← Тараджим

Тараджим · id 29560

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

الطيب بامخرمة

Полный текст (3 319 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

قال الجندي وغيره: (ونسب بني زكريا في قطحان) اهـ (١) ٢٥٨٨ - [ابن الدهان الموصلي] (٢) عبد الله بن أسعد بن علي الموصلي المعروف بابن الدهان، الفقيه الشافعي، الأديب الشاعر النحوي، ذو الفنون. توفي بحمص في سنة إحدى وثمانين وخمس مائة، وكان مدرسا بها (٣). ٢٥٨٩ - [ابن الخراط الإشبيلي] (٤) عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي الإشبيلي الحافظ المعروف بابن الخراط، أحد الأعلام، مؤلف «الأحكام الكبرى» و «الصغرى» و «الجمع بين الصحيحين» وكتاب «الغريبين» في اللغة وكتاب «الجمع بين الكتب الستة». نزل بجاية، وولي خطابتها، وتولى بها بعد ما لحقه محنة من الدولة. وكان قانعا متعففا، موصوفا بالصلاح والورع ولزوم السنة. توفي ﵀ سنة إحدى وثمانين وخمس مائة. ٢٥٩٠ - [السهيلي] (٥) أبو زيد عبد الرحمن بن الخطيب عبد الله بن الخطيب أحمد الخثعمي الأندلسي المالقي، نسبة إلى مالقة-بفتح اللام والقاف، وغلطوا ابن السمعاني في كسر اللام، مدينة كبيرة بالأندلس-المعروف بالسهيلي، نسبة إلى قرية بالقرب من مالقة سميت باسم

стр. 2067

الكوكب؛ لأنه لا يبين في بلاد الأندلس إلا من جبل مطل عليها. أخذ القراءة عن جماعة، وروى عن ابن المغربي، والكبار، وبرع في العربية والنحو واللغة، والأخبار والآثار، وصنف «الروض الأنف شرح السيرة لابن هشام» وكتاب «التعريف والإعلام فيما أبهم في القرآن من الأسماء والأعلام» وكتاب «نتائج الفكر»، ومسألة رؤية الله تعالى في المنام ورؤية النبي ﵊، ومسألة السر في الأعور الدجال، ومسائل كثيرة مفيدة. وله شعر حسن، ومنه: [من الكامل] يا من يرى ما في الضمير ويسمع ... أنت المعد لكل ما يتوقع الأبيات الستة المشهورة التي يقال: ما سأل الله بها أحد حاجة إلا أعطاه إياها. كان ببلده يتصف بالعفاف، ويتبلغ بالكفاف، حتى نمي خبره إلى صاحب مراكش، فطلبه إليها، وأحسن إليه، وأقبل بوجه الإقبال عليه، وأقام بها نحو ثلاثة أعوام. وتوفي بها سنة إحدى وثمانين وخمس مائة. ٢٥٩١ - [أبو موسى المديني] (١) أبو موسى محمد بن عمر الحافظ المعروف بالمديني، صاحب التصانيف. توفي سنة إحدى وثمانين وخمس مائة، كذا في «تاريخ اليافعي» (٢). ٢٥٩٢ - [سالم بافضل] (٣) الفقيه سالم بن فضل. قال الخطيب عبد الرحمن: (كان من كبار الأئمة المجتهدين، والعلماء المدققين، والنظار الأصوليين، والمحدثين البارعين، مع كمال ورع وزهد وعمل، وكاد العلم أن

стр. 2068

يندرس بناحية حضر موت فأحياه الله تعالى بالفقيه سالم، وذلك أنه سافر إلى العراق وغيره في طلب العلم، وغاب أربعين سنة، حتى ظن أهله أنه قد مات، ثم بعد ذلك رأى بعض السادات في المنام وكأن الإمام سالم المذكور وصل إلى بلده ومعه جمال محملات ذهبا، فوصل الإمام ومعه جمال محملات كتب العلم؛ من الحديث والفقه وغيرهما، فأقبل عليه الطلبة من كل مكان، وانتفع به خلق كثير كالإمام علي بن أحمد بن أبي مروان، والإمام عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عبيد زكريا، والإمام محمد بن أحمد بن أبي الحب وغيرهم من الأئمة، حتى قيل: إنه بلغ في تريم في عصره ثلاث مائة مفتي. وله تصانيف مفيدة في التفسير وغيره، وله أقوال فائقة كالقصيدة الموسومة بالفكرية، وهي التفكر في خلق الله تعالى) (١). يقال: إنه يشفع كل يوم في خمسين معذبا، وكان بينه وبين الإمام محمد بن علي القلعي مراسلات، فكتب إليه القلعي في بعض مراسلاته: [من الكامل] أبرود وشي في المواسم تنشر ... فمفوق ومسهم ومحبر أم عقد در بالشذور مفصل ... زان الليالي نظمه والجوهر أم روضة أنف تبسّم نورها ... لما بكى فيها السحاب الممطر أم طرس حبر كاد من أنواره ... يبيض منه الحبر حين يسطر فالنظم سحر والبلاغة عسجد ... واللفظ روض بالمعاني يثمر فكأنه نيل الأمان لخائف ... أو كالفقيد به البشير يبشر أو كالشفاء لمدنف أو كالوصا ... ل به المتيم بعد يأس يظفر أهداه أوحد عصره من لم يزل ... فوق السماء له يشاد المفخر جرّت تريم على المجرة ذيلها ... عجبا وحق لها الفخار الأكبر فالدهر من بعد العطول متوج ... من مجده ومطوق ومسور نال ابن فضل في الفضائل رتبة ... لم يستطعها منجد أو مغور علم ابن إدريس وإعراب الخلي ... ل وما حوى بقراط والإسكندر فبسالم سلمت شريعة أحمد ... عما يؤدّ قناتها أو يكسر أضحى يدل على الرشاد مبينا ... سبل الهدى وعن الضلال يحذر

стр. 2069

لا زال للإسلام ينظم شمله ... والدين يحمي سربه لا ينفر ثم الصلاة على النبي وآله ... خير البرية شافع ومطهر توفي الفقيه سالم ليلة الجمعة لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة إحدى وثمانين وخمس مائة. قال الخطيب: (كان بين الإمام سالم وزوجته عهد أن من مات منهما قبل صاحبه ألا يتزوج الحي منهما بعده، فمات الإمام أولا، فتسارع الناس إلى خطبة زوجته، وتطاولوا في الخطبة، فامتنعت من ذلك للعهد المذكور، فألح عليها النساء وغيرهن في الزواج حتى أجابت إلى ذلك، فرأى بعض آل أبي تميم وكان من الأخيار كأن الإمام سالم دخل عليه، فسلم عليه الإمام، ثم قال: ألا ترى إلى هذه الفاعلة التاركة-يعني زوجته-مكرت بعهد الله؟ ! فقال له الرائي: ومن قد أخبركم بذلك وما بعد أحد مات بعد خطبتها من أهل البلد؟ ! قال الإمام: أخبرني الأعيرج، وكان الأعيرج من خدام السلطنة، فقال الرائي: وما أوصل الأعيرج إلى منزلتكم؟ فقال: مات غريبا، والغريب شهيد، فخرج الرائي بعد ما انتبه إلى منزل الأعيرج، وسأل عنه، فقالت زوجته: أرسله السلطان أمس بكتاب إلى أعلى، وما بعد أتى، فقال: ابكوا صاحبكم، أعظم الله أجركم فيه، قالت: ومن أخبرك؟ قال: أخبرني من لا يكذب، ثم جاء الخبر بعد ذلك أن الأعيرج طرقه طارق فمات في الطريق) (١). ٢٥٩٣ - [يحيى بافضل] (٢) ولده يحيى بن سالم بن فضل. كان إماما فاضلا زاهدا. حكى الحافظ الخطيب عن الفقيه أحمد بن محمد بن أبي فضل وعمّه الشيخ فضل بن عبد الله قالا: (كان للفقيه يحيى بن سالم نخل، فلما وقع فيه الرطب .. خرج يوما ليقيمه، فدخل وقت الصلاة وهو في النخل، فخرج يسعى إلى المسجد، فوجد الناس قد انصرفوا من صلاة الجماعة، فتعب على فوات الجماعة تعبا شديدا وقال: لا بارك الله فيما شغلني

стр. 2070

عن صلاة الجماعة، ثم أوقف النخل جميعه في سبيل الله تعالى) (١) اهـ قال الشريف علي بن أبي بكر باعلوي: (ولما مات يحيى بن سالم بن فضل .. رثاه أبو الحسن علي بن سالم الحجيشي بقصيدة من جملتها هذه الأبيات: [من الوافر] فلا خير يجيء من المنايا ... إذا صالت ولا ينجي النحاء أما صالت على يحيى ولما ... يصرح وجهها عنه الحياء فأصبح ثاويا في بطن لحد ... يطول به لنازله الثواء هوى بدر الشريعة من سماه ... وأصبح خائبا ذاك السناء ثوى يحيى السعيد وأي ثاو ... عليه تحسد الأرض السماء وأصبح رهن بلقعة فقيدا ... تعفيها الذواري والسماء ألا ليت الزمان ومن عليه ... ومن فيه لمصرعه الفداء لقد جلت مصيبتنا بيحيى ... فوا حزنا فقد عظم البلاء لقد حل البكاء لكل باك ... على يحيى وقد عز العزاء إذا آن الفراق أتى سريعا ... ولا ندري متى يقع اللقاء أحين ثمار أصل العلم طابت ... لجانيها وحين أتى الإناء تعزّوا آل فضل في فقيد ... بمثل فقيدكم عقم النساء تولى شخصه عنكم وأبقى ... ثناء والحياة هي الثناء فرحمة بارئ الأرواح تترى ... عليه لها رواح واغتداء وجاد حفيرة قد حلّ فيها ... سحاب الوصل منه لها ارتواء تبارك من يدبر كل أمر ... ويخلق ما يشاء لمن يشاء) (٢) ولم أقف على تاريخ وفاته، فذكرته هنا؛ تبعا لأبيه. ٢٥٩٤ - [فضل بن محمد] (٣) فضل بن محمد بن أبي فضل، تلميذ الفقيه سالم بن فضل مقدم الذكر.

стр. 2071

قال الشيخ علي بن أبي بكر: (قال فيه أبو الحسن علي بن سالم الحجيشي: [من الخفيف] أنت يا فضل أفضل العصر حقا ... أنت يا فضل معدن الإفضال أنت فرد الزمان حلما وعلما ... أنت إنسان عين أهل الكمال فيك ما يدهش العقول وإن كن ... ت تدانى بشيمة الأبدال) انتهى ما ذكره الشيخ علي بن أبي بكر (١). ولم أقف على تاريخ وفاته، فذكرته هنا؛ تبعا لشيخه. ٢٥٩٥ - [أبو موسى المديني] (٢) محمد بن أبي بكر عمر بن أحمد بن عمر أبو موسى الأصبهاني، أحد شيوخ الإسلام. حدث عن خلق، منهم: غانم البرجي، وأبو زكريا ابن منده، وأبو علي الحداد. وعنه أبو سعد بن السمعاني، وأبو بكر الحازمي وغيرهما. وكان كثير العلم، واسع الرواية، نهاية في علو الإسناد، كثير التقى والورع والزهادة، ومن مصنفاته: كتاب «اللطائف» وهو كاسمه، وغير ذلك. توفي سنة إحدى وثمانين وخمس مائة. ٢٥٩٦ - [صالح الهروي] (٣) صالح بن أحمد بن أبي بكر بن منصور الهروي، أخص أصحاب أبي العلاء العطار، وبه سلك طريق الآثار. وكان حافظا متقنا، له يد في علم الكلام، واستنباط لمعاني الأحاديث والأحكام، مع زهد وورع، وشدة قيام على أهل البدع. توفي سنة إحدى وثمانين وخمس مائة.

стр. 2072

٢٥٩٧ - [عبد الله بن بري] (١) أبو محمد عبد الله المقدسي ثم المصري النحوي، الإمام العلامة، صاحب التصانيف. روى عن طائفة، وانتهى إليه علم العربية في زمانه، وقصد من البلاد لتحقيقه وتبحيره، وكان يلحن في حديثه، ويتبرم ممن يخاطبه بإعراب، وفيه سذاجة طبع. يقال: إنه كان يأخذ العنب في كمه مع الحطب والبيض، فيقطر ماء العنب على رجله، فيرفع رأسه ويقول: هذا من العجب، تمطر مع الصحو! توفي سنة اثنتين وثمانين وخمس مائة. ٢٥٩٨ - [سالم الأخضري] (٢) سالم بن مهدي بن قحطان بن حمير بن حوشب الأخضري. قال الجندي: (أظن مسكنه ذا عدينة) (٣). تفقه بأهل تهامة، وكان فقيها عارفا مجودا، وأخذ «المهذب» عن راجح بن كهلان، عن ابن عبدويه. وهو أحد شيوخ ابن سمرة. وتوفي سنة اثنتين وثمانين وخمس مائة. ٢٥٩٩ - [القاضي عيسى بن علي] (٤) القاضي عيسى بن علي.

стр. 2073

ولاه سيف الإسلام طغتكين بن أيوب قضاء الجند. وتوفي سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة (١). ٢٦٠٠ - [حسن الشيباني] (٢) حسن بن أبي بكر بن أبي اختيار الشيباني الساكن في الخوهة من بلاد اليمن. توفي في سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة. تفقه على الشيخ الإمام محمد بن عبدويه المتقدم ذكره، وبعبد الله الهرمي، والطويري، لزم مجلسه سبع سنين، ورحل إلى عدن رحلتين بينهما أربعون سنة، وله مصنفات حسنة. وعرض عليه قضاء زبيد فامتنع واعتذر، فقيل له: أرشدنا إلى من تراه، فأشار بالقاضي عبد الله بن محمد بن أبي عقامة. ٢٦٠١ - [عبد الجبار البغدادي] (٣) عبد الجبار بن يوسف البغدادي شيخ الفتوة وحامل لوائها، علا شأنه لكون الخليفة تفتّى. وتوفي حاجا بمكة سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة. قال التقي الفاسي: (ذكره ابن البزوري فقال: تحلى بالعفة والدين، وتفرد بالعصبية والمروءة وشرف النفس والأبوة. انقطع إلى عبادة الله تعالى بموضع اتخذه لنفسه وبناه، فاستدعاه الإمام الناصر لدين الله، فلذلك صار المعول عليه. وذكر أنه خرج حاجا في السنة المذكورة، فأدركه الأجل بالمعلاة، ودفن هناك) (٤).

стр. 2074

٢٦٠٢ - [ابن الدامغاني] (١) أبو الحسن علي بن أحمد الحنفي المعروف بابن الدامغاني، قاضي القضاة. كان وقورا محتشما ساكنا. توفي سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة. ٢٦٠٣ - [الأمير ابن المقدم] (٢) محمد بن عبد الملك الأمير الكبير المعروف بابن المقدم. كان بطلا شجاعا، محتشما عاقلا، من أعيان أمراء الدولتين. شهد الفتوحات في سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة، وحج في تلك السنة، فلما نزل بعرفات .. رفع علم السلطان صلاح الدين، وضرب الكوسات، فأنكر عليه أمير ركب العراق، فلم يلتفت، وركب في طلبه، وركب إليه الآخر، فالتقوا، وقتل جماعة من الفريقين، وأصاب ابن المقدم سهم في عينه فخرج سريعا، ثم مات من الغد بمنى. ٢٦٠٤ - [ابن المني الحنبلي] (٣) نصر بن فتيان، شيخ الحنابلة، الملقب: ناصر الإسلام. كان موصوفا بالورع والزهد والتعبد. وتوفي سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة.

стр. 2075

٢٦٠٥ - [ابن الصاحب] (١) ابن الصاحب هبة الله بن علي الملقب: مجد الدين. ولي أستاذية دار الخليفة المستضيء بالله، ولما ولي ابنه الناصر لدين الله .. رفع منزلة الوزير، وبسط يده. وكان رافضيا سبابا، لما تمكن .. أحيا شعار الإمامية، واشتهر بأشياء قبيحة، فقتل، وأخذت حواصله، ومن جملتها ألف ألف دينار، وذلك في سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة. ٢٦٠٦ - [أحمد الأشعري] (٢) أحمد بن موسى بن الحسين بن قحيش الأشعري. ولد في رجب سنة خمس مائة. وأخذ الفقه عن الفقيه إسحاق بن حسن الأشعري، وأحمد بن إبراهيم بن أحمد اليافعي. وكان فقيها فاضلا. وتوفي سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة. ٢٦٠٧ - [الحسن الشيباني] (٣) الحسن بن أبي بكر بن أبي اختيار أبو محمد الشيباني. ولد سنة إحدى-وقيل: اثنتين-وخمس مائة. وتفقه بالهرمي، وأخذ عن ابن عبدويه من أول «التنبيه» إلى النكاح، ولزم مجلس الطويري سبع سنين.

стр. 2076

وكان فقيها كبيرا فاضلا، مشهورا بمعرفة الفقه والحديث، و «مشكله» على «المهذب» يدل على ذلك، وله مصنفات أخرى غير «المشكل»، وكان يتردد ما بين قريته وهي الخوهة وزبيد وعدن. وعرض عليه قضاء زبيد أيام توران شاه فامتنع، ثم عرض عليه القاضي الأثير أيام سيف الإسلام فامتنع أيضا، فقال له: إن لم تفعل .. فدلنا على من يصلح للقضاء، فدلهم على عبد الله بن محمد بن أبي عقامة، فولوه. ولم أقف على تاريخ وفاته، وإنما ذكرته هنا؛ لأن ابن سمرة ذكر أنه اجتمع به في عدن سنة إحدى وثمانين وخمس مائة (١)، وقد سبق له قريبا ترجمة بأخصر مما هنا، وأنه كما في «تاريخ اليافعي» توفي سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة (٢)، والله سبحانه أعلم. ٢٦٠٨ - [عثمان الزنجيلي] (٣) الأمير عزّ الدين عثمان بن علي الزنجيلي-نسبة إلى زنجيلة، قرية من قرى دمشق-ويقال له: الزنجاري. كان أحد الأمراء الذين قدموا مع شمس الدولة توران شاه بن أيوب إلى اليمن، فلما رجع توران شاه إلى أخيه صلاح الدين بالديار المصرية .. استخلف نوابا على اليمن من جملتهم المذكور، استخلفه على عدن ونواحيها، فغزا الزنجيلي المذكور الجبال والتهائم، وأفسد منها مواضع كثيرة على شمس الدولة، ثم غزا حضر موت بطرا وأشرا، فقتل فقهاءها وقراءها قتلا ذريعا، ثم حصل بينه وبين خطاب نائب شمس الدولة على زبيد حروب كثيرة. قال الجندي: (وكان معدودا من الذين سعوا في الأرض فسادا) (٤). وبنى مسجدا بعدن، ووقف عليه وقفا جزيلا، ووقف بعدن على الحرم الشريف وقفا عظيما.

стр. 2077

ولما قدم سيف الإسلام طغتكين بن أيوب إلى زبيد في التاريخ المقدم ذكره (١)، وأسر خطاب بن منقذ، وقبض أمواله .. هرب عثمان الزنجيلي من عدن، وركب البحر، فأمر سيف الإسلام من يلتقي مراكبه من ساحل زبيد، فلم يفت منها غير المركب الذي هو فيه، فوصل إلى الشام، وسكن دمشق، وابتنى في ظاهرها مدرسة. ولما توفي بدمشق في سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة .. دفن في مدرسته. ٢٦٠٩ - [عبد الله الزوقري] (٢) عبد الله بن الفقيه محمد بن حميد الزوقري. تفقه بالإمام سيف السنة، وهو أحد أصحاب اليفاعي. وكان فقيها فاضلا، كاملا، صحب الأستاذ جوهر المعظمي. وأخذ عنه الإمام بطال بن أحمد الركبي. وكان يسكن حيث يسكن أبوه، وتوفي هنالك في ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة. ٢٦١٠ - [أسامة بن مرشد] (٣) أسامة بن مرشد الكناني الشيزري أبو المظفر مؤيد الدولة، الأمير الكبير، أحد الأبطال المشهورين، والشعراء المجيدين. له عدة تصانيف في الأدب والأخبار، وديوان شعره في جز أين، ومن شعره: [من الكامل] لا تستعر جلدا على هجرانهم ... فقواك تضعف عن صدود دائم واعلم بأنك إن رجعت إليهم ... طوعا وإلا عدت عودة راغم

стр. 2078

وقال في ابن طليب المصري وقد احترقت داره: [من الكامل] انظر إلى الأيام كيف تسوقنا ... قهرا إلى الإقرار بالأقدار ما أوقد ابن طليب قط بداره ... نارا وكان خرابها بالنار وقال لغزا وقد قلع ضرسه: [من البسيط] وصاحب لا أملّ الدهر صحبته ... يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد لم ألقه مذ تصاحبنا فحين بدا ... لناظري افترقنا فرقة الأبد وفسر هذا اللغز الإمام اليافعي حيث قال: [من البسيط] ضرس امرئ غاب عن عينيه في فمه ... عليه في طحن ما يغذوه معتمد نعم الرحى صور الباري بحكمته ... تراه عند انقلاع غير مرتدد (١) توفي سنة أربع وثمانين وخمس مائة. ٢٦١١ - [أبو القاسم ابن حبيش] (٢) عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله بن يوسف، أبو القاسم ابن حبيش-وحبيش خاله، نسب إليه-الأنصاري الإمام، المقرئ المحدث، النحوي اللغوي. حدث عن أبي بكر بن العربي وغيره. ولي قضاء مرسية وخطابتها، واشتهر ذكره، وبعد صيته، وصنف كتاب «المغازي» في مجلدات، وكان من أئمة العلوم المذكورة. توفي سنة أربع وثمانين وخمس مائة. ٢٦١٢ - [ابن شمس الأئمة] (٣) عمر بن الإمام شمس الأئمة بكر ابن علي الحنفي، شيخ الحنفية في زمنه بما وراء النهر. توفي سنة أربع وثمانين وخمس مائة.

стр. 2079

٢٦١٣ - [محمد المسعودي] (١) محمد بن عبد الرحمن الخراساني الصوفي المعروف بالمسعودي، شارح «المقامات». كان يعلم الملك الأفضل عند السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، ثم أقام بدمشق يأخذ الناس عنه. توفي سنة أربع وثمانين وخمس مائة. رحل وكتب وسعى، وجمع فأوعى، استوعب في شرحه على «المقامات» ما لم يستوعبه غيره في خمس مجلدات كبار، لم يبلغ أحد ممن شرحها إلى هذا القدر ولا إلى نصفه، واستعان عليه بكتب نفيسة غريبة حصلت له في طريقه. وحكى أبو البركات الهاشمي قال: لما دخل السلطان صلاح الدين حلب .. نزل المسعودي المذكور إلى جامع حلب، وقعد في خزانة كتب الوقف، واختار منها جملة أخذها لم يمنعه منها أحد، ولقد رأيته يحشوها في عدل. وقال ابن النجار: كان من الفضلاء في كل فن؛ في الفقه والحديث والأدب، وكان من أظرف المشايخ وأجملهم. توفي عن اثنتين وثمانين سنة في سنة أربع وثمانين وخمس مائة كما تقدم، والله أعلم. ٢٦١٤ - [الحازمي] (٢) محمد بن موسى الحازمي-نسبة إلى جده حازم الهمذاني-الإمام الحافظ الكبير. سمع من أبي الوقت حضورا، وسمع من أبي زرعة، ومعمر بن الفاخر بالخاء

стр. 2080

المعجمة، ورحل إلى العراق وأصبهان والجزيرة وبلاد فارس والشام وهمذان وغيرها من أقطار الإسلام. وصنف التصانيف المفيدة ك «الناسخ والمنسوخ» وغيره، وكان إماما ذكيا، ثاقب الذهن، متبحرا في علم السنن، برع في الفقه، ومهر في الحديث، وكان بصيرا بالرجال والعلل، غلب عليه الحديث واشتهر به، وصنف فيه، وله كتاب «العجالة» في النسب، وكتاب «ما اتفق لفظه واختلف مسماه» في الأماكن والبلدان المشتبهة في الخط، وكتاب «الفيصل في مشتبه النسبة» وكتاب «سلسلة الذهب» فيما روى الإمام أحمد عن الشافعي و «شروط الأئمة» وغير ذلك من الكتب النافعة، وسكن في الجانب الشرقي من بغداد. ولم يزل مواظبا للاشتغال، ملازما للخير، ذا زهد وتعبد وتأله، وانقباض عن الناس إلى أن توفي رحمه الله تعالى، فدفن بالشونيزية إلى جانب سمنون بن حمزة مقابل قبر الجنيد رحمة الله على الجميع بعد أن صلّى عليه خلق كثير برحبة جامع القصر، وحمل إلى الجانب الغربي، فصلي عليه مرة أخرى، وفرق كتبه على أصحاب الحديث. وكانت ولادته في سنة ثمان-أو تسع-وأربعين وخمس مائة. ووفاته في سنة أربع وثمانين وخمس مائة، كذا في «تاريخ اليافعي» تاريخ ولادته ووفاته (١)، فيكون عمره ستا وثلاثين سنة، والله أعلم. ٢٦١٥ - [أحمد القريظي] (٢) القاضي أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي سالم اليمني القريظي، قاضي عدن. أخذ عن القاضي أبي بكر الجندي، والمقيبعي وغيرهما. وعنه أخذ عمر بن علي بن سمرة الجعدي، والإمام بطال بن أحمد الركبي، ومحمد بن قاسم المعلم وغيرهم. وكان فقيها محدثا حافظا، مجودا في الحديث، عارفا باللغة والعربية، أقام في مجلس الحكم بعدن أربعين سنة، وانفصل عنه سنة إحدى وثمانين وخمس مائة.

стр. 2081

توفي بها سنة أربع وثمانين وخمس مائة. وولي القضاء بعده عبد الوهاب بن علي المالكي من قبل أثير الدين، وهو آخر من عده ابن سمرة من قضاة عدن (١). ٢٦١٦ - [إسماعيل الدينوري] (٢) إسماعيل بن عبد الملك بن مسعود أبو الفداء الدينوري البغدادي. قدم من العراق، واستوطن عدن. وكان فقيها مشهورا، محدثا، عابدا زاهدا ذاكرا، ذا كرامات كثيرة، منها ما ذكره إمام مسجد المقرئ يوسف الصداي أنه قال له: يا مقرئ؛ أتريد أن أريك آية من آيات الله المحجوبة عن كثير من الناس؟ قال: نعم، فأدناه منه، ومسح بيده على وجه المقرئ وقال له: ارفع رأسك إلى السماء، فرفع رأسه ونظر إلى السماء، فرأى آية الكرسي مكتوبة بنور يخطف البصر، أولها بالمشرق: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، ﴾ وآخرها بالمغرب: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ قال المقرئ: بهذا أشهد، فاشهدوا على شهادتي! وكان الفقيه إسماعيل معروفا بالصحبة للخضر، ويزوره الخضر كثيرا. ولم أقف على تاريخ وفاته، وزمنه معروف بمعاصريه، وإنما ذكرته هنا؛ تبعا لتلميذه القاضي أحمد القريظي المذكور قبله، وكذلك إنما ذكرته في الشافعية ظنا، والله سبحانه أعلم بالصواب. ٢٦١٧ - [ابن أبي عصرون] (٣) أبو سعد عبد الله بن محمد المعروف بابن أبي عصرون التميمي ثم الموصلي، فقيه الشام، قاضي القضاة، أحد الأعلام. تفقه بالموصل، وسمع بها، ثم رحل إلى بغداد، فقرأ القراءات، ودرس النحو

стр. 2082

والأصلين، ودخل واسط، وتفقه بها، ورجع إلى الموصل بعلوم كثيرة، ودرّس بها وأفتى، ثم قدم حلب، ودرّس بها، ثم أقبل عليه نور الدين، فقدم معه عند مفتتح دمشق، ودرس بالغزالية، ثم ولي قضاء سنجار وحران مدة، ثم قدم دمشق، وولي القضاء لصلاح الدين. وله مصنفات كثيرة. وتوفي سنة خمس وثمانين وخمس مائة. ٢٦١٨ - [المبارك بن المبارك] (١) شيخ الشافعية في وقته ببغداد المبارك بن المبارك، صاحب الخط المنسوب، ومؤدب أولاد الناصر لدين الله تعالى. درس بالنظامية، وتفقه به جماعة وحدث. وكان ذا علم وعمل، ونسك وورع. وجوّد الكتابة حتى بالغ بعضهم فقال: هو أكتب من ابن البواب، ثم اشتغل بالفقه، فبلغ فيه الغاية. وتوفي سنة خمس وثمانين وخمس مائة. ٢٦١٩ - [محمود الأصبهاني] (٢) أبو طالب محمود بن علي التميمي الأصبهاني، صاحب الطريقة في الخلاف. تفقه على الشهيد محمد بن يحيى تلميذ حجة الإسلام أبي حامد الغزالي، وبرع في الخلاف، وصنف فيه «التعليقة» التي شهدت بفضله وتحقيقه، جمع فيها بين الفقه والتحقيق، وكان عمدة المدرسين في إلقاء الدروس، واشتغل عليه خلق كثير، وصاروا علماء.

стр. 2083

وله اليد الطولى في الوعظ، وكان قاضيا، مدرسا، متفنّنا في العلوم. توفي سنة خمس وثمانين وخمس مائة. ٢٦٢٠ - [البحراني] (١) محمد بن يوسف البحراني-نسبة إلى البحرين، بليدة بالقرب من هجر-الشاعر المشهور. نظم الشعر وهو صغير بالبحرين على عادة العرب قبل أن ينظر في الأدب، ثم تفنن في علم العربية، وأتقن الشعر، وكان أعلم الناس بالعروض والقوافي، وأعرفهم بنقد الشعر وتمييز جيده من رديه، واشتغل بشيء من علوم الأوائل، وحل كتاب اقليدس، وأقام بشهرزور مدة، ثم قدم دمشق، وخدم السلطان صلاح الدين بقصيدة طويلة، ومدح المظفر صاحب إربل بقصيدة من جملتها: [من الرمل] رب دار بالغضا طال بلاها ... عكف الركب عليها فبكاها درست إلا بقايا أسطر ... سمح الدهر بها ثم محاها كان لي فيها زمان وانقضى ... فسقى الله زماني وسقاها وله ديوان شعر ورسائل حسنة. توفي سنة خمس وثمانين وخمس مائة. قال الأزهري: (وإنما سميت: البحرين؛ لأن في ناحية قراها بحيرة على باب الأحساء، وقرى هجر، بينها وبين البحر الأخضر عشرة فراسخ، وقدرت البحيرة ثلاثة أميال في مثلها) (٢). وعن أبي محمد اليزيدي قال: سألني المهدي وسأل الكسائي عن النسبة إلى البحرين وإلى الحصنين، لم قالوا: حصني وبحراني؟ فقال الكسائي: كرهوا أن يقول: حصناني؛ لاجتماع النونين، قال: وقلت أنا: كرهوا أن يقولوا: بحري؛ فيشبه النسبة إلى البحر.

стр. 2084

٢٦٢١ - [أبو يعقوب الصوفي] (١) يوسف بن أحمد بن إبراهيم الصوفي أبو يعقوب، مفيد بغداد. حدث عن أبي الوقت، وإسماعيل السمرقندي وغيرهما. وله رحلة واسعة إلى عدة بلاد، جمع لنفسه أربعين حديثا. توفي سنة خمس وثمانين وخمس مائة. ٢٦٢٢ - [سيف السنة البريهي] (٢) أحمد بن محمد بن عبد الله بن مسعود بن سلمة بن يوسف بن إسماعيل البريهي ثم السكسكي ثم الكندي، المعروف بسيف السنة، الإمام العالم العامل، العابد الورع الزاهد، الفقيه المحدث الأصولي، النحوي اللغوي، ذو التصانيف المفيدة، والكرامات العديدة. أخذ عن الإمامين: زيد اليفاعي ويحيى بن أبي الخير، وعن الحافظ علي بن أبي بكر العرشاني. وحج سنة ثمان وخمس مائة، فقرأ «صحيح مسلم» على الشيخ محمد بن الحسين الهروي. وأخذ عنه جمع من الفضلاء لا يحصون كثرة كمحمد بن مضمون، ويحيى بن فضل، وأحمد بن مقبل وغيرهم. ولم يكن بعد الشيخ يحيى بن أبي الخير صدرا غيره. وكان يسكن مدينة إبّ، وإليه انتهت الرئاسة فيها، وقصده الطلبة من أنحاء شتى، وانتفع به العالم، وكان كبير القدر، مشهور الذكر، كثير الاشتغال بالتدريس والنسخ، يبيع في كل عام «بيانا» و «مهذبا» و «كافيا»، وقد يكون معها «تنبيه» أيضا، ثم يرسل بذلك

стр. 2085

إلى مكة يباع، ويشترى له به ورق ينسخ فيه ما يحتاجه من الكتب، ووقف كتبا كلها على طلبة العلم من أهل السنة، وكتب على كل كتاب منها: [من البسيط] هذا الكتاب لوجه الله موقوف ... بتّا إلى الطالب السني مصروف كذا اقتصر الخزرجي على هذا البيت، وأظن أن بعده: ما للأشاعرة الضلال في كتبي ... حق ولا للذي بالزيغ معروف ولقد أخطأ ﵀ في جعله الأشاعرة ضلالا وهم رءوس أهل السنة كما قاله الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وغيره، وإذا كان الشيخ أبو إسحاق، والقاضي أبو بكر الباقلاني، وأبو القاسم القشيري، وأبو حامد الغزالي، وأبو المعالي الجويني، وعزّ الدين بن عبد السلام، وأمثالهم من الأئمة الأعلام ضلالا .. فيا ليت شعري من هو المصيب! ! وبالجملة: فلا ينكر فضل سيف السنة وعلمه وصلاحه، ولكن هذا المعتقد غلب على جل علماء اليمن المتقدمين، وما أظنهم كانوا يوافقون الحنابلة إلا في القول بالصوت والحرف والجهة دون التجسيم والتشبيه. ومما يحكى من ورع سيف السنة أن الشيخ علي بن المعلم كان ملتزما للمخلاف أيام سيف الإسلام طغتكين بن أيوب، فصادر قوما على مال، وأراد أن يشتري به شيئا من أراضيهم، فوافقوه على ذلك؛ اتقاء سطوته، فجمع أعيان الفقهاء إلى منزله ومنهم سيف السنة، وأطعمهم طعاما، وأراد كتب شهادتهم على الوثيقة، فامتنع سيف السنة من كتب شهادته على ذلك، فقيل له: كيف أكلت الطعام ولم تشهد؟ ! فقال: قد ثبت أنه ﷺ وأصحابه أكلوا طعام الكفار، ولما سئل ﷺ على الشهادة .. أشار إلى الشمس وقال: «على مثلها فاشهد»، ثم خرج، فقال ابن المعلم: من هذا؟ فقيل له: هذا سيف السنة، فقال: صدق من سماه بذلك. ويروى أنه خرج يوما إلى زرعه، فرأى عجورة (١) من الزرع من أسفلها على عقد واحد وقد افترق أعلاها شجنان، في كل شجن سنبلة، فتعجب من ذلك، ومد يده ليأخذها من أسفلها، فوقعت يده على أحد الشجنين، فانسلخ في يده، فتأمله، فإذا فيه مكتوب: (لا إله إلا الله)، وفي الشجن الآخر: (محمد رسول الله) بخط عجيب، فتعجب من ذلك،

стр. 2086

وكسره، وأوصله إلى إبّ، فتعجب الناس جميعهم منه. ولما تهدمت إبّ .. أنشد: [من الطويل] خليلي من ذا عيشه قبلنا طابا ... فلا تجزعا أن ناب إبّ الذي نابا فآدم في الفردوس ما طاب عيشه ... ولا طاب في الدنيا وإن كان قد تابا ومن شعره: [من البسيط] يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته ... أتطلب الربح فيما فيه خسران أقبل على النفس واستكمل فضائلها ... فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان وامتحن بقضاء السحول، فكان يستنيب فيه. ولم يزل على أحسن طريقة إلى أن توفي في الثلث الأخير من ليلة الجمعة لعشر بقين من ذي القعدة سنة خمس وثمانين وخمس مائة ﵀. ٢٦٢٣ - [ابن صصرى] (١) أبو المواهب الحسن بن هبة الله بن محفوظ بن حسن بن محمد ابن صصرى الربعي التغلبي الدمشقي الحافظ. حدث عن جده ونصر الله المصيصي، وابن البطي، وأبي العلاء ابن العطار. وعنه ابنه سالم وغيره. وسمع من الحافظ ابن عساكر وغيره، وتخرج به. ورحل إلى العراق وهمذان وأصبهان والجزيرة وغير ذلك، وسمع من شيوخ جمة، وجمع وصنف «فضائل بيت المقدس»، و «فضائل الصحابة»، ولم يحدث إلا باليسير. وكان ذا ثقة وجلالة، وكرم ورئاسة. توفي سنة ست وثمانين وخمس مائة.

стр. 2087

٢٦٢٤ - [الحسن بن علي القحفري] (١) الحسن بن علي بن يعيش أبو محمد. تفقه بالإمام سيف السنة المذكور قبله (٢)، وحذا حذوه مقالا وفعالا. وكان فقيها صالحا، ورعا دينا، يسكن شرقي قرية ذي سفال بمنزل يعرف بمنزل بني يعيش. قال الجندي: (وسمع في بعض مجاميع الحجيج بعرفات أو منى قائل يقول: يا أهل اليمن أبشروا؛ فإن الله قد غفر لكم ببركة حسن ابن يعيش) (٣). وكان له ولد اسمه: أبو بكر، كان فقيها، أخذ عن ابن مضمون من قرية الملحمة وغيره، وعنه أخذ محمد بن مسعود في بدايته. ولم أتحقق تاريخ وفاته، فذكرته هنا؛ تبعا لشيخه سيف السنة نفع الله بهم أجمعين. ٢٦٢٥ - [ابن الجد الفهري] (٤) محمد بن عبد الله بن يحيى بن فرج بن الجد الفهري أبو بكر الإشبيلي، الحافظ النحوي. برع في الفقه والعربية، وانتهت إليه الرئاسة في الحفظ والفتيا. وتوفي سنة ست وثمانين وخمس مائة. ٢٦٢٦ - [أبو حامد الشهرزوري] (٥) محمد بن محمد بن عبد الله الشهرزوري أبو حامد بن أبي الفضل قاضي القضاة.

стр. 2088

له مع فضائله أشعار جيدة، منها قوله في وصف جرادة: [من الطويل] لها فخذا بكر وساقا نعامة ... وقادمتا نسر وجؤجؤ ضيغم حبتها أفاعي الرمل بطنا وأنعمت ... عليها جياد الخيل بالرأس والفم توفي سنة ست وثمانين وخمس مائة. ٢٦٢٧ - [ابن الفخار المالقي] (١) محمد بن إبراهيم بن خلف بن أحمد الأنصاري أبو عبد الله بن الفخّار بتشديد الخاء المعجمة فيما نقله أبو بكر بن نقطة (٢)، وهو مخفف عند غيره. حدث عن أبي بكر ابن العربي ولازمه، وعن شريح بن محمد، وأبي مروان بن مرة. حفظ «سنن أبي داود» في شبيبته، وكان مقدما في الحفظ والمعرفة، معروفا بسرد الأسانيد والمتون، وهو ثقة مأمون. توفي سنة ست وثمانين وخمس مائة. ٢٦٢٨ - [عبد المنعم الفراوي] (٣) عبد المنعم بن عبد الله بن محمد بن الفضل الفراوي النيسابوري، مسند خراسان. سمع من جده، وجماعة غيره. توفي سنة سبع وثمانين وخمس مائة. ٢٦٢٩ - [الملك المظفر الأيوبي] (٤) الملك المظفر عمر بن شاهنشاه بن أيوب بن شاذي، صاحب حماة، ابن أخي السلطان صلاح الدين.

стр. 2089

كان شجاعا مقداما، منصورا في الحروب، مؤيدا في الوقائع، وله مشاهد مشهورة مع الفرنج، وآثار حميدة في المصافات كما دلت عليه التواريخ. وله في أبواب البر معروف متسع، منها: مدارس شافعية ومالكية، وأوقاف كثيرة، وإحسانه كثير إلى العلماء والفقراء وأرباب الخير. ناب عن عمه صلاح الدين في الديار المصرية، ثم استدعاه صلاح الدين إليه إلى الشام، ورتب في الديار المصرية ولده الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين ومعه عمه الملك العادل، فشق ذلك على المظفر، وعزم على دخول بلاد المغرب، فقبح عليه أصحابه ذلك، فامتثل قول عمه، وحضر إلى خدمته، وخرج صلاح الدين، فالتقاه وفرح به، وأعطاه حماة. ومات سنة سبع وثمانين وخمس مائة، وترتب بعده ولده المنصور أبو المعالي الملقب: ناصر الدين. ٢٦٣٠ - [الخبوشاني] (١) محمد بن الموفق الصوفي الزاهد الفقيه نجم الدين الخبوشاني. اختصر «المحيط» لشيخه محمد بن يحيى تليمذ الغزالي في ستة عشر مجلدا، وسماه: «تحقيق المحيط»، كان صلاح الدين يبالغ في احترامه ويعتقده، وعمر له مدرسة الشافعي، وكان يبالغ في ذم العبيديين. ولما هاب صلاح الدين الإقدام على قطع خطبة العاضد .. وقف نجم الدين قدّام المنبر، وأمر أن يخطب الخطيب لبني العباس، ففعل ولم يقع إلا الخير. وهو الذي نبش ابن الكيزاني من قبره، وأخرجه من قبة تحت رجلي الإمام الشافعي وقال: لا يجتمع صديق وزنديق في موضع.

стр. 2090

توفي ابن الموفق المذكور في سنة سبع وثمانين وخمس مائة. وكان أصحاب ابن الكيزاني يصفون فضله ودينه، وأنه كان سليم الباطن، قليل المعرفة بأحوال الدنيا، وكان ابن الكيزاني المذكور من غلاة السنة، فلما نبش عليه .. ثارت حنابلة مصر على نجم الدين، ووقعت الفتنة، وصارت بينهم حروب كما قاله الذهبي (١). قال الشيخ اليافعي: (وقوله-يعني الذهبي-: «من غلاة أهل السنة وأهل الأثر» (٢) أي: ممن يتغالى في تقرير الظواهر وعدم تأويلها، وإنما قال الذهبي: «وغلاة أهل السنة»؛ لأنه كان كثيرا ما يشير إلى أن الظاهرية هم أهل السنة مفهما بذلك أن اعتقاده موافق لأهل الظاهر، والله أعلم بالسرائر) اهـ (٣) ٢٦٣١ - [السهروردي المقتول] (٤) الحكيم شهاب الدين يحيى بن حبش-بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة، ثم شين معجمة-السهروردي المقتول بحلب. كان بارعا في الحكمة وعلوم الفلسفة وأصول الفقه، وشيخه وشيخ فخر الدين الرازي واحد، وهو مجد الدين الجيلي. وكان مفرط الذكاء، فصيح العبارة، مناظرا محجاجا، متزهدا، علمه أكثر من عقله. يقال إنه كان يعرف السيمياء، وله في الشعوذة أشياء، منها أنه خرج مع جماعة من دمشق، فلقوا بالقابون قطيع غنم مع تركماني، فاشتروا منه رأسا بعشرة دراهم، فقال صاحب الغنم: خذوا رأسا أصغر منه، فقال: امشوا، وأنا أقف معه وأرضيه، فتقدموا، وبقي هو يتحدث معه ويطيب قلبه إلى أن أبعد أصحابه، فتبعهم وترك التركماني، وبقي التركماني يمشي خلفه ويصيح به، فلم يلتفت إليه حتى لحقه وجذب يده اليسرى وقال: أين تروح وتخليني؟ ! فإذا بيده قد خلعت من كتفه وصارت في يد التركماني ودمها يجري،

стр. 2091

فبهت التركماني وتحير، ورمى اليد وخاف وهرب، وأخذ هو تلك بيده اليمنى، ولحق أصحابه، وهو يلتفت إليه حتى غاب عنه، ولما وصل إلى أصحابه .. رأوا في يده اليمنى منديلا لا غير. قال ابن خلكان: (ويحكى مثل هذا أشياء كثيرة، والله أعلم بصحتها) اهـ (١) قال الشيخ عبد الله اليافعي: (ويحكى مثل ذلك عن ابن سيناء أيضا) (٢). وللحكيم المذكور مصنفات عديدة: ك «التنقيحات» في أصول الفقه، و «التلويحات» وكتاب «الهياكل»، و «الرسالة الغريبة» وغير ذلك. وله أشعار، منها الأبيات المشهورة التي أولها: [من الكامل] أبدا تحن إليكم الأرواح ... ووصالكم ريحانها والراح قال ابن خلكان: (كان يتهم بانحلال العقيدة، والتعطيل، واعتقاد مذهب الحكماء، فلما وصل إلى حلب .. أفتى علماؤها بإباحة دمه بما ظهر لهم من سوء مذهبه في اعتقاده، وذلك في دولة الملك الظاهر بن السلطان صلاح الدين، فحبسه، ثم خنقه بإشارة والده صلاح الدين، وقيل: قتله وصلبه أياما) (٣)، وقيل: خير بين أنواع القتل، فاختار الموت جوعا؛ لاعتياده الرياضة، فمنع من الطعام حتى تلف، وذلك سنة سبع وثمانين وخمس مائة. قال سبط ابن الجوزي: (وأهل حلب مختلفون في أمره، فأكثرهم ينسبه إلى الزندقة والإلحاد، ومنهم من يعتقد فيه الصلاح وأنه من أهل الكرامات ويقولون: ظهر لهم بعد قتله ما يشهد له بذلك)، والله أعلم بحاله. وقتل وعمره ثمان-وقيل: ست-وثلاثون سنة. ٢٦٣٢ - [ابن سمرة] (٤) عمر بن علي ابن الحسين بن سمرة الجعدي، مؤلف «طبقات فقهاء اليمن».

стр. 2092

قال الجندي: (ولد بقرية أنامر سنة سبع وأربعين وخمس مائة) (١). وتفقه بعلي بن أحمد اليهاقري، وزيد بن عبد الله بن أحمد الزبراني، ومحمد بن موسى العمراني، والإمام طاهر بن يحيى بن أبي الخير العمراني وغيرهم. وكان فقيها فاضلا، عارفا متفننا، ولي القضاء بعدة أماكن من المخلاف من قبل طاهر بن يحيى، وترأس فيها بالفتوى، وولي قضاء أبين من قبل القاضي الأثير في سنة ثمانين وخمس مائة. قال: (وأظنه توفي هنالك بعد سنة ست وثمانين وخمس مائة) (٢). ٢٦٣٣ - [عبد الله الحجري] (٣) عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عبيد الله الحجري الأندلسي، نزيل مرسية. حدث عن أبي بكر بن العربي وغيره. وعنه أبو الخطاب ابن أخيه وغيره. برع في علم الحديث، وتفنن في العلوم، وطال عمره، وشاع ذكره، وعظم قدره. وتوفي سنة سبع وثمانين وخمس مائة. ٢٦٣٤ - [إسماعيل الفرضي] (٤) إسماعيل بن علي الشافعي الفرضي أبو الفضل، من أعيان المحدثين. تفقه على جمال الإسلام ابن المسلم وغيره، وسمع من هبة الله بن الأكفاني وطبقته، ورحل إلى بغداد، فسمع بها من جماعة، وكتب الحديث الكثير، وكان بصيرا بعقد الوثائق والسجلات. توفي سنة ثمان وثمانين وخمس مائة.

стр. 2093

٢٦٣٥ - [أبو المرهف النميري] (١) نصر بن منصور الشاعر أبو المرهف. كان ضريرا، قدم بغداد، فحفظ بها القرآن المجيد، وتفقه على مذهب الإمام أحمد، وسمع الحديث من القاضي ابن الباقلاني، وأبي البركات عبد الوهاب بن المبارك، وأبي الفضل بن الناصر وغيرهم، وقرأ الأدب على أبي منصور الجواليقي. وكان زاهدا ورعا. وله ديوان شعر، منه: [من الوافر] وأخوف ما أخاف على فؤادي ... إذا ما أنجد البرق اللموع لقد حملت من طول التنائي ... من الأحباب ما لا أستطيع كان حسن المقاصد في الشعر. توفي سنة ثمان وثمانين وخمس مائة. ٢٦٣٦ - [سعيد المسكيني] (٢) سعيد بن أحمد بن إسماعيل المسكيني، صاحب حصن شواحط-بضم الشين المعجمة، وفتح الواو، ثم ألف، ثم حاء مكسورة، ثم طاء مهملتين-حصن بالقرب من قرية الملحمة، وهو لعرب يعرفون ببني مسكين، بيت رئاسة متأثلة، كانوا يملكون غالب السحول ونواحي من بعدان، وكان شيخ الحصن محمد بن أحمد بن إسماعيل عم صاحب الترجمة، فلما توفي .. خلفه أخوه أحمد، فلما توفي .. خلفه ابنه سعيد المذكور. وكان سعيد خيرا دينا. قرأ كتاب «النجم» بمكة على مصنفه أو على رجل على المصنف.

стр. 2094

وعن سعيد هذا أخذه جماعة من أكابر الفقهاء باليمن. ثم إن سيف الإسلام طغتكين بن أيوب لزم الشيخ سعيد المذكور في سنة أربع وثمانين حتى سلم إليه الحصن. ثم توفي في ذي القعدة من سنة ثمان وثمانين وخمس مائة، والله سبحانه أعلم. ٢٦٣٧ - [سعيد المسكيني] (١) الشيخ الرئيس أبو محمد سعيد بن أحمد بن إسماعيل المسكيني، صاحب حصن شواحط. كان فقيها فاضلا، ورئيسا كاملا. قال الجندي: (أثنى عليه ابن سمرة ثناء مرضيا وقال: رويت عنه كتاب «النجم» بروايته عن مصنفه. وقال صاحب «البيان»: سعيد بن أحمد يصلح للفتوى) (٢). ولما قدم سيف الإسلام طغتكين بن أيوب إلى اليمن .. سلم إليه الشيخ سعيد حصن شواحط، وأقام في بعض الجهات إلى أن توفي ﵀ في سنة ثمان وثمانين وخمس مائة. ٢٦٣٨ - [داود صاحب مكة] (٣) داود بن عيسى بن فليتة بن قاسم بن محمد بن أبي هاشم العلوي الحسني، صاحب مكة شرفها الله تعالى. توفي سنة تسع وثمانين وخمس مائة. ٢٦٣٩ - [سلطان شاه] (٤) محمود سلطان شاه، أخو الملك علاء الدين خوارزم شاه، ابنا أرسلان الخوارزمي. توفي سنة تسع وثمانين وخمس مائة.

стр. 2095

٢٦٤٠ - [سنان الإسماعيلي] (١) سنان بن سليمان (٢) أبو الحسن البصري الإسماعيلي الباطني، صاحب الدعوة، وصاحب حصون الإسماعيلية. كان أديبا متكلما، عالما بالفلسفة، أخباريا شاعرا، وله رسالة إلى السلطان نور الدين تدل على غزارة معرفته في ذلك، وقد ذكرناها في ترجمة السلطان محمود بن زنكي (٣). توفي المذكور سنة تسع وثمانين وخمس مائة (٤). ٢٦٤١ - [مسعود صاحب الموصل] (٥) مسعود بن مودود بن أتابك زنكي السلطان عزّ الدين، صاحب الموصل. كان كثير الخير والإحسان، يزور الصالحين ويقربهم، وفيه حلم وحياء ودين، لا جرم أعقبه ذلك ما ذكره ابن الأثير أنه بقي عشرة أيام لا يتكلم إلا بالشهادتين وقراءة القرآن، ورزق خاتمة خير (٦). وتوفي سنة تسع وثمانين وخمس مائة، ودفن في مدرسته بالموصل، وتملك بعده ولده نور الدين. ٢٦٤٢ - [صلاح الدين الأيوبي] (٧) السلطان صلاح الدين الملك الناصر يوسف بن أيوب بن شاذي-بمعجمتين، بينهما

стр. 2096

ألف، ثم ياء النسبة، ومعناه بالعربي: فرحان-صاحب الديار المصرية والبلاد الشامية والحجازية واليمنية الذي أعز الله به الإسلام، وأذل به أهل الشرك والصليب. ولد سنة اثنتين وثلاثين وخمس مائة بقلعة تكريت لما كان أبوه واليا عليها من جهة مجاهد الدين متولي شحنة بغداد من قبل السلطان غياث الدين مسعود السلجوقي، ولم يزل في كنف أبيه حتى ترعرع. فلما أخذ نور الدين محمود زنكي دمشق .. لازم نجم الدين أيوب وولده صلاح الدين المذكور خدمته، وكانت مخائل السعادة لائحة على صلاح الدين، والنجابة تقدمه من حالة إلى حالة، ونور الدين يقدمه ويؤثره لما يعلم من صلاح الدين من فعل الخير والمعروف والاجتهاد في أمور الجهاد، حتى جهزه للمسير مع عمه أسد الدين شيركوه إلى الديار المصرية مرارا كما ذكرناه في ترجمة أسد الدين (١)، واستقر في آخرها أسد الدين في وزارة مصر بعد قتله لشاور، وذلك في سنة أربع وستين. ثم مات أسد الدين بعد قتله لشاور بشهرين، فاستمر ابن أخيه صلاح الدين في الوزارة، واستقرت له الأمور، وتمهدت له القواعد، وملك قلوب الرجال ببذل الأموال، وشكر نعمة الله، فتاب عن الخمر، وأعرض عن أسباب الهوى، وتقمص بقميص الجد والاجتهاد، وشن الغارات على الفرنج إلى الكرك والشوبك، هذا وهو وزير متابع للقوم، لكنه يقول بمذهب أهل السنة، ويجالس أهل العلم والتصوف، والناس يهرعون إليه من كل جانب، وهو لا يخيب قاصدا. واستدعى أباه نجم الدين من الشام، فسيره إليه الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي، فدخل مصر في أبهة عظيمة، وتلقاه العاضد بنفسه؛ إكراما لابنه صلاح الدين، ثم طلب من نور الدين أن يرسل إليه أخويه، فلم يجبه إلى ذلك وقال: أخاف أن يخالف عليك أحد منهم فتفسد البلاد. ثم أمره نور الدين بقطع خطبة العاضد من مصر وإقامة الخطبة العباسية، فأحجم السلطان صلاح الدين من ذلك؛ خوفا من وثوب المصريين عليه، ثم لم يجد بدا من الإجابة إلى

стр. 2097

ذلك، فخطب للمستضيء العباسي، ومات العاضد عقيب ذلك، فاستولى صلاح الدين على القصر بجميع ما فيه، ونقل أهل العاضد إلى مكان منفرد، ووكل بهم من يحفظهم كما تقدم في ترجمة العاضد (١). وطلب العادل نور الدين صلاح الدين من مصر إلى الشام، فاعتذر، فألح في طلبه وهم أن يصل بنفسه إلى مصر، وهم صلاح الدين بشق العصى ومقاتلة نور الدين، فأشار عليه أبوه بإظهار التذلل والخضوع لنور الدين، ويعلمه أنه عبده ونائبه في البلد وإن كان في باطن الأمر على خلاف ذلك، ففعل ما أشار به والده نجم الدين، فاستكان نور الدين لذلك، ورجع عما كان بصدده من قصد مصر، ثم توفي نور الدين في سنة تسع وسبعين. وخرج على صلاح الدين الكنز كبير السودان، جمع بأسوان جمعا عظيما من السودان زعم أنه يعيد الدولة المصرية، وانضم إليه المصريون، فجهز إليه صلاح الدين جيشا كثيفا مقدمهم أخوه الملك العادل، فكسرهم في سنة سبعين وخمس مائة، فاستقر لصلاح الدين قواعد الملك. وكان نور الدين قد خلف ولده الملك الصالح إسماعيل في دمشق، وكان شمس الدين ابن الداية بقلعة حلب قد حدثته نفسه بأمور، فسار الملك الصالح من دمشق إلى حلب، فوصل إلى ظاهرها ومعه سابق الدين، فخرج بدر الدين حسن بن الداية فقبض على سابق الدين، ولما دخل الملك الصالح القلعة .. قبض على شمس الدين ابن الداية وأخيه حسن، وأودع الثلاثة السجن، وفي ذلك اليوم قتل أبو الفضل بن الخشاب لفتنة جرت بحلب، وقيل: قتل قبل قبض أولاد الداية، ولما علم صلاح الدين بموت نور الدين وأن ولده الملك الصالح إسماعيل صبي لا يستقل بالأمر ولا ينهض بأعباء الملك .. ترك مصر، وتجهز إلى دمشق في جيش كثيف مظهرا أنه يتولى مصالح الملك الصالح، فدخلها بالتسليم في سنة سبعين وخمس مائة، وتسلم قلعتها، وفرح الناس به، وأنفق مالا عظيما. ثم سار إلى حمص فأخذ مدينتها، ولم يشتغل بقلعتها، ثم توجه إلى حلب فنازلها، فأنفذ سيف الدين غازي صاحب الموصل جيشا عظيما مقدمهم أخوه عزّ الدين مسعود لمقاتلة صلاح الدين، فلما علم بذلك صلاح الدين .. رحل عن حلب عامدا إلى حماة، ثم إلى حمص، فأخذ قلعتها، ورحل عزّ الدين إلى حلب، واستظهر بعسكر ابن عمه الملك

стр. 2098

الصالح إسماعيل، وخرجوا في جمع عظيم، وسار صلاح الدين، فالتقوا على قرون حماة، فراسلهم صلاح الدين، واجتهد في الصلح فلم يقبلوا، فلاقاهم، فكسرهم وأسر جماعة منهم، ثم نزل على حلب، وصالحوه على أخذ المعرة وكفر طاب ومارين، ولما جرت هذه الوقعة .. كان سيف الدين غازي محاصرا أخاه عماد الدين صاحب سنجار؛ لأنه كان قد انتمى إلى صلاح الدين، ثم جمع العساكر وسار، وخرج ابن عمه الملك الصالح، فوصل إلى حلب، وصعد قلعتها، ووصل إلى صلاح الدين عسكر مصر، فالتقاهم، وكسرهم، وأسر منهم جمعا من كبار الأمراء، ثم منّ عليهم وأطلقهم، وعاد سيف الدين إلى حلب، فأخذ منها خزائنه وسار إلى بلاده، ومنع صلاح الدين من اتباع القوم، ونزل على خيامهم، وقسم الخزائن، وأعطى خيمة سيف الدين لابن أخيه، وسار إلى منبج فتسلمها، ثم إلى قلعة عزاز فحاصرها، ووثب جماعة من الإسماعيلية على صلاح الدين، فنجاه الله تعالى منهم، وظفره بهم، ثم سار، فنزل على حلب، وأقام عليها مدة، فأخرجوا له ابنة صغيرة لنور الدين، فسألته عزاز، فوهبها لها، وعاد صلاح الدين إلى مصر، فتفقد أحوالها. ثم تأهب للغزو، وخرج يطلب الساحل حتى وافى الفرنج على الرملة في أوائل سنة ثلاث وسبعين، فانكسر المسلمون، ولم يكن لهم حصن قريب يأوون إليه، فطلبوا جهة الديار المصرية، فضلوا في الطريق، وأسر منهم جمع، منهم الفقيه عيسى الهكاري، وكان ذلك وهنا عظيما جبره الله بوقعة بعدها، ثم التمس الروم من صلاح الدين الصلح، فصالحهم. وتوفي الملك الصالح إسماعيل في هذه السنة-أعني سنة ثلاث وسبعين-بعد أن استخلف أمراء حلب وأجنادها لابن عمه عزّ الدين مسعود صاحب الموصل، فتوجه عزّ الدين لقبض حلب؛ خوفا أن يسبقه إليها صلاح الدين، فقبضها، وصعد قلعتها، واستولى على حواصلها، وتزوج أم الملك الصالح، ثم قايض عزّ الدين أخاه عماد الدين صاحب سنجار عن حلب بسنجار، فخرج عزّ الدين عن حلب، ودخلها عماد الدين، وجاء صلاح الدين إلى حلب وحاصره، ثم اصطلحا على أن ينزل عماد الدين لصلاح الدين عن حلب، ويعوضه عنها الخابور ونصيبين وسروج، وسلم صلاح الدين قلعة حلب، وجعل فيها ولده الملك الظاهر، وكان صبيا، وطلب صلاح الدين أخاه الملك العادل من مصر ليجتمعوا على الكرك، فوصل إليه في جيش عظيم، واجتمعوا في شعبان سنة تسع وسبعين وخمس مائة، فلما بلغ الفرنج ذلك .. حشدوا خلقا كثيرا، وجاءوا إلى الكرك، فخاف صلاح الدين على

стр. 2099

الديار المصرية، فسير إليها ابن أخيه تقي الدين، ورحل عن الكرك ومعه أخوه العادل، فدخل دمشق، ثم رجع العادل إلى مصر، ونازل صلاح الدين الموصل وحاصرها مرارا فلم يقدر عليها، وترددت الرسل بينه وبين صاحبها، ثم مرض صلاح الدين، فسار إلى حران، ولحقته الرسل بالإجابة إلى ما طلب، وتم الصلح على أن يسلم صاحب الموصل لصلاح الدين شهرزور وأعمالها وما وراء الفرات (١) من الأعمال، وأن يخطب له على المنابر، وينقش على السكة اسمه، وقبض نواب صلاح الدين البلد التي وقع الصلح عليها، وطال مرض صلاح الدين حتى أيسوا منه، فحلف الناس لأولاده، وكان عنده منهم الملك العزيز، وجاء أخوه العادل من حلب وهو ملكها يومئذ، فجعله وصيا على أولاده، وسلم إليه ولده العزيز، وجعله أتابكه، ثم من الله عليه بالعافية. وفي ربيع الآخر من سنة ثلاث وثمانين في يوم الجمعة-وكان كثيرا ما يقصد لقاء العدو يوم الجمعة عند الصلاة؛ تبركا بدعاء المسلمين والخطباء على المنابر-كانت وقعة حطين المباركة على المسلمين، سار صلاح الدين حتى نزل على بحيرة الطبرية على سطح الجبل ينتظر قصد الفرنج له، فلم يتحركوا ولا خرجوا عن منازلهم، فلما رآهم لا يتحركون .. ترك جريدة على طبرية، وترك الأطلاب على حالها قبالة العدو، وهجم طبرية فأخذها في ساعة واحدة، وأخذ الناس في النهب والسبي والقتل والحريق، وبقيت القلعة محمية بمن فيها، فلما بلغ العدو ذلك .. قلقوا ورحلوا نحوها، وبلغ السلطان ذلك، فترك على طبرية من يحاصرها، ولحق بالعسكر، فالتقى بالعدو على سطح طبرية، وحال الليل بين العسكرين، فناما على مصافهما ليلة الجمعة إلى بكرة يومها، واستعرت نار الحرب، واشتد الأمر، ولم تزل الحرب تضطرم، والفارس مع قرنه يصطدم، حتى حال بينهم الليل بظلامه، وبات كل واحد من الفريقين بمقامه إلى صبيحة يوم السبت، وتحقق المسلمون أن من ورائهم الأردن، ومن بين أيديهم بلاد العدو، وأنه لا ينجيهم إلا الاجتهاد في الجهاد، فحملوا بأجمعهم عليهم، وصاحوا صيحة رجل واحد، فألقى الله الرعب في قلوب الكافرين، وكان حقا عليه سبحانه نصر المؤمنين، فأحاط المسلمون بالكافرين من كل جانب، وأطلقوا فيهم السهام، وحكّموا فيهم السيوف القواضب، وأشعلوا حولهم النيران، وصدقوا فيهم الضرب والطعان، وأسر مقدمهم، وقتل الباقون.

стр. 2100

قال الشيخ اليافعي: (وقال بعض الرواة: حكى لي من أثق به أنه رأى بحوران شخصا واحدا معه نيف وثلاثون أسيرا قد ربطهم بطنب خيمة؛ لما وقع عليهم من الخذلان) (١). ثم رحل السلطان إلى عكا، فأخذها واستنقذ من كان بها من أسرى المسلمين، وكانوا أكثر من أربعة آلاف، واستولى على ما فيها من الأموال والذخائر والبضائع؛ لأنها كانت مظنة التجار، وتفرقت العساكر في بلاد الساحل، فأخذوا الحصون والقلاع والأماكن المنيعة، فأخذوا نابلس وحيفا وقيسارية وصفورية والناصرة، ولما استقرت قواعد عكا، وقسمت أموالها .. أخذ صلاح الدين يشن الغارات، ويفتح بلدا بعد بلد، فأخذ صيدا وعسقلان والرملة والداروم والأماكن المحيطة بالقدس، فيقال: إنه ألقيت في مخيمه رقعة فيها على لسان بيت المقدس: [من مجزوء الكامل] يا أيها الملك الذي ... لقواعد الإسلام أسس يا من سطا بحسامه ... ومعالم الصلبان نكس كل الأماكن طهرت ... وأنا على شرفي منجس فشمر عن ساق الجد والاجتهاد في قصد القدس المبارك، واجتمعت إليه العساكر التي كانت متفرقة في الساحل، فسار نحوه معتمدا على الله، مفوضا أمره إلى الله، ومنتهز الفرصة في فتح باب الخير الذي حث الله على انتهازه بقول نبيه ﷺ : «من فتح له باب خير .. فلينتهزه؛ فإنه لا يعلم متى يغلق دونه» فنزل بالجانب الغربي، وكان مشحونا بالمقاتلة من الخيالة والرجالة، قيل: كان فيه من المقاتلة ما يزيدون على ستين ألفا خارجا عن النساء والصبيان، ثم انتقل لمصلحة رآها إلى الشمالي في يوم الجمعة العشرين من رجب ونصب المجانيق، وضايق البلد بالزحف والقتال حتى أخذ النقب في السور مما يلي وادي جهنم، فلما رأى أعداء الله ما نزل بهم من الأمر الذي لا مدفع لهم عنه، وظهرت لهم أمارات الفتح .. استكانوا، وطلبوا الأمان، واتفق الصلح على أن يسلموا القدس المبارك للمسلمين، وقطعوا على أنفسهم على كل رجل عشرين دينارا، وعن كل امرأة خمسة دنانير صورية، وعن كل صغير ذكر أو أنثى دينارا واحدا، فمن أحضر قطيعته .. نجا بنفسه، وإلا .. أخذ أسيرا، وعلى إفراج كل من كان بالقدس من أسارى المسلمين، وكانوا خلقا كثيرا، فتسلم المسلمون يوم الجمعة الميمون سابع وعشرين رجب المعظم، وذلك

стр. 2101

مثل الليلة التي عرج بالنبي ﷺ فيها على المشهور. وكان فتحا عظيما شهده من الأولياء والعلماء خلق، وقصده أهل الخير من البلدان القريبة والبعيدة، وارتفعت الأصوات بالتسبيح والدعاء، والتهليل والتكبير، وصليت فيه الجمعة يوم فتحه، واشر أبّ جماعة من العلماء للخطبة فيه، وكلهم قد هيأ خطبة تتضمن الفتح، فورد أمر السلطان صلاح الدين بأن يخطب أبو المعالي محمد بن علي بن محمد القرشي الأموي العثماني، وهو القائل لما فتح صلاح الدين مدينة حلب في شهر صفر: [من البسيط] وفتحك القلعة الشهباء في صفر ... مبشر بفتوح القدس في رجب فكان كما قال، فسئل: من أين لك ذلك؟ فقال: أخذته من تفسير ابن برجان في قوله تعالى: ﴿الم* غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ* فِي بِضْعِ سِنِينَ، ﴾ فخطب خطبة بليغة افتتحها بحوامد القرآن ك (الفاتحة) وأول (الأنعام) وآخر (بني إسرائيل) وأول (الكهف) و ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ وأول (سبأ) و (فاطر) ونحو ذلك. ونكس الصليب الذي كان على قبة الصخرة وكان شكلا عظيما. وكان استيلاء الفرنج على البيت المقدس في سنة اثنتين وسبعين وأربع مائة، فلم يزل بأيديهم حتى استنقذه منهم صلاح الدين في السنة المذكورة. ثم بعد فتح بيت المقدس قصد صور وضايقها برا وبحرا، وأحضر آلات القتال، فأسر الفرنج جماعة من المسلمين فيهم المقدم والرئيس، فعظم ذلك على صلاح الدين، وهجم الشتاء، وتراكمت الأمطار والثلوج، وامتنع الناس من القتال بسبب الأمطار، فأشار عليه الأمراء بالرحيل ليستريح الرجال ويتجمعوا للقتال، فرحلوا عنها بما أمكن من آلات الحصار، وأحرقوا ما عجزوا عن حمله، فأخذ في طريقه طرسوس عنوة، ثم جبلة بالأمان، ولم يزل يأخذ بلدة بعد بلدة وقلعة بعد قلعة إلى أن بلغ برزيه، وهو من الحصون المنيعة في غاية القوة، يضرب بها المثل في بلاد الفرنج، تحيط بها أودية من جميع جوانبها، وعلوها خمس مائة ونيف وسبعون ذراعا، فأخذها عنوة، ثم كذلك بلدا بعد بلد حتى بلغ أنطاكية، فراسله أهلها في طلب الصلح، فصالحهم إلى سبعة أشهر على أن يطلقوا كل أسير عندهم، فإن جاء من ينصرهم وإلا .. سلموا البلد، ثم سار فدخل حلب، فأقام ابنه الظاهر بضيافته ثلاثة أيام، ثم دخل حماة، فأضافه ابن أخيه تقي الدين، فأعطاه جبلة

стр. 2102

وبلدة أخرى، ثم دخل دمشق، فأقام بها، ثم نزل على صفد، فتسلمها بالأمان، ثم تسلم الكرك بالأمان، ثم كوكب، وسار مع أخيه العادل لزيارة القدس وليودع أخاه في توجهه إلى مصر، فعيد الأضحى بالقدس، ثم دخل عسقلان ونظر في أمورها وأخذها من أخيه العادل وعوضه عنها الكرك، ثم مر على بلاد الساحل يتفقد أحوالها، ثم دخل عكا، فأقام بها معظم المحرم يصلح أحوالها، وأمر بعمارة سورها، ثم سار إلى دمشق، فأقام بها إلى ربيع الأول، ثم خرج إلى شقيف أرنون وهي موضع حصين، فخيم بالقرب منه في مرج عيون، فأقام أياما يباشر قتاله والعساكر تتواصل إليه، فلما تحقق صاحب الشقيف أنه لا طاقة له به .. نزل إليه بنفسه، فلم يشعر به إلا وهو قائم على باب خميته، وكان من أكابر الفرنج وعقلائهم، يعرف بالعربية، وعنده اطلاع على شيء من الحديث والتواريخ، فأكرمه السلطان واحترمه، وأكل مع السلطان، ثم خلا به، وذكر أنه مملوكه ويحب طاعته، وأنه يسلم إليه المكان من غير تعب على أن يعطى موضعا يسكنه بدمشق، وإقطاعا بها يقوم به وبأهله، وشروطا غير ذلك، فأجابه إلى مرامه. وفي أثناء شهر ربيع الأول بلغه خبر تسليم الشوبك بالأمان، ثم ظهر للسلطان بعد ذلك أن جميع ما قاله صاحب الشقيف كان خديعة، فرسم عليه، ثم بلغه أن الفرنج نزلوا على عكا، فسير صاحب الشقيف إلى دمشق بعد الإهانة الشديدة، ودخل عكا بغتة لتقوى قلوب من بها، ثم استدعى العسكر من كل ناحية، وتكاثر الفرنج، واستفحل أمرهم، وأحاطوا بعكا وحصروها، ومنعوا من يدخل إليها ويخرج، فاجتهد السلطان حتى فتح طريقا إليها ليستمر السابلة بالميرة والنجدة، وسار الأمراء حتى فتحوا إليها طريقا سلكه المسلمون، ودخل السلطان عكا فأشرف على أمورها، وجرى بين الفريقين وقعات، فقيل للسلطان: إن الوخم قد وقع بعكا، وإن الموت قد فشا بين الطائفتين، فأنشد السلطان قول ابن الزبير لما تعارك هو ومالك بن الحارث المعروف بالأشتر يوم الجمل: [من مجزوء الخفيف] اقتلاني ومالكا ... واقتلا مالكا معي يريد بذلك أنه قد رضي أن يتلف إذا أتلف الله أعداءه. ثم إن الإفرنج جاءتهم الأمداد من البحر، واستظهروا على المسلمين بعكا، فضاق المسلمون من ذلك، وعزموا على صلح الفرنج بأن يسلموا البلد، وجميع ما فيه؛ من الآلات والعدة والسلاح والمراكب، ومائتي ألف دينار، وخمس مائة أسير مجاهيل، ومائة

стр. 2103

أسير معيّنين من جهتهم، ويخرجوا بأنفسهم سالمين، وما معهم من الأموال والأقمشة المختصة بهم وذراريهم ونسائهم، وكتبوا بذلك كتبا، فلما علم السلطان بذلك .. عظم عليه ذلك، وبقي مترددا فيه، فلم يشعر إلا وقد ارتفعت أعلام العدو وصلبانه وناره وشعاره على سور البلد، وصاح الفرنج صيحة واحدة، وعظمت المصيبة على المسلمين، واشتد حزنهم، ووقع فيهم الصياح والعويل. وذكر بعضهم: أن الفرنج خرجوا من عكا قاصدين أخذ عسقلان، فخاف السلطان أن يستولي الفرنج عليها، وتأخذ بها القدس، فأمر بإخرابها، وسارع في ذلك، وجرت أمور عظيمة، ووصل كتاب من الملك العادل بأن الفرنج تحدثوا معه في الصلح، وطلبوا جميع البلاد الساحلية، فرأى السلطان أن في ذلك مصلحة؛ لما علم في النفوس من الضجر، فكتب إليه بالإذن بذلك وتفويض الأمر إلى رأيه، والتمس بعض أكابر الفرنج الاجتماع بصلاح الدين بعد ما اجتمع بأخيه العادل، فأشار عليه أكابر دولته أن يكون ذلك بعد تمام الصلح، وقال صلاح الدين: متى صالحناهم .. لم نأمن غائلتهم، ولو حدث بي حادث الموت .. ما كانت تجتمع هذه العساكر وتقوى الفرنج، والمصلحة ألا نزول عن الجهاد حتى نخرجهم من الساحل أو نموت، ثم ترددت الرسل بينهم بالصلح، وجرت وقعات كثيرة، ثم وقع الصلح بينهم، وتردد المسلمون إلى بلاد الفرنج، وتردد الفرنج إلى بلاد المسلمين، وحملت البضائع والمتاجر إلى البلدان، وحضر منهم خلق كثير لزيارة القدس، وفسح للعساكر الواردة عليه المنجدة من البلاد البعيدة، وتوجه السلطان إلى القدس، وأخوه العادل إلى الكرك، وابنه الظاهر إلى حلب، وابنه الأفضل إلى دمشق، وأقام السلطان بالقدس يعطي الناس ويقطعهم، ويفسح لهم في التوجه إلى بلدانهم، وتأهب للمسير إلى الديار المصرية. قال ابن خلكان: (قال شيخنا ابن شداد: وأمرني بالمقام في القدس إلى حين عوده لعمارة مارستان أنشأه وتكميل المدرسة التي أنشأها) (١) فلما فرغ من افتقاده أحوال القلاع .. دخل دمشق وبها أولاده الكبار: الأفضل والظاهر والظافر، وأولاده الصغار، وجلس للناس يوم الخميس سابع وعشرين شوال من سنة ثمان وثمانين ولم يتخلف عنه الخاص والعام، وأنشده الشعراء، وأقام ينشر جناح عدله، ويهطل

стр. 2104

سحاب إنعامه وفضله، ويكشف عن مظالم الرعايا، ولم يزل كذلك إلى ليلة السبت سادسة صفر، فأصابته الحمى، ولم يزل المرض يتزايد إلى أن توفي بعد صلاة الصبح السابع والعشرين من شهر صفر من سنة تسع وثمانين وخمس مائة، ولم يصب المسلمون بمثله بعد الخلفاء الراشدين، وارتفعت الأصوات بالبكاء، وعظم الضجيج عند ما أخرج تابوته، ودفن بمقابر الشهداء بالباب الصغير، ثم أعيد إلى الدار التي في البستان، ودفن في الصفة الغربية منها، وذكر بعضهم أنه بقي مدفونا بقلعة دمشق إلى أن بنيت له شمالية الكلاسة التي هي شمالي جامع دمشق، فنقل إليها يوم عاشوراء من سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة، ورتب عنده القراء ومن يخدم المكان، وأنشد في آخر سيرته بيت أبي تمام: [من الكامل] ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلام تغمده الله برحمته، لقد كان من محاسن الدنيا وغرائبها، ومن مصالح الأمور الدينية ودفع نوائبها. قال الشيخ عبد الله بن أسعد اليافعي: (كان صلاح الدين كاسمه؛ لما فتح من بلاد الكفار وعمرها بالإسلام، وما له من محاسن الأحكام، وما تضمنه فعل المعروف من النفع العام) (١). وله من المآثر الدينية المدرسة الصغرى بالقرافة المجاورة لضريح الشافعي ﵀، ومدرسة بالقاهرة جوار المشهد المنسوب إلى الحسن بن علي ﵄، وأوقف على ذلك وقفا جيدا، وجعل دار أسعد السعداء خادم المصريين خانقاه، ووقف عليها وقفا طائلا، وجعل دار عباس بن السلار مدرسة للحنفية، وعليها وقف جيد، وبنى المدرسة التي بمصر المعروفة بزين التجار وقفا للشافعية، ووقفها جيد أيضا، وله بمصر أيضا مدرسة للمالكية، وبنى بالقاهرة داخل القصر مارستانا له وقف جيد، وله بالقدس مدرسة وخانقاه وقفهما كثير، وغالب هذه الوقوفات والمدارس غير منسوبة إليه في الظاهر، ولا يعرف أنه أنشأها إلا من له اطلاع على التواريخ. وكان رحمه الله تعالى مع اتساع مملكته وعظيم سلطانه ورفيع مرتبته كثير التواضع واللطف، قريبا من الناس، رحيم القلب، كثير الاحتمال والمداراة، يحب العلماء وأهل الخير ويحسن إليهم، ويميل إلى الفضائل، ويستحسن الأشعار الجيدة ويرددها في

стр. 2105

مجلسه، حتى قيل: كثيرا ما كان ينشد قول أبي منصور محمد بن الحسين الحميري، وقيل: إنه قول أبي محمد أحمد بن علي بن خيران العامري: [من البسيط] وزارني طيف من أهوى على حذر ... من الوشاة وداعي الصبح قد هتفا فكدت أوقظ من حولي به فرحا ... وكاد يهتك ستر الحب بي شغفا ثم انتبهت وآمالي تخيل لي ... نيل المنى فاستحالت غبطتي أسفا قيل: وكان يعجبه قول أبي الحسن المعروف بابن المنجم: [من الطويل] وما خضّب الناس البياض لقبحه ... فأقبح منه حين يظهر ناصله ولكنه مات الشباب فسوّدت ... على الرسم من حزن عليه منازله وكان يمسك بكريمته وينظر إليها ويقول: إي والله، مات الشباب. ومات ﵀ ولم يخلف في خزائنه ذهبا ولا فضة سوى سبعة وأربعين درهما مصرية وخرصا واحدا من الذهب صوريا، ولم يخلف ملكا لا دارا ولا عقارا ولا مزرعة ولا بستانا. ومدحه الشعراء بغرر القصائد، فمن ذلك قصيدة المهذب أبو حفص عمر بن محمد المعروف بابن الشحنة الموصلي الشاعر التي أولها: [من الطويل] سلام مشوق قد براه التشوق ... على جيرة الحي الذين تفرقوا وعدد أبياتها مائة وثلاثة عشر بيتا، وفيها البيتان السائران اللذان يتمثل بهما مدعي الأشجان، مع بعد المكان: أحدهما: وإني امرؤ أحببتكم لمكارم ... سمعت بها والأذن كالعين تعشق والثاني: وقالت لي الأيام إن كنت واثقا ... بأبناء أيوب فأنت الموفق وقال فيه بعض شعراء المشرق: [من البسيط] الله أكبر جاء القوس باريها ... ورام أسهم دين الله راميها فكم لمصر على الأمصار من شرف ... بيوسفين وهل أرض تدانيها
следующие страницы →