ثقة محدث، من أولاد الشيوخ.
توفي سنة خمس وستين وخمس مائة.
٢٤٩٤ - [أبو زرعة المقدسي] (١)
أبو زرعة طاهر بن الحافظ محمد بن طاهر المقدسي الهمذاني.
توفي سنة ست وستين وخمس مائة.
٢٤٩٥ - [أبو مسعود الأصبهاني] (٢)
أبو مسعود عبد الرحيم بن أبي الوفاء علي بن أحمد الأصبهاني الحافظ المعدل.
توفي سنة ست وستين وخمس مائة.
٢٤٩٦ - [أبو عبد الله الزينبي] (٣)
أبو عبد الله محمد بن يوسف الزينبي، نزيل شاطبة وقاضيها.
سمع من جماعة.
قال بعضهم: كان عارفا بالأثر، مشاركا في التفسير، حافظا للفروع، بصيرا باللغة والكلام، فصيحا مفوها، مع الوقار والسمت، والصيام والخشوع.
توفي سنة ست وستين وخمس مائة.
حدث وصنف.
стр. 1997
٢٤٩٧ - [المستنجد بالله العباسي] (١)
أبو المظفر يوسف الخليفة المستنجد بالله بن محمد المقتفي لأمر الله بن أحمد المستظهر بالله بن المقتدي العباسي.
بويع عند موت أبيه في ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمس مائة، وقيل: سنة ست وخمسين وخمس مائة، فمدة خلافته إحدى عشرة سنة وشهر، فلما توفي .. بويع ابنه أبو محمد الحسن، ولقب: المستضيء.
توفي سنة ست وستين وخمس مائة.
١٠٥٤ - [ابن الخلال] (٢)
يوسف بن محمد موفق الدين المعروف بابن الخلال القاضي الأديب، صاحب ديوان الإنشاء.
توفي سنة ست وستين وخمس مائة.
وولي بعده القاضي المعروف بالفاضل.
٢٤٩٩ - [عبد الجبار المعافري] (٣)
عبد الجبار بن محمد المغربي المعافري.
كان إماما في اللغة وفنون الأدب، وانتفع به خلق كثير، اشتغل ببغداد، ودخل الديار المصرية.
وتوفي سنة ست وستين وخمس مائة.
стр. 1998
٢٥٠٠ - [أحمد بن سليمان الزيدي] (١)
إمام الزيدية أبو الحسن أحمد بن سليمان بن محمد بن المطهر بن علي بن أحمد الناصر بن الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين.
كان إماما فاضلا مشهورا، عالما عاملا، جمع من محاسن الخصال، وصنف كتاب «أصول الأحكام» في الأحاديث النبوية، فيه ثلاثة آلاف وثلاث مائة واثنا عشر حديثا.
ظهر باليمن، ودعا إلى نفسه سنة اثنتين وثلاثين وخمس مائة، واستولى على صعدة ونجران والجوف والظاهر، ثم أخذ صنعاء في سنة خمس وأربعين وخمس مائة قهرا بالسيف من صاحبها السلطان حاتم بن أحمد بن عمران اليامي، ولما طال حصار ابن مهدي لأهل زبيد .. كتبوا إلى الإمام يستنجدونه، فوصل إلى زبيد وأقام بها ستة أيام، فتضرر الناس من عسكره، فارتفع عنهم.
وعمي آخر عمره، ومات بحيدان من بلاد خولان في سنة ست وستين وخمس مائة.
٢٥٠١ - [ابن سعدون القرطبي] (٢)
يحيى بن سعدون بن تمام الأزدي القرطبي الملقب: ضياء الدين، أحد الأئمة في القراءات، وعلوم القرآن، والحديث، والنحو واللغة وغير ذلك.
دخل الإسكندرية ومصر وبغداد ودمشق وأصبهان، واستوطن الموصل، وأخذ عن الزمخشري.
سمع الحديث من جمع كثير.
وكان ثقة ثبتا، دينا ورعا، عليه وقار وسكينة، كثير الخير، قليل الكلام، وكان كثيرا ما يجري على لسانه: [من الوافر]
جرى قلم القضاء بما يكون ... فسيان التحرك والسكون
стр. 1999
جنون منك أن تسعى لرزق ... ويرزق في غشاوته الجنين
توفي سنة سبع وستين وخمس مائة.
٢٥٠٢ - [ابن الخشاب البغدادي] (١)
أبو محمد عبد الله بن أحمد المعروف بابن الخشاب البغدادي النحوي، العلامة المحدث.
أخذ العربية عن أبي السعادات بن الشجري، وابن الجواليقي.
وأتقن النحو واللغة والتصريف، والنسب والفرائض، والحساب والهندسة، وسمع الحديث فأكثر، وكتب بخطه المليح «شرح اللمع» لابن جني و «الجمل» لعبد القاهر الجرجاني، ولم يكملهما.
وكان إليه المنتهى في حسن القراءة وسرعتها وفصاحتها، وكان فيه بذاذة، وقلة اكتراث بالمأكل والملبس، وما تأهل قط ولا تسرى، وكان مع ذلك ظريفا مزاحا.
وله شعر قليل، ومنه لغز في كتاب: [من الطويل]
وذي أوجه لكنه غير بائح ... بسرّ وذو الوجهين للسر مظهر
تناجيك بالأسرار أسرار وجهه ... فتسمعها بالعين ما دمت تنظر
وهذا المعنى مأخوذ من قول المتنبي في ابن العميد: [من الكامل]
خلفت صفاتك في العيون كلامه ... كالخط يملأ مسمعي من أبصرا
توفي في سنة سبع وستين وخمس مائة.
وكان بينه وبين العماد صحبة ومكاتبات، قال العماد: فلما مات .. رأيته في المنام، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: خيرا، فقلت: فهل يرحم الله الأدباء؟ قال: نعم، قلت:
وإن كانوا مقصرين؟ قال: يجري عتاب كثير يكون بعده النعيم.
قال الشيخ عبد الله اليافعي: (هذا للمقصرين في الخيرات لا للعاصين من أولي
стр. 2000
السيئات كأمثالنا) (١)، نسأل الله الكريم المسامحة والمجاوزة والعفو، آمين، آمين، آمين.
٢٥٠٣ - [العاضد لدين الله العبيدي] (٢)
العاضد لدين الله عبد الله بن يوسف بن الحافظ العبيدي، سلطان مصر، أحد خلفاء الباطنية.
وليها بعد موت الفائز، وكان وزيره طلائع بن رزّيك الملقب بالملك الصالح، وتزوج ابنته، ثم دس إليه من قتله، فلما قتل .. أخرج العاضد خلع الوزارة لولده العادل بن الصالح، ثم غلب شاور على القاهرة، وقتل العادل، وقعد في دست الوزارة إلى أن دخل أسد الدين شيركوه مصر، فقبض على شاور، فأرسل العاضد إلى أسد الدين يطلب رأس شاور، فقطع رأسه، وأرسل به إلى العاضد، وأخرج العاضد خلع الوزارة لأسد الدين، فلم تطل مدته، مات بعد شهرين، فاستوزر العاضد السلطان يوسف بن أيوب، ولقبه:
صلاح الدين، فلم يلبث أن قطع خطبة العاضد، وخطب للمستضيء العباسي، فيقال: إن العاضد مات غما لما علم بقطع خطبته، وقيل: مات بإسهال مفرط.
وكان العاضد كريما جوادا، قال السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب: ما رأيت أكرم من العاضد، أخرج إلي لما عزمنا لملاقاة الفرنج في حصارهم لدمياط ألف ألف دينار سوى الثياب وغيرها.
وفي أيامه قدم حسين بن نزار بن المستنصر في جموع من المغرب، فلما قرب منه ..
غدر به أصحابه، وقبضوا عليه، وحملوه إلى العاضد، فذبحه صبرا.
وتوفي العاضد في أوائل سنة سبع وستين وخمس مائة، فلما مات .. جلس صلاح الدين للعزاء، وبالغ في الحزن والبكاء وقال: لو علمت بموته عن قريب .. لما قطعت خطبته، وتسلم القصر وما حواه، وكان فيه من الأموال والذخائر، واحتيط على أهل القصر في مكان، وأفرد لهم وقرر لهم ما يكفيهم.
وبموت العاضد المذكور انقرضت دولة العبيديين من مصر وأعمالها ومن غيرها، وانتقل
стр. 2001
ملك مصر إلى بني أيوب، فسبحان من لا يزول ملكه!
وكان ملوك العبيديين أربعة عشر، أول من ظهر منهم على إفريقية عبيد الله الذي ينتسبون إليه، ولقب بالمهدي، ثم بعده القائم بأمر الله، ثم المنصور، ثم المعز، ثم العزيز، ثم الحاكم، وهو الذي ملك مصر والشام والحجاز والمغرب، كذا في «تاريخ اليافعي» (١)، ولعله أول من جمع ملك هذه الجهات الأربع، وأما أول من انتقل منهم من المغرب إلى مصر، وجمع بين المغرب ومصر .. فالمعز، وكان من قبله حد ملكهم المغرب فقط، والله سبحانه أعلم، ثم بعد الحاكم الظاهر، ثم المستنصر، ثم المستعلي، ثم الآمر، ثم الحافظ، ثم الظافر، ثم الفائز، ثم العاضد، وهو آخرهم.
وأما مدة دولتهم من أول استيلائهم على إفريقية إلى موت العاضد .. فمائتا سنة وست وستون سنة، ومنها إقامتهم بالمغرب ثمان وخمسون سنة، والباقي وهو مائتان وثمان سنين كانت إقامتهم بمصر، والله سبحانه أعلم.
٢٥٠٤ - [ابن النعمة] (٢)
أبو الحسن بن النعمة علي بن عبد الله الأنصاري الأندلسي، أحد الأعلام.
تصدر لإقراء القرآن والحديث والفقه، والنحو واللغة.
وكان عالما، حافظا للفقه والتفاسير ومعاني الآثار، مقدما في علم اللسان، فصيحا مفوها، ورعا فاضلا معظما، دمث الأخلاق، انتهت إليه رئاسة الإقراء والفتوى، وشرح «سنن النسائي» شرحا بليغا.
وتوفي سنة سبع وستين وخمس مائة.
٢٥٠٥ - [ابن الحكيم الحنفي] (٣)
أبو المظفر محمد بن أسعد بن الحكيم.
стр. 2002
سمع ودرّس وصنف، وله «تفسير القرآن» و «شرح مقامات الحريري».
وكان له القبول التام في الوعظ بدمشق.
وتوفي سنة سبع وستين وخمس مائة، وفي الأصل: محمد بن أسعد بن محمد بن الحسين أبو منصور العطاري الملقب بحفدة، وأنه ولد سنة ست وثمانين وأربع مائة، وتوفي بتبريز، قيل: سنة ستين، وقيل: سنة إحدى وسبعين، وقيل: سنة ثلاث وسبعين وخمس مائة، فينظر أهو المذكور هنا أم غيره؟ (١)
٢٥٠٦ - [أبو حامد البروي] (٢)
محمد بن محمد أبو حامد البروي الطوسي، تلميذ محمد بن يحيى.
كان إليه المنتهى في معرفة علم الكلام والنظر، والبلاغة والجدل.
برع في مذهب الأشعري، وله في الخلاف تعليقة جيدة، وله جدل مليح سماه:
«المقترح في المصطلح» أكثر الفقهاء الاشتغال به، وشرحه الفقيه أبو الفتح مظفر بن عبد الله المصري شرحا مستوفى.
دخل بغداد، وجلس للوعظ في النظامية والبهائية قريبا من النظامية، يذكر فيها كل يوم عدة دروس.
وذكر بعض المؤرخين أنه وعظ وبعد صيته، وشغب على الحنابلة، فأصبح ميتا.
فيقال: إن الحنابلة أهدوا له مع امرأة صحن حلوى مسمومة.
توفي سنة سبع وستين وخمس مائة.
٢٥٠٧ - [عمر ابن أبي النهى] (٣)
عمر بن الحسين بن عيسى بن أبي النهى.
стр. 2003
كان فقيها إماما، مشهورا نبيها، كاملا فاضلا، فرضيا حسابيا.
سكن إبّ، ودرّس بجامعها، وبينه وبين صاحب «المهذب» رجلان: عمر بن علي السلالي، ثم ابن عبدويه، وبينه وبين الصردفي مؤلف «الكافي» رجلان أيضا.
ولم يزل على الطريق المرضي إلى أن توفي ليلة عيد الفطر من سنة سبع وستين وخمس مائة.
٢٥٠٨ - [ابن قلاقس] (١)
أبو الفتوح نصر الله ابن قلاقس الشاعر اللخمي الإسكندري.
كان شاعرا مجيدا، فاضلا نبيلا.
صحب الحافظ أبا طاهر السلفي وانتفع بصحبته، وأثنى عليه الحافظ المذكور.
ودخل اليمن، وامتدح بعض الوزراء بعدن، فأحسن إليه، وأجزل صلته، ثم ركب البحر، فغرق جميع ما معه، فعاد إليه عريانا، وأنشده قصيدة مطلعها: [من الطويل]
صدرنا وقد نادى السماح بنا ردوا ... فعدنا إلى مغناك والعود أحمد
وأنشده أيضا: [من مجزوء الكامل]
سافر إذا حاولت قدرا ... سار الهلال فعاد بدرا
والماء يكسب ما جرى ... طيبا ويخبث ما استقرا
وبنقلة الدرر النفي ... سة بدّلت بالبحر نحرا
توفي سنة سبع وستين وخمس مائة.
٢٥٠٩ - [أسعد العريقي] (٢)
أسعد بن يعفر بن سالم بن عيسى بن جعفر العريقي.
стр. 2004
تفقه بالحاشدي، وكان أحد الفقهاء الفضلاء، والسادة النبلاء، وكان ممن حضر السماع على الحافظ بذي أشرق.
وتوفي على الحال المرضي ليلة عيد الفطر سنة سبع وستين وخمس مائة.
٢٥١٠ - [عبد الرحيم الأصبهاني] (١)
عبد الرحيم بن محمد بن أحمد بن حمدان بن موسى الأصبهاني.
حدث عن غانم البرجي، وابن الحصين وغيرهما، وأملى.
وكان من الأئمة الحفاظ، وقيل: كان يحفظ «الصحيحين» بأسانيدهما.
توفي سنة ثمان وستين وخمس مائة.
٢٥١١ - [نجم الدين والد صلاح الدين] (٢)
الأمير نجم الدين أيوب بن شاذي-بالمعجمتين-الملقب بالملك الأفضل، والد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب وغيره، وأخو الملك أسد الدين شيركوه بن شاذي.
كان أبوهما شاذي واليا على قلعة تكريت من جهة نائب السلطان غياث الدين مسعود السلجوقي، فلما مات شاذي .. جعل النائب ولاية قلعة تكريت إلى نجم الدين أيوب المذكور، فاتفق أن مرت امرأة تبكي من شخص تعرض لها، فأخذ أسد الدين الحربة من يد المعترض وقتله بها، فأمسكه أخوه نجم الدين، وكتب إلى النائب يعرفه بما اتفق، فجوّب النائب إليه: إن بيني وبين أبيكما مودة، وله علي حق لا يمكنني معاقبتكما بسببه، لكن اخرجا من بلدي، فخرجا من تكريت إلى الموصل، فأحسن إليهما الأتابك عماد الدين زنكي، وزاد في إكرامهما والإنعام عليهما، وأقطعهما إقطاعا حسنا، فلما ملك عماد الدين الأتابك قلعة بعلبك .. استخلف نجم الدين بها، فعمر بها خانقاه للصوفية تعرف بالنجمية نسبة إليه، فلما مات عماد الدين زنكي، وتولى ابنه محمود بعده .. لم يزل نجم الدين في
стр. 2005
خدمته، وزادت حرمته عنده، ولم يزل في خدمة السلطان محمود بالشام إلى أن تولى ولده صلاح الدين وزارة الديار المصرية في أيام العاضد العبيدي صاحب مصر، فاستدعى أباه نجم الدين المذكور من الشام وكان في خدمة السلطان نور الدين محمود بن زنكي، فجهزه نور الدين، وسيره إليه، فدخل القاهرة في رجب سنة خمس وستين وخمس مائة، وخرج العاضد إلى لقائه؛ إكراما لولده صلاح الدين، وفعل معه من الأدب ما هو اللائق بمثله، وعرض عليه ولده صلاح الدين أمر الوزارة، وجعله له وقال: يا ولدي ما اختار الله لهذا الأمر إلا أنت، وأنت أهل له، ولا ينبغي أن تغير موضع السعادة، ولم يزل عنده حتى استقل صلاح الدين بمملكة البلاد كما سيأتي في ترجمته (١)، ثم خرج صلاح الدين إلى الكرخ ليحاصرها وأبوه بالقاهرة، فركب يوما ليسير على عادة الجند، فخرج من أحد أبواب القاهرة، فشب به فرسه فألقاه، وبقي متألما أياما، ثم توفي في سنة ثمان وستين وخمس مائة ﵀.
وكان رجلا مباركا، كثير الصلاح، مائلا إلى أهل الخير، حسن الثقة، جميل الطوية، دينا عاقلا كريما، وله مآثر محمودة.
٢٥١٢ - [ملك النحاة] (٢)
أبو نزار الحسن بن صافي البغدادي المعروف بملك النحاة.
كان نحويا بارعا، أصوليا متكلما، رئيسا ماجدا، سافر إلى خراسان وكرمان وغزنة، ورحل إلى الشام، واستوطن دمشق، ومن شعره: [من الطويل]
سلوت بحمد الله عنها فأصبحت ... دواعي الهوى من نحوها لا أجيبها
على أنني لا شامت إن أصابها ... بلاء ولا راض بواش يعيبها
ولقب نفسه: ملك النحاة، وكان يسخط على من يخاطبه بغير ذلك، وأخذ عنه جماعة أدباء، واتفقوا على فضله ومعرفته.
وعاش ثمانين سنة، كذا في «تاريخ اليافعي» وذكره فيمن توفي سنة ثمان وستين
стр. 2006
وخمس مائة (١)، وكذا في «طبقات السبكي الكبرى» و «مختصرها» أنه توفي سنة ثمان وستين (٢)، وفي «طبقات ابن شهبة» أنه توفي سنة اثنتين وستين، لكنه ذكر أنه ولد سنة سبع وسبعين وأربع مائة.
والظاهر: أن ما في «طبقات ابن شهبة» من تاريخ وفاته سنة اثنتين وستين وهم (٣)، والله سبحانه أعلم.
٢٥١٣ - [نور الدين بن زنكي] (٤)
الملك العادل محمود بن عماد الدين زنكي.
كان ملكا عادلا، زاهدا عابدا، متمسكا بالشريعة، مائلا إلى الخير، مجاهدا في سبيل الله، كثير الصدقات.
ولد سنة إحدى عشرة وخمس مائة.
لما قتل أبوه .. ملك أخوه سيف الدين الموصل وما والاها، وملك نور الدين الجهات الشامية، فسار إلى دمشق وصاحبها يومئذ مجير الدين أتابك الملك دقاق بن تتش-بالمثناة من فوق مكررة، ثم شين معجمة-السلجوقي، فحاصرها ستة أيام، ثم استولى عليها في صفر سنة تسع وأربعين وخمس مائة، ثم استولى على بقية بلاد الشام من حمص وحماة وبعلبك-وهو الذي بنى سورها-ومنبج وحران، وافتتح عدة حصون من بلاد الروم، واستفتح أيضا من بلاد الفرنج جملة ما يزيد على خمسين حصنا، وسير أسد الدين إلى مصر ثلاث مرات، وملّكها السلطان صلاح الدين في المرة الثالثة نيابة عن نور الدين، وجعل اسمه في الخطبة والسكة.
وبنى المدارس الكبار في مدن الإسلام مثل دمشق وحلب وبعلبك ومنبج والرحبة، وبنى
стр. 2007
بالموصل الجامع النوري، وبحماه الجامع الذي على نهر العاصي، وجامع الرها، وجامع منبج، ومارستان دمشق، ودار الحديث بها.
وبالجملة: فله من المناقب الحسنة والمآثر الحميدة ما يستغرق الوصف، حتى قال بعض المشايخ العارفين: إنه كان معدودا في الأولياء من الأربعين، والسلطان صلاح الدين من الثلاث مائة، قد صنف بعضهم في سيرته مصنفا.
ومات في سنة تسع وستين وخمس مائة بعلة الخوانيق، فأشار عليه الأطباء بالفصد فامتنع، وكان مهابا فما روجع، ودفن في بيت بقلعة دمشق كان يلازم الجلوس فيه والمبيت أيضا، ثم نقل إلى تربته بمدرسته التي أنشأها عند باب سوق الخواصين.
وروي عن جماعة أن الدعاء مستجاب عند قبره.
وعهد بالملك إلى ولده الملك الصالح إسماعيل، فقام من بعده، وستأتي ترجمته في هذه العشرين إن شاء الله تعالى (١).
وكان لموته وقع عظيم في قلوب الناس؛ لإحسانه وسيرته الحميدة.
وكان بين نور الدين المذكور وبين سنان بن سليمان بن محمد الملقب راشد الدين صاحب قلاع الإسماعيلية ومقدم الفرقة الباطنية مكاتبات ومحاورات بسبب المجاورة، فكتب إليه نور الدين في بعض الأزمنة كتابا يهدّده فيه ويتواعده بسبب اقتضى ذلك، فشق على سنان، فكتب جوابه أبياتا ورسالة أحببت إيرادها هنا: [من البسيط]
يا ذا الذي بقراع السيف هدّدنا ... لا قام مصرع جنبي حين تصرعه
قام الحمام على البازي يهدّده ... فاستيقظت لأسود البر أضبعه
أضحى يسدّ فم الأفعى بأصبعه ... يكفيه ما قد تلاقي منه أصبعه
وقال في الرسالة: وقفنا على تفصيله وجمله، وعلمنا ما هددنا به من قوله وعمله، في الله العجب من ذبابة تطنّ في أذن فيل، وبعوضة تعد في التماثيل! ولقد قالها من قبلك قوم آخرون، فدمرناها عليهم وما كان لهم من ناصرين، أو للحق تدحضون، وللباطل تنصرون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، وأما ما صدر من قولك في قطع رأسي وقلعك لقلاعي من الجبال الرواسي .. فتلك أماني كاذبة، وخيالات غير صائبة؛ فإن
стр. 2008
الجواهر لا تزول بالأعراض، كما أن الأرواح لا تضمحل بالأمراض، كم بين قوي وضعيف، ودني وشريف، فإن عدنا إلى الظواهر والمحسوسات، وعدلنا من البواطن والمعقولات .. قلنا أسوة برسول الله ﷺ في قوله: «ما أوذي نبي ما أوذيت» وقد علمتم بما جرى على عترته وأهل بيته وشيعته، والحال ما حال، والأمر ما زال، ولله الحمد في الآخرة والأولى؛ إذ نحن مظلومون لا ظالمون، ومغصوبون لا غاصبون، وإذا جاء الحق .. زهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا، وقد علمتم ظاهر حالنا، وكيفية رجالنا، وما يتمنونه من الفوت، ويتقربون به إلى حياض الموت، ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ وفي أمثال العامة السائرة: أو للبط تهددون بالشط، فأعدّ للبلايا جلبابا، وتدرع للرزايا أثوابا، فلأظهرن عليك منك، ولأنعينّهم فيك عنك، فتكون كالباحث عن حتفه بظلفه، والجادع مارن أنفه بكفه، وما ذلك على الله بعزيز.
وفي رواية: فإذا وقفت على كتابنا هذا .. فكن لأمرنا بالمرصاد، ومن حالك على اقتصاد، واقرأ أول (النحل) وآخر (ص).
والصحيح: أنه كتب هذا اللفظ الأخير إلى السلطان صلاح الدين بن أيوب.
٢٥١٤ - [أبو العلاء العطار] (١)
أبو العلاء الحسن بن أحمد العطار الهمذاني المقرئ الحافظ.
رحل، وحمل القراءات والحديث.
شيخ همذان وقارئها وحافظها.
قرأ بواسط على القلانسي، وببغداد على جماعة، وسمع من ابن بيان وطبقته، وبخراسان من الفراوي وطبقته، وبرع في علوم الحديث.
وصنف كتاب «زاد المسافر» خمسون مجلدا، وحفظ كتاب «الجمهرة»، وكان إماما في اللغة.
стр. 2009
كان أبوه تاجرا، فأخرج جميع ما ورثه من أبيه، وسافر مرارا ماشيا يحمل كتبه على ظهره، ويبيت في المساجد، ويأكل خبز الدخن، وكان زاهدا متمسكا بالأثر.
توفي سنة تسع وستين وخمس مائة.
٢٥١٥ - [عمارة الحكمي] (١)
عمارة بن علي بن زيدان بن أحمد الجدني الحكمي، نسبة إلى حكم بن سعد العشيرة، من مذحج.
قال الجندي: (ولد لبضع عشرة وخمس مائة تقريبا) (٢).
قال ابن خلكان: (بمدينة مرطان من وادي وساع) (٣).
قال أبو الحسن الخزرجي: (وذكر عمارة في «مفيده»: أنه ولد بقرية الزرائب شرقي المخلاف السليماني، وأن أهل تلك الناحية باقون على اللغة العربية من الجاهلية إلى عصره لم تتغير لغتهم؛ لكونهم لم يخالطهم أحد من أهل الحاضرة في مناكحة ولا مساكنة، وهم أهل قرار لا يظعنون عنه، ولا يخرجون منه، فخرج من بلده لطلب العلم في سنة إحدى وثلاثين، فاشتغل بزبيد على الفقيه عبد الله بن الأبار خاصة، وأخذ عن غيره) (٤).
وكان فقيها نبيها فرضيا، نحويا لغويا، أديبا بليغا، شاعرا فصيحا.
دخل عدن للتجارة، فألزمه الأديب أبو بكر بن أحمد العيدي أن يمدح الداعي محمد بن سبأ بن أبي السعود، وكانت بضاعته يومئذ في الأدب ضعيفة، فعمل شيئا لم يرتضه الأديب، فأعرض الأديب عن ذلك، وعمل على لسانه شعرا حسنا ذكر فيه المنازل من زبيد إلى عدن، وهنأ بها الداعي بإعراسه على ابنة وزيره الشيخ بلال، قال: وتولى عني إنشادها بالمناظر، وأنا حاضر كالصنم لا أنطق، وأخذ لي جائزة من الداعي بلال، ثم قال لي: قد
стр. 2010
اتسمت اليوم عند القوم بسمة شاعر، فطالع كتب الأدب، ولا تجمد على الفقه، فكان ذلك سبب اشتغالي بالشعر وصحبة الملوك.
فلما صار عين أهل زمانه في الأدب .. لم يزل مصاحبا للملوك آل زريع خاصة، ثم صار يترسل بين الشريف بن فليتة صاحب مكة وبين صاحب مصر من العبيديين، ثم تديّر مصر، وصحب ملوك العبيديين، وله فيهم وفي وزرائهم الأشعار الفائقة.
وألزمه القاضي الفاضل أن يضع مجموعا يتضمن أخبار جزيرة اليمن، فصنف كتابه «المفيد» المعروف «بمفيد عمارة»؛ احترازا عن «مفيد جياش»، ومن مصنفاته:
«النكت العصرية في أخبار وزراء الدولة المصرية» وله ديوان جيد، وشعره رائق مؤنق، وله القصائد المختارات في العبيديين ملوك مصر الفائز والعاضد وأعيان دولتهم كشاور وبني رزّيك، وفي الزريعيين ملوك اليمن وخواص دولتهم كابن العيدي وبلال المحمدي وابنه ياسر وغيرهم، حدثناها اختصارا.
ومن ذلك مدحه في شاور بعد عوده من حصار بلبيس: [من الكامل]
أسمع بذا الفتح المبين وأبصر ... واقصر عليه يد الهناء وأقصر
فتح أضاء به الزمان كأنه ... وجه البشير وغرة المستبشر
فتح يذكّرنا وإن لم ننسه ... ما كان من فتح الوصيّ لخيبر
فتح تولد يسرة من عسرة ... طالت وأي ولادة لم تعسر
حملت به الأيام إلا أنها ... وضعته تمّا عن ثلاثة أشهر
تلقاه أول فارس إن أقبلت ... خيل وأول راجل في العسكر
هانت عليه النفس حتى أنه ... باع الحياة فلم يجد من مشتر
ضجر الحديد من الحديد وشاور ... من نصر دين محمد لم يضجر
حلف الزمان ليأتين بمثله ... حنثت يمينك يا زمان فكفر
ولما انقرضت دولة العبيديين على يد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب .. جعل عمارة يكثر ذكرهم، والتأسف عليهم، والدعاء على من كان سببا لهلاكهم، وكلما هم السلطان صلاح الدين بأذيته .. دافع عنه القاضي الفاضل، حتى كان من قوله فيهم: [من البسيط]
لما رأيت عراص الدهر خالية ... عن الأنيس وما في الربع سادات
أيقنت أنهم عن ربعهم رحلوا ... وخلفوني وفي قلبي حزازات
стр. 2011
سألت أبله قلبي في السّلوّ وقد ... يقال للبله في الدنيا إصابات
فقال رأيي ضعيف لا يطاوعني ... كيف السلو وأهل الفضل قد ماتوا
يا رب إن كان لي في قربهم طمع ... عجل بذاك فللتسويف آفات
فلما سمع صلاح الدين هذه الأبيات .. كبر عليه، فأمر بشنقه بعد أن قالها بيسير، فشنق هو وجماعة ممن كان على رأيهم، فيقال: إنه تفاءل على نفسه باللحاق بهم، فلما خرجوا به ليشنقوه .. سألهم أن يمروا به على باب القاضي الفاضل، فلما علم القاضي بذلك .. أمر بإغلاق باب داره، فلما رآه عمارة مغلقا .. أنشد ارتجالا: [من مجزوء الكامل]
عبد الرحيم قد احتجب ... إن الخلاص من العجب
فشنق في درب يعرف بخرابة السود بالقاهرة ثاني عشر رمضان من سنة تسع وستين وخمس مائة.
قال الجندي: (واختلف المصريون في عمارة، فمنهم من يرى أنه مات على السنة ولم يدخل في مذهب العبيديين، وأثنى عليه ابن خلكان ثناء حسنا، وذكر أنه بذل له مال على الانتقال إلى مذهبهم فكره، وكان متعصبا للسنة) (١)، وأشار بذلك إلى ما في ديوان عمارة أن الصالح بن رزّيك أرسل إليه بثلاثة أكياس ذهبا ورقعة مكتوب فيها بخط الصالح: [من الكامل]
قل للفقيه عمارة يا خير من ... أضحى يؤلف خطبة وخطابا
اقبل نصيحة من دعاك إلى الهدى ... قل حطة وادخل إلينا البابا
تلقى الأئمة شافعين ولا تجد ... إلا لدينا سنة وكتابا
وعلي أن يعلو محلك في الورى ... وإذا شفعت إلي كنت مجابا
وتعجل الآلاف فهي ثلاثة ... صلة وحقك لا يعدّ ثوابا
فأجابه عمارة مع رسوله فقال: [من الكامل]
حاشاك من هذا الخطاب خطابا ... يا خير من ملك الرقاب نصابا
لكن إذا ما أفسدت علماؤكم ... معمور معتقدي وصار خرابا
ودعوتم فكري إلى أقوالكم ... من بعد ذاك أطاعكم وأجابا
فاشدد يديك على صفاء محبتي ... وامنن علي وسد هذا البابا
стр. 2012
قال: (ومن المصريين من يرى أنه دخل في مذهبهم) (١).
قال أبو الحسن الخزرجي: (وهو الراجح عندي، وأشعاره في مديح القوم مفصحة بذلك، والله سبحانه أعلم) (٢).
وكان عمارة يعرف عند أهل زبيد بعمارة الفرضي، وعند أهل عدن والجبال بالفقيه، وعند أهل بلاده بالجدني، وعند أهل مصر باليمني.
٢٥١٦ - [محمد الحفائلي] (٣)
محمد بن عبد الله بن علي بن محمد بن أبي عقامة المعروف بالحفائلي.
تفقه بأهل بيته.
وكان فقيها نبيها فاضلا، متكلما مترسلا، رئيسا، شاعرا فصيحا ممدحا، يثيب الشعراء، وإليه وإلى ابن عمه عبد الله بن محمد بن أبي الفتوح انتهت رئاسة مذهب الشافعي بزبيد، وولي القضاء بزبيد من قبل الحبشة.
ومن شعر الحفائلي ما كتبه إلى ابن عمه أبي العز: [من الكامل]
رفقا فدتك أوائلي وأواخري ... أين الأضاة من الفرات الزاخر
أنت الذي نوهت بي بين الورى ... ورفعت للسارين ضوء مفاخري
ومن شعره في الحداثة: [من البسيط]
وبكرة ما رأى الراءون مشبهها ... كأنما سرقت حسّا من الزمن
غيم وظل وروض مونق وهوى ... يجري مع الروح مجرى الروح في البدن
غنت بها الطير ألحانا وساعدها ... رقص الغصون على إيقاعها الحسن
فقد سكرت وما الصهباء دائرة ... منها ولا نغمات العود في أذني
ومنه في العتاب: [من الطويل]
عذرتك لو كانت طريقا سلكتها ... مع الناس أو لو كان شيئا تقدّما
стр. 2013
فأما وقد أفردتني وخصصتني ... فلا عذر إلا أن أعود مكرّما
ومنه ما كتبه جوابا عن كتاب وصله من الفقيه عمارة: [من الطويل]
إذا فاخرت سعد العشيرة لم يكن ... لأخلافها إلا بأسلافك الفخر
وبيتك منها يا عمارة شامخ ... هوت تحته الشّعرى ودان له الشّعر
ولم أقف على تاريخ وفاته، فذكرته هنا مع صاحبه عمارة.
٢٥١٧ - [ابن الدهان النحوي] (١)
سعيد بن المبارك البغدادي النحوي المعروف بابن الدهان، سيبويه زمانه.
شرح «الإيضاح» في ثلاثة وأربعين مجلدا، وله مصنفات كثيرة.
توفي سنة تسع وستين وخمس مائة.
٢٥١٨ - [ابن قرقول] (٢)
إبراهيم بن يوسف بن قرقول الوهراني الحمزي، أحد الأعيان.
سمع الكثير، وعني بالحديث، وكان حافظا للمتون، بصيرا بالرجال، فقيها مناظرا، ثقة مأمونا.
له كتاب «المطالع» واختصر لابنيه كتاب الترمذي «الجامع».
وتوفي سنة تسع وستين وخمس مائة.
٢٥١٩ - [عبد النبي ابن مهدي] (٣)
عبد النبي بن علي بن مهدي، صاحب زبيد.
стр. 2014
كان من أجواد الرجال، وأنجاد الأبطال.
أغار على أبين، وعلى المخلاف السليماني، وأرسل أخاه أحمد بن علي، فأغار على الجوة وحرقها، ثم سار إلى عدن، وحاصر أهلها مدة، ثم ارتفع عنهم.
وبالجملة: فكان ممن سعى في الأرض فسادا.
قال عمارة: وكانت سيرة ابن مهدي أنه يقتل من يرتكب الكبائر من شرب الخمر وسماع الغناء وغير ذلك، ويقتل من تأخر عن مجلسي وعظه، وهما يوم الاثنين والخميس، ومن تأخر فيهما عن زيارة قبر أبيه، وكان يقتل المنهزم من عسكره، ولا سبيل إلى بقائه أبدا.
قال: واجتمع لعبد النبي بن مهدي ملك الجبال والتهائم، وانتقلت إليه جميع أموال اليمن وذخائرها.
وقتل في سنة تسع وستين وخمس مائة تاسع شوال، وقيل: عاشره، وقيل: في سنة سبعين وخمس مائة، وكانت دولة بني مهدي في اليمن خمس عشرة سنة وشهرين وأربعة وعشرين يوما.
٢٥٢٠ - [علي ابن أبي قرة] (١)
علي بن عمر بن عبد العزيز بن أبي قرة.
كان فقيها فاضلا، أثنى عليه ابن سمرة ثناء مرضيا وقال: (كان حافظا للتفسير، واعظا على المنابر، محققا لتعبير الرؤيا.
يحكى أن رجلا رأى الفقيه نعيم بعد موته، فسأله عن تعبير منام، فقال: صرف التعبير عني إلى القاضي علي بن عمر بن أبي قرة) (٢).
وكان مقبول الكلمة، قيل: إن سبب ذلك أنه كان مع أبيه سائرا في طريق مكة، فلما بلغا السرين .. حانت وفاة أبيه، فلما حضرته الوفاة .. قال له: يا بني؛ قال رسول الله ﷺ : «دعوة الوالد والمسافر لا ترد» وأنا مسافر، وأحب أن أدعو لك،
стр. 2015
فدعا له، فأدرك طرفا من الدنيا أيام الشيخ ياسر بن بلال المحمدي.
ولم يزل على حالة مرضية إلى أن توفي بالطرية على رأس سبعين وخمس مائة.
٢٥٢١ - [أبو القاسم ابن عساكر] (١)
الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر.
كان إماما محدثا بارعا، حافظا متقنا ضابطا، ذا علم واسع، ناصرا للسنة، قامعا للبدعة، بحرا زاخرا، ومحققا ماهرا، جمع بين المعقول والمنقول، وميز بين الصحيح والمعلول، وكان شافعي المذهب، غلب عليه الحديث، واشتهر به، وبالغ في طلبه إلى أن جمع منه ما لم يتفق لغيره.
رحل، ولقي المشايخ، ورافق الحافظ أبا سعد عبد الكريم ابن السمعاني في الرحلة.
وله التصانيف المفيدة، والتخاريج الحسنة، فمن مصنفاته «التاريخ الكبير» لدمشق في ثمانين مجلدا، ضمنه العجائب، وجعله على نسق «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي.
حكي عن الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري أنه قال وقد جرى بين يديه ذكر «تاريخ ابن عساكر»: ما أظن هذا الرجل إلا عزم على وضع هذا التاريخ من يوم عقل على نفسه، وشرع في الجمع من ذلك الوقت، وإلا .. فالعمر يقصر عن أن يجمع الإنسان فيه مثل هذا الكتاب. اهـ
وله تواليف غيره حسنة ممتعة، وله شعر لا بأس به، ومنه: [من الوافر]
ألا إن الحديث أجل علم ... وأشرفه الأحاديث العوالي
وأنفع كل نوع منه عندي ... وأحسنه الفرائد في الأمالي
وإنك لن ترى في العلم شيئا ... يحققه كأفواه الرجال
فكن يا صاح ذا حرص عليه ... وخذه عن الرجال بلا ملال
ولا تأخذه من صحف فترمى ... من التصحيف بالداء العضال
قال بعض أهل العلم بالحديث والتواريخ: ساد أهل زمانه في الحديث ورجاله، وبلغ
стр. 2016
في الذروة العليا، ومن تصفح تاريخه .. علم منزلة الرجل في الحفظ، والضبط للعلم، والاطلاع، وجودة الفهم، والبلاغة، والتحقيق، والاتساع في علوم الحديث، وفضائل تحتها من المناقب والمحاسن كل طائل.
ومن تواليفه الشهيرة كتاب «تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري» جمع فيه بين حسن العبارة والبلاغة، والإيضاح والتحقيق، واستيعاب الأدلة النقلية وطرقها مع إسناد كل طريق، وذكر فيه طبقات أعيان أصحابه من زمان الشيخ أبي الحسن إلى زمانه، وأوضح ما له من المناقب والمكارم، والفضائل والعزائم، ورد على من رماه وافترى عليه بالعظائم.
قال الشيخ اليافعي: (وقد اختصرته في نحو ربعه، وسميته: «الشاش المعلم شاؤش كتاب المرهم») اهـ (١)
قال ابنه الحافظ أبو محمد القاسم: كان أبي ﵀ مواظبا على صلاة الجماعة وتلاوة القرآن، ويختم في كل جمعة، وفي رمضان في كل يوم، ويحيي ليلة النصف والعيدين، كثير النوافل والأذكار، يحاسب نفسه كل يوم على كل لحظة تذهب في غير طاعة، سمع كثيرا من جماعة من المحدثين من نحو ألف وثلاث مائة شيخ وثمانين امرأة، وحدث بأصبهان وخراسان وبغداد وغيرها من البلاد، وسمع منه جماعة من كبار الحفاظ، وخلق كثير، وجم غفير.
قال الحافظ الرهاوي: رأيت الحفاظ: السلفي، وأبا العلاء الهمداني، وأبا موسى المديني، فما رأيت فيهم مثل ابن عساكر رحمه الله تعالى.
توفي سنة إحدى وسبعين وخمس مائة.
٢٥٢٢ - [حفدة العطاري] (٢)
أبو منصور محمد بن أسعد الطوسي المعروف بحفدة العطاري مجد الدين، الفقيه الشافعي، الأصولي الواعظ، راوي كتب الإمام البغوي عنه.
стр. 2017
اشتغل على الإمام السمعاني، ثم على الإمام البغوي.
ارتحل إلى بلد كثير: مرو الروذ وبخارى والعراق والموصل، ووعظ بمرو وغيرها، واجتمع الناس عليه بسبب الوعظ، وسمعوا منه الحديث، وكانت مجالسه في الوعظ من أحسن المجالس، أنشد يوما على الكرسي: [من الطويل]
تحية صوب المزن يقرؤها الرعد ... على منزل كانت تحل به هند
نأت فأعرناها القلوب صبابة ... وعارية العشاق ليس لها رد
توفي سنة إحدى وسبعين وخمس مائة.
٢٥٢٣ - [عمر ابن أبي قرة] (١)
عمر بن عبد العزيز بن أبي قرة، والد الفقيه علي مقدم الذكر (٢).
تفقه بابن عبدويه.
وبه تفقه محمد بن سعيد بن معن القريظي.
وكان فقيها خيرا، عارفا بالفقة والأصول، ومحن بالقضاء في بلده أبين.
وتوفي بالسرين عائدا من الحج كما قدمناه في ترجمة ولده علي، وأظن الفقيه عمر هذا توفي قبل هذه العشرين بزمان.
وكذلك أخوه عبد الله كان فقيها خيرا، تفقه بابن عبدويه.
ولهما أخ يعرف بالفقيه عبد العزيز، وكنيته: أبو قرة، توفي سنة إحدى وسبعين وخمس مائة.
ولم أقف على تاريخ وفاة الفقيه عمر (٣)، ولا وفاة أخيه عبد الله، فذكرتهما هنا؛ تبعا لأخيهما عبد العزيز.
стр. 2018
٢٥٢٤ - [أبو محمد الديباجي] (١)
أبو محمد عبد الله بن عبد الله (٢) بن عبد الرحمن الأموي العثماني الديباجي، محدث الإسكندرية.
كان صالحا متعففا، يقرئ النحو واللغة والحديث.
توفي سنة اثنتين وسبعين وخمس مائة.
٢٥٢٥ - [أبو الفضل الشهرزوري] (٣)
أبو الفضل قاضي القضاة ابن الشهرزوري.
كذا فيما وقفت عليه من «تاريخ اليافعي»، وسقط شيء من النسخة.
وذكره فيمن توفي سنة اثنتين وسبعين وخمس مائة.
٢٥٢٦ - [أبو الفرج الوزير] (٤)
أبو الفرج محمد بن عبد الله بن هبة الله الوزير.
كان جوادا سريا، معظما مهيبا.
خرج للحج في تأهب عظيم، فوثب عليه واحد من الباطنية، فقتله في أوائل ذي القعدة من سنة ثلاث وسبعين وخمس مائة.
стр. 2019
٢٥٢٧ - [أبو محمد المأموني] (١)
أبو محمد ابن المأمون الأديب هارون بن العباس العباسي المأموني البغدادي، صاحب «التاريخ» و «شرح مقامات الحريري».
كذا في «تاريخ اليافعي»، وذكره فيمن توفي سنة ثلاث وسبعين وخمس مائة (٢).
٢٥٢٨ - [الحيص بيص] (٣)
أبو الفوارس سعد بن محمد التميمي الشاعر المعروف بالحيص بيص، وإنما قيل له:
حيص بيص؛ لأنه رأى يوما الناس في حركة مزعجة وأمر شديد فقال: ما للناس في حيص بيص؟ أي: شدة واختلاط.
كان أديبا متضلعا من اللغة، بصيرا بالفقه والمناظرة، وافر الأدب.
قال الشيخ نصر الله بن مجلي وكان من ثقات أهل السنة: رأيت علي بن أبي طالب ﵁ في المنام فقلت له: يا أمير المؤمنين؛ تفتحون مكة وتقولون: من دخل دار أبي سفيان ..
فهو آمن، ثم يتم على ولدك الحسين ما تم! فقال لي: أما سمعت أبيات ابن الصيفي (٤) في هذا؟ فقلت: لا، فقال: اسمعها منه، ثم استيقظت، فبادرت إلى دار ابن الصيفي، فخرج إلي، فذكرت الرؤيا، فشهق وأجهش بالبكاء، وحلف بالله إن كانت خرجت من فمي أو خطي إلى أحد، وإن كنت نظمتها إلا في ليلتي هذه، ثم أنشدني: [من الطويل]
ملكنا فكان العفو منا سجية ... فلما ملكتم سال بالدم أبطح
وحللتم قتل الأسارى وطالما ... غدونا على الأسرى نعف ونصفح
وحسبكم هذا التفاوت بيننا ... وكل إناء بالذي فيه ينضح
стр. 2020
وله ديوان معروف.
توفي في سنة أربع وسبعين وخمس مائة.
٢٥٢٩ - [شهدة الكاتبة] (١)
شهدة بنت أبي نصر أحمد بن الفرج، الدينورية الأصل، البغدادية المولد والوفاة، الكاتبة، العابدة الصالحة، مسندة العراق.
كتبت الخط الجيد، وكانت من أهل العلم والصلاح، ذات خير ودين.
سمعت من أبي الخطاب نصر بن أحمد بن البطر، وأبي عبد الله الحسين بن أحمد بن طلحة النعالي، وطراد بن محمد وغيرهم.
وسمع منها خلق كثير.
واشتهر ذكرها، وبعد صيتها، وكان لها السماع العالي، ألحقت الأصاغر بالأكابر.
وتوفيت في سنة أربع وسبعين وخمس مائة.
٢٥٣٠ - [أبو عبد الله الأندلسي] (٢)
أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري الأندلسي القدوة، المشار إليه بالصلاح، والورع والزهد، وإجابة الدعوة.
قرأ العربية، ولزم أبا بكر بن العربي مدة، وكان من أولياء الله تعالى الذين تذكر رؤيتهم بالله تعالى.
وله كرامات مشهورة، وآثار مشكورة، مع الحظ الوافر من الفقه والقراءات.
توفي سنة أربع وسبعين وخمس مائة.
стр. 2021
٢٥٣١ - [السديد السلماسي] (١)
السديد بن هبة الله بن عبد الله السّلماسي-بفتح السين المهملة واللام والميم، وبعد الألف سين مهملة أيضا، نسبة إلى سلماس، مدينة من بلاد أذربيجان-الفقيه الشافعي.
كان إماما مسددا في الفتوى، أتقن عدة علوم، وتولى الإعادة بنظامية بغداد، وهو الذي شهر طريقة الشريف.
وقيل: إنه كان يذكر طريقة الشريف و «الوسيط» و «المستصفى» للغزالي من غير مراجعة كتاب.
انتفع به جمع كثير، وصاروا علماء مدرسين مصنفين، منهم: الإمامان عماد الدين محمد وكمال الدين موسى ولدا يونس، والشيخ شرف الدين أبو المظفر محمد بن علوان بن مهاجر وغيرهم من الأفاضل.
توفي سنة أربع وسبعين وخمس مائة.
٢٥٣٢ - [المستضيء بأمر الله العباسي] (٢)
المستضيء بأمر الله بن المستنجد بن المقتفي بن المستظهر بن المقتدي العباسي الخليفة.
بويع له بعد أبيه، وكان ذا دين، وحلم وأناة ورأفة، ومعروف زائد.
قال ابن الجوزي: (أظهر من العدل والكرم ما لم نره في أعمارنا، ولم يكن للمال عنده وقع-أو قال: قدر-فرق مالا عظيما في الهاشميين وفي المدارس) اهـ (٣)
قيل: كان يأمر ابن الجوزي بعقد مجلس الوعظ، ويجلس بحيث يسمع ولا يرى.
стр. 2022
وفي أيامه اختفى الرفض ببغداد، وتلاشى بمصر والشام، وزالت دعوة العبيديين، وخطب له بديار مصر واليمن وبعض المغرب.
وتوفي في سنة خمس وسبعين وخمس مائة، وبويع بعده ابنه الناصر لدين الله.
٢٥٣٣ - [اليسع الغافقي] (١)
اليسع بن عيسى بن حزم الغافقي المقرئ.
أخذ القراءات عن أبيه وغيره، وأقرأ بالإسكندرية والقاهرة، وقربه السلطان صلاح الدين، واحترمه.
وكان فقيها مفتيا، محدثا مقرئا، أخباريا نسابا، بديع الخط.
يقال: إنه أول من خطب بالدعوة العباسية بمصر.
وتوفي سنة خمس وسبعين وخمس مائة.
٢٥٣٤ - [أبو المحاسن الزبيري] (٢)
أبو المحاسن عمر بن علي القرشي الزبيري الدمشقي القاضي الحافظ، نزيل بغداد.
صحب أبا النجيب السهروردي، وسمع من أبي الدر ياقوت الرومي، وطائفة.
ومات سنة خمس وسبعين وخمس مائة.
٢٥٣٥ - [ابن خير الإشبيلي] (٣)
محمد بن خير الإشبيلي الحافظ المقرئ.
فاق الأقران في ضبط القراءات، وبرع في الحديث، واشتهر بالإتقان وسعة المعرفة بالعربية.
وتوفي سنة خمس وسبعين وخمس مائة.
стр. 2023
٢٥٣٦ - [ابن أبي غالب الضرير] (١)
محمد بن أبي غالب الضرير الحافظ.
برع في الحديث حتى صار المرجوع إليه في معرفة رجاله وحفظه.
توفي سنة خمس وسبعين وخمس مائة.
٢٥٣٧ - [منوجهر الكاتب] (٢)
أبو الفضل منوجهر بن محمد الكاتب.
كان أديبا فاضلا، مليح الإنشاء، حسن الطريقة.
روى عن جماعة، وروى «المقامات» عن الحريري.
وتوفي سنة خمس وسبعين وخمس مائة.
٢٥٣٨ - [ابن عيّاد الأندلسي] (٣)
يوسف بن عبد الله الأندلسي الأستاذ المقرئ، المعروف بابن عياد.
أخذ القراءات عن جماعة، وسمع من خلق كثير، واعتنى بصناعة الحديث، وكتب العالي والنازل، وبرع في معرفة الرجال، وصنف التصانيف الكثيرة.
ومات سنة خمس وسبعين وخمس مائة.
٢٥٣٩ - [القريظي صاحب «المستصفى»] (٤)
محمد بن سعيد بن معن القريظي اللحجي-بفتح اللام، وسكون الحاء المهملة، ثم
стр. 2024
جيم مكسورة-القاضي الإمام، الورع الزاهد، ذو الفضائل والمحاسن.
صنف «المستصفى في سنن المصطفى» (١)، واختصر «الإحياء».
قيل: إنه رأى النبي ﷺ في النوم، فدعا له بالتثبيت.
وتوفي سنة ست وسبعين وخمس مائة، كذا في «تاريخ اليافعي» (٢)، فليحقق ذلك، ولعله سنة ست وتسعين بتقديم المثناة (٣).
٢٥٤٠ - [طاهر ابن الإمام العمراني] (٤)
طاهر بن الإمام يحيى بن أبي الخير العمراني.
ولي القضاء في أيام شمس الدولة.
وتوفي بسهفنة يوم الجمعة منتصف الحجة من سنة ست وسبعين وخمس مائة (٥).مذكور في الأصل.
٢٥٤١ - [أبو طاهر السّلفي] (٦)
أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد الأصبهاني السّلفي-بكسر السين المهملة، وفتح اللام-الحافظ الكبير، مسند الدنيا.
стр. 2025
حدث بأصبهان-قال: وكنت ابن سبع عشرة سنة أو أقل أو أكثر-ورحل تلك السنة إلى بغداد، فأدرك بها أبا الخطاب ابن البطر، وعمل معجما لشيوخ بغداد، ثم حج، وسمع بالحرمين والكوفة والبصرة وهمذان وزنجان والري والدينور وقزوين وأذربيجان والشام ومصر، فأكثر وأطال، وتفقه بمذهب الشافعي على أبي الحسن إلكيا، وفي اللغة على الخطيب يحيى بن علي التبريزي، وبرع في الأدب، وجود القراءات بروايات، وسمع من الثقفي، وأحمد بن عبد الغفار، وخلق كثير، وخرج عنهم.
واستوطن الإسكندرية بضعا وستين سنة مكبا على الاشتغال والمطالعة، والنسخ وتحصيل الكتب إلى أن توفي.
وبنى له العادل علي بن السلار وزير الظافر العبيدي صاحب مصر مدرسة في الإسكندرية، وفوضها إليه.
وحضر مجلسه السلطان صلاح الدين، وسمع منه الحديث.
وتوفي بكرة الجمعة خامس ربيع الآخر من سنة ست وسبعين وخمس مائة.
ومما وجد بخطه من قصيدة لمحمد بن عبد الجبار الأندلسي: [من الكامل]
لولا اشتغالي بالأمير ومدحه ... لأطلت في ذاك الغزال تغزّلي
لكن أوصاف الجلال عذبن لي ... فتركت أوصاف الجمال بمعزل
٢٥٤٢ - [سعيد المأموني] (١)
سعيد بن الحسين العباسي أبو المفاخر المأموني، راوي «صحيح مسلم» بمصر.
قال الذهبي: (روى الحديث هو وابنه ونافلته وحفيده) (٢).
وتوفي سنة ست وسبعين وخمس مائة.
стр. 2026
٢٥٤٣ - [ابن الخراساني] (١)
أبو العز محمد بن محمد المعروف بابن الخراساني البغدادي الأديب، صاحب «العروض» و «النوادر»، وديوان شعره في مجلدات.
كان صاحب ظرف وذكاء مفرط، وتفنن في الأدب.
روى عن جماعة.
ومات سنة ست وسبعين وخمس مائة.
٢٥٤٤ - [شمس الدولة توران شاه] (٢)
السلطان المعظم توران شاه-بضم التاء الفوقانية-ابن أيوب بن شاذي بن مروان الملقب: فخر الدين.
جهزه أخوه الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب الديار المصرية في جيش عظيم إلى اليمن، وذلك حين بلغه أن عبد النبي بن مهدي قد ملك كثيرا من اليمن، واستولى على كثير من حصونها، ودانت له قبائلها، فخرج من مصر في رجب سنة تسع وستين وخمس مائة كما قاله ابن خلكان (٣)، فدخل زبيد تاسع شوال من السنة المذكورة، ودخل عدن يوم الجمعة ثامن عشر أو تاسع عشر القعدة من السنة المذكورة، وافتتح صنعاء في المحرم أول سنة سبعين وخمس مائة، ثم وصل كتاب من أخيه صلاح الدين يسأله عن حاله، ويخبره بوفاة السلطان نور الدين محمود بن زنكي واستيلاء صلاح الدين على مملكة الشام بعد السلطان نور الدين، فأمر السلطان شمس الدولة الأديب أبا بكر بن أحمد العيدي أن ينوب عنه إلى أخيه، ويستأذنه في الوصول إليه، فأنشأ الأديب قصيدة، وأتبعها برسالة فريدة، فلما وصل الكتاب إلى السلطان صلاح الدين .. أذن لأخيه شمس الدولة في
стр. 2027
القفول، فاستناب في عدن وأعمالها عثمان بن علي الزنجيلي، وعلى زبيد وأعمالها من التهائم أبا الميمون مبارك بن كامل، وفي تعز وأعمالها ياقوت التعزي، وفي جبلة ونواحيها مظفر الدين قايماز، وسار إلى الشام في رجب سنة إحدى وسبعين، فقدم على أخيه صلاح الدين وهو محاصر حلب في ذي الحجة، وقيل: في رمضان من السنة المذكورة.
ولم يزل نوابه يجبون له الأموال ويحملونها إليه إلى أن توفي بثغر الإسكندرية في سنة ست وسبعين وخمس مائة.
وكان كريما جوادا، توفي وعليه مائة ألف دينار، فقضاها عنه أخوه صلاح الدين.
ومن الغريب ما حكاه القاضي أحمد بن خلكان عن مهذب الدين أبي طالب محمد بن علي المعروف بابن الخيمي الحلبي نزيل مصر قال: رأيت في النوم شمس الدولة توران شاه بن أيوب وهو ميت، فمدحته بأبيات من الشعر وهو في القبر، فلف كفنه ورماه إلي، وأنشدني هذه الأبيات: [من البسيط]
لا تستقلّنّ معروفا سمحت به ... ميتا فأمسيت منه عاري البدن
ولا تظنّنّ جودي شانه بخل ... من بعد بذلي ملك الشام واليمن
إني خرجت من الدنيا وليس معي ... من كل ما ملكت كفي سوى كفني (١)
٢٥٤٥ - [رضي الدين ابن منعة] (٢)
أبو الفضل يونس بن محمد بن منعة رضي الدين الموصلي الشيخ الإمام، والد الشيخين: عماد الدين أبي حامد محمد، وكمال الدين أبي الفتح موسى.
تفقه أبو الفضل المذكور أولا ببلده الموصل على تاج الإسلام الحسين بن نصير الكعبي الجهني، ثم انحدر إلى بغداد على مدرس النظامية الشيخ أبي منصور سعيد بن محمد، ثم رجع إلى الموصل، فأقبل عليه متوليها الأمير أبو الحسن والد الملك المعظم، وجعل إليه تدريس مسجده، وفوض إليه نظره.
وكان يدرس ويفتي ويناظر إلى أن توفي في سنة ست وسبعين وخمس مائة.
стр. 2028
وكانوا بيت علم، خرج من بينهم جماعة علماء فضلاء، انتفع بهم أهل تلك البلاد وغيرها، وقصدوا من بلاد العراق والعجم.
كذا في «تاريخ اليافعي» تاريخ وفاته (١)، وذكره الذهبي فيمن توفي سنة تسع وسبعين وخمس مائة (٢).
٢٥٤٦ - [غازي صاحب الموصل] (٣)
سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي بن آق سنقر، صاحب الموصل.
ملكها بعد وفاة أبيه مودود، فلما بلغ نور الدين محمود بن زنكي موت أخيه مودود ..
سار حتى خيم قبالة الموصل ولم يكن قصده مقاتلة أهلها، وأرسل إلى ابن أخيه سيف الدين، وعرفه صحة قصده، وصالحه، ودخل الموصل، وأقر سيف الدين بها، وزوجه ابنته، وأعطى أخاه عماد الدين بن مودود سنجار.
فلما توفي نور الدين، وملك السلطان صلاح الدين دمشق، ونزل على حلب فحاصرها ..
سير سيف الدين جيشا مقدمه أخوه عزّ الدين مسعود، فالتقوا عند قرون حماة، فانكسر عزّ الدين مسعود، فتجهز سيف الدين غازي بنفسه، وخرج صلاح الدين إلى لقائه، فتصافّا على تل السلطان بين حلب وحماة سنة إحدى وسبعين وخمس مائة، فانكسرت ميسرة صلاح الدين، فحمل صلاح الدين بنفسه، فانهزم جيش سيف الدين، ورجع إلى الموصل.
وتوفي سيف الدين سنة ست وسبعين وخمس مائة، وتولى بعده أخوه عزّ الدين مسعود.
٢٥٤٧ - [الملك الصالح أبو الفتوح] (٤)
الملك الصالح أبو الفتح إسماعيل بن السلطان العادل نور الدين محمود بن زنكي بن آق سنقر.
стр. 2029
مات أبوه بعد ختانه بأيام، فأوصى له بالسلطنة، فلم يتم له ذلك، وبقيت بيده حلب، وكان مع صغر سنه عاقلا دينا، محببا إلى أهل حلب بحيث أنه لما جاء صلاح الدين لتملك حلب .. قاتلوه قتال الموت، ولم يتركوا شيئا من مجهودهم.
ولما توفي .. أقاموا عليه المأتم، وبالغوا في البكاء والنوح عليه، وفرش الرماد في الطرق.
مات سنة سبع وسبعين وخمس مائة عن تسع عشرة سنة، وأوصى بحلب لابن عمه مسعود بن مودود، فجاء وتملكها.
٢٥٤٨ - [ابن الأنباري] (١)
عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله كمال الدين أبو البركات المعروف بابن الأنباري، اللغوي النحوي، الفقيه الشافعي.
تفقه في مذهب الإمام الشافعي بالنظامية، وتصدر لإقراء النحو واللغة، واشتغل عليه خلق كثير، وصاروا علماء.
وصنف في النحو كتاب «أسرار العربية» وهو كتاب سهل المأخذ كثير الفائدة، وله في النحو غيره، وله كتاب «طبقات الأدباء» جمع فيه بين المتقدمين والمتأخرين مع صغر حجمه، وكتبه كلها نافعة.
وكان مبارك التدريس، ما قرأ عليه أحد إلا وتميز، ثم انقطع في آخر عمره في بيته مشتغلا بالعلم والعبادة، وترك الدنيا وأهلها، ولم تزل سيرته حميدة.
ولد سنة ثلاث عشرة وخمس مائة ببغداد.
وتوفي سنة سبع وسبعين وخمس مائة.
стр. 2030
٢٥٤٩ - [شيخ الشيوخ ابن حمويه] (١)
أبو الفتح عمر بن علي بن الشيخ محمد بن حمويه الجويني الصوفي، الملقب: شيخ الشيوخ.
روى عن جده، والفراوي، وجماعة.
ونصبه السلطان نور الدين محمود شيخ الشيوخ بالشام، وكان وافر الحرمة.
توفي سنة سبع وسبعين وخمس مائة.
٢٥٥٠ - [ابن حميد الزوقري] (٢)
محمد بن حميد-بضم الحاء المهملة، وفتح الميم، وسكون المثناة من تحت، ثم دال مهملة-ابن أبي الحسين، تصغير الحسن بالمهملتين والنون-ووقع في بعض «الطبقات»:
ابن أبي الخير، ضد الشر-ابن نمر بن عبد الله بن هلال بن أحمد بن نمر، من بيت رئاسة متأثلة يعرفون بالسلاطين بني نمر، وهم بطن من الركب بن أشعر يعرفون بالزواقر.
ولد المذكور سنة ثمانين وأربع مائة.
وتفقه بزيد بن عبد الله اليفاعي، وبزيد بن الحسن الفائشي، وأخذ بمكة عن أحمد المكي، وعن المقرئ الجبرتي.
وكان فقيها صالحا، ورعا زاهدا.
يحكى أنه رأى ليلة القدر بمكة، فلم يسأل الله غير الجنة وتمام قوت السنة.
ومسكنه الملبد-بفتح الميم، وسكون اللام، وفتح الموحدة، وآخره دال مهملة-قرية من أعمال قياض-بضم القاف، وفتح المثناة من تحت، ثم ألف، ثم ضاد معجمة-وهو ناحية من أعمال تعز.
وتوفي بمسكنه في شوال سنة سبع وسبعين وخمس مائة.
стр. 2031
٢٥٥١ - [حسان العمراني] (١)
حسان بن الفقيه محمد بن موسى بن الحسين بن أسعد بن عبد الله بن محمد بن موسى بن عمران العمراني.
ولد سنة تسع وعشرين وخمس مائة.
وتفقه بأبيه.
وبه تفقه جماعة، منهم أحمد بن مقبل الدثيني.
وكان فقيها بارعا محققا، ولي قضاء الجند، وإليه انتهت رئاسة الفتوى والتدريس بها.
وتوفي لبضع وسبعين وخمس مائة (٢).
٢٥٥٢ - [عبد الرحمن الصرحي] (٣)
عبد الرحمن بن المفضل بن عبد الملك الصرحي.
كان فقيها فاضلا، عارفا ماهرا، وإليه انتهت رئاسة الفقه في حرض وما يليها، وولي القضاء بها، وكان رأسا.
توفي لبضع وسبعين وخمس مائة.
٢٥٥٣ - [سليمان بن أحمد القاضي] (٤)
سليمان بن أحمد بن أسعد أبو داود القاضي المشهور.
стр. 2032
كان فقيها ثبتا، عالما عاملا، صالحا ورعا زاهدا، وكانت أحكامه مرضية، وسيرته محمودة.
توفي لبضع وسبعين وخمس مائة.
٢٥٥٤ - [علي ابن أبي الفتح] (١)
علي بن عبد الله بن أبي الفتح.
ولي قضاء جبلة بعد أبيه.
وتوفي سنة سبع وسبعين-بالموحدة فيهما-وخمس مائة.
٢٥٥٥ - [ابن أبي الفتح] (٢)
عبد الله بن أبي الفتح.
ولي قضاء جبلة من قبل النقوي، وكان عارفا محققا.
ولم أقف على تاريخ وفاته، وذكرته هنا في طبقة ابنه علي المذكور قبله.
٢٥٥٦ - [عثمان العمراني] (٣)
عثمان بن أسعد بن عبد الله بن محمد بن موسى بن عمران العمراني أبو الفتوح.
ولد سنة أربع وتسعين-وقال ابن سمرة: (سنة تسع وتسعين) (٤) -وأربع مائة.
أخذ عن الإمام يحيى بن أبي الخير، وأخذ عمن أخذ عنه العرشاني.
وهو أحد شيوخ ابن سمرة.
وكان فقيها فاضلا، صالحا عابدا، يقوم كل ليلة بسبع القرآن.
стр. 2033
وتوفي بالمصنعة سنة سبع وسبعين وخمس مائة.
قال الجندي: (وأظنه أخا مسلم بن أسعد) (١)؛ أي: المذكور في العشرين التي قبل هذه (٢)، كذا في «الخزرجي» نقلا عن الجندي (٣)، فإن صح .. فلعله سقط هنا من نسب عثمان بن أسعد بن عبد الله جدان، وهما: أسعد وعثمان، كما قد علمته في نسب مسلم بن أسعد المذكور.
٢٥٥٧ - [محمد الأصبحي] (٤)
محمد بن سالم بن زيد بن إسحاق، الأصبحي نسبا، البعداني بلدا.
ولد سنة خمس وتسعين وأربع مائة.
وتفقه بالإمام يحيى بن محمد بن عمران.
وكان إماما جليل القدر، شهير الذكر، مجتهدا مجودا، حسن الديانة.
وبه تفقه أخوه عبد الله بن سالم، والفقيه فضل بن أسعد المليكي الآتي ذكره في العشرين بعد هذه (٥).
وتوفي سنة سبع وسبعين وخمس مائة، وقيل: سنة ست وسبعين.
٢٥٥٨ - [البوصيري] (٦)
هبة الله بن علي الأنصاري الخزرجي المصري المعروف بالبوصيري.
كان أديبا كاتبا، له سماعات عالية، وروايات تفرد بها، وألحق الأصاغر بالأكابر في علو الإسناد، ولم يكن في آخر عصره في درجته مثله.
стр. 2034
سمع بقراءة جماعة من الكبار، ورحل إليه الطلاب من الأمصار.
وتوفي سنة ثمان وسبعين وخمس مائة (١).
٢٥٥٩ - [أحمد الرفاعي] (٢)
شيخ الشيوخ، الولي الكبير، الصالح الشهير، أبو العباس أحمد بن علي بن أحمد الشهير بالرفاعي.
أصله من الغرب-بالغين المعجمة-ونزل أبوه البطائح بالعراق في قرية يقال لها: أم عبيدة-بفتح العين المهملة-وكسر الموحدة، ثم مثناة من تحت ساكنة، ثم دال، ثم هاء- قرى مجتمعة في وسط الماء بين واسط والبصرة، ولها بالعراق شهرة، فتزوج بأخت الشيخ منصور الزاهد، فولدت له الشيخ أحمد المذكور في سنة خمس مائة.
فتفقه قليلا بمذهب الشافعي، ثم راض نفسه بالتواضع والقناعة، والذل والانكسار حتى طار اسمه في الأقطار، وتبعه خلق كثير، وأحسنوا الاعتقاد فيه كما هو الحقيق بذلك، والطائفة المعروفة بالبطائحية والرفاعية من الفقراء منسوبون إليه.
قال ابن خلكان: (ولأتباعه أحوال عجيبة في النزول في التنانير وهي تضطرم نارا، فيطفئونها، ولزوم الحيات، ويقال: إنهم في بلادهم يركبون الأسود، ومثل هذا وأشباهه، ولهم مواسم يجتمع عندهم من الفقراء عالم لا يعد ولا يحصى، ويقومون بكفاية الكل منهم، قال: وأمورهم مشهورة مستفيضة، فلا حاجة إلى الإطالة.
قال: وكان الشيخ أحمد مع اشتغاله بالعبادة له شعر، فمنه على ما قيل: [من الطويل]
إذا جن ليلي هام قلبي بذكركم ... أنوح كما ناح الحمام المطوق
وفوقي سحاب يمطر الهم والأسى ... وتحتي بحار للهوى تتدفق
стр. 2035
سلوا أم عمرو كيف بات أسيرها ... تفك الأسارى دونه وهو موثق
فلا هو مقتول ففي القتل راحة ... ولا هو ممنون عليه فيطلق) (١)
قال الشيخ عبد الله اليافعي: (وذكر غيره أن الأبيات المذكورة سمعها الشيخ أحمد من القوال، فكانت سبب موته.
قال: والرفاعي، نسبة إلى رجل من العرب يقال له: رفاعة، كذا نقله من خط بعض أهل بيته) اهـ (٢)
ولم يزل الشيخ على الحال المرضي إلى أن توفي بأم عبيدة خامس وعشرين جمادى الأخرى من سنة ثمان وسبعين وخمس مائة.
وله كرامات كثيرة، ولابن عبد المحسن الواسطي مصنف في مناقبه.
٢٥٦٠ - [ابن بشكوال] (٣)
خلف بن عبد الملك الأنصاري الخزرجي المعروف بأبي القاسم بن بشكوال القرطبي، من علماء الأندلس.
وله التصانيف المفيدة، منها كتاب «الصلة» ذيلا على «تاريخ علماء الأندلس» للقاضي أبي الوليد عبد الله المعروف بابن الفرضي.
توفي سنة ثمان وسبعين وخمس مائة.
٢٥٦١ - [أبو الفضل الطوسي] (٤)
أبو الفضل عبد الله بن أحمد الطوسي ثم البغدادي، خطيب الموصل.
قرأ الفقه والأصول على إلكيا وأبي بكر الشاشي، والأدب على أبي زكريا التبريزي.