فقال: «هذا حين حمي الوطيس»، ثم أخذ ﷺ حصيات فرمى بهنّ وجوه الكفار، ثم قال: «انهزموا وربّ محمد»، قال: فو الله؛ ما هو إلا أن رماهم بحصياته، فما زلت أرى أحدهم كليلا وأمرهم مدبرا (٢). فلما انهزمت هوازن .. استحرّ القتل في ثقيف في بني مالك، فقتل منهم تحت رايتهم سبعون رجلا، وتفرّق المشركون في الهزيمة، فلحق عوف بن مالك في آخرين بالطائف، وتركوا أموالهم وأولادهم، واحتبس كثير منهم بأوطاس على أموالهم، وتوجه بعضهم نحو نخلة، وتبعت خيل رسول الله ﷺ من سلك نحو نخلة، ولم تتبع من سلك الثنايا، فأدرك ربيعة بن رفيع السّلمي دريد بن الصمة وهو في شجار له (٣)، فأناخ به ثم ضربه، فلم يغن شيئا، فقال له دريد: بئس ما سلّحتك [أمّك]، خذ سيفي هذا من مؤخر الرحل واضرب به، وارفع عن العظام، واخفض عن الدماغ؛ فإني كنت كذلك أضرب

стр. 242

الرجال، فقتل وهو ابن مائة وستين سنة أو مائة وعشرين (١)، وكان دريد أشار بتمنيع الذراري والأموال، ولقاء الرجال بالرجال، وقال: إن المنهزم لا يرده شيء، فأبى عوف بن مالك النّصري إلا المسير بهم، فقال دريد: هذا يوم لم أشهده ولم يفتني، وقال حين تحققت الهزيمة: [من الطويل] أمرتهم أمري بمنعرج اللّوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد وما أنا إلا من غزيّة إن غوت ... غويت وإن ترشد غزيّة أرشد ثم أمّر ﷺ أبا عامر الأشعري على جيش من المسلمين، وبعثه إلى أوطاس في آثار من توجه قبل أوطاس، فأدرك بعض من انهزم، فناوشوه القتال، فقتل أبو عامر، وأخذ الراية بعده ابن أخيه أبو موسى الأشعري، فقتل قاتل أبي عامر، وهزمهم وغنم أموالهم وفتح الله عليه (٢). وقتل يوم حنين وأوطاس أيمن ابن أم أيمن، ويزيد بن زمعة بن الأسود، وسراقة بن الحارث الأنصاري، وأبو عامر الأشعري ﵃. وكان سبايا هوازن ستة آلاف رأس، ومن الإبل والشاء ما لا يعد، فأمر ﷺ بسبايا هوازن وأموالها فحبست له بالجعرانة (٣)، وجعل عليها مسعود بن عمرو الغفاري، وقيل: أبا سفيان بن حرب الأموي، وقيل: أبا جهم بن حذيفة العدوي. ولما فرغ ﷺ من حنين وأوطاس .. توجّه إلى الطائف لحصار من تحصّن فيه من سواد حنين، وفي ذلك يقول كعب بن مالك من قصيدة له: [من الوافر] قضينا من تهامة كلّ ريب ... وخيبر ثم أحممنا السيوفا نخيّرها ولو نطقت لقالت ... قواطعهنّ دوسا أو ثقيفا فسلك ﷺ على قرن؛ مهلّ أهل نجد (٤)، ثم على وادي ليّة (٥) وابتنى

стр. 243

بها مسجدا، وقتل هناك رجلا من بني ليث بقتيل قتله من هذيل، وهو أول دم أقيد في الإسلام، وهدم حصن مالك بن عوف النّصري، ثم سلك من ليّة على نخب (١)، ونزل تحت شجرة تسمى: الصادرة، وخرب حائط رجل من ثقيف، ثم ارتحل فنزل على حصن الطائف، فقتل جماعة من أصحابه بالنّبل، فانتقل بعيدا منه، وضرب هناك قبة لعائشة وقبة لأم سلمة وصلّى بينهما، وهو موضع مسجده الذي بالطائف اليوم، وفي ركنه الأيمن القبلي قبر حبر الأمة عبد الله بن عباس ﵄ (٢). وحاصرهم النبي ﷺ ، وقطع أعنابهم ورماهم بالمنجنيق، ودخل ناس من الصحابة تحت دبابة، ثم زحفوا تحتها إلى جدار الحصن، فرمتهم ثقيف بالنار فاحترقت الدبابة، فخرجوا من تحتها فرموهم بالنبل، فحاصرهم ﷺ بضعا وعشرين ليلة، ويقال: سبع عشرة ليلة، وانصرف عنهم حين هلّ شهر ذي القعدة؛ لأنه شهر حرام، وتدلى أبو بكرة نفيع بن الحارث من حصن الطائف على بكرة (٣)، ونزل إلى رسول الله ﷺ ثالث ثلاثة وعشرين من عبيد الطائف (٤). وروي: أن أهل الطائف لما أسلموا .. كلموا النبي ﷺ فيهم فقال: «هؤلاء عتقاء الله » (٥) وجعل ولاءهم لهم. واستشهد في حصار الطائف اثنا عشر أو ثلاثة عشر رجلا (٦)، سبعة من قريش، وأربعة من الأنصار، وواحد من بني ليث، وأصاب عبد الله بن أبي بكر الصديق سهم-فمات منه بعد موت النبي ﷺ -وعبد الله بن أبي أمية المخزومي. وروي: أنه قيل للنبي ﷺ لما انصرف من الطائف: ادع عليهم، فقال: «اللهمّ؛ اهد ثقيفا وأت بهم» (٧).

стр. 244

ولما رجع ﷺ من الطائف .. نزل الجعرانة، وقسم بها الغنائم، فأعطى الطلقاء ورؤساء العرب ومن ضعف إيمانه يتألّفهم ويتألّف بهم، ووكل آخرين إلى إيمانهم ويقينهم، منهم الأنصار ﵃، فأعطى ﷺ أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس، كلّ إنسان منهم مائة من الإبل، وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك فقال: [من المتقارب] أتجعل نهبي ونهب العبي ... د بين عيينة والأقرع فما كان بدر ولا حابس ... يفوقان مرداس في المجمع وما كنت دون امرئ منهما ... ومن تخفض اليوم لا يرفع فأتم له رسول الله ﷺ مائة (١). وأعطى ﷺ من الشاء بغير عدد، وسأله أعرابي فأعطاه غنما بين جبلين، فلما رجع إلى قومه .. قال: أسلموا؛ فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر (٢). ولما لم يصب الأنصار من هذه المغانم لا قليل ولا كثير .. وجدوا وجدا عظيما، ووقع في أنفسهم ما لم يقع قبل ذلك، فقالوا: يغفر الله لرسول الله ﷺ ؛ يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم؟ ! وقالوا: إذا كانت الشدة .. فنحن ندعى وتعطى الغنائم غيرنا؟ ! فلما بلغ النبي ﷺ خبر موجدتهم .. جمعهم وقال: «ما حديث بلغني عنكم؟ »، فقال فقهاء الأنصار: أما رؤساؤنا يا رسول الله .. فلم يقولوا شيئا، وأما ناس منا حديثة أسنانهم .. فقالوا: يغفر الله لرسول الله؛ يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم؟ ! فقال ﷺ : «إني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألّفهم، أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وتذهبون بالنبي إلى رحالكم؟ فو الله؛ لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به»، قالوا: يا رسول الله؛ قد رضينا (٣). ثم إن وفد هوازن جاءوا مسلمين ومناشدين للنبي ﷺ برضاعة فيهم، فقال له قائلهم: يا رسول الله؛ لو أنا ملحنا (٤) للحارث بن أبي شمر الغسّاني، أو

стр. 245

النعمان بن المنذر، ثم نزل منا بمثل الذي نزلت به .. رجونا عطفه وعائده علينا، وأنت خير المكفولين، وأنشده زهير بن صرد الجشمي السعدي وهو أحد سراتهم: [من البسيط] امنن علينا رسول الله في كرم ... فإنّك المرء نرجوه وننتظر امنن على بيضة قد عاقها قدر ... مشتّت شملها في دهرها غير يا خير طفل وموجود ومنتجب ... في العالمين إذا ما حصّل البشر إن لم تداركهم نعماء تنشرها ... يا أرجح الناس حلما حين يختبر امنن على نسوة قد كنت ترضعها ... وإذ يزينك ما تأتي وما تذر لا تجعلنا كمن شالت نعامته ... واستبق منّا فإنّا معشر زهر إنّا لنشكر للنعما إذا كفرت ... وعندنا بعد هذا اليوم مدّخر فألبس العفو من قد كنت ترضعه ... من أمّهاتك إنّ العفو مشتهر يا خير من مرحت كمت الجياد به ... عند الهياج إذا ما استوقد الشرر إنّا نؤمّل عفوا منك تلبسه ... هذي البرية إذ تعفو وتنتصر فاغفر عفا الله عمّا أنت راهبه ... يوم القيامة إذ يهدى لك الظّفر فلما سمع ﷺ هذا الشعر .. قال: «ما كان لي ولبني عبد المطلب .. فهو لكم»، وقالت قريش: ما كان لنا .. فهو لله ولرسوله، وقالت الأنصار مثل ذلك (١). وفي «الصحيحين»: (عن المسور بن مخرمة ﵄: أن رسول الله ﷺ قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين، فسألوه أن يردّ إليهم أموالهم وسبيهم فقال لهم: «معي من ترون، وأحب الحديث إليّ أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي، وإما المال»، قالوا: فإنا نختار سبينا، فقام ﷺ في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد: فإن إخوانكم هؤلاء جاءونا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيّب ذلك .. فليفعل، ومن أحب أن

стр. 246

يكون على حظّه حتى نعطيه من أول ما يفيء الله علينا .. فليفعل»، فقال الناس: رضينا ذلك يا رسول الله، فقال ﷺ : «إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم»، فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم أخبروا رسول الله ﷺ أنهم قد طيبوا وأذنوا) اهـ (١) وروي: أنه كان في السبي الشيماء بنت الحارث، وهي بنت حليمة السعدية، فتعرفت للنبي ﷺ بالأخوة، فبسط لها رداءه، ووهبها عبدا وجارية، فزوجت العبد الجارية، فلم يزل من نسلها بقية (٢). وقال أبو الطّفيل-وهو آخر من مات من الصحابة-: رأيت النبي ﷺ وأنا غلام؛ إذ أقبلت امرأة، فدنت منه، فبسط لها رداءه، فجلست عليه، فقلت: من هذه؟ فقالوا: أمه التي أرضعته (٣). ولما انصرف وفد هوازن .. قال لهم ﷺ : «أخبروا مالك بن عوف أنه إن أتاني مسلما .. رددت عليه ماله وأهله، وأعطيته مائة من الإبل»، فلما أخبروه .. خرج من الطائف مستخفيا، ولحق بالنبي ﷺ ، فأدركه بالجعرانة أو بمكة، فأعطاه ما وعده، وأسلم وحسن إسلامه، وقال حين أسلم: [من الكامل] ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... في الناس كلّهم بمثل محمد أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدي ... ومتى تشأ يخبرك عما في غد وإذا الكتيبة عرّدت أنيابها ... بالسّمهريّ وضرب كلّ مهنّد فكأنّه ليث على أشباله ... وسط الهباءة خادر في مرصد فاستعمله ﷺ على قومه، فحارب بهم ثقيف حتى ضيق عليهم (٤).

стр. 247

ثم خرج ﷺ من الجعرانة إلى مكة معتمرا (١)، فلما فرغ من عمرته .. رجع إلى المدينة، واستعمل على أهل مكة عتّاب بن أسيد، وخلّف معه معاذ بن جبل يفقّه الناس ويعلّمهم أمر دينهم، فحج عتّاب بن أسيد ذلك العام بالناس (٢)، وقدم ﷺ المدينة في آخر ذي القعدة أو في ذي الحجة، وبقي أهل الطائف على شركهم إلى رمضان من سنة تسع، وأوفدوا قوما منهم بإسلامهم كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وفي هذه السنة مدة مقامه: بعث خالد بن الوليد إلى بني جذيمة من كنانة، فدعاهم خالد إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فقالوا: صبأنا صبأنا، وجعل خالد يقتل ويأسر، قال عبد الله بن عمر: ودفع خالد إلى كل واحد منا أسيره، ثم أمر خالد أن يقتل كلّ منا أسيره، فقلت: لا والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل أحد من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على النبي ﷺ فذكرناه، فقال: «اللهم؛ إني أبرأ إليك مما صنع خالد» (٣)، ثم بعث ﷺ علي بن أبي طالب لتلافي خطأ خالد، وبعث معه بمال، فودى لهم الدماء والأموال، حتى ميلغة الكلب (٤)، وبقيت معه بقيّة من المال، فأعطاهم ذلك؛ احتياطا لرسول الله ﷺ مما لا يعلم ولا يعلمون، فاستحسن ﷺ فعله، وعذر خالدا في إسقاط القصاص من حيث إن قولهم: (صبأنا) ليس بصريح في قبولهم الدين (٥). وبعث ﷺ خالد بن الوليد أيضا لهدم العزّى، وكانت بنخلة، وكان سدنتها وخدمها بني شيبان من بني سليم، فهدمها خالد، ثم رجع إلى النبي ﷺ (٦). وبعث ﷺ عمرو بن العاصي إلى سواع-صنم لهذيل-فهدمه.

стр. 248

وفي هذه السنة: أسلم عباس بن مرداس، وكان لأبيه مرداس صنم يعبده يقال له: ضمار، فقال لابنه عباس عند موته: اعبد ضمارا؛ فإنه ينفعك ويضرك، فبينا هو يوما عند ضمار؛ إذ سمع مناديا من جوفه يقول: [من الكامل] قل للقبائل من سليم كلّها ... أودى ضمار وعاش أهل المسجد إنّ الذي ورث النبوّة والهدى ... بعد ابن مريم من قريش مهتدي أودى ضمار وكان يعبد مرّة ... قبل الكتاب إلى النبيّ محمد فحرّقه عباس، ولحق بالنبي ﷺ (١). وفي هذه السنة: أسلم كعب بن زهير، وكان قد أسلم أخوه بجير قبله، فكتب كعب إلى بجير أبياته التي يقول فيها: [من الطويل] شربت مع المأمون كأسا رويّة ... فأنهلك المأمون منها وعلّكا وخالفت أسباب الهدى واتّبعته ... على أيّ شيء-ويب غيرك-دلّكا (٢) على خلق لم تلف أمّا ولا أبا ... عليه ولم تدرك عليه أخا لكا فأخبر بجير النبي ﷺ بأبيات كعب، فلما سمع قوله: المأمون قال: «صدق وإنه لكذوب، أنا المأمون»، ولما سمع البيت الأخير .. قال: «أجل لم يلف عليه أباه ولا أمه»، ثم إن بجيرا كتب إلى كعب: أن النبي ﷺ قتل رجالا بمكة ممن كان يهجوه، فإن كانت لك في نفسك حاجة .. فسر إلى رسول الله ﷺ ؛ فإنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا، وكتب له أيضا أبياتا يخوفه فيها، فلما بلغ كعبا ذلك .. ضاقت به الأرض، وأشفق على نفسه، وأرجف به من كان في حاضره، فقدم المدينة ونزل على صديق له من جهينة، فذهب به إلى رسول الله ﷺ ، فوافقاه في صلاة الصبح، فلما انقضت الصلاة .. قام كعب فجلس بين يديه ﷺ ، ووضع يده في يده، وقال: يا رسول الله؛ إن كعب بن زهير قد جاء مسلما تائبا، فهل أنت قابل منه إن جئتك به؟ قال: «نعم»، فقال: أنا يا رسول الله كعب بن زهير،

стр. 249

فقال رجل من الأنصار: دعني يا رسول الله أضرب عنقه، فقال: «دعه؛ فإنه قد جاء تائبا نازعا»، ثم أنشده كعب قصيدته المشهورة: [من البسيط] (بانت سعاد فقلبي اليوم متبول) ويقال: إنه لمّا أتى-حين أنشأها-على قوله: إنّ الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول .. نظر النبي ﷺ كالمعجّب لهم من حسن القول وجودة الشعر، وإنه ﷺ خلع عليه بردته، ولمّا ذكر المهاجرين في آخر قصيدته ولم يذكر الأنصار، بل عرّض يذمهم بقوله: (إذا عرّد السود التنابيل) .. قال له ﷺ : «ألا ذكرت الأنصار؛ فإنهم أهل لذلك»، فقال أبياتا يعدد فيها مناقب الأنصار (١). وفي ذي الحجة مرجعه ﷺ من الفتح: ولد ابنه إبراهيم، وأمه مارية بنت شمعون القبطية، وكانت قابلته سلمى؛ مولاة للنبي ﷺ ، وأرضعته أم سيف امرأة أبي سيف القين (٢). وقبل الفتح أو في عامه أو قبله: كانت بعوث وسرايا: منها: أنه بعث ﷺ خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية إلى المسجد، ثم أسلم فبشره النبي ﷺ ، وأمره أن يعتمر؛ لأن السرية أخذته وهو يريد أن يعتمر (٣). ومنها: سرية غالب بن عبد الله الليثي، بعثه النبي ﷺ في جيش وأمره أن يشنّ الغارة على بني الملوّح، وهم بالكديد، فبيّتوهم ليلا وقتلوا من قتلوا واستاقوا نعمهم، فلما أصبحوا .. أغاروا خلفهم، فلما أدركوهم .. جاء وادي قديد بسيل عظيم،

стр. 250

فحال بينهم وبينهم، فانطلقوا على مهلهم حتى قدموا على النبي ﷺ (١). ومنها: غزوة عبد الله بن رواحة لقتل اليسير بن رزام، وكان بخيبر يجمع غطفان لغزو رسول الله ﷺ ، فبعث إليه ﷺ في نفر من أصحابه فيهم عبد الله بن أنيس، فلما قدموا عليه .. قربوا له القول، ووعدوه أن يستعمله رسول الله ﷺ ، فلما كان بالقرقرة (٢) .. ندم، ففطن له عبد الله بن أنيس وهو يريد السيف، فاقتحم به وكان رديفه، ثم ضربه بالسيف فقطع رجله، وضربه اليسير في رأسه فأمّه، ثم مالوا على أصحابه من اليهود فقتلوهم إلا رجلا فرّ على رحله، فلما قدموا على رسول الله ﷺ .. تفل على شجّة عبد الله بن أنيس فلم تقح (٣). ومنها: غزوة عبد الله بن أنيس لقتل خالد بن سفيان الهذلي، وكان بنخلة يجمع الناس لغزو رسول الله ﷺ ، وكان عبد الله بن أنيس لا يعرفه، فسأل النبيّ ﷺ تعريفه، فقال: «إنك إذا رأيته .. أذكرك الشيطان، وآية ما بينك وبينه أنك إذا رأيته .. وجدت له قشعريرة»، فلما انتهى إليه .. وجد العلامة، فقال له: جئت لك حين سمعت بجمعك لهذا الرجل، قال: أنا في ذلك، قال عبد الله: فمشيت معه ساعة، حتى إذا أمكنني .. حملت عليه بالسيف فقتلته، فلما قدمت على رسول الله ﷺ .. قال: «أفلح الوجه»، ثم أدخلني بيته، فأعطاني عصا، فقلت له: لم أعطيتني هذه العصا؟ قال: «آية بيني وبينك يوم القيامة»، فأوصى عبد الله أن تدفن معه (٤). ومنها: غزوة عيينة بن حصن بني العنبر ابن تميم، فأصاب منهم ناسا، وسبى منهم نساء، ثم قدم بهم على رسول الله ﷺ ، فجاء بعد ذلك رجالهم يطلبون مفاداتهم، وجعلوا ينادون رسول الله ﷺ من خلف الحجر: يا محمد؛ اخرج إلينا، فأنزل الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ (٥)،
следующие страницы →