وكان إماما عالما في الفقه وأصوله، وقضيته مع علماء الزيدية الذين خرجوا إلى اليمن لمناظرة من فيها من الأئمة، ودمغه لهم، وبيان فضيحتهم، وتخجيلهم، واعترافهم بقيام الحجة عليهم .. مشهورة؛ فلا نطيل بها (١).
ولم يزل على الحال المرضي حتى توفي سنة إحدى وعشرين وست مائة بقريته من أعمال حصن وصاب (٢)، رحمه الله تعالى ونفع به.
٢٨٦٠ - [محمد النهيكي] (٣)
محمد بن أبي بكر ابن عبد الوهاب النهيكي.
كان يسكن كونعة، القرية التي كان يسكنها الفقيه موسى بن أحمد التباعي شارح «اللمع».
كان محمد المذكور فقيها فاضلا، سخي النفس، يقرئ الطلبة ويقوم بكفايتهم وكفاية الذين يقرءون على الفقيه موسى بن أحمد.
ولم أقف على تاريخ وفاته، فذكرته مع الفقيه موسى.
٢٨٦١ - [ابن زرقون] (٤)
أبو الحسين محمد بن محمد بن سعيد الأنصاري الإشبيلي، شيخ المالكية.
كان من كبار المتعصبين للمذهب، فأوذي من جهة بني عبد المؤمن لما أبطلوا القياس، وألزموا الناس الأخذ بالأثر والظاهر.
وصنف المذكور كتاب «المعلى في الرد على المحلى» لابن حزم.
وتوفي سنة إحدى وعشرين وست مائة.
وفيها: توفي أبو جعفر ابن المكرم، وأبو البركات ابن الجبّاب، وأبو طالب ابن عبد السميع، وأحمد ابن صرما.
стр. 2277
٢٨٦٢ - [أبو الدر مهذب الدين] (١)
أبو الدر ياقوت بن عبد الله الرومي مهذب الدين، الشاعر المشهور.
اشتغل بالعلم، وأكثر من الأدب، وأجاد في النظم، وله ديوان صغير، ومن شعره: [من البسيط]
إن غاض دمعك والأحباب قد بانوا ... فكلّ ما تدّعي زور وبهتان
وكيف تأنس أو تنسى خيالهم ... وقد خلا منهم ربع وأوطان
لا أوحش الله من قوم نأوا فنأى ... عن النواظر أقمار وأغصان
ولما تميز ومهر .. سمى نفسه عبد الرحمن.
مات سنة اثنتين وعشرين وست مائة، وفي بعض التواريخ أنه وجد ميتا في منزله ببغداد (٢).
٢٨٦٣ - [أبو العباس الناصر لدين الله] (٣)
أبو العباس أحمد الخليفة الناصر لدين الله بن المستضيء بأمر الله العباسي.
تولى الخلافة سنة خمس وسبعين وخمس مائة وهو ابن ثلاث وعشرين سنة.
وكان فيه شهامة وإقدام، وعقل ودهاء، مستقلا بالأمور بالعراق، متمكنا من الخلافة، يتولى الأمور بنفسه، حتى كان يشق الدروب والأسواق أكثر الليل، والناس يتهيبون لقاءه.
وما زال في عز وجلالة، واستظهار وسعادة إلى أن توفي في رمضان سنة اثنتين وعشرين وست مائة.
وهو أطول بني العباس خلافة، كما أن الناصر لدين الله الأموي صاحب الأندلس أطول
стр. 2278
بني أمية دولة، وكما أن المستنصر بالله العبيدي أطول العبيديين دولة، وكما أن السلطان سنجر بن ملك شاه أطول بني سلجوق دولة.
٢٨٦٤ - [أبو الفضل ابن يونس] (١)
أبو الفضل أحمد بن موسى بن يونس الموصلي الشافعي، شارح «التنبيه».
توفي سنة اثنتين وعشرين وست مائة.
نقل اليافعي عن ابن خلكان أنه قال: (كان كثير المحفوظات، غزير المادة، حسن السمت، جميل المنظر، شرح كتاب «التنبيه» في الفقه، واختصر «إحياء علوم الدين» للإمام الغزالي مختصرين: كبيرا وصغيرا.
قال: وكان يلقي في جملة دروسه من كتاب «الإحياء» درسا حفظا، ونسج على منوال والده في التفنن في العلوم، تخرج عليه جماعة كثيرة.
قال: وتولى التدريس بمدرسة الملك المعظم صاحب إربل بعد والدي (٢)، وكان وصوله إلى هناك من الموصل في أوائل شوال سنة عشر وست مائة، وكانت وفاة الوالد ليلة الاثنين الثاني والعشرين من شهر شعبان في السنة المذكورة.
قال: وكنت أحضر درسه وأنا صغير، وما سمعت أحدا يلقي الدرس مثله، ولم يزل على ذلك إلى أن حج، ثم عاد وأقام قليلا، ثم انتقل إلى الموصل في سنة سبع عشرة وست مائة، وفوضت إليه المدرسة القاهرية، فأقام بها ملازم الاشتغال والإفادة، وقد كان من محاسن الوجود، وما أذكره إلا وتصغر الدنيا في عيني، وكان مبدأ شروعه في «شرح التنبيه» بإربل، واستعار منا نسخة «التنبيه» عليها حواش مفيدة بخط بعض الأفاضل، ورأيته بعد ذلك وقد نقل الحواشي كلها في «شرحه»، وكان اشتغاله على أبيه بالموصل، ولم يتغرب لأجل الاشتغال، وكان الفقهاء يتعجبون منه: كيف اشتغل في وطنه وبين أهله وفي عزه واشتغاله بالدنيا وخرج منه ما خرج؟ !
стр. 2279
قال: وهو من بيت العلم-وأطنب المدح في أبيه وعمه وجده-قال: ولو شرعت في وصف محاسنه .. لأطلت، وفي هذا [القدر] كفاية.
وقال غيره: عاش أبوه بعده سبع عشرة سنة) اه (١)
قال الشيخ اليافعي: (أما إطنابه في محاسنه .. فالمحاسن لها وجوه متعددة، فأثنى عليه بما شاهده منها فيه، وأما مدحه لكتابه «شرح التنبيه» .. فغير جدير بمدحه المذكور، فهو خال من التفصيل والتفريع والفوائد الموجودة في غيره، كشرح الإمام الفقيه ابن الرفعة الذي هو جدير بالمدح الكامل؛ لما تضمنه من الفوائد العقائل، وأما مدحه لإلقاء الدرس وأنه ما سمع مثله في الإلقاء المذكور .. فهو محتمل، ويكون ذلك بحسن سياقه، وتصرفه في المباحث وظرافته، ومزجه بالاستعارات المستحسنة والنوادر المستطرفة، وغير ذلك مما يطرب السامع، والمدح بذلك من مثل ابن خلكان ثناء عظيم، لصاحبه رافع) اه (٢)
٢٨٦٥ - [الملك الأفضل بن صلاح الدين] (٣)
الملك الأفضل علي بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب الأيوبي.
لما مات أبوه .. تسلطن بدمشق، وتملك أخوه العزيز الديار المصرية، وأخوهما الظاهر حلب، وجرت للأفضل مع أخيه العزيز وقائع، آخر الأمر أن العزيز وعمه العادل حاصرا دمشق، وأخذاها من الأفضل، وأعطياه صرخد، ثم إن العادل استولى على مصر بعد موت العزيز، ودفع للأفضل عدة بلاد بالمشرق، ولم يحصل له إلا سميساط، فأقام بها إلى أن توفي سنة اثنتين وعشرين وست مائة.
وكان في الأفضل فضيلة ونباهة، يحب العلماء ويعظم حرمتهم، وفيه عدل وحلم وكرم.
سمع من جماعة، وله شعر وترسل وجودة كتابة، ومن شعره ما كتبه إلى الإمام الناصر
стр. 2280
يشكو عمه العادل وأخاه العزيز لما أخذا منه دمشق: [من البسيط]
مولاي إن أبا بكر وصاحبه ... عثمان قد غصبا بالسيف حق علي (١)
وهو الذي كان قد ولاه والده ... عليهما فاستقام الأمر حين ولي
فخالفاه وحلاّ عقد بيعته ... والأمر بينهما والنص فيه جلي
فانظر إلى حظ هذا الاسم كيف لقي ... من الأواخر ما لاقى من الأول
فأجابه الإمام الناصر بجواب أوله: [من الكامل]
وافى كتابك يا بن يوسف معلنا ... بالود يخبر أن أصلك طاهر
غصبوا عليّا حقه إذ لم يكن ... بعد النبيّ له بيثرب ناصر
فابشر فإن غدا عليه حسابهم ... واصبر فناصرك الإمام الناصر (٢)
توفي الملك الأفضل في سنة اثنتين وعشرين وست مائة.
٢٨٦٦ - [الفخر الفارسي] (٣)
أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الفيروزاباذي الشافعي الصوفي، المعروف بالفخر الفارسي، صاحب العلوم الربانية الغامضة المستغربة في التصوف والوصل والمحبة.
قال الشيخ اليافعي: (وأما قول الذهبي: إن في تصانيفه أشياء في التصوف والوصل والمحبة منكرة .. فكلام من ليس له بعلوم القوم مخبرة) (٤).
سمع المذكور من الحافظ السلفي.
стр. 2281
وتوفي ثامن ذي الحجة (١) سنة اثنتين وعشرين وست مائة وقد نيف على التسعين، وقبره في قرافة مصر مشهور مقصود بالزيارة، نفع الله به آمين.
٢٨٦٧ - [موسى العراقي] (٢)
موسى بن عبد الله العراقي.
كان فقيها دينا خيرا، ولديه دنيا واسعة، ابتنى مدرسة بمعشار نعمان، ناحية من نواحي وصاب، وجعل نظرها إلى بني فتح، وكانت له ابنة لا ولد له غيرها، فأزوجها على بعض بني فتح، وصار [ماله] إليهم.
وتوفي في المحرم سنة اثنتين وعشرين وست مائة.
٢٨٦٨ - [بنو فتح] (٣)
محمد بن علي بن فتح، وأخوه طاهر.
تفقها بإب على محمد بن موسى البريهي، وبالملحمة على محمد بن مضمون.
وكانا فقيهين فاضلين، وإليهما كان قضاء بلدهما، وبهما تفقه أبو بكر الجناحي.
وكذلك أخواهما أحمد بن علي بن فتح وحسن بن علي بن فتح كانا فقيهين جيدين، وأبوهم علي بن فتح كان مشهورا بالفضل والخير، وأصل بلدهم معشار نعمان، ناحية من نواحي وصاب، والظاهر أنهم كانوا في زمن الفقيه موسى بن عبد الله العراقي؛ فلذلك ذكرتهم في طبقته، والله سبحانه أعلم.
٢٨٦٩ - [مظفر العيلاني] (٤)
أبو العز مظفر بن إبراهيم العيلاني-بالعين المهملة-الشاعر المشهور المصري.
стр. 2282
كان أديبا عروضيا، شاعرا مجيدا، صنف في العروض مختصرا جيدا، وكان ضريرا.
وله ديوان شعر رائق، ومن شعره: [من مجزوء الكامل]
قالوا عشقت وأنت أعمى ... ظبيا كحيل الطرف ألمى
وحلاه ما عاينتها ... فنقول قد شغفتك وهما
فأجبت أني موسوي ال ... عشق إنصاتا وفهما
أهوى بجارحة السما ... ع ولا أرى ذات المسمّى
ولما عاد الوزير صفي الدين ابن شكر من الشام إلى مصر .. خرج أصحابه للقائه إلى الخشبي، المنزلة المعروفة، وكتب مظفر الدين يعتذر عن تأخره عن التقائه بهذه الأبيات: [من البسيط]
قالوا إلى الخشبي سرنا على عجل ... نلقى الوزير جميعا من ذوي الرتب
ولم تسر أيها الأعمى فقلت لهم ... لم أخش من تعب ألقى ولا نصب
وإنما النار في قلبي لوحشته ... فخفت أجمع بين النار والخشب
ومدح تقيّ الدين جماعة منهم مظفر الدين المذكور، فخلع على الجميع، ولم يخلع عليه، فكتب إلى تقي الدين: [من البسيط]
ألعبد مملوك مولانا وخادمه ... مظفر الشاعر الأعمى حليف ضنى
يقبّل الأرض إجلالا لمالكه ... رقّا وينهى إليه بعد كل هنا
أن القميص جميع الناس قد بصروا ... به وما منهم يعقوب غير أنا
وله يوم رمي الشواني (١): [من البسيط]
يا أيها الملك المسرور آمله ... هذي شوانيك ترمي يوم سرّاء
كأنما هي عقبان بها ظمأ ... طارت من البر وانقضّت على الماء
وله في يوم لعبها: [من البسيط]
مولاي هذي الشواني في ملاعبها ... مثل الشواهين في سهل وفي جبل (٢)
تسقي مجاذيفها ماء وتنفضه ... نفض العقاب جناحيها من البلل
стр. 2283
قال الشيخ عبد الله بن أسعد اليافعي: (يعني بالمجاذيف المقاذيف التي يقذف بها الماء ليمشي المركب، وقد أبدع في حسن هذا التشبيه في الجميع وأطنب) (١).
وله يصف فانوس الجامع العتيق بمصر: [من الطويل]
أرى علما للناس في الصوم ينصب ... على جامع ابن العاصي أعلاه كوكب
وما هو في الظلماء إلا كأنه ... على رمع زنجي سنان مذهب
وسئل المظفر المذكور عن قول أبي العلاء المعري:
أصلحك الله وأبقاك! لقد كان من الواجب أن تأتينا اليوم إلى منزلنا الخالي؛ لكي نحدث عهدا بك يا زين الأخلاء، فما مثلك من غيّر عهدا أو غفل.
من أي بحر هو؟ وهل هو بيت واحد أم أكثر؟ فإن كان أكثر .. فهل أبياته على روي واحد أم هي مختلفة الروي؟ قال: فأفكر، ثم أجابه بأنه أربعة أبيات على رويّ اللام الساكنة، من بحر الرجز، وهي على صورة يسوغ استعمالها عند العروضيين، ومن لا يكون له بهذا الفن معرفة .. فإنه ينكرها؛ لأجل قطع الموصول منها، وهذه صورة أبياتها: [من مجزوء الرجز]
أصلحك الله وأب ... قاك لقد كان من ال
واجب أن تأتينا ال ... يوم إلى منزلنا ال
خالي لكي نحدث عه ... دا بك يا زين الأخل
لاء فما مثلك من ... غيّر عهدا أو غفل
توفي مظفر المذكور في سنة ثلاث وعشرين وست مائة.
٢٨٧٠ - [الظاهر بأمر الله] (٢)
الخليفة الظاهر بأمر الله محمد بن الناصر لدين الله أحمد بن المستضيء بأمر الله.
ولي الخلافة بعد أبيه، وكان ديّنا خيّرا عادلا، فرّق الأموال، وأبطل المكوس، وأزال المظالم، وأحسن إلى الناس.
стр. 2284
وتوفي سنة ثلاث وعشرين وست مائة، فمدة خلافته تسعة أشهر ونصف.
٢٨٧١ - [الإمام الرافعي] (١)
أبو القاسم عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الرافعي القزويني الإمام الكبير، مؤلف «العزيز شرح الوجيز» وغيره (٢).
ومن كراماته: أنه أضاءت له شجرة في بيته لما انطفأ السراج الذي يستضيء به عند كتبه بعض مصنفاته.
توفي سنة ثلاث وعشرين وست مائة.
٢٨٧٢ - [جنكز خان] (٣)
تمرجين-بالمثناة من فوق، [والميم] والراء والجيم، والمثناة من تحت، والنون- طاغية التتار وسلطانهم الأعظم الذي خرب البلاد، وأفنى البرايا وأباد، وهو الذي جيش الجيوش، وخرج بهم من بادية الصين، ودانت له المغل (٤)، وعقدوا له عليهم، وأطاعوه طاعة الأبرار للملك الجبار.
وكان من دهاة العالم، وأفراد الدهر، وعقلاء الترك، وهو جد ابني العم بركة وهولاكو الذي استولى على بغداد كما سيأتي (٥).
واسمه قبل الملك: تمرجين بالمثناة من فوق، [والميم] والراء والجيم، والمثناة من تحت، والنون.
وتوفي على الكفر إلى لعنة الله وسخطه في سنة أربع وعشرين وست مائة.
стр. 2285
٢٨٧٣ - [ابن السكري] (١)
عبد الرحمن بن عبد العلي بن علي، قاضي القضاة عماد الدين ابن السكري المصري الشافعي.
تفقه على الشهاب الطوسي، وبرع في المذهب، ودرس وأفتى، وولي قضاء القاهرة وخطابتها.
وتوفي سنة أربع وعشرين وست مائة.
٢٨٧٤ - [الملك المعظم بن العادل] (٢)
الملك المعظم عيسى بن الملك العادل بن أيوب.
ولد بالقاهرة، وحفظ القرآن، وبرع في الفقه، وشرح «الجامع الكبير» في عدة مجلدات بإعانة غيره، ولازم الاشتغال زمانا، وسمع «المسند» كله لابن حنبل مرارا، وكان حنفي المذهب، وله فيه مشاركة حسنة، وكان متعصبا لمذهبه، ولم يكن في بني أيوب حنفي سواه، وتبعه أولاده.
وله رغبة في فن الأدب، يقال: إنه شرط لكل من حفظ «مفصل الزمخشري» مائة دينار وخلعة.
وكانت مملكته متسعة بالشام، حج ومدحه جماعة من الشعراء فأحسنوا.
وكان من النجباء الأذكياء، من ذكائه أن ابن عنين لما مرض كتب إليه: [من الكامل]
انظر إليّ بعين مولى لم يزل ... يولي الندى وتلاف قبل تلافي
أنا ك (الذي) أحتاج ما تحتاجه ... فاغنم ثوابي والثناء الوافي
فعاده بنفسه ومعه صرة فيها ثلاث مائة دينار، فقال: هذه الصلة، وأنا العائد.
توفي بدمشق سلخ ذي القعدة من سنة أربع وعشرين وست مائة.
стр. 2286
٢٨٧٥ - [أحمد ابن طاوس] (١)
أبو المعالي أحمد بن الخضر الصوفي المعروف بابن طاوس.
توفي سنة خمس وعشرين وست مائة.
٢٨٧٦ - [ابن الجواليقي] (٢)
الحسن بن إسحاق المعروف بابن الجواليقي، العلامة.
توفي سنة خمس وعشرين وست مائة.
٢٨٧٧ - [أحمد بن تميم] (٣)
المحدث الرحال أحمد بن تميم بن هشام الأندلسي.
توفي سنة خمس وعشرين وست مائة.
٢٨٧٨ - [محمد ابن أبي النهى] (٤)
محمد بن أسعد بن همدان بن يعفر، والد القاضي سليمان الجنيد.
كان فقيها فاضلا، تفقه بمحمد بن علي العرشاني الحافظ، وأصل بلده ريمة المناخي، وكان يسكن قرية العدن من بلد صهبان، وعنه أخذ ابنه القاضي الجنيد.
стр. 2287
وتوفي في القرية المذكورة سنة خمس وعشرين وست مائة، ذكره في ترجمة ابنه؛ استطرادا (١).
٢٨٧٩ - [علي بن أحمد العرشاني] (٢)
علي بن القاضي أحمد بن الإمام الحافظ علي بن أبي بكر العرشاني.
كان فقيها عارفا خيّرا ديّنا، ولي قضاء عدن في حياة أبيه، وتزوج بابنة الفقيه طاهر بن يحيى، وأقام بعد أبيه قاضيا مدة ثم عزل، فسكن سير مع امرأته، وولدت له ابنه عبد الله، وهو الذي كان سببا لوصول الفقيه أحمد بن محمد بن منصور الجنيد إلى عرشان؛ استدعاه القاضي علي بن أحمد المذكور ليقرئ ولده عبد الله، كما تقدم ذلك في ترجمة أحمد بن محمد بن منصور (٣).
وتوفي القاضي علي بقرية سير في رجب سنة خمس وعشرين وست مائة عن خمس وستين.
٢٨٨٠ - [علوان الخاوي] (٤)
أبو أحمد علوان الخاوي، نسبة إلى خاو-بخاء معجمة، ثم ألف، ثم واو-بلد قريبة من رأس نقيل صيد، وهو والد الشيخ أحمد بن علوان المشهور.
كان المذكور كاتبا حسن الخط، وهو الذي نسخ من «البيان» نسخة بخطه، وتقدم بها صاحبها إلى العراق، فلما وصلت بغداد .. جعلت النسخة في أطباق الذهب، وحملت على رءوس المتفقهة من أهل بغداد، فقال بعض علماء العراق: ما كنا نظن أن في اليمن إنسانا حتى قدم علينا «البيان» بخط علوان، وأراد يحيى بن أبي الخير العمراني مجازاة علوان بشيء على نسخه «البيان»، فقال: ما أريد جزائي منك إلا أن تدعو لي أن الله تعالى يرزقني
стр. 2288
ولدا صالحا، فدعا له بذلك، فرزقه الله ولده أحمد، فكان الشيخ أحمد بن علوان دعوة من دعوات صاحب «البيان».
وكان علوان المذكور كاتب إنشاء الملك المسعود بن الكامل الأيوبي، فيقال: إنه سافر إلى جبال حجّة لبعض مخارجه، فحصل حرب شديد بين عسكر المسعود والعرب هنالك، فوقف علوان بجنب جبل هنالك وهو على بغلته، فانقطع من الجبل كسف وقع عليه وعلى بغلته، فكان آخر العهد به.
والظاهر أن وفاته كانت في هذه العشرين، أو في التي قبلها؛ لأن دخول المسعود اليمن كان سنة ست عشرة وست مائة (١)، وكانت وفاته سنة خمس وعشرين وست مائة (٢)، والله أعلم.
٢٨٨١ - [أبو القاسم ابن صصرى] (٣)
أبو القاسم الحسين بن هبة الله بن محفوظ التغلبي الدمشقي، مسند الشام.
توفي سنة ست وعشرين وست مائة.
٢٨٨٢ - [ياقوت الحموي] (٤)
ياقوت الرومي الحموي، ثم البغدادي التاجر، شهاب الدين الأخباري، صاحب التصانيف الأدبية في التاريخ والأنساب والبلدان وغير ذلك.
أسر من بلاده صغيرا، فابتاعه رجل تاجر ببغداد، فلما كبر ياقوت .. قرأ شيئا من النحو واللغة، وشغله مولاه بالأسفار في متاجره، ثم جرت بينه وبين مولاه نبوة أوجبت عتقه، فأبعده عنه، فاشتغل بالنسخ، وحصلت له بالمطالعة فوائد.
стр. 2289
صنف «إرشاد الألبّاء إلى معرفة الأدباء» في أربعة مجلدات، و [كتابا في] أخبار الشعراء المتأخرين والقدماء، وكتبا أخرى عديدة.
وكانت له همة عالية في تحصيل المعارف، وله رسالة كتبها من الموصل إلى وزير [صاحب حلب] أبي الحسن علي بن يوسف الشيباني يصف فيها حاله، تشهد بفضله ومعرفته وبلاغته، يقول فيها-بعد كلام طويل مشتمل على ألفاظ جميلة، ومعان فضيلة-: وقد كان المملوك لما فارق ذلك الجناب الشريف، وانفصل عن مقر العز [اللباب] والفضل المنيف، أراد استعتاب الدهر الكالح، واستدرارا خلف الزمن الغشوم الجامح؛ اغترارا بأن في الحركة بركة، والاغتراب داعية الاكتساب، والمقام على الإقتار ذل وأسقام، وجليس البيت في المحافل سكيت: [من الطويل]
فودعت من أهلي وفي القلب ما به ... وسرت عن الأوطان في طلب اليسر
سأكسب مالا أو أموت ببلدة ... يقل بها فيض الدموع على قبري
فامتطى غارب الأمل إلى الغربة، وركب [ركب] التطواف مع كل صحبة، قاطع الأغوار والأنجاد، حتى بلغ السد أو كاد، فلم يرفق به زمان حرون، ولا مكان حزون (١)، فلكأنه في جفن الدهر قذى، وفي حلقه شجى، تدافعه آمال الأمنيّة، حتى أسلمته إلى ربقة المنيّة: [من البسيط]
لا يستقر بأرض أو يسير إلى ... أخرى لشخص قريب عزمه نائي
يوما بحزوا ويوما بالعقيق ويو ... ما بالعذيب ويوما بالخليصاء
وتارة ينتحي نجدا وآونة ... شعب الحرون وحينا قصر تيماء (٢)
والمملوك مع ذلك يدافع الأيام ويزجيها، ويعلل المعيشة ويرجيها، متلفعا بالقناعة والعفاف، مشتملا بالنزاهة والكفاف، غير راض بذلك الشمل، ولكن مكره أخوك لا بطل، قد ألزم نفسه أن يستعمل طرفا طمّاحا، وأن يركب طرفا جمّاحا، وأن يلحف بيض
стр. 2290
طمع جناحا، وأن يستقدح زندا واريا أو شماحا: [من الوافر]
وأدبني الزمان فلا أبالي ... هجرت فلا أزار ولا أزور
ولست بسائل ما عشت يوما ... أسار الجند أم ركب الأمير
ولقد ندب المملوك أيام الشباب بهذه الأبيات-وما أقل غناء الباكي على من عد في الرفات-: [من الطويل]
تنكر لي مذ شبت دهري وأصبحت ... معارفه عندي من النكرات
إذا ذكرتها النفس حنت صبابة ... وجادت شؤون الدمع بالعبرات
إلى أن أتى دهر يحسّن ما مضى ... ويوسعني تذكاره حسراتي
والبيت الأخير مأخوذ من قول الآخر: [من الخفيف]
رب دهر بكيت منه فلما ... صرت في غيره بكيت عليه
هذا ما اقتصرت عليه من بعض ما اقتصر عليه الشيخ اليافعي من رسالته الطويلة، الجليلة الفائقة الجميلة.
قال الشيخ اليافعي: (وهو لعمري فيما يستحقه من النعوت من نفيس الجواهر كاسمه ياقوت) (١).
توفي في شهر رمضان من سنة ست وعشرين وست مائة بحلب، وقد وقف كتبه، وكان لمّا تميز سمى نفسه: يعقوب.
٢٨٨٣ - [جوهر العدني] (٢)
الشيخ الكبير، الصالح الشهير، أبو البهاء جوهر بن عبد الله العدني.
قال الشيخ عبد الله اليافعي: (كان عبدا عتيقا أميا، متسببا في السوق بعدن) اه (٣)
وأظنه كان بزازا؛ فإن في خان عدن دكانا مشهورا على ألسنة الناس أنه دكان الشيخ جوهر، وقل أن يتسبب فيه متسبب إلا ويفتح الله عليه في دنياه.
стр. 2291
وكان يحب الفقراء، ويجالسهم كثيرا ويعتقدهم، فعادت عليه بركتهم، فألحقه الله بهم؛ فإن المرء مع من أحب.
قال اليافعي: (فلما احتضر الشيخ أبو حمران .. سئل: من يكون الشيخ بعدك؟ فقال:
الذي يقع على رأسه الطائر الأخضر في اليوم الثالث من موتي هو الشيخ، فلما كان اليوم الثالث من موته .. حضر الفقهاء والفقراء والعوام في مسجده، وقعدوا ينتظرون ما يكون من وعد الشيخ، وفيهم المصدق والمكذب والمتشكك، وإذا بالطائر الموصوف قد أقبل وحط في طاقة المسجد، فعند ذلك تشوف للمشيخة كبار أصحاب الشيخ، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، فارتفع ذلك الطائر من موضعه الذي حط فيه أولا، ثم وقع على رأس الشيخ جوهر، فقام إليه الفقراء ليزفوه ويقعدوه في منصب الشيخ، فبكى وقال: أين أنا من هذا! وأنا رجل جاهل لا أصلح لهذا، ولا أعرف الطريق! فقالوا له: ما أقامك الحق في هذا المقام إلا وأنت أهل له، وسيعلمك ما تجهل، ويوليك التوفيق، فقال: إن كان ولا بد، فأمهلوني ثلاثة أيام، أسعى في براءة ذمتي برد الحقوق التي علي للناس والتخلص منهم، فأمهلوه، فلما مضت الثلاث .. قعد في منصب المشيخة، فكان كاسمه جوهرا، كتب إليه بعض المشايخ كتابا يسبه فيه، فكان جوابه إليه: [من الطويل]
إذا سعدوا أحبابنا وشقينا ... صبرنا على حكم القضا ورضينا
وإن جيّش الأحباب جيشا من الجفا ... بنينا من الصبر الجميل حصونا
وإن بعثوا خيل الصدود مغيرة ... بعثنا لهم خيل الوصال كمينا
وإن شهروا أسيافهم لقتالنا ... أتيناهم بالذل مدرّعينا
أحبّاءنا جوروا وإن شئتم اعدلوا ... صبرنا على حكم القضا ورضينا
فلما وقف الشيخ على جوابه .. استغفر الله تعالى وتهيأ للاجتماع بالشيخ جوهر، ورحل من بلاده إليه، فلما اجتمع به .. كشف رأسه، واستغفر الله تعالى) (١).
قال الخزرجي: (ولم أقف على تاريخ وفاة الشيخ جوهر) اه (٢)
توفي الشيخ جوهر المذكور سنة ست وعشرين وست مائة.
стр. 2292
وأخبرني الثقة من فقراء زاويته أن ذلك مكتوب في تابوته، وكانت وفاته يوم الأربعاء بقايا رجب من السنة المذكورة، والله سبحانه أعلم.
وله كرامات كثيرة شهيرة حذفناها اختصارا، ولأهل البلد وغيرهم فيه اعتقاد عظيم، نفع الله به آمين.
٢٨٨٤ - [الملك المسعود] (١)
الملك المسعود يوسف بن الملك الكامل محمد بن أبي بكر العادل.
كان سيّره جده العادل إلى اليمن فملكه، وملك الحجاز.
قال التقي الفاسي: (والدراهم المسعودية بمكة منسوبة إليه) (٢).
فأقام باليمن مدة، ثم رجع إلى مصر، واستناب باليمن بعض بني الرسول، ثم عاد إلى اليمن وأقام به، ثم توجه إلى مصر بعد أن استناب باليمن عمر بن علي بن رسول الذي استولى على اليمن بعده، واستصحب في سفرته هذه بدر الدين وأسد الدين وغيرهما من بني الرسول، وذلك بإشارة نائبه المذكور؛ خشية أن يحصل منهم خلاف باليمن.
فلما صار المسعود بمكة المشرفة .. توفي، فلما حضرته الوفاة .. أوصى أنه إذا مات ..
لا يجهز بشيء من ماله، بل يسلم إلى شيخ من أكراد إربل كان مجاورا بمكة يسمى صديقا يجهزه، وكان من الصالحين، فلما مات .. تولى صديق المذكور تجهيزه، وكفنه في إزار قد أحرم فيه بالحج والعمرة سنين عديدة، وجهزه تجهيز الفقراء، وكان قد أوصى ألا يبنى على قبره، بل يدفن بين القبور، ويكتب على قبره: هذا قبر الفقير إلى الله تعالى يوسف بن محمد بن أبي بكر بن أيوب، ففعل به ذلك.
ولما بلغ الكامل فعل الشيخ صديق .. كتب إليه يشكره ويسأله أن يذكر له حوائجه ليقضيها، فلم يرد عليه جوابا وقال: ما أستحق شكرا؛ إنما جهزت فقيرا.
ثم إن عتيقه الصارم المسعودي الذي تولى القاهرة بنى عليه قبة.
стр. 2293
وكانت وفاة المسعود في سنة ست وعشرين وست مائة (١).
٢٨٨٥ - [سري العرشاني] (٢)
سري بن إبراهيم بن أبي بكر بن علي بن معاذ بن مبارك بن تبع بن يوسف بن فضل العرشاني، يجتمع مع الحافظ في تبع بن يوسف.
كان فقيها ماهرا فاضلا، فروعيا أصوليا، له مصنفات في الأصول على مذهب الإمام أبي الحسن الأشعري، ولي القضاء بصنعاء، فشكرت سيرته، وكان أحد عدول القضاة.
يروى أنه اشترى أرضا فيها أصول كرم، ثم حضر عنده خصمان، فحكم على أحدهما بما أوجبه الشرع، ثم إن المحكوم عليه وصل ليلا إلى بيت القاضي ومعه شريم (٣)، فقال للقاضي: هذا شريم، وقد اشتريته وأنا متقدم به إلى حظيرتك لأقطعها مكافأة لحكمك عليّ، فلاطفه القاضي، وأوجب له على نفسه غرم ما حكم به عليه أو بعضه، فلما أصبح .. باع الأرض التي اشتراها وقال: لا يصلح لحاكم أن يكسب مزرعة أصلا.
وتوفي بصنعاء وهو على القضاء المرضي في سنة ست وعشرين وست مائة.
٢٨٨٦ - [زين الأمناء ابن عساكر] (٤)
أبو البركات الحسن بن محمد الدمشقي زين الأمناء، المعروف بابن عساكر.
تفقه على جمال الأئمة علي بن الماسح، وروى عن أبي العشائر، وطائفة.
وولي نظر الخزانة والأوقاف، ثم تزهد.
стр. 2294
وكان صالحا خيّرا، حسن السمت.
توفي سنة سبع وعشرين وست مائة.
٢٨٨٧ - [بهرام شاه] (١)
أبو المظفر بهرام شاه مجد الدين الملك الأمجد صاحب بعلبك، تملكها بعد أبيه خمسين سنة.
وكان جوادا كريما، شاعرا محسنا.
قتله مملوك له بدمشق في سنة ثمان وعشرين وست مائة.
٢٨٨٨ - [المهذب الدّخوار] (٢)
عبد الرحيم بن علي بن حامد الدمشقي شيخ الطب، المعروف بالمهذب.
أخذ عن الموفق بن المطران، والرضي الرحبي، وأخذ الأدب عن الكندي، وانتهت إليه معرفة الطب، وله فيه تصانيف، وحظي عند الملوك.
وعرض له في آخر عمره خرس، حتى لا يكاد يفهم كلامه، واجتهد في علاج نفسه إلى أن مات في سنة ثمان وعشرين وست مائة.
ووقف المدرسة التي بالصاغة العتيقة من دمشق على الأطباء.
٢٨٨٩ - [ابن معط] (٣)
أبو الحسين يحيى بن عبد المعطي بن عبد النور الزواوي-نسبة إلى زواوة بفتح الزاي،
стр. 2295
قبيلة كبيرة بظاهر بجاية من أعمال إفريقية-الحنفي، صاحب «الألفية» وغيرها من التصانيف المفيدة.
كان أحد أئمة عصره في النحو واللغة، أقرأ العربية بدمشق مدة، وانتفع به خلق كثير، ثم رغبه الكامل في الانتقال إلى مصر، وقرر له على التصدر بجامع العتيق لإقراء الأدب رزقا، فانتقل إلى مصر.
ولم يزل ينتفع الناس به بمصر إلى أن توفي بها في سنة ثمان وعشرين وست مائة، وقبر قرب قبر الشافعي رحمهما الله تعالى.
٢٨٩٠ - [عبد الرحمن بن أبي السعود] (١)
عبد الرحمن بن أبي السعود، أبو محمد.
كان فقيها صالحا، عالما عاملا، وكان زميلا لابن الرنبول في القراءة.
توفي سنة ثمان وعشرين وست مائة.
٢٨٩١ - [القاضي أحمد ابن أبي عيسى] (٢)
أحمد بن محمد بن محمد بن أبي عيسى قاضي تريم.
قال الشيخ علي بن أبي بكر باعلوي-نفع الله به، آمين-: (ومن فقهاء تريم آل باعيسى القاضي التقي، الورع الزكي، شهاب الدين أحمد بن محمد بن محمد باعيسى) (٣).
قال الخطيب عبد الرحمن: (لما توفي قاضي تريم .. امتنع الفقهاء من ولاية القضاء، فاتفق الأمر على أن يقرع بينهم، ومن خرجت قرعته ولي القضاء، فأقرع بينهم، فخرجت القرعة على الفقيه الإمام الورع الأثيل، السيد الزاهد الجليل، أحمد بن محمد ابن أبي عيسى، فأبى أن يدخل في القضاء، فأقرع ثانيا وثالثا، فلم تخرج إلا عليه، فأبى من ذلك، فقال له شيخه: ادخل فيه، وما لحقك فيه فهو في عنقي؛ لما يعرف من علمه وورعه، فأبى، فقال له السلطان: إن لم تل القضاء .. فارحل عن بلدي، فرحل عنها ومعه
стр. 2296
أربعون نفسا من أهله وأقاربه، فلما زلزل أهله عن وطنهم .. رقّ لهم، فرجع ودخل في القضاء، وكان لا يحكم إلا وبينه وبين المتخاصمين ستر؛ لشدة ورعه.
يقال: إنه في بعض الأيام أتت بقرتان إلى داره وصاحتا، فعرف أن صياحهما يشكوان أن سيدهما يستخدمهما خدمة عظيمة غليظة، ولا يشبعهما علفا، فأدخلهما القاضي داره وعشاهما، واستدعى سيدهما وقال له: لا يحل لك من الله أن تجيعهما، وتكلفهما ما لا يطيقان، فتكفل سيدهما أن يشبعهما، وألا يكلفهما ما لا يطيقان.
وروي: أن البقرتين صاحتا تحت دار القاضي وانصرفتا، فقال القاضي لرجل: إنهما شاكيتان، اذهب معهما، وائتني بسيدهما، فذهب الرجل والبقرتان تمشيان قدامه كالدالات له على من ظلمهما، فلما وصلتا إلى باب سيدهما .. وقفتا، فدعا الرجل سيدهما، ومضى به إلى القاضي، فقال له القاضي ما تقدم ذكره، وتكفل له السيد بما تكفل) اه (١)
وهذه القصة تشبه قصة كسرى أنوشروان العادل مع الحمار.
قال الخطيب: (توفي المذكور ليلة الاثنين آخر صفر سنة ثمان وعشرين وست مائة، وقبر عند قبور آل با علوي) (٢) أي: بتريم، نفع الله بهم أجمعين.
٢٨٩٢ - [يحيى بن معاذ الرازي] (٣)
أبو زكريا يحيى بن معاذ الرازي الشيخ الجليل، أحد شيوخ «الرسالة» المشهورة.
قال فيه الأستاذ أبو القاسم القشيري: (نسيج وحده في وقته، له لسان في الرجاء خصوصا، وكلام في المعرفة، خرج إلى بلخ، فأقام بها مدة، ورجع إلى نيسابور، ومات بها) (٤).
ومن كلامه: الكلام الحسن حسن، وأحسن من الكلام معناه، وأحسن من معناه استعماله، وأحسن من استعماله ثوابه، وأحسن من ثوابه رضى من يعمل له.
وقال: ليكن حظ المؤمن منك ثلاث خصال: إن لم تنفعه .. فلا تضره، وإن لم تمدحه .. فلا تذمه، وإن لم تسره .. فلا تغمه.
стр. 2297
وله إشارات حسنة، وعبارات مستحسنة.
كذا ذكره الشيخ عبد الله اليافعي فيمن توفي في سنة ثمان وعشرين وست مائة، وذكر أيضا: أن الخطيب البغدادي ذكره في «تاريخه» (١).
ولا شك أن تاريخ وفاته وهم، وإنما ذكرته ليعلق في مظنته إن شاء الله تعالى.
٢٨٩٣ - [جلال الدين خوارزم شاه] (٢)
السلطان جلال الدين خوارزم شاه بن السلطان علاء الدين محمد.
كان يضرب به المثل في الشجاعة والإقدام، كثير الجولان في البلاد؛ ما بين الهند إلى ما وراء النهر إلى العراق إلى فارس إلى كرمان إلى أرمينية وأذربيجان وغير ذلك.
افتتح المدن، وسفك الدماء، وظلم وعسف.
قالوا: وكان مع ذلك صحيح الإسلام، ربما بكى إذا قرأ في المصحف، ثم آل أمره إلى أن تفرق عنه جيشه، حتى قيل: إنه سار في نفر يسير، فبيّته كردي في منزله، وطعنه بحربة وقتله بها في سنة تسع وعشرين وست مائة (٣).
٢٨٩٤ - [ابن نقطة] (٤)
محمد بن عبد الغني المعروف بابن نقطة الحنبلي، الحافظ الرحال.
أكثر من كتابة الحديث وسماعه والرحلة فيه، ولقي المشايخ، وأخذ عنهم، واستفاد منهم، وعلق التعاليق.
стр. 2298
ذيل على «إكمال الأمير ابن ماكولا» في مجلدين، وما أقصر فيه، وله كتاب في الأنساب، وكتاب «التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد».
ذكره أبو البركات ابن المستوفي في «تاريخه» وأثنى عليه، وقال: (أنشدني لأبي علي محمد بن الحسين بن أبي الشّبل أحد شعراء العراق المجيدين: [من الكامل]
لا تظهرنّ لعاذل أو عاذر ... حاليك في الضراء والسراء
فلرحمة المتوجعين مرارة ... في القلب مثل شماتة الأعداء) (١)
توفي سنة تسع وعشرين وست مائة.
٢٨٩٥ - [أبو لكوط الدكالي] (٢)
عبد الله بن عبد السلام بن عبد الرحمن الدّكّالي أبو لكوط، نزيل مكة المشرفة.
قال التقي الفاسي: (ذكر القطب القسطلاني أنه كان من رجال الله، وأرباب المجاهدات والمكاشفات، وكان تارة يجري من أول الحرم إلى آخره، ومن أول المسعى إلى آخره وهو يذكر بصوت عال: الله، الله، وقصده بذلك كسر نفسه، وكسر جاهه وحشمته عند العامة.
وكان يطوي الأيام والليالي.
وهو من أصحاب الشيخ العارف أبي محمد صالح الدكالي، وأبو محمد من أصحاب الشيخ العارف بالله عبد الرزاق، وعبد الرزاق من أصحاب شيخ الشيوخ أبي مدين.
قال التقي الفاسي: وأخبرني شيخنا السيد عبد الرحمن بن أبي الخير الفاسي أنه وجد بخط الشريف أبي عبد الله القاضي حكاية معناها: أن شخصا رئي بعد موته، فقيل له:
ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي بحضور فلان الخياط في جنازتي بطاقية الشيخ أبي لكوط، وهذه منقبة عظيمة.
توفي يوم الجمعة ثاني صفر سنة تسع وعشرين وست مائة) (٣).
стр. 2299
٢٨٩٦ - [إبراهيم التنوخي] (١)
إبراهيم بن شاكر التّنوخي الشافعي القاضي، بهاء الدين الكاتب البليغ، والد تقي الدين إسماعيل.
وروى بالإجازة عن شهدة، وولي قضاء المعرّة في صباه خمس سنين، فقال: [من الوافر]
وليت الحكم خمسا هن خمس ... لعمري والصبا في عنفوان
فلم تضع الأعادي قدر شاني ... ولا قالوا فلان قد رشاني
ولقد أحسن في ذلك، وأشار إلى أنه ولي القضاء خمس سنين وهو ابن خمس وعشرين سنة (٢).
توفي سنة ثلاثين وست مائة.
٢٨٩٧ - [إدريس صاحب المغرب] (٣)
إدريس بن يعقوب بن يوسف صاحب المغرب.
بايعوه بالأندلس، ثم ملك مراكش، وعظم سلطانه، وكان بطلا شجاعا، ذا هيبة شديدة، وسفك للدماء.
قطع ذكر ابن تومرت من الخطبة.
وتوفي سنة ثلاثين وست مائة.
٢٨٩٨ - [الملك العزيز بن العادل] (٤)
الملك العزيز عثمان بن الملك العادل بن أيوب، أخو المعظم لأبويه.
стр. 2300
اتفق موته ببستان له يسمى: الناعمة في عاشر رمضان سنة ثلاثين وست مائة.
٢٨٩٩ - [ابن الأثير المؤرخ] (١)
أبو الحسن علي بن محمد الجزري-نسبة إلى جزيرة ابن عمر من أعمال الموصل، وهو رجل من أهل برقعيد، يقال له: عبد العزيز بن عمر، عرفت الجزيرة به-الإمام الحافظ ابن الأثير، مصنف «التاريخ» و «أسد الغابة»، واختصر كتاب «الأنساب» للسمعاني، واستدرك عليه في مواضع.
سمع من الشيوخ بالموصل وبغداد، والقدس والشام وغير ذلك من البلدان.
وتوفي سنة ثلاثين وست مائة. مذكور في الأصل.
٢٩٠٠ - [ابن عنين الشاعر] (٢)
أبو المحاسن محمد بن نصر [الله] شرف الدين الشاعر المعروف بابن عنين.
قال ابن خلكان: (كان خاتمة الشعراء، لم يأت بعده مثله، ولا كان في [أواخر] عصره من يقاس به، ومع جودة شعره غير مقصور على أسلوب واحد، بل تفنن فيه، وكان غزير المادة من الأدب، مطلعا على معظم أشعار العرب.
وكان مولعا بالهجاء، وله قصيدة طويلة جمع فيها خلقا من رؤساء دمشق، سماها:
«مقراض الأعراض» فنفاه السلطان صلاح الدين من دمشق بسبب وقوعه في الناس، فلما خرج منها .. قال: [من الكامل]
فعلام أبعدتم أخا ثقة ... لم يجترم ذنبا ولا سرقا
أنفوا المؤذّن من بلادكم ... إن كان ينفى كلّ من صدقا
وطاف البلاد من الشام والعراق، والجزيرة وأذربيجان، وخراسان وغزنة، وخوارزم
стр. 2301
وما وراء النهر، ثم دخل الهند، وكتب إلى أخيه من الهند إلى دمشق بهذين البيتين، والثاني منهما لأبي العلاء المعري، استعمله مضمنا: [من الكامل]
سامحت كتبك في القطيعة عالما ... أن الصحيفة لم تجد من حامل
وعذرت طيفك في الجفاء لأنه ... يسري ويصبح دوننا بمراحل) (١)
ودخل اليمن في أيام توران شاه بعد أن نهب في طريق الحجاز، فوجده متجهزا إلى الشام، فحرضه على حرب الأشراف الذين نهبوه بقصيدة طويلة ذمهم فيها، فيقال: إنه رأى فاطمة ﵂ وهي غضبانة عليه لهجوه أولادها فندم، ونظم قصيدة معظمة في مدح أهل البيت.
ودخل اليمن أيضا في أيام العزيز الأيوبي ومدحه، فأعطاه وأجزل صلته، فعزم إلى مصر، فطالبه الديوان بزكاة ما معه على رسم أهل مصر، وواليها يومئذ العزيز بن صلاح الدين الأيوبي، فكتب إلى العزيز بهذين البيتين: [من البسيط]
ما كلّ من يتسمّى بالعزيز لها ... أهل ولا كلّ برق سحبه غدقه
بين العزيزين بون في فعالهما ... هذاك يعطي وهذا يأخذ الصدقه
فأعفاه العزيز عن ذلك.
ولما ملك العادل دمشق بعد موت أخيه صلاح الدين .. سار ابن عنين متوجها إليها، وكتب إلى العادل قصيدة يصف فيها دمشق، ويستأذنه في الدخول، ويذكر ما قاساه من الغربة، ولقد أحسن فيها كل الإحسان، واستعطفه أبلغ استعطاف، أولها: [من الكامل]
ماذا على طيف الأحبة لو سرى ... وعليهم لو ساعدوني بالكرى (٢)
وقال مشيرا إلى نفيه:
فارقتها لا عن رضا وهجرتها ... لا عن قلى ورحلت لا متخيّرا
أسعى لرزق في البلاد مشتّت ... ومن العجائب أن يكون مقتّرا
وأصون وجه مدائحي متقنّعا ... وأكفّ ذيل مطامعي متستّرا
стр. 2302
ثم قال يشكو الغربة وما قاساه فيها:
أشكو إليك نوى تمادى عمرها ... حتى حسبت اليوم منها أشهرا
لا عيشتي تصفو ولا رسم الهوى ... يعفو ولا جفني يصافحه الكرى
أضحي عن الأحوى المريع محوّلا ... وأبيت عن ورد النّمير منفّرا
النمير-بفتح النون، وكسر الميم، وسكون المثناة من تحت، ثم راء-: هو الماء الجاري.
ومن العجائب أن يقيل بظلكم ... كلّ الورى ونبذت وحدي بالعرا
فلما وقف عليها العادل .. أذن له في الدخول إلى دمشق، فلما دخلها .. قال: [من المتقارب]
هجوت الأكابر في جلّق ... ورعت الوضيع بسب الرفيع
وأخرجت منها ولكنني ... رجعت على رغم أنف الجميع
وجلّق بضم الجيم-وفي «اليافعي» بكسر الجيم (١) -وتشديد اللام، ثم قاف: اسم مكان في الشام، وقيل: لقب دمشق.
وله من قصيدة يذكر فيها أسفاره وتوجهه إلى جهة الشرق: [من الطويل]
أشقّق قلب الشرق حتى كأنني ... أفتّش في سودائه عن سنا الفجر
قال ابن خلكان: (وله في عمل الألغاز اليد الطولى، ولم يكن له اعتناء بجمع شعره وتدوينه، وقد جمع له بعض أهل دمشق ديوانا صغيرا لا يبلغ عشر نظمه، وفيه أشياء ليست له، قال: ورأيته في المنام ينشد أبياتا، فأعجبني منها بيت واحد وهو: [من السريع]
والبيت لا يحسن إنشاده ... إلا إذا أحسن من شاده
فرددته في النوم، واستيقظت وأنا أحفظه، وليس هذا البيت موجودا في شعره.
وكان وافر الحرمة عند الملوك، وولي الوزارة بدمشق آخر دولة المعظم، فلما وليها الأشرف .. أقام في بيته ولم يباشر بعدها خدمة إلى أن توفي في سنة ثلاثين وست مائة عن نحو ثمانين سنة) (٢).
стр. 2303
٢٩٠١ - [أحمد بن مقبل] (١)
أحمد بن الفقيه مقبل بن عثمان بن مقبل بن عثمان العلهي، نسبة إلى جد له اسمه: علة -بضم العين المهملة، وفتح اللام، ثم هاء غير منقلبة-الدّثيني، نسبة إلى دثينة الصقع المعروف شرقي عدن.
ولد سنة ست وخمسين وخمس مائة.
وتفقه بسيف السنة، وبزيد بن عبد الله الزّبراني وغيرهما.
وبه تفقه عمر بن الحداد، وأحمد بن محمد بن الشكيل، وجمع كثير.
وكان فقيها محققا مدققا، وكتابه «الجامع» في نحو أربعة مجلدات يدل على ذلك، وشرح مشكل «اللمع»، وصنف في أصول الفقه كتابا سماه: «الإيضاح».
وامتحن بقضاء عدن مدة، ثم انتقل إلى بلده وهي قرية تسمى: عرج-بفتح العين والراء المهملتين، ثم جيم-قرية من ذي أشرق، وهو أول من أسسها وسكنها، وبها توفي في شعبان سنة ثلاثين وست مائة.
٢٩٠٢ - [أحمد بن عبد الله] (٢)
أحمد بن عبد الله بن محمد بن حميد.
كان فقيها فاضلا، دينا خيرا، تفقه بالفقيه أحمد بن مقبل الدثيني المذكور قبله، وتزوج بابنته، وولي قضاء صنعاء، ثم تعز.
كان أحد الرجال المعدودين.
توفي بذي المليد بقياض-بضم القاف، وفتح المثناة تحت، ثم ألف، ثم ضاد معجمة- ناحية معروفة قبلي تعز.
ولم أقف على تاريخ وفاته، وإنما ذكرته في طبقة شيخه ابن مقبل، والله سبحانه أعلم.
стр. 2304
٢٩٠٣ - [إبراهيم ابن أبي ماجد] (١)
إبراهيم بن أبي بكر بن يحيى بن فضل المعروف بأبي ماجد.
أصله من حضرموت، واستمر حاكما في مرباط، ثم في ظفار، وتوفي بظفار على ما قاله الجندي (٢).
وكان فقيها عارفا، وله ابن أخ اسمه: أبو بكر، تفقه بعمه إبراهيم المذكور.
ومنهم يحيى بن أبي قصير (٣)، كان فقيها فاضلا، أخذ عن القلعي وغيره، رحمة الله عليهم أجمعين.
ولم أقف لهم على تاريخ وفاة واحد منهم، وإنما ذكرتهم في هذه الطبقة تبعا لشيخهم القلعي؛ فإنه توفي سنة ثلاثين وست مائة (٤)، وأيضا فالظاهر أن أبا ماجد إنما ولي قضاء ظفار عند ما أمر السلطان أحمد بن محمد الحبوضي أهل مرباط بالانتقال إلى ظفار لما أحدثها بعد موت محمد بن أحمد الأكحل، وذلك في سنة عشرين وست مائة تقريبا (٥)، والله سبحانه أعلم بالصواب.
٢٩٠٤ - [أحمد العياشي] (٦)
أحمد بن عمر أبو العباس العياشي، نسبة إلى جد اسمه: عياش بفتح العين المهملة، والياء المثناة من تحت المشددة، ثم ألف، ثم شين معجمة.
كان فقيها مجودا، فاضلا محققا، امتحن بالعمى آخر عمره، فسأله فقيه عن مسألة
стр. 2305
فقهية، فأجابه، فتردد السائل في قبول الجواب، فقال الفقيه لولد له حاضر: ناولني الكتاب الفلاني، وافتش على الباب الفلاني، ففتش الولد الكتاب، فلم يظفر بالمطلوب، فأخذ الفقيه الكتاب، وفي أول فتشه أوقف السائل على تصديق ما قاله.
وكان الفقيه المذكور موجودا في سنة ثلاثين وست مائة، ولما توفي .. خلف ولدين: أبا بكر وغلبت عليه العبادة إلى أن توفي، ومحمدا لزم العكفة مدة في مسجد كظر-بفتح الكاف والظاء القائمة، وآخره راء-ناحية من وصاب، وكان يلقب شعيبا، وغلب اللقب على اسمه.
وكان صاحب كرامات، روي: أنه لما توفي وحمل إلى المقبرة على أعناق الرجال؛ فلما ساروا به .. أذن المؤذن، فثقل حمله واشتد حتى عجز الذين يحملونه عن رفع أقدامهم عن الأرض، فوضعوا السرير عن رقابهم، ووقفوا حتى فرغ المؤذن من أذانه، ثم حركوا السرير، فوجدوه كما كان أول مرة، فحملوه وساروا به إلى القبر وهم يتعجبون من ذلك، فروى بعض أصحابه أن الفقيه المذكور كان أيام حياته إذا سمع المؤذن .. قام على قدميه، فجعل يجاوبه، فإذا فرغ المؤذن .. قعد، ﵀ ونفع به آمين.
٢٩٠٥ - [سالم بن محمد العامري] (١)
سالم بن محمد بن سالم بن عبد الله بن خلف بن يزيد بن أحمد بن محمد العامري.
ولد سنة سبعين وخمس مائة.
وكان فقيها كبيرا محدثا، غلب عليه علم الحديث، وكان زاهدا ورعا، ينتابه الناس من البعد للزيارة وقراءة العلم، وانتفع به وبصحبته خلق كثير، منهم الشيخ أحمد بن الجعد، وأبو شعبة، وكان من كرام الفقهاء، شريف النفس، عالي الهمة.
ولم يزل على الطريق المرضي إلى أن توفي في سنة ثلاثين وست مائة، وقبره عند مسجد الرباط مشهور، يزار ويتبرك به.
وخلف عدة أولاد منهم محمد وعبد الله، تفقها بأبيهما، ثم ارتحلا إلى الإمام بطال، فأخذا عنه.
стр. 2306
قال الجندي: (ولم تزل إمامة مسجد الرباط إلى سالم، وإلى ذريته من بعده إلى سنة ثلاث وعشرين وسبع مائة) (١).
٢٩٠٦ - [إبراهيم بن سليمان] (٢)
إبراهيم بن سليمان بن محمد بن عجلان.
اشتغل في أيام شبيبته بالفقه، فتفقه بعلي بن أبي القاسم السرددي، ويوسف بن أبي بكر اليحيوي وغيرهما.
وأخذ الحديث عن الشريف أبي الجديد، ومحمد بن إسماعيل الحضرمي، والفقيه سالم الأبيني.
وأخذ عنه جماعة من فقهاء تعز، كابن الصفي، وعثمان الشرعبي، وابن النحوي وغيرهم، واشتغل آخر أيامه بقراءة القرآن والحديث.
وكانت له ضيعة يقتات منها، فلما مات .. وقفها ووقف كتبه على طلبة العلم، وتوفي وقد جاوز الثمانين.
ولم أتحقق تاريخ وفاته، وإنما ذكرته في هذه الطبقة؛ تبعا لشيخه سالم الأبيني المذكور قبله.
٢٩٠٧ - [أحمد بن عبد الله الصريدح] (٣)
أحمد بن عبد الله بن أحمد الصّريدح الفقيه المشهور.
كان عالما مباركا، حسن التدريس، غلبت عليه العبادة والنسك مع جودة العلم، كثير العلم، مقصودا للتبرك.
توفي لنيف وعشرين وست مائة (٤).
стр. 2307
٢٩٠٨ - [الحسين السروي] (١)
الحسين بن عبد الله أبو عبد الله الدوغاني السروي.
كان فقيها صالحا مجتهدا، كبير القدر، ورعا زاهدا عابدا، قدم على الفقيه سالم بن محمد بن سالم العامري إلى مسجد الرباط، وقرأ عليه وانتفع به، وتزوج بابنته، وكان قد تحصل عليه في بعض الأوقات غيبة، فيبقى مطروحا في مجلس الدرس، فإذا مر به الفقيه سالم وهو على ذلك الحال .. عجب وقال: بم زاد ابن أدهم على هذا؟ !
ورئي الشيخ الحارث (٢) بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: استحققت العذاب، فشفع فيّ الفقيه حسين الدوغاني.
وارتحل الحسين إلى الضّحي، وأخذ عن الفقيه محمد بن إسماعيل الحضرمي.
ولم أقف على تاريخ وفاته، وإنما ذكرته هنا؛ تبعا لشيخه الفقيه سالم.
٢٩٠٩ - [عمر الرمادي] (٣)
عمر بن محمد بن داود الرمادي، ثم المذحجي، كذا قاله الجندي (٤).
كان فقيها فاضلا خيرا، ارتحل إلى عدن وأبين، فأخذ هنالك عن عدة من العلماء، منهم سالم صاحب الرباط.
ولم أقف على تاريخ وفاته، فذكرته هنا في طبقة شيخه الفقيه سالم المذكور.
٢٩١٠ - [سيف الدين الآمدي] (٥)
стр. 2308
أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد سيف الدين الآمدي-بهمزة ممدودة، وميم مكسورة بعدها دال مهملة-نسبة إلى آمد، مدينة كبيرة من ديار بكر، مجاورة لبلاد الروم، الإمام العلامة، الأصولي الفقيه الحنبلي ثم الشافعي، صاحب التصانيف المفيدة.
كان حنبلي الفروع، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي، ولازم أبا القاسم بن فضلان، واشتغل عليه في الخلاف وتميز فيه، واشتغل بفنون المعقول.
ولم يكن في زمانه أحفظ منه للعلوم العقلية، ثم انتقل إلى مصر، ودرس بالجامع الظافري بالقاهرة وغيره، واشتهر فضله، وانتفع به الناس، فحسده جماعة من فقهاء وقته، ونسبوه إلى فساد العقيدة، وكتبوا بذلك محضرا يتضمن استباحة دمه، ووضعوا خطوطهم فيه.
قال ابن خلكان: (وبلغني عن رجل منهم فيه عقل ومعرفة [أنه] لمّا رفع إليه المحضر ليكتب فيه خطه بإباحة دمه .. كتب: [من الكامل]
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداء له وخصوم
وكتب: فلان بن فلان) (١).
ولما رأى الآمدي تألبهم عليه .. خرج من مصر مستخفيا، وأقام بحماة، فصنف في أصول الفقه والدين، والمنطق والحكمة والخلاف، ثم انتقل إلى دمشق، ودرس بالعزيزية، ثم عزل عنها، وأقام ببيته إلى أن توفي في سنة إحدى وثلاثين وست مائة عن ثمانين سنة، ودفن بسفح جبل قاسيون. مذكور في الأصل.
٢٩١١ - [ابن مغايظ القرطبي] (٢)
أبو عبد الله محمد بن عمر القرطبي المقرئ المالكي.
كان متفننا في الفقه والقراءات، والعربية والتفسير، زاهدا صالحا.
стр. 2309
سمع من عبد المنعم بن الفراوي وغيره، وقرأ على الإمام الشاطبي القراءات.
وتوفي بالمدينة سنة إحدى وثلاثين وست مائة.
٢٩١٢ - [عبد الله الأرمني] (١)
عبد الله بن يونس الأرمني الشيخ القدوة، صاحب الزاوية بجبل قاسيون.
كان صالحا متواضعا، مطّرحا للتكلف، يمشي وحده، ويشتري الحاجة، وله أحوال ومجاهدات وقدم في الفقر.
توفي سنة إحدى وثلاثين وست مائة.
٢٩١٣ - [أبو عبد الله ابن فضلان] (٢)
أبو عبد الله محمد بن يحيى البغدادي، قاضي القضاة ابن فضلان.
توفي سنة إحدى وثلاثين وست مائة.
٢٩١٤ - [الحسين الزبيدي] (٣)
الحسين بن المبارك-واسم المبارك: أبو بكر-أبو عبد الله الزّبيدي بفتح الزاي.
كان إماما عالما، ارتحل هو وأخوه الحسن مقدم الذكر من زبيد إلى الشام (٤)، وسمعا على أبي الوقت عبد الأول بن عيسى، وأسمع الحسين بدمشق، وألحق الصغار بالكبار.
стр. 2310
وعنه أخذ الحجار، والرشيد بن المعلم وغيرهما، وكان ثقة حافظا، حسن السيرة.
وتوفي في سنة إحدى وثلاثين وست مائة.
٢٩١٥ - [أبو قفل الزيادي] (١)
عبد الله بن أحمد بن محمد أبو محمد الزيادي العمدي-بفتح العين المهملة- الحضرمي، عرف بأبي قفل.
يروي عن الحافظ السلفي، وأخذ عن محمد بن طاهر بن الإمام يحيى بن أبي الخير «سيرة ابن هشام».
كان فقيها فاضلا، ذا دنيا متسعة، أقام مدة يؤم بالناس بمسجد أبان بمدينة عدن، ثم ابتنى مسجدا لطيفا شرقي مسجد أبان، ولم يزل في المسجد الذي بناه إلى أن توفي.
قال الجندي: (ولم أقف على تاريخ وفاته) (٢).
وذكر الفاسي في «تاريخ مكة» عن «طبقات السبكي»: (أن العفيف المطري ذكر أن أبا قفل المذكور كان رجلا صالحا، وكتب الكثير بخطه، ووقف كتبه بمكة، وأنه ولد في عشر من رمضان سنة تسع وخمسين وخمس مائة، وتوفي لست عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة إحدى وثلاثين وست مائة) (٣).
٢٩١٦ - [صواب الخادم] (٤)
صواب الخادم شمس الدين العادلي، مقدم جيش الكامل.
стр. 2311
كان يضرب به المثل في الشجاعة، وكان له من جملة المماليك مائة خادم، فيهم جماعة أمراء.
توفي صواب المذكور في سنة اثنتين وثلاثين وست مائة.
٢٩١٧ - [ابن الفارض] (١)
عمر بن علي الحموي الأصل، المصري المولد والدار والوفاة، الشيخ العارف، المعروف بابن الفارض-بالفاء والراء بين الألف والضاد المعجمة-وهو الذي يكتب الفروض للنساء على الرجال.
له ديوان شعر لطيف، وأسلوبه فيه ينحو منحى الفقراء.
كان رجلا صالحا، كثير الخير، على قدم التجرد، حسن الصحبة، محمود العشرة، يقال: إنه ترنّم يوما في خلوته بقول الحريري: [من مجزوء الرجز]
من ذا الذي ما ساء قط ... ومن له الحسنى فقط
فسمع قائلا يقول-لا يرى شخصه-:
محمد الهادي الذي ... عليه جبريل هبط
وكان يقول: عملت في النوم بيتين، وهما: [من مجزوء الكامل]
وحياة أشواقي إلي ... ك وحرمة الصبر الجميل
لا أبصرت عيني سوا ... ك ولا صبوت إلى خليل (٢)
ومن نظمه الفائق: [من الطويل]
فإن شئت أن تحيا سعيدا فمت به ... شهيدا وإلا فالغرام له أهل
فمن لم يمت في حبه لم يعش به ... ودون اجتناء النحل ما جنت النحل
стр. 2312
وما أحسن قوله في هذه القصيدة:
نصحتك علما بالهوى والذي أرى ... مخالفتي فاختر لنفسك ما يحلو (١)
توفي في جمادى الأولى من سنة اثنتين وثلاثين وست مائة.
٢٩١٨ - [أبو حفص السهروردي] (٢)
أبو حفص عمر بن محمد التيمي البكري السّهروردي، صاحب «العوارف» وغير ذلك من التصانيف الحسنة، وله عقيدة مشهورة صنفها بمكة المشرفة، وكان إذا أشكل عليه شيء منها .. يرجع فيه إلى الله تعالى، ويستخيره حول بيته، ويتضرع إليه في التوفيق لإصابة الحق.
وكان فقيها شافعي المذهب، كثير الاجتهاد في العبادة والرياضة، وتخرج عليه خلق كثير من الصوفية، ولم يكن في آخر عمره مثله.
صحب عمه الشيخ الإمام أبا النجيب، وأخذ عنه التصوف والوعظ، وذكر بعضهم أنه صحب أيضا قطب الأولياء الشيخ الكبير عبد القادر الجيلاني، ثم انحدر إلى الشيخ أبي محمد بن عبد بالبصرة، ورأى غيره من الشيوخ.
وعقد مجلس الوعظ سنين بعد أن حصّل طرفا صالحا من الفقه والخلاف، وقرأ الأدب، وكان نفسه مباركا.
وروي أنه أنشد يوما على الكرسي: [من الكامل]
لا تسقني وحدي فما عودتني ... أني أشح بها على جلاّسي
أنت الكريم ولا يليق تكرما ... أن تمنع الندماء دور الكاس (٣)
فتواجد الناس لذلك، وتاب جمع كثير.
توفي سنة اثنتين وثلاثين وست مائة.
стр. 2313
٢٩١٩ - [بهاء الدين بن شداد] (١)
يوسف بن رافع القاضي بهاء الدين أبو المحاسن (٢)، المعروف بابن شداد، الأسدي الحلبي الشافعي.
قرأ القراءات والعربية، وسمع الحديث، وبرع في الفقه والعلوم، وساد أهل زمانه.
وصنف مصنفات، منها كتاب سماه: «ملجأ الحكام عند التباس الأحكام»، ومنها «دلائل الأحكام» وغيرهما.
وكان بيده حل الأمور وعقدها، ليس لأحد معه كلام في الدولة، وللفقهاء في أيامه حرمة تامة.
توفي سنة اثنتين وثلاثين وست مائة.
٢٩٢٠ - [الملك الزاهر] (٣)
الملك الزاهر أبو سليمان داود بن صلاح الدين يوسف بن أيوب، صاحب قلعة البيرة- بموحدة مكسورة، ثم مثناة من تحت ساكنة، ثم راء مفتوحة، ثم هاء-قلعة من ثغور الروم على الفرات بقرب سميساط.
كان يحب العلماء وأهل الفضل، ويقصدونه من البلاد.
توفي سنة اثنتين وثلاثين وست مائة.
стр. 2314
٢٩٢١ - [عبد الله المارديني] (١)
عبد الله بن آي دغمش بن أحمد الدمشقي، أبو محمد المعروف بالمارديني.
سمع من الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي، وأبي نزار ربيعة الحضرمي، وصحب جماعة من المشايخ، وسلك طريقة الفقراء، وانقطع إليه جماعة، ورزق قبولا خصوصا من الأمراء، وكان كثير الإغلاظ عليهم.
وانقطع بمكة إلى أن توفي بها في المحرم سنة اثنتين وثلاثين وست مائة.
قال التقي الفاسي: (كتبت هذه الترجمة من «التكملة» للمنذري، وترجمه بالشيخ الصالح) (٢).
٢٩٢٢ - [ابن دحية الكلبي] (٣)
أبو الخطاب عمر بن حسن الكلبي الداني الأندلسي، المعروف بابن دحية، الحافظ العلامة اللغوي.
سمع الحديث، وجال في مدن الأندلس، وحج، ودخل العراق، وسمع «مسند الإمام أحمد»، وبأصبهان «معجم الطبراني»، وبنيسابور «صحيح مسلم» بعلو بعد أن حدث به في المغرب بالإسناد الأندلسي النازل، ويقال: إنه حفظه كله.
كان من أعيان العلماء، ومشاهير الفضلاء، متقنا لعلم الحديث وما يتعلق به، عارفا بالنحو واللغة، وأيام العرب وأشعارها، جعله الكامل شيخ دار الحديث بالقاهرة، وقاضي القضاة بها، وضعفه جماعة.
توفي سنة ثلاث وثلاثين وست مائة.
стр. 2315
٢٩٢٣ - [نصر بن عبد الرزاق الجيلاني] (١)
نصر بن عبد الرزاق بن الشيخ عبد القادر الجيلاني.
سمع من شهدة، وطبقتها، ودرس وأفتى وناظر، وولي القضاء سنة ثلاث وعشرين، ثم عزل بعد أشهر.
وكان متين الديانة، كثير التواضع، متحريا في القضاء، قوي النفس في الحق مع عدم التكلف والمحاباة، لطيفا ظريفا.
توفي سنة ثلاث وثلاثين وست مائة.
٢٩٢٤ - [علي ابن لويذ] (٢)
علي بن محمد بن لويذ (٣)، بضم اللام، وفتح الواو، وسكون المثناة من تحت، ثم ذال معجمة.
قال الخطيب: (كان رجلا صالحا محروسا، فأجبره السلطان على أن ينفق على رام، وكان ذلك الرامي يراود بنات علي المذكور عن نفوسهن إذا غاب والدهن، وهن يأبين عليه، فلما علم أبوهن بذلك .. نهى الرامي عن فعله، فلم ينته، فأمر علي المذكور بعض غلمانه أن يحفر قبرا في داره، ففعل، وكمنا للرامي، فلما أتى الرامي على عادته .. قتله غلام الشيخ بأمر الشيخ، ودفنه في القبر، وكان للرامي أصحاب ففقدوه، وتعلقوا بعلي المذكور وقالوا: أنت قتلته، إن لم ترنا صاحبنا .. وإلا قتلناك، فلما عرف أنهم غير مندفعين عنه، ولا أحد يصرف شرهم عنه .. قال لهم: إني ما قتلت إلا كلبا أسود، ودفنته في داري، فقالوا: أرنا القبر، فإن وجدنا فيه صاحبنا .. قتلناك، وإن وجدنا كلبا ..
تركناك، فأراهم القبر الذي دفن فيه الرامي، فنبشوه، فوجدوا صاحبهم قد استحال كلبا أسود، فذهبوا وتركوا الرجل لحال سبيله.