← Тараджим

Тараджим · id 29560

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

الطيب بامخرمة

Полный текст (3 319 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

يكون على حظّه حتى نعطيه من أول ما يفيء الله علينا .. فليفعل»، فقال الناس: رضينا ذلك يا رسول الله، فقال ﷺ : «إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم»، فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم أخبروا رسول الله ﷺ أنهم قد طيبوا وأذنوا) اهـ (١) وروي: أنه كان في السبي الشيماء بنت الحارث، وهي بنت حليمة السعدية، فتعرفت للنبي ﷺ بالأخوة، فبسط لها رداءه، ووهبها عبدا وجارية، فزوجت العبد الجارية، فلم يزل من نسلها بقية (٢). وقال أبو الطّفيل-وهو آخر من مات من الصحابة-: رأيت النبي ﷺ وأنا غلام؛ إذ أقبلت امرأة، فدنت منه، فبسط لها رداءه، فجلست عليه، فقلت: من هذه؟ فقالوا: أمه التي أرضعته (٣). ولما انصرف وفد هوازن .. قال لهم ﷺ : «أخبروا مالك بن عوف أنه إن أتاني مسلما .. رددت عليه ماله وأهله، وأعطيته مائة من الإبل»، فلما أخبروه .. خرج من الطائف مستخفيا، ولحق بالنبي ﷺ ، فأدركه بالجعرانة أو بمكة، فأعطاه ما وعده، وأسلم وحسن إسلامه، وقال حين أسلم: [من الكامل] ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... في الناس كلّهم بمثل محمد أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدي ... ومتى تشأ يخبرك عما في غد وإذا الكتيبة عرّدت أنيابها ... بالسّمهريّ وضرب كلّ مهنّد فكأنّه ليث على أشباله ... وسط الهباءة خادر في مرصد فاستعمله ﷺ على قومه، فحارب بهم ثقيف حتى ضيق عليهم (٤).

стр. 247

ثم خرج ﷺ من الجعرانة إلى مكة معتمرا (١)، فلما فرغ من عمرته .. رجع إلى المدينة، واستعمل على أهل مكة عتّاب بن أسيد، وخلّف معه معاذ بن جبل يفقّه الناس ويعلّمهم أمر دينهم، فحج عتّاب بن أسيد ذلك العام بالناس (٢)، وقدم ﷺ المدينة في آخر ذي القعدة أو في ذي الحجة، وبقي أهل الطائف على شركهم إلى رمضان من سنة تسع، وأوفدوا قوما منهم بإسلامهم كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وفي هذه السنة مدة مقامه: بعث خالد بن الوليد إلى بني جذيمة من كنانة، فدعاهم خالد إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فقالوا: صبأنا صبأنا، وجعل خالد يقتل ويأسر، قال عبد الله بن عمر: ودفع خالد إلى كل واحد منا أسيره، ثم أمر خالد أن يقتل كلّ منا أسيره، فقلت: لا والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل أحد من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على النبي ﷺ فذكرناه، فقال: «اللهم؛ إني أبرأ إليك مما صنع خالد» (٣)، ثم بعث ﷺ علي بن أبي طالب لتلافي خطأ خالد، وبعث معه بمال، فودى لهم الدماء والأموال، حتى ميلغة الكلب (٤)، وبقيت معه بقيّة من المال، فأعطاهم ذلك؛ احتياطا لرسول الله ﷺ مما لا يعلم ولا يعلمون، فاستحسن ﷺ فعله، وعذر خالدا في إسقاط القصاص من حيث إن قولهم: (صبأنا) ليس بصريح في قبولهم الدين (٥). وبعث ﷺ خالد بن الوليد أيضا لهدم العزّى، وكانت بنخلة، وكان سدنتها وخدمها بني شيبان من بني سليم، فهدمها خالد، ثم رجع إلى النبي ﷺ (٦). وبعث ﷺ عمرو بن العاصي إلى سواع-صنم لهذيل-فهدمه.

стр. 248

وفي هذه السنة: أسلم عباس بن مرداس، وكان لأبيه مرداس صنم يعبده يقال له: ضمار، فقال لابنه عباس عند موته: اعبد ضمارا؛ فإنه ينفعك ويضرك، فبينا هو يوما عند ضمار؛ إذ سمع مناديا من جوفه يقول: [من الكامل] قل للقبائل من سليم كلّها ... أودى ضمار وعاش أهل المسجد إنّ الذي ورث النبوّة والهدى ... بعد ابن مريم من قريش مهتدي أودى ضمار وكان يعبد مرّة ... قبل الكتاب إلى النبيّ محمد فحرّقه عباس، ولحق بالنبي ﷺ (١). وفي هذه السنة: أسلم كعب بن زهير، وكان قد أسلم أخوه بجير قبله، فكتب كعب إلى بجير أبياته التي يقول فيها: [من الطويل] شربت مع المأمون كأسا رويّة ... فأنهلك المأمون منها وعلّكا وخالفت أسباب الهدى واتّبعته ... على أيّ شيء-ويب غيرك-دلّكا (٢) على خلق لم تلف أمّا ولا أبا ... عليه ولم تدرك عليه أخا لكا فأخبر بجير النبي ﷺ بأبيات كعب، فلما سمع قوله: المأمون قال: «صدق وإنه لكذوب، أنا المأمون»، ولما سمع البيت الأخير .. قال: «أجل لم يلف عليه أباه ولا أمه»، ثم إن بجيرا كتب إلى كعب: أن النبي ﷺ قتل رجالا بمكة ممن كان يهجوه، فإن كانت لك في نفسك حاجة .. فسر إلى رسول الله ﷺ ؛ فإنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا، وكتب له أيضا أبياتا يخوفه فيها، فلما بلغ كعبا ذلك .. ضاقت به الأرض، وأشفق على نفسه، وأرجف به من كان في حاضره، فقدم المدينة ونزل على صديق له من جهينة، فذهب به إلى رسول الله ﷺ ، فوافقاه في صلاة الصبح، فلما انقضت الصلاة .. قام كعب فجلس بين يديه ﷺ ، ووضع يده في يده، وقال: يا رسول الله؛ إن كعب بن زهير قد جاء مسلما تائبا، فهل أنت قابل منه إن جئتك به؟ قال: «نعم»، فقال: أنا يا رسول الله كعب بن زهير،

стр. 249

فقال رجل من الأنصار: دعني يا رسول الله أضرب عنقه، فقال: «دعه؛ فإنه قد جاء تائبا نازعا»، ثم أنشده كعب قصيدته المشهورة: [من البسيط] (بانت سعاد فقلبي اليوم متبول) ويقال: إنه لمّا أتى-حين أنشأها-على قوله: إنّ الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول .. نظر النبي ﷺ كالمعجّب لهم من حسن القول وجودة الشعر، وإنه ﷺ خلع عليه بردته، ولمّا ذكر المهاجرين في آخر قصيدته ولم يذكر الأنصار، بل عرّض يذمهم بقوله: (إذا عرّد السود التنابيل) .. قال له ﷺ : «ألا ذكرت الأنصار؛ فإنهم أهل لذلك»، فقال أبياتا يعدد فيها مناقب الأنصار (١). وفي ذي الحجة مرجعه ﷺ من الفتح: ولد ابنه إبراهيم، وأمه مارية بنت شمعون القبطية، وكانت قابلته سلمى؛ مولاة للنبي ﷺ ، وأرضعته أم سيف امرأة أبي سيف القين (٢). وقبل الفتح أو في عامه أو قبله: كانت بعوث وسرايا: منها: أنه بعث ﷺ خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية إلى المسجد، ثم أسلم فبشره النبي ﷺ ، وأمره أن يعتمر؛ لأن السرية أخذته وهو يريد أن يعتمر (٣). ومنها: سرية غالب بن عبد الله الليثي، بعثه النبي ﷺ في جيش وأمره أن يشنّ الغارة على بني الملوّح، وهم بالكديد، فبيّتوهم ليلا وقتلوا من قتلوا واستاقوا نعمهم، فلما أصبحوا .. أغاروا خلفهم، فلما أدركوهم .. جاء وادي قديد بسيل عظيم،

стр. 250

فحال بينهم وبينهم، فانطلقوا على مهلهم حتى قدموا على النبي ﷺ (١). ومنها: غزوة عبد الله بن رواحة لقتل اليسير بن رزام، وكان بخيبر يجمع غطفان لغزو رسول الله ﷺ ، فبعث إليه ﷺ في نفر من أصحابه فيهم عبد الله بن أنيس، فلما قدموا عليه .. قربوا له القول، ووعدوه أن يستعمله رسول الله ﷺ ، فلما كان بالقرقرة (٢) .. ندم، ففطن له عبد الله بن أنيس وهو يريد السيف، فاقتحم به وكان رديفه، ثم ضربه بالسيف فقطع رجله، وضربه اليسير في رأسه فأمّه، ثم مالوا على أصحابه من اليهود فقتلوهم إلا رجلا فرّ على رحله، فلما قدموا على رسول الله ﷺ .. تفل على شجّة عبد الله بن أنيس فلم تقح (٣). ومنها: غزوة عبد الله بن أنيس لقتل خالد بن سفيان الهذلي، وكان بنخلة يجمع الناس لغزو رسول الله ﷺ ، وكان عبد الله بن أنيس لا يعرفه، فسأل النبيّ ﷺ تعريفه، فقال: «إنك إذا رأيته .. أذكرك الشيطان، وآية ما بينك وبينه أنك إذا رأيته .. وجدت له قشعريرة»، فلما انتهى إليه .. وجد العلامة، فقال له: جئت لك حين سمعت بجمعك لهذا الرجل، قال: أنا في ذلك، قال عبد الله: فمشيت معه ساعة، حتى إذا أمكنني .. حملت عليه بالسيف فقتلته، فلما قدمت على رسول الله ﷺ .. قال: «أفلح الوجه»، ثم أدخلني بيته، فأعطاني عصا، فقلت له: لم أعطيتني هذه العصا؟ قال: «آية بيني وبينك يوم القيامة»، فأوصى عبد الله أن تدفن معه (٤). ومنها: غزوة عيينة بن حصن بني العنبر ابن تميم، فأصاب منهم ناسا، وسبى منهم نساء، ثم قدم بهم على رسول الله ﷺ ، فجاء بعد ذلك رجالهم يطلبون مفاداتهم، وجعلوا ينادون رسول الله ﷺ من خلف الحجر: يا محمد؛ اخرج إلينا، فأنزل الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ (٥)،

стр. 251

ثم خرج إليهم النبي ﷺ ، ففادى نصفهم، وأعتق نصفهم، وفيهم حصل الاختلاف بين الشيخين ﵄، فقال أبو بكر: أمّر القعقاع [بن معبد] بن زرارة، وقال عمر: بل أمّر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، فقال: ما أردت خلافك، فتماريا وارتفعت أصواتهما، فنزل في ذلك قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآيتين (١). وفيها: سرية زيد بن حارثة إلى نحو مدين، فأصاب سبيا من أهل مينا وهي السواحل وفيها: جمّاع الناس، فبيعوا، ففرّق بينهم، فخرج ﷺ وهم يبكون، فقال: «ما لهم؟ » فقيل: يا رسول الله؛ فرّق بينهم، فقال: «لا تبيعوهم إلا جميعا» (٢)؛ يعني: الأولاد وأمهاتهم. وفيها: بعثه ﷺ إلى الحرقات من جهينة، قال أسامة: فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم، فلما غشيناه .. قال: لا إله إلا الله، فكف عنه الأنصاري، وطعنته حتى قتلته، فلما قدمنا المدينة .. بلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال: «يا أسامة؛ أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟ ! » قلت: كان متعوّذا، قال: فما زال يكرّرها حتى تمنّيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم (٣). وذكر مغلطاي في «سيرته»: (أن هذه السرية كانت في رمضان سنة سبع، قال: وفي «الإكليل»: فعل أسامة ذلك في سرية كان أميرا عليها سنة ثمان) (٤). ***

стр. 252

السنة التاسعة : وتسمى سنة الوفود؛ لأنه ﷺ لما افتتح مكة .. أيقنت العرب بظهوره، فبعثت كل قبيلة جماعة من رؤسائها بإسلامهم، وقد تقدم وفد عبد القيس ووفد بني تميم (١). وفيها: غزوة تبوك، ولم يكن في هذه السنة غيرها من الغزوات، ولم يغز ﷺ بعدها؛ فإنه ﷺ لما فرغ من جهاد العرب .. أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم، وحثّ المياسير على إعانة المعاسير، فأنفق عثمان ﵁ فيها ألف دينار، وحمل على تسع مائة وخمسين بعيرا وخمسين فرسا (٢)؛ فلذلك قيل له: مجهز جيش العسرة، وقال ﷺ : «اللهم؛ ارض عن عثمان؛ فإني عنه راض» (٣)، وقال ﷺ : «ما ضرّ عثمان ما فعل بعد اليوم» (٤). وضرب ﷺ معسكره على ثنية الوداع، وأوعب معه المسلمون، وكانوا سبعين ألفا، وقيل: ثلاثين ألفا، وتخلف عبد الله بن أبي في جملة عنه من المنافقين، وتخلف آخرون ممن عذر الله في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ.﴾ وفيهم قال ﷺ : «إن بالمدينة أقواما ما قطعنا واديا ولا شعبا إلا وهم معنا، حبسهم العذر» (٥)، ولما مر ﷺ بالحجر ديار ثمود .. قال: «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين»، ثم قنّع رأسه وأسرع السير (٦). ولما انتهى ﷺ إلى تبوك وهي أدنى مملكة الروم من الشام .. أتاه

стр. 253

يحنّة بن رؤبة وأهل جرباء وأذرح، فصالحهم على الجزية، وكتب ليحنة كتاب أمان (١). ثم بعث ﷺ وهو بتبوك خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل (٢)، وقال: «إنك تجده يصيد البقر، فمضى خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين في ليلة مقمرة .. أقام، وجاءت بقر الوحش حتى حكّت قرونها بباب القصر، فخرج إليهم أكيدر في جماعة من خاصته، فتلقتهم خيل رسول الله ﷺ ، فأخذوا أكيدر وقتلوا أخاه حسان، فحقن ﷺ دم أكيدر، وصالحه على الجزية وكان نصرانيا (٣). وأقام بتبوك بضع عشرة ليلة ولم يجاوزها، ثم قفل راجعا إلى المدينة، فلما كان ببعض الطريق .. مات ذو البجادين المزني (٤). ولما نزل ﷺ بذي أوان قريبا من المدينة .. أتاه جبريل بخبر أهل مسجد الضرار وكانوا اثني عشر رجلا (٥)، فدعا ﷺ مالك بن الدّخشم ومعن بن عدي وأخاه عاصما وعامر بن السّكن ووحشي بن حرب قاتل حمزة، وقال لهم: «انطلقوا إلى هذا الظالم أهله، فاهدموه وحرّقوه»، فخرجوا سراعا حتى أتوه وفيه أهله، فحرّقوه وهدموه، وتفرق عنه أهله، واتخذ موضعه كناسة تلقى فيها الجيف (٦). وقدم ﷺ المدينة في شهر رمضان، فلما قدمها .. بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين كعادته، ثم جلس للناس، فجاءه المخلفون يعتذرون إليه بالباطل ويحلفون له،

стр. 254

وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم ﷺ علانيتهم، ووكل سرائرهم إلى الله . وكان تخلف عن تبوك: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية من غير عذر ولا نفاق، وإنما عوّقهم القدر، فأرجأ ﷺ أمرهم حتى أنزل الله تعالى فيهم بعد أكثر من خمسين: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ (١) الآية. وعلى مرجعه ﷺ من تبوك قدم عليه وفد همدان بإسلامهم (٢)، وكتاب ملوك حمير بإسلامهم (٣)، وبعث ﷺ معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري كلاّ منهما على مخلاف من اليمن، واليمن مخلافان، وقال: «يسرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا» (٤). وقدم عليه ﷺ في مرضه مرجعه من تبوك وفد ثقيف بإسلام قومهم، وكتب بتحريم عضاه وجّ وصيده (٥)، وأمّر عليهم عثمان بن أبي العاصي الثقفي لكثرة سؤاله عن معالم الدين، وكان أحدثهم سنا، وبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة يهدمان اللات، فهدمها المغيرة بن شعبة. وفي غيبته ﷺ بتبوك توفي معاوية بن معاوية المزني بالمدينة. وفي هذه السنة-وقيل: فيما قبل الحجاب-: اعتزل ﷺ نساءه، وآلى منهن شهرا؛ وذلك بسبب تظاهر عائشة وحفصة ﵄ غيرة عليه أن شرب عسلا

стр. 255

عند زينب بنت جحش (١)، وقيل: سببه حكمهن عليه في سؤال النفقة (٢)، وأنزل الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ قيل: هو تحريمه للعسل، وقيل: تحريمه لمستولدته مارية حين وطئها في بيت حفصة، فأرضاها بأن حرمها (٣)، وأما الحديث الذي أسره إلى بعض أزواجه، قيل: قوله: «بل شربت عسلا»، وقيل: تحريمه مارية على نفسه، وإخباره أن أباها (٤) وأبا بكر يليان الأمر من بعده (٥). وفيها: لاعن ﷺ بين أخوي بني العجلان عويمر العجلاني وزوجته (٦)، وبين هلال بن أمية الواقفي وزوجته (٧)، والأكثرون على أن نزول آية اللعان كان بسبب هلال بن أمية (٨). قال الشيخ أبو زكريا العامري: ([نقل القاضي عياض عن ابن جرير الطبري: أن قصة اللعان في شعبان] ولا وجه له، فقد ذكر أهل السير: أنه ﷺ خرج لغزوة

стр. 256

تبوك في شهر رجب، ولم يرجع إلا في رمضان) (١). وفيها: رجم ﷺ ماعز بن مالك (٢) والغامدية (٣). وفيها: ماتت أم كلثوم بنت النبي ﷺ ، وهي الثانية من زوجتي عثمان ﵁. وفي شهر رجب منها: توفي النجاشي، واسمه: أصحمة؛ أي: عطية، فنعاه ﷺ لأصحابه يوم وفاته، وصلّى عليه هو وأصحابه (٤). وفيها: مات رأس المنافقين عبد الله بن أبي ابن سلول، فصلى عليه رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ (٥)، ووضعه ﷺ على ركبتيه، ونفث فيه من ريقه، وألبسه قميصه؛ جبرا لخاطر ابنه الصالح عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول حيث سأله ذلك (٦) -وما سئل ﷺ شيئا قط فقال: لا (٧) -أو مكافأة لإلباسه العباس يوم بدر قميصا (٨). وفي ذي القعدة: أراد ﷺ الحج، فذكر مخالطة المشركين وما اعتادوه من الجهالات في حجهم، وأن الأشهر الحرم والعهود التي لهم تمنع من منعهم، فثناه ذلك. وأمّر أبا بكر على الحجاج، وبعث معه ب (سورة براءة) (٩)، حاصلها: التّبرّؤ من عهود المشركين، والتأجيل لهم أربعة أشهر ذهابا في الأرض أينما شاءوا، وكان في عرف العرب ألاّ يتولى عقد العهود ونقضها إلا سيدهم أو رجل من رهطه، فبعث ﷺ عليا على ناقته العضباء، وأمره أن يتولى نبذ العهود، ويقرأ على الناس صدر (سورة براءة)؛ لئلا يقولوا إذا حصل النبذ من الصديق: هذا خلاف ما نعرفه، فلما أدرك علي أبا بكر

стр. 257

رضي الله عنهما .. قال له أبو بكر: أمير أو مأمور؟ قال: بل مأمور، ثم مضيا (١). وقيل: إن أبا بكر لما لحقه علي ﵁ .. رجع فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي؛ هل نزل في شأني شيء؟ قال: «لا، ولكن لا ينبغي لأحد أن يبلّغ هذا إلا رجل من أهلي، أما ترضى أنك كنت معي في الغار، وأنك صاحبي على الحوض؟ » قال: بلى، فكان أبو بكر أمير الناس، وعلي يؤذن ب (براءة)، ويؤذن المؤذنون بها عن أمره (٢). وفي «صحيح البخاري»: عن أبي هريرة ﵁ قال: (بعثني أبو بكر في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى: ألاّ يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان) (٣). وروي عنه خارج «الصحيح» قال: (أمرني علي أن أطوف في المنازل من منى ببراءة، وكنت أصيح حتى صحل حلقي، فقيل: بم كنت تنادي؟ فقال: بأربع: لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عهد .. فله أجل أربعة أشهر) (٤). *** السنة العاشرة : في رمضان منها: أسلم سيد بجيلة أبو عبد الله البجلي الأحمسي، فبعثه رسول الله ﷺ في خمسين ومائة فارس من أحمس إلى ذي الخلصة؛ بيت لخثعم، كان يدعى كعبة اليمانية، وكان لا يثبت على الخيل، فضرب ﷺ في صدره وقال: «اللهم؛ ثبّته واجعله هاديا مهديا»، فانطلق إلى ذي الخلصة فحرّقها بالنار، وبعث أبا أرطاة يبشر رسول الله ﷺ بذلك (٥).

стр. 258

وفيها: بعث ﷺ خالد بن الوليد إلى بني الحارث بن كعب أهل نجران، فأسلموا، فكتب خالد إلى رسول الله ﷺ بإسلامهم، فكتب إليه ﷺ : أن يقدم بهم معه، فقدم بهم في شوال وفيهم قيس بن الحصين ذي الغصّة- سمي بذلك لغصة كانت في حلقه، وهو الذي قال فيه عمر بن الخطاب يوما وقد خطب بالناس: لا تزاد امرأة في صداقها على كذا وكذا ولو كانت بنت ذي الغصّة-وفيهم يزيد بن عبد المدان في آخرين، فأمّر عليهم رسول الله ﷺ ابن ذي الغصّة (١)، فلما انصرفوا من عنده .. بعث إليه رسول الله ﷺ عمرو بن حزم بكتاب فيه جمل من الأحكام (٢). وفي هذه السنة: نزل قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآيات في قصة تميم بن أوس وعدي بن بدّاء النصرانيين اللذين أوصى إليهما بديل مولى عمرو بن العاصي في نقل متاعه إلى أهله، فأخفيا منه جاما من فضة منقوشا بالذهب والفضة، والقصة مشهورة في التفاسير (٣). وفيها: بعث فروة بن عمرو الجذامي إلى رسول الله ﷺ بإسلامه، وأهدى له فرسا وبغلة، وكان فروة عاملا للروم على ما يليهم من العرب، وكان منزله معان. وفيها: بعث ﷺ علي بن أبي طالب إلى نجران خلف خالد بن الوليد، وقال: «مر أصحاب خالد من شاء منهم أن يعقّب معك فليعقّب، ومن شاء أن يقبل مع خالد فليقبل» (٤)، فبعث علي إلى النبي ﷺ بذهيبة في أديم مقروظ، فقسمه ﷺ بين أربعة نفر: بين عيينة ابن بدر، وأقرع بن حابس، وزيد الخيل، والرابع: إما علقمة بن علاثة، وإما عامر بن الطفيل، فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحقّ بهذا من هؤلاء، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحا ومساء؟ ! » فقام رجل غائر العينين، مشرف

стр. 259

الوجنتين، ناشز الجبهة، محلوق الرأس، مشمّر الإزار، فقال: يا رسول الله؛ اتق الله، فقال: «ويلك؛ أولست أحقّ أهل الأرض أن يتقي الله؟ ! »، ثم ولّى الرجل، فقال خالد: يا رسول الله؛ ألا أضرب عنقه، فقال: «لا؛ لعلّه أن يكون يصلّي»، فقال خالد: وكم من مصلّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال ﷺ : «إني لم أومر أن أنقّب عن قلوب الناس، ولا أشقّ بطونهم»، ثم نظر ﷺ إلى الرجل وهو مقفّ، فقال: «إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية».قال الراوي: وأظنه قال: «لئن أدركتهم .. لأقتلنّهم قتل ثمود» (١). وفيها: حج ﷺ في أربعين ألفا من الصحابة، واختلف في صفة حجه هل كان إفرادا أو تمتعا أو قرانا؟ قال النووي رحمه الله تعالى: (وطريق الجمع بين الروايات: أنه كان أولا مفردا، ثم صار قارنا، فمن روى الإفراد .. فهو الأصل، ومن روى القرآن .. اعتمد آخر الأمر، ومن روى التمتع .. أراد: التمتع اللغوي، وهو الانتفاع والارتفاق، وقد ارتفق بالقران كارتفاق التمتع وزيادة، وهي الاقتصار على فعل واحد) (٢). وأجمع الأحاديث في سياق حجة الوداع .. حديث جابر الطويل الذي انفرد مسلم بإخراجه (٣). ولما كان عصر الجمعة والنبي ﷺ واقف بعرفة على ناقته العضباء .. نزل قوله تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ الآية (٤)، فحين نزولها كاد عضد الناقة أن يندق من ثقلها، فنزلت. قال ابن عباس ﵄: (كان ذلك اليوم خمسة أعياد: جمعة وعرفة وعيد اليهود والنصارى والمجوس، ولم تجتمع أعياد أهل الملل في يوم قبله ولا بعده) (٥).

стр. 260

ولما نزلت هذه الآية .. بكى عمر وقال: (كنا في زيادة في ديننا، فأما إذا كمل .. فإنه ما يكمل شيء إلا نقص)، فصدقه ﷺ في ذلك، ولم ينزل بعدها حلال ولا حرام، ولا شيء من الفرائض والأحكام، وعاش ﷺ بعد نزولها إحدى وثمانين ليلة، فكانت في معنى النعي له ﷺ . وفي آخر هذه السنة: قدم إلى رسول الله ﷺ رسولا مسيلمة بكتابه وفيه: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، السلام عليك، أما بعد: فإني أشركت في الأمر معك، ولنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريش قوم يعتدون، فقال ﷺ لرسوليه: «فما تقولان أنتما؟ » قالا: نقول كما قال، فقال ﷺ : «لولا أن الرسل لا تقتل .. لضربت أعناقكما»، ثم كتب إليه: «من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين» (١). وفيها: بعث ﷺ جريرا إلى اليمن قبيل موته، فلقي ذا الكلاع (٢) وذا عمرو وغيرهما، مذكور في «صحيح البخاري» (٣). *** السنة الحادية عشرة من الهجرة : في صفر منها: ضرب على الناس بعثا إلى الشام، وفيهم أبو بكر وعمر وجلّة المهاجرين والأنصار (٤)، وأمّر عليهم أسامة بن زيد، وأمره أن

стр. 261

يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم (١) من أرض فلسطين، وروي: أنه ﷺ أمره أن يغير على ابنى صباحا وأن يحرق، وأبنى هذه هي القرية التي عند مؤتة حيث قتل أبوه زيد، وإنما أمره ليدرك ثأره، وطعن ناس في إمارته لكونه مولى حديث السّنّ، وكان إذ ذاك ابن ثماني عشرة سنة، فقال ﷺ : «إن تطعنوا في إمارته .. فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله؛ إن كان لخليقا للإمارة، وإن كان لأحبّ الناس إليّ، وإنّ هذا لمن أحبّ الناس إليّ بعده» (٢). وابتدأ بالنبي ﷺ وجعه في أول شهر ربيع الأول (٣)، وذلك: أنه خرج في جوف الليل إلى البقيع، فدعا لهم واستغفر كالمودع للأحياء والأموات، وأصبح مريضا من يومه يشكو رأسه (٤)، فاستبطأ الناس في بعث أسامة لمرضه ﷺ ، فخرج إليهم عاصبا رأسه وجلس على المنبر، وقال: «أيها الناس؛ أنفذوا جيش أسامة» (٥)، ثم نزل ﷺ ، فانكمش الناس في جهازهم، فخرج أسامة بجيشه حتى نزل الجرف من المدينة على فرسخ (٦)، فضرب عسكره وتتامّ إليه الناس، وأقاموا ينتظرون ما الله قاض في رسوله. وكان وجعه ﷺ الخاصرة، وهو عرق في الكلية إذا تحرك .. أوجع صاحبه (٧)، وكان مع ذلك يحمّ ﷺ ، وروى البخاري: أنه ﷺ قال في مرض موته: «ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السّم» (٨).

стр. 262

وكان ﷺ يدور على نسائه، فاشتد عليه المرض في يوم ميمونة، فاستأذن أزواجه أن يمرض في بيت عائشة، فأذنّ له، فخرج ﷺ ويد له على علي والأخرى على الفضل بن عباس، وأمرهم أن يهريقوا عليه من سبع قرب لم تحلل أوكيتهنّ ليعهد إلى الناس، فأجلسوه في مخضب لحفصة، فصبّ عليه من تلك القرب حتى طفق يشير بيديه أن قد فعلتنّ، ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم (١)، وصلّى على قتلى أحد واستغفر لهم كالمودع للأحياء والأموات (٢)، وقال: «لا يبقى في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر» (٣)، وأوصى بتنفيذ جيش أسامة، وقال: «استوصوا بالأنصار خيرا، وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم، فأحسنوا إلى محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم»، ولم يخطب بعدها (٤). ولما عجز ﷺ عن الخروج إلى المسجد .. أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، فصلى أبو بكر بالناس تلك الأيام إلى أن توفي ﷺ (٥)، فدهش أصحابه دهشة عظيمة، وحقّ لهم ذلك، فاختلط عمر؛ فجعل يصيح ويحلف ما مات ﷺ ، وتهدد من قاله، وأقعد عليّ فلم يستطع حراكا، وأخرس عثمان فكان يذهب به ويجاء فلا يستطيع كلاما، وأضني عبد الله بن أنيس حتى مات كمدا. ولم يكن فيهم أثبت من العباس وأبي بكر ﵄، فخطبهم أبو بكر ﵁ وعيناه تهملان، فقال: أما بعد: فمن كان يعبد محمدا .. فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله .. فإن الله حي لا يموت؛ قال الله تعالى ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ﴾ إلى ﴿الشّاكِرِينَ﴾ الآية. قال ابن عباس: فو الله؛ لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشرا من الناس إلا يتلوها، قال عمر: والله؛ ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلّني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن النبي قد مات (٦).

стр. 263

فغسل ﷺ في قميصه بعد أن سمعوا قائلا يقول: اغسلوه في ثيابه (١)، قيل: هو الخضر، وتولى غسله علي والعباس وابناه الفضل وقثم ومولياه أسامة بن زيد وشقران، وحضرهم أوس بن خولي الأنصاري (٢). وكفن ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة (٣)، وكان في حنوطه المسك. وفرغ من جهازه يوم الثلاثاء، ووضع على سريره في بيته، ثم أدخل الناس أرسالا يصلون عليه، حتى إذا فرغوا .. أدخل النساء، حتى إذا فرغن .. أدخل الصبيان، ولم يؤم الناس على رسول الله ﷺ أحد (٤)، واختلف في سبب ذلك، والظاهر: أن مثل ذلك لا يكون إلا عن توقيف. قال أبو بكر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما دفن نبي إلا حيث يموت»، فحفر له ﷺ حول فراشه في منزل عائشة، وكان بالمدينة حافران: أبو طلحة يلحد، وأبو عبيدة يشق، فأرسلوا إليهما، وقالوا: اللهم؛ اختر لنبيك، واتفقوا على أن من جاء منهما أولا عمل عمله، فجاء أبو طلحة فلحد له (٥)، ودخل قبره علي والعباس وابناه الفضل وقثم ومولاه شقران، وقيل: أدخلوا معهم عبد الرحمن بن عوف، وقيل: إن أوس بن خولي الأنصاري ناشد عليا كما ناشده حين الغسل فأدخله معهم (٦)، وفرش شقران في القبر قطيفة قد كان رسول الله ﷺ يلبسها فدفنها معه، وقال: والله؛ لا يلبسها أحد بعدك (٧)، وأطبق على اللحد الشريف تسع لبنات. ودفن ﷺ يوم الثلاثاء، وقيل: ليلة الأربعاء، وذلك في شهر أيلول،

стр. 264

وإنما أخروا دفنه لاشتغالهم بما وقع للمهاجرين والأنصار من خلاف، حتى قال قائل من الأنصار في سقيفة بني ساعدة: منا أمير ومنكم أمير، وخشوا تفاقم الأمر، فنظروا فيها حتى استوى الأمر وانتظم الشمل، فبايع عمر وأبو عبيدة ابن الجراح في جماعة من المهاجرين والأنصار لأبي بكر ﵁ في سقيفة بني ساعدة، ثم بايعوه أيضا من الغد في المسجد، وهو على المنبر في ملأ منهم ورضا (١)، فكشف الله الكربة وأطفأ نار الخلاف، والحمد لله رب العالمين. ولم يتخلف عن بيعته ﵁ إلا سعد بن عبادة وعلي بن أبي طالب ﵄، تخلفا ولم يحصل منهما شق عصا ولا مخالفة ولا ادعاء ذلك لأنفسهما ولا لغيرهما، وإنما كفّا أيديهما عن المبايعة مع الانقياد لأمره ونهيه ﵃ أجمعين (٢). وفي هذه السنة: توفيت حاضنة النبي ﷺ . وفيها: توفيت فاطمة البتول ابنة الرسول ﵊. وفيها: قتل عكاشة بن محصن الأسدي. وفيها: قتل خالد بن الوليد مالك بن نويرة الحنظلي مع رهط من قومه ممن كان منع الزكاة. وفيها: لما علمت العرب بموته ﷺ .. ارتد بعضهم عن الإسلام والعياذ بالله، وثبت بعضهم على الإسلام، منهم أهل الحرمين الشريفين وعبد القيس في البحرين وثقيف، بعد أن اضطرب أهل مكة، وهموا بالرجوع عن الإسلام، حتى خافهم أميرهم عتّاب بن أسيد، فاختفى منهم، فقام فيهم سهيل بن عمرو، فثبّتهم وحضهم على الإقامة على الإسلام، وإلى ذلك المقام أشار ﷺ بقوله لعمر لما أشار إليه بقتل سهيل: «لعله يقوم مقاما تحمده فيه» (٣).

стр. 265

وبعض العرب منع من أداء الزكاة فقط، فأشار الناس على أبي بكر بالمقاربة فخالفهم، وكان ﵁ فيه لين، إلا أنه حزم وشدّد، فلم يزل يحاربهم حتى أعلى الله كلمة الحق، وأشاروا إليه برد جيش أسامة ليستعين بهم، فأبى إلا إمضاءه كما أوصى به ﷺ ، وكان في تنفيذه مصلحة عظيمة؛ فإن المخالفين من العرب لما رأوا الجيش متوجها إلى أطراف الشام .. استهابوا ذلك واستعظموه، فضعفت قواهم ووهنت عزائمهم، فعقد أبو بكر ﵁ أحد عشر لواء، وقطع عليها البعوث: عقد لخالد بن الوليد، وأمره أن يبدأ بطليحة الأسدي، فإذا فرغ منه .. سار إلى مالك بن نويرة بالبطاح إن أقام له. وعقد لعكرمة بن أبي جهل، وأمره بمسيلمة. وعقد للمهاجر بن أبي أمية، وأمره بجنود الأسود العنسي ومعونة الأبناء على قيس بن المكشوح ومن أعانه من اليمن (١)، ثم يمضي إلى كندة بحضرموت. وعقد لخالد بن سعيد بن العاصي إلى مشارف الشام. ولعمرو بن العاصي على جماع قضاعة ووديعة والحارث. وعقد لحذيفة بن محصن، وأمره بأهل دبا. ولعرفجة بن هرثمة، وأمره بمهرة (٢). ولشرحبيل ابن حسنة على قضاعة. ولطريفة بن حاجز، وأمره ببني سليم وهوازن. ولسويد بن مقرّن، وأمره بتهامة اليمن.

стр. 266

وللعلاء بن الحضرمي، وأمره بالبحرين (١). وفيها: هزم طليحة الأسدي، ونزل على بني كعب فأسلم، ثم كان له بلاء مشهور في الفرس، وكان طليحة ارتد في زمن النبي ﷺ وادعى النبوة. وفيها: بعث العلاء بن الحضرمي بمال من البحرين، فقسمه أبو بكر ﵁ بين الأحمر والأسود، والحر والعبد، والذكر والأنثى، والصغير والكبير على السواء. وفيها: قبل موت النبي ﷺ قتل الأسود العنسي باليمن، وكان قد ادعى النبوة، فقتله الأبناء، وأعانت عليه امرأته. *** السنة الثانية عشرة : فيها: غزوة اليمامة قتل فيها مسيلمة الكذاب في عالم كثير من جيشه، واستشهد فيها من المسلمين ألف ومائة رجل؛ من الصحابة نحو من أربع مائة وخمسين، وقيل: ست مائة، والباقون من غيرهم، ثم فتحت بعد ذلك اليمامة صلحا على يد خالد بن الوليد. وفيها: قدم سبي النّجير من حضرموت (٢)، وهم المرتدة، وكان فيهم الأشعث بن قيس، فقال لأبي بكر: استبقني لحربك وزوجني أختك، ففعل أبو بكر ذلك. *** السنة الثالثة عشرة : فيها: بعث أبو بكر ﵁ البعوث إلى الشام، وأمّر على الجيش جماعة منهم: أمين الأمة أبو عبيدة ابن الجراح، وعمرو بن العاصي، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل ابن حسنة. وبعث إلى العراق خالد بن الوليد، فافتتح الأبلّة (٣)، وأغار على السواد (٤)، وحاصر

стр. 267

عين التمر (١)، وأرى الفرس ذلا وهوانا، ثم خرق البرية إلى الشام، فاجتمع بجيوش المسلمين. وفيها: وقعة أجنادين بقرب الرّملة (٢)، استشهد فيها جماعة من الصحابة، ثم كان النصر والفتح ولله الحمد. وفيها: توفي أبو بكر الصديق، وعهد بالخلافة لعمر بن الخطاب ﵄. وفيها: توفي أمير مكة عتّاب بن أسيد، قيل: إنه توفي في اليوم الذي توفي فيه أبو بكر ﵄ (٣). وفيها: قتل أبو عبيد بن مسعود الثقفي والد المختار بن أبي عبيد الكذاب بالعراق في حرب الفرس، وقيل: في سنة أربع عشرة (٤). *** السنة الرابعة عشرة : فيها: عزل عمر خالد بن الوليد؛ لأنه كان يرد المهالك ويغرر المسلمين، وجعل الأمر كلّه إلى أبي عبيدة ابن الجراح، مع أن عمر ﵁ قد أشار على أبي بكر بتقديم خالد في حرب بني حنيفة، وإنما عزله لرجحان مصلحة ظهرت له في أبي عبيدة، فلما بلغ كتاب عمر إلى أبي عبيدة .. أخفاه وتركه مصلحة بالناس على حالته، فعلم خالد بذلك، فعتب على أبي عبيدة حيث لم يعلمه بالعزل، وقال: والله؛ لو تولى عليّ عبد .. لسمعت وأطعت. وفي رجب منها: فتحت دمشق بعد حصار طويل وأمير الناس أبو عبيدة، وكان خالد لا يغفل، فاتفق أنه ظهر لبطريقها ولد، فاصطنع عليه طعاما، فغفل الروم عن مواقفهم، فرقي خالد وأصحابه في حبال كالسلاليم، وأول من تسلق فيها القعقاع بن عمرو ومذعور بن عدي، وأثبتا بالشّرف بقية الحبال للناس، فلما أحس الروم بما فعل خالد .. بادروا إلى الأبواب ودعوا أبا عبيدة إلى الصلح، ولم يعلم المسلمون وأبو عبيدة بفتح خالد، فدخل من بابه عنوة، وبقية المسلمين من الأبواب صلحا، فالتقوا في وسط البلد، هذا استعراضا

стр. 268

وانتهابا، وهؤلاء صلحا وتسكينا، وكتبوا إلى عمر في إمضاء صلح أبي عبيدة أو يجعل فتح دمشق عنوة كما صدر من خالد، فأشار بجعل فتحها صلحا، وكان صلح أبي عبيدة على أن يحملوا من الأموال والمتاع ما استقلت به إبلهم، وألاّ يتبعهم أحد إلى الفضاء ثلاثة أيام، ثم إنهم لم يفوتوا خالدا ﵁؛ فإنهم لما حملوا ما أمكنهم حمله [ونظر خالد إلى كثرة أحمالهم .. رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم؛ اجعله لنا، وملّكنا إياه، واجعل هذه الأمتعة قوتا للمسلمين، آمين، وأضمر المسير بعد ثلاثة أيام في طلبهم]، فلما كان بعد ثلاث .. اتفق خالد مع واحد من الروم كان أسلم أن يتبعوهم في سرية من المسلمين ويدلهم على طريقهم، فتبعوهم ومشى معهم الدليل، وجدّ المسلمون في السير بعدهم، فوجدوهم قد صعدوا جبلا عاليا وهبطوا منه في واد من أوديتهم وقد أمنوا أن يلحقهم أحد إلى ذلك الوادي، وكان قد أصابهم مطر وتعب، فجففوا ما معهم من الثياب، فاكتسى الوادي، وسمي الوادي لذلك مرج الديباج، ورقدوا من تعب السير، فلم يستيقظوا إلا وقد وضع خالد وأصحابه فيهم السيف، وكان مع أميرهم بنت ملكهم، فقتله خالد، وسبيت بنت الملك، وقتلوا منهم خلائق، وهرب بعضهم، ونهبوا أموالهم، ورجع المسلمون سالمين غانمين، وأرسل ملك الروم بمال عظيم في فداء ابنته، فراجع أبو عبيدة عمر في ذلك، فقال: ردوها وردوا المال فتكون لنا المنة عليهم، ولا تريهم أن لنا في الدنيا رغبة، ولا عندنا منهم رهبة (١). وفيها: كانت وقعة جسر أبي عبيد، واستشهد يومئذ أبو عبيد بن مسعود الثقفي والد المختار الكذاب في نحو ثمان مائة من المسلمين، وكانت الوقعة في مكان على مرحلتين من الكوفة. وفيها: ندب عمر عتبة بن غزوان المازني، فمصّر البصرة، واختط المنازل، وبنى جامعها بالقصب، وسميت بصرة بأرضها البصرة؛ وهي الحجارة الرخوة. وفيها: توفي أبو قحافة والد أبي بكر، وسعد بن عبادة كما ذكره الذهبي، وذكرهما غيره في سنة خمس عشرة، قاله الشيخ اليافعي (٢). وفيها: فتحت بعلبك وحمص، وهرب هرقل عظيم الروم إلى القسطنطينية.

стр. 269

السنة الخامسة عشرة : فيها: وقعة اليرموك، كان المسلمون ثلاثين ألفا، وأميرهم خالد بن الوليد من قبل أبي عبيدة ابن الجراح، والروم أزيد من مائة ألف قد سلسلوا الخمسة والستة؛ لئلا يفروا، فداستهم الخيل، وقيل: كان المسلمون أربعين أو خمسين ألفا، والروم ألف ألف مع أربعة من ملوكهم، والرماة منهم مائة ألف، وجبلة بن الأيهم ملك غسّان معهم بعد ما ارتد-والعياذ بالله-هو وقومه من العرب لحقوا بهم، فصدّروهم لقتال المسلمين، وقالوا: أنتم تلقون بني عمكم من العرب، فإن كفيتموناهم، وإلا .. لقيناهم، فتقدم العرب نحو المسلمين وهم ستون ألفا، فانتقى خالد من قبائل العرب ستين، فقاتلهم يوما كاملا نصر الله الستين من المسلمين عليهم، فهزموهم وقتلوهم حتى لم ينج منهم إلا القليل، وهرب جبلة بن الأيهم، ثم التقى المسلمون بالروم مرة أخرى حتى أبادوهم بالقتل، وهرب البقية من تحت الليل، وظهر هناك نجدة جماعة من الصحابة منهم: الزبير، والفضل بن العباس، وخالد بن الوليد، وعبد الرحمن بن أبي بكر، واستشهد جماعة من المسلمين منهم: عكرمة بن أبي جهل وعياش بن أبي ربيعة المخزوميان، وعبد الرحمن بن العوام أخو الزبير، وعامر بن أبي وقاص أخو سعد. وفي شوال منها: كانت وقعة القادسية بالعراق، وقيل: كانت في سنة ست عشرة، وأمير المؤمنين يومئذ سعد بن أبي وقاص، ورأس المجوس رستم ومعه الجالينوس وذو الحاجب، وكان المسلمون سبعة آلاف، والمجوس ستون ألفا، وقيل: سبعون، وقيل: أربعون، ومعهم سبعون فيلا، فحصرهم المسلمون في المدائن، وقتلوا رءوسهم الثلاثة المذكورين وغيرهم، واستشهد في الوقعة: ابن أم مكتوم الأعمى المؤذن، وأبو زيد الأنصاري، واسمه: سعيد بن عبيد. وفيها: افتتحت الأردن عنوة إلا طبرية؛ فإنها فتحت صلحا. وفيها: توفي سعد بن عبادة سيد الخزرج، كما في «تاريخ اليافعي» وغيره (١). *** السنة السادسة عشرة : فيها: فتحت حلب وأنطاكية صلحا. وفيها: مصّر سعد بن أبي وقاص الكوفة. وفيها: فتح أبو عبيدة الجابية، وخرج عمر من المدينة إليها، وحضر فتح بيت

стр. 270

المقدس، وقسم الغنائم بالجابية، وكان المسلمون قد حصروا بيت المقدس وطال حصارهم، فقال لهم أهلها: لا تتعبوا فلن يفتحها إلا رجل نحن نعرفه فيه علامة عندنا، فإن كان إمامكم فيه تلك العلامة .. سلمناها له من غير قتال، فأرسل المسلمون إلى عمر ﵁ يخبرونه بذلك، فركب عمر ﵁ راحلته وتوجّه إلى بيت المقدس، وكان معه غلام له يعاقبه في الركوب يوما بيوم، وقد تزوّد شعيرا وتمرا وزيتا، وعليه مرقعة، ولم يزل يطوي القفار الليل والنهار إلى أن قرب من بيت المقدس، فتلقّاه المسلمون، وقالوا له: ما ينبغي أن يرى المشركون أمير المؤمنين في هذه الهيئة، ولم يزالوا به حتى ألبسوه لباسا غيرها، وأركبوه فرسا، فلما ركب وصهل به الفرس .. داخله شيء من العجب، فنزل عن الفرس، ونزع اللباس، ولبس المرقعة، وقال: أقيلوني، ثم سار على هذه الهيئة إلى أن وصل بيت المقدس، فلما رآه المشركون من أهل الكتاب .. كبّروا وقالوا: هذا هو، وفتحوا له الباب (١). وفيها: ماتت مارية القبطية أم سيدنا إبراهيم بن سيدنا رسول الله ﷺ ، وأبو زيد القارئ، كما في «الذهبي» (٢). وفيها: ولى عمر أبا موسى الأشعري على البصرة وبعثه إليها. وفيها: أشار عليّ على عمر بكتب التاريخ، واتفقوا على جعله من الهجرة، وكانوا قبل ذلك يؤرّخون بعام الفيل (٣). *** السنة السابعة عشرة : فيها: حصل القحط، وعرفت السنة بعام الرمادة، فاستسقى عمر إلى الله تعالى بالعباس، وقال ما معناه: اللهم؛ إنا كنا إذا قحطنا .. توسّلنا إليك بنبينا

стр. 271

محمد ﷺ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعمّ نبينا فاسقنا، ثم قال: ادع يا عباس؛ فرفع العباس يديه ودعا، فسقوا (١). وفيها: خرج عمر إلى الشام، فلما بلغ سرغ (٢).بلغه أن الوباء وقع بالشام، فاستشار المهاجرين الأولين ثم الأنصار، فاختلفوا عليه، ثم استشار مهاجرة الفتح، فأشاروا عليه بالرجوع، فرجع من سرغ، فقال له أبو عبيدة: أفرارا من قدر الله؟ ! قال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة-أي: لعاقبته، أو لما لمته-نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله، وضرب له مثلا معناه: أن موضع الخصب يرعى فيه ويرغب فيه، وموضع الجدب لا يقرب، وكان عبد الرحمن بن عوف متغيبا في بعض حاجاته، فجاء وروى عن النبي ﷺ حديث: «إذا وقع الوباء بأرض .. فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها .. فلا تخرجوا منه»، فسرّ عمر بذلك (٣). وفيها: زاد عمر في مسجد المدينة. وفيها: وسع المسجد الحرام وبناه، وهدم على قوم أبوا أن يبيعوا بيوتهم فهدمها عليهم، ووضع أثمان دورهم في بيت المال حتى أخذوها بعده. وفيها: كانت وقعة جلولاء، قتل فيها من المشركين مقتلة عظيمة، وبلغت الغنائم فيها ثمانية عشر ألف ألف، وقيل: ثلاثين ألف ألف. وفيها: افتتح أمير البصرة أبو موسى الأشعري الأهواز. وفيها: تزوج عمر ﵁ بأم كلثوم بنت علي بن أبي طالب من فاطمة الزهراء ﵃ أجمعين. *** السنة الثامنة عشرة : فيها: طاعون عمواس (٤) -بفتح الحروف الثلاثة الأول-في ناحية الأردن، فاستشهد فيها: أبو عبيدة ابن الجراح، ومعاذ بن جبل، والفضل بن العباس، ويزيد بن أبي سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو، وابنه أبو جندل، وشرحبيل ابن حسنة

стр. 272

في خلق كثير غيرهم، قيل: مات فيه خمسة وعشرون ألفا. وفيها: افتتح الموصل والسّوس وتستر وحرّان (١). وفيها: أخر عمر المقام مقام إبراهيم-وكان ملصقا بالبيت-فجعله حيث هو الآن (٢). *** السنة التاسعة عشرة : فيها: فتحت تكريت (٣)، وفتح معاوية قيساريّة من أرض فلسطين، وفتح سعد بن أبي وقاص المدائن، وفتح جلولاء على يد هاشم بن عتبة بن غزوان. وذكر بعض المؤرخين أن فيها: بنى عمر مسجد المدينة، وأدخل فيه دار العباس، وبنى سقفه بالجريد، وجعل أعمدته خشب قال (٤). وفيها: خرجت نار بخيبر وما يليها فسارت في الأرض، فأرعب الناس وانتقلوا عن أوطانهم هربا منها، فأمر عمر بالتهيؤ لقتالها، ثم قال: تصدقوا فإن الله يصرفها، ففعلوا فهمدت (٥). وفيها: مات سيد القراء أبيّ بن كعب، كما في «تاريخ اليافعي» (٦). *** سنة عشرين : فيها: افتتح عمرو بن العاصي بعض ديار مصر. وفيها: دوّن عمر الدواوين وفرض العطاء، فقال له قائل: لم فعلت ذلك يا أمير المؤمنين؛ لو تركت في بيوت الأموال عدة لكون إن كان، فقال: كلمة ألقاها الشيطان على

стр. 273

فيك وقاني الله شرّها، وستكون فتنة لمن بعدي، بل أعد لهم ما أعد الله ورسوله؛ فهما عدتنا التي أفضينا بها إلى ما ترون (١). وفيها: دخل عبد الله بن قيس-وقيل: ميسرة بن مسروق العبسي-أرض الروم غازيا. وفيها: أجلى عمر يهود الحجاز إلى نجران، وأخرج من كان منهم بالمدينة (٢)، وجعل لهم أن يدخلوا لتجارتهم ثلاثة أيام لا يزيدون عليها. وفيها: توفي بلال المؤذن، وأم المؤمنين زينب بنت جحش، وأبو الهيثم بن التّيّهان وأسيد بن حضير الأنصاريان، وعياض بن غنم الفهري، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي، وسعيد بن عامر الجمحي، وهرقل ملك الروم، قيل: كان مسلما في الباطن، ﵃ أجمعين. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ***

стр. 274

العشرون الثانية من المائة الأولى ٢٢٢ - [خالد بن الوليد] (١) خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم أبو سليمان القرشي المخزومي سيف الله، أمه: لبابة الصغرى بنت الحارث أخت ميمونة أم المؤمنين وأخت لبابة الكبرى امرأة العباس. أسلم بعد الحديبية، وشهد مؤتة وخيبر وفتح مكة وحنينا، وأبلى في فتح مكة. وبعثه ﷺ إلى العزى-وهو بيت عظيم لمضر-فهدمه، وبعثه ﷺ إلى أكيدر دومة الجندل، فأسره وأحضره بين يدي رسول الله ﷺ ، فصالحه على الجزية، ورده إلى بلده، ولم يزل ﷺ يوليه أعنة الخيل فيكون مقدمها. وأمّره أبو بكر ﵁ على قتال أهل الردة مسيلمة الكذاب وغيره، وله الآثار العظيمة فيهم وفي قتال الروم بالشام والفرس بالعراق، وافتتح دمشق. وكان في قلنسوته من شعر رسول الله ﷺ يستنصر ويتبرك به، فلا يزال منصورا. وتوفي بحمص على فراشه سنة إحدى وعشرين. ولما حضرته الوفاة .. قال: لقد شهدت مائة زحف أو نحوها، وما في بدني موضع شبر إلا وفيه طعنة أو رمية، وها أنا أموت على فراشي، فلا نامت أعين الجبناء، وما لي عمل أرجى من لا إله إلا الله، فأنا متترّس بها، ﵁.

стр. 275

٢٢٣ - [العلاء بن الحضرمي] (١) العلاء بن الحضرمي، واسم الحضرمي: عبد الله بن عباد (٢) بن أكبر بن ربيعة بن مالك الحضرمي حليف بني أمية. ولاه النبي ﷺ البحرين، وتوفي ﷺ وهو عليها، فأقره أبو بكر ثم عمر ﵄. وتوفي وهو وال عليها سنة إحدى وعشرين. وقيل: سنة أربع وعشرين. وكان مجاب الدعوة؛ لأنه خاض البحر بكلمات قالهن، وكان له أثر عظيم في قتال أهل الردة في البحرين، ﵁. ٢٢٤ - [طليحة بن خويلد] (٣) طليحة-مصغرا-ابن خويلد بن نوفل بن نضلة بن الأشتر الأسدي، من أسد بن خزيمة بن مدركة الفقعسي. قدم على النبي ﷺ في وفد أسد بن خزيمة سنة تسع وأسلموا، فلما رجعوا .. ارتد طليحة وادعى النبوة، فأرسل إليه رسول الله ﷺ ضرار بن الأزور ليقاتله فيمن أطاعه، ثم توفي رسول الله ﷺ فقويت شوكة طليحة، وأطاعه الحليفان: أسد وغطفان، فأرسل إليه أبو بكر ﵁ خالد بن الوليد، فقاتله بنواحي سميراء وبزاخة، فأرسل إليه خالد عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم ﵄، فقتل طليحة أحدهما، ثم هزم الله طليحة، وفرق شمل أتباعه، وظهر عليهم المسلمون، فلحق طليحة بالشام فأقام عند بني جفنة حتى توفي أبو بكر، ثم أسلم طليحة وحسن إسلامه، وحج في زمن عمر.

стр. 276

وله آثار جميلة في قتال الفرس في القادسية بالعراق، وكتب عمر إلى النعمان بن مقرن: أن استعن في حربك بطليحة وعمرو بن معدي كرب واستشرهما. واستشهد طليحة في وقعة نهاوند سنة إحدى وعشرين، ﵁. ٢٢٥ - [النعمان بن مقرّن] (١) النعمان بن مقرّن، وقيل: ابن عمرو بن مقرن المزني، يكنى: أبا عمرو، وقيل: أبا حكيم. روي عنه: قال: قدمنا على رسول الله ﷺ في أربع مائة راكب من مزينة، ثم سكن البصرة وتحول عنها إلى الكوفة، وقدم المدينة، فلما ورد على عمر اجتماع الفرس بنهاوند .. قدّم النعمان على الجيش وقال: إن قتل النعمان .. فحذيفة، وإن قتل حذيفة .. فجرير، فلما تصافّ القوم بنهاوند .. دعا النعمان الله أن يرزقه الشهادة، وينصر المسلمين، ويفتح عليهم، وقال: إذا هززت اللواء ثلاثا .. فاحملوا مع الثالثة، فلما هزه الثالثة .. حمل الناس معه، فقتل في يوم الجمعة سنة إحدى وعشرين، وأخذ الراية حذيفة ففتح الله على يديه، ولما جاء نعيه إلى عمر .. خرج إلى الناس فنعاه إليهم على المنبر، ووضع يده على رأسه وبكى. وقال ابن مسعود ﵁: إن للإيمان بيوتا، وللنفاق بيوتا، وإن من بيوت الإيمان بيت ابن مقرن، ﵁. ٢٢٦ - [عمر بن الخطاب] (٢) عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزّى بن رياح-بالمثناة من تحت-ابن عبد الله بن قرط بن رزاح-براء مفتوحة ثم زاي-ابن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي العدوي

стр. 277

أمير المؤمنين أبو حفص، أمه: حنتمة بنت هاشم، ويقال: هشام بن المغيرة أخت أبي جهل، أو بنت عمه. ولد ﵁ بعد الفيل بثلاث عشرة سنة، وكان من أشراف قريش، وإليه كانت السفارة في الجاهلية، إذا وقعت الحرب بين قريش أو بينهم وبين غيرهم .. بعثوه رسولا. ولما بعث رسول الله ﷺ .. كان عمر شديدا عليه، ثم لطف الله به فأسلم في السادسة من النبوة بعد أربعين رجلا وإحدى عشرة امرأة، فلما أسلم .. كبّر المسلمون فرحا بإسلامه، فلما أسلم .. نادى بإسلامه فضربه الكفار وضربهم حتى أجاره خاله، ولم تطب نفسه حين رأى المسلمين يضربون وهو لا يضرب، فرد على خاله جواره، فكان يضاربهم ويضاربونه إلى أن أظهر الله الإسلام. قال علي ﵁: ما علمت أحدا هاجر إلا مختفيا إلا عمر؛ فإنه لمّا هم بالهجرة .. تقلد سيفه، وتنكب قوسه، وانتضى في يده أسهما، وطاف بالكعبة والملأ من قريش بفنائها، ثم صلّى ركعتين عند المقام، ثم أتى حلقهم واحدة واحدة فقال: شاهت الوجوه، ومن أراد أن تثكله أمه، ويؤتم ولده، وترمل زوجته .. فليلقني وراء هذا الوادي، فما تبعه منهم أحد. وشهد عمر بدرا وما بعدها من المشاهد مع رسول الله ﷺ ، وكان شديدا على الكفار والمنافقين، وهو الذي أشار بقتل أسارى بدر، ونزل القرآن على وفق قوله في ذلك وغيره، وأجمعوا على كثرة علمه، ووفور فهمه وزهده وتواضعه، ورفقه بالمسلمين، وإنصافه ووقوفه مع الحق، وتعظيمه آثار رسول الله ﷺ ، وشدة متابعته له، واهتمامه بمصالح المسلمين، وإكرامه أهل الفضل والخير، وفضائله مشهورة. استخلفه أبو بكر على الأمة، فقام بأمرها أحسن قيام وأتمه. ومن كراماته المشهورة قضية سارية بن حصن، وهو أول من سمي بأمير المؤمنين، وله محاسن في الإسلام لا تحصى. وعن حذيفة ﵁ قال: لما أسلم عمر .. كان الإسلام كالرجل المقبل لا يزداد إلا قربا، فلما قتل عمر .. كان الإسلام كالرجل المدبر لا يزداد إلا بعدا. وختم الله له بالشهادة، فطعنه عبد المغيرة بن شعبة أبو لؤلؤة حين أحرم لصلاة الصبح

стр. 278

بسكين مسمومة ذات طرفين، فضربه في كتفه وخاصرته، وطعن العلج مع عمر ثلاثة عشر رجلا، مات منهم سبعة. وتوفي ﵁ لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وجعل الخلافة شورى بين عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف، وقال: لا أعلم أحدا أحق بها من هؤلاء الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، وقال: يؤمّر المسلمون أحد هؤلاء الستة، فاتفق رأيهم على عثمان، ﵁. ٢٢٧ - [قتادة بن النعمان] (١) قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر الأنصاري الأوسي الظّفري المدني، أخو أبي سعيد الخدري لأمه، شهد بدرا وسائر المشاهد مع النبي ﷺ ، وقلعت إحدى عينيه يوم أحد حتى سالت على خده، فردها ﷺ ، فكانت أحسن عينيه، قدم على عمر بن عبد العزيز رجل من بني قتادة، فقال له: ممن الرجل؟ فقال: [من الطويل] أنا ابن الذي سالت على الخد عينه ... فردّت بكف المصطفى أحسن الرد فعادت كما كانت لأول أمرها ... فيا حسن ما عين ويا حسن ما ردّ فقال عمر: [من البسيط] تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا توفي بالمدينة سنة ثلاث وعشرين وهو ابن خمس وستين، وصلّى عليه عمر بن الخطاب، ﵁. ٢٢٨ - [سراقة بن مالك] (٢) سراقة بن مالك بن جعشم بن مالك بن عمرو بن تيم بن مدلج الكناني المدلجي الحجازي الصحابي.

стр. 279

كان ينزل قديدا بين مكة والمدينة، وحديثه في خروجه وراء النبي ﷺ يوم الهجرة مشهورة (١). أسلم بالجعرانة منصرفه ﷺ من حنين والطائف، وقال ﷺ لسراقة: «كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟ » فلما أتى عمر بسوراي كسرى وتاجه ومنطقته .. دعا سراقة وألبسه السوارين وقال له: (ارفع يديك وقل: الله أكبر! الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز، وألبسهما سراقة بن مالك أعرابيا من مدلج) (٢)، ورفع عمر صوته. توفي سراقة في أول خلافة عثمان سنة أربع وعشرين، ﵁. ٢٢٩ - [أم حرام بنت ملحان] (٣) أم حرام بنت ملحان بن خالد الأنصارية الخزرجية، وتلقب بالغميصاء، أو الرميصاء. كان ﷺ كثيرا ما يدخل إليها ويقيل عندها، فنام يوما عندها، ثم استيقظ وهو يضحك، فقالت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: «ناس من أمتي عرضوا عليّ يركبون ثبج هذا البحر غزاة ملوكا، أو مثل الملوك على الأسرة» قالت: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: «أنت منهم»، فركبت في البحر في زمن عثمان سنة سبع أو ثمان وعشرين إلى قبرس وعليهم معاوية، فلما رجعت .. قرب إليها دابة لتركبها، فسقطت عنها فاندقت عنقها فماتت (٤)، وأهل قبرس يستسقون بقبرها، ﵂. ٢٣٠ - [حاطب بن أبي بلتعة] (٥) حاطب بن أبي بلتعة عمرو بن عمير بن سلمة اللخمي حليف الزبير بن العوام، شهد بدرا

стр. 280

والحديبية، وشهد الله له بالإيمان في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ﴾ الآيتين. وقال ﷺ لمن قال إن حاطبا في النار: «كذبت لا يدخلها؛ إنه شهد بدرا والحديبية» (١). وبعثه ﷺ إلى المقوقس صاحب الإسكندرية سنة ست، فقال له المقوقس: ما بال صاحبك لم يدع على قومه حين أخرجوه من بلدته؟ ! فقال له حاطب: فما بال عيسى حين أرادوا صلبه لم يدع عليهم؟ ! فقال له المقوقس: أحسنت، أنت حكيم جاء من عند حكيم، وبعث معه هدية لرسول الله ﷺ مارية القبطية وأختها سيرين وجارية أخرى، فتسرى ﷺ مارية، وأعطى سيرين لحسان. توفي حاطب سنة ثلاثين أو إحدى وثلاثين، وصلّى عليه عثمان، وكان عمره خمسا وستين سنة، ﵁. ٢٣١ - [أبو سفيان بن حرب] (٢) أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي الأموي المكي، كان شيخ مكة ورئيس قريش. أسلم بوادي مر والنبي ﷺ داخل مكة لفتحها، وشهد حنينا، وأعطاه النبي ﷺ من غنائمها مائة بعير وأربعين أوقية، وشهد الطائف ففقئت إحدى عينيه، وفقئت الأخرى يوم اليرموك، وكان من المؤلفة قلوبهم، ثم حسن إسلامه. توفي بالمدينة سنة إحدى وثلاثين-وقيل: سنة أربع-وهو ابن ثمان وثمانين سنة، وهو أبو معاوية ويزيد وأم حبيبة وإخوتهم ﵃. ٢٣٢ - [الحكم بن أبي العاصي] (٣) الحكم بن أبي العاصي بن أمية الأموي أبو مروان بن الحكم، أسلم يوم الفتح، وهو

стр. 281

الذي اطلع على النبي ﷺ وهو في حجرته من صائر الباب، وكان يحاكي النبي ﷺ في مشيته، فطرده النبي ﷺ إلى الطائف، رآه النبي ﷺ مرة وهو يحاكيه فقال: «كن كذا» فلم تزل تختلج بشرة وجهه إلى أن مات (١). ولما طرده النبي ﷺ .. شفع له عثمان في الرجوع إلى المدينة، فوعده أو أهم بذلك، فتوفي النبي ﷺ قبل أن يدخل، فأراد الدخول في زمن أبي بكر ثم في زمن عمر فمنعاه من ذلك، فلما ولي عثمان .. عمل بعلمه في ذلك، فأذن له في دخول المدينة، فكان ذلك مما نقم به على عثمان من لا دين له ولا إيمان. توفي الحكم سنة إحدى وثلاثين، قالوا: له رواية روتها عنه بنته؛ مما يدل على صدق نبوته ﷺ . قال ابن الأثير: (وقيل: إن صاحب الرواية رجل آخر يقال له: الحكم بن أبي الحكم الأموي) (٢). ٢٣٣ - [العباس بن عبد المطلب] (٣) العباس بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي عم النبي ﷺ ، وأمه: نتيلة. ولد قبل الفيل بسنتين أو ثلاث، وضاع وهو صغير، فنذرت أمه إن وجدته .. أن تكسو الكعبة الحرير، وكان العباس رئيسا في قريش قبل الإسلام وبعده، وإليه عمارة المسجد الحرام والسقاية، وحضر ليلة العقبة مع النبي ﷺ حين بايعته الأنصار قبل أن يسلم، فشدد العقد مع الأنصار وأكده، وخرج مع المشركين إلى بدر مكرها، فأسر ففدى نفسه وابني أخويه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث، وأسلم عقب ذلك، وثبت مع

стр. 282

النبي ﷺ يوم حنين، وأمره ﷺ أن ينادي في الناس بالرجوع فناداهم وكان صيتا، قيل: كان يقف على سلع وينادي غلمانه في آخر الليل وهم في الغابة، وبين الغابة وسلع ثمانية أميال. وكان ذا رأي وكمال عقل، وكان ﷺ يكرمه ويعظمه ويبجله، وكانت الصحابة تكرمه وتعظمه وتقدمه وتشاوره وتأخذ برأيه، واستسقى به عمر عام الرمادة فسقوا، وفضائله كثيرة. توفي بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين وهو ابن ثمان وثمانين سنة. قلت: قال العامري في «رياضه»: (وصلّى عليه عثمان، وقبره مشهور مزور بالبقيع، وكان له من الولد عشرة بنين وثلاث بنات، أما البنون: فالفضل، وعبد الله، وعبيد الله، وقثم، وعبد الرحمن، ومعبد، والحارث، وكثير، وعون، وتمام، أمهم: أم الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث أخت ميمونة أم المؤمنين، ﵃ أجمعين) اهـ والله أعلم. ٢٣٤ - [عبد الرحمن بن عوف] (١) عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري المدني، أمه: الشفاء بنت عوف بن عبد الحارث بن زهرة. ولد بعد الفيل بعشر سنين، وأسلم قديما قبل دخوله ﷺ دار الأرقم، وهو أحد الثمانية السابقين إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أهل الشورى، وأحد المهاجرين الأولين، هاجر الهجرتين، وآخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع. وشهد بدرا وأحدا، فجرح فيه إحدى وعشرين جراحة، وسقط منه ثنيتاه، وشهد الخندق وبيعة الرضوان وسائر المشاهد. وبعثه ﷺ إلى بني كلب بدومة الجندل، وعممه بيده الكريمة وسدلها

стр. 283

بين كتفيه وقال له: «إن فتح الله عليك .. فتزوج ابنة ملكهم» أو قال: «شريفهم»، فتزوج بنت شريفهم بنت الأصبغ، وهي تماضر، فولدت له أبا سلمة (١). وكان كثير الإنفاق في سبيل الله، أعتق في يوم واحد ثلاثين عبدا، وتصدق على عهد رسول الله ﷺ بشطر ماله أربعة آلاف، ثم بأربعين ألفا، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، ثم بخمس مائة فرس، ثم بخمس مائة راحلة، وكان عامة ماله من التجارة، وأوصى لأمهات المؤمنين بحديقة بيعت بمائة ألف. قلت: والذي وقفت عليه في غالب كتب التواريخ بيعت بأربع مائة ألف، والله أعلم. وأوصى لمن بقي من أهل بدر وكانوا مائة رجل لكل رجل بأربع مائة دينار فأخذوها، وأخذ عثمان فيمن أخذ، وأوصى بألف فرس في سبيل الله، وخلف ألف بعير ومائة فرس وثلاثة آلاف شاة، ومن الذهب شيء عظيم كسر بالفئوس حتى مجلت أيدي الرجال منها (٢)، وكان له أربع نسوة صولحت إحداهن عن نصيبها على ثمانين ألفا. توفي بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: إحدى وثلاثين، وقيل: غير ذلك، ﵁. ٢٣٥ - [أبو الدرداء] (٣) أبو الدرداء، اسمه: عويمر-أو عامر-ابن زيد بن قيس الأنصاري الخزرجي. أسلم بعد الهجرة، واختلف في شهوده أحدا، وشهد ما بعدها من المشاهد مع رسول الله ﷺ . وكان فقيها حكيما زاهدا، آخى ﷺ بينه وبين سلمان، وحديث زيارة سلمان له في حياة رسول الله ﷺ مشهور (٤).

стр. 284

ولي قضاء دمشق لعثمان، وتوفي بها سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: إحدى وثلاثين. وكان له امرأتان كل منهما يقال لها: أم الدرداء إحداهما صحابية، واسمها: خيرة، ثم لما توفيت .. تزوج بالتابعية أم الدرداء هجيمة، وكانت فقيهة حكيمة، ﵃. ٢٣٦ - [أبو ذر الغفاري] (١) أبو ذر جندب بن جنادة-على المشهور في اسمه واسم أبيه-الغفاري الحجازي، أمه: رملة بنت الوقيعة. أسلم قديما، وحديث إسلامه مشهور في الصحيح (٢)، وأقام بمكة ثلاثين بين يوم وليلة، ثم رجع إلى بلاد قومه بإذنه ﷺ ، ثم هاجر إلى المدينة، ولازم النبي ﷺ إلى أن توفي ﷺ . وكان زاهدا متقللا من الدنيا يرى أنه يحرم على الإنسان ادخار ما زاد عن حاجته، فتأذى منه أهل الشام بذلك، فشكوه إلى عثمان فأقدمه عثمان إلى المدينة، فشكاه أهل المدينة، فقال له عثمان: أرى أن تتجنب إلى الربذة فخرج إليها سامعا مطيعا، فأقام بها إلى أن توفي سنة اثنتين وثلاثين، وصلّى عليه ابن مسعود، ثم قدم ابن مسعود المدينة، فأقام بها عشرة أيام وتوفي، ﵃ أجمعين. ٢٣٧ - [عبد الله بن مسعود] (٣) عبد الله بن مسعود بن غافل-بالمعجمة-ابن حبيب بن شمخ أبو عبد الرحمن الهذلي حليف بني زهرة، أمه: أم عبد بنت عبد ود بن سواء هذلية أيضا. أسلم قديما قبل عمر حين أسلم سعيد بن زيد، وهاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة،

стр. 285

وأسلمت أمه أيضا وهاجرت، وشهد بدرا-وهو الذي أجهز على أبي جهل بها-وما بعدها من المشاهد كلها، وشهد اليرموك، وشهد له النبي ﷺ بالجنة. وكان صاحب نعل رسول الله ﷺ كان يلبسه إياها إذا قام، فإذا خلعها وجلس .. جعلها ابن مسعود في ذراعه. وكان كثير الولوج على النبي ﷺ والخدمة له، وكان من كبار الصحابة وساداتهم وفقهائهم ومقدمهم في القرآن والفقه والفتوى، ومن أصحاب الحلق، والأصحاب والأتباع في العلم، أقرب الناس سمتا وهديا برسول الله ﷺ . توفي بالكوفة، وقيل: بالمدينة سنة اثنتين أو ثلاث وثلاثين، ﵁. ٢٣٨ - [عبد الله بن زيد الحارثي] (١) عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه بن زيد بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي الحارثي. شهد العقبة مع السبعين وبدرا وما بعدها من المشاهد، وأبوه وأمه صحابيان أيضا. وهو الذي أري الأذان في السنة الثانية من الهجرة بعد أن بنى ﷺ مسجده. قال الترمذي: (سمعت البخاري يقول: لا يعرف له إلا حديث الأذان) (٢). قال النووي: (وله في «مسند أبي يعلى الموصلي» أنه تصدق على أبويه، ثم توفيا فرده النبي ﷺ إليه ميراثا، وله في «تاريخ دمشق» حديث حلق النبي ﷺ رأسه بمنى وقسم شعره) (٣). توفي بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين، ﵁.
следующие страницы →