مثل الليلة التي عرج بالنبي ﷺ فيها على المشهور.
وكان فتحا عظيما شهده من الأولياء والعلماء خلق، وقصده أهل الخير من البلدان القريبة والبعيدة، وارتفعت الأصوات بالتسبيح والدعاء، والتهليل والتكبير، وصليت فيه الجمعة يوم فتحه، واشر أبّ جماعة من العلماء للخطبة فيه، وكلهم قد هيأ خطبة تتضمن الفتح، فورد أمر السلطان صلاح الدين بأن يخطب أبو المعالي محمد بن علي بن محمد القرشي الأموي العثماني، وهو القائل لما فتح صلاح الدين مدينة حلب في شهر صفر: [من البسيط]
وفتحك القلعة الشهباء في صفر ... مبشر بفتوح القدس في رجب
فكان كما قال، فسئل: من أين لك ذلك؟ فقال: أخذته من تفسير ابن برجان في قوله تعالى: ﴿الم* غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ* فِي بِضْعِ سِنِينَ، ﴾ فخطب خطبة بليغة افتتحها بحوامد القرآن ك (الفاتحة) وأول (الأنعام) وآخر (بني إسرائيل) وأول (الكهف) و ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ وأول (سبأ) و (فاطر) ونحو ذلك.
ونكس الصليب الذي كان على قبة الصخرة وكان شكلا عظيما.
وكان استيلاء الفرنج على البيت المقدس في سنة اثنتين وسبعين وأربع مائة، فلم يزل بأيديهم حتى استنقذه منهم صلاح الدين في السنة المذكورة.
ثم بعد فتح بيت المقدس قصد صور وضايقها برا وبحرا، وأحضر آلات القتال، فأسر الفرنج جماعة من المسلمين فيهم المقدم والرئيس، فعظم ذلك على صلاح الدين، وهجم الشتاء، وتراكمت الأمطار والثلوج، وامتنع الناس من القتال بسبب الأمطار، فأشار عليه الأمراء بالرحيل ليستريح الرجال ويتجمعوا للقتال، فرحلوا عنها بما أمكن من آلات الحصار، وأحرقوا ما عجزوا عن حمله، فأخذ في طريقه طرسوس عنوة، ثم جبلة بالأمان، ولم يزل يأخذ بلدة بعد بلدة وقلعة بعد قلعة إلى أن بلغ برزيه، وهو من الحصون المنيعة في غاية القوة، يضرب بها المثل في بلاد الفرنج، تحيط بها أودية من جميع جوانبها، وعلوها خمس مائة ونيف وسبعون ذراعا، فأخذها عنوة، ثم كذلك بلدا بعد بلد حتى بلغ أنطاكية، فراسله أهلها في طلب الصلح، فصالحهم إلى سبعة أشهر على أن يطلقوا كل أسير عندهم، فإن جاء من ينصرهم وإلا .. سلموا البلد، ثم سار فدخل حلب، فأقام ابنه الظاهر بضيافته ثلاثة أيام، ثم دخل حماة، فأضافه ابن أخيه تقي الدين، فأعطاه جبلة
стр. 2102
وبلدة أخرى، ثم دخل دمشق، فأقام بها، ثم نزل على صفد، فتسلمها بالأمان، ثم تسلم الكرك بالأمان، ثم كوكب، وسار مع أخيه العادل لزيارة القدس وليودع أخاه في توجهه إلى مصر، فعيد الأضحى بالقدس، ثم دخل عسقلان ونظر في أمورها وأخذها من أخيه العادل وعوضه عنها الكرك، ثم مر على بلاد الساحل يتفقد أحوالها، ثم دخل عكا، فأقام بها معظم المحرم يصلح أحوالها، وأمر بعمارة سورها، ثم سار إلى دمشق، فأقام بها إلى ربيع الأول، ثم خرج إلى شقيف أرنون وهي موضع حصين، فخيم بالقرب منه في مرج عيون، فأقام أياما يباشر قتاله والعساكر تتواصل إليه، فلما تحقق صاحب الشقيف أنه لا طاقة له به .. نزل إليه بنفسه، فلم يشعر به إلا وهو قائم على باب خميته، وكان من أكابر الفرنج وعقلائهم، يعرف بالعربية، وعنده اطلاع على شيء من الحديث والتواريخ، فأكرمه السلطان واحترمه، وأكل مع السلطان، ثم خلا به، وذكر أنه مملوكه ويحب طاعته، وأنه يسلم إليه المكان من غير تعب على أن يعطى موضعا يسكنه بدمشق، وإقطاعا بها يقوم به وبأهله، وشروطا غير ذلك، فأجابه إلى مرامه.
وفي أثناء شهر ربيع الأول بلغه خبر تسليم الشوبك بالأمان، ثم ظهر للسلطان بعد ذلك أن جميع ما قاله صاحب الشقيف كان خديعة، فرسم عليه، ثم بلغه أن الفرنج نزلوا على عكا، فسير صاحب الشقيف إلى دمشق بعد الإهانة الشديدة، ودخل عكا بغتة لتقوى قلوب من بها، ثم استدعى العسكر من كل ناحية، وتكاثر الفرنج، واستفحل أمرهم، وأحاطوا بعكا وحصروها، ومنعوا من يدخل إليها ويخرج، فاجتهد السلطان حتى فتح طريقا إليها ليستمر السابلة بالميرة والنجدة، وسار الأمراء حتى فتحوا إليها طريقا سلكه المسلمون، ودخل السلطان عكا فأشرف على أمورها، وجرى بين الفريقين وقعات، فقيل للسلطان: إن الوخم قد وقع بعكا، وإن الموت قد فشا بين الطائفتين، فأنشد السلطان قول ابن الزبير لما تعارك هو ومالك بن الحارث المعروف بالأشتر يوم الجمل: [من مجزوء الخفيف]
اقتلاني ومالكا ... واقتلا مالكا معي
يريد بذلك أنه قد رضي أن يتلف إذا أتلف الله أعداءه.
ثم إن الإفرنج جاءتهم الأمداد من البحر، واستظهروا على المسلمين بعكا، فضاق المسلمون من ذلك، وعزموا على صلح الفرنج بأن يسلموا البلد، وجميع ما فيه؛ من الآلات والعدة والسلاح والمراكب، ومائتي ألف دينار، وخمس مائة أسير مجاهيل، ومائة
стр. 2103
أسير معيّنين من جهتهم، ويخرجوا بأنفسهم سالمين، وما معهم من الأموال والأقمشة المختصة بهم وذراريهم ونسائهم، وكتبوا بذلك كتبا، فلما علم السلطان بذلك .. عظم عليه ذلك، وبقي مترددا فيه، فلم يشعر إلا وقد ارتفعت أعلام العدو وصلبانه وناره وشعاره على سور البلد، وصاح الفرنج صيحة واحدة، وعظمت المصيبة على المسلمين، واشتد حزنهم، ووقع فيهم الصياح والعويل.
وذكر بعضهم: أن الفرنج خرجوا من عكا قاصدين أخذ عسقلان، فخاف السلطان أن يستولي الفرنج عليها، وتأخذ بها القدس، فأمر بإخرابها، وسارع في ذلك، وجرت أمور عظيمة، ووصل كتاب من الملك العادل بأن الفرنج تحدثوا معه في الصلح، وطلبوا جميع البلاد الساحلية، فرأى السلطان أن في ذلك مصلحة؛ لما علم في النفوس من الضجر، فكتب إليه بالإذن بذلك وتفويض الأمر إلى رأيه، والتمس بعض أكابر الفرنج الاجتماع بصلاح الدين بعد ما اجتمع بأخيه العادل، فأشار عليه أكابر دولته أن يكون ذلك بعد تمام الصلح، وقال صلاح الدين: متى صالحناهم .. لم نأمن غائلتهم، ولو حدث بي حادث الموت .. ما كانت تجتمع هذه العساكر وتقوى الفرنج، والمصلحة ألا نزول عن الجهاد حتى نخرجهم من الساحل أو نموت، ثم ترددت الرسل بينهم بالصلح، وجرت وقعات كثيرة، ثم وقع الصلح بينهم، وتردد المسلمون إلى بلاد الفرنج، وتردد الفرنج إلى بلاد المسلمين، وحملت البضائع والمتاجر إلى البلدان، وحضر منهم خلق كثير لزيارة القدس، وفسح للعساكر الواردة عليه المنجدة من البلاد البعيدة، وتوجه السلطان إلى القدس، وأخوه العادل إلى الكرك، وابنه الظاهر إلى حلب، وابنه الأفضل إلى دمشق، وأقام السلطان بالقدس يعطي الناس ويقطعهم، ويفسح لهم في التوجه إلى بلدانهم، وتأهب للمسير إلى الديار المصرية.
قال ابن خلكان: (قال شيخنا ابن شداد: وأمرني بالمقام في القدس إلى حين عوده لعمارة مارستان أنشأه وتكميل المدرسة التي أنشأها) (١)
فلما فرغ من افتقاده أحوال القلاع .. دخل دمشق وبها أولاده الكبار: الأفضل والظاهر والظافر، وأولاده الصغار، وجلس للناس يوم الخميس سابع وعشرين شوال من سنة ثمان وثمانين ولم يتخلف عنه الخاص والعام، وأنشده الشعراء، وأقام ينشر جناح عدله، ويهطل
стр. 2104
سحاب إنعامه وفضله، ويكشف عن مظالم الرعايا، ولم يزل كذلك إلى ليلة السبت سادسة صفر، فأصابته الحمى، ولم يزل المرض يتزايد إلى أن توفي بعد صلاة الصبح السابع والعشرين من شهر صفر من سنة تسع وثمانين وخمس مائة، ولم يصب المسلمون بمثله بعد الخلفاء الراشدين، وارتفعت الأصوات بالبكاء، وعظم الضجيج عند ما أخرج تابوته، ودفن بمقابر الشهداء بالباب الصغير، ثم أعيد إلى الدار التي في البستان، ودفن في الصفة الغربية منها، وذكر بعضهم أنه بقي مدفونا بقلعة دمشق إلى أن بنيت له شمالية الكلاسة التي هي شمالي جامع دمشق، فنقل إليها يوم عاشوراء من سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة، ورتب عنده القراء ومن يخدم المكان، وأنشد في آخر سيرته بيت أبي تمام: [من الكامل]
ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلام
تغمده الله برحمته، لقد كان من محاسن الدنيا وغرائبها، ومن مصالح الأمور الدينية ودفع نوائبها.
قال الشيخ عبد الله بن أسعد اليافعي: (كان صلاح الدين كاسمه؛ لما فتح من بلاد الكفار وعمرها بالإسلام، وما له من محاسن الأحكام، وما تضمنه فعل المعروف من النفع العام) (١).
وله من المآثر الدينية المدرسة الصغرى بالقرافة المجاورة لضريح الشافعي ﵀، ومدرسة بالقاهرة جوار المشهد المنسوب إلى الحسن بن علي ﵄، وأوقف على ذلك وقفا جيدا، وجعل دار أسعد السعداء خادم المصريين خانقاه، ووقف عليها وقفا طائلا، وجعل دار عباس بن السلار مدرسة للحنفية، وعليها وقف جيد، وبنى المدرسة التي بمصر المعروفة بزين التجار وقفا للشافعية، ووقفها جيد أيضا، وله بمصر أيضا مدرسة للمالكية، وبنى بالقاهرة داخل القصر مارستانا له وقف جيد، وله بالقدس مدرسة وخانقاه وقفهما كثير، وغالب هذه الوقوفات والمدارس غير منسوبة إليه في الظاهر، ولا يعرف أنه أنشأها إلا من له اطلاع على التواريخ.
وكان رحمه الله تعالى مع اتساع مملكته وعظيم سلطانه ورفيع مرتبته كثير التواضع واللطف، قريبا من الناس، رحيم القلب، كثير الاحتمال والمداراة، يحب العلماء وأهل الخير ويحسن إليهم، ويميل إلى الفضائل، ويستحسن الأشعار الجيدة ويرددها في
стр. 2105
مجلسه، حتى قيل: كثيرا ما كان ينشد قول أبي منصور محمد بن الحسين الحميري، وقيل: إنه قول أبي محمد أحمد بن علي بن خيران العامري: [من البسيط]
وزارني طيف من أهوى على حذر ... من الوشاة وداعي الصبح قد هتفا
فكدت أوقظ من حولي به فرحا ... وكاد يهتك ستر الحب بي شغفا
ثم انتبهت وآمالي تخيل لي ... نيل المنى فاستحالت غبطتي أسفا
قيل: وكان يعجبه قول أبي الحسن المعروف بابن المنجم: [من الطويل]
وما خضّب الناس البياض لقبحه ... فأقبح منه حين يظهر ناصله
ولكنه مات الشباب فسوّدت ... على الرسم من حزن عليه منازله
وكان يمسك بكريمته وينظر إليها ويقول: إي والله، مات الشباب.
ومات ﵀ ولم يخلف في خزائنه ذهبا ولا فضة سوى سبعة وأربعين درهما مصرية وخرصا واحدا من الذهب صوريا، ولم يخلف ملكا لا دارا ولا عقارا ولا مزرعة ولا بستانا.
ومدحه الشعراء بغرر القصائد، فمن ذلك قصيدة المهذب أبو حفص عمر بن محمد المعروف بابن الشحنة الموصلي الشاعر التي أولها: [من الطويل]
سلام مشوق قد براه التشوق ... على جيرة الحي الذين تفرقوا
وعدد أبياتها مائة وثلاثة عشر بيتا، وفيها البيتان السائران اللذان يتمثل بهما مدعي الأشجان، مع بعد المكان:
أحدهما:
وإني امرؤ أحببتكم لمكارم ... سمعت بها والأذن كالعين تعشق
والثاني:
وقالت لي الأيام إن كنت واثقا ... بأبناء أيوب فأنت الموفق
وقال فيه بعض شعراء المشرق: [من البسيط]
الله أكبر جاء القوس باريها ... ورام أسهم دين الله راميها
فكم لمصر على الأمصار من شرف ... بيوسفين وهل أرض تدانيها
стр. 2106
فبابن يعقوب هزت جيدها طربا ... وبابن أيوب هزت عطفها تيها
قل للملوك تخلى عن ممالكها ... فقد أتى آخذ الدنيا ومعطيها
وفي ساعة موته كتب القاضي الفاضل إلى ولده الملك الظاهر صاحب حلب بطاقة مضمونها رسالة بديعة، مشتملة على معان رفيعة، مع الإيجاز الفائق، والمنطق الرائق، في حالة يذهب فيها الإنسان عن نفسه، والخطب الذي صير الضرغام في رمسه، وهي:
﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، ﴾ ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ.﴾
كتبت إلى مولانا السلطان الملك الظاهر أحسن الله عزاءه، وجبر مصابه، وجعل فيه الخلف في الساعة المذكورة، وقد زلزل المسلمون زلزالا شديدا، وقد حفرت الدموع المحاجر، وبلغت القلوب الحناجر، وقد ودعت أباك ومخدومي وداعا لا تلاقي بعده، وقد قبلت وجهه عني وعنك، وأسلمته إلى الله تعالى مغلوب الحيلة، ضعيف القوة، راضيا عن الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وبالباب من الجنود المجندة والأسلحة المعدّة ما لا يدفع البلاء، ولا يملك رد القضاء، وتدمع العين، ويخشع القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا عليك يا يوسف لمحزونون.
وأما الوصايا .. فما يحتاج إليها، والآراء .. فقد شغلني المصاب عنها.
وأما لائح الأمر .. فإنه إن وقع اتفاق .. فما عدمتم إلا شخصه الكريم، وإن كان غيره ..
فالمصائب المستقبلة أهونها موته، وهو الهول العظيم، والسلام.
٢٦٤٣ - [ابن سالم] (١)
محمد بن عبد الله بن الفقيه محمد بن سالم بن عبد الله بن محمد بن سالم.
ولد سنة سبع وعشرين وخمس مائة.
وإليه انتهت رئاسة الفتوى بذي أشرق، وكان فقيها مجودا.
توفي في عشر التسعين وخمس مائة.
стр. 2107
٢٦٤٤ - [أحمد الطالقاني] (١)
أبو الخير أحمد بن إسماعيل الطالقاني القزويني، الفقيه الشافعي الواعظ.
درس بنظامية بغداد، وكان إماما في المذهب والخلاف.
ومات سنة تسعين وخمس مائة.
كان صاحب قدم راسخ في العبادة، كبير الشأن، عديم النظير، روى كتبا كبارا، ونفق كلامه بحسن سمته، وحلاوة منطقه، وكثرة محفوظاته، ورجع إلى قزوين سنة ثمانين، ولزم العبادة إلى أن مات في محرم من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
٢٦٤٥ - [الشاطبي] (٢)
أبو محمد القاسم بن فيرّة بن خلف الرعيني الشاطبي الضرير، ناظم القصيدة المشهورة في القراءات، وأخرى في الرسم، حقق القراءات على غير واحد، وسمع الحديث، وجمع.
وكان إماما محققا لعدة من العلوم مع الزهد والورع، حسن المقاصد، مخلصا فيما يقول ويفعل.
وكان كثيرا ما ينشد هذا اللغز (٣)، وهو في ديوان الخطيب يحيى بن سلامة الخصفلي بخاء معجمة، وصاد مهملة بين اللام وبين الفاء، وياء النسب (٤): [من الطويل]
أتعرف شيئا في السماء يطير ... إذا سار صاح الناس حيث يسير
فتلقاه مركوبا وتلقاه راكبا ... وكل أمير يعتليه أسير
يحض على التقوى ويكره قربه ... وتنفر منه النفس وهو نذير
стр. 2108
ولم يستزر عن غربة في زيارة ... ولكن على رغم المزور يزور
ولد سنة ثمان وثلاثين وخمس مائة.
وخطب ببلده وهو فتى، ودخل مصر سنة اثنتين وسبعين وخمس مائة، ولم يزل بها إلى أن توفي في سنة تسعين وخمس مائة، ودفن بالقرافة الصغرى في تربة القاضي الفاضل.
٢٦٤٦ - [ابن الدهان الفرضي] (١)
أبو شجاع محمد بن علي المعروف بابن الدهان البغدادي الفرضي الحاسب الأديب.
له أوضاع بالجداول في الفرائض وغيرها، وصنف «غريب الحديث»، ورمز فيه حروفا يستدل بها على أماكن الكلمات المطلوبة منه، وكان قلمه أبلغ من لسانه، وله «تاريخ» وغير ذلك، وله اليد الطولى في معرفة النجوم وحل الأزياج، وشعر جيد، منه ما كتبه إلى بعض الرؤساء وقد عوفي في مرضه: [من الخفيف]
نذر الناس يوم برئك صوما ... غير أني نذرت وحدي فطرا
عالما أن يوم برئك عيد ... لا أرى صومه ولو كان نذرا
توفي سنة تسعين وخمس مائة.
٢٦٤٧ - [ابن الفخار المالقي] (٢)
أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الأنصاري المالقي الحافظ، صاحب الإمام ابن العربي.
كان إماما معروفا، يسرد المتون والأسانيد، عارفا بالرجال واللغة، ورعا، جليل القدر.
طلبه السلطان ليسمع بمراكش، فمات بها سنة تسعين وخمس مائة.
стр. 2109
٢٦٤٨ - [أبو مدين المغربي] (١)
أبو مدين شعيب بن الحسن-وقيل: ابن الحسين-المغربي الشيخ الكبير الشهير، قدوة العارفين، وأستاذ المحققين.
صحب الشيخ الكبير العارف بالله أبا العز المغربي، وكمل على يديه.
وصحبه جمع كثير من الفقهاء والصلحاء، وتخرج به جمع من أكابر المشايخ والأصفياء، كالشيخ عبد الرحيم القناوي، والشيخ أبي عبد الله القرشي، والشيخ عبد الله الفاسي، والشيخ أبي محمد صاحب الدكالي وغيرهم، وانتمى إليه عالم عظيم.
وله كلام نفيس، وكرامات ظاهرة، منها أنه مر يوما على الساحل، فحمله الفرنج معهم أسيرا إلى سفينة عظيمة لهم فيها جمع من أسارى المسلمين، ثم عزموا على السير، ومدوا قلوع السفينة، فلم تسر بهم، ولا تحركت عن مكانها مع قوة الريح، فلما أيقنوا أنهم لا يقدرون على المسير، وخافوا أن يدركهم المسلمون .. قالوا: هذه بسبب هذا المسلم، ولعله من أصحاب السرائر-يريدون الشيخ المذكور-فأمروه بالنزول فقال:
لا أفعل حتى تطلقوا كل من على سفينتكم من المسلمين، فلما علموا أنه لا بد من الذي قال .. فعلوا، وسارت بهم السفينة في الحال.
ومن شعره: [من البسيط]
يا من علا فرأى ما في الغيوب وما ... تحت الثرى وظلام اليل منسدل
أنت الغياث لمن ضاقت مذاهبه ... أنت الدليل لمن حارت به الحيل
إنا قصدناك والآمال واثقة ... والكل يدعوك ملهوف ومبتهل
فإن عفوت فذو فضل وذو كرم ... وإن سطوت فأنت الحاكم العدل
ومدحه بعض العلماء الصلحاء من أهل المغرب بقوله: [من الطويل]
تبدت لنا أعلام علم الهدى حقا ... فصار بشمس الدين مغربنا شرقا
وأشرق منها كل من كان آفلا ... فأصبح نور السعد قد ملأ الأفقا
كان سلطان المغرب في زمانه قد أمره بإشخاصه إليه، فلما وصل إلى تلمسان .. قال:
стр. 2110
ما لنا وللسلطان! الليلة نزور الإخوان، ثم نزل واستقبل القبلة وتشهد وقال: ها قد جئت، ها قد جئت ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ فمات في سنة تسعين وخمس مائة (١) وقد ناهز الثمانين، ودفن في جبانة العباد، وقبره بها ظاهر يزار نفع الله به، آمين.
٢٦٤٩ - [عبد الله العمراني] (٢)
عبد الله بن محمد بن علي بن محمد بن إسماعيل العمراني.
كان فقيها عارفا تقيا.
درس في قرية ضراس مدة إلى أن توفي في شهر جمادى الأولى من سنة تسعين وخمس مائة.
٢٦٥٠ - [علي الهرمي] (٣)
علي بن عبد الله بن عيسى بن أيمن بن الحسن بن خالد بن عبد الله الهرمي.
مما نقل الجندي عن ابن سمرة أن نسبهم في نزار، وذريتهم اليوم الموجودين في الهرمة ينسبون إلى بني أمية (٤).
قال الخزرجي: (ولا تجتمع الأنساب إلى نزار مع الانتساب إلى بني أمية) (٥).
تفقه المذكور في بدايته بأبيه المتقدم ذكره (٦)، ثم طلع الجبال، وسأل الإمام يحيى بن أبي الخير أن يسمعه «البيان» فقال الشيخ: لا، بل «المهذب» فقرأ عليه «المهذب» وكان الإمام يحيى يبين له المشكلات من كتاب «البيان» حتى فرغ الكتابين معا، وبين معانيهما في ضمن قراءته «المهذب»، ثم أخذ عنه كتابه «الانتصار»، ثم كتاب «الحروف السبعة» للمراغي.
стр. 2111
وكان عالما كبيرا مشهورا، عارفا بأدلة الفقه، بصيرا بدقائقها وإشكالاتها.
ولما نزل القاضي جعفر المعتزلي من صنعاء ونواحيها للمناظرة .. أمر الإمام يحيى بن أبي الخير الفقيه عليا هذا أن يطلبه في إبّ ونواحيها ويناظره، فسار إليه، فلم يجتمع به إلا بحصن شواحط-بضم الشين المعجمة، وفتح الواو، ثم ألف، ثم حاء مكسورة، ثم طاء مهملتين، حصن قريب من قرية الملحمة-متعززا بصاحب الحصن الشيخ محمد بن أحمد المسكيني-من عرب يعرفون ببني مسكين، بيت رئاسة متأثلة، خرج منهم جمع من الفضلاء -فناظره في خلق أفعال العباد، فأفحمه وقطع بعد أن كاد القاضي جعفر يستزل صاحب الحصن وغيره ويغويهم بتلبيساته ودعواته بأن لا أحد يفحمه، وأنه قد ناظر أهل العراق وغيرهم، فلم يقم له أحد بزعمه، فلما أفحمه الفقيه علي وأبلسه، وقطع حجته وأخرسه ..
ضحك منه صاحب الحصن وأصحابه، وتحققوا كذبه في دعواه، وقال له الفقيه علي: أما النصيحة في الدين .. فإني أعلم أنك لا تقبلها، ولكن خذ مني نصيحة تنفعك في دنياك:
لا تحاج ولا تجادل بعدها فقيها جدليا، والعجب منك كيف تكون بهذا الحال، وتقدم بلاد العلماء والفضلاء، وتظهر مقالتك، وتظن أنك تظفر بهم أو تظهر عليهم وهذا حالك ولم تبلغ غير إبّ! فكيف لو نزلت إلى ذي أشرق .. لوجدت بحرا تغرق في موجه، وما أرى أنك كنت تخلص! !
وتوفي الفقيه علي بقريته العقيرة سنة تسعين وخمس مائة تقريبا.
٢٦٥١ - [علي اليحيوي] (١)
علي بن محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي الأغر اليحيوي.
قال ابن سمرة: (تفقه بالفقيه علي بن عبد الله الهرمي المتقدم ذكره) (٢).
ونقل الجندي عن بعض أهل الفقيه عليّ المذكور: أن معظم تفقهه بأبيه، ثم بالفقيه علي الهرمي (٣).
стр. 2112
وكان فقيها محققا عارفا.
ولم أقف على تاريخ وفاته، فذكرته في طبقة شيخه الفقيه علي الهرمي.
٢٦٥٢ - [جاكير الزاهد] (١)
الشيخ جاكير، بالجيم والمثناة من تحت بين الكاف والراء.
أصله من الأكراد، وسكن صحراء من صحارى العراق بالقرب من قنطرة الرصاص على يوم من سامراء.
كان الشيخ أبو الوفاء يثني عليه، وينوه بذكره، وبعث إليه طاقيته مع الشيخ علي بن الهيتي ولم يكلفه الحضور.
وكان جاكير المذكور صاحب كرامات ظاهرة، وأحوال باهرة.
ومن كلامه: إذا قدحت نار التعظيم مع نور الهيبة في زناد السر .. تولد منها شعاع المشاهدة، فمن شاهد الحق في سره .. سقط الكون من قلبه.
ولم يزل ﵁ مستوطنا الصحراء المذكورة إلى أن مات في سنة تسعين وخمس مائة (٢)، وقبره بها ظاهر يزار، وقد عمر الناس عنده قرية؛ رغبة في مجاورته، والتماس بركته.
٢٦٥٣ - [عبد الله الحجري] (٣)
عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عبيد الله المريّيّ الأندلسي، الحافظ القدوة، الإمام الزاهد، أحد العلماء الأعلام.
стр. 2113
سمع فأكثر على أبي الحسن بن مغيث، وابن العربي، والكبار.
تفنن في العلوم، وبرع في الحديث، وطال، عمره، وشاع ذكره.
سكن سبتة، فاستدعاه السلطان مولى مراكش ليسمع منه.
مات سنة إحدى وتسعين وخمس مائة.
٢٦٥٤ - [العفيف الأرسوفي] (١)
عبد الله بن محمد بن عبد الله، يلقب بالعفيف، ويعرف بالأرسوفي، صاحب المدرسة التي بقرب باب العمرة، والرباط الذي بقربها المعروف برباط أبي رقيبة.
قال التقي الفاسي: (وهذا الرباط وقفه عن نفسه وعن موكله شريكه فيه القاضي عبد الرحيم بن علي البيساني على الفقراء والمساكين العرب والعجم، الرجال دون النساء، القادمين إلى مكة، والمجاورين بها على ألا يزيد الساكن في السكنى على ثلاث سنين.
قال القاضي: كذا نقلت هذا من حجر الرباط المذكور، وتاريخه سنة إحدى وتسعين وخمس مائة) (٢).
٢٦٥٥ - [السديد شيخ الطب] (٣)
شرف الدين عبد الله بن علي الشيخ السديد، شيخ الطب بالديار المصرية.
أخذ الصناعة عن الموفق بن زربي، بالزاي، ثم الراء، ثم الموحدة، وياء النسب.
وخدم العاضد صاحب مصر، ونال الحرمة والجاه العريض، عمر دهرا طويلا.
وأخذ عنه النفيس بن الزبير.
يحكى عنه أنه لما طهّر ولدا الحافظ لدين الله .. حصل للسديد نحو خمسين ألف دينار، وحصل له مرة ثلاثون ألف دينار.
ومات سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة.
стр. 2114
٢٦٥٦ - [محمود الواسطي] (١)
أبو القاسم محمود بن المبارك الواسطي ثم البغدادي الفقيه الشافعي، أحد الأذكياء المناظرين، المشار إليه في زمانه، والمقدم على أقرانه.
درّس بالنظامية، وقدم دمشق، بنيت له مدرسة جاروخ-بالجيم في أوله، والخاء المعجمة في آخره-ثم توجه إلى شيراز، وبنى له ملكها مدرسة، ثم أحضره ابن القصاب وقدمه.
توفي سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة.
٢٦٥٧ - [ابن المعلم الشاعر] (٢)
أبو الغنائم محمد بن علي المعروف بابن المعلم الشاعر المشهور.
كان لطيف الطبع، رقيق الشعر، يكاد شعره يذوب من رقته.
اشتهر شعره، وانتشر ذكره، ونبل بالشعر قدره، وحسن به حاله وأمره، وأكثر قوله في الغزل والمدح وفنون المقاصد، فغلب على شعره وصف الشوق والحب، وذكر الصبابة والغرام، مع سهولة اللفظ، وصحة المعاني، وكان بينه وبين ابن التعاويذي الشاعر تنافس، وهجاه ابن التعاويذي بأبيات.
وحكي عن ابن المعلم أنه مر يوما ببغداد على الموضع الذي يعظ به الإمام أبو الفرج ابن الجوزي، فرأى الناس مزدحمين، فسأل عن سبب الازدحام، فقيل: هذا ابن الجوزي الواعظ جالس، ولم أكن علمت بجلوسه، فزاحمت وتقدمت حتى شاهدته وسمعت كلامه وهو يعظ، حتى قال مستشهدا على بعض إشاراته: ولقد أحسن ابن المعلم حيث يقول: [من البسيط]
يزداد في مسمعي تكرار ذكركم ... طيبا ويحسن في عيني تكرره
قال: فعجبت من اتفاق حضوري واستشهاده بهذا البيت من شعري، ولم يعلم بحضوري لا هو ولا غيره.
стр. 2115
ومن شعر ابن المعلم: [من الكامل]
ردوا علي شوارد الأظعان ... ما الدار إن لم تغن من أوطاني
ولكم بذاك الجزع من متمنع ... هزأت معاطفه بغصن البان
أبدى تلونه بأول موعد ... فمن الوفيّ لنا بوعد ثاني
فمتى اللقاء ودونه من قومه ... أبناء معركة وأسد طعان
نقلوا الرماح وما أظن أكفهم ... خلقت لغير ذوابل المرّان
وتقلدوا بيض السيوف فما ترى ... في الحي غير مهند وسنان
ولئن صددت فمن مراقبة العدا ... ما الصد عن ملل ولا سلوان
يا ساكني نعمان أين زماننا ... بطويلع يا ساكني نعمان
توفي سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة.
٢٦٥٨ - [يونس الهاشمي] (١)
أبو محمد يونس بن يحيى بن أبي الحسن بن أبي البركات الهاشمي البغدادي، الشريف النسيب.
قرأ عليه الفقيه العلامة أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد الزيادي العمدي المعروف بأبي قفل «صحيح البخاري» بمسجد الشجرة من ثغر عدن في سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة بروايته له عن الشيخ الصالح أبي الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي الصوفي الهروي، كذا نقلته من ثبت الحرازي، وسيأتي قريبا له ترجمة بأبسط من هذا (٢).
٢٦٥٩ - [عبد الله الوزير] (٣)
الوزير عبد الله (٤) بن يونس البغدادي، وزير الخليفة الناصر لدين الله العباسي.
стр. 2116
تفقه، واشتغل بالأصول والكلام، وقرأ القراءات، وسمع من أبي الوقت، وصنف كتابا في الكلام، ثم توكل لأم الخليفة، فترقى وعظم قدره حتى ولي الوزارة.
وتوفي سنة ثلاث وتسعين وخمس مائة.
٢٦٦٠ - [عبد الله الأصبحي] (١)
عبد الله بن سالم بن زيد بن إسحاق، الأصبحي نسبا، البعداني بلدا.
ولد سنة خمس وخمس مائة.
وتفقه بأخيه محمد بن سالم، وأخذ عن صاحب «البيان»، وبيحيى بن أبي عمران وغيرهم.
وبه تفقه جماعة، منهم صهره يحيى بن فضل زوج ابنته منيرة، وكانت من صالحي أهل زمانها.
وتوفي عبد الله المذكور في شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين وخمس مائة (٢).
٢٦٦١ - [طغتكين الأيوبي] (٣)
السلطان الملك العزيز أبو الفوارس طغتكين بن أيوب بن شاذي الملقب بسيف الإسلام.
بعثه أخوه الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى اليمن، فوصل إلى اليمن، فدخل مدينة زبيد ثالث عشر شوال من سنة تسع وسبعين كما قاله الجندي (٤)، فأقام بها أياما، ثم طلع تعز، فعيد بها عيد النحر تلك السنة، وملك اليمن كله طوعا وكرها، واستولى على الحصون التي ملكها أخوه شمس الدولة توران شاه وزاد عليها، ودخل في طاعته أهل صنعاء وصعدة والجوف، وسوّر زبيد وصنعاء، وبنى عدة حصون باليمن،
стр. 2117
واختط باليمن مدينة على قبلي الجند على أميال منها، وسماها: المنصورة، وذلك في سنة اثنتين وتسعين.
وكان ملكا شجاعا كريما، حسن السياسة، حليما، محرابا لا يمل الحرب، وكان إذا تعرض له متظلم وهو في موكبه .. أمسك رأس حصانه، ولا ينصرف من مكانه حتى يكشف ظلامته.
يحكى أن شخصا من أهل وادي سهام عزم من الكدراء إلى صنعاء يشكو إليه من ضامن السوق بالكدراء أخذ منه ثلاثة دراهم بغير موجب، فكسا الشاكي وزوده، وأمره بالرجوع إلى بلده وقال له: إذا كان اليوم الفلاني .. فواجهني في السوق فلا تتأخر، فلما كان يوم ميعاده .. ورد المتظلم السوق ينتظر وصول سيف الإسلام، فبينا هو واقف في السوق وقد اشتد الزحام .. إذ أقبل سيف الإسلام في قطعة من العسكر إلى الكدراء، فلما توسط السوق .. استدعى بالوالي والضامن والمشتكي، فشنق الضامن في السوق، وصرف الوالي عن تلك الجهة وقال: يظلم مثل هذا عندكم ولا تنصفونه، وتكلفوه الوصول إلى أبوابنا؟ ! والله لئن أتاني أحد شاكيا .. لأشنقنّ الوالي، فلم يمد أحد يده إلى ظلم أحد بعدها.
وهو الذي قرر قواعد الملك باليمن، وضرب الضرائب السلطانية، وقنن القوانين، ويقال: إنه أول من جار على أهل النخل من وادي زبيد، حتى هرب طائفة من أهل النخل من أملاكهم، وكان يوصي العمال بالعدل والرفق في أصحاب الزرع خاصة، ويوصيهم بالعنف على أصحاب النخل.
فلما استوثق له أمر اليمن .. دعته نفسه إلى شراء أراضي اليمن كلها حيث كانت، وأراد أن تكون أرض اليمن كلها ملكا للديوان، وكل من أراد حرث شيء منها .. استأجر من الديوان كما هو في ديار مصر، فندب المثمنين إلى سائر البلاد، وأمرهم أن يثمنوا البلاد بأسرها، فشق ذلك على أهل اليمن، فاجتمع جماعة من الصالحين، فدخلوا مسجدا وأقاموا فيه ثلاثة أيام يصومون النهار ويقومون الليل، فلما كان اليوم الثالث أو الرابع ..
خرج أحدهم-وأظنه الشيخ دحمل-في وقت السحر إلى صحن المسجد، ونادى بصوت عال: يا سلطان السماء؛ اكف المسلمين سلطان الأرض، فقال له أصحابه: قليلا قليلا، فقال: قضيت الحاجة وحقّ المعبود؛ سمعت قارئا يقرأ: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ، ﴾ فلما كان وقت الظهر من ذلك اليوم وهو يوم الأربعاء سادس وعشرين شوال من سنة ثلاث وتسعين وخمس مائة .. توفي سيف الإسلام، فبطل ذلك الأمر، ويقال: إنه لما أحس
стр. 2118
بالموت .. جعل يتقلقل ويقول: ﴿ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ* هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ.﴾
وكان مدة ملكه اليمن أربع عشرة سنة وأربعة عشر يوما (١).
٢٦٦٢ - [سلمان الجدني] (٢)
سلمان-بسكون اللام-ابن أسعد بن محمد الجدني-بفتح الجيم والدال، وكسر النون، نسبة إلى ذي جدن، أحد أذواء حمير-أبو عبد الله.
تفقه المذكور بعلي بن أحمد اليهاقري.
وكان فقيها فاضلا، خيرا دينا.
كان يسكن سودة-بفتح السين والدال المهملتين، بينهما واو ساكنة، وآخره هاء التأنيث -قرية على ثلث مرحلة من الجند، وهي من قرى النّجاد-بكسر النون، وفتح الجيم، ثم ألف، ودال مهملة-صقع هنالك، وكانت القرية قد يطمع بها العدو ويغزوهم العرب إليها، وشرقيها جبل منيع، فأشار الفقيه على قومه بالانتقال إلى الجبل والسكنى في ذروته، وكان الفقيه أول من ابتنى في الجبل وسكنه، وتبعه الناس وسكنوا معه، وسموا الموضع: قناذر بقاف مضمومة، وموحدة مفتوحة، ثم ألف ساكنة، ثم ذال معجمة مكسورة، ثم راء ساكنة.
توفي الفقيه المذكور عاشر رمضان سنة ثلاث وتسعين وخمس مائة.
٢٦٦٣ - [أبو علي الزاهد] (٣)
أبو علي الحسن بن مسلم السيد الكبير، المشار إليه بالعراق.
يقال: إنه من الأبدال.
стр. 2119
تفقه وسمع من أبي البدر الكرخي.
وكان كثير البكاء، دائم المراقبة، متبتلا في العبادة، مشهورا برفض الدنيا، زاره الخليفة العباسي الناصر لدين الله.
توفي سنة أربع وتسعين وخمس مائة وقد بلغ التسعين.
٢٦٦٤ - [زنكي صاحب سنجار] (١)
زنكي بن مودود الملك عماد الدين، صاحب سنجار.
ملك حلب بعد ابن عمه الصالح إسماعيل بن نور الدين، فنازله السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، فأخذ منه حلب وعوضه بسنجار، وكان عادلا متواضعا.
توفي سنة أربع وتسعين وخمس مائة.
٢٦٦٥ - [ابن الزبادة] (٢)
يحيى بن سعيد الواسطي قوام الدين المعروف بابن الزبادة (٣)، صاحب ديوان الإنشاء ببغداد.
انتهت إليه رئاسة الترسل مع معرفته بالفقه والأصول والكلام، والنحو والشعر.
أخذ عن ابن الجواليقي، وحدث عن القاضي الأرجاني وغيره.
وولي نظر واسط، ثم ولي حجابة الحجاب.
ومات سنة أربع وتسعين وخمس مائة.
стр. 2120
٢٦٦٦ - [الملك العزيز الأيوبي] (١)
أبو الفتح عثمان بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شاذي، صاحب مصر، الملقب بالملك العزيز.
كان شابا ذا كرم وحياء وعفة.
قالوا: وبلغ من كرمه أنه لم يبق له خزانة، ومن عفته أنه كان له غلام بألف دينار، فحل لباسه، ثم أدركه التوفيق، فتركه وأسرع إلى سرية له قضى حاجته منها.
توفي سنة خمس وتسعين وخمس مائة، فأقيم مقامه ولده علي (٢)، فاختلف الأمراء، وكاتب بعضهم الأفضل، فسار إلى مصر، ثم سار بالجيوش ليأخذ دمشق من عمه العادل، فوقع الحصار، ثم دخل الأفضل من باب السلامة، وفرحت به العامة، وحوصرت القلعة مدة.
توفي سنة خمس وتسعين وخمس مائة.
٢٦٦٧ - [ابن رشد الحفيد] (٣)
أبو الوليد محمد بن أحمد القرطبي المعروف بابن رشد الإمام العلامة.
تفقه وبرع، وسمع الحديث، وأتقن الطب، ثم أقبل على الكلام والعلوم الفلسفية حتى صار يضرب به المثل فيها.
وكان ملازما للاشتغال، ذا ذكاء مفرط، صنف في الفقه والطب، والمنطق والرياضي والإلهي.
وتوفي بمراكش في سنة خمس وتسعين وخمس مائة.
стр. 2121
٢٦٦٨ - [ابن زهر الإشبيلي] (١)
محمد بن عبد الملك بن زهر الإيادي الإشبيلي، شيخ الطب، وجالينوس عصره.
أخذ الصناعة عن أبي العلاء زهر بن عبد الملك، وبرع، وحمل الناس عنه.
وكان جوادا ممدحا، محتشما، كثير العلم.
يقال: إنه حفظ «صحيح البخاري» جميعه، وشعر ذي الرمة، وبرع في اللغة.
وتوفي بمراكش في سنة خمس وتسعين وخمس مائة.
٢٦٦٩ - [ابن فضلان] (٢)
يحيى بن علي البغدادي الشافعي المعروف بابن فضلان.
كان من أئمة علم الخلاف والجدل، مشارا إليه.
توفي سنة خمس وتسعين وخمس مائة.
٢٦٧٠ - [محمد القريظي] (٣)
محمد بن سعيد بن معن القريظي.
ولد سنة سبع وتسعين وأربع مائة.
وتفقه بعمر بن عبد العزيز بن أبي قرة الأبيني المقدم ذكره (٤).
وكان فقيها ورعا، زاهدا صالحا، محدثا، غلب عليه علم الحديث.
دخل عدن، فجمع الكتب الستة، وألف منها كتاب «المستصفى»، ثم كتاب «القمر» على منوال «الكوكب»، واختصر «إحياء علوم الدين»، وكتابه «المستصفى» من الكتب المباركة المتداولة في اليمن، يعتمده الفقهاء والمحدثون.
стр. 2122
يحكى عن الشريف أبي الجديد أنه قال: ثبت لي بطريق صحيح مسلّم عن الشيخ ربيع صاحب الرباط بمكة أنه رأى النبي ﷺ في سنة ست وتسعين وخمس مائة فقال له: من قرأ «المستصفى» الذي صنفه محمد بن سعيد كاملا .. دخل الجنة.
قال ابن سمرة: (قيل: إنه رأى النبي ﷺ ، فدعى له بالتثبيت) (١).
قال الجندي: (ووجدت بخط الفقيه محمد بن إسماعيل الحضرمي-نفع الله به، آمين- ما مثاله: أخبرني الفقيه فلان-رجل سماه من أهل سردد-أنه رأى النبي ﷺ يقول له: اقرأ كتاب «المستصطفى» على أبي الجديد أو على الفقيه محمد بن إسماعيل الحضرمي، ثم قرأ عليه الكتاب، ثم قال الفقيه: وهذا المنام يدل على بركة المصنف وفضله، وفضل البلد الذي صنف فيه) (٢).
وامتحن المذكور بقضاء لحج.
ومسكنه قرية بنا أبّه العليا من وادي لحج، وله قرابة هنالك يعرفون بالقريظيين، إليهم خطابة القرية وخطابة فور، ولهم الجامع بالقرية المذكورة، ووقفه لهم، ونظره إليهم، يتوارثون ذلك إلى عصرنا هذا، يبدءون من غلة الوقف بعمارة الأرض والمسجد، فلذلك لم يطق أحد تغييره، ومن هم بذلك من الظلمة .. شغله شاغل عن ذلك.
ولم يزل على الحال المرضي إلى أن توفي بالقرية المذكورة في جمادى الأخرى سنة خمس وتسعين وخمس مائة.
٢٦٧١ - [علي القريظي] (٣)
علي بن سعيد بن معن القريظي.
ولي القضاء بلحج بعد وفاة أخيه محمد بن سعيد صاحب «المستصفى».
ولم أقف على تاريخ وفاته، ولم أعلم من حاله غير ذلك؛ فإني لم أقف له على ترجمة، وإنما ذكره الجندي استطرادا في ترجمة أخيه محمد المذكور قبله (٤)، والله أعلم.
стр. 2123
٢٦٧٢ - [يعقوب صاحب المغرب] (١)
أبو يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي المنصور، صاحب المغرب، الملقب بأمير المؤمنين.
لما مات أبوه .. اجتمع رأي المشايخ الموحدين وبني عبد المؤمن على تقديمه، فبايعوه وعقدوا له الولاية، فباشر تدبير المملكة أحسن مباشرة، رتب قواعد بلاد الأندلس وأصلح شأنها، وقرر المقاتلين في مراكزها في مدة شهرين، وأمر بقراءة البسملة في أول الفاتحة في الصلوات، وأرسل بذلك إلى سائر بلاد الإسلام التي في مملكته، فأجاب قوم وامتنع آخرون، ثم عاد إلى مراكش التي هي كرسي ملكهم، فخرج عليه ابن إسحاق الملثم في شعبان سنة ثمانين وخمس مائة، وملك بجاية وما حولها، فجهز إليه يعقوب عشرين ألف فارس وأسطولا في البحر، ثم خرج بنفسه في أول سنة ثلاث وثمانين، واستعاد ما أخذ من البلاد، ثم عاد إلى مراكش.
وخرجت طائفة من الفرنج في جيش كثيف إلى بلاد الإسلام، فنهبوا وسبوا، فلما بلغه ذلك .. تجهز لقتالهم في جحفل عرمرم وكان قد كتب إليه ملك الفرنج يتهدد المسلمين، ومن جملة كتابه:
باسمك اللهم فاطر السماوات والأرض، وصلّى الله على السيد المسيح، الرسول الفصيح، ثم عقب ذلك بالتوبيخ للأمير يعقوب والتهديد في كلام يطول.
فلما وصل كتابه إلى الأمير يعقوب .. مزقه، وكتب على ظهر رقعة منه:
﴿اِرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ، ﴾ والجواب ما ترى لا ما تسمع، ثم كتب بيت المتنبي المشهور: [من الطويل]
ولا كتب إلا المشرفية عنده ... ولا رسل إلا بالخميس العرمرم
وضرب السرادقات بظاهر البلد من يومه، وأمر باستدعاء الجيوش من الأمصار، وجمع العساكر، وسار إلى البحر المعروف بزقاق سبتة، فعبر فيه إلى الأندلس، وسار حتى دخل
стр. 2124
بلاد الفرنج وقد اعتدوا وحشدوا، فكانت وقعة الزلاقة المشهورة، وكسرهم كسرة شنيعة، واستأصلهم قتلا، ولم ينج منهم إلا ملكهم في نفر يسير، وغنم المسلمون أموالهم، حتى قيل: إنه حصل لبيت المال من دروعهم ستون ألف درع، وأما الدواب على اختلاف أنواعها .. فلم ينحصر لها عدد.
وله مع الفرنج حروب عديدة أذلهم فيها، ونال منهم قتلا ونهبا وتخريبا لديارهم إلى أن التمسوا منه الصلح فصالحهم، وانتقل إلى مدينة سلا، وبنى بالقرب منها مدينة عظيمة على هيئة الإسكندرية سماها: رباط الفتح، ثم رجع إلى مراكش، وتوفي بها في سنة خمس وتسعين وخمس مائة.
ثم إنه لما رجع إلى مراكش .. تجرد عن الملك، وساح في البلاد، وانتهى إلى بلاد المشرق وهو مستخف لا يعرف، ومات خاملا.
قال الشيخ عبد الله اليافعي في «تاريخه»: (ويؤيد هذا القول ما سمعت ممن لا أشك في صلاحه من الفقراء الصادقين من بلاد المغرب: أن جمعا من شيوخ المغاربة ذكروا رسالة الأستاذ أبي القاسم القشيري وما جمع فيها من المشايخ المشارقة، فأحبوا معارضتها برسالة مشتملة على الشيوخ المغاربة، فقال: إن في رجال القشيرية من تجرد عن الملك، ولا تجد في شيوخ المغرب من هو كذلك، فما يتم لنا ذلك إلا بملك منها يزهد ويسلك طريق ابن أدهم، فجاء الولي الشهير أبو إبراهيم المغربي إلى أمير المؤمنين يعقوب المذكور واجتمع به، فسر به يعقوب، وأخرج له من خزائنه جواهر نفيسة؛ إكراما له في مجيئه إليه، فالتفت أبو إبراهيم إلى شجرة هنالك وإذا هي حاملة جواهر تدهش العقول، فدهش أمير المؤمنين يعقوب من ذلك، وهاله ما رأى من تصريف عباد الله في ملك الله، فاحتقر ما هو فيه من ملك الدنيا، فزهد فيه، وصار من كبار الأولياء) (١).
وإلى الأمير يعقوب المذكور تنسب الدنانير اليعقوبية العربية.
ولما اتفق له بمراكش ما اتفق من التزهد أو الموت .. بويع ولده أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ولقب بالناصر، وارتجع المهدية من الملثم المتقدم ذكره وكان قد استولى عليها.
وتوفي محمد بن يعقوب سنة ست عشرة وست مائة، يقال: إنه أوصى عبيده بحفظ بستانه وحراسته، ثم تنكر، وجعل يمشي في البستان ليلا، فلما رآه الحرس .. ابتدروه
стр. 2125
بالرماح، فجعل يقول: أنا الخليفة، أنا الخليفة، فما تحققوه حتى هلك.
ولم يزل بنو عبد المؤمن يتوارثون الملك إلى أن انتهى إلى أبي العلاء إدريس بن يوسف بن عبد المؤمن، فوقعت بينه وبين بني مريم حروب قتل فيها، فانقرضت دولة بني عبد المؤمن، واستولى بنو مريم على ملكهم.
قال ابن خلكان: (ولم يزل الملك في عقبهم إلى الآن) (١).
قال الشيخ اليافعي: (وهكذا هو إلى الآن؛ يعني: سنة خمسين وسبع مائة، إلا أنه قد تضعضع واضطرب؛ لعدم طاعة العرب) (٢).
وكان يعقوب المذكور ملكا جوادا عادلا، متمسكا بالشرع المطهر، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر كما ينبغي من غير محاباة، ويصلي بالناس الخمس، ويلبس الصوف، ويقف للمرأة والضعيف، ويأخذ لهم حقهم من كل ظالم عنيف، أقام الحدود الشرعية حتى في أهله وأقاربه وعشيرته، فاستقامت له الأحوال، وعظمت الفتوحات، وكان قد أمر علماء زمانه ألا يقلدوا أحدا من الأئمة المتقدمين، بل تكون أحكامهم بما يؤدي إليه اجتهادهم من استنباطهم القضايا من الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
قال ابن خلكان: (وقد أدركنا جماعة من مشايخ المغرب وصلوا إلينا وهم على تلك الطريق، مثل أبي الخطاب بن دحية، وأخيه أبي عمرو، ومحيي الدين ابن العربي نزيل دمشق) (٣).
وكان محبا للعلماء، مقربا للأدباء، محسنا، مصغيا إلى المدح مثيبا عليه، وله ألف أبو العباس الحرادي كتابه الموسوم «بصفوة الأدب وديوان العرب» في مختار الشعر.
قال ابن خلكان: (وهو مجموع مليح، أحسن في اختياره كل الإحسان) (٤).
٢٦٧٣ - [إبراهيم العراقي] (٥)
أبو إسحاق إبراهيم بن منصور المصري المعروف بالعراقي؛ لرحلته إلى العراق وإقامته به مدة، الخطيب، شيخ الشافعية بمصر.
стр. 2126
شرح «المهذب» شرحا جيدا في عشرة أجزاء.
قال الشيخ عبد الله اليافعي: (وهو أول من شرحه فيما علمت، ثم شرحه الإمام أبو عمرو عثمان بن عيسى الماراني الملقب: ضياء الدين، شرحه في نحو عشرين مجلدا، وبلغ فيه إلى كتاب الشهادات، وسماه: «الاستقصاء لمذاهب العلماء والفقهاء»، ثم الإمامان الوليان الكبيران أبو الذبيح إسماعيل بن محمد الحضرمي، وأبو زكريا يحيى بن شرف النووي، وكانا متعاصرين، ماتا في سنة ست وسبعين وست مائة، ولا أدري أيهما أسبق بالشرح، ولذلك جمعتهما، وأكمل الحضرمي شرحه، وأما النووي .. فانتهى فيه إلى باب الربا ولم يكمله، ثم إن القاضي تقي الدين السبكي شرحه من الربا ولم يكمله أيضا) انتهى كلام الإمام اليافعي (١).
وسمعت أن الإمام النووي ﵀ أتم مسودة شرحه، وانتهى في تبييضها إلى باب الربا، والله سبحانه أعلم.
٢٦٧٤ - [ابن جهبل] (٢)
طاهر بن نصر الله بن جهبل صدر الدين الكلابي الشافعي الفرضي، مدرس مدرسة صلاح الدين بالقدس، وهو أحد من قام على الحكيم السهروردي، وأفتى بقتله.
توفي سنة ست وتسعين وخمس مائة.
٢٦٧٥ - [القاضي الفاضل] (٣)
أبو علي عبد الرحيم بن علي بن الحسن بن الحسن اللخمي، العسقلاني المولد، المصري الدار، المعروف بالقاضي الفاضل بن القاضي الأشرف بن القاضي السعيد، وزير
стр. 2127
السلطان صلاح الدين، وتمكن منه غاية التمكن.
وبرع في صناعة الإنشاء، وفاق المتقدمين، وله فيه الغرائب مع الإكثار.
وله في النظم أشياء حسنة، منه ما أنشده عند وصوله إلى الفرات في خدمة السلطان صلاح الدين يتشوق إلى نيل مصر: [من الكامل]
بالله قل للنيل عني إنني ... لم أشف من ماء الفرات غليلا
وسل الفؤاد فإنه لي شاهد ... إن كان جفني بالدموع بخيلا
يا قلب كم خلفت ثمّ بثينة ... وأعيذ صبرك أن يكون جميلا
رمز فيه إلى ما كان بين بثينة وجميل من الحب، وأعاذه بالله أن يكون متصفا بهيمان جميل وفرط حبه الذي لا يقوى عليه إنسان.
ومن شعره: [من الكامل]
وإذا السعادة لاحظتك عيونها ... نم فالمخاوف كلهن أمان
واصطد بها العنقاء فهي حبالة ... وافتل بها الجوزاء فهي عنان
قال الشيخ اليافعي: (والظاهر أن قوله: «افتل» بالفاء والمثناة من فوق، من فتل العنان) (١).
قيل: إن كتبه بلغت مائة ألف مجلد، ودخله في السنة من مغله دون خمسين ألف دينار، وكان عمره بضعا وستين سنة.
توفي سنة ست وتسعين وخمس مائة.
٢٦٧٦ - [الشهاب الطوسي] (٢)
الشهاب الطوسي أبو الفتح بن محمود نزيل مصر شيخ الشافعية.
стр. 2128
درس وأفتى ووعظ، وصنف، وتخرج به جماعة.
وكان رئيسا معظما، يتيه على الملوك، يركب بالغاشية والسيوف المسلولة وينادى بين يديه: هذا ملك العلماء، وكان له صولة في القيام على الحنابلة ونصرة الأشاعرة.
توفي سنة ست وتسعين وخمس مائة.
٢٦٧٧ - [شمس الدين الحراني] (١)
أبو الفتوح (٢) عبد المنعم بن عبد الوهاب بن سعد شمس الدين الحراني.
تسرى بمائة وثمان وأربعين جارية.
وكان صحيح الذهن والحواس إلى أن مات ببغداد في سنة ست وتسعين وخمس مائة.
٢٦٧٨ - [أسعد بن محمد] (٣)
أسعد بن محمد أبو محمد.
كان فقهيا نبيها، أديبا لبيبا، عارفا بالفقه والعربية.
وكان يدرس في منزله من ناحية أروس في حد الدملوة إلى أن توفي في سنة ست وتسعين وخمس مائة (٤).
٢٦٧٩ - [علي ابن المعلم] (٥)
أبو الحسن علي بن محمد بن إبراهيم المعلم، أصل بلده حدبة-بفتح الحاء والدال المهملتين، وبالموحدة المفتوحة، ثم هاء-قرية على قرب جبلة.
стр. 2129
كان من أعيان اليمن المشهورين كرما وسخاء، وحلما ووفاء.
فمن حلمه: أن جماعة من فقهاء السحول قدموا عليه أيام ولايته، فراجعوه في كشف مظلمة، فامتنع، فخلع بعض الفقهاء نعله وضربه بها، فلم يزده على قوله: يكفي يا فقيه، يكفي يا فقيه، فهم غلمانه بالبطش بالفقيه، فنهاهم عن ذلك، ولم يزل يستعطف الفقيه حتى سكن غضبه، وقضى حاجته فيما طلبه.
ومن كرمه: ما رواه الجندي، عن الثقة، عن المقرئ حميد المؤذن بجبلة وكان من أعيانها قال: حضر عيد النحر ولا عندي شيء، فأشير علي بقصد ابن المعلم، فكتبت إليه ورقة أسأله فيها عشرة أذهاب ذرة وخمسة أذهاب بر (١)، وناولته الورقة، فعبس، وأعرض عني، فخرجت وأنا ألوم نفسي على قصده، فأمر من لحقني وردني إليه، فأدناني منه وقال: سبحان الله! المقرئ حميد، اسم كبير، وهمة ضعيفة، يصل إلي ويسألني شيئا حقيرا! فاعتذرت إليه، فناولني ورقة بيضاء وقال: اكتب جميع ما تحتاجه للعيد، فكتبت أطلب مائتي ذهب ذرة، ومائتي ذهب بر، ورأس بقر، ورأسي غنم، وكسوة لي ولأولادي، فلما قرأها .. أسفر وجهه، وكتب إلى نائبه بجبلة أن يسلم جميع ما ذكرت معجّلا، فسلم إليّ النائب جميع ذلك (٢).
وكان له مكانة عند سيف الإسلام طغتكين بن أيوب، وكان يلتزم جميع مخلاف جعفر بمال معلوم، فطلب منه سيف الإسلام الذي تضمن به البلاد، فعجز عنه، فقبض سيف الإسلام غالب أملاكه، وهرب ابن المعلم، وذلك في شعبان سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة، فنصّب القاضي منصوبا قضى السلطان عنه جميع أملاكه حيث كانت بما بقي عليه من الضمان، وكانت أمواله جليلة في أماكن كثيرة.
فلما توفي سيف الإسلام في التاريخ المتقدم ذكره، وولي ابن المعز قطر اليمن .. أعاد ابن المعلم على عمالة المخلاف، فأقام يسيرا، ثم أسره، فأقام في الأسر ستة أشهر، وشنقه في عاشر المحرم من سنة ست وتسعين وخمس مائة.
стр. 2130
٢٦٨٠ - [ابن الجوزي] (١)
أبو الفرج عبد الرحمن بن علي المعروف بابن الجوزي-بفتح الجيم، وسكون الواو، وفي آخره زاي، نسبة إلى موضع يقال له: فرضة الجوز-البغدادي التيمي البكري، يتصل نسبه بأبي بكر الصديق ﵁.
قال ابن النجار: كان أبوه يعمل الصفر، واشتغل هو من صغره بأنواع العلوم الشرعية، حتى كان علامة عصره وإمام وقته في التفسير والحديث والفقه والوعظ والسير والتواريخ والطب وغير ذلك.
وعظ من صغره وعظا فاق فيه الأقران، وحصل له القبول التام والاحترام.
حكي أن مجلسه حزر بمائة ألف، وحضر مجلسه الخليفة المستضيء مرات من وراء الستر.
وصنف «زاد المسير في علم التفسير» في أربعة أجزاء، أتى فيه بأشياء غريبة، وله «المنتظم» في التاريخ، كتاب كبير، وله «الموضوعات» في أربعة أجزاء، ذكر فيها كل حديث موضوع، وصنف كتبا كثيرة في فنون عديدة.
قال ابن خلكان: (حتى نقلوا أنه حسبت الكراريس التي كتبها وقسمت على مدة عمره، فكان ما خص كل يوم تسع كراريس، وهذا شيء عظيم لا يقبله العقل، وجمع براية أقلامه التي كتب بها حديث رسول الله ﷺ ، وأوصى أن يسخن بها الماء الذي يغسل به بعد موته، فكفت، وفضل منها) (٢).
وله أشعار لطيفة، منها قوله معرضا بأهل بغداد: [من المتقارب]
عذيري من فتية بالعراق ... قلوبهم بالجفا قلّب
يرون العجيب كلام الغريب ... وقول القريب فلا يعجب
стр. 2131
ميازيبهم إن تندت بخير ... إلى غير جيرانهم تقلب
وعذرهم عند توبيخهم ... مغنية الحي ما تطرب
وله في مجالس وعظه أجوبة نادرة، منها أنه وقع النزاع بين الرافضة وأهل السنة في علي وأبي بكر ﵄: أيهما أفضل؟ ورضوا جميعا بجواب ابن الجوزي، وأقاما شخصا يسأله عن ذلك وهو على الكرسي في مجلس وعظه، فقال: أفضلهما من كانت ابنته تحته، ونزل في الحال حتى لا يراجع في ذلك، فزعمت الرافضة أنه أراد عليا؛ لأن ابنة النبي ﷺ تحته، وقالت أهل السنة: بل أراد أبا بكر؛ لأن ابنته عائشة تحت النبي ﷺ ، وهذا الجواب لو حصل بعد الفكر التام فضلا عن البديهة ..
لكان في غاية الحسن.
ولد سنة ثمان-وقيل: عشر-وخمس مائة.
وتوفي ليلة الجمعة ثاني عشر شهر رمضان سنة سبع وتسعين وخمس مائة ببغداد.
وكان ولده محيي الدين يوسف محتسب بغداد، وتولى تدريس المستنصرية لطائفة الحنابلة، وكان يتردد في الرسائل إلى الملوك، ثم صار أستاذ دار الخلافة.
وكان سبطه شمس الدين أبو المظفر يوسف الواعظ المشهور له صيت وسمعة في مجالس وعظه، وقبول عند الملوك وغيرهم، وصنف تاريخا كبيرا، قال ابن خلكان: (رأيته بخطه في أربعين مجلدا سماه: «مرآة الزمان في تاريخ الأعيان») (١).
٢٦٨١ - [ابن المقرون] (٢)
أبو شجاع بن المقرون البغدادي، أحد أئمة الإقراء.
كان صالحا عابدا، ورعا، مجاب الدعوة، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، وكان يتقوت من كسب يده.
توفي سنة سبع وتسعين وخمس مائة.
стр. 2132
٢٦٨٢ - [جوهر المعظمي] (١)
أبو الدر الأستاذ جوهر بن عبد الله المعظمي، نسبة إلى سيده الداعي المعظم محمد بن سبأ بن أبي السعود بن زريع بن العباس بن المكرم الهمداني، صاحب عدن.
كان المذكور خادما تقيا، عاملا ذكيا، عالما كاملا، حافظا، أجمع فقهاء عصره على تسميته بالحافظ؛ لأنه كان لا يحفظ شيئا فينساه.
له مصنفات كثيرة في القراءات والحديث والوعظ، وكان يحب الفقهاء من أهل السنة ويجلهم ويحترمهم، ويكره مذهب مواليه، وببركته صار الإمام بطال بن أحمد الركبي إلى ما صار، وذلك أن أهله تركوه رهينة عند الطواشي جوهر المذكور، فأشفق عليه، وعلمه القرآن، ثم اشتغل بطلب العلم حتى صار إماما مبرزا.
فلم يزل المذكور واليا على حصن الدملوة من قبل مواليه إلى أن وصل سيف الإسلام طغتكين بن أيوب من الديار المصرية، واستولى على جل مملكة اليمن، وغلب على كثير من حصونه ومدنه، ورأى جوهر أنه لا طاقة له به إن قصده، فباع إليه الحصن في سنة أربع وثمانين وخمس مائة، واشترط ألا ينزل من الحصن ولا يطلع لهم نائب حتى يكون عيال سيده كلهم خلف البحر من ناحية بر العجم، وأنهم يركبون من أي ساحل أرادوا من البحر، فأجابه سيف الإسلام إلى ذلك؛ لما يعلم من صعوبة الحصن، وأنه لا يؤخذ قهرا، فلما توثق جوهر، وقبض المال الذي اتفق عليه الحال .. جهز أولاد سيده جميعهم إلى ساحل المخا، وسار معهم في زي امرأة منهم، وأخذ مضنونهم، فنزل صحبته إلى ساحل المخا، وكان قد أرسل من هيأ له سفنا هنالك، فحين وصل إلى الساحل .. ركب هو ومواليه، وسار إلى بر العجم، وترك نائبا له في الحصن، فجهز بقية أموالهم وما يحتاجون له، وكتب له عدة أوراق في كل واحدة منها علامة بخطه، فكان النائب إذا احتاج إلى كتاب إلى سيف الإسلام أو أحد أمرائه .. كتب لهم في تلك الأوراق التي فيها علامة جوهر، فلا يشكون أن جوهرا في الحصن، وكان سيف الإسلام قد أضمر أنه إذا نزل من الحصن .. استرجع جميع ما أعطاه من المال وما أراد أيضا، فلما فرغ ما في الحصن .. نزل النائب، فسئل عن
стр. 2133
الطواشي فقال: إنه أول من نزل، فعجب سيف الإسلام من حزمه وعزمه ودينه وقال: كان ينبغي استخلافه على الحصن.
ولم يزل جوهر بأرض الحبشة إلى أن توفي بها لبضع وتسعين وخمس مائة، والله سبحانه أعلم.
٢٦٨٣ - [العماد الكاتب] (١)
أبو عبد الله محمد بن محمد الأصبهاني، المعروف بالعماد الكاتب، الوزير الفاضل.
تفقه بالمدرسة النظامية، وأتقن الخلاف وفنون الأدب، وسمع الحديث.
ولاه الوزير ابن هبيرة النظر بالبصرة، ثم بواسط، ثم انتقل إلى دمشق والسلطان يومئذ السلطان نور الدين محمود بن زنكي، فتعرف به، وعرف به السلطان صلاح الدين ووالده، ونوه بذكره القاضي كمال الدين الشهرزوري عند السلطان نور الدين، وعدد عليه فضائله، وأهله لكتابة الإنشاء.
قال العماد: فبقيت متحيرا في الدخول فيما ليس من شأني ولا وظيفتي.
وقال غيره: لم يكن قد مارس هذه الصناعة، فجبن عنها في الابتداء، فلما باشرها ..
هانت عليه، وأجاد فيها، وأتى فيها بالغرائب، وكان ينشئ الرسائل باللغة العربية والعجمية أيضا، وحصل بينه وبين صلاح الدين مودة أكيدة، وعلت منزلته عند نور الدين، وصار صاحب سره، وسيره رسولا في أيام الخليفة المستنجد، فلما عاد .. فوض إليه التدريس في المدرسة المعروفة به، ثم رتبه في إشراف الديوان، ثم لما تسلم صلاح الدين قلعة حمص .. حضر بين يديه، وأنشده قصيدة، ثم لازمه، وترقى عنده حتى صار في جملة الصدور المعدودين، والأماثل الممجدين، يضاهي الوزراء، ويجري في مضمارهم، وكان القاضي الفاضل لاشتغاله بالقيام بالمصالح ينقطع في أكثر الأوقات عن خدمة السلطان صلاح الدين والعماد ملازم للباب، وهو صاحب السر المكتوم.
وله التصانيف النافعة، منها: «خريدة القصر وجريدة العصر» جعله ذيلا على «زينة
стр. 2134
الدهر» تأليف أبي المعالي سعد بن علي الوراق الحظيري، والحظيري جعله ذيلا على «دمية القصر وعصرة أهل العصر» للباخرزي، والباخرزي جعل كتابه ذيلا على «يتيمة الثعالبي»، والثعالبي جعل كتابه ذيلا على كتاب «البارع» لهارون بن المنجم، وذكر العماد المذكور الشعراء الذين كانوا بعد المائة الخامسة إلى سنة اثنتين وسبعين بعدها، وجمع شعراء العراق والعجم والشام والجزيرة ومصر والمغرب، ولم يترك إلا النادر، وكتابه المذكور عشر مجلدات، وله كتاب «البرق الشامي» في سبع مجلدات، ووسمه «بالبرق»؛ لسرعة انقضاء تلك الأيام، وله غير ذلك من المصنفات.
وله مع القاضي الفاضل مكاتبات ومحاورات لطاف، فمن ذلك ما يحكى عنه أنه لقيه يوما وهو راكب على فرس فقال له: سر فلا كبا بك الفرس، فأجابه الفاضل: دام علا العماد، فأتى كل منهما بما لا يتغير بالانعكاس، مثل قوله تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ.﴾
واجتمع مع القاضي الفاضل في مركب السلطان وقد انتشر من الغبار لكثرة الفرسان ما سد الفضاء، فتعجبا من ذلك، فأنشد العماد في الحال: [من مجزوء الكامل]
أما الغبار فإنه ... مما أثارته السنابك
والجو منه مظلم ... لكن أنار به السنابك
يا دهر لي عبد الرحي ... م فلست أخشى مسّ نابك
توفي سنة سبع وتسعين وخمس مائة.
٢٦٨٤ - [المعز إسماعيل الأيوبي] (١)
السلطان المعز إسماعيل بن طغتكين بن أيوب، سلطان اليمن.
كان أكبر أولاد أبيه، وكان يعول عليه في كثير من أموره، فظهر لأبيه منه الخروج عن مذهب أهل السنة، فطرده، وخرج مغاضبا لأبيه يريد بغداد، فلما صار بالمخلاف السليماني .. بلغه وفاة أبيه، فرجع إلى اليمن، ودخل زبيد تاسع عشر ذي القعدة سنة ثلاث وتسعين وخمس مائة، فمكث فيها يوما، ثم طلع إلى تعز، وأظهر مذهبه القبيح، فقويت
стр. 2135
شوكة الإسماعيلية حتى طمعوا في إبطال مذهب أهل السنة.
وكان المذكور فارسا شجاعا، سفاكا للدماء، سريع البطش، شديد العقوبة، كثير الجود على الشعراء وأهل اللهو، شاعرا فصيحا، ومن شعره: [من الطويل]
وإني أنا الهادي الخليفة والذي ... يقود رقاب الغلب بالضّمّر الجرد
ولا بد من بغداد أطوي ربوعها ... وأنشرها نشر السماسر للبرد
وأنشر أعلامي على عرصاتها ... وأظهر دين الله في الغور والنجد
ويخطب لي فيها على كل منبر ... وأحيي بها ما كان أسسه جدي
ثم خولط في عقله، فادعى أنه قرشي النسب، وخوطب بأمير المؤمنين.
وولع بأكل بني آدم، فانتدب لقتله جماعة من الأكراد، وقتلوه عند المسجد المعروف بمسجد شاشة-بمعجمتين، بينهما ألف، وهو مسجد شمالي زبيد فيما بين القوز الكبير المعروف بالمنظر وما بين زبيد-في رجب من سنة ثمان وتسعين وخمس مائة (١).
٢٦٨٥ - [الخشوعي] (٢)
أبو طاهر بركات بن إبراهيم المعروف بالخشوعي.
سمع من ابن الأكفاني وجماعة.
وتوفي سنة ثمان وتسعين وخمس مائة (٣).
٢٦٨٦ - [لؤلؤ العادلي] (٤)
لؤلؤ الحاجب العادلي.
كان شيخا أرمينيا، من غلمان القصر، فخدم مع صلاح الدين مقدما، وكان ميمون النقيبة، أينما توجه .. نصر وفتح له، وله مواقف حميدة بالسواحل.
стр. 2136
ولما قصد جمع من أبطال الفرنج الحرم النبوي في البحر من الكرك والشوبك وعدتهم ثلاث مائة كلّهم أبطال مع طائفة من العرب المرتدة .. سير إليهم طائفة من المجاهدين مقدمهم لؤلؤ المذكور، فلما كانوا بالقرب من المدينة بينهم وبينها يوم .. لقيهم لؤلؤ في جمعه، فبذل الأموال للعرب، فخامروا معه، وذلت الفرنج، واعتصموا بجبل، فترجل لؤلؤ وصعد إليهم بالناس في تسعة أنفس، فهابوا وسلموا أنفسهم، فقيدهم كلهم وكان قد استعد قيودا بعددهم كأنه موقن بالنصر، وقدم بهم مصر، وكان يوما مشهورا.
ثم كبر لؤلؤ وترك الخدمة، وكان يتصدق كل يوم باثني عشر ألف رغيف وعدة قدور، ويضعف ذلك في رمضان.
توفي سنة ثمان وتسعين وخمس مائة.
٢٦٨٧ - [أبو العباس ابن سالم] (١)
أحمد بن محمد بن سالم أبو العباس.
كان فقيها ظريفا، خيرا، شاعرا فصيحا، وكان فيه خفة، فسمي لأجلها المخف، وكان يمدح أقيال اليمن ويأخذ جوائزهم.
يروى أنه قدم المخادر على الشيخ عبد الله بن سعد بن ناجي، فلما استأذن .. قال له الرسول: إن الشيخ في حافة الحريم، فكتب في رقعة: [من مخلع البسيط]
يقبح بالسيد الكريم ... يقعد في حافة الحريم
والوفد في الباب في انتظار ... نظامه غير مستقيم
ثم ختم الورقة وقال للخادم: إذا خرج الشيخ .. فأعطه الورقة، وسار من فوره إلى مقصده، فلما وقف الشيخ على الورقة .. عرف خطه، وشق عليه ذلك، فركب في أثره حتى أدركه بعد جهد جهيد، فأعاده، واعتذر إليه وأحسن إليه.
ويحكى أنه ترك شيئا من كتبه عند مشايخ بني عمران في قلعة سير، فلما استعادها ..
وجد الفأر قد عبث بها عبثا شديدا فقال: [من الوافر]
مديح الفأر خير من هجاه ... رجا شيئا فأدرك ما رجاه
стр. 2137
وأعطي ما أراد وما تمنى ... وأحظى الخلق من يعطى مناه
بدار الشيخ أسعد حيث كانت ... أكيتبتي وقد عظموا وتاهوا
وقالوا قط ليس لنا مراح ... من المحراب فهو لنا بناه
إذا ما الهر وافى فرد يوم ... أغاروا كلهم وجروا وراه
فولى وهو في وجل شديد ... ولم يلفت وأعطاهم قفاه
جيوش لو أقام لهم قليلا ... لطاح وأطعموه إذا خراه
ولما قويت شوكة الإسماعيلية بانتقال المعز إسماعيل بن العزيز طغتكين بن أيوب إلى مذهبهم .. ألزموه بأن يلزم الخطباء يقعوا في الشيخين ﵄ في قطر اليمن، فقال: لا طاقة لي بالسواد الأعظم، قالوا: فليكن في جامع جبلة، فقال: لا أستطيع، ولا آمن هجوم العامة، فقالوا: فمر الخطيب يسقط ذكرهما من الخطبة، فساعدهم على ذلك، وألزم الخطيب إسقاط ذكرهما ﵄، وكان القضاء يومئذ في أهل عرشان، فشق ذلك عليهم، وتحيروا بين الإقدام والإحجام، فقدم عليهم الفقيه أحمد المذكور وقال: لا تتعبوا أنفسكم، إذا التزمتم لي بقضاء ديني وسداد فاقتي .. كفيتكم أمر هذا الخطب المهم، فالتزموا له ذلك، فلما حضر وقت يوم الجمعة وقد بكر الإسماعيلية واجتمعوا من كل ناحية ليسمعوا إسقاط الشيخين من الخطبة .. فصعد الفقيه أحمد المنبر، وخطب خطبة بليغة، فلما صلّى على النبي ﷺ في الخطبة الثانية .. قال:
واعلموا رحمكم الله أن ذكر الشيخين أبي بكر وعمر ﵄ ولعن باغضهما ليس شرطا في صحة الخطبة، وقد حصل لي ببركتهما كذا وكذا من المال، وكذا وكذا من الطعام، فعلى مبغضهما لعنة الله ولعنة اللاعنين، فشق ذلك على الإسماعيلية وقالوا:
ذكرهما بأحسن ما يذكران به، ثم لم يرض إلا سبنا، فألزموا بأمر الخطيب أن يبقى على حاله الأول، وعادته المتقدمة، فقال: قد كنت خاشيا عليكم وعلى الخطيب أن تقع العامة بكم وبه، وأمر الخطيب أن يبقى على حالته الأولى.
قال الجندي: (وقد سمعت أن الخطيب الذي خطب رجل من صهبان يقال له: الصبح) اهـ (١)
ولم أقف على تاريخ وفاة الفقيه أحمد المذكور، وإنما ذكرته هنا؛ لأنه كان موجودا في أيام المعز، وتوفي المعز سنة ثمان وتسعين وخمس مائة.
стр. 2138
٢٦٨٨ - [ابن الزكي] (١)
أبو المعالي محمد بن القاضي زكي الدين علي بن القاضي منتجب الدين محمد بن يحيى القرشي الشافعي. مذكور في الأصل.
ولد سنة خمسين وخمس مائة كما في الأصل.
ولما فتح السلطان صلاح الدين قلعة حلب .. أنشده المذكور قصيدة من جملتها: [من البسيط]
وفتحك القلعة الشهباء في صفر ... مبشر بفتوح القدس في رجب
فكان كذلك، فتح القدس بعد ذلك بمدة سابع وعشرين رجب، فقيل له: من أين أخذت ذلك؟ فقال: من تفسير ابن برّجان.
وهو أول من خطب ببيت المقدس عند فتحه.
توفي سنة ثمان وتسعين وخمس مائة.
٢٦٨٩ - [ابن أبي جمرة الفقيه] (٢)
محمد بن أحمد الأموي المرسي المالكي، أحد أئمة المذهب.
عرض «المدونة» على والده، وأجاز له الكبار، وأفتى ستين سنة، وولي قضاء مرسية وشاطبة، وصنف التصانيف.
وتوفي سنة تسع وتسعين وخمس مائة.
٢٦٩٠ - [غياث الدين الغوري] (٣)
غياث الدين أبو الفتح محمد، سلطان غزنة.
стр. 2139
كان ملكا جليلا عادلا، محببا إلى رعيته، كثير المعروف والصدقات، تفرد بالملك بعد أخيه السلطان شهاب الدين.
وتوفي سنة تسع وتسعين وخمس مائة.
٢٦٩١ - [البرهان الحنفي] (١)
أبو الموفق مسعود بن شجاع المعروف بالبرهان الحنفي الإمام العلامة.
درس في النورية والخاتونية، وكان صدرا معظما، مفتيا، رأسا في المذهب، وكان لا تغسل له فرجية بل يهبها ويلبس جديدة.
توفي سنة تسع وتسعين وخمس مائة.
٢٦٩٢ - [ابن نجيّة الحنبلي] (٢)
أبو الحسن علي بن إبراهيم الأنصاري الدمشقي الحنبلي الواعظ.
كان من رءوس العلماء.
وتوفي سنة تسع وتسعين وخمس مائة.
٢٦٩٣ - [أحمد المساميري] (٣)
أحمد بن عباس المساميري الربعي، نسبة إلى ربيعة بن نزار.
كان عالما كبير القدر، كثير المحفوظات، نحويا لغويا، متفننا، متقللا من الدنيا، من أقران أبي الخير بن منصور الشماخي، وكان كثيرا ما يقول: أبو الخير أكثر مني كتبا، وأنا أكثر منه علما.
стр. 2140
وكان شاعرا فصيحا، وجلّ شعره مما يحث على مكارم الأخلاق، وعلو الهمة، وشرف النفس، ومنه: [من البسيط]
لا يطلب العلم إلا الحر ذو الكرم ... أو من له حسب الآباء والشيم
ولوذعيّ أبيّ سيد فطن ... معقّل يقظ مستقبل الفهم
أما ذوو الضدّ ممن قد ذكرتهم ... فالعيش عندهم من أشرف الهمم
أف لهم ولدنياهم وما جمعوا ... وحبّذا الجهبذ النقاد للكلم
كل امرئ راسب في العلم عنصره ... فإنه في اقتباس العلم ذو قرم
عليك بالعلم إن العلم مجلبة ... للفضل مدحرة للنقص والسدم
وعدّ عما ترى من ثروة الوخم ... فعيشه مثل عيش الشاء والنعم
ولم يتأهل بامرأة قط إلى أن توفي في المحرم سنة تسع وتسعين وخمس مائة (١).
٢٦٩٤ - [علم الدين الشاتاني] (٢)
الحسن بن سعيد علم الدين الشاتاني كتثنية شاة مرفوعا.
كان فقيها، وغلب عليه الشعر، وأجاد فيه واشتهر به.
وأقبل عليه الوزير ابن هبيرة وأكرمه.
أثنى عليه العماد الكاتب في «الخريدة» (٣).
وله قصيدة مدح بها صلاح الدين بن أيوب أولها: [من الطويل]
أرى النصر معقودا برايتك الصفرا ... فسر واملك الدنيا فأنت بها أحرى
يمينك فيها اليمن واليسر في اليسرى ... فبشرى لمن يرجو الندى بهما بشرى
توفي سنة تسع وتسعين وخمس مائة (٤).