٢٨٢٩ - [محمد الحكمي] (١)
الشيخ الصالح المشهور محمد بن أبي بكر الحكمي، من حكماء حرض، وهي أصل بلده.
وكان نجارا كثير العبادة، فصحب الأحوري، فحصل له فتوح رباني، فخرج من بلده وعشيرته سائحا، واجتمع بالفقيه محمد بن حسين البجلي بعواجة، فأقام عنده، وحصل بينهما ألفة شديدة واتحاد عظيم، حتى [صارا] كنفس واحدة بحيث لا يذكر أحدهما غالبا إلا وذكر الآخر معه، ويحكى أن أحدهما أكل حبة موز أو قثاء، فمغصه باطنه، فتقيأها الآخر عنه، فبرئ من الماغص.
وكان المذكور شيخا صالحا، عارفا عابدا زاهدا، ذا كرامات ظاهرة، وأحوال باهرة، وللأديب ابن حمير فيه وفي صاحبه البجلي القصد الطنانة في حياتهما وبعد مماتهما.
ولم يزل على الحال المرضي إلى أن توفي في سنة سبع عشرة وست مائة، وقبر بتربة عواجة قريبا من قبر الفقيه محمد بن حسين البجلي، وعلى قرب منهما قبر المعلم حسين، وهو والد الفقيه محمد بن حسين البجلي المذكور، كان من أعيان الصالحين، ومن أهل الكرامات، وكان يقال: معلمان مباركان لهما ذرية طاهرة الغالب فيها الخير، وهما:
المعلم حسين هذا وأولاده الفقهاء بنو البجلي، والآخر المعلم إسماعيل جد الحضارم، وهو جد الفقيه إسماعيل بن محمد الحضرمي.
٢٨٣٠ - [رضي الدين الطوسي] (٢)
أبو الحسن المؤيد بن محمد الطوسي المقرئ رضي الدين.
قصد من الأقطار للأخذ عنه.
توفي سنة سبع عشرة وست مائة.
стр. 2242
٢٨٣١ - [علاء الدين خوارزم شاه] (١)
السلطان خوارزم شاه محمد بن السلطان الكبير علاء الدين.
كان ملكا جليلا أصيلا، عالي الهمة، واسع الممالك، كثير الحروب، ذا ظلم وجبروت وغزو (٢) ودهاء، وله وقائع مع الخطا وغيرهم.
توفي سنة سبع عشرة وست مائة.
٢٨٣٢ - [ابن غليس] (٣)
علي بن محمد بن غليس-بضم الغين المعجمة، وفتح اللام، وسكون المثناة تحت، ثم سين مهملة-العريقي-بفتح العين المهملة، وكسر الراء، وسكون المثناة تحت، وكسر القاف-نسبة إلى المشايخ أهل ظفر عند الجند.
كان المذكور فقيها، ارتحل إلى الشام والعراق، وجاور في المساجد الثلاثة الشريفة، وبينه وبين ابن أبي الصيف صحبة واخوة ومكاتبات، وكان هو وأخوه عمر بن محمد عظيمي القدر، قل أن يتفق أخوان كاتفاقهما، لا سيما على الدين والصلاح وفعل الخير وحسن السيرة، وكان عمر قليل السفر عن البلد، يقال: إنه أوتي الاسم الأعظم.
قال الجندي: (ولقد سمعت بالنقل المتواتر أنهما اجتمعا يوما في مجلس خير، وكان حفلا، فتذاكروا فيه آلاء الله ونعمه، فنزلت عليهم من السماء ورقة خضراء مكتوب فيها بالنور: براءة من الله تعالى [ورسوله] لعمر وعلي ابني غليس من النار) (٤).
وكان علي ذا دنيا واسعة، ابتنى ثلاث مدارس في وصاب، ووقف عليها من ماله ومال
стр. 2243
أخيه، وأوقف عليها كتبا كثيرة، وكانا كروحين في جسد، إذا غاب علي .. كتب إلى عمر يذكره الله، ويحثه على الاجتهاد في العبادة.
توفي علي لبضع عشرة وست مائة (١).
٢٨٣٣ - [أبو القاسم الحبيشي] (٢)
[أبو] القاسم بن سليمان الحبيشي.
تفقه بشيوخ الملحمة، وأخذ عن الإمام طاهر بن يحيى العمراني، وسكن حصن أنور من بلد دمت (٣)، وهو جبل مشهور.
وتوفي لبضع عشرة وست مائة.
٢٨٣٤ - [نجم الدين الكبرى] (٤)
الشيخ الكبير نجم الدين الكبرى-بضم الكاف، وسكون الموحدة مقصورا-ذكر [أنه] كان في أيام صباه شديد الذكاء، لم يلق مؤدبه إلى أقرانه شيئا من المشكلات إلا سبقهم بثاقب ذهنه، فلقبوه: الطامة الكبرى، ثم غلب عليه ذلك اللقب، فحذفوا الطامة ولقبوه:
الكبرى، وقيل: بفتح الموحدة ممدودا، هو نجم الكبراء، جمع كبير.
رحل إلى الأقطار، وتنقل في الأمصار، وزار المشايخ الكبار، وحج راكبا وماشيا، وسمع الحديث والأخبار، والتفسير والآثار، من خلق كثير من الأخيار.
ولبس الخرقة من الشيخ العارف بالله أبي الحسن إسماعيل القصري، ومن الشيخ أبي ياسر عمار بن ياسر التدليسي.
стр. 2244
ولما حصر التتار لعنهم الله خوارزم في سنة سبع عشرة وست مائة (١) .. جمع الشيخ أصحابه وهم أكثر من ستين وقد هرب السلطان محمد وهم يظنون أنه بها، فدخلوا البلد، وكان من أصحاب الشيخ المذكور الشيخ سعد الدين الحموي، والشيخ علي لالا، وابن أخيه علي بن محمد مع جماعة من العارفين، فقال لهم الشيخ: قوموا وارتحلوا إلى بلادكم؛ فإنه قد خرجت نار من المشرق تحرق إلى قريب المغرب، وهي فتنة عظيمة ما وقع في هذه الأمة مثلها، فقال له بعضهم: لو دعوت الله أن يرفع هذه الفتنة عن بلاد المسلمين، فقال: هذا قضاء من الله محكم لا يرده، ولا ينفع فيه الدعاء، فقالوا له: معنا دواب تركب معنا، ونخرج الساعة، فقال: إني أقتل ههنا، ولم يأذن الله لي أن أخرج منها، فاستعدوا لخروجكم إلى خراسان، فخرجوا، ولما دخل الكفار البلد .. نادى الشيخ في أصحابه الذين لم يأمرهم بالخروج:
الصلاة جامعة، ثم قال: قوموا على اسم الله تعالى نقاتل في سبيل الله، ودخل البيت، ولبس خرقة شيخه، وشد وسطه، وكانت عليه فرجية، وجعل الحجارة في جانبيها، وأخذ العنزة وخرج، ولما واجه العدو .. أخذ يرميهم بالحجارة حتى فرغ جميع ما معه، ورموه بالنبل حتى قتلوه في سنة ثمان عشرة وست مائة ﵀، ودفن في رباطه، ورثاه المؤيد بن يوسف الصلاحي بقصيدة يقول في أثنائها: [من البسيط]
ما زال يجهد في مرضاة خالقه ... وما أعدّ له الرحمن ما كسبا
من ذا رأى بحر علم في بحار دم ... يجري إذا ما طفت أنواره شببا (٢)
يهوى النجوم الدّراري من يكون لها ... يوما نسيبا تدانيه إذا انتسبا
يا يوم وقعة خورزم التي اتصفت ... فجعتنا وفقدنا الدّين والحسبا
أتح له يا إله الخلق نيل رضى ... لا يدرك الكنه منه حاسب حسبا
٢٨٣٥ - [موسى بن عبد القادر الجيلاني] (٣)
أبو نصر موسى بن الشيخ الكبير القطب محيي الدين عبد القادر الجيلاني.
стр. 2245
روى عن أبيه، وسعيد بن البنّاء، وابن ناصر، وأبي الوقت، وسكن دمشق.
وتوفي سنة ثمان عشرة وست مائة.
٢٨٣٦ - [مدافع المعيني] (١)
مدافع بن أحمد المعيني، ثم الخولاني، الشيخ الكبير، العارف بالله الشهير، الرباني المربي.
أصل بلده الوحيز (٢) -بفتح الواو، وكسر الحاء المهملة، ثم مثناة من تحت، ثم زاي- قرية من أعمال تعز، قبالة القرية المعروفة بذي هزيم.
قال الشيخ علي بن أبي بكر باعلوي: (كان الشيخ مدافع من المشايخ العارفين الجامعين الكاملين في العلم بآداب الشريعة (٣)، وسلوك الطريقة، ومشاهدة الحقيقة، ممن أجمع المشايخ والعلماء على كمال معرفته، وحسن سريرته وطريقته، أخذ يد التصوف من الشيخ الحداد بحق أخذه عن الشيخ عبد القادر الجيلاني.
ثم بعد ذلك لما شاع في اليمن أن الشيخ عبد القادر يريد الحج في السنة القابلة .. سار الشيخ مدافع وجماعة من شيوخ اليمن إلى مكة المشرفة على نية الحج والزيارة والاجتماع بالشيخ عبد القادر، واجتمعت به المشايخ، ولبسوا من يده الخرقة الشريفة، فكان الشيخ مدافع ممن لبس الخرقة من يد الشيخ عبد القادر بغير واسطة) (٤).
وكان له ابنتان، فخطبهما منه أعيان أهل زمانه من أهل الدين والدنيا، فامتنع من تزويجهما، فسأله بعض خواصه عن سبب امتناعه من ذلك فقال: أزواجهما يأتيان من وراء البحر، فقدر الله وصول الشيخين الشريفين علي وعبد الملك ابني محمد بن أحمد بن جديد الحسينيّين من حضرموت إلى الشيخ مدافع؛ لقصد زيارته والتبرك به وأخذ اليد عنه، فزوجهما على ابنتيه، فعلم أن ما أخبر به كان من طريق الكشف.
стр. 2246
وكان له القبول التام، والإجلال والإكرام، عند الخاص والعام، فخاف سلطان اليمن المسعود بن الكامل أن يقع منه ما وقع من مرغم الصوفي، فقبض عليه وعلى صهره الشريف علي بن محمد ابن جديد في شهر رمضان سنة سبع عشرة وست مائة، واعتقلهما في حصن تعز إلى سلخ ربيع الأول من سنة ثمان عشرة وست مائة، ثم أرسلهما إلى عدن، وسيرهما إلى الهند، فعصفت عليهم الريح، فسافروا بهم إلى الدمل (١)، فأقاما بها شهرين [وثلاثة أيام، ثم خرجا عنها لثلاث خلون من رمضان سنة ثمان عشرة وست مائة، فدخلا ظفار ولبثا بها ثمانية عشر يوما] (٢) من السنة المذكورة، فتوفي الشيخ مدافع بظفار-﵀-في تلك السنة فيما أظن، والله أعلم.
٢٨٣٧ - [أبو الدر الكاتب] (٣)
أبو الدر ياقوت بن عبد الله الموصلي الكاتب.
أخذ النحو عن ابن الدهان، وقرأ عليه «ديوان المتنبي» و «مقامات الحريري» وجملة من تواليفه.
وكان كاتبا مشهورا، خطه في نهاية الحسن مع فضل غزير، وعلم كبير، ونباهة تامة، قصده الناس من الأقطار، وسيّر إليه من بغداد النجيب أبو عبد الله الواسطي قصيدة مدحه بها، أولها: [من الخفيف]
أين غزلان عالج والمصلّى ... من ظباء سكنّ نهر المعلاّ (٤)
كتب نسخا كثيرة من «صحاح الجوهري» كل نسخة في مجلد تباع بمائة دينار.
توفي سنة ثمان عشرة وست مائة.
стр. 2247
٢٧٣٨ - [أبو بكر بن يوسف التباعي] (١)
أبو بكر بن يوسف بن موسى بن يوسف بن موسى بن علي التباعي، أخو أحمد وموسى ابني يوسف، وهو عم الفقيه موسى بن أحمد شارح «اللمع»، وجد المقرئ الغيثي.
تفقه المذكور بأخيه موسى، وكان فقيها مقرئا.
وتوفي سنة ثمان عشرة وست مائة.
٢٨٣٩ - [ابن المشطوب] (٢)
أبو العباس [أحمد] بن الأمير سيف الدين أبي الحسن علي بن أحمد بن أبي الهيجاء، المعروف بابن المشطوب، لشطب كان بوجهه، وهو لقب والده.
كان أميرا وافر الحرمة بين الملوك، معدودا بينهم كأحدهم، وكان عالي الهمة، غزير الجود، واسع الكرم، شجاعا أبيّ النفس، تهابه الملوك، وله وقائع مشهورة في الخروج عليهم، وهو من أمراء الدولة الصلاحية.
وجرت له أمور وتنقلات، آخرها أن الملك الأشرف بن العادل قبض عليه في سنة تسع عشرة وست مائة، واعتقله في قلعة حران، وضيق عليه تضييقا شديدا بالحديد الثقيل في رجليه، والخشب في يديه إلى أن توفي في شهر ربيع الأول منها.
ولما سجن .. كتب إليه بعض الأدباء: [من الرجز]
يا أحمد ما زلت عمادا للدين ... يا اشجع من أمسك سيفا بيمين
لا تأس إذ حصلت في سجنهم ... يوسف قد أقام في السجن سنين
وهو مأخوذ من قول البحتري من جملة أبيات: [من الطويل]
أما في رسول الله يوسف أسوة ... لمثلك محبوسا على الظلم والإفك
أقام جميل الصبر في السجن برهة ... فآل به الصبر الجميل إلى الملك (٣)
قال ابن خلكان: (رأيت في بعض رسائل القاضي الفاضل أن الأمير سيف الدين
стр. 2248
المعروف بالمشطوب-يعني: والد صاحب الترجمة-كتب إلى الملك الناصر صلاح الدين يخبره بولادة ولده عماد الدين، وأن عنده امرأة أخرى ذكر أنها حامل، فكتب القاضي الفاضل جوابه: وصل كتاب الأمير دالاّ على الخبر بالولدين: الحالّ على التوفيق، والسائر-كتب الله سلامته-في الطريق، فسررنا بالغرة الطالعة من لثامها، وتوقعنا المسرة بالثمرة في كمامها) (١).
قال: (ورأيت بخط القاضي الفاضل: ورد الخبر بوفاة الأمير سيف الدين المشطوب، أمير الأكراد وكبيرهم، سبحان الحي الذي لا يموت، وتهدم به بنيان قوم، والدهر قاض ما عليه لوم، قال: [وقوله: «وتهدم به بنيان قوم»] هذا الكلام حل فيه بيت «الحماسة»: [من الطويل]
فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنّه بنيان قوم تهدّما (٢)
وهذا البيت من جملة أبيات [لعبدة بن الطبيب] يرثي بها قيس بن عاصم التميمي المنقري الصحابي ﵁ (٣).
٢٨٤٠ - [علي بن أبي بكر البعقوبي] (٤)
علي [بن أبي بكر محمد بن عبد الله] بن إدريس البعقوبي، صاحب الشيخ عبد القادر الجيلاني، كان من المشايخ الأجلاء العارفين.
توفي سنة تسع عشرة وست مائة.
٢٨٤١ - [أبو العباس الإربلي] (٥)
أبو العباس الخضر بن نصر الإربلي الفقيه الشافعي.
стр. 2249
اشتغل ببغداد على إلكيا وابن الشاشي، ولقي جماعة من مشايخها، ثم رجع إلى إربل، وبنى له صاحبها مدرسة القلعة، فدرس بها زمانا، وهو أول من درس بإربل، وأقام بدمشق مدة.
وكان عارفا بالمذهب والفرائض والخلاف، فاضلا ورعا زاهدا صالحا عابدا متقللا من الدنيا.
وله تصانيف حسان في التفسير والفقه وغيرهما، وله كتاب ذكر فيه ستا وعشرين خطبة للنبي ﷺ بأسانيدها.
واشتغل عليه خلق كثير، وانتفعوا به، منهم الإمام أبو عمرو عثمان بن عيسى الهدباني الماراني، شارح «المهذب» المتقدم ذكره في سنة اثنتين وست مائة (١).
وتوفي أبو العباس المذكور ليلة الجمعة من سنة تسع عشرة وست مائة (٢)، فتولى موضعه ابن أخيه نصر بن عقيل، وكان فاضلا، وقد تخرج بعمه المذكور.
سخط عليه المعظّم صاحب إربل، فأخرجه منها، فانتقل إلى الموصل، فكتب إليه أبو الدر الرومي من بغداد-وكان صاحبه-: [من الطويل]
أيا بن عقيل لا تخف سطوة العدى ... وإن أظهرت ما أضمرت من عنادها
وأقصتك يوما عن بلادك فتية ... رأت فيك فضلا لم يكن في بلادها
كذا عادة الغربان تكره أن ترى ... بياض البزاة الشهب بين سوادها
أشار بذلك إلى الجماعة الذين سعوا به حتى غيروا خاطر الملك عليه.
٢٨٤٢ - [يونس الشيباني] (٣)
الشيخ يونس بن يوسف الشيباني، الشهير بالأحوال الباهرة، والكرامات الظاهرة.
стр. 2250
قال الذهبي: (وكان ﵀ صاحب كشف وحال، يحكى عنه كرامات، وفي أصحابه الشطح، وقلة العقل، وكثرة الجهل) (١).
توفي سنة تسع عشرة وست مائة.
٢٨٤٣ - [الشريف أبو الجديد] (٢)
علي بن محمد بن أحمد بن جديد بن علي بن محمد بن جديد بن عبد الله بن أحمد بن عيسى بن محمد بن علي بن جعفر بن محمد بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين، المعروف بالشريف أبي الجديد، من السادة أشراف حضرموت، بيت علم وصلاح ودين وعبادة.
كان المذكور فقيها صالحا، ناسكا مجتهدا ورعا، محدثا حافظا عارفا بالحديث.
أخذ بعدن عن القاضي إبراهيم بن أحمد القريظي «المستصفى» بأخذه له عن مؤلفه، وعزم هو وأخوه عبد الملك من عدن إلى الوحيز-بفتح الواو، وكسر الحاء، ثم مثناة من تحت ساكنة، ثم زاي-قرية من أعمال تعز، قبالة القرية المعروفة بذي هزيم؛ لزيارة الشيخ الصالح مدافع بن أحمد، فأقاما عنده أياما، وزوجهما بابنتيه، ثم سكنا بذي هزيم، وأقام أبو الجديد في اليمن مدة طويلة، وانتفع به الناس، وقصده الطلبة من أنحاء اليمن للأخذ منه، فممن أخذ عنه الفقيه محمد بن مسعود السفالي، وأبو بكر بن ناصر الحميري، وأحمد بن محمد الجنيد، ومحمد بن إبراهيم الفشلي، والفقيه عمرو بن علي التباعي وغيرهم.
ولما قبض المسعود بن الكامل الشيخ مدافع بن أحمد في رمضان سنة سبع عشرة وست مائة .. قبض معه صهره أبا الجديد المذكور، واعتقلهما في حصن تعز إلى سلخ ربيع الأول من سنة ثمان عشرة، ثم أنزلهما إلى عدن، وسيرهما إلى الهند، فعصفت الريح بالمركب، فدخل بهم ظفار، وعزم أهل ظفار على الشيخ مدافع بالإقامة عندهم فقال: لا أكون عبدا
стр. 2251
فرّارا، فلما طاب الريح .. سافروا بهم إلى بلد الدينور (١)، فأقاما بها شهرين وثلاثة أيام، ثم خرجا منها إلى ظفار في رمضان من السنة المذكورة، فتوفي الشيخ مدافع بظفار، ورجع الشريف أبو الجديد إلى اليمن، فلم تطب له الجبال، فنزل تهامة، ثم تقدم إلى المهجم، فأقام بقرية المرجف من أعمال سردد مدة يسيرة يدرّس فيها، ثم سار إلى مكة المشرفة، وتوفي بها في سنة عشرين وست مائة.
٢٨٤٤ - [عبد الله ابن جديد] (٢)
عبد الله بن محمد بن أحمد بن جديد، وتقدم بقية نسبه الشريف في ترجمة أخيه علي المذكور قبله، كان عالما صالحا.
توفي بتريم، ولم أقف على تاريخ وفاته، غير أنها كانت قبل وفاة أخيه علي مقدم الذكر، وأظنه مات في هذه العشرين، أو التي قبلها (٣).
قال الشريف علي بن أبي بكر باعلوي: (كان عبد الله المذكور من الأئمة العاملين، والأوتاد الكاملين) (٤).
ولما توفي المذكور .. كتب الإمام محمد بن أحمد ابن أبي الحب الحضرمي رسالة إلى أخيه الإمام علي بن محمد ابن جديد على لسانه وعلى لسان السلطان عبد الله بن راشد يعزيانه بأخيه، ويحثه في الرجوع إلى حضرموت، وهي رسالة بليغة، أحببت ذكرها هنا؛ لأنها من عالم صالح إلى عالم صالح في عالم صالح ﵃ أجمعين وهي:
سلام على حضرة سيدنا الفقيه الأجل ورحمة الله وبركاته من أخ له مقيم على عهده، مستقيم على وده، لا يألو جهدا في المناصحة، ولا يفصم عروة المصالحة، يقيم كتابه [منه] مقام المصافحة، وخطابه [له] مقام المناوحة، يلاحظ بعين أفكاره على بعد داره، ويخاطبه بلسان تذكاره على شط مزاره (٥)، فهو كالمشاهد بين عينيه، وإن كان غائبا عن
стр. 2252
عينيه، ويرجو بذلك نفع إخوته، ورجاء بركته، وشمول دعوته، والانتظام في سلك أهل مودته، في يوم: ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ جعلها الله تعالى اخوة صالحة لمرضاته، ومودة جامعة لطاعاته، نحمد إن شاء الله عاقبتها، ونجتني ثمرتها، ونحضر في حضرة القدس إن شاء الله تعالى.
وبعد:
أيها العلم الذي يهتدى بأنواره، والعالم الذي يقتدى بآثاره، والطّبّ الذي يستضاء بآرائه (١)، والطبيب الذي يستشفى بدوائه؛ فقد علمت ما كتب الله تعالى على العباد من الفناء، وأنه لا سبيل لمخلوق إلى البقاء، وإنما البقاء لخالق الأشياء، ومدبر القضاء، فأحسن الله عزاءك على فراق الشيخ الأجل عبد الله بن محمد، وجبر مصابك، وعظّم أجرك وثوابك، وإني لمعزيك به، وإنا المعزّون على فقده، والمصابون بوجده، فلقد ساءنا بعده، وأوحشنا فقده، وعظم علينا وجده، وأفل عنا سعده، وإن فجيعتنا به أعظم من فجيعتك، ولوعتنا به أشد من لوعتك، وروعتنا لفراقه أطم من روعتك، وكيف لا يكون ذلك وهو أليفنا في مكاننا، وشريفنا في زماننا، وهو أحد عبّادنا وأوتادنا (٢)؟ ! ولقد كان نعم العون عند نزول النوائب، والمذخر لمخشي العواقب: [من الطويل]
وبالكره منا فقده وفراقه ... ولكنّ خطب الدهر بالناس يوقع
وكنّا ذخرناه لكلّ ملمة ... وسهم الرزايا بالذخائر مولع
فليعتقد سيدنا الفقيه الأجل أن مصابنا به مثل مصابه، ونرجو أن ثوابنا على فراقه مثل ثوابه، ونسأل الله الكريم البر الرحيم أن يرحمه رحمة واسعة، ويغفر له مغفرة جامعة، ويوسع عليه في ضريحه، ويفتح أبواب الجنة لروحه، وأن يخلفه في [أهل] بيته وأهل مودته بما خلف به عباده الصالحين، وأن يرفع درجته في عليين.
وبعد:
فإنه لم يكن أحوج منا إلى لقاء الحضرة العزيزة ومشافهتها، والتمتع بالأنس بطلعتها، وقد علم الله سبحانه بما في النفوس إليه من الاشتياق، وما تضمنت الأحشاء من الإقلاق، وإنا لنستدعي أوبته في كل زمان، ونتمنى عوده في كل أوان، وإن كل مسألتنا إلى
стр. 2253
الرحمن، وجلّ اقتراحنا على الزمان: أن تحلّ عنا عقال الشر بإطلاق أوبتك، ويحلّ علينا وفد البشير بإشراق طلعتك، فانهض يا أبا الحسن نهضة لله خالصة تجزل بها مؤنتك، وتعقب بها غيبتك، وتصل بها شكرك ومعونتك، واحتسبها عند الله من جملة حجّاتك، حجة مبرورة، وزيارة مشكورة، ترجو بها نيل صلة أهل معرفتك ما ترجو من الثواب في يوم عرفتك، وتدرك من البر بزيارة هذه الأرحام والحرم ما تدرك من البر بزيارة تلك المشاهد والحرم، وإن وقوفك مع معشرك، أفضل من وقوفك في مشعرك، وكيف لا يكون ذلك وأنت تجبر بها قلوب أرحام منكسرة، وتحيي بها مسرة أيتام متحسرة، وتريش بها جناح أقارب مستحصّة (١)، وتبرد بها أكبادا بالحزن مختصة، وتسيغ بها ما حل بهم من الغصة، وتنتهز بها من صلة الأرحام أكبر فرصة، فما يطفئ عنهم غليل المفقود سوى رؤية وجهك المسعود، فبادر بها لهم ما دام الفرح دائما، والترح نائما، لعلك أن تطفئ لهم غليلا، أو يجدوا إلى السلوّ بها سبيلا، وتكون هذه الزيارة تصل بها مؤاخيك، وتطرد بها يتم بني أخيك، وتجبر بها عظمهم، وتبرئ بها سقمهم، وتكون أباهم وأمهم، هذا مع أنهم-والحمد لله-ببركة مخلّفهم ويمن مستخلفهم ملحوظون بعين رعايتنا، محوطون بعزيز ولايتنا (٢)، ما صرف اليتم عنهم رواقا، ولا ضعضع فقد الأب لهم أعناقا (٣)، فما جرى من اليتم إلا اسمه، ولم يتعلق بهم وسمه ولا رسمه، وناهيك من حسن نظرنا لهم، وملاحظتنا أحوالهم، أنّا نستدعيك لزيارتهم، ونستنهضك لعمارتهم، إذ كان لا يمحو عنهم يتمهم، ويزيل عنهم غمهم، إلا ملاحظة عمهم، وقد دعوناك ومثلك من لبّاهم، وأحيا برؤيته أباهم، وأنت تعرف أن حقهم من آكد الحقوق، وعقوقهم من أعظم العقوق، فالله تعالى يوفق سيدنا الأخذ بضده، ويلهمه الصواب في قصده، ويستعمله بأعمال البر، ويوفقنا وإياه لما فيه الخير.
٢٨٤٥ - [عبد الملك ابن جديد] (٤)
عبد الملك بن محمد بن أحمد بن جديد الحسيني، أخو علي وعبد الله ابني محمد المقدم ذكرهما.
стр. 2254
قال فيه الشيخ علي بن أبي بكر باعلوي: (الشيخ الفاضل، الإمام العامل، الفقيه الكامل، كان من العلماء العاملين، والعباد الزاهدين، أخذ يد التصوف من الشيخ مدافع، كما أخذ الشيخ مدافع من الشيخ عبد القادر الجيلاني) اه (١)
ولم أقف على تاريخ وفاته، فذكرته هنا تبعا لأخويه (٢).
٢٨٤٦ - [الإكنيتي] (٣)
أحمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عليان بن محمد بن يحيى بن محمد الرّبيعي، ثم المليكي، ثم الرّعيني، ثم الحميري، المعروف بالإكنيتي، نسبة إلى إكنيت-بكسر الهمزة، وسكون الكاف، ثم نون مكسورة، ثم ياء آخر الحروف ساكنة، ثم مثناة من فوق- موضع على مرحلة من الجند.
كان المذكور فقيها مشهورا مذكورا، وعليه قرأ الفقيه عبد الله كتاب «البيان» سنة ست عشرة وخمس مائة، وأخذ عنه أيضا «البيان» جماعة غير الفقيه عبد الله، منهم ابنه سبأ بن أحمد، وابن أخيه فضل بن عبد الرزاق بن عبد الله، وأخذ «البيان» عنهما جماعة كثيرون، إلا أن طريقة الفقيه عبد الله طبقت اليمن انتشارا.
قال الجندي: (ولم أتحقق تاريخ وفاته، لكنه لم يعد ست عشرة سنة إلا قليلا، لا يجاوز سنة عشرين وست مائة) (٤).
٢٨٤٧ - [فخر الدين ابن عساكر] (٥)
أبو المنصور عبد الرحمن بن محمد المعروف بفخر الدين ابن عساكر، شيخ الشافعية بالشام في عصره، ابن أخي الحافظ أبي القاسم ابن عساكر، صاحب «تاريخ دمشق».
стр. 2255
كان إمام وقته في علمه ودينه، درّس بالقدس زمانا وبدمشق، وانتفع به خلق كثير، وصاروا أئمة فضلاء.
توفي سنة عشرين وست مائة. مذكور في الأصل.
٢٨٤٨ - [موفق الدين ابن قدامة] (١)
عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة، الشيخ موفق الدين المقدسي الحنبلي، صاحب التصانيف.
حفظ القرآن وتفقه، ثم ارتحل إلى بغداد، فأدرك الشيخ عبد القادر، وسمع منه ومن جماعة، وانتهت إليه معرفة المذهب وأصوله مع التقى والزهد والورع، مستغرق الأوقات في العلم والعمل.
رأى بعض الأئمة الإمام أحمد بن حنبل في النوم فقال: ما قصّر صاحبكم الموفق في «شرح الخرقي».
قال الرائي: وسمعت الشيخ أبا عمرو بن الصلاح المفتي يقول: ما رأيت مثل الشيخ الموفق (٢).
توفي سنة عشرين وست مائة.
٢٨٤٩ - [علي العيدي] (٣)
علي بن يوسف العيدي، نسبة إلى عرب يقال لهم: الأعيود (٤)، منهم بقية بأبين.
كان المذكور فقيها فاضلا، كبير القدر، شهير الذكر، عارفا بالحديث، وكان صالحا، وفي آخر عمره (٥) مال إلى طريقة التصوف.
стр. 2256
وكان الشيخ نعيم العشاري ناظرا على مسجد الرباط، فلما حضرته الوفاة .. أوصى أن يجعل الفقيه علي المذكور ناظرا على المسجد المذكور، فلم يزل ناظرا به إلى أن توفي بلحج، وخلفه في نظر المسجد الفقيه سالم بن محمد بن سالم بن عبد الله الآتي ذكره في العشرين بعد هذه (١).
ولم أقف على تاريخ وفاة الفقيه علي المذكور، إلا أنه كان موجودا في هذه العشرين؛ فإن الشيخ نعيم توفي بعد الست مائة تقريبا كما قاله الجندي (٢).
٢٨٥٠ - [عمر بن أبي بكر الناشري] (٣)
عمر بن أبي بكر بن محمد بن سلامة الناشري، أحد فقهاء القرية الناشرية.
تفقه بالفقيه علي بن مسعود الكثبي، وكان فقيها عارفا مجودا.
ولم أقف على تاريخ وفاته، إلا أن الجندي ذكر أنه رأى تاريخ سماعه لقراءة «المهذب» في مدة آخرها ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة وست مائة (٤)؛ فلذلك ذكرته هنا.
قال: (وكان أخوه أحمد بن أبي بكر فقيها فاضلا، تفقه بالفقيه أبي بكر بن يحيى الجبائي) (٥).
قال: (ولم أقف على تاريخ وفاة واحد منهما) (٦).
٢٨٥١ - [محمد ابن دحمان] (٧)
محمد بن إبراهيم بن دحمان، الفقيه الحنفي المضري، نسبة إلى مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
стр. 2257
كان فقيها صالحا خيّرا ديّنا عارفا بالفقه، وكان الأتابك سنقر إذا هو بزبيد .. لا ينقطع عنه، وبنى له المدرسة المعروفة بالدّحمانية، عرفت بمدرسها المذكور، وخصها بالحنفية كما خص الشافعية بالمدرسة العاصمية، عرفت بمدرسها أيضا عمر بن عاصم، ولم تزل ذرية الفقيه محمد بن إبراهيم بن دحمان يتوارثون تدريس المدرسة الدّحمانية إلى أن انقرضوا، وكانوا أهل فضل ودين، وبهم عرفت المدرسة، ونسبت إليهم لطول إقامتهم بها، وتدريسهم فيها.
وكان عبد الله بن الفقيه محمد بن إبراهيم المذكور من أعيان الفقهاء العلماء الصلحاء، وكذلك أخوه عمر، ولعمر ولد اسمه علي، درس بالمدرسة المذكورة.
قال الخزرجي: (وآخر من درس منهم بها رجل يقال له: محمد بن أحمد، كان فقيها صالحا فهيما، فلما توفي ولم يكن بعده فيهم من يتأهل للتدريس .. درس بها الفقيه أحمد بن عثمان بن بصيبص، فلما توفي .. استمر عوضه أحمد بن محمد [المتيني] (١)، كان معروفا بالذكاء وجودة النظر) (٢).
٢٨٥٢ - [محمد بن إسماعيل الحضرمي] (٣)
محمد بن إسماعيل بن علي بن عبد الله بن إسماعيل بن أحمد بن ميمون الحميري اليزني، نسبة إلى ذي يزن، والد سيف بن ذي يزن الحميري.
تفقه بمحمد بن عبد الرحمن.
وكان فقيها فاضلا صالحا، عالما كاملا عظيم القدر، يقصد للزيارة والتبرك من النواحي النازحة، كان يفتح عليه في بعض الساعات، فينادي بصوت: فتح الباب، فتح الباب، فيأتي الناس إليه، فيجدونه شاخصا، فيدعون الله بما شاءوا، فلا يكون أقرب من الاستجابة.
وكان كثير الرغبة في قضاء الحوائج والسعي لها، وربما مشى فيها اليوم واليومين أو أكثر.
стр. 2258
يروى أن بعض الفقهاء رأى النبي ﷺ يقول له: اقرأ كتاب «المستصفى» على الفقيه أبي الجديد، أو على الفقيه محمد بن إسماعيل الحضرمي (١)، فقرأه على الفقيه محمد بن إسماعيل، ولما أخبره بالمنام .. قال الفقيه: الحمد لله حيث ذكر النبيّ ﷺ هذا الكتاب المصنف باليمن؛ فإن ذلك يدل على فضله، وفضل البلد التي صنف فيها، وحيث ذكر القراءة على من ذكر، وأذن بها.
وكرامات الفقيه محمد أكثر من أن تحصر.
ولم أقف على تاريخ وفاته، إلا أنه كان حيّا في هذه العشرين يقينا، وفي التي بعدها ظنا؛ فإن ولده الفقيه إسماعيل ظهر سنة عشر وست مائة، وذكر أنه قرأ على أبيه (٢)، والله أعلم.
٢٨٥٣ - [الثريبا] (٣)
محمد بن سعيد المعروف بالثّريبا-بضم المثلثة، وفتح الراء، وسكون المثناة تحت، ثم موحدة، ثم ألف-أصله من أبين.
وكان من أتراب الفقيه مبارك الشّحبلي، وكان هذا أكبر من الشّحبلي سنّا.
حمل إليه سنقر الأتابك مالا، وسأله قبوله كيف شاء؛ إما لنفسه، أو يفرقه على من يراه مستحقا له، فلم يقبله الفقيه، بل قال له: الصواب أنك تبني به جامعا أنفع لك من ذلك، فاعتمد الأتابك إشارته، وكانت مباركة، فبنى به جامع خنفر المشهور.
ولم أقف على تاريخ وفاة الفقيه محمد بن سعيد المذكور، ولما توفي .. خلفه ابنه إبراهيم الآتي ذكره في آخر هذه المائة (٤).
стр. 2259
٢٨٥٤ - [أحمد الكلالي] (١)
أحمد بن أسعد الكلالي، نسبة إلى بطن من حمير يقال لهم: الكلول (٢).
وتفقه بعبد الله بن يحيى الصعبي، وعلي بن عبد الله الهرمي.
وعنه أخذ القاضي مسعود بن علي العنسي.
وكان فقيها فاضلا، ماهرا في الورع.
ولم أقف على تاريخ وفاته، وإنما ذكرته في هذه الطبقة تبعا لتلميذه القاضي مسعود بن علي تقريبا (٣)، والله سبحانه أعلم.
٢٨٥٥ - [عبد الرحمن ابن أبي رزام] (٤)
عبد الرحمن من ذرية الفقيه عثمان بن أبي رزام الجندي المذكور في المائة التي قبل هذه (٥)، كذا قال الجندي أنه من ذريته (٦)، فما أدري أنه ولد عثمان، أو حفيده.
ولي المذكور قضاء الجند حين صار القضاء الأكبر إلى القاضي أبي بكر بن أحمد بن محمد بن موسى العمراني، وذلك في أيام المسعود بن الكامل؛ ولذلك ذكرته هنا.
وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
***
стр. 2260
الحوادث
السنة الحادية بعد الست مائة
فيها: تغلبت الفرنج على مملكة القسطنطينية، وأخرجوا الروم عنها بعد حصار طويل وحروب كثيرة (١).
وفيها: توفي المحدث أحمد بن سليمان الحربي المقرئ المفيد، والرجل الصالح عبد الرحيم بن محمد بن أحمد نزيل همذان، وأبو المفضل محمد بن الحسين المقرئ الدمشقي المعروف بابن الخصيب.
***
السنة الثانية
فيها: سلم خوارزم شاه ترمذ إلى الخطا، فكان ذلك عين الخطا، وتشوش الناس لذلك، قيل: وما فعله إلا مكيدة؛ ليتمكن من ممالك خراسان (٢).
وفيها: توفي مدرس الأمينية المعروف بالتقي الأعمى، سرق ماله، فاتّهم به قائده، فاحترق قلبه، فأهلك نفسه، وجد مشنوقا بالمنارة الغربية نسأل الله العافية (٣)، والعلامة أبو عمرو عثمان بن عيسى الهدباني الماراني، والسلطان أبو المظفر محمد بن [سام] شهاب الدين الغوري صاحب غزنة، وأبو العز عبد الباقي بن عثمان الهمذاني الصوفي، وكان ذا علم وصلاح، وأبو يعلى حمزة بن علي بن حمزة البغدادي المقرئ المعروف بابن القبّيطي.
***
стр. 2261
السنة الثالثة
فيها: وقعت حروب بخراسان، افتتح فيها خوارزم شاه بلخ وغيرها، واتسع ملكه (١).
وفيها: نازلت الفرنج حمص، فسار إليهم المبارز وحاربهم (٢).
وفيها-وقيل: في سنة ست مائة-: توفي الحافظ الثقة عبد الرزاق بن الشيخ الكبير عبد القادر الجيلاني، لم ير مثله في وقته في تيقظه وتحريه.
وفيها: توفي داود بن محمد بن محمود الأصبهاني، والحافظ أبو الحسن علي بن فاضل الصوري، والإمام محمد بن معمر القرشي، وأبو الحزم ضياء الدين الموصلي، وأبو الفضل النطروني واسمه: عبد المنعم.
***
السنة الرابعة
فيها: تملك الملك الأوحد أيوب بن العادل مدينة خلاط (٣).
وفيها: توفي أبو العباس أحمد بن محمد الرعيني الإشبيلي، وأبو ذر مصعب بن محمد الجياني النحوي، وابن الساعاتي علي بن محمد الشاعر المفلق، صاحب ديوان الشعر.
***
السنة الخامسة
فيها: توفي الملك سنجر بن غازي، والمحدث العالم محمد بن المبارك البغدادي، وأبو الجود غياث بن فارس اللخمي، مقرئ الديار المصرية.
***
السنة السادسة
فيها: نزلت الكرج-بالراء والجيم-على خلاط، فلما كادوا أن يأخذوها .. زحف ملكها في جيشه، فوصل إلى باب البلد (٤).
стр. 2262
وفيها: توفي الأوحد بن العادل، فبرز إليه عسكر المسلمين، فتقنطر به فرسه (١)، فأحاط به المسلمون فأسروه، وهرب جيشه (٢).
وفيها: سار خوارزم شاه صاحب خراسان في جيوشه وقطع النهر، فالتقى الخطا، وكانت ملحمة عظيمة، انكسر فيها الخطا، وقتل منهم خلق كثير، واستولى خوارزم شاه على ما وراء النهر، وكان كشلوخان-بشين وخاء معجمتين-وعسكره قد أخرجتهم الخطا من أرضهم، وتولوا بلاد الترك، وجرت لهم خطوب مع الخطا (٣)، فلما عرفوا أن خوارزم شاه كسرهم .. قصدوهم، فكاتب ملك الخطا في الحال خوارزم شاه يقول له: أما ما كان منك من أخذ بلادنا وقتل رجالنا .. فمغفور، وقد أتانا عدو لا قبل لنا به، ولو قد انتصروا علينا وأخذونا .. لم يكن لهم دافع عنك، والمصلحة أنك تسير إلينا وتنجدنا، فكاتب خوارزم شاه كشلوخان: أنا معك، وكاتب ملك الخطا كذلك، وسار بجيوشه إلى أن نزل بقرب مكان المصاف، فتوهم كلا الطائفتين أنه معهم وأنه كمين لهم، فالتقوا، فانهزمت الخطا، فمال حينئذ مع كشلوخان، ورأى رأيا سخيفا (٤) وهو: أن يأمر أهل بلاد الترك بالجلاء إلى بخارى وسمرقند، ثم خربها جميعها، وشتت الناس (٥).
وفيها: توفي أبو المعالي التنوخي المغربي ثم الدمشقي، روى عن القاضي الأرموي، وتفقه على الشيخ عبد القادر وغيره.
وفيها: توفي الإمام فخر الدين الرازي محمد بن عمر بن حسين، وأم هاني بنت أحمد بن عبد الله الأصبهانية، والعلامة مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد المعروف بابن الأثير، وأبو المكارم أسعد بن مهذب بن مينا الكاتب الشاعر.
***
стр. 2263
السنة السابعة
فيها: توفي صاحب الموصل أرسلان شاه بن مسعود، ومؤيد الدولة أسامة بن مرشد الكلبي، والحافظ أبو أحمد عبد الوهاب ابن سكينة، والشيخ أبو عمر المقدسي الزاهد محمد بن أحمد المعروف بابن قدامة.
***
السنة الثامنة
فيها: قدم بغداد رسول جلال الدين حسن، صاحب الألموت بدخول قومه في الإسلام، وأنهم قد تبرّءوا من الباطنية، وبنوا المساجد والجوامع، وصاموا رمضان، فسرّ الخليفة بذلك (١).
وفيها: وثب الشريف قتادة الحسني على الركب العراقي بمنى، فنهبهم، وقتل جماعة منهم، قيل: ضاع للناس في ذلك ما قيمته ألف ألف دينار (٢).
وفيها: توفي أبو العباس العاقولي أحمد بن الحسن، والعلامة الغافقي محمد بن أيوب، والإمام عماد الدين محمد بن يونس الشافعي، والقاضي السعيد هبة الله بن القاضي الرشيد جعفر [بن المعتمد] السعدي.
***
السنة التاسعة
فيها: كانت الملحمة العظمى بالأندلس بين الناصر محمد بن يعقوب وبين الفرنج، ونصر الله الإسلام والحمد لله، واستشهد بها عدد كثير، وتعرف بوقعة العقاب (٣).
стр. 2264
وفيها: توفي الحافظ أحمد بن هارون النّفزي الشاطبي، والملك الأوحد أيوب بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، كان ظلوما سفاكا لدماء الأمراء، وأبو نزار ربيعة بن الحسن الحضرمي.
***
السنة العاشرة بعد الست مائة
فيها: توفي تاج الأمناء أبو الفضل أحمد بن محمد بن الحسن بن هبة الله الدمشقي المعروف بابن عساكر والد العز النسابة، وأبو الفضل أحمد بن مسعود التركستاني، شيخ الحنفية بالعراق، ومدرس مشهد الإمام أبي حنيفة، وصاحب المغرب محمد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن القيسي، والسلطان شمس الدين صاحب همذان والري وأصبهان (١)، وأبو موسى عيسى بن عبد العزيز الجزولي صاحب المقدمة المشهورة في النحو، وعين الشمس بنت أحمد بن أبي الفرج الثقفية الأصبهانية، وأبو الفتح ناصر بن أبي المكارم المطرّزي، وأبو الحسن علي بن محمد الحضرمي المعروف بابن خروف.
***
السنة الحادية عشرة
فيها: توفي الحافظ المتقن عبد العزيز بن محمود المعروف بابن الأخضر البغدادي مسند العراق، والحافظ علي بن المفضل اللخمي المقدسي الإسكندراني المالكي، كذا في «تاريخ اليافعي»، وقد قدمه أيضا فيمن توفي في سنة أربع وأربعين وخمس مائة، وأظن أن ذكره في واحد من الموضعين وهم (٢)، والله سبحانه أعلم.
وفيها: توفي أبو الحسن بن أبي بكر الهروي.
***
السنة الثانية عشرة
فيها: سار المسعود بن الكامل من مصر إلى اليمن، فاستولى عليه بغير حروب (٣).
стр. 2265
وفيها: استولى خوارزم شاه على غزنة، وهرب ملكها إلى نهاوند (١)، ثم جمع وحشد، والتقى صاحب غزنة (٢).
وفيها: انهزم الذي غلب على همذان والري وأصبهان (٣)، ثم قتل (٤).
وفيها: توفي الحافظ عبد الله بن سليمان الأندلسي، والحافظ عبد القادر الرّهاوي، والمبارك بن المبارك النحوي الضرير المعروف بالوجيه ابن الدهان، والشيخ الولي الكبير علي بن حميد الصعيدي المعروف بابن الصباغ.
***
السنة الثالثة عشرة
فيها: قيل: وقع بالبصرة برد كالنارنجة الكبيرة (٥)، وبعضها أكبر من ذلك (٦).
وفيها: توفي العلامة أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي، والملك الظاهر غازي صاحب حلب، والإمام معين الدين محمد بن إبراهيم السهيلي الشافعي، والإمام محمد بن الحافظ عبد الغني المقدسي.
***
السنة الرابعة عشرة
فيها: سار خوارزم شاه إلى بغداد ليتملكها، ويحكم على الخليفة العباسي الناصر لدين الله في أربع مائة ألف راكب إلى أن وصل إلى همذان، فاتفق أن نزل بهمذان ثلج عظيم أهلك خيلهم، وركب هو يوما، فعثر به فرسه، فتطيّر، وقلّت الأقوات على جيوشه، ولطف الله بهم فرجعوا من حيث جاءوا، وكان الخليفة قد استعد له، وفرق الأموال
стр. 2266
والسلاح، وراسله في الصلح فلم يلتفت إليه، قال الرسول: دخلت عليه في خيمة عظيمة، أطنابها حرير، وو هو قاعد على تخت، وعليه قباء يساوي خمسة دراهم، وقلنسوة جلد تساوي درهما، وفي الخدمة ملوك العجم وما وراء النهر، فسلمت، وفما ردّ ولا أمرني بالجلوس، فخطبت، وذكرت فضل بني العباس، وأطنبت في وصف الخليفة والترجمان يخبره، فقال: قل له: هذا الذي تصفه ما هو ببغداد، بل أنا أجيء وأقيم خليفة هكذا، ثم ردّنا بلا جواب (١).
وفيها: تحزّبت الفرنج على الملك العادل، ونزلوا على عين جالوت في خمسة عشر ألفا، وقطعوا الشريعة (٢)، وبيتوا اليزك-بالمثناة من تحت، والزاي-يعني: الحرس، وعاثوا في البلاد، وتهيأ أهل دمشق للحصار، واستحث العادل ملوك النواحي على النجدة، فرجعت الفرنج بالغنائم والسبي إلى نحو عكا-هكذا ذكره الذهبي: عكا بالألف (٣) -وكانوا خمسة عشر ألفا (٤).
وفيها: توفي العماد المقدسي إبراهيم بن عبد الواحد، وقاضي القضاة عبد الصمد بن محمد الأنصاري الدمشقي.
***
السنة الخامسة عشرة
فيها: كسر الملك الأشرف موسى بن العادل ملك الروم كيكاوس، ثم أخذ عسكره وعسكر حلب، ودخل بلاد الفرنج؛ ليشغلهم عن دمياط، فأقبل صاحب الروم إلى أعمال حلب، وأخذ بعض نواحيها، فقصده الأشرف، وقدّم بين يديه العرب، فكسروا الروم وهزموهم (٥).
وفيها: التقى الملك المعظم بن العادل بالروم فكسرهم، وقتل منهم خلقا، وأسر مائة
стр. 2267
فارس، ولكنه أدار المكوس والجبايات بدمشق، واعتذر بقلة المال، وخرب بانياس وبعض البلاد مما يلي تلك الجهة، وكانت قفلا للشام، وزعم أنه فعل ذلك؛ خوفا من استيلاء الفرنج، وكذلك خرب قلعة منيعة كان أنشأها على الطور، وعجز عن حفظها؛ لاحتياجه إلى المال والرجال (١).
وفيها: توفي الملك العادل سيف الدين محمد بن الأمير نجم الدين أيوب، أخو السلطان صلاح الدين، والملك القاهر مسعود بن أرسلان شاه بن مسعود الأتابكي صاحب الموصل، والملك الغالب عزّ الدين كيكاوس صاحب الروم، والحافظ أبو العباس أحمد بن أحمد البندنيجي محدث بغداد، والفقيه أبو حامد محمد بن محمد بن محمد العميدي الحنفي السمرقندي، وأبو القاسم عبد الله بن الحسين الدامغاني، وأبو الفتوح محمد بن محمد بن محمد القرشي التيمي البكري الصوفي، وأم المؤيد زينب بنت عبد الرحمن بن الحسن الجرجاني المعروف بالشّعري.
***
السنة السادسة عشرة
في أولها: خرب الملك المعظّم سور بيت المقدس؛ عجزا وخوفا من الفرنج أن تملكه، فتشتّت أهله وتضرروا، وكان هو مع أخيه الكامل في كشف الفرنج عن دمياط، وتمت لهم وللمسلمين حروب وقتال كثير، وجدّت الفرنج في محاصرة دمياط، وعملوا عليهم خندقا كبيرا، وثبت أهل البلد ثباتا لم يسمع بمثله، وكثر فيهم القتل والجراح، ثم عدمت الأقوات، فسلموها بالأمان، وتسارعت الفرنج من كل فج عميق، وشرعوا في تحصينها، وأصبحت دار هجرتهم، وترجّوا بها أخذ ديار مصر، وأشرف الإسلام على الانكسار والإدبار، وأقبل أعداء الله من المشرق والمغرب، وأقبل المصريون على الجلاء، فثبتهم الكامل إلى أن سار أخوه الأشرف (٢) كما سيأتي في سنة ثمان عشرة (٣).
وفيها: توفي أبو البقاء عبد الله بن الحسين العكبري، وأبو محمد عبد الله المعروف بابن
стр. 2268
شاس الجذامي المالكي، وست الشام خاتون بنت أيوب، أخت الملك العادل، توفيت بدمشق، ودفنت في مدرستها الشامية، وأبو الفرج عبد الله بن أسعد المعروف بابن الدهان الموصلي.
***
السنة السابعة عشرة
فيها: حصلت وقعة البرلّس بين الكامل والفرنج في شهر رجب، ونصر الله فيه المسلمين، وقتل من الملاعين عشرة آلاف، وانهزموا إلى دمياط (١).
وفيها: حج بالعراقيين مملوك الخليفة الناصر لدين الله، اشتراه بخمسة آلاف دينار، وكان معه تقليد بمكة لحسن بن قتادة، وكان أبوه قد مات في وسط العام، فجاءه بعرفات راجح بن قتادة وقال: أنا أكبر أولاد قتادة فولّني، فتوهم حسن أنه معزول، فأغلق أبواب مكة، فركب المملوك ليسكّن الفتنة وقال: ما قصدي قتال، فثار به العبيد والأوباش والأشرار، وحملوا، وانهزم أصحابه، فتقدم عبد، فعرقب فرسه (٢)، [فوقع]، فذبحوه وعلقوا رأسه، وأرادوا نهب العراقيين، فقام في ذلك أمير الشاميين المعتمد والي دمشق، ورد معه ركب العراق (٣).
وفيها: أخذت التّتار-بمثناة من فوق مكررة قبل الألف، وبعدها راء-كثيرا من البلدان، منها بخارى وسمرقند، ثم عبروا نهر جيحون، واستولوا على خراسان قتلا وسبيا وتخريبا إلى حدود العراق بعد أن هزموا جيوش خوارزم شاه ومزقوهم، ثم عطفوا على قزوين-وهي أكبر مدن تلك الجهة-فاستباحوها، ثم أذربيجان، وحاصروا تبريز وبها ابن البهلوان، فبذل لهم أموالا وتحفا، فرحلوا عنه، وحاربوا الكرج وهزموهم، ثم ساروا إلى مراغة وأخذوها بالسيف، ثم كروا نحو إربل، فاجتمع لحربهم عسكر العراق والموصل مع صاحب إربل فهابوهم، وعرجوا على همذان وأخذوها بالسيف وأحرقوها، ثم نزلوا على
стр. 2269
بيلقان وأخذوها بالسيف وقتلوا، ثم حاربوا الكرج أيضا، فقتلوا منهم نحو ثلاثين ألفا، ثم سلكوا طرقا وعرة في الجبال إلى أن وصلوا إلى بلاد اللان، وفيها طوائف من الترك وقليل من المسلمين، فالتقوا، فكانت الدائرة على اللان، فقتلوا وتكلكلت أيديهم مما قتلوا من النساء والأطفال فضلا عن الرجال.
وكان خوارزم شاه بطلا مقداما، وعسكره أوباش ليس لهم إقطاع ولا ديوان، بل يعيشون من النهب والغارات، وهم ما بين تركي كافر، ومسلم جاهل، لا يعرفون تعبئة العسكر، ولا أدمنوا إلا على المهاجمة، وما لهم زرديات (١) ولا عدة جيدة للحرب، ثم إنه كان يقتل بعض القبيلة ويستخدم باقيها، ولم يكن فيه شيء من المداراة، لا لجنده ولا لعدوه، وتحرش بالتتار وهم يغضبون على من يرضيهم، فكيف من يغضبهم ويؤذيهم؟ ! فخرجوا وهم بنو أب، وأولو كلمة واحدة، وقلب واحد، ورئيس مطاع، فلم يمكن خوارزم شاه أن يقف بين أيديهم، ولكل أجل كتاب (٢).
وفيها: توفي قاضي القضاة زكي الدين [الطاهر بن] محمد ابن يحيى القرشي الدمشقي، والشيخ المقدام عبد الله بن عثمان اليونيني، وشيخ الشيوخ أبو الحسن محمد بن عمر بن علي الجويني، ومسند خراسان المؤيد بن محمد الطوسي، والسلطان محمد خوارزم شاه بن السلطان علاء الدين.
***
السنة الثامنة عشرة
فيها: سار الملك الأشرف موسى ينجد أخاه الكامل محمدا، وسار معه عسكر الشام، وخرجت الفرنج من دمياط بالفارس والراجل أيام زيادة النيل، فنزلوا على ترعة، فبثق المسلمون عليها [النيل]، فلم يبق لهم وصول إلى دمياط، وجاء الأسطول فأخذوا مراكب الفرنج، وكانوا مائة كند-بالنون والدال المهملة: المركب-وثمان مائة فارس، فيهم صاحب عكا، وخلق من الرجالة، فلما رأوا الغلبة .. بعثوا يطلبون الصلح، ويسلمون
стр. 2270
دمياط إلى الكامل، فأجابهم، ثم جاءه أخواه بالعساكر في رجب، وعمل سماطا عظيما (١)، وأحضر ملوك الفرنج، وأنعم عليهم، ووقف في خدمته أخواه المعظم والأشرف، وكان يوما مشهودا، وقام راجح الحلي، فأنشد قصيدة منها: [من الطويل]
ونادى لسان الكون في الأرض رافعا ... عقيرته في الخافقين ومنشدا
أعبّاد عيسى إن عيسى وحزبه ... وموسى جميعا ينصرون محمدا
أشار إلى الإخوة الثلاثة (٢).
قال الشيخ اليافعي: (وما ألطف هذه الإشارة، وأطرف هذه العبارة، وأحسن سهولة هذا النظم وعذوبته! وأشار بعيسى إلى الملك المعظم، وبموسى إلى الملك الأشرف، وبمحمد إلى الملك الكامل، وحسن مطابقة الحال أن عيسى وموسى المذكورين كانا في خدمة محمد، ومتابعة طاعته وتبجيله واحترامه، كذلك موسى وعيسى صلوات الله وسلامه عليهما وعلى نبينا لم يزالا في تبجيل محمد ﷺ ، ولو كانا حيين ما وسعهما إلا متابعته كما ورد في الحديث، وجاء في هذه المطابقة أعظم تبكيت للفرنج الحاضرين، بل لليهود والنصارى أجمعين) (٣).
وفيها: توفي الشيخ نجم الدين الكبرى، وأبو نصر موسى بن الشيخ عبد القادر الجيلاني، وأبو الدر ياقوت بن عبد الله الموصلي الكاتب.
***
السنة التاسعة عشرة
فيها: توفي الأمير أبو العباس أحمد بن الأمير سيف الدين علي بن أحمد بن أبي الهيجاء المعروف بابن المشطوب، والشيخ علي ابن إدريس البعقوبي، والخضر بن نصر الإربلي، والشيخ الصالح يونس بن يوسف الشيباني.
***
стр. 2271
السنة الموفية عشرين بعد الست مائة
فيها: اختطّ السلطان أحمد بن محمد الحبوضي مدينة ظفار، وأمر أهل مرباط بالانتقال عنها إلى ظفار، وكان ملكا جوادا، شجاعا شهما، حسن السيرة (١).
يحكى أن أهل مملكته ووجوه دولته خامروا عليه في بعض السنين، فاعتقلوه ونصبوا ابن أخيه مكانه، فلم تكن سيرته مرضية، فكتب أحمد المذكور إلى الوزير ووجوه الدولة كتابا أودعه هذه الأبيات: [من الكامل]
حاشاكم أن تقطعوا صلة الذي ... أو تصرفوا علم المعارف أحمدا
هو مبتدا نجباء أبنا جنسه ... والله يأبى رفع غير المبتدا
أغريتم الزمن المعاند باسمه ... وحذفتموه كأنه ياء الندا
وجعلتموه الحال بعد كلامكم ... ومحلّه استفهام لفظ أوردا
فأطلقوه، وعزلوا ابن أخيه، وولوه عليهم، فلم يحدث إليهم ولا إلى ابن أخيه شيئا يكرهونه، وهو أول من ملك ظفار من الحبوضيين، وقيل: إن أول من ملكها أبوه، ولم يزل الملك في أهله وعقبه إلى سنة ثمان وسبعين وست مائة، فحدث بين المظفر وسالم بن إدريس الحبوضي ما سيأتي بيانه في محله إن شاء الله تعالى (٢).
وفيها: توفي الفخر ابن عساكر، واسمه: عبد الرحمن بن محمد، وسلطان المغرب المستنصر بالله أبو يعقوب يوسف بن محمد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي القيسي، ولي الأمر عشر سنين بعد أبيه، ومات شابّا ولم يعقب، والشيخ موفق الدين عبد الله [بن أحمد] بن محمد بن قدامة المقدسي.
والله سبحانه أعلم
***
стр. 2272
العشرون الثانية من المائة السابعة
[الاعلام]
٢٨٥٦ - [محمد البجلي] (١)
محمد بن حسين البجلي.
كان فقيها كبير القدر، شهير الذكر، صاحب عبادات وزهادات، وكرامات وإفادات، ومع جودة علمه وعمله كان إماما في الحقيقة، وله فيها مختصر يعرف ب «اللباب».
وله شعر حسن، ومنه: [من الطويل]
ولو أن ما أسعى لنفسي وجدتني ... كثير التواني في الذي أنا طالبه
ولكنني أسعى لأنفع صاحبي ... وشبع الفتى عار إذا جاع صاحبه (٢)
ومنه: [من البسيط]
ألفت من نائبات الدهر أكبرها ... فما أعود على شيء من الصغر
تزيدني قسوة الأيام طيب ثنا ... كأنني المسك بين الفهر والحجر (٣)
وكان كثير الاختلاط بالفقيه سفيان الأبيني، وطريقتهما واحدة، لكن تأخر موت الفقيه سفيان عن موت الفقيه محمد بن حسين.
وكان الفقيه محمد ذا مكارم أخلاق، وشرف نفس، وعلو همة، ولما قدم عليه الشيخ الصالح محمد بن أبي بكر الحكمي مقدم الذكر .. حصل بينهما من الألفة والود ما قد ذكرناه في ترجمة الحكمي (٤).
وللأديب ابن حمير فيهما معا، وفي كل واحد منهما غرر القصائد.
стр. 2273
وتوفي الفقيه بقرية عواجة في شهور سنة إحدى وعشرين وست مائة، ورثاه الأديب ابن حمير بعدة قصائد، منها قوله: [من الكامل]
لله آية سؤدد وجلال ... حملوه من فوق السرير العالي
ماذا تداولت الرقاب عشية ... من بدر أندية وبحر نوال
كنت الجمال لكل دهر عاطل ... فاليوم عطل كل دهر خالي
من للعظائم إن فقدت يزيلها ... عن حالها ويفك كل عقال
من صاحب الوجه الوسيم وصاحب ال ... جاه الجسيم وكعبة النزال
يا بن الحسين لكم أجبت قبيلها ... صوتي وكم أصغيت عند مقالي
كانت بك الأوقات وهي منيرة ... فاليوم أيام الغوير ليالي
فقدت سهام سهولها وجبالها ... بك ذروتي جبل من الأجبال
كان اللهيف إلى ظلالك يلتجي ... فاليوم قد أضحى بغير ظلال
قد كنت برا للجميع ووالدا ... للشيب والشبان والأطفال
فاليوم ضاع السرب بعد رعاية ... سلفت وبتّ الحبل بعد وصال
لا الأثل من شطي سهام بمعشب ... والماء حتى الماء غير زلال
والأرض غير الأرض والدنيا سوى ... ما كنت أعهد في الزمان الخالي
كنت الهلال لغورها ولنجدها ... فاليوم مغربها بغير هلال
طود تصدع من بجيلة بعد ما ... قد شاد أي معالم ومعالي
إن يحملوك إلى الضريح لطالما ... قد كنت عنهم حامل الأثقال
أو يدفنوك فلا هوان إنما ... للترب مسرى العارض الهطال
أصل تركّب منه آدم وانثنى ... فيه عقيب الشد والتّرحال
بعد الثريا صرت في حفر الثرى ... والدهر يرخص كل شيء غالي
لو كان مثلك ما بكينا إنما ... يبكى على الماضي بغير مثال
والعيش آخره الفناء وإنما ... نأسى لأهل الفضل والإفضال
ونريد من ريب الزمان سلامة ... أسلامة ترجى بغير زوال
هي عادة الأيام إن هي ألبست ... سلبت فضالة ذلك السربال
والعمر نوم والمنيّة يقظة ... والمرء بينهما طروق خيال
بالله يا قبر الفقيه محمد ... هل أنت عن علم تردّ سؤالي
стр. 2274
بالله يا قبر الفقيه محمد ... ماذا صنعت بوجهه المتلالي
لو أن تربك بالترائب يشترى ... وازنته المثقال بالمثقال
لو كان لي أمر دفنتك في الحشى ... وجعلت صفّ اللّبن من أوصالي
ما الرّزء في فرس يموت وإنما ... رجل بميتته ممات رجال
وا وحشتاه على البلاد تعطلت ... وخلت على كثر من الحلاّل
ما لليالي في تهامة كلها ... طالت وكانت قبل غير طوال
عفت الديار فلا ديار وغاب من ... قد كان مالا للقليل المال
فهو الذي قد كان من أخلاقه ... بذل الندى وهداية الضلال
لهفي عليك ولهف عكّ كلّها ... من أقدمين وأوسطين وتال
لهف الصحائف والصحاف ولهف من ... طلب المآل ولات حين مآل
أبني الحسين عزاكم بمحمد ... قول المسلّم لا الجليد القالي
مات النبي وفيه أعظم أسوة ... وصحابه بين الصفي والآل
إن يقبض البدل المقدس منكم ... فلأنتم لله من أبدال
أو ينهدم جبل فمن أبنائه ... وبني أبيه أيما أجبال
والسر فيكم لا يزول ولم تزل ... تلقى سجايا الليث في الأشبال
خمسون من آل الحسين يقومهم ... فرد عن النكبات ليس يبالي
مستعصم بالله بل مستنصر ... بالله صبّار على الأهوال
يبقى عليّ لكم ويبقى صنوه ... وأبو عتيق الساحب الأذيال
فالله يرحم من مضى ويمدكم ... بالعمر ما هبت رياح شمال
٢٨٥٧ - [السلطان عبد الواحد بن يوسف] (١)
عبد الواحد بن يوسف بن عبد المؤمن، سلطان المغرب.
ولي الأمر في سنة عشرين وست مائة، فلم يدار أمر الموحدين، فخلعوه وخنقوه في سنة إحدى وعشرين وست مائة، فمدة ولايته تسعة أشهر.
стр. 2275
وفي أيامه استولى على مملكة الأندلس ابن أخيه عبد الله بن يعقوب الملقب بالعادل، والتقى الفرنج، فهرب جيشه، فقصدوا مراكش بأسوأ حال، فقبضوا عليه، وتملك الأندلس أخوه إدريس مديدة، وخرج عليه محمد بن يوسف بن هود الجذامي، ودعا إلى بني العباس، فمال الناس إليه، فهرب إدريس بعسكره إلى مراكش، فالتقى صاحبها يومئذ يحيى بن محمد بن يعقوب بن يوسف، فهزم يحيى.
٢٨٥٨ - [أبو الحسن الفريثي] (١)
الشيخ أبو الحسن علي الفريثي-بالفاء والراء، والمثناة من تحت، ثم مثلثة (٢) -صاحب الأسرار والمعارف، والأحوال والأنوار.
كان صاحب حال وكشف، وعبادة وصدق.
توفي سنة إحدى وعشرين وست مائة.
٢٨٥٩ - [موسى التباعي] (٣)
موسى بن أحمد بن يوسف، شارح «اللمع» بشرحه المشهور.
قال الجندي في وصفه: (أجمع الفقهاء أنه لم يكن لأهل اليمن في الشروح ما هو أكثر بركة منه، وأظهر نفعا، وأزول إشكالا في أصول الفقه منه، وهو الذي أشار إليه ابن الخطاب (٤) في قوله من أبيات امتدحه بها: [من الطويل]
ويكفيه فضلا ما أبان بشرحه ... على لمع الشيخ الإمام أخي المجد) (٥)
تفقه بأهل بيته، ثم بالقاضي مسعود مقدم الذكر (٦).
стр. 2276
وكان إماما عالما في الفقه وأصوله، وقضيته مع علماء الزيدية الذين خرجوا إلى اليمن لمناظرة من فيها من الأئمة، ودمغه لهم، وبيان فضيحتهم، وتخجيلهم، واعترافهم بقيام الحجة عليهم .. مشهورة؛ فلا نطيل بها (١).
ولم يزل على الحال المرضي حتى توفي سنة إحدى وعشرين وست مائة بقريته من أعمال حصن وصاب (٢)، رحمه الله تعالى ونفع به.
٢٨٦٠ - [محمد النهيكي] (٣)
محمد بن أبي بكر ابن عبد الوهاب النهيكي.
كان يسكن كونعة، القرية التي كان يسكنها الفقيه موسى بن أحمد التباعي شارح «اللمع».
كان محمد المذكور فقيها فاضلا، سخي النفس، يقرئ الطلبة ويقوم بكفايتهم وكفاية الذين يقرءون على الفقيه موسى بن أحمد.
ولم أقف على تاريخ وفاته، فذكرته مع الفقيه موسى.
٢٨٦١ - [ابن زرقون] (٤)
أبو الحسين محمد بن محمد بن سعيد الأنصاري الإشبيلي، شيخ المالكية.
كان من كبار المتعصبين للمذهب، فأوذي من جهة بني عبد المؤمن لما أبطلوا القياس، وألزموا الناس الأخذ بالأثر والظاهر.
وصنف المذكور كتاب «المعلى في الرد على المحلى» لابن حزم.
وتوفي سنة إحدى وعشرين وست مائة.
وفيها: توفي أبو جعفر ابن المكرم، وأبو البركات ابن الجبّاب، وأبو طالب ابن عبد السميع، وأحمد ابن صرما.
стр. 2277
٢٨٦٢ - [أبو الدر مهذب الدين] (١)
أبو الدر ياقوت بن عبد الله الرومي مهذب الدين، الشاعر المشهور.
اشتغل بالعلم، وأكثر من الأدب، وأجاد في النظم، وله ديوان صغير، ومن شعره: [من البسيط]
إن غاض دمعك والأحباب قد بانوا ... فكلّ ما تدّعي زور وبهتان
وكيف تأنس أو تنسى خيالهم ... وقد خلا منهم ربع وأوطان
لا أوحش الله من قوم نأوا فنأى ... عن النواظر أقمار وأغصان
ولما تميز ومهر .. سمى نفسه عبد الرحمن.
مات سنة اثنتين وعشرين وست مائة، وفي بعض التواريخ أنه وجد ميتا في منزله ببغداد (٢).
٢٨٦٣ - [أبو العباس الناصر لدين الله] (٣)
أبو العباس أحمد الخليفة الناصر لدين الله بن المستضيء بأمر الله العباسي.
تولى الخلافة سنة خمس وسبعين وخمس مائة وهو ابن ثلاث وعشرين سنة.
وكان فيه شهامة وإقدام، وعقل ودهاء، مستقلا بالأمور بالعراق، متمكنا من الخلافة، يتولى الأمور بنفسه، حتى كان يشق الدروب والأسواق أكثر الليل، والناس يتهيبون لقاءه.
وما زال في عز وجلالة، واستظهار وسعادة إلى أن توفي في رمضان سنة اثنتين وعشرين وست مائة.
وهو أطول بني العباس خلافة، كما أن الناصر لدين الله الأموي صاحب الأندلس أطول
стр. 2278
بني أمية دولة، وكما أن المستنصر بالله العبيدي أطول العبيديين دولة، وكما أن السلطان سنجر بن ملك شاه أطول بني سلجوق دولة.
٢٨٦٤ - [أبو الفضل ابن يونس] (١)
أبو الفضل أحمد بن موسى بن يونس الموصلي الشافعي، شارح «التنبيه».
توفي سنة اثنتين وعشرين وست مائة.
نقل اليافعي عن ابن خلكان أنه قال: (كان كثير المحفوظات، غزير المادة، حسن السمت، جميل المنظر، شرح كتاب «التنبيه» في الفقه، واختصر «إحياء علوم الدين» للإمام الغزالي مختصرين: كبيرا وصغيرا.
قال: وكان يلقي في جملة دروسه من كتاب «الإحياء» درسا حفظا، ونسج على منوال والده في التفنن في العلوم، تخرج عليه جماعة كثيرة.
قال: وتولى التدريس بمدرسة الملك المعظم صاحب إربل بعد والدي (٢)، وكان وصوله إلى هناك من الموصل في أوائل شوال سنة عشر وست مائة، وكانت وفاة الوالد ليلة الاثنين الثاني والعشرين من شهر شعبان في السنة المذكورة.
قال: وكنت أحضر درسه وأنا صغير، وما سمعت أحدا يلقي الدرس مثله، ولم يزل على ذلك إلى أن حج، ثم عاد وأقام قليلا، ثم انتقل إلى الموصل في سنة سبع عشرة وست مائة، وفوضت إليه المدرسة القاهرية، فأقام بها ملازم الاشتغال والإفادة، وقد كان من محاسن الوجود، وما أذكره إلا وتصغر الدنيا في عيني، وكان مبدأ شروعه في «شرح التنبيه» بإربل، واستعار منا نسخة «التنبيه» عليها حواش مفيدة بخط بعض الأفاضل، ورأيته بعد ذلك وقد نقل الحواشي كلها في «شرحه»، وكان اشتغاله على أبيه بالموصل، ولم يتغرب لأجل الاشتغال، وكان الفقهاء يتعجبون منه: كيف اشتغل في وطنه وبين أهله وفي عزه واشتغاله بالدنيا وخرج منه ما خرج؟ !
стр. 2279
قال: وهو من بيت العلم-وأطنب المدح في أبيه وعمه وجده-قال: ولو شرعت في وصف محاسنه .. لأطلت، وفي هذا [القدر] كفاية.
وقال غيره: عاش أبوه بعده سبع عشرة سنة) اه (١)
قال الشيخ اليافعي: (أما إطنابه في محاسنه .. فالمحاسن لها وجوه متعددة، فأثنى عليه بما شاهده منها فيه، وأما مدحه لكتابه «شرح التنبيه» .. فغير جدير بمدحه المذكور، فهو خال من التفصيل والتفريع والفوائد الموجودة في غيره، كشرح الإمام الفقيه ابن الرفعة الذي هو جدير بالمدح الكامل؛ لما تضمنه من الفوائد العقائل، وأما مدحه لإلقاء الدرس وأنه ما سمع مثله في الإلقاء المذكور .. فهو محتمل، ويكون ذلك بحسن سياقه، وتصرفه في المباحث وظرافته، ومزجه بالاستعارات المستحسنة والنوادر المستطرفة، وغير ذلك مما يطرب السامع، والمدح بذلك من مثل ابن خلكان ثناء عظيم، لصاحبه رافع) اه (٢)
٢٨٦٥ - [الملك الأفضل بن صلاح الدين] (٣)
الملك الأفضل علي بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب الأيوبي.
لما مات أبوه .. تسلطن بدمشق، وتملك أخوه العزيز الديار المصرية، وأخوهما الظاهر حلب، وجرت للأفضل مع أخيه العزيز وقائع، آخر الأمر أن العزيز وعمه العادل حاصرا دمشق، وأخذاها من الأفضل، وأعطياه صرخد، ثم إن العادل استولى على مصر بعد موت العزيز، ودفع للأفضل عدة بلاد بالمشرق، ولم يحصل له إلا سميساط، فأقام بها إلى أن توفي سنة اثنتين وعشرين وست مائة.
وكان في الأفضل فضيلة ونباهة، يحب العلماء ويعظم حرمتهم، وفيه عدل وحلم وكرم.
سمع من جماعة، وله شعر وترسل وجودة كتابة، ومن شعره ما كتبه إلى الإمام الناصر
стр. 2280
يشكو عمه العادل وأخاه العزيز لما أخذا منه دمشق: [من البسيط]
مولاي إن أبا بكر وصاحبه ... عثمان قد غصبا بالسيف حق علي (١)
وهو الذي كان قد ولاه والده ... عليهما فاستقام الأمر حين ولي
فخالفاه وحلاّ عقد بيعته ... والأمر بينهما والنص فيه جلي
فانظر إلى حظ هذا الاسم كيف لقي ... من الأواخر ما لاقى من الأول
فأجابه الإمام الناصر بجواب أوله: [من الكامل]
وافى كتابك يا بن يوسف معلنا ... بالود يخبر أن أصلك طاهر
غصبوا عليّا حقه إذ لم يكن ... بعد النبيّ له بيثرب ناصر
فابشر فإن غدا عليه حسابهم ... واصبر فناصرك الإمام الناصر (٢)
توفي الملك الأفضل في سنة اثنتين وعشرين وست مائة.
٢٨٦٦ - [الفخر الفارسي] (٣)
أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الفيروزاباذي الشافعي الصوفي، المعروف بالفخر الفارسي، صاحب العلوم الربانية الغامضة المستغربة في التصوف والوصل والمحبة.
قال الشيخ اليافعي: (وأما قول الذهبي: إن في تصانيفه أشياء في التصوف والوصل والمحبة منكرة .. فكلام من ليس له بعلوم القوم مخبرة) (٤).
سمع المذكور من الحافظ السلفي.