الذي فتح به مكة .. لفللته-معنى هذا الكلام-فتقدم على وجهه، فكان من خبره ما ذكرناه) (١).
وفيها: سار الملك العزيز ولد صلاح الدين من مصر، فنزل بحوران ليأخذ دمشق من أخيه الأفضل، فأنجد الأفضل عمّه العادل، فرجع العزيز، فتبعاه، فدخل القاضي الفاضل في الصلح بينهم، وأقام العادل بمصر (٢).
وفيها: أزيلت الإباضية من مسجدهم بشبام (٣).
وفيها: توفي الإمام عبد الله بن محمد الأندلسي المريّيّ، وذاكر بن كامل، وأبو الحسن الأصفهاني.
***
السنة الثانية والتسعون
فيها: قدم العزيز دمشق مرة ثالثة ومعه عمه العادل، فحاصرا دمشق، وخامر جند الأفضل عليه، ففتحوا لهما، ودخلا في رجب، وزال ملك الأفضل، ورجع العزيز، وبقي العادل بدمشق، وخطب بها للعزيز قليلا (٤).
وفيها: اختط سيف الإسلام طغتكين بن أيوب في اليمن مدينة المنصورة قبلي الجند على أميال منها (٥).
وفيها: توفي الطبيب عبد الله بن علي المعروف بالسديد، والفقيه العالم محمود بن المبارك الواسطي، وأبو الغنائم محمد بن علي الشاعر المشهور بابن المعلم، وأحمد بن طارق، ويوسف بن معالى.
***
стр. 2172
السنة الثالثة والتسعون
فيها: افتتح العادل يافا (١).
وفيها: أخذت الفرنج من المسلمين بيروت وهرب أميرها إلى صيدا (٢).
وفيها: توفي الملك العزيز طغتكين بن أيوب صاحب اليمن، والوزير عبد الله بن يونس البغدادي.
وفيها: قتل شجعنة بن راشد لتسع ليال خلت من ربيع الآخر، قتله عبيد يقال لهم: آل أبي مالك بغير علم من أخيه عبد الله بن راشد، فقتلوا، وتولى عبد الله تريم بعده (٣).
وفي شوال منها: حالفت بنو حارثة ونهد وحضر موت على عبد الله بن راشد بعد إخراجه لابن أحمد بن نعمان من شبام، وملكها، وأخذ مصنعة خورة في رجب (٤).
***
السنة الرابعة والتسعون
فيها: استولى علاء الدين خوارزم شاه على بخارى، وكانت للمعين صاحب الخطا، وجرى له معه خطوب وحروب، ثم انتصر علاء الدين خوارزم، وقتل من الخطا خلقا (٥).
وفيها: توفي صاحب سنجار عماد الدين زنكي بن مودود، وقوام الدين يحيى بن سعيد الواسطي المعروف بابن الزبادة، والسيد الكبير الحسن بن مسلم، وأبو الفضائل عبد الرحيم الكاغدي، وأبو الخير سلامة الحداد.
стр. 2173
وفيها: توفي راشد بن شجعنة بن فهد بن أحمد في المحرم منها، وفي جمادى أخذت نهد السرير (١).
***
السنة الخامسة والتسعون
فيها: بعث الخليفة خلع السلطنة لخوارزم شاه (٢).
وفيها: أخرج ابن الجوزي من سجن واسط، وتلقاه الناس، وبقي في المطمورة خمس سنين (٣).
قال الشيخ عبد الله اليافعي: (وسمعت أن سبب حبسه أنه كان ينكر على الشيخ محيي الدين عبد القادر الجيلاني، وكان بينه وبين ابن الشيخ عداوة بسبب الإنكار، قال:
وأخبرني من وقف على كتاب له ينكر على الشيخ محيي الدين عبد القادر الجيلاني) (٤).
وفيها: قدم فخر الدين الرازي صاحب التصانيف المشهورة إلى هراة، ونال إكراما عظيما من الدولة، فاشتد ذلك على الكرامية، فاجتمع يوما هو والقاضي مجد الدين ابن القدوة وتناظرا، فاستطال فخر الدين على ابن القدوة وشتمه ونال منه، فلما كان من الغد ..
جلس ابن عم مجد الدين، فوعظ الناس وقال: ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ، ﴾ أيها الناس؛ ما نقول إلا ما صح عن رسول الله ﷺ ، وأما قول أرسطو، وكفريات ابن سينا، وفلسفة الفارابي .. فلا نعلمها، فلأي شيء يشتم بالأمس شيخ من شيوخ الإسلام يذب عن دين الله؟ ! فبكى، وأبكى الناس، وضجت الكرامية، وثاروا من كل جانب، وحميت الفتنة، فأرسل السلطان الجند وسكنهم، وأمر الرازي بالخروج (٥).
قال الذهبي: (وفيها أيضا: كانت بدمشق فتنة الحافظ عبد الغني، وكان أمارا
стр. 2174
بالمعروف، داعية إلى السنة، فقامت عليه الأشعرية، وأفتوا بقتله، فخرج من دمشق مطرودا) (١).
قال الشيخ اليافعي: (هذا كلام الذهبي في القضيتين معا، ومذهب الكرامية والظاهرية معروف) (٢).
وفيها: مات العزيز صاحب مصر عثمان بن السلطان صلاح الدين.
وفيها: ظهر بدمشق شخص، وادعى أنه عيسى ابن مريم، فأضل طائفة، فأفتى العلماء بقتله، فقتل وصلب (٣).
وفيها: توفي الإمام أبو الوليد محمد بن أحمد القرطبي المعروف بابن رشد، وشيخ الطب محمد بن عبد الملك بن زهر الإيادي الإشبيلي، وصاحب المغرب أبو يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن المنصور الملقب بأمير المؤمنين.
وفيها: وقعة الشعبة، وهزيمة شبام من نهد (٤).
***
السنة السادسة والتسعون
فيها: توفي السلطان علاء الدين خوارزم شاه، وتولى بعده ابنه قطب الدين محمد، والعلامة أبو إسحاق إبراهيم بن منصور المصري المعروف بالعراقي شارح «المهذب»، والإمام طاهر بن نصر الله بن جهبل الكلابي، وأبو علي عبد الرحيم بن علي المعروف بالقاضي الفاضل، ومحمد بن إسماعيل الطرسوسي، ومسعود الجمال، ومنصور الطبري.
وفيها: كسر النيل من ثلاثة عشر ذراعا إلى ثلاثة أصابع، فاشتد الغلاء، وعدمت الأقوات، وعظم الخطب، إلى أن آل الأمر بهم إلى أكل موتى الآدميين (٥).
стр. 2175
وفيها: حصر الأفضل والظاهر ابنا صلاح الدين عمهما العادل بدمشق، ثم ارتحلا، فرجع الظاهر إلى حلب، ورجع الأفضل إلى مصر، فساق وراءه العادل، وأدركه عند الغرابي، ثم تقدم عليه، وسبقه إلى مصر، ورجع الأفضل خائبا إلى صرخد-بصاد مهملة، وخاء معجمة، بينهما راء ساكنة-وغلب العادل على مصر وقال: هذا صبي، وقطع خطبته، ثم أحضر ولده الكامل، وسلطنه على الديار المصرية، فلم ينطق أحد من الأمراء، وسهّل له ذلك اشتغال أهل مصر بالقحط (١).
وفيها: وصلت القمر وافدين على عبد الله بن راشد، ومستصرخين له على أهل ظفار، فجهز لهم العسكر (٢).
وفيها: توفي الشهاب الطوسي أبو الفتح بن محمود، والإمام أبو الفتوح عبد المنعم بن عبد الوهاب الحراني، وأبو جعفر القرطبي، وخليل الراراني، وإسماعيل ابن ياسين، وعبد اللطيف ابن أبي سعد.
***
السنة السابعة والتسعون
فيها: تزايد الجوع والموت بالديار المصرية، ودام ذلك إلى نصف العام الثاني، حتى لو قيل: مات ثلاثة أرباع أهل البلد .. لم يبعد، والذي دخل تحت قلم الحشرية في مدة اثنين وعشرين شهرا مائتا ألف وأحد عشر ألفا بالقاهرة، وهو قليل بالنسبة إلى من هلك بمصر والحواضر وفي البيوت والطرق ومن لم يدفن، وذلك يسير في جنب من هلك بالإقليم، قيل: إنه كان بمصر ست مائة منسج، فلم يبق إلا خمسة عشر منسجا، فقس على هذا، وبلغ الفروج مائة درهم، ثم عدم الدجاج بالكلية لولا ما جلب من الشام، وأما أكل لحم الآدميين .. فشاع، بل تواتر (٣).
وفي شعبان منها: كانت الزلزلة العظمى التي عمت أكثر الدنيا (٤).
стр. 2176
قال أبو شامة: مات بمصر خلق تحت الهدم، قال: ثم هدمت نابلس، وذكر خسفا عظيما، وأحصى من هلك في هذه السنة، فكان ألف ألف ومائة ألف.
وفيها: كرهت الأمراء بمصر العادل، وتطيروا بكعبه، فكاتبوا الأفضل، فأسرع الأفضل إلى حلب، وخرج معه أخوه، واتفقا على أن تكون دمشق للأفضل، ثم يسيرون إلى مصر، فإذا ملكاها .. استقر بها الأفضل، وبقي الشام كلها للظاهر، فنازلوا دمشق وبها المعظم، وقدم أبوه إلى نابلس، فاستمال الأمراء، وأوقع بين الأخوين، وكان من دهاة الملوك، فترحلوا (١).
وفيها: كان بخراسان فتن وحروب عظيمة على الملك (٢).
وفيها: توفي الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي المعروف بابن الجوزي الواعظ، والمقرئ الصالح أبو شجاع بن المقرون البغدادي، والعماد الكاتب محمد بن محمد الأصبهاني، وعمرو بن علي الحربي.
***
السنة الثامنة والتسعون
فيها: تغلب قتادة بن إدريس الحسني على مكة، وزالت دولة بني فليتة (٣).
وفيها: أخذت نهد خريف السرير، واختلفوا على الطاعة لعبد الله بن راشد، ونزلوا تريم، ثم غدر بعضهم (٤).
وفيها: توفي المعز إسماعيل بن طغتكين بن أيوب صاحب اليمن، وبركات بن إبراهيم المعروف بالخشوعي، والحافظ أبو الثناء حماد بن هبة، ولؤلؤ العادلي، والقاضي محيي الدين أبو المعالي محمد بن يحيى القرشي الشافعي.
***
стр. 2177
السنة التاسعة والتسعون
فيها: تمكن العادل من المماليك، وأبعد الملك المنصور علي (١) بن العزيز بن صلاح الدين، وأسكنه بمدينة الرها (٢).
وفيها: رمي بالنجوم كما ذكره جماعة، قال بعضهم: في سلخ المحرم ماجت النجوم، وتطايرت كتطاير الجراد، ودام ذلك إلى الفجر، وانزعج الخلق، وضجوا بالدعاء، قالوا:
ولم يعهد مثل ذلك إلا عند ظهور نبينا محمد ﷺ (٣).
وفيها: توفي سلطان غزنة غياث الدين محمد، والقاضي محمد بن أحمد الأموي المرسي المالكي، والإمام مسعود بن شجاع المعروف بالبرهان الحنفي، والإمام أبو الحسن علي بن إبراهيم الأنصاري الحنبلي الواعظ، وعلم الدين الحسن بن سعيد الشاتاني، والشيخ الصالح أبو عبد الله محمد بن إبراهيم القرشي.
***
السنة الموفية ست مائة
فيها: نزل من السماء رماد أبيض يوما وليلة، وأظلمت الدنيا، وخاف الناس الهلاك، وظهر بعد ذلك رماد أسود، ووقعت زلازل، وحصلت أراجيف كما قاله الجندي، قال:
(ومن عجيب ما جرى في ذلك الوقت أنه لما أظلمت الدنيا، واشتدت الظلمة .. كان جماعة من أهل زبيد قد خرجوا من باب الشبارق إلى المحرا هنالك يغتسلون، فلم يمكنهم الرجوع إلى بيوتهم لشدة الظلمة، وكان فيهم رجل أعمى، فقال لهم: من أعطاني منكم زبديا من الطعام .. أو صلته إلى بيته) (٤)، فالتزموا له بذلك، فقاد كل واحد منهم إلى بيته، ثم كشف الله ذلك الأمر عنهم بعد يوم وليلة (٥).
стр. 2178
وفيها: وقعت فتنة بين صاحب الموصل نور الدين، وبين ابن عمه قطب الدين صاحب سنجار، فاستنجد القطب بجاره الملك الأشرف موسى وهو بحرّا، فسار معه، وعمل مصافا مع صاحب الموصل (١).
وفيها: أخذت الفرنج فوة، واستباحوها، دخلوا إليها من فم رشيد في النيل، وهي بليدة حسنة (٢).
وفيها: اختلفت نهد على قسمة حضر موت، [ففرقهم] (٣) الله تعالى (٤).
وفيها: توفي أبو الفضل محمد بن محمد بن محمد العراقي القزويني المعروف بالطاوسي الحنفي، والإمام أبو الفتوح العجلي أسعد بن محمود بن خلف، والحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي، والشيخ الحافظ عبد الرزاق بن الشيخ الكبير عبد القادر الجيلاني، وفاطمة بنت سعد الخير بن محمد، وأبو سعد بن الصفار.
والله سبحانه أعلم، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما (٥).
***
стр. 2179
[المجلد الخامس]
طبقات المائة السابعة
العشرون الأولى من المائة السابعة
[الاعلام]
٢٧٣١ - [أحمد الحربي] (١)
أحمد بن سليمان الحربي المحدث المقرئ المفيد.
توفي سنة إحدى وست مائة.
٢٧٣٢ - [عبد الرحيم بن محمد] (٢)
عبد الرحيم بن محمد بن أحمد (٣)، الرجل الصالح، نزيل همذان.
توفي في سنة إحدى وست مائة.
٢٧٣٣ - [ابن الخصيب] (٤)
محمد بن الحسين أبو المفضل المقرئ الدمشقي المعروف بابن الخصيب.
توفي في سنة إحدى وست مائة.
٢٧٣٤ - [أبو عمرو الهدباني] (٥)
أبو عمرو [عثمان] بن عيسى الهدباني-بدال مهملة، ثم موحدة [ثم نون] بعد الألف (٦)
стр. 2180
-الماراني-براء بين ألفين، ونون بعد الثانية، نسبة إلى ماران-ضياء الدين، مصنف «الاستقصاء لمذاهب الفقهاء» شرح «المهذب».
كان من أعلم الفقهاء في وقته بمذهب الإمام الشافعي، قرأ ومهر في فروع المذهب وأصوله، وشرح «المهذب» شرحا لم يسبق إلى مثله في نحو عشرين مجلدا سماه:
«الاستقصاء»، وبلغ فيه إلى (الشهادات)، ولم يكمله، وشرح «لمع الشيخ أبي إسحاق الشيرازي» في أصول الفقه شرحا مستوفى في مجلدين وغير ذلك.
أنشأ الأمير جمال الدين الهكّاري مدرسة في القاهرة ووقفها عليه، وفوّض تدريسها إليه، ولم يزل بها إلى أن توفي.
وفوض إليه السلطان صلاح الدين القضاء بالديار المصرية.
وهو في نسبه راجع إلى ابن عبدوس.
توفي سنة اثنتين وست مائة بعد أن نيف على الثمانين (١)، ودفن بالقرافة الصغرى.
٢٧٣٥ - [أبو مروان الحضرمي] (٢)
الإمام العلامة أبو الحسن علي بن أحمد أبو مروان الحضرمي (٣)، شيخ الشيخ الفقيه محمد بن علي باعلوي في علم الشريعة، وصاحب الفتاوى العظيمة، والمصنفات المفيدة.
لم أقف على تاريخ وفاته، والظاهر أنه توفي في أواخر المائة السادسة، أو أوائل المائة السابعة (٤)؛ فإنه لما حلق تلميذه الفقيه محمد بن علي رأسه، وسلك مسلك الصوفية، ولبس الخرقة المدينيّة من الشيخ عبد الله المغربي .. أنكر عليه شيخه أبو الحسن المذكور ذلك وهجره، ولم يزل مهاجرا له إلى أن توفي الفقيه أبو الحسن علي أبو مروان، وذلك في مبادئ تصوف الشيخ الفقيه محمد بن علي، والله سبحانه بحقيقة الأمر أعلم.
стр. 2181
٢٧٣٦ - [أبو العباس المريني] (١)
أبو العباس أحمد بن إبراهيم المريني المغربي شيخ الشيوخ، الجامع بين الشريعة والحقيقة والطريقة.
قال الشيخ علي بن أبي بكر باعلوي نفع الله به: (وهذا الشيخ أبو العباس من أمثال الشيخ أبي مدين، والشيخ عبد القادر، والشيخ أبي الحسن الشاذلي ونظائرهم، صحبه سفيان اليمني وانتفع به، واستمد من بركات أنفاسه) اه (٢)
ولم أقف على تاريخ وفاته، وغالب ظني أنه في أواخر المائة السادسة، أو أوائل السابعة، والله سبحانه أعلم.
٢٧٣٧ - [علي بن إسماعيل الحضرمي] (٣)
علي بن إسماعيل بن علي بن عبد الله بن إسماعيل الحضرمي أبو الحسن، عم الفقيه إسماعيل بن محمد الحضرمي المشهور.
كان المذكور فقيها محققا مدققا غواصا على دقائق الفقه، كان يرى أن من أوضح موضحتين، ثم رفع الحاجز بينهما-أي: قبل الاندمال-أن عليه خمسة عشر بعيرا أرش ثلاث موضحات، كما لو رفعه أجنبي، ولا يرجع إلى أرش موضحة، فأنكر عليه الفقهاء ذلك، فلم يلتفت إلى إنكارهم، ولم يزل مصرّا على ذلك إلى أن توفي.
ثم إن ابن أخيه الفقيه إسماعيل الحضرمي وجد في بعض الشروح وجها في المذهب موافقا لاختيار عمه في المسألة، فكان إذا زار قبره .. قال: أبشرك يا عم؛ أني وجدت بعض أئمة المذهب يقول بقولك.
والمذكور جد حضارم زبيد، وأخوه محمد بن إسماعيل جد حضارم الضّحي.
ولم أقف على تاريخ وفاته، والظاهر أنه في أوائل هذه المائة، أو في أواخر التي قبلها.
стр. 2182
٢٧٣٨ - [ابن نزيل] (١)
محمد بن عبد الله بن جعفر بن نزيل-بضم النون، وفتح الزاي، وسكون المثناة تحت، آخره لام-يعرف هو وقومه ببني نزيل، نسبة إلى هذا الجد.
قال الجندي: (وهم يرجعون إلى حكم بن سعد العشيرة من مذحج.
تفقه المذكور بالإمام يحيى بن أبي الخير العمراني، وكان فقيها كبيرا، وهو أحد شيوخ الفقيه علي بن مسعود الشاوري) (٢).
ولم أقف على تاريخ وفاته، وغالب ظني أنه كان في أوائل هذه المائة، أو أواخر التي قبلها.
٢٧٣٩ - [محمد الأكحل] (٣)
محمد بن أحمد الأكحل؛ لكحل كان بعينه، صاحب مرباط.
قال الجندي: (من قوم يقال لهم: المنجويون، من بيت يقال لهم: آل بلخ-بضم الموحدة واللام، وآخره خاء معجمة-ونسبهم في مذحج.
وكان أوحد زمانه كرما وحلما وتواضعا.
قدم إليه الشاعر التكريتي، ومدحه بالقصيدة اللامية المشهورة التي قال فيها الأدباء: كل شعر يدرس إلا قصيدة التكريتي، فأجازه بمركب جاء له من البلاد، فلما وصل به التكريتي إلى عدن .. قبض عليه واليها، وأرسل به إلى سيف الإسلام طغتكين، فوبّخه على قوله في القصيدة: [من المديد] هو تاج والملوك حذا (٤)
стр. 2183
فلما علم الأكحل بما اتفق على التكريتي من القبض عليه وعلى ما معه .. أرسل إليه بمركب آخر وقال: يترك له عند بعض عدول البلد ينفقه منه، ويكسوه حتى يأتيه الفرج، فلما بلغ الخبر سيف الإسلام .. تعجب، فقال: يحق لمادح هذا أن يقول ما شاء، وأطلق التكريتي، وأطلق عليه ما أخذ منه.
ومما يحكى من كرم هذا السلطان وجميل فعله أن جماعة من أعيان حضرموت قصدوه بهدايا تليق بأحوالهم، وصحبهم فقير، فسمعهم الفقير يذكرون السلطان بالجود والكرم، ويذكر كل منهم ما معه من الهدايا، فاجتنى الفقير ضغثا من الأراك الذي يستاك به عددهم سبعة، وجعلهم حزمة، فلما وصلوا مرباط، ودخلوا على السلطان بهداياهم .. دخل معهم الفقير وسلم، ووضع ما معه من الأراك بين يدي السلطان وأنشد: -[من الوافر] جعلت هديتي لكم سواكا ... ولم أقصد به أحدا سواكا
بعث إليك ضغثا من أراك ... رجا أني أعود وأن أراكا (١)
فأمر بأن تخلى لهم بيوت، وللفقير مثلهم، وأرسل للفقير بجاريتين ووصيف يخدمونه مدة إقامته، وكذا كان يفعل لكل ضيف يصله، فلما عزم الفقير على الرجوع إلى بلاده ..
أمرهم أن يعطوه من كل شيء في خزائنه سبعة أجزاء؛ أي: مما كان يوزن بالبهار كالحديد والقار يعطى منه سبعة أبهرة، وما يوزن بالمن كالزعفران ونحوه يعطى منه سبعة أمنان، وكذلك ما يباع بالمكيال كيلا والموزون وزنا سبعا سبعا.
وبالجملة: فمكارم هذا السلطان المذكور كثيرة.
وتوفي على أحسن حال من العفاف والعدل بعد استكمال ست مائة من الهجرة، وقبر بين مرباط وظفار.
قال الجندي: وذكر الثقات أن كثيرا ما يسمع من قبره قراءة القرآن، ولم يكن له عقب، ولا في أهله من يتأهل للملك، وكان محمد بن أحمد الحبوضي يتجر له، فقام بالملك بعده) (٢).
стр. 2184
٢٧٤٠ - [أبو الفرج ابن المصوع] (١)
أبو الفرج عبد الرحمن بن المصوع، من بيت علم، وغلب عليه الأدب والتجارة مع النسك والعبادة.
قال الجندي: (أخبرنا الفقيه محمد بن عمر صنو الفقيه صالح بن عمر البريهي، عن أبيه -وكان ممن طعن في السن-أن عمه قال: أخبرني الفقيه عبد الرحمن بن المصوع: أنه صلّى ذات ليلة العشاء في جماعة المسجد، ثم انقلب إلى أهله، فأتته امرأته وهي متطيبة فطلبها، فاعتذرت عن الإتيان، فتركها ونام قبل أن تأتيه، ثم لم يشعر إلا وهي تكبسه، فاستيقظ وجذبها إليه ليواقعها، فقالت: الآن كما فرغنا، فتشوّش الفقيه من ذلك القول وقام عنها، وأرّخ تلك الليلة، وامتنع من إتيانها وجماعها، فلما كان على انتهاء تسعة أشهر .. وضعت صبيا لم يكن في البلد أكثر شيطنة منه لا سيما في أوقات الصلاة، وكان كثير البول على من حمله خصوصا إذا كان من أهل الصلاة، وقلّ أن يبول إلا في مواضع الصلاة، وكان الفقيه قد عرف قلّ توفيقه وأنه سبقة من الشيطان، ولم يتكلم، فلما صار الصبي يمشي وقد فطم من الرضاع .. تركته أمه في المجلس يلعب والفقيه قائم يصلي الضحى، والولد قبالة طاقة من طيقان المجلس؛ إذ سمع الفقيه شخصا ينادي من الطاقة: يا قدار يا قدار، فأجابه الصبي بكلام فصيح: لبيك لبيك، قال: كيف أنت؟ قال: بخير وعلى خير، يكرمونني ويغذونني غذاء جيدا، فقال له: لا تكن إلا كما أعرف، ولا تتركهم يصلّون على طاهر، ولا تترك لهم ثوبا طاهرا ولا موضعا طاهرا حسبما أشكرك، فقال الصبي: السمع والطاعة، فودّعه الشخص ومضى، ولم يره الفقيه؛ لأنه كان يناجيه من خارج الطاقة، فلما فرغ الفقيه من صلاته .. صاح بالصبي: يا قدار؛ اذهب أذهبك الله، فنفر الصبي كأنه طائر، وخرج من تلك الطاقة التي حدثه الشخص منها، فلما سألت المرأة عن ابنها ..
أخبرها الفقيه بقصته، فقالت: لو قلت لي يوم ولدته .. لكنت قتلته، فقال الفقيه: قد كفى الله شره وقلعه.
ثم إن الفقيه بعد مدة سنين نزل إلى عدن بفوّة ليبيعها، فلما صار بالمفاليس .. لقيه جباة المكس هنالك وفيهم شاب جميل الخلق، فلما رأى الفقيه .. سلّم عليه سلام معرفة،
стр. 2185
وأنزله في منزل جيد، وما برح يخدمه ويأمر أصحابه بخدمته ويقول لهم: إنه رجل صالح، فسأل الفقيه عنه، فقيل له: إنه نقيب العشارين، ولا نعرفه عمل خيرا قط إلا معك، فعجب الفقيه من ذلك، ثم سافر إلى عدن وقضى حوائجه، ورجع قافلا إلى بلده، فلما صار بالمفاليس .. لقيه النقيب وأصحابه، فأنزل الفقيه في منزله وأكرمه وتولى القيام بقضاء حوائجه، فقال له الفقيه: يا هذا؛ بم استحققت منك هذه الموالاة؟
فقال: يا سيدي؛ لك علي حقوق كثيرة، أما تعرفني؟
فقال الفقيه: لا والله ما عرفتك.
قال: أنا عبدك قدار، ولست أنكر ما يجب لك علي من الحقوق، ولو كنت أعلم أنك تقبل ضيافتي .. لأضفتك، لكنّ معي هذين الزنبيلين، أحب أن تحملهما إلى والدتي، في أحدهما كسوة لها، وفي الآخر طيب، فحملهما الفقيه جبرا لباطنه، فلما وصل إلى بيته ..
أخبر زوجته بما جرى له معه، فتعجبت من ذلك، وأوقدت التنور، وألقت فيه الزنبيلين بما فيهما.
قال الجندي: وكان وجود هذا الفقيه في صدر المائة السابعة) (١)، والله سبحانه أعلم.
٢٧٤١ - [شهاب الدين الغوري] (٢)
السلطان [محمد بن سام] أبو المظفر شهاب الدين الغوري، صاحب غزنة.
كان ملكا جليلا مجاهدا واسع المملكة، افتتح جملة من بلاد الهند، حسن السيرة، وهو الذي وعظه الإمام فخر الدين الرازي فقال: يا سلطان العالم؛ لا سلطانك يبقى، ولا تلبيس الرازي يخفى، فانتحب السلطان باكيا.
قتلته الإسماعيلية قبحهم الله بعد قفوله من غزو الهند في سنة اثنتين وست مائة.
стр. 2186
٢٧٤٢ - [دحمل الصهباني] (١)
الشيخ الصالح دحمل-بفتح الدال وسكون الحاء المهملتين، وفتح الميم، ثم لام- الصوفي الصّهباني.
كان رجلا ناسكا متعبدا مشهورا بالصلاح، يغلب عليه الوله، ويظهر للناس أن في عقله ضعفا، كان يأتي منابر الجوامع فيضربها بيده أو بعصا ويقول: يا حمار الكذابين.
يقال: إنه وصل إلى قضاة عرشان في شفاعة، فلم يقبلوا منه، وكانوا على كمال من الدنيا، فرآهم في عجب عظيم، فخرج من عرشان مغضبا، فلما سار منها خطوات ..
التفت إليها وقال: اهلكي عرشان، فلم يلبثوا غير يسير حتى زال عنهم القضاء إلى القاضي مسعود، كما ذكرناه في ترجمة القاضي أحمد العرشاني.
ولما أراد سيف الإسلام طغتكين بن أيوب أن يشتري أراضي أهل اليمن بأسرها، ويجعلها في الديوان .. اجتمع جماعة من السادة المشايخ ومنهم الشيخ دحمل المذكور، واتفق رأيهم على أن يدخلوا مسجدا ولا يخرجوا منه حتى تنقضي الحاجة، فدخلوا بعض المساجد وأقاموا فيه ثلاثة أيام يصومون النهار، ويقومون الليل، ويدعون الله أن يدفع عنهم ما أراده سيف الإسلام، فلما كان في الليلة الثالثة .. خرج بعضهم-يقال: إنه الشيخ دحمل -فنادى بأعلى صوته: يا سلطان السماء؛ أنصفنا من سلطان الأرض، ثم قال: قضيت الحاجة والمعبود؛ فإني سمعت قارئا يقرأ: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾، فتوفي سيف الإسلام في صبح تلك الليلة.
ولم يزل الشيخ دحمل على السيرة المرضية إلى أن توفي بعد ست مائة.
وقيل: كانت وفاته في دولة المنصور ﵀ ونفع به آمين.
٢٧٤٣ - [حمزة بن علي] (٢)
أبو يعلى حمزة بن علي بن حمزة البغدادي المقرئ.
стр. 2187
كان خيّرا زاهدا، بصيرا بالقراءات، حاذقا فيها.
توفي سنة اثنتين وست مائة.
٢٧٤٤ - [أبو السجاد الفرساني] (١)
بكر بن عمر بن يحيى أبو السجّاد الفرساني، التغلبي نسبا.
كان فقيها كبيرا، عارفا ورعا زاهدا، تفقه بجبا.
قال الجندي: (وأظنه أدرك أبا بكر بن يحيى بن إسحاق.
ولما أتم تفقهه .. رجع إلى بلده موزع-وكان قومه قد اغتصبوا أرض موزع-فشق عليه وجود الطعام الحلال، وكان يجتلبه من الأماكن البعيدة، فلما طال عليه الأمر .. قصد موضعا مباحا لا يتصور أنه كان مملوكا لأحد من الناس، فعمره وازدرعه لنفسه، فكان يحصل منه ما يقوم بعائلته ودرسته والواردين إليه، وكان من أكبر أهل زمانه علما وعملا، سالكا طريق السلف.
وله كرامات كثيرة، منها: ما ذكره الفقيه أحمد بن موسى بن عجيل، وكان كثيرا ما يعظمه ويعدد فضائله، وذكر: أنه أوتي الاسم الأعظم، وأوتي خصيصة من خصائص الأنبياء وهي: أنه متى قعد على الأرض للبراز .. انفتحت له، وابتلعت ما خرج منه، فإذا قام .. التأمت.
قال الجندي: وقد ذكر ذلك القاضي عياض في حق نبينا ﷺ فيما جمع من خصائصه ﵊.
ويحكى: أن شخصا كان يحفظ زرع الفقيه، وكان لا يزال متعمما بخرق يلف بها رأسه، فخرج الفقيه يوما إلى الزرع، فوجده نائما وقد زالت عمامته عن رأسه، وإذا رأسه عظم لا جلد عليه، فتعجب الفقيه من انكشاف عظم رأسه، ثم أيقظه، فقام دهشا، فستر رأسه بتلك الخرق، فقال له الفقيه: لا بأس عليك، وهوّن عليه الحال، وسأله عن سبب ذلك فقال: كنت من أولاد زبيد المسرفين على أنفسهم، وكنت أنبش القبور، وأبيع أكفان الموتى، فتوفيت بنت لأحد التجار، وسمعت أنها كفنت بكفن نفيس، فنبشت قبرها ليلا،
стр. 2188
فلما أن فتحت اللحد .. إذ بيد خرجت منه، فاختطفت جلدة رأسي التي رأيت، فقلت:
يس يس، وتعوذت، فقالت: يا قليل التوفيق؛ أما آن لك [أن] تخشى الله وترعوي عن فعلك؟ ! فقلت مجيبا، ولا أعرف ممن يصدر الكلام: أنا التائب إلى الله، ولست أرى شخصا، فقالت: إن صدقت توبتك .. لم يضرك شيء، فاذهب وتب إلى الله تعالى، فذهبت [إلى] بيتي، وسترت حالي من أهلي وغيرهم، ومنّ الله علي بالعافية، فخرجت من زبيد، وساقني القدر إليك.
قال الجندي: هذا ما ذكره قدماء القرية، وذكر غيرهم أنه حين قال: يس .. قال له قائل: أنا تبارك، لو كنت يس .. لأخذت جميع رأسك.
قال: وبلغني أن رجلا نبش قبرا، فلما فتح اللحد .. خرجت منه يد قلعت إحدى عينيه، فقال: يس، فسمع قائلا يقول: أنا تبارك، لو كنت يس .. لقلعت عينيك معا.
ولو لم يكن من كرامات الفقيه إلا فتح طريق مكة [لكفى]، وكان قد ضعف الحج وبطل حتى عميت الطريق، وقلّ عارفوها، فلم يزل الفقيه يسافر بالقافلة عدة سنين.
فلما توفي الفقيه .. سافر بالقافلة بعده الفقيه عمر بن الأكسع المعروف بالعلم، ثم سافر بها الفقيه أحمد بن موسى عجيل وذريته من بعده، ثم بعد بني عجيل الشيخ عمر البركاني، ثم بعض أولاد البركاني المذكور.
قال الجندي: وتوفي الفقيه بكر المذكور في صدر المائة السابعة بموزع، وقبره يمنى القرية مشهور، يتبرك به ويزار) (١).
٢٧٤٥ - [أبو الحسن الصوري] (٢)
أبو الحسن علي بن فاضل الصوري المصري الحافظ.
كتب الكثير، وأكثر عن السّلفي، وسمع بمصر من الشريف الخطيب، وقرأ القراءات على القاضي.
وتوفي سنة ثلاث وست مائة.
стр. 2189
٢٧٤٦ - [ابن النطروني] (١)
أبو الفضل ابن النطروني عبد المنعم بن عبد العزيز بن أبي بكر بن عبد المؤمن العبدري الإسكندري.
قدم بغداد وأقام بها، ومدح القاضي الإمام الناصر بعدة قصائد، وكان مالكيا أديبا.
توفي سنة ثلاث وست مائة.
ومن شعره: [من البسيط]
يا ساحر الطّرف ليلي ما له سحر ... وقد أضرّ بجفني بعدك السهر
يكفيك مني إشارات بعين ضنى ... لم يبق مني به عين ولا أثر
ما صور الله هذا الحسن في بشر ... وكان يمكن ألا تعبد الصور
ومنها: [من البسيط] ما حرّموا غير وصلي في محرّمهم ... وحال في صفر ما بيننا السفر
وا حرّ قلباه إن لم يدن لي وطن ... عمّا قليل وإن لم يقض لي وطر (٢)
كذا وجدته بخط الإمام محمد بن أبي بكر بن محمد بن الخياط.
٢٧٤٧ - [محمد القرشي] (٣)
محمد بن معمر القرشي الأصبهاني.
كان يتعصّب لأبي العلاء المعري، ويطرب إذا قرئ عليه شعره؛ للجامع بينهما من العمى والأدب.
توفي سنة ثلاث وست مائة مذكور في الأصل.
стр. 2190
٢٧٤٨ - [أبو العباس الرعيني] (١)
أبو العباس أحمد بن محمد الرعيني الإشبيلي المقرئ.
كان من الأدب والزهد بمكان.
توفي سنة أربع وست مائة.
٢٧٤٩ - [أبو ذر الجياني] (٢)
أبو ذر مصعب بن محمد الجياني النحوي اللغوي، صاحب التصانيف، وحامل لواء العربية بالأندلس.
ولي خطابة إشبيلية مدة، ثم قضاء جيان، ثم تحول إلى فاس، وبعد صيته، وسارت الركبان بفضائله.
توفي سنة أربع وست مائة.
٢٧٥٠ - [سالم بن بصري] (٣)
سالم بن بصري بن عبيد [الله]-ويقال له: عبد الله أيضا-ابن أحمد بن عيسى بن محمد بن علي بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃.
وبصري المذكور هو أخو علوي [بن عبيد الله] بن أحمد بن عيسى، جد الأشراف آل أبي علوي.
وبصري هو جد سالم صاحب الترجمة، لا أبوه كما ذكره الشريف علي بن أبي بكر والخطيب عبد الرحمن (٤)، والظاهر أنه جد أعلى (٥).
стр. 2191
قال الشريف علي بن أبي بكر: (كان سالم بن بصري أعجوبة زمانه، وعلامة أوانه) (١).
وقال الخطيب: (ومن أولاد عبيد الشيخ الكبير بصري، جد الشيخ الكبير، العارف بالله الشهير، الإمام المحقق، الجامع بين علمي الظاهر والباطن .. سالم بن بصري، كان فقيها فاضلا، كشافا للبليات، سمحا بالعطايا الجزيلات، جل أن يحيط بمحاسنه واصف.
وحكي: أنه لما كثر الصالحون في تريم في عصر واحد .. جمعهم والي تريم وقال:
انتقوا لي خياركم، وأراد يمتحنهم وهم لا يشعرون، فانتقوا له مائة رجل منهم وقالوا:
هؤلاء خيارنا، فقال: انتقوا خير هؤلاء المائة، فانتقوا له من المائة عشرة، فقال: انتقوا لي خير هؤلاء العشرة، فاختاروا له منهم الشيخ الفقيه سالم بن بصري المذكور، فأرسل الوالي إلى امرأة بالبلد لها بنت جميلة، فأمرها أن تزين بنتها، وتدخل عليها الشيخ سالم لعلها تفتنه، وبذل لها على ذلك مالا جزيلا، فأجابته، وكان الشيخ سالم يزور القبور كل يوم، وكان ممره للزيارة على دار تلك المرأة، فزينت المرأة بنتها بما تقدر عليه من الحلي والحلل وقالت لها: إذا دخل عليك الشيخ سالم .. فتبرجي له، وتعلقي به، وراوديه عن نفسه، ثم قعدت المرأة على باب بيتها، فلما مر عليها الفقيه .. قالت له: لي بنت محمومة عساك تقرأ عليها، فقال: حتى أرجع من زيارة القبور، فلما رجع من الزيارة .. قالت له:
بسم الله، فدخل الشيخ البيت ليقرأ على المحمومة، فأغلقت المرأة عليه الباب، ووقفت خارجا، فبرزت له البنت، وخلعت ثيابها، وتعلقت به تراوده عن نفسه، فخلع الشيخ نعله وضربها به، وكلما ضربها ضربة .. وقع موضعها حزازة جذام، ثم سار الجذام في جميع جسد البنت، فصاحت، فدخلت عليها أمها، وخرج الشيخ، فقالت البنت لأمها:
ما أدخلت علي آدميا، ما أدخلت علي إلا أسدا! أو نحو هذا، فذهبت المرأة ببنتها إلى السلطان وأخبرته بالقصة وقالت له: ما أصاب بنتي هذا إلا من أجلك، فدواؤها عليك، فأرسل السلطان إلى الشيخ سالم، ولم يغضب الشيخ سالم، ولم يتغيّر حاله لا من فعل السلطان، ولا من فعل المرأة، فاستغفر السلطان واعتذر إليه ثم قال له: يا شيخ؛ هذه البنت أصابها ما ترى من عقوبتك، فعساك تبرئها، فأخذ الشيخ ماء وتفل فيه، وقرأ فيه ما تيسر، ومسح به جسد البنت، فبرئت من وقتها.
стр. 2192
توفي سنة أربع وست مائة، ورثاه الإمام المحقق محمد بن أحمد ابن أبي الحب التريمي بهذه الأبيات: [من الطويل]
أيا سالم قلبي عليك تحرّقا ... فلا تعذلوني إن دمعي قد ذرف
أكفكف دمعا من حياء وحشمة ... ومهما كففت الدمع من ناظري وكف
وكنت إذا ما انهلّ دمعي بعبرة ... وقلت له يا دمع حسبك كفّ كف
أأجحده إحسانه وصنيعه ... وأنساه لمّا أصبح اليوم في الحذف
ومن ذا الذي ينسى صنائع سالم ... فكم منة أسدى وكم محنة صرف
فموت ابن بصريّ على الدين ثلمة ... وفقد ابن بصريّ لظهر العلا قصف
لقد كان بدرا يستضاء بنوره ... وبحرا من المعروف من زاره غرف
وكان أبيّا لا ينال مناره ... ولكن إذا للحق صرّفته انصرف
وكم واصف في الناس يكثر وصفهم ... فيطنب إلا وهو فوق الذي وصف
فيا قبره ماذا حويت من الكرم ... ويا قبره ماذا جمعت من الشرف
ويا قبره دامت عليك سحائب ... ربيعيّة هطّالة ديمها وطف
فيا ربّ شرّف قدره واعل داره ... وأنزله في الفردوس في عالي الغرف
وصلّ إلهي كلّ حين وساعة ... على من حوى حقّا لأوصاف من وصف)
انتهى (١).
وفخذ هذا السيد كانوا أهل علم وعبادة، وزهد وصلاح، وقد انقرضوا ولم يبق من نسلهم أحد، ولهم مناقب ومآثر عديدة، وأوصاف حميدة، والله سبحانه أعلم.
قال الشريف علي بن أبي بكر باعلوي نفع الله به: (توفي الشيخ سالم بن بصري والإمام علي [بن يحيى] بن ميمون التريمي الحضرمي في شهر واحد) (٢).
٢٧٥١ - [مسعود بن علي العنسي] (٣)
القاضي مسعود بن علي اليمني القرّي-بفتح القاف، وكسر الراء، ثم ياء النسب-ثم
стр. 2193
العنسي-بنون ساكنة بين المهملتين، نسبة إلى قبيلة كبيرة من مذحج-الجبائي الملقب كمال الدين.
ولد سنة ثمان وأربعين وخمس مائة.
وتفقه بعلماء عصره، فكان فقيها كبيرا، إماما مشهورا.
شرح «لمع الشيخ أبي إسحاق» في أصول الفقه بكتاب سماه: «الأمثال».
تفقه به جمع كثير، وأثنى عليه غالب العلماء، وامتحن بجعله قاضي القضاة باليمن، وكان من أثبت القضاة وأورعهم، واستناب في جميع النواحي باليمن من هو صالح للقضاء.
قال الجندي والخزرجي: (لم يكن فيمن ولي القضاء أفقه منه مع الورع الشديد، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولم يزل على الحال المرضي مستمرا على القضاء إلى أن توفي سنة أربع وست مائة بذي أشرق رحمه الله تعالى ونفع به) اه (١)
وهو أول من انتشر عنه من الشافعية القول بعقد بيع العهدة، والعمل بمقتضى الوعد فيه، والله أعلم.
وصح بأسانيد متواترة أن بعض التجار باع إلى الملك الذي ولى القاضي مسعود القضاء بضاعة كثيرة بمال جزيل، ثم إن الملك المذكور مطل التاجر بالثمن مرة بعد مرة بحيث قلق من ذلك، فرفع أمره إلى القاضي مسعود، فكتب إحضارا فيه:
﴿إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا﴾، ليحضر فلان بن فلان إلى مجلس الشرع الشريف بذي أشرق، ولا يتأخر إن كان يؤمن بالله واليوم الآخر.
ثم أمر بالإحضار عونا، وأمره ألاّ يسلمه إلا ليد السلطان، فلما وقف عليه السلطان ..
قال: نعم، أؤمن بالله واليوم الآخر، نعم، أؤمن بالله واليوم الآخر، ثم خرج من فوره، فركب دابة من دواب النوبة وسار إلى القاضي، فلما وصل إليه، وقرب من مجلسه بحيث يراه ويسمع كلامه .. قال له رافعا صوته: اتق الله، وساو خصمك، فقام التاجر بإزاء السلطان، وادعى عليه بالمال، فاعترف السلطان بالمال، فقال التاجر: التسليم، أو موجب الشرع، فقيل له: ألا تصبر حتى يصل السلطان إلى داره، فامتنع وقال: لا أفارقه
стр. 2194
حتى أقبض ما هو لي، فأمر السلطان من جاء بالمال، وتسلمه التاجر، وأبرأ ذمة السلطان، فحينئذ قام القاضي إلى السلطان واعتنقه، فقبل السلطان ما بين عينيه وقال:
صدق من سمّاك كمال الدين، رحمهما الله تعالى ونفع بهما وبأهل العلم القائمين بالشريعة، آمين آمين.
٢٧٥٢ - [سنجر بن غازي] (١)
سنجر بن غازي.
كان ملكا غشوما ظلوما سيء السيرة، قتله ابنه غازي في سنة خمس وست مائة بعد أن حلف له العسكر، ثم وثب عليه من الغد خواص أبيه فقتلوه، وملّكوا أخاه الملك المعظم.
٢٧٥٣ - [عمر الجرهمي] (٢)
عمر بن محمد بن علي الجرهمي، نسبة إلى قوم يقال لهم: الجراهمة من ذي أشرق.
تفقه بعبد الله بن الإمام، وبعلي الجنيد.
وكان فقيها عارفا بعلم المواريث.
ولي القضاء بذي أشرق، وتوفي بها في سنة خمس وست مائة.
٢٧٥٤ - [جمال الدين الطبري] (٣)
عبد الله بن يحيى بن عبد الرحمن بن علي بن الحسين الشيباني الطبري جمال الدين أبو محمد، ابن القاضي أبي المعالي، ولي قضاء مكة وخطبتها.
قال القاضي (٤): (ولم أدر متى مات، ولا متى كان ابتداء ولايته، ولا انتهاؤها، إلا
стр. 2195
أنه كان قاضيا في سنة سبع وفي سنة ثمان وتسعين [وخمس مائة]، وفي سنة خمس وست مائة) (١).
٢٧٥٥ - [أبو المعالي التنوخي] (٢)
أسعد بن المنجى بن أبي البركات (٣) القاضي، أبو المعالي التنوخي المغربي ثم الدمشقي.
روى عن القاضي الأرموي، وتفقه بالشيخ عبد القادر-أظنه الجيلاني (٤) -وغيره.
ومات سنة ست وست مائة.
٢٧٥٦ - [أم هاني الأصبهانية] (٥)
أم هاني بنت أحمد بن عبد الله الأصبهانية.
لها إجازة من أبي علي الحداد وجماعة، وسمعت المعجمين «الكبير» و «الصغير» للطبراني من فاطمة الجوزدانية، وروت عن عبد الواحد صاحب أبي نعيم، وهي آخر من روى عنه.
توفيت سنة ست وست مائة.
٢٧٥٧ - [فخر الدين الرازي] (٦)
أبو عبد الله محمد [بن عمر] بن الحسين القرشي التيمي البكري، الإمام فخر الدين الرازي.
стр. 2196
توفي سنة ست وست مائة. مذكور في الأصل.
ومما لم يذكر فيه أن بعض العلماء قال فيه: [من مجزوء الرمل]
خصه الله برأي ... هو للغيب طليعه
فيرى الحقّ بعين ... دونها حدّ الطّبيعه
ومدحه الإمام يوسف بن أبي بكر بن محمد السكاكي الخوارزمي بقوله: [من مجزوء الرمل] إعلمن علما يقينا ... أنّ ربّ العالمينا
لو قضى في عالميهم ... خدمة للأعلمينا
أخدم الرازيّ فخرا ... خدمة العبد ابن سينا
حضر ابن عنين الدمشقي الشاعر درسه في يوم شات وقد سقط ثلج كثير، فسقطت بالقرب منه حمامة قد طردها بعض الجوارح، فلما وقعت .. رجع عنها [الجارح] خوفا من الحاضرين في المجلس، فلم تقدر الحمامة على الطيران؛ لخوفها وشدة البرد، فلما قام فخر الدين من درسه .. وقف عليها ورقّ لها وأخذها، ويقال: إنها سقطت في حجر الإمام فخر الدين، فأنشده ابن عنين في الحال: [من الكامل] يا بن الكرام المطعمين إذا شتوا ... في كلّ مسغبة وثلج خاشف
العاصمين إذا النفوس تطايرت ... بين الصوارم والوشيج الراعف
من نبّأ الورقاء أنّ محلّكم ... حرم وأنك ملجأ للخائف؟ !
مع أبيات أخرى له (١).
ومن شعر فخر الدين: [من الطويل]
نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
وكم من جبال قد علت شرفاتها ... رجال فزالوا والجبال جبال
стр. 2197
وكم قد رأينا من رجال ودولة ... فبادوا جميعا مسرعين وزالوا
قال أبو عبد الله الحسين الواسطي: سمعت فخر الدين بهراة ينشد على المنبر عقيب كلام عاتب فيه أهل البلد: [من البسيط]
المرء ما دام حيّا يستهان به ... ويعظم الرّزء فيه حين يفتقد
وهو الذي قال للسلطان شهاب الدين صاحب غزنة: يا سلطان العالم؛ لا سلطانك يبقى، ولا تدليس الرازي يخفى، فنحب السلطان يبكي.
وكان يعظ باللسانين العربي والعجمي، ويحضر مجلسه الأكابر من الملوك والأمراء، وأرباب المذاهب والآراء، ويسألونه، وهو يجيب كل سائل بأحسن الأجوبة.
وكان صاحب وقار وحشمة ومروءة، وبزّة حسنة وهيئة جميلة، إذا ركب .. مشى معه نحو ثلاث مائة مشتغل على اختلاف مطالبهم في التفسير والفقه والكلام والأصول والطب وغير ذلك.
ورجع بسببه خلق كثير من الكرّاميّة وغيرهم إلى مذهب أهل السنة، ولم يزل بينه وبين الكرامية السيف الأحمر؛ ينال منهم وينالون منه سبّا وتكفيرا حتى قيل: إنّهم سموه فمات من ذلك بهراة يوم الاثنين يوم عيد الفطر سنة ست وست مائة، كما تقدم في أول ترجمته.
وقد قدمنا في سنة خمس وتسعين ما اتفق بينه وبين المجد ابن القدوة حتى أخرج من هراة، وقصد ما وراء النهر، فجرى له أيضا هنالك كذلك؛ وذلك بسبب الكلام فيما يرجع إلى المذاهب والاعتقادات (١).
٢٧٥٨ - [أبو السعادات ابن الأثير] (٢)
أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد مجد الدين الشيباني الجزري الموصلي الكاتب، المعروف بابن الأثير، مصنف «جامع الأصول الستة»، و «النهاية في غريب الحديث»، وغير ذلك. مذكور في الأصل.
стр. 2198
ومما لم يذكر في الأصل: أنّه ولي ديوان الإنشاء لمسعود بن مودود، ولابنه أرسلان صاحب الموصل، ثم عرض له فالج كف يده عن الكتابة، ورجليه عن الحركة، فلزم بيته، فعالجه بعض الأطباء، فلما أشرف على البرء .. ترك المداواة، وأعطى الطبيب ما يرضيه؛ إيثارا للانقطاع والدّعة وعدم التردد إلى الديوان مع المرض على الوصول والتردد إليهم مع العافية.
ومن شعره ما أنشده للأتابك صاحب الموصل وقد زلت به بغلته: [من الرجز] إن زلّت البغلة من تحته ... فإنّ في زلّتها عذرا
حمّلها من علمه شاهقا ... ومن ندى راحته بحرا
توفي سنة ست وست مائة.
٢٧٥٩ - [أسعد ابن مينا] (١)
أبو المكارم أسعد بن الخطير مهذب بن مينا، الكاتب الشاعر، كان ناظر الدواوين بالديار المصرية، وفيه فضائل عديدة، ونظم سيرة السلطان صلاح الدين.
وله ديوان شعر، ومنه قوله: [من الوافر] تعاتبني وتنهى عن أمور ... سبيل الناس أن ينهوك عنها
أتقدر أن تكون كمثل عيني ... وحقّك ما أضرّ عليّ منها؟
توفي سنة ست وست مائة.
٢٧٦٠ - [الهتار الصريفي] (٢)
الشيخ الصالح الولي أبو محمد عيسى بن إقبال بن علي بن عمر بن عيسى المعروف بالهتار، الصّريفي نسبا.
стр. 2199
يقال: إنه كان في شبيبته قاطع طريق، فخرج يوما في جماعة من قرابته الصريفيين إلى بعض الطرق لما هم بصدده، فصادفوا امرأة سائرة في الطريق، فأعجبهم حسنها، فسألت بالله ألا يفضحوها ويأخذوا ما معها من ملبوس وغيره، فأبوا، ووقعوا بها جميعا ما خلا الهتار، فإنه ارتدع ولم يوافقهم، وفارقهم من ساعته، وتاب إلى الله تعالى، وسار إلى قرية التربية فتديرها، واشتغل بالعبادة والاجتهاد وسلوك الطريق حتى كان منه ما كان، فيقال:
إنه مجذوب.
وقيل: إنه اجتمع ببعض رجال الغيب، فحكّمه وعلّمه سلوك الطريق.
وكان كبير القدر، مشهور الذكر، موفقا محفوظا، وكان يجتمع بالنساء ويحادثهن فلا يجد لذلك تغيّرا، وكان يجتمع في سماعه الرجال والنساء فلا يجد أحد تغيّرا، وله ولأصحابه في ذلك أخبار يطول شرحها.
ولما قرب وفاته .. ألزم أولاده وأصحابه ألا يسلكوا في طريقته في خلطة النساء، وقال:
إنكم لا تطيقون ذلك.
وقال عند وفاته لابنه أبي بكر-وكان خليفته-: يا أبا بكر؛ يأتيك من هذا النهج-وأشار إلى ناحية القور الكبير-رجل ممتحن بمرض، فإذا أتاك .. حكّمه، وأبلغه عني السلام، واسأله الدعاء، فبعد وفاة الشيخ بأيام يسيرة قدم عليهم الشيخ مسعود من موالي عرب يسكنون على قرب من القور في حدود رمع امتحن بالجذام، فطرده مواليه، فخرج مطرودا حتى قدم التربية، فلما رآه الشيخ أبو بكر .. عرفه ورحّب به وأخذ عليه اليد، وأمره بالعود إلى مواليه، وأذن له في التحكيم، فرجع إلى بلده وقعد في القور في موضع رباطه الآن، وكان عقدة سلم، فكان يستظلّ بالشجرة حتى فطن له، وبني له موضع يستظل به، وظهرت له كرامات.
ومن كرامات الشيخ عيسى الهتار أنه كان بزبيد وعنده بعض أصحابه من أهل الجند يسمى: علي الفتى، فالتفت إليه الشيخ وقال: يا علي؛ يولد لك في هذه الليلة ولد.
قال: فلما عدت إلى الجند .. وجدت ابني حسينا قد ولد في تلك الليلة.
وبالجملة: فكراماته كثيرة، ومناقبه شهيرة، ﵀ ونفع به.
وكانت وفاته في سنة ست وست مائة.
стр. 2200
٢٧٦١ - [السلطان أرسلان شاه] (١)
أرسلان شاه صاحب الموصل ابن السلطان مسعود، كان شهما شجاعا سائسا مهيبا.
قال وزيره أبو السعادات ابن الأثير: (ما قلت له في فعل خير إلا وبادر إليه) (٢).
قال ابن خلكان: (وكان شهما عارفا بالأمور، تحول شافعيا، ولم يكن في بيته شافعي سواه، وبنى مدرسة للشافعية بالموصل قلّ أن توجد مدرسة في حسنها) (٣).
توفي بالشّطّ ظاهر الموصل في شبّارة-بشين معجمة، ثم موحدة مشددة، ثم ألف، ثم راء، ثم هاء، المعروفة بالحرّاقة عند أهل مصر، وأظنّها الزورق-وكتم موته حتى دخل به دار السلطنة بالموصل، وذلك في سنة سبع وست مائة.
وخلّف ولدين: الملك القاهر مسعود، وتسلطن بعد أبيه، والملك المنصور زنكي، وسيأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى.
٢٧٦٢ - [أسامة بن مرشد] (٤)
أسامة بن مرشد الكلبي الملقب مؤيد الدولة، من أكابر أهل قلعة شيزر وشجعانهم وعلمائهم.
له تصانيف عديدة في فنون الأدب، وديوان شعر في جزءين، منه: [من الكامل]
لا تستعر جلدا على هجرانهم ... فقواك تضعف عن صدود دائم
واعلم بأنّك إن رجعت إليهم ... طوعا وإلا عدت عود الرّاغم
ومنه في دار ابن طليب وقد احترقت: [من الكامل] انظر إلى الأيام كيف تسوقنا ... قهرا إلى الإقرار بالأقدار
ما أوقد ابن طليب قطّ بداره ... نارا وكان خرابها بالنار
стр. 2201
ومما يناسب هذه الحكاية أن شخصا يعرف بابن صورة المصري احترقت داره وكانت موصوفة بالحسن، فقال أبو الحسن بن مفرج المعروف بابن المنجم: [من الطويل] أقول وقد عاينت دار ابن صورة ... وللنار فيها مارج متضرم
كذا كلّ مال أصله من نهاوش ... فعمّا قليل في نهابر يعدم
وما هو إلا كافر طال عمره ... فجاءته لمّا استبطأته جهنّم
و(النهاوش): الحرام، و (النهابر): المهالك، أخذ ذلك من قوله ﷺ : «من أصاب مالا من نهاوش .. أذهبه الله في نهابر» (١).
توفي أسامة المذكور في سنة سبع وست مائة.
٢٧٦٣ - [محمد بن الخطيب الحميري] (٢)
الشيخ محمد بن الفقيه الخطيب علي بن إبراهيم بن يحيى بن إبراهيم بن علي بن محمد بن سليمان بن أحمد بن عباد الحميري الصحابي ﵁.
كان محمد المذكور مشهورا بالزهد والصلاح، وكان من جلس عنده شم رائحة المسك تخرج من فيه.
وحكي عنه أنه قال: أنا بدل من الأبدال.
توفي بتريم ليلة الجمعة لأربع وعشرين من ربيع الأول سنة سبع وست مائة (٣).
٢٧٦٤ - [عبد الوهاب ابن سكينة] (٤)
أبو أحمد عبد الوهاب [بن علي] ابن سكينة البغدادي الحافظ، مسند العراق، الصوفي.
стр. 2202
سمع الحديث، وقرأ الفقه والقراءات، والنحو والخلاف.
كانت أوقاته محفوظة، لا تمضي عليه ساعة إلا في تلاوة أو ذكر أو تهجد أو إسماع، يديم الصيام، ويستعمل السّنة في جميع أموره.
توفي سنة سبع وست مائة.
٢٧٦٥ - [أحمد بن مسلمة التريمي] (١)
أحمد بن مسلمة بن [محمد بن أبي] حيدرة الحضرمي التريمي.
كان صالحا ورعا.
توفي بتريم في ربيع الأول سنة سبع وست مائة (٢).
٢٧٦٦ - [إبراهيم الشويري] (٣)
إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن زكريا الشّويري.
ولد سنة ثلاث وثلاثين وخمس مائة (٤).
وتفقه بأبيه وبالطّويري شيخ أبيه.
وبه تفقه ابن عمه محمد بن يوسف الشويري، والفقيه موسى بن علي بن عجيل، وعبد الله بن جعمان، وعلي بن قاسم الحكمي، وانتشر عنه الفقه انتشارا متسعا حتى نقل عن الفقيه إسماعيل بن محمد الحضرمي أنه قال: لبني زكريا على غالب فقهاء اليمن منّة.
وهو أكثر الفقهاء المتأخرين أصحابا.
وكان إماما عاملا صالحا ورعا زاهدا، كان راتبه كل يوم سبعا من القرآن، واقتدى به في ذلك جمع كثير من أصحابه.
ونقل عن الفقيه أحمد بن موسى بن عجيل أنه قال: بلغني أن الفقيه إبراهيم بن عبد الله
стр. 2203
ابن زكريا كان من الصالحين الكبار، العلماء المشهورين، وأنه رأى النبي ﷺ في المنام وقد سئل عن مسألة، فاستدعى بالثاني من «المهذب» وفتحه، ووضعه بين يديه، وأخذ ورقة ووضعها على ركبته الشريفة يستملي الجواب من «المهذب» ويكتبه في الورقة ﷺ .
وكانت وفاته على الحال المرضي سنة سبع وست مائة (١).
٢٧٦٧ - [أحمد المصبري] (٢)
أحمد بن إبراهيم المصبري الحكمي.
تفقه بالإمام إبراهيم ابن زكريا الشّويري، وكان يحفظ «وسيط الغزالي»، وله فتاوى تدل على جودة قريحته وصفاء ذهنه، وكان مسكنه في بيت أبي الخل في ناحية المهجم، فأخذ عنه جماعة منهم، كأحمد المدرس وغيره، وانتفعوا به انتفاعا عظيما، وأدركه الفقيه إسماعيل الحضرمي في أول طلبه، فقال: يكون إسماعيل هذا فقيها إن اشتغل؛ فإنه حاذق، فلما بلغ الفقيه إسماعيل كلامه .. أعجبه، وشمّر وجدّ في الطلب.
وكان فقيها زاهدا ورعا، متقللا من الدنيا، صلبا في دينه، وتوفي على ذلك الحال المرضي.
ولم أقف على تاريخ وفاته، وإنما ذكرته في هذه الطبقة تبعا لشيخه الشويري.
٢٧٦٨ - [محمد الصريفي] (٣)
محمد بن عبد الله بن جعمان الصّريفي، نسبة إلى صريف بن ذؤال بن سنوة بن ثوبان بن عيسى بن سحارة بن عبد الله بن عك.
تفقه المذكور بالفقيه إبراهيم بن عبد الله ابن زكريا الشويري.
وكان فقيها كبير القدر، مشهور الذكر.
стр. 2204
وعنه أخذ الفقيه موسى بن علي بن عجيل الفرائض، وكان زميله في القراءة على الفقيه إبراهيم.
ولم أقف على تاريخ وفاته، فذكرته هنا تبعا لشيخه الشويري، والله أعلم.
٢٧٦٩ - [أحمد العرشاني] (١)
أحمد بن الإمام الحافظ علي بن أبي بكر بن حمير العرشاني.
ولد سنة اثنتين وأربعين وخمس مائة.
وتفقه بأبيه غالبا، ثم بغيره، وولي قضاء الجند، وذيل على «تاريخ الطبري»، وله مختصر جمع فيه من قدم اليمن من الفضلاء.
وكان فقيها متقنا ماهرا متفننا خطيبا مصقعا، وقرأ عليه السلطان سيف الإسلام «موطأ مالك».
ولما اشتهر القاضي مسعود بن علي بن مسعود العنسي بجودة الفقه، وانتهت إليه رئاسة الفتوى .. حسده العرشانيون، فجوّب بعض فقهاء عرشان على مسألة جوابا أخطأ فيه، فلما وقف القاضي مسعود على جوابه .. كتب تحته بمداد يعمل من الصبر لونه الحمرة: هذا المجيب لا يعرف شيئا، وتركه مهملا لم يعجمه، فأعجمه بمداد أسود، يجعل الجيم خاء، والياء نونا، والموحدة مثلثة، ثم تقدم القاضي أحمد بالسؤال وما عليه من الجواب إلى سيف الإسلام وقال: يا مولانا؛ ظهر هنا رجل يدعي الفقه، وصار يحتقر الفقهاء، ويسفه عليهم بلسانه، ثم لا يقنع باللفظ حتى صار يكتب ذلك بخطه، وأوقفه على الورقة، فعظم ذلك على سيف الإسلام، وأمر في الحال باستدعاء القاضي مسعود، فلما حضر بين يديه .. رمى إليه بالسؤال وقال له: الجواب الثاني خطك؟ فتأمّله القاضي مسعود، وعرف من أين أتى، فقال: سبحان الله! يا مولانا أنعموا النظر؛ فإن مداد النقط غير مداد الخط، والقبح من الذي نقط الحروف، فليتأمل مولانا السلطان ذلك، ثم أعاد الورقة إليه، فلما أدرك ذلك السلطان .. عرف أنها مكيدة، وكان قد نقلت إليه أمور ملأت صدره من القاضي
стр. 2205
أحمد وأهل عرشان، فلما ظهرت له المكيدة .. تحقق صدق ما نقل إليه القاضي مسعود فقال: يا قاضي أحمد؛ الزم بيتك، وأنت يا قاضي مسعود؛ قد وليتك القضاء، فخرجا من عنده هذا مستمر وهذا معزول.
ونسب الجندي الإعجام إلى القاضي أحمد المذكور (١).
قال أبو الحسن الخزرجي: (ولا ينبغي أن يظن ذلك بالقاضي أحمد؛ لجلالته وموضعه من العلم، والذي يغلب على الظن أن الذي غيّر النقط غير القاضي أحمد، ثم أوقف القاضي أحمد على ذلك يستثير حفيظته وغضبه) (٢).
فلما توفي القاضي مسعود .. رجع القضاء في العرشانيين، فتولاه القاضي أحمد مدة، ثم عزل نفسه، وجعل ابنه عليا قاضيا.
وتوفي القاضي أحمد المذكور بذي جبلة لعشر خلون من صفر سنة سبع وست مائة (٣).
٢٧٧٠ - [ابن قدامة المقدسي] (٤)
أبو عمر محمد بن أحمد الشيخ الزاهد، المعروف بابن قدامة المقدسي.
سمع من جمع، وكتب الكثير بخطه، وحفظ القرآن والحديث والفقه.
وكان إماما فاضلا مقرئا زاهدا عابدا قانتا، خائفا من الله، منيبا إليه، كثير النفع للخلق، أوقاته مستقيمة على الطاعة؛ من الصلاة والصيام والذكر، وتعليم العلم مع الفتوة والمروءة والتواضع.
خطب بجامع الجبل إلى أن توفي سنة سبع وست مائة.
стр. 2206
٢٧٧١ - [سعد بن علي] (١)
الشيخ الصالح العالم الرباني محمد، الملقب سعد بن علي تاج العارفين.
كان صاحب كرامات وسلوك وإشارات.
يحكى أنه لما أخرجه المنجوي من ظفار لقول المنجمين له: زوال ملكك على يد صوفي يجتمع عنده من الفقراء كذا وكذا، فاتفق اجتماع ذلك العدد عند الشيخ سعد بن علي، فأخرجه من بلده، فلما صار في البحر متوجها إلى الشحر .. تبعته جميع حيتان البحر من ظفار، وسارت بسيره، فالتفت إليها وقال لها: ارجعي؛ فإنه عاد لنا فيها نسل، وكانت امرأته حاملا في مبادئ حملها بحيث لم تعرف هي ولا غيرها أنها حامل، فرجع بعض الصيد إلى ظفار.
ومنها: ما سمعته من الشيخ علي بن جار الله الحلواني-وكان رجلا صدوقا، واجتمع برجل من الأعراب المجاورين بالشحر، ووصفه بالعدالة والديانة-قال: دخلت ليلة مع السحر أزور تربة الشيخ سعد، فقرأت سورة ﴿هَلْ أَتى﴾، فلما وصلت إلى قوله تعالى ﴿وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً* عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً﴾ .. أخذت أفكر كيف يكون الحلي عليهم، فأخذتني سنة، فرأيت فيها كأن الشيخ سعد خرج من التابوت نحو النصف الأعلى منه ويداه مكلّلتان بالحلي والجواهر التي لم تر عيني مثلها من المعصم إلى المنكب، وضرب بيديه جميعا التابوت وقال: هنا هو، هنا هو، فانتبهت فزعا، فغاب شخصه في التابوت.
توفي بالشحر بعد قفوله من الحج في سنة سبع وست مائة.
٢٧٧٢ - [إبراهيم بن أحمد القريظي] (٢)
إبراهيم بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن سالم القريظي.
стр. 2207
قرأ على أبيه وغيره، وأخذ عن القاضي الأثير، وعن الإمام محمد بن سعيد مؤلف «المستصفى».
وعنه أخذ الشريف أبو الجديد، ومحمد بن عمر المعروف بالزيلعي، والفقيه حسين العديني (١)، وأبو السعود بن الحسن وغيرهم.
وأظنه ولي القضاء بعدن، وكان فقيها نبيها بارعا محققا.
وله عدة أولاد، منهم إسماعيل، كان فاضلا، ولم تزل خطابة عدن بأيدي ذريته حتى انقرضوا لبضع وسبع مائة.
ولم يذكر الخزرجي تاريخ وفاته ولا مكانه، وذكرته في هذه الطبقة ظنا.
٢٧٧٣ - [أبو محمد المنجوي] (٢)
سعد بن سعيد بن مسعود أبو محمد المنجوي.
كان رجلا صالحا، فقيها محققا، وشاعرا مفلقا، وخطيبا مصقعا مع صلاح نية، وحسن طوية، ولذلك أحبه الحبوضيون الذين ولوا ظفارا بعد المنجويين، وكانوا يقولون بمشورته، وزر لأحمد بن محمد الحبوضي، ثم لابنه إدريس، وفي أيامه خرج إلى مكة، ومنها إلى دمشق، وتوفي هنالك.
وله شعر رائق، وغالبه في التجنيس، ومنه: [من مجزوء الكامل]
يا من يعفّي دائما ... بالحبر آثار المساطر
انسخ فديتك مصبحا ... وعن النساخة بالمساطر
كان أخذه للعلم عن أبي بكر ابن أبي ماجد.
ولم أقف على تاريخ وفاته، وإنما ذكرته هنا تبعا للقاضي إبراهيم القريظي؛ فإن المنجوي يروي «الخطب النّباتية» عن القريظي المذكور بروايته لها عن الحسن الصغاني، وأظنه اجتمع بالقاضي إبراهيم القريظي بعدن، والله سبحانه أعلم.
стр. 2208
٢٧٧٤ - [أبو العباس العاقولي] (١)
أبو العباس أحمد بن الحسن بن أبي البقاء العاقولي المقرئ.
قرأ القراءات، وسمع الحديث والروايات المتعددات.
وتوفي سنة ثمان وست مائة.
٢٧٧٥ - [سنقر الأتابك] (٢)
الأمير الكبير سنقر بن عبد الله الأتابك الملقب سيف الدين، أحد مماليك الملك العزيز سيف الإسلام طغتكين بن أيوب، وإنما قيل له: الأتابك؛ لأنه الذي ربّى الملك الناصر أيوب بن الملك العزيز طغتكين، وهذه الكلمة توضع لمن يربّي أولاد الملوك خاصة. قاله ابن خلكان (٣).
كان المذكور أميرا كبيرا، شهما شجاعا مقداما، حسن السياسة، كامل الرئاسة، فلما توفي سيف الإسلام طغتكين بن أيوب .. خدم بعده ابنه المعز إسماعيل بن طغتكين إلى أن توفي مقتولا كما تقدم (٤)، فخدم ولده الناصر أيوب بن المعز إسماعيل (٥)، وكان في سنّ الطفوليّة، فتولى سنقر المذكور خدمته والقيام بدولته، فأقطع الأمير وردشار صنعاء، فخالف عليه أهل صنعاء، فطلع إليهم سنقر في جيش عظيم، فتوددوا له، وأقطع يكتمر اليمني تهامة ما خلا الكدراء وزبيد، ونقض الأكراد الصلح، وتملكوا زبيد، فنزل سنقر من صنعاء إلى زبيد، وقتل من الأكراد مقتلة عظيمة، وحال بين الباقين وبين زبيد، واستولى
стр. 2209
الأتابك على زبيد وعلى التهائم بأسرها إلى أن توفي سنة ثمان-وقيل: تسع-وست مائة.
ومن مآثره الدينية مدرسة بذي هزيم، ناحية من نواحي تعز، وبها دفن، وبنى جامع المغربة بتعز، قال الخزرجي: (وعمل المنبر الذي فيه، وابتنى بزبيد مدرستين: إحداهما للشافعية تعرف بالعاصمية، نسبة إلى مدرسها الفقيه عمر بن عاصم، والثانية الدحمانية، نسبة إلى مدرسها الفقيه محمد بن إبراهيم بن دحمان الحنفي، وبنى الجامع الذي بخنفر من أرض أبين.
قال الخزرجي: وهو الذي ينسب إليه الزبدي السنقري بزبيد) (١).
٢٧٧٦ - [محمد بن أيوب الغافقي] (٢)
محمد بن أيوب الغافقي الأندلسي.
قرأ القراءات، وسمع الحديث، وتفقه بمذهب مالك، ولم يبق له في وقته نظير بشرق الأندلس في القراءات والفقه والعربية وفك الآثار وعقد الشروط.
توفي سنة ثمان وست مائة.
٢٧٧٧ - [عماد الدين بن يونس] (٣)
محمد بن يونس الإمام العلامة الملقب عماد الدين الفقيه الشافعي، إمام وقته في الأصول والجدل والخلاف.
اشتغل أولا بأبيه، ثم انتقل إلى بغداد، وتفقه على السديد محمد السّلماسي، وسمع الحديث من جماعة، وأعاد بنظامية بغداد، وكانت إليه الخطابة في الجامع المجاهدي بالموصل مع التدريس في عدة مدارس، وشرح «وجيز الغزالي»، وصنف كتاب «المحيط
стр. 2210
في الجمع بين المهذب والوسيط»، وله تعليقة في الخلاف والعقيدة، وكتاب في الجدل.
تقدم كثيرا في دولة نور الدين أرسلان صاحب الموصل، كان يرجع إليه في الفتاوى، ويشير إليه في الأمور، ويبحث معه حتى انتقل بسببه من مذهب أبي حنيفة إلى مذهب الشافعي، وتوجه رسولا إلى بغداد غير مرة، وولي قضاء الموصل.
وكان شديد الورع والتقشف، لا يلبس الثوب الجديد حتى يغسله، ولا يمس القلم للكتابة إلا ويغسل يده، مع دماثة الأخلاق، وحسن الطباع.
ولما توفي نور الدين أرسلان .. توجه المذكور إلى بغداد لتقرير ولده القاهر مسعود، فعاد بالخلع والتقليد، وتوفرت حرمته عند القاهر أكثر مما كانت عند أبيه.
وتوفي سنة ثمان وست مائة.
قال الملك المعظم صاحب إربل: رأيت الشيخ عماد الدين في النوم بعد موته فقلت له:
ما مت؟ ! فقال: بلى، ولكني محترم.
٢٧٧٨ - [القاضي السعيد هبة الله بن جعفر] (١)
القاضي السعيد أبو القاسم هبة الله بن القاضي الرشيد أبي الفضل جعفر بن المعتمد السعدي، الشاعر المشهور، المصري، صاحب الشعر البديع، والنظم الرفيع.
ومنه في غزل قصيدة مدح بها القاضي الفاضل: [من الطويل]
ولو أبصر النّظّام جوهر ثغرها ... لما شكّ فيه أنه الجوهر الفرد
ومن قال إن الخيزرانة قدّها ... فقولوا له إياك أن يسمع القدّ
كان أحد الفضلاء، أخذ الحديث عن أبي طاهر السّلفي، واختصر كتاب «الحيوان» للجاحظ، وسمى المختصر: «روح الحيوان».
وكان بمصر شاعر يقال له: أبو المكارم هبة الله بن وزير، فبلغ القاضي السعيد أنه