٢٧٧١ - [سعد بن علي] (١)
الشيخ الصالح العالم الرباني محمد، الملقب سعد بن علي تاج العارفين.
كان صاحب كرامات وسلوك وإشارات.
يحكى أنه لما أخرجه المنجوي من ظفار لقول المنجمين له: زوال ملكك على يد صوفي يجتمع عنده من الفقراء كذا وكذا، فاتفق اجتماع ذلك العدد عند الشيخ سعد بن علي، فأخرجه من بلده، فلما صار في البحر متوجها إلى الشحر .. تبعته جميع حيتان البحر من ظفار، وسارت بسيره، فالتفت إليها وقال لها: ارجعي؛ فإنه عاد لنا فيها نسل، وكانت امرأته حاملا في مبادئ حملها بحيث لم تعرف هي ولا غيرها أنها حامل، فرجع بعض الصيد إلى ظفار.
ومنها: ما سمعته من الشيخ علي بن جار الله الحلواني-وكان رجلا صدوقا، واجتمع برجل من الأعراب المجاورين بالشحر، ووصفه بالعدالة والديانة-قال: دخلت ليلة مع السحر أزور تربة الشيخ سعد، فقرأت سورة ﴿هَلْ أَتى﴾، فلما وصلت إلى قوله تعالى ﴿وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً* عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً﴾ .. أخذت أفكر كيف يكون الحلي عليهم، فأخذتني سنة، فرأيت فيها كأن الشيخ سعد خرج من التابوت نحو النصف الأعلى منه ويداه مكلّلتان بالحلي والجواهر التي لم تر عيني مثلها من المعصم إلى المنكب، وضرب بيديه جميعا التابوت وقال: هنا هو، هنا هو، فانتبهت فزعا، فغاب شخصه في التابوت.
توفي بالشحر بعد قفوله من الحج في سنة سبع وست مائة.
٢٧٧٢ - [إبراهيم بن أحمد القريظي] (٢)
إبراهيم بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن سالم القريظي.
стр. 2207
قرأ على أبيه وغيره، وأخذ عن القاضي الأثير، وعن الإمام محمد بن سعيد مؤلف «المستصفى».
وعنه أخذ الشريف أبو الجديد، ومحمد بن عمر المعروف بالزيلعي، والفقيه حسين العديني (١)، وأبو السعود بن الحسن وغيرهم.
وأظنه ولي القضاء بعدن، وكان فقيها نبيها بارعا محققا.
وله عدة أولاد، منهم إسماعيل، كان فاضلا، ولم تزل خطابة عدن بأيدي ذريته حتى انقرضوا لبضع وسبع مائة.
ولم يذكر الخزرجي تاريخ وفاته ولا مكانه، وذكرته في هذه الطبقة ظنا.
٢٧٧٣ - [أبو محمد المنجوي] (٢)
سعد بن سعيد بن مسعود أبو محمد المنجوي.
كان رجلا صالحا، فقيها محققا، وشاعرا مفلقا، وخطيبا مصقعا مع صلاح نية، وحسن طوية، ولذلك أحبه الحبوضيون الذين ولوا ظفارا بعد المنجويين، وكانوا يقولون بمشورته، وزر لأحمد بن محمد الحبوضي، ثم لابنه إدريس، وفي أيامه خرج إلى مكة، ومنها إلى دمشق، وتوفي هنالك.
وله شعر رائق، وغالبه في التجنيس، ومنه: [من مجزوء الكامل]
يا من يعفّي دائما ... بالحبر آثار المساطر
انسخ فديتك مصبحا ... وعن النساخة بالمساطر
كان أخذه للعلم عن أبي بكر ابن أبي ماجد.
ولم أقف على تاريخ وفاته، وإنما ذكرته هنا تبعا للقاضي إبراهيم القريظي؛ فإن المنجوي يروي «الخطب النّباتية» عن القريظي المذكور بروايته لها عن الحسن الصغاني، وأظنه اجتمع بالقاضي إبراهيم القريظي بعدن، والله سبحانه أعلم.
стр. 2208
٢٧٧٤ - [أبو العباس العاقولي] (١)
أبو العباس أحمد بن الحسن بن أبي البقاء العاقولي المقرئ.
قرأ القراءات، وسمع الحديث والروايات المتعددات.
وتوفي سنة ثمان وست مائة.
٢٧٧٥ - [سنقر الأتابك] (٢)
الأمير الكبير سنقر بن عبد الله الأتابك الملقب سيف الدين، أحد مماليك الملك العزيز سيف الإسلام طغتكين بن أيوب، وإنما قيل له: الأتابك؛ لأنه الذي ربّى الملك الناصر أيوب بن الملك العزيز طغتكين، وهذه الكلمة توضع لمن يربّي أولاد الملوك خاصة. قاله ابن خلكان (٣).
كان المذكور أميرا كبيرا، شهما شجاعا مقداما، حسن السياسة، كامل الرئاسة، فلما توفي سيف الإسلام طغتكين بن أيوب .. خدم بعده ابنه المعز إسماعيل بن طغتكين إلى أن توفي مقتولا كما تقدم (٤)، فخدم ولده الناصر أيوب بن المعز إسماعيل (٥)، وكان في سنّ الطفوليّة، فتولى سنقر المذكور خدمته والقيام بدولته، فأقطع الأمير وردشار صنعاء، فخالف عليه أهل صنعاء، فطلع إليهم سنقر في جيش عظيم، فتوددوا له، وأقطع يكتمر اليمني تهامة ما خلا الكدراء وزبيد، ونقض الأكراد الصلح، وتملكوا زبيد، فنزل سنقر من صنعاء إلى زبيد، وقتل من الأكراد مقتلة عظيمة، وحال بين الباقين وبين زبيد، واستولى
стр. 2209
الأتابك على زبيد وعلى التهائم بأسرها إلى أن توفي سنة ثمان-وقيل: تسع-وست مائة.
ومن مآثره الدينية مدرسة بذي هزيم، ناحية من نواحي تعز، وبها دفن، وبنى جامع المغربة بتعز، قال الخزرجي: (وعمل المنبر الذي فيه، وابتنى بزبيد مدرستين: إحداهما للشافعية تعرف بالعاصمية، نسبة إلى مدرسها الفقيه عمر بن عاصم، والثانية الدحمانية، نسبة إلى مدرسها الفقيه محمد بن إبراهيم بن دحمان الحنفي، وبنى الجامع الذي بخنفر من أرض أبين.
قال الخزرجي: وهو الذي ينسب إليه الزبدي السنقري بزبيد) (١).
٢٧٧٦ - [محمد بن أيوب الغافقي] (٢)
محمد بن أيوب الغافقي الأندلسي.
قرأ القراءات، وسمع الحديث، وتفقه بمذهب مالك، ولم يبق له في وقته نظير بشرق الأندلس في القراءات والفقه والعربية وفك الآثار وعقد الشروط.
توفي سنة ثمان وست مائة.
٢٧٧٧ - [عماد الدين بن يونس] (٣)
محمد بن يونس الإمام العلامة الملقب عماد الدين الفقيه الشافعي، إمام وقته في الأصول والجدل والخلاف.
اشتغل أولا بأبيه، ثم انتقل إلى بغداد، وتفقه على السديد محمد السّلماسي، وسمع الحديث من جماعة، وأعاد بنظامية بغداد، وكانت إليه الخطابة في الجامع المجاهدي بالموصل مع التدريس في عدة مدارس، وشرح «وجيز الغزالي»، وصنف كتاب «المحيط
стр. 2210
في الجمع بين المهذب والوسيط»، وله تعليقة في الخلاف والعقيدة، وكتاب في الجدل.
تقدم كثيرا في دولة نور الدين أرسلان صاحب الموصل، كان يرجع إليه في الفتاوى، ويشير إليه في الأمور، ويبحث معه حتى انتقل بسببه من مذهب أبي حنيفة إلى مذهب الشافعي، وتوجه رسولا إلى بغداد غير مرة، وولي قضاء الموصل.
وكان شديد الورع والتقشف، لا يلبس الثوب الجديد حتى يغسله، ولا يمس القلم للكتابة إلا ويغسل يده، مع دماثة الأخلاق، وحسن الطباع.
ولما توفي نور الدين أرسلان .. توجه المذكور إلى بغداد لتقرير ولده القاهر مسعود، فعاد بالخلع والتقليد، وتوفرت حرمته عند القاهر أكثر مما كانت عند أبيه.
وتوفي سنة ثمان وست مائة.
قال الملك المعظم صاحب إربل: رأيت الشيخ عماد الدين في النوم بعد موته فقلت له:
ما مت؟ ! فقال: بلى، ولكني محترم.
٢٧٧٨ - [القاضي السعيد هبة الله بن جعفر] (١)
القاضي السعيد أبو القاسم هبة الله بن القاضي الرشيد أبي الفضل جعفر بن المعتمد السعدي، الشاعر المشهور، المصري، صاحب الشعر البديع، والنظم الرفيع.
ومنه في غزل قصيدة مدح بها القاضي الفاضل: [من الطويل]
ولو أبصر النّظّام جوهر ثغرها ... لما شكّ فيه أنه الجوهر الفرد
ومن قال إن الخيزرانة قدّها ... فقولوا له إياك أن يسمع القدّ
كان أحد الفضلاء، أخذ الحديث عن أبي طاهر السّلفي، واختصر كتاب «الحيوان» للجاحظ، وسمى المختصر: «روح الحيوان».
وكان بمصر شاعر يقال له: أبو المكارم هبة الله بن وزير، فبلغ القاضي السعيد أنه
стр. 2211
هجاه، فأحضره إليه وأدبه وشتمه، فكتب إليه أبو الحسن المعروف بابن المنجم الشاعر المشهور: [من البسيط]
قل للسعيد أدام الله نعمته ... صديقنا ابن وزير كيف تظلمه
صفعته إذ غدا يهجوك منتقما ... وكيف من بعد هذا ظلت تشتمه
هجو بهجو وهذا الصفع فيه ربا ... والشرع ما يقتضيه بل يحرّمه
وإن تقل ما لهجو عنده ألم ... فالصفع والله أيضا ليس يؤلمه
توفي سنة ثمان وست مائة.
٢٧٧٩ - [الحافظ النفزي] (١)
أحمد بن هارون النّفزي الشاطبي الحافظ.
سمع أباه، وابن هذيل، ولما حج .. سمع السّلفي.
وكان عجبا في سرد المتون ومعرفة الرجال، مع الزهد والاقتداء بالسلف، متفننا في العلوم.
عدم في وقعة العقاب في سنة تسع وست مائة الكائنة بين الفرنج والملك الناصر محمد بن يعقوب بالأندلس.
٢٧٨٠ - [أبو نزار الحضرمي] (٢)
أبو نزار ربيعة بن الحسن الحضرمي اليمني. مذكور في الأصل.
كان محدثا، شافعي المذهب، تفقه بظفار، ورحل إلى العراق وأصبهان، وسمع من طائفة، منهم أبو المطهّر الصيدلاني.
وكان كثير التعبد والعزلة، مجموع الفضائل.
توفي سنة تسع وست مائة.
стр. 2212
٢٧٨١ - [عبد الرحمن بن منصور] (١)
عبد الرحمن بن منصور بن أبي القبائل بن علي المكنى بأبي القبائل (٢)، أصله من الشوافي، من عرب يقال لهم: بنو أبي النهى.
تفقه بابن مضمون، وأخذ عن عبد الله بن أحمد بن أسعد بن أبي الهيثم كتاب «المصابيح».
وكان فقيها فاضلا عالما عاملا.
توفي على الإقامة في مسجد السنة سنة تسع وست مائة (٣).
٢٧٨٢ - [محمد بن يعقوب صاحب المغرب] (٤)
محمد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي القيسي الكومي، صاحب المغرب، الملقب بأمير المؤمنين.
كان طويل الصمت، ذا شجاعة وحلم.
أخذ مدينة فاس في سنة تسع وتسعين، ثم حاصر المهدية أربعة أشهر، ثم تسلمها، وقيل: إنه أنفق في هذه السفرة مائة وعشرين حمل ذهب.
وله مع الفرنج وقعات أنكاهم فيها وأذلهم.
توفي سنة عشر وست مائة.
٢٧٨٣ - [أبو موسى الجزولي] (٥)
أبو موسى عيسى بن عبد العزيز الجزولي-بضم الجيم والزاي، ثم واو ساكنة، ثم لام- نسبة إلى جزولة، بطن من البربر.
стр. 2213
كان إماما في النحو، كثير التطلع على دقائقه وغريبه وشاذه، وله فيه المقدمة المسماة ب «القانون»، مع إيجازها مشتملة على كثير من النحو، اعتنى بشرحها جماعة من الفضلاء، وبعضهم وضع لها أمثلة، يقال: إنه جمعها من فوائد كثيرة من كلام شيخه، ومن فوائد بحوث جرت بين الطلبة، ولذلك كان إذا سئل: هذه من صنعتك؟ قال: لا.
وكان عارفا بالمنطق، ورعا، أقام بمصر مدة، ثم رجع إلى المغرب، وأقام ببجاية، وانتفع به خلق كثير.
وتوفي سنة عشر وست مائة (١).
٢٧٨٤ - [أبو الفتح المطرزي] (٢)
أبو الفتح ناصر بن أبي المكارم المطرّزي-نسبة إلى من يطرز الثياب ويرقمها، إما هو، أو أحد آبائه-الفقيه النحوي، الأديب الحنفي في الفروع، الخوارزمي.
سمع الحديث من طائفة، وله معرفة تامة بالنحو واللغة، والغريب والشعر، وأنواع الأدب والفقه، وكان رأسا في الاعتزال، داعيا إليه.
شرح «مقامات الحريري»، وتكلم على الألفاظ التي يستعملها الفقهاء، وهو للحنفية بمنزلة كتاب الأزهري للشافعية، انتفع الناس به وبكتبه، وبحث ببغداد مع جماعة من الفقهاء.
وله شعر جيد، ومنه: [من الطويل]
وإني لأستحيي من المجد أن أرى ... حليف غوان أو أليف أغاني
стр. 2214
وقوله: [من الطويل]
تعامى زماني عن حقوقي وإنه ... قبيح على الزرقاء تبدي تعاميا
فإن تنكروا فضلي فإن دعاءه ... كفى لذوي الأسماع منكم مناديا
يقال: كان بخوارزم خليفة الزمخشري.
توفي سنة عشر وست مائة.
٢٧٨٥ - [ابن خروف النحوي] (١)
أبو الحسن علي بن محمد الحضرمي-نسبة إلى حضرموت-المعروف بابن خروف النحوي، الأندلسي.
كان فاضلا في العربية، وله فيها مصنفات تشهد بفضله وسعة علمه، شرح «كتاب سيبويه» و «جمل الزجاجي» (٢).
وتوفي سنة عشر وست مائة، أو تسع وتسعين وخمس مائة (٣).
٢٧٨٦ - [علي بن المفضل] (٤)
علي بن المفضّل اللخمي المقدسي الإسكندراني الفقيه المالكي.
стр. 2215
كان من أفاضل الفقهاء في مذهب مالك، ومن أكابر الحفاظ المشاهير في الحديث وعلومه.
صحب الحافظ أبا الطاهر السّلفي، وانتفع بالشيخ زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، ولازم صحبته، وعليه تخرج.
ومن شعره: [من المتقارب]
تجاوزت ستين من مولدي ... فأسعد أيامنا المشترك
يسائلني زائري حالتي ... وما حال من حلّ في المعترك
ومنه: [من الطويل]
أيا نفس بالمأثور من خير مرسل ... وأصحابه والتابعين تمسّكي
عساك إذا بالغت في نشر دينه ... بما طاب من نشر له أن تمسّكي
وخافي غدا يوم الحساب جهنّما ... إذا لفحت نيرانها أن تمسّكي (١)
ومنه أيضا: [من الطويل]
ولمياء تحيي من تحيّي بريقها ... كأنّ مزاج الراح بالمسك من فيها
وما ذقت فاها غير أني رويته ... عن الثقة المسواك وهو موافيها
توفي سنة إحدى عشرة وست مائة، كذا في «تاريخ اليافعي» هنا، وذكره الذهبي أيضا هنا (٢)، وقد ذكره اليافعي أيضا فيمن توفي سنة أربع وأربعين وخمس مائة (٣)، ولعل تلك سنة ولادته (٤)، ولعل الحافظ الزكي المنذري هو الذي تخرج باللخمي المذكور وانتفع به، والله سبحانه أعلم بحقيقة الأمر، ونقلته كما وجدته (٥).
стр. 2216
٢٧٨٧ - [أبو الحسن الهروي] (١)
الشيخ أبو الحسن [علي] بن أبي بكر الهروي الذي طاف البلاد، وأكثر الزيارات حتى كاد يطبق الأرض بالدورات برا وبحرا سهلا ووعرا مع فضله ومعرفته بعلم السيمياء، وبه تقدم عند الظاهر بن السلطان صلاح الدين صاحب حلب، كان كثير الرعاية له، وبنى له مدرسة بظاهر حلب.
قال ابن خلكان: (رأيت فيها بيتين مكتوبين بخط حسن [كأنهما] كتابة رجل فاضل نزل هناك، قاصدا الديار المصرية رحمه الله تعالى، وهما: [من الخفيف]
رحم الله من دعا لأناس ... نزلوا ههنا يريدون مصرا
نزلوا والخدود بيض فلما ... أزف البين عدن بالدمع حمرا
وللهروي المذكور مصنفات، منها كتاب «الإشارات في معرفة الزيارات» و «الخطب الهروية» وغير ذلك) (٢).
توفي سنة إحدى عشرة وست مائة.
٢٧٨٨ - [محمد ابن أبي الحب] (٣)
محمد بن أحمد ابن أبي الحبّ-بضم الحاء المهملة، ثم موحدة-الحضرمي التريمي.
قال الخطيب: (كان فقيها زاهدا عالما عاملا ورعا، وكان مسموع الكلمة، مقبول الشفاعة، مهابا عند السلاطين وغيرهم، يسعى بين الناس بالصلح، وله شعر حسن، منه ما كتبه إلى السلطان مستشفعا لأهل العطب في حط الخرس (٤) -وكان السلطان قد همّ بل جدّ على أن يجعل على حظائر العطب بحضرموت شيئا من الخرس، ولم يكن على
стр. 2217
العطب خرس قبل ذلك-: [من الطويل]
مساكين أهل العطب ووا رحمتي لهم ... فقارا عجافا من صرير المعاجل (١)
يرومون أهل العطب أن يلحقوا الغنى ... وأين الثريّا من يد المتناول
فقبل السلطان شفاعته، وترك ما أراد، فكان بعد ذلك كل من أراد من ولاة الأمر بتريم [أن] يجعل على الأعطاب شيئا من الخرس اعتاق بعائق من الأمور: إما أن يزول الوالي، أو يصيب الأعطاب شيء من العاهات فتهلك، ولم يقض أحد منهم من نيته وطرا، ولم يقدر أحد منهم يخرس شيئا من الأعطاب إلى الآن ببركة شفاعة الفقيه، أنفذها الله حيا وميتا.
توفي المذكور ليلة الأحد لأربع وعشرين خلت من ذي الحجة سنة إحدى عشرة وست مائة) (٢).
وفي النسخة التي نقلت منها سمّى الفقيه الشافع في العطب صاحب السر محمد بن أحمد ابن أبي الحب، ولم يذكر تاريخ وفاته، وسمّى الذي أرخ وفاته بالتاريخ المذكور محمد بن علي ابن أبي الحبّ، فما أدري هل هما شخص واحد أخطأ في اسم أبيه في إحدى الموضعين، أم هما شخصان؛ فإن في بني أبي الحب جماعة علماء فضلاء (٣).
قال في «البرقة»: (ومن فقهاء تريم: الفقهاء الأئمة الخطباء آل أبي الحب، الذين منهم الإمام محمد بن أحمد ابن أبي الحب، ووالده وأعمامه، وإخوانه وولده، الأئمة الصالحون، والعلماء العاملون) اه (٤)
وأصلهم من ظفار، ثم انتقلوا إلى تريم، والله سبحانه أعلم.
٢٧٨٩ - [نجيب الدين العباسي] (٥)
العباس بن الحسين بن العباس العباسي الطبري نجيب الدين أبو الفضل، إمام مقام إبراهيم الخليل ﵊.
стр. 2218
سمع على أبي الفتوح نصر بن أبي الفرج الحصري جزءا فيه استعاذات النبي ﷺ ، وهي خمسون حديثا، جمع عمرو بن شاهين بسماعه على أبي العلاء محمد بن عقيل، عن أبي الحسين بن الطيوري عنه.
توفي ليلة الثلاثاء الثالث والعشرين من ذي الحجة سنة إحدى عشرة وست مائة بمكة (١).
٢٧٩٠ - [الملك الناصر بن طغتكين] (٢)
السلطان الملك الناصر أيوب بن طغتكين بن أيوب بن شاذي.
ولي اليمن بعد قتل أخيه المعز إسماعيل بن طغتكين بن أيوب، وذلك في سنة ثمان-أو تسع-وتسعين وخمس مائة، وكان شابا عاقلا وادعا، فقام بدولته الأمير سنقر الأتابك، وكان هو الذي رباه، ولذلك قيل له: الأتابك-وهذه الكلمة إنما توضع لمن يربي أولاد الملوك-فلما توفي سنقر الأتابك .. أسند أمر مملكته إلى الأمير علم الدين وردشار، وكان علم الدين المذكور مقداما شجاعا، فتصاول هو والإمام عبد الله بن حمزة على اليمن مصاولة شديدة، وكانت لهم أيام مشهورة، ووقعات مذكورة، فلما توفي علم الدين .. استوزر الناصر الأمير بدر الدين غازي بن جبريل (٣)، فحمل السلطان على طلوع صنعاء وقتال الإمام عبد الله بن حمزة، فطلع بجيش كبير وأموال جمة، فلما استقر بصنعاء .. سمه وزيره-فيما يقال-فمات بها في المحرم أول سنة إحدى عشرة وست مائة، فطلاه الوزير بالممسكات، وحمله إلى تعز، فقبر هنالك ﵀.
٢٧٩١ - [عبد الله بن سليمان] (٤)
الحافظ عبد الله بن سليمان الأندلسي.
стр. 2219
كان موصوفا بالإتقان، حافظا لأسماء إشبيلية وقرطبة، وأدب أولاد المنصور صاحب المغرب.
وتوفي سنة اثنتي عشرة وست مائة.
٢٧٩٢ - [الحافظ الرهاوي] (١)
الحافظ عبد القادر الرّهاوي.
كان مملوكا لبعض أهل الموصل فأعتقه، وحبّب إليه الحديث، فسمع كثيرا بأصبهان وهمذان، وهراة ومرو، وسجستان ونيسابور، وبغداد ودمشق ومصر، وصنف وجمع.
له «الأربعون المتباينة الإسناد والبلاد» وهو شيء ما سبقه إليه أحد، ولا يرجوه بعده أحد.
وكان حافظا ثبتا مع الورع الشديد، والزهد والنسك، وخشونة العيش، ختم به الحديث.
توفي سنة اثنتي عشرة وست مائة.
٢٧٩٣ - [السلطان عبد الله بن راشد] (٢)
السلطان عبد الله بن راشد بن أبي قحطان الحميري.
قال الخطيب في كتابه «الجوهر الشفاف»: (ولد بتريم سنة ثلاث وخمسين وخمس مائة، وقرأ «صحيح البخاري» على الفقيه محمد بن أحمد بن أبي النعمان الهجراني سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة، وجمع الأحاديث على أبي الصيف، وابن المقدسي، وابن عساكر سنة ثمان وثمانين وخمس مائة، وولي السلطنة بحضرموت، وكان عصره أحسن
стр. 2220
العصور وخيرها، وصحب جماعة من أهل الزهد والتقى، والعلم والعمل والصلاح.
وكان يقول: في بلادي-يعني: تريم-ثلاث خصال أفتخر بها على السلاطين:
لا يوجد فيها حرام، ولا يوجد فيها سارق، ولا يوجد فيها محتاج.
وكتب إليه الإمام العالم الزاهد محمد بن أحمد بن أبي الحب رسالة يقول فيها: [من الطويل]
أيا علم الإفضال والجود والكرم ... وعلاّمة الآداب والعلم والحكم
ويا عصمة الله الذي الناس ترتجي ... له دولة يرعى بها الذئب والغنم
سلام أيها السلطان الميمون الولاية المباركة ورحمة الله وبركاته.
أما بعد:
فإن شواهد الحال تشهد لك بتحقيق المعرفة وحقائق العلوم، ومكارم الأخلاق، ولطائف الآداب المقتضية في الدنيا للنماء والزيادة، والمفضية في العقبى إلى نيل السعادة، انتهى المقصود من الرسالة.
ثم ترك السلطان الولاية في آخر عمره، فاعتزل عنها إلى الطاعات ونيل المكرمات واكتساب الخيرات، فقيل له في ترك الولاية، فقال: ما وجدنا آل حضرموت يوالوننا على الحق.
وسافر ليصلح بين قبيلتين، فقتل في الطريق ظلما سنة اثنتي عشرة وست مائة رحمه الله تعالى آمين) (١).
٢٧٩٤ - [علي بن محمد التريمي] (٢)
علي بن محمد بن أبي حاتم التريمي.
قال الخطيب فيه: (الإمام المشهور، العالم المشكور.
وذكر أن الأديب نشوان الحميري لما دخل تريم، واجتمع بالإمام علي المذكور،
стр. 2221
وبالإمام إبراهيم بن أبي بكر بن يحيى بن أبي ماجد، والإمام أبي بكر بن أحمد بن أبي ماجد، والإمام فضل بن إبراهيم بن أبي حوّاش، والإمام محمد بن أحمد ابن أبي الحب وغيرهم من العلماء الفضلاء .. أرسل بعد أن رجع إلى اليمن إليهم أبياتا يمدحهم فيها ويمدح سلطانهم عبد الله بن راشد بن أبي قحطان يقول فيها (١): [من الطويل]
رعى الله إخواني الذين عهدتهم ... ببطن تريم كالنجوم العوائم
عليّا حليف النجدة ابن محمد ... وأبنا أخيه الغرّ أبناء حاتم
ومن في تريم من فقيه مهذّب ... وسيد أهل العلم يحيى بن سالم
والمراد ب (يحيى بن سالم): يحيى بن سالم بن فضل (٢)، وقد ذكرنا ترجمته في العشرين الأخيرة من المائة التي قبل هذه عند ذكر أبيه الفقيه سالم بن فضل (٣).
ثم قال: [من الطويل]
أولئك أهل الفضل في ظلّ فاضل ... عظيم من الأملاك عالي الدعائم
أنست بهم من سالف الدهر برهة ... فكانت لياليها كأحلام نائم
وفارقتهم كرها ونار فراقهم ... تأجّج ما بين الحشا والحزائم
وهل لزمان الوصل بالوصل عودة ... وهيهات ليس الصدع كالمتلائم
وهل لي بأيام تقضّت برجعة ... أو ابكي عليها بالدموع السواجم
لئن بعدت أجسامنا فقلوبنا ... تراكم بودّ غير واهي العزائم
سلام عليكم من صديق بقلبه ... جراح فراق ما لها من مراهم) (٤)
ولم أقف على تاريخ وفاة أحد من المذكورين، وإنما ذكرتهم؛ لأنهم كانوا جميعا في عصر السلطان عبد الله بن راشد بن أبي قحطان المذكور (٥).
стр. 2222
٢٧٩٥ - [إبراهيم ابن أبي ماجد] (١)
إبراهيم بن أبي بكر بن يحيى بن أبي ماجد (٢).
قال فيه الخطيب: (الإمام العالم، الأديب المقدام الفاضل.
قال: كان بعض العارفين يقول فيه: من أراد أن ينظر إلى ولي في زيّ ملك .. فلينظر إلى الأديب إبراهيم.
كان بتريم، ثم انتقل آخر عمره إلى ظفار) (٣).
ولم أقف على تاريخ وفاته، إلا أنه كان معاصرا للسلطان عبد الله بن راشد، وسيأتي ذكره في العشرين بعد هذه (٤).
٢٧٩٦ - [أبو بكر بن أبي ماجد] (٥)
أبو بكر محمد بن أبي ماجد (٦).
قال فيه الخطيب: (الإمام موضح المشكلات، العالم بالدقائق والجليات).
ولم أقف على تاريخ وفاته، وذكرته هنا؛ لأنه كان معاصرا للسلطان عبد الله بن راشد.
٢٧٩٧ - [فضل ابن أبي حواش] (٧)
فضل بن إبراهيم بن أبي حوّاش.
قال فيه الخطيب: (الإمام الجليل، والحبر التقي التّقي الأثيل) (٨).
ولم أقف على تاريخ وفاته، وكان في أيام السلطان عبد الله بن راشد.
стр. 2223
٢٧٩٨ - [سعيد ابن أبي الحب] (١)
سعيد بن محمد ابن أبي الحب.
قال فيه الخطيب: (الحبر الزكي، الزاهد الولي، كان يسمّي الدرهم عقربا) (٢).
لم أقف على تاريخ وفاته، إلا أنه كان في أيام السلطان عبد الله بن راشد.
٢٧٩٩ - [الوجيه ابن الدهان] (٣)
المبارك بن المبارك النحوي الواسطي الوجيه، المعروف بابن الدهان.
قرأ القرآن، وسمع الحديث من الحافظ أبي زرعة طاهر بن محمد المقدسي، وكان حنبلي الفروع، ثم انتقل إلى مذهب أبي حنيفة، ولما شغر مجلس تدريس النحو بالنظامية، وشرط الواقف ألا يفوض إلا إلى شافعي المذهب .. انتقل إلى مذهب الشافعي، وفي ذلك يقول أبو البركات المؤيد ابن زيد التكريتي: [من الطويل]
ومن مبلغ عني الوجيه رسالة ... وإن كان لا تجدي إليه الرسائل
تمذهبت للنعمان بعد ابن حنبل ... وذلك لمّا أعوزتك المآكل
وما اخترت رأي الشافعيّ تدينا ... ولكنّما تهوى الذي منه حاصل
وعمّا قليل أنت لا شك صائر ... إلى مالك فافطن لما أنت قائل (٤)
وللوجيه المذكور مصنف في النحو، وشعر، منه: [من الخفيف]
لست أستقبح اقتضاءك بالوع ... د وإن كنت سيد الكرماء
فإله السماء قد ضمن الرز ... ق عليه ويقتضي بالدعاء
توفي الوجيه سنة اثنتي عشرة وست مائة.
стр. 2224
٢٨٠٠ - [غازي بن جبريل] (١)
الأمير الكبير شجاع الدين غازي بن جبريل، كان أوحد رجال عصره سياسة ورئاسة.
ولما توفي الأمير سيف الدين سنقر الأتابك .. أقام الناصر أيوب بن العزيز طغتكين بن أيوب عوضه الأمير غازي المذكور، وكان الناصر يومئذ صغيرا، فحمله الأمير غازي على طلوع صنعاء لقتال المنصور عبد الله بن حمزة، فلما صار بصنعاء .. أقام فيها مدة يسيرة، ثم توفي الناصر في التاريخ المتقدم ذكره (٢).
قال الجندي: (ويقال: إن الأمير غازي أطعمه سما قاتلا، ثم طلاه بالممسكات، وحمله إلى تعز، فقبر في القبة التي هي قبلي ميدان تعز، وطمع غازي في الملك، فحالف العسكر واستولى على المملكة، ونزل من صنعاء، فلما صار بالسّحول في جملة عسكره ..
أحاط بهم العرب فنهبوهم، فوصل غازي إلى إبّ، وكانت أم الناصر وسائر الخواتين في حصن حبّ، فطلع مماليك ابنها إليها، فشتمتهم وقرّعتهم بالكلام، وحملتهم على قتل غازي، فنزلوا إلى إبّ، فهجموا بيته وقتلوه واحتزوا رأسه، وطلعوا به إلى حبّ، وقبر باقي جثته في مقبرة إبّ على وفاء سنة من وفاة الناصر) (٣).
٢٨٠١ - [الأمير الجراحي] (٤)
الأمير فخر الدين عبد الله بن عيسى بن الحسن المهراني الجرّاحي، أخو الأمير جمال الدين أبي الهيجاء بن عيسى بن الحسن.
وفي هذه العشرين توفي أيضا أخوه الأمير أبو الهيجاء المذكور، وماتا بمكة.
توفي الأمير فخر الدين المذكور سنة اثنتي عشرة وست مائة.
стр. 2225
٢٨٠٢ - [أبو الحسن ابن الصباغ] (١)
أبو الحسن علي بن حميد الصّعيدي المعروف بابن الصباغ.
كان من الأولياء الكبار، وله كرامات، منها أنه كان لأبيه أزيار فيها أصباغ مختلفة الألوان، يصبغ كل ثوب منها على حسب ما يريده صاحب الثوب من الألوان، فدفع إلى ولده أبي الحسن المذكور أثوابا ليصبغ كل ثوب في زير على حدته، فرمى أبو الحسن مجموع الثياب في زير واحد، ثم أخرجها من الزير وكل واحد مصبوغ بلون غير لون الآخر على حكم ما يريده صاحب الثوب.
صحب الشيخ الكبير عبد الرحيم القناوي، وتخرج به، وصحبه خلق كثير من المريدين.
وكان ابن الصباغ المذكور جليلا، وناهيك بجلالته أن الشيخ الشهير أبا عبد الله القرشي لما مات شيخه .. أصابته وحشة، فذهب إليه وتأنّس به رضي الله عن الجميع.
توفي أبو الحسن المذكور سنة اثنتي عشرة وست مائة.
٢٨٠٣ - [أبو اليمن الكندي] (٢)
أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي، البغدادي المولد والمنشأ، الدمشقي الدار والوفاة، النحوي اللغوي المقرئ.
أكمل القراءات للعشرة وله عشرة أعوام، وهذا مما لم نعلمه تهيأ لأحد فيما قيل.
أخذ عن الشريف أبي السعادات بن الشجري، وأبي محمد بن الخشاب، وأبي منصور الجواليقي.
стр. 2226
استوطن دمشق بعد أسفار سافرها، وكان له السماع العالي، والجاه الوافر عند الملك المعظم وغيره.
وله شعر جيد، ومنه قوله حين طعن في السن: [من الطويل]
أرى المرء يهوى أن تطول حياته ... وفي طولها إرهاق ذلّ وإزهاق
تمنيت في عصر الشبيبة أنني ... أعمّر والأعمار لا شك أرزاق
فلما أتاني ما تمنيت ساءني ... من العمر ما قد كنت أهوى وأشتاق
يخيّل لي فكري إذا كنت خاليا ... ركوبي على الأعناق والسير إعناق
ويذكرني مرّ النسيم وروحه ... حفائر يعلوها من الترب أطباق
وها أنا في إحدى وتسعين حجّة ... لها فيّ إرعاد مخوف وإبراق
يقولون ترياق لمثلك نافع ... وما لي إلا رحمة الله ترياق
توفي سنة ثلاث عشرة وست مائة (١)، ونزل الناس بموته درجة في القراءات والحديث.
أدرك الزمخشري، وما أظنه أخذ عنه.
٢٨٠٤ - [غازي بن صلاح الدين] (٢)
أبو الفتح غازي الملك المعظم الظاهر، صاحب حلب، غياث الدين بن صلاح الدين يوسف بن أيوب، كان ملكا عظيما مهيبا، حازما متيقظا، حسن التدبير والسياسة، باسط العدل، محبا للعلماء، مجيزا للشعراء، كثير الاطلاع على أخبار الملوك وأحوال رعيته، عالي الهمة، حسن الذكاء.
من ذكائه أنه جلس يوما يعرض العسكر، وكلما حضر جندي .. سأله الديوان عن اسمه، حتى حضر واحد، فسألوه فقبل الأرض، فلم يفطنوا لما أراد، فأعادوا سؤاله، فقال الملك الظاهر: اسمه غازي، وكان كذلك، وإنما لم يذكر اسمه؛ أدبا لموافقته لاسم السلطان.
توفي سنة ثلاث عشرة وست مائة.
стр. 2227
٢٨٠٥ - [عبد الله التريمي] (١)
عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عبيد الحضرمي التريمي، صاحب كتاب «الإكمال»، الإمام وحيد عصره، وفريد دهره، الزاهد العامل.
قال الخطيب عبد الرحمن: (سافر إلى الحج في زي الفقراء والمساكين، وأحب ألا يعرف، فدخل مكة وهو على تلك الصفة وإمام الحرمين إذ ذاك بها، فحضر عبد الله المذكور يوما حلقة إمام الحرمين وهو مختف بذلك الزي، وفي الحلقة فقهاء كثيرون، فألقى عليهم مسألة دقيقة غامضة جدا، فلم يقدر أحد من الحاضرين على جوابها، فلما لم يجب عنها أحد من الحاضرين .. لم يتمالك عبد الله حتى زحف إلى إمام الحرمين، وجوّب على تلك المسألة جوابا شافيا، فلما سمع منه إمام الحرمين ذلك الجواب .. قال له: من أنت؟ فإني أظن ما على وجه الأرض من يجوب مثل هذا الجواب، إلا أن تكون الإمام عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عبيد الحضرمي التريمي، فإن لم تكن هو .. فأنت اقتفيت (٢)، أو كما قال، فقال عبد الله: بل أنا هو، ﵄.
توفي المذكور يوم الأربعاء لست من ربيع الأول سنة ثلاث عشرة وست مائة (٣)، وقبره وقبور قبيلته تحت الجبل المعروف بالفريط الأحمر) انتهى ما ذكره الخطيب (٤).
فإن أراد بإمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني الإمام المشهور شيخ الغزالي كما هو الظاهر .. ففيه نظر؛ لأن إمام الحرمين توفي سنة ثمان وسبعين وأربع مائة، وجاور بمكة أربع سنين قبل وفاته بنحو ثلاثين سنة، فإن صح ما ذكره الخطيب .. كان اجتماع الإمام عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عبيد بإمام الحرمين بمكة في عشر الأربعين وأربع مائة، فيكون بين وفاة الإمام عبد الله المذكور وبين اجتماعه بإمام الحرمين قريب من مائتي سنة، وهذا شيء يستبعد، إلا أن النسخة التي نقلت منها فيها السقم، فلعل انتقل نساخها من خمس مائة إلى ست مائة، أو لعل المراد بإمام الحرمين غير الإمام المشهور، فقد
стр. 2228
ذكر التقي الفاسي أن شخصا من أهل مكة أو المجاورين بها-الشك مني-كان يسمى إمام الحرمين، والله سبحانه أعلم.
٢٨٠٦ - [معين الدين السهيلي] (١)
محمد بن إبراهيم السهيلي الشافعي معين الدين، مؤلف «الكافية» في الفقه في مجلد، و «إيضاح الوجيز» في مجلدين، أحسن فيه، وله «القواعد»، وطريقة مشهورة في الخلاف.
وكان إماما فاضلا متفننا مبرزا، انتفع الناس به وبكتبه من بعده، خصوصا «القواعد».
توفي بكرة الجمعة حادي وعشرين رجب من سنة ثلاث عشرة وست مائة (٢).
٢٨٠٧ - [العز المقدسي] (٣)
محمد بن الحافظ عبد الغني المقدسي الملقب بالعز.
ارتحل وسمع وكتب الكثير، وكان حافظا ذا فنون ومروءة تامة، وديانة متينة، وقراءة حسنة، وفهم جيد.
توفي سنة ثلاث عشرة وست مائة.
٢٨٠٨ - [علوي بن محمد بن علي] (٤)
علوي بن محمد بن علي بن علوي بن محمد بن علوي بن عبيد-ويقال أيضا: عبيد الله- ابن أحمد الشريف أبو علوي.
стр. 2229
قال في «البرقة»: (كان من أكمل المشايخ العارفين، والأئمة الهادين، وكان سخيا جوادا، عالما عابدا، مواظبا على متابعة المصطفى ﷺ (١).
وحكى الخطيب في كتابه «الجوهر»: (أن الشيخ المعروف بالفقيه محمد بن علي بن محمد بن علي بن علوي زار قبور تريم، فلما وصل قبور أهله آل باعلوي .. رد على أهل القبور السلام، فرد ﵇ السيدان الكبيران العارفان بالله: عمه علوي بن محمد بن علي صاحب الترجمة، والشيخ سالم بن أبي علوان من قبورهما نفع الله بهما.
قال الخطيب: وتوفي الشيخ المذكور يوم الاثنين لأربع خلت من شهر القعدة سنة ثلاث عشرة وست مائة) (٢).
٢٨٠٩ - [الإمام المنصور عبد الله بن حمزة] (٣)
الإمام المنصور بالله أبو محمد عبد الله بن حمزة بن سليمان بن حمزة بن علي بن حمزة بن الإمام أبي هاشم الحسن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن يحيى بن عبد الله (٤) بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، نسب فخم وشرف ضخم، وإمام من أئمة الإسلام، وقطب من أقطاب السادة الكرام.
ولد في شهر ربيع الأول سنة إحدى وستين وخمس مائة، وتفنن في عدة من العلوم، وكان مختصا بعلم الأدب، كثير الاحتجاج على غريبي الكتاب والسنة بأشعار العرب، حتى قيل: إن محفوظه يزيد على مائة ألف بيت من أشعار العرب.
وصنف التصانيف العجيبة في عدة فنون، وشرع في تفسير كتاب الله ، فلم يفرغ من سورة البقرة إلا في مجلد ضخم، واخترم دون إتمامه، وله عدة رسائل في الرد على المخالفين.
стр. 2230
وله ألفاظ حكيمة، وكلمات أدبية تجري مجرى الأمثال السائرة، منها قوله: كتمان السر رأس مال الملوك. الإلحاح في مطالبة المفلس يؤدي إلى الإنكار. الإفراط في المزح يؤدي إلى العداوة، ونحو ذلك من الألفاظ الرشيقة.
وكان شاعرا فصيحا، ومن شعره قوله: [من الكامل]
كم بين قول فتى أبي عن جده ... وأبي أبي فهو النبي الهادي
وفتى يقول حكى لنا أشياخنا ... ما ذلك الإسناد من إسنادي
ومنه كما كتبه جوابا إلى السلطان الظاهر غازي بن الملك الناصر يوسف بن أيوب صاحب حلب، وقد كتب إليه يدعوه إلى دخول العراق، ويبذل نفسه للقيام بخدمته، فأجابه، وضمّن الجواب شعرا أوله: [من المتقارب]
أتهجر معتمدا دارها ... وتولي الملامة من زارها
وفيها يقول:
إلى حلب حيث صيد الملو ... ك تحثو وتكرم زوارها
سلالة من شاد دين الإل ... هـ وطهر بالسيف أوزارها
فمات وأبقى لنا بعده ... شموس المعالي وأقمارها
وكانت دعوته في ذي القعدة سنة ثلاث وتسعين وخمس مائة، وتابعه السيدان الأميران شيخا آل رسول الله ﷺ : يحيى ومحمد ابني أحمد بن يحيى الهادي وكافة علماء الزيدية، واتصلت دعوته بالحجاز، فقام بها الشريف قتادة بن إدريس صاحب مكة أتم قيام، وأنفذ دعوته إلى الجيل والديلم والري، فتابعه الزيدية، وارتفع صيته، وخافه العباسيون ببغداد، وكتب دعوته إلى خوارزم شاه صاحب خراسان، فتلقاها بأحسن التلقي، وأعطى الشريف القادم بها مالا جزيلا.
وهو الذي عمر حصن ظفار، وحصنه وشيده، وعمر مدارس العلم، وجمع في خزانته من الكتب ما ليس يلفى في سائر الخزائن، وأوقع بالمطرفية، فرقة من الزيدية ينتسبون إلى مطرف بن شهاب، ولهم اعتقادات فاسدة، منها قولهم: التأثير في العالم للطبائع الأربع، وأن الخلقة الشوهاء وحشرات الأرض وغير ذلك ليس من الله ولا باختياره، وكان قد فشا
стр. 2231
أمرهم، وظهر مذهبهم القبيح، وكان فيهم تقشف وعبادة استغووا بها عامة الناس، فجرّد السيف فيهم حتى كاد يأتي على آخرهم، وسبى ذراريهم، وخرب ديارهم، ومحا آثارهم، فأنشأ رجل منهم يقال له: ابن النساخ رسالة إلى الخليفة العباسي الناصر لدين الله، يقال:
إن بسببها كان دخول المسعود بن الكامل اليمن في سنة اثنتي عشرة وست مائة، وإن الخليفة عزم على الكامل محمد بن أبي بكر بن أيوب المذكور بإرسال بعض ولده إلى اليمن لحرب الإمام عبد الله بن حمزة.
وتوفي الإمام المنصور عبد الله بن حمزة لاثنتي عشرة ليلة خلت من المحرم سنة أربع عشرة وست مائة.
٢٨١٠ - [العماد المقدسي] (١)
إبراهيم بن عبد الواحد المعروف بالعماد المقدسي، أخو الحافظ عبد الغني.
قيل: كان صواما قواما، صاحب أحوال وكرامات، سمحا متفضلا، ورعا متواضعا.
توفي سنة أربع عشرة وست مائة.
٢٨١١ - [عبد الصمد الخزرجي] (٢)
عبد الصمد بن محمد الأنصاري الخزرجي الدمشقي الشافعي، قاضي القضاة.
سمع من الكبار، ودرس وأفتى، وبرع في المذهب، وانتهى إليه علو الإسناد، وكان من قضاة العدل، صالحا عابدا.
توفي سنة أربع عشرة وست مائة.
стр. 2232
٢٨١٢ - [أبو محمد البزاز] (١)
عبد الله بن عبد الجبار بن عبد الله الأموي العثماني أبو محمد التاجر البزاز الكارمي الإسكندراني.
أصله من شاطبة، وولد بالإسكندرية في رمضان سنة أربع وأربعين وخمس مائة وتديرها، وسمع بها من السّلفي وغيره، وبمصر من منجب المرشدي، وحدث بالإسكندرية ومصر، والصعيد واليمن، سمع منه الحافظ المنذري، وذكر في «التكملة» (٢).
قال التقي الفاسي: (ومنها (٣) نقلت هذه الترجمة، وذكر أن الشيخ الحافظ أبا الحسن علي بن الفضل المقدسي يعظمه ويثني عليه كثيرا.
وتوفي شهيدا-على ما قيل-في رابع عشرين ذي الحجة سنة أربع عشرة وست مائة) (٤).
٢٨١٣ - [الملك العادل] (٥)
السلطان الملك العادل سيف الدين محمد بن الأمير نجم الدين أيوب بن شاذي.
كان أخوه صلاح الدين يستشيره ويعتمد على رأيه؛ لعقله ودهائه، واستنابه بمصر في حال غيبته بالشام، وكان يستدعي منه الأموال للإنفاق على الجند، فكتب إليه العماد الأصبهاني على لسان السلطان صلاح الدين يستحثه على إنفاذ الأموال حتى قال: يسير الحمل من مالنا أو من ماله، فشق ذلك على العادل، فشكى إلى القاضي الفاضل، فكتب القاضي الفاضل جوابه، ومن جملته: وأما ما ذكره المولى من قوله: يسير الحمل من مالنا أو من ماله .. فتلك لفظة لم يكن بها المقصود النجعة، وإنما المقصود بها من الكاتب السجعة، وكم من لفظة فظة، وكلمة فيها غلظة، جبرت عيّ الأقلام، وسدت خلل الكلام.
стр. 2233
ثم تنقلت بالعادل الأحوال حتى ملك مصر والشام واليمن، تسلطن ابنه الكامل بمصر، وابنه المعظم بالشام، وابنه الأشرف على الجزيرة، وابنه الأوحد على خلاط، وابن ابنه المسعود بن الكامل على اليمن.
وكان ملكا جليلا، طويل العمر، عميق الفكر، بعيد الغور، جماعا للمال، ذا حلم وسؤدد، وله نصيب من صوم وصلاة، وكان يضرب به المثل في كثرة أكله، ولم يكن محببا إلى الرعية؛ لمجيئه بعد الدولتين النورية والصلاحية.
توفي في سنة خمس عشرة وست مائة، وخلف تسعة عشر ابنا (١)، تسلطن منهم خمسة:
الكامل والمعظم والأشرف والصالح وشهاب الدين غازي.
٢٨١٤ - [أبو حامد العميدي] (٢)
أبو حامد محمد بن محمد العميدي الحنفي السمرقندي.
كان كريم الأخلاق، كثير التواضع، طيب المعاشرة، إماما في فن الخلاف، وهو أول من أفرده بالتصنيف، ومن تقدمه كان يمزجه بخلاف المتقدمين.
ومن تصانيفه كتاب «النفائس»، اختصره شمس الدين أحمد بن الخليل الشافعي الخويّي، وسماه: «عرائس النفائس».
توفي العميدي المذكور سنة خمس عشرة وست مائة.
٢٨١٥ - [الدامغاني] (٣)
أبو القاسم عبد الله بن الحسين الدامغاني، قاضي القضاة، الفقيه العلامة.
стр. 2234
ولي قضاء العراق ثمان سنين، ثم عزل.
وتوفي سنة خمس عشرة وست مائة.
٢٨١٦ - [زينب بنت الشعري] (١)
أم المؤيد زينب بنت عبد الرحمن بن الحسن، الجرجاني الأصل، النيسابوري الدار، الصوفي المذهب، المعروف بالشّعري بفتح الشين المعجمة، وسكون العين المهملة، وكسر الراء.
حدثت عن جمع من العلماء رواية وإجازة، كالإمام أبي المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم القشيري، والحافظ عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي، وأبي البركات عبد الله بن الإمام محمد بن الفضل الفراوي، والإمام أبي القاسم الزمخشري صاحب «الكشاف» وغيرهم، وكانت عالية الإسناد.
توفيت سنة خمس عشرة وست مائة.
٢٨١٧ - [أبو عبد الله الترخمي] (٢)
أحمد بن مسعود بن عبد الله بن مسعود بن عليان بن هشام أبو عبد الله التّرخمي-بضم المثناة فوق، وسكون الراء، وضم الخاء المعجمة، وآخره ميم-نسبة إلى ذي ترخم، أحد ملوك حمير.
كان المذكور فقيها صالحا تقيا.
توفي سنة خمس عشرة وست مائة.
стр. 2235
٢٨١٨ - [محمد الصعبي] (١)
محمد بن أحمد بن أسعد الصعبي.
تفقه بزيد بن عبد الله الزبراني، ومحمد بن أحمد الجماعي، وأخذ «البيان» عن سليمان بن فتح الصليحي، أحد أصحاب المصنف.
وكان فقيها فاضلا صالحا تقيا ورعا.
تفقه به أبو بكر بن ناصر في الفرائض خاصة، وأحمد بن ليث النزاري، وعلي بن الحسن الأصابي وغيرهم.
وتوفي بالقرية في شهر رمضان سنة خمس عشرة وست مائة (٢).
٢٨١٩ - [أبو البقاء العكبري] (٣)
أبو البقاء عبد الله بن الحسين العكبري الضرير النحوي، شارح كتاب «الإيضاح» لأبي علي الفارسي و «ديوان المتنبي» و «لمع ابن جني» و «مفصل الزمخشري» و «الخطب النّباتية» و «المقامات الحريرية»، وله «إعراب القرآن» و «إعراب الحديث» و «إعراب شعر الحماسة» وغير ذلك من المصنفات.
أخذ النحو عن أبي محمد ابن الخشاب وغيره، وسمع الحديث من أبي الفتح محمد بن عبد الباقي المعروف بابن البطّي، ومن أبي زرعة طاهر بن محمد المقدسي وغيرهما.
ولم يكن في آخر عمره في عصره مثله في فنونه على ما قيل، وكان الغالب عليه علم النحو.
توفي سنة ست عشرة وست مائة.
стр. 2236
٢٨٢٠ - [الملك المنصور قطب الدين] (١)
صاحب سنجار الملك المنصور قطب الدين محمد بن عماد الدين زنكي.
توفي سنة ست عشرة وست مائة فيما أظن (٢).
٢٨٢١ - [ابن شاس] (٣)
أبو محمد عبد الله المعروف بابن شاس الجذامي المصري، الإمام العلامة، شيخ المالكية، وصاحب كتاب «الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة»، كتاب حسن كثير الفوائد، وضعه على ترتيب «الوجيز» للغزالي.
كان من أكابر العلماء العاملين، حج في أواخر عمره ورجع، وامتنع من الفتيا إلى أن مات مجاهدا في سبيل الله في أخذ العدو لدمياط في سنة ست عشرة وست مائة.
٢٨٢٢ - [علي بن القاسم ابن عساكر] (٤)
الحافظ علي بن القاسم بن الحافظ الكبير أبي القاسم ابن عساكر.
توفي سنة ست عشرة وست مائة فيما أظن (٥).
стр. 2237
٢٨٢٣ - [ابن الدهان الموصلي] (١)
أبو الفرج عبد الله بن أسعد بن علي المعروف بابن الدهان الموصلي، المنعوت بالمهذب.
كان فقيها أديبا، شاعرا لطيف الشعر، مليح السبك، وله ديوان صغير كله جيد، ولما ضاقت به الحال بالموصل .. عزم على قصد الوزير بمصر المعروف بالملك الصالح طلائع بن رزّيك، وعجز عن استصحاب زوجته، فكتب إلى نقيب العلويين أبي طاهر زيد بن محمد الحسيني (٢) هذه الأبيات: [من البسيط]
وذات شجو أسال البين عبرتها ... باتت تؤمل بالتقييد (٣) إمساكي
لحّت (٤) ... فلما رأتني لا أصيخ لها
بكت فأقرح قلبي جفنها الباكي
قالت وقد رأت الإجمال محدجة ... والبين قد جمع المشكوّ والشاكي
من لي إذا غبت في ذا المحل قلت لها ... الله وابن عبيد الله مولاك
لا تجزعي بانحباس الغيث عنك فقد ... سألت نوء الثريا جود مغناك
فتكفل الشريف ابن عبيد الله المذكور (٥) لزوجته بجميع ما تحتاج إليه مدة غيبته عنها، فقدم إلى مصر، ومدح الصالح بقصيدته الكافية التي أولها: [من البسيط]
أما كفاك تلافي في تلافيكا ... ولست تنقم إلا فرط حبّيكا
ومنها:
أأمدح الترك أبغي الفضل عندهم ... والشعر ما زال عند الترك متروكا
стр. 2238
لا نلت وصلك إن كان الذي زعموا ... ولا شفى ظمئي جود ابن رزّيكا
وقال العماد الكاتب: (أنشدني المهذب: [من الكامل]
تردي الكتائب كتبه فإذا انبرى (١) ... لم تدر أنفذ أسطرا أم عسكرا) (٢)
وفي معنى تشبيه القلم بالعسكر قول بعضهم: [من البسيط]
قوم إذا أخذوا الأقلام عن غضب ... ثم استمدوا بها ماء المنيّات
نالوا بها من أعاديهم وإن بعدوا ... ما لم ينالوا بحد المشرفيّات
توفي سنة ست عشرة وست مائة، كذا ذكره الشيخ عبد الله اليافعي في «تاريخه» فيمن توفي في هذه السنة (٣)، وقد قدمه أيضا فيمن توفي في سنة إحدى وثمانين وخمس مائة (٤)، ولعله الصواب؛ فقد ذكره كذلك غيره من المؤرخين (٥)، والله سبحانه أعلم.
٢٨٢٤ - [أبو عمرو بن عتيق] (٦)
عثمان بن عتيق أبو عمرو (٧) الحسيني، الشريف النسيب، الحنفي المذهب.
تفقه بعلي بن أبي بكر العلوي، وبمحمد بن يوسف الضجاعي.
وكان فقيها فاضلا صالحا، أخذ عنه أبو بكر ابن حنكاس وغيره من فضلاء الحنفية.
وتوفي بزبيد لثلاث بقين من شوال سنة ست عشرة وست مائة (٨).
стр. 2239
٢٨٢٥ - [محمد بن علي العرشاني] (١)
محمد بن الحافظ علي بن أبي بكر العرشاني.
كان فقيها عالما صالحا ورعا.
لما ولي أخوه أحمد المتقدم ذكره في هذه العشرين (٢) القضاء .. هجره أخوه محمد، ولا أكل له طعاما، ولا دعس له بساطا.
وتوفي في شهر رمضان سنة ست عشرة وست مائة، وله ذرية بزبيد يعرفون ببني قاضي الرفعة، معظمهم يزارون، وفيهم الخير.
٢٨٢٦ - [زكي الدين القرشي] (٣)
زكي الدين [الطاهر بن] محمد ابن يحيى القرشي الدمشقي قاضي القضاة.
كان ذا هيبة وسطوة وحشمة، وكان الملك المعظم يكرهه، [فاتفق] أنه طالب جابي العزيزيّة (٤) بالحساب، فأساء الأدب عليه، فأمر بضربه بين يديه، فوجد المعظم سبيلا إلى أذيته، فبعث إليه بخلعة أمير: قباء وكلوته (٥)، وألزمه بلبسهما في مجلس حكمه، ففعل، ثم قام فدخل، ولزم بيته، ومات كمدا.
يقال: إنه رمى قطعا من كبده، ومات كهلا في سنة سبع عشرة وست مائة، وندم المعظم على ما فعل حيث لا ينفع الندم.
стр. 2240
٢٨٢٧ - [أسد الشام اليونيني] (١)
عبد الله بن عثمان اليونيني، الشيخ المقدام، أسد الشام.
كان شيخا مهيبا، تام الشجاعة، أمّارا بالمعروف، نهّاء عن المنكر، كثير الجهاد، دائم الذكر، عظيم الشأن، صاحب مجاهدات، وكان الأمجد صاحب بعلبك يزوره، فكان يهينه ويقول: يا مجيد؛ أنت تظلم وتفعل، [وهو] يعتذر إليه.
قيل: كان قوسه ثمانين رطلا، وكان لا يبالي بالرجال قلوا أو كثروا، وكان ينشد هذه الأبيات ويبكي: [من الطويل]
شفيعي إليكم طول شوقي إليكم ... وكل كريم للشفيع قبول
وعذري إليكم أنني في هواكم ... أسير ومأسور الغرام ذليل
فإن تقبلوا عذري فأهلا ومرحبا ... وإن لم تجيبوا فالمحب حمول
سأصبر لا عنكم ولكن عليكم ... عسى لي إلى ذاك الجناب وصول
توفي وهو صائم في شهر ذي الحجة من سنة سبع عشرة وست مائة، وقد نيف على الثمانين.
٢٨٢٨ - [أبو الحسن الجويني] (٢)
أبو الحسن محمد بن عمر بن علي الجويني، شيخ الشيوخ بن شيخ الشيوخ.
سمع من يحيى الثقفي، وأجاز له أبو الوقت وجماعة، وبرع في مذهب الشافعي ودرس وأفتى، وكان كبير القدر، ثم ولي بمصر مدرس الشافعي (٣)، ، ومشهد الحسين.
وبعثه الكامل رسولا يستنجد بالخليفة وجيشه على الفرنج، فأدركه الأجل بالموصل، فمات سنة سبع عشرة وست مائة.
стр. 2241
٢٨٢٩ - [محمد الحكمي] (١)
الشيخ الصالح المشهور محمد بن أبي بكر الحكمي، من حكماء حرض، وهي أصل بلده.
وكان نجارا كثير العبادة، فصحب الأحوري، فحصل له فتوح رباني، فخرج من بلده وعشيرته سائحا، واجتمع بالفقيه محمد بن حسين البجلي بعواجة، فأقام عنده، وحصل بينهما ألفة شديدة واتحاد عظيم، حتى [صارا] كنفس واحدة بحيث لا يذكر أحدهما غالبا إلا وذكر الآخر معه، ويحكى أن أحدهما أكل حبة موز أو قثاء، فمغصه باطنه، فتقيأها الآخر عنه، فبرئ من الماغص.
وكان المذكور شيخا صالحا، عارفا عابدا زاهدا، ذا كرامات ظاهرة، وأحوال باهرة، وللأديب ابن حمير فيه وفي صاحبه البجلي القصد الطنانة في حياتهما وبعد مماتهما.
ولم يزل على الحال المرضي إلى أن توفي في سنة سبع عشرة وست مائة، وقبر بتربة عواجة قريبا من قبر الفقيه محمد بن حسين البجلي، وعلى قرب منهما قبر المعلم حسين، وهو والد الفقيه محمد بن حسين البجلي المذكور، كان من أعيان الصالحين، ومن أهل الكرامات، وكان يقال: معلمان مباركان لهما ذرية طاهرة الغالب فيها الخير، وهما:
المعلم حسين هذا وأولاده الفقهاء بنو البجلي، والآخر المعلم إسماعيل جد الحضارم، وهو جد الفقيه إسماعيل بن محمد الحضرمي.
٢٨٣٠ - [رضي الدين الطوسي] (٢)
أبو الحسن المؤيد بن محمد الطوسي المقرئ رضي الدين.
قصد من الأقطار للأخذ عنه.
توفي سنة سبع عشرة وست مائة.
стр. 2242
٢٨٣١ - [علاء الدين خوارزم شاه] (١)
السلطان خوارزم شاه محمد بن السلطان الكبير علاء الدين.
كان ملكا جليلا أصيلا، عالي الهمة، واسع الممالك، كثير الحروب، ذا ظلم وجبروت وغزو (٢) ودهاء، وله وقائع مع الخطا وغيرهم.
توفي سنة سبع عشرة وست مائة.
٢٨٣٢ - [ابن غليس] (٣)
علي بن محمد بن غليس-بضم الغين المعجمة، وفتح اللام، وسكون المثناة تحت، ثم سين مهملة-العريقي-بفتح العين المهملة، وكسر الراء، وسكون المثناة تحت، وكسر القاف-نسبة إلى المشايخ أهل ظفر عند الجند.
كان المذكور فقيها، ارتحل إلى الشام والعراق، وجاور في المساجد الثلاثة الشريفة، وبينه وبين ابن أبي الصيف صحبة واخوة ومكاتبات، وكان هو وأخوه عمر بن محمد عظيمي القدر، قل أن يتفق أخوان كاتفاقهما، لا سيما على الدين والصلاح وفعل الخير وحسن السيرة، وكان عمر قليل السفر عن البلد، يقال: إنه أوتي الاسم الأعظم.
قال الجندي: (ولقد سمعت بالنقل المتواتر أنهما اجتمعا يوما في مجلس خير، وكان حفلا، فتذاكروا فيه آلاء الله ونعمه، فنزلت عليهم من السماء ورقة خضراء مكتوب فيها بالنور: براءة من الله تعالى [ورسوله] لعمر وعلي ابني غليس من النار) (٤).
وكان علي ذا دنيا واسعة، ابتنى ثلاث مدارس في وصاب، ووقف عليها من ماله ومال
стр. 2243
أخيه، وأوقف عليها كتبا كثيرة، وكانا كروحين في جسد، إذا غاب علي .. كتب إلى عمر يذكره الله، ويحثه على الاجتهاد في العبادة.
توفي علي لبضع عشرة وست مائة (١).
٢٨٣٣ - [أبو القاسم الحبيشي] (٢)
[أبو] القاسم بن سليمان الحبيشي.
تفقه بشيوخ الملحمة، وأخذ عن الإمام طاهر بن يحيى العمراني، وسكن حصن أنور من بلد دمت (٣)، وهو جبل مشهور.
وتوفي لبضع عشرة وست مائة.
٢٨٣٤ - [نجم الدين الكبرى] (٤)
الشيخ الكبير نجم الدين الكبرى-بضم الكاف، وسكون الموحدة مقصورا-ذكر [أنه] كان في أيام صباه شديد الذكاء، لم يلق مؤدبه إلى أقرانه شيئا من المشكلات إلا سبقهم بثاقب ذهنه، فلقبوه: الطامة الكبرى، ثم غلب عليه ذلك اللقب، فحذفوا الطامة ولقبوه:
الكبرى، وقيل: بفتح الموحدة ممدودا، هو نجم الكبراء، جمع كبير.
رحل إلى الأقطار، وتنقل في الأمصار، وزار المشايخ الكبار، وحج راكبا وماشيا، وسمع الحديث والأخبار، والتفسير والآثار، من خلق كثير من الأخيار.
ولبس الخرقة من الشيخ العارف بالله أبي الحسن إسماعيل القصري، ومن الشيخ أبي ياسر عمار بن ياسر التدليسي.
стр. 2244
ولما حصر التتار لعنهم الله خوارزم في سنة سبع عشرة وست مائة (١) .. جمع الشيخ أصحابه وهم أكثر من ستين وقد هرب السلطان محمد وهم يظنون أنه بها، فدخلوا البلد، وكان من أصحاب الشيخ المذكور الشيخ سعد الدين الحموي، والشيخ علي لالا، وابن أخيه علي بن محمد مع جماعة من العارفين، فقال لهم الشيخ: قوموا وارتحلوا إلى بلادكم؛ فإنه قد خرجت نار من المشرق تحرق إلى قريب المغرب، وهي فتنة عظيمة ما وقع في هذه الأمة مثلها، فقال له بعضهم: لو دعوت الله أن يرفع هذه الفتنة عن بلاد المسلمين، فقال: هذا قضاء من الله محكم لا يرده، ولا ينفع فيه الدعاء، فقالوا له: معنا دواب تركب معنا، ونخرج الساعة، فقال: إني أقتل ههنا، ولم يأذن الله لي أن أخرج منها، فاستعدوا لخروجكم إلى خراسان، فخرجوا، ولما دخل الكفار البلد .. نادى الشيخ في أصحابه الذين لم يأمرهم بالخروج:
الصلاة جامعة، ثم قال: قوموا على اسم الله تعالى نقاتل في سبيل الله، ودخل البيت، ولبس خرقة شيخه، وشد وسطه، وكانت عليه فرجية، وجعل الحجارة في جانبيها، وأخذ العنزة وخرج، ولما واجه العدو .. أخذ يرميهم بالحجارة حتى فرغ جميع ما معه، ورموه بالنبل حتى قتلوه في سنة ثمان عشرة وست مائة ﵀، ودفن في رباطه، ورثاه المؤيد بن يوسف الصلاحي بقصيدة يقول في أثنائها: [من البسيط]
ما زال يجهد في مرضاة خالقه ... وما أعدّ له الرحمن ما كسبا
من ذا رأى بحر علم في بحار دم ... يجري إذا ما طفت أنواره شببا (٢)
يهوى النجوم الدّراري من يكون لها ... يوما نسيبا تدانيه إذا انتسبا
يا يوم وقعة خورزم التي اتصفت ... فجعتنا وفقدنا الدّين والحسبا
أتح له يا إله الخلق نيل رضى ... لا يدرك الكنه منه حاسب حسبا
٢٨٣٥ - [موسى بن عبد القادر الجيلاني] (٣)
أبو نصر موسى بن الشيخ الكبير القطب محيي الدين عبد القادر الجيلاني.
стр. 2245
روى عن أبيه، وسعيد بن البنّاء، وابن ناصر، وأبي الوقت، وسكن دمشق.
وتوفي سنة ثمان عشرة وست مائة.
٢٨٣٦ - [مدافع المعيني] (١)
مدافع بن أحمد المعيني، ثم الخولاني، الشيخ الكبير، العارف بالله الشهير، الرباني المربي.
أصل بلده الوحيز (٢) -بفتح الواو، وكسر الحاء المهملة، ثم مثناة من تحت، ثم زاي- قرية من أعمال تعز، قبالة القرية المعروفة بذي هزيم.
قال الشيخ علي بن أبي بكر باعلوي: (كان الشيخ مدافع من المشايخ العارفين الجامعين الكاملين في العلم بآداب الشريعة (٣)، وسلوك الطريقة، ومشاهدة الحقيقة، ممن أجمع المشايخ والعلماء على كمال معرفته، وحسن سريرته وطريقته، أخذ يد التصوف من الشيخ الحداد بحق أخذه عن الشيخ عبد القادر الجيلاني.
ثم بعد ذلك لما شاع في اليمن أن الشيخ عبد القادر يريد الحج في السنة القابلة .. سار الشيخ مدافع وجماعة من شيوخ اليمن إلى مكة المشرفة على نية الحج والزيارة والاجتماع بالشيخ عبد القادر، واجتمعت به المشايخ، ولبسوا من يده الخرقة الشريفة، فكان الشيخ مدافع ممن لبس الخرقة من يد الشيخ عبد القادر بغير واسطة) (٤).
وكان له ابنتان، فخطبهما منه أعيان أهل زمانه من أهل الدين والدنيا، فامتنع من تزويجهما، فسأله بعض خواصه عن سبب امتناعه من ذلك فقال: أزواجهما يأتيان من وراء البحر، فقدر الله وصول الشيخين الشريفين علي وعبد الملك ابني محمد بن أحمد بن جديد الحسينيّين من حضرموت إلى الشيخ مدافع؛ لقصد زيارته والتبرك به وأخذ اليد عنه، فزوجهما على ابنتيه، فعلم أن ما أخبر به كان من طريق الكشف.