← Тараджим

Тараджим · id 29560

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

الطيب بامخرمة

Полный текст (3 319 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

واعترف بعلو منزلته من عاصره من أكابر العلماء والأولياء. توفي سنة ست وخمسين وست مائة. ٣٠٦٦ - [علي الخباز] (١) الشيخ علي المعروف بالخباز. أحد مشايخ العراق، وصاحب الأحوال والكرامات. قتل شهيدا سنة ست وخمسين وست مائة. ٣٠٦٧ - [شعلة المقرئ] (٢) محمد بن أحمد الموصلي الحنبلي المقرئ العلامة. كان فاضلا صالحا محققا، اختصر «الشاطبية». توفي بالموصل سنة ست وخمسين وست مائة عن ثلاث وثلاثين سنة. ٣٠٦٨ - [ابن العلقمي الوزير] (٣) محمد بن محمد الوزير الرافضي (٤)، عرف بابن العلقمي، الملقب مؤيد الدين. ولي وزارة العراق أربع عشرة سنة، وكان ذا غل وحقد على أهل السنة، قرر مع التتار أمورا كانت سبب دخولهم بغداد، ثم انعكس حاله، وأكل يده ندما، وبقي بعد تلك الرتبة الرفيعة في حالة وضيعة حتى صاحت امرأة به وهو مارّ: يا بن العلقمي؛ أهكذا كنت في أيام أمير المؤمنين؟ !

стр. 2417

وولي مع غيره وزارة التتار ببغداد بطريق الشركة. مرض بعد قليل، ثم مات غما وغبنا في سنة ست وخمسين وست مائة. ٣٠٦٩ - [الصرصري المادح] (١) أبو زكريا يحيى بن يوسف الصرصري الأصل، البغدادي الضرير، الشيخ الصالح القدوة. كان إليه المنتهى في معرفة اللغة وحسن الشعر، ومدائحه سائرة، وله ديوان شعر مشهور. قيل: إنه قتل بعكازه بعض التتار، ثم استشهد في سنة ست وخمسين وست مائة. ٣٠٧٠ - [أبو العباس القرطبي] (٢) أبو العباس أحمد بن عمر الأنصاري المالكي القرطبي المحدث، نزيل الإسكندرية. كان من كبار الأئمة، سمع بالمغرب من جماعة، واختصر «الصحيحين»، وصنف كتاب «المفهم في شرح مختصر مسلم» (٣). ٣٠٧١ - [أبو علي البكري] (٤) الحافظ أبو علي الحسن بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عمروك بن محمد البكري. توفي سنة ست وخمسين وست مائة.

стр. 2418

٣٠٧٢ - [الملك الناصر داود] (١) الملك الناصر داود بن المعظم بن العادل صاحب الكرك صلاح الدين. أجاز له المؤيد الطوسي، وسمع ببغداد. وكان حنفيا فاضلا، مناظرا ذكيا، بصيرا بالآداب، بديع النظم. توفي سنة ست وخمسين وست مائة. ٣٠٧٣ - [المستعصم بالله] (٢) الخليفة المستعصم بالله عبد الله بن المستنصر بالله العباسي، آخر الخلفاء العراقيين، وكانت دولتهم خمس مائة وأربعا وعشرين سنة. وكان جيدا كريما، سليم الباطن، قليل الرأي، حسن الديانة، مبغضا للبدعة. سمع، وأجيز له، ثم رزق الشهادة في دخول التتار بغداد في سنة ست وخمسين وست مائة، وتسمى: سنة المصائب؛ لأنه لم يحصل في غيرها من المصائب على المسلمين ما حصل فيها، يقال: إن القتلى فيها ببغداد بلغوا ألف ألف وثمان مائة ألف وكسرا. ٣٠٧٤ - [محيي الدين ابن الجوزي] (٣) محيي الدين يوسف بن الإمام أبي الفرج بن الجوزي. ضرب عنقه هو وأولاده، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم في سنة ست وخمسين وست مائة. وكان سفير الخلافة، وأستاذ دار المستعصم، كثير المحفوظ، قوي المشاركة في العلوم، وافر الحشمة.

стр. 2419

٣٠٧٥ - [الإمام المهدي أحمد بن الحسين] (١) الإمام المهدي لدين الله أحمد بن الحسين بن أحمد بن القاسم بن عبد الله بن القاسم بن أحمد بن أبي البركات إسماعيل بن أحمد بن القاسم بن محمد بن القاسم ترجمان الدين بن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين. كان إماما فاضلا، عالما عاملا، سيدا كاملا، حسن السيرة، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر. وكان قيامه في ثلا سنة ست وأربعين وست مائة، فأجابه خلق كثير من أنحاء اليمن، وكان أمثل الأئمة الزيدية في عصره، حليما كريما جوادا، ممدحا مقصودا، وللفقيه القاسم بن علي بن هتيمل فيه غرر المدائح، وكذلك الأديب ابن حمير. ولما انتشرت دعوته .. أجابه كافة الشيعة وعلماء الزيدية، ودخل في طاعته بنو حمزة وبنو الهادي من الأشراف، واتفقت كلمتهم عليه مدة، ثم اختلف الإمام وبنو حمزة، فخلعوا طاعته، وحاربوه، وانضم إليهم جماعة من علماء الزيدية فقتلوه في سلخ صفر سنة ست وخمسين وست مائة، وقيل: إنه قتل في اليوم الذي قتل فيه الخليفة المستعصم بالله العباسي، وتوجد عند قبره رائحة المسك. ٣٠٧٦ - [أحمد بن الإمام عبد الله بن حمزة] (٢) الأمير شمس الدين أبو الحسن أحمد بن الإمام عبد الله بن حمزة بن سليمان بن حمزة بن علي بن حمزة بن أبي هاشم الحمزي. كان أميرا كبيرا، رئيسا شجاعا مشهورا، جوادا مذكورا، إليه انتهت رئاسة بني حمزة وغيرهم من أشراف الشرف قاطبة. وكان شاعرا فصيحا، يقصده الشعراء ويمدحونه، فيجيزهم الجوائز السنية، وللأديب القاسم بن علي بن هتيمل فيه غرر القصائد.

стр. 2420

فلما توفي في ربيع الآخر أو جمادى الأولى من سنة ست وخمسين وست مائة .. قام برئاسة الأشراف بعده أخوه نجم الدين موسى بن الإمام عبد الله بن حمزة، ثم توفي، فخلفه أخوه الحسن بن الإمام عبد الله بن حمزة، ثم توفي، فخلفه أخوه داود بن عبد الله. ٣٠٧٧ - [ابن تامتّيت] (١) أبو العباس أحمد بن محمد الفاسي المحدث المعمر، نزيل القاهرة. كان صالحا خيّرا، روى بالإجازة العامة عن أبي الوقت. وتوفي سنة سبع وخمسين وست مائة. ٣٠٧٨ - [الملك الرحيم] (٢) بدر الدين لؤلؤ الأرمني صاحب الموصل، الملقب بالملك الرحيم، مملوك نور الدين أرسلان شاه. كان مدبر دولة أستاذه، ثم آل أمره إلى أن استقل بالسلطنة. وكان حازما شجاعا، مدبرا خبيرا. توفي سنة سبع وخمسين وست مائة. ٣٠٧٩ - [عبد الرحمن بن موسى التباعي] (٣) عبد الرحمن بن الفقيه موسى بن أحمد بن يوسف التباعي. ولد سنة ست عشرة وست مائة قبل موت أبيه بخمس سنين. وتفقه بالفقيه أبي بكر الجناحي (٤)، وكان فقيها فاضلا مشهورا.

стр. 2421

ولم يزل على أحسن حال إلى أن توفي لبضع وخمسين وست مائة. ٣٠٨٠ - [أحمد بن عبد الرحمن التباعي] (١) أحمد بن عبد الرحمن بن الفقيه موسى بن أحمد بن يوسف التباعي. كان فقيها ماهرا، ولي القضاء في بعض جهات وصاب، وكان يقال له: القاضي لذلك، وكان يسكن في بيت منفرد قريب من قرية والده التي تسمى: كونعة. ولم أقف على تاريخ وفاته، فذكرته في طبقة أبيه. ٣٠٨١ - [علي بن الحسن الأصابي] (٢) علي بن الحسن، الأصابي بلدا، القعيطي نسبا. ولد سنة سبع وسبعين وخمس مائة. تفقه بمحمد بن جديل من أهل سهفنة، وبيحيى بن فضل وغيرهما. وكان فقيها أصوليا فروعيا، نحويا لغويا، عارفا بالتفسير والحديث، عالما عاملا صالحا، ولما ابتنى المظفر مدرسته بتعز .. أمر أن يرتب فيها مدرسا يكون أعلم فقهاء تعز، فرتب المذكور، فدرس فيها أشهرا قلائل، ثم رجع إلى بلده السّحول، وتفقه به جمع كثير، منهم عمر الشبوي، وأبو بكر بن غازي وغيرهما، وصنف كتابا ضمنه الرد على الزيدية، وآخر فيه الرد على من يكفر تارك الصلاة، وغير ذلك من المصنفات المفيدة. قال الجندي: (وهو الذي سن الأذان لمن يسد اللحد على الميت، ومن وقته إلى عصرنا اعتمده كثير من الناس، يفعلونه بالمخلاف خاصة وفي غيره. قال الجندي: ولما فعل مرة بحضرة شيخنا أبي الحسن الأصبحي .. سألته عن معناه، فقال: هو منقول عن الفقيه علي بن الحسن، وكان فقيها عالما، ولعله أخذه من الأذان في أذن المولود، ويقول: ذاك أول خروجه إلى الدنيا، وهذا أول خروجه إلى الآخرة. قال الجندي: وأخبرني الثقة أنه طالع في «إحياء علوم الدين»، فرغب إلى العزلة

стр. 2422

والعبادة، فصالح غرماءه، وقضى ديونه، ثم ارتحل إلى قفر حاشد، وهو موضع لا يسكنه إلا الوحوش كالأسود وغيرها، ويسكنه البدو على حذر من الأسود، قال: فلما وصله وعزم على دخوله .. لم يهب شيئا، ولا داخله فزع حتى وصل إلى شجرة تحتها عين ماء تجري، قال: فأقمت عندها أربعين يوما والأسود تمر بي يمينا وشمالا ولا أهابها، وإنما هي عندي كالغنم، وأنا أقتات من الشجر، وأصلي ما استطعت، ثم سمعت صوت جماعة يقرءون القرآن، وآخرين يسبحون بنغمات طيبة، وكانت قد سقطت قواي من عدم الطعام، فحين سمعت الأصوات انتعشت قواي، فجعلت أسير وأتتبع الأصوات، فلم ألق أحدا، فقلت في نفسي: لو كان فيّ شيء من الخير .. لكنت ألقى القوم ولم يحتجبوا عليّ، فسمع قائلا يقول: يا فقيه علي؛ إن الله لم يستعملك لهذا، عد إلى بيتك، وانشر العلم، فهو أفضل من العبادة التي أقبلت عليها، فقلت له: سألتك بالله الذي أعطاك ما أعطاك، هل أنت إنسي أم جني؟ فقال: بل إنسي، فقلت: أظهر شخصك، فظهر رجل في صورة حسنة عليه مدرعة وقلنسوة، الجميع من صوف، فسلم، ورددت عليه، ثم أعاد علي ما كان كلمني به غيبا مشاهدة، فقلت في نفسي: لعل هذا شيطان، فقال: والله ما أنا بشيطان، ولقد نصحتك، فإن شئت .. فأقم، وإن شئت .. فرح بعد استخارة الله تعالى، ثم غاب عن بصري، فصليت الاستخارة، فلم أكد أفرغها حتى عرض بخاطري ذكر ابنة لي صغيرة كنت محبا لها، فلم أطق الوقوف بعد ذلك، بل عزمت إلى منزلي، فلما أخذت في ذلك .. داخلتني الوحشة من القفر، وصرت كلما سمعت حركة في طريقي .. ارتبت منها وأنا مع ذلك سائر حتى أتيت البيت. فلما قرب من المنزل .. رآه بعض من يعرفه، فبادر إلى أهل المنزل وبشرهم بوصوله، فكساه بعضهم ثوبا بشارة، فخرج الناس من القرية للقائه، فوجدوه يتلألأ نورا بحيث يعجز ناظره عن تأمله لذلك، ثم أقبل على نشر العلم بجد واجتهاد إلى أن توفي سنة سبع وخمسين وست مائة. وكان مسكنه المعيرير-بضم الميم، وفتح العين المهملة، ثم مثناة من تحت ساكنة، ثم راءين مهملتين بينهما مثناة من تحت ساكنة-قرية من ناحية المخادر، وبها توفي، وحمل على أعناق الرجال إلى قرية المحفد، ودفن قبلي مدرسته، وقبره يزار، وتوجد منه رائحة المسك خصوصا ليلة الجمعة، وعمره ثمانون سنة) (١).

стр. 2423

٣٠٨٢ - [عبد الله بن محمد المغلسي] (١) عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عامر المغلسي الهمداني. تفقه بعلي بن الحسن الأصابي، وبعبد الله بن ناجي. وكان فقيها صالحا، صحب الفقيه عمر بن سعيد العقيبي، ولما رجع شيخه الفقيه علي الأصابي من العزلة عن الناس من قفر حاشد إلى البلد، وجاء البشير بوصوله .. أعطى الفقيه عبد الله ثوبه للبشير. ولم أقف على تاريخ وفاته، فذكرته في طبقة شيخه. ٣٠٨٣ - [أحمد ابن سني الدولة] (٢) أحمد بن يحيى بن هبة الله الدمشقي الشافعي، قاضي القضاة، صدر الدين. توفي سنة ثمان وخمسين وست مائة. مذكور في الأصل. ٣٠٨٤ - [الملك السعيد] (٣) الملك السعيد حسن بن العزيز عثمان بن العادل صاحب الصبيبة وبانياس، تملك بعد أخيه الملك الظاهر، فأخذ الصبيبة منه الملك الصالح، وأعطاه إمرة مصر، فلما قتل المعظم بن الصالح .. ساق إلى غزة وأخذ ما فيها، وأخذ الصبيبة، فتملكها. وكان بطلا شجاعا، قاتل يوم عين جالوت، فلما انهزمت التتار .. جيء به إلى الملك المظفر، فضرب عنقه في سنة ثمان وخمسين وست مائة.

стр. 2424

٣٠٨٥ - [قطز الملك المظفر] (١) الملك المظفر سيف الدين قطز-بالقاف والطاء والزاي-المعزّي. لما مات المعز .. كان أتابك ولده المنصور، فلما رآه لا يغني شيئا .. عزله، وتسلطن. وكان بطلا شجاعا، ديّنا مجاهدا، انكسرت التتار على يده، واستعاد منهم الشام، وقتل في سنة ثمان وخمسين وست مائة. ٣٠٨٦ - [أبو عبد الله اليونيني] (٢) محمد بن أحمد اليونيني، الشيخ الفقيه الإمام. كان عالما زاهدا، خاشعا قانتا لله، عظيم الهيبة، مليح الصورة، حسن السمت والوقار. توفي سنة ثمان وخمسين وست مائة. ٣٠٨٧ - [ابن الأبار] (٣) أبو عبد الله محمد بن عبد الله القضاعي، الكاتب الأديب، الحافظ العلامة، أحد أئمة الحديث. قرأ القراءات، واطلع على الأثر، وبرع في البلاغة والنظم والنثر. وكان ذا جلالة، قتله صاحب تونس ظلما في سنة ثمان وخمسين وست مائة.

стр. 2425

٣٠٨٨ - [أبو بكر بن قوام] (١) أبو بكر بن قوام الشيخ الكبير. كان زاهدا عابدا قدوة، صاحب حال وكشف وكرامات، وله رواية. توفي سنة ثمان وخمسين وست مائة. ٣٠٨٩ - [الملك الكامل بن المظفر] (٢) الملك الكامل ناصر الدين محمد بن الملك المظفر غازي بن الملك العادل. كان عالما فاضلا، شجاعا عادلا، محسنا إلى الرعية، ذا عبادة وورع، لم يكن في بيته من يضاهيه، حاصرته التتار عشرين شهرا حتى فني أهل البلد بالوباء والقحط، ثم دخلوا وأسروه، وضرب ملكهم عنقه، وطيف برأسه، ثم علق على باب الفراديس بعد أخذ حلب، ثم دفنه المسلمون بمسجد الرأس داخل الباب، وذلك في سنة ثمان وخمسين وست مائة. ٣٠٩٠ - [علي بن أحمد الحرازي] (٣) علي بن أحمد بن الحسن الحرازي. ولد بزبيد، وتفقه بها، ثم صار إلى عدن، فصحب الشيخ إبراهيم السّرددي المذكور أولا (٤)، وأخذ عن الصغاني وغيره. وكان فقيها عارفا، صالحا فاضلا تقيا. وتوفي بعدن سنة ثمان وخمسين وست مائة.

стр. 2426

٣٠٩١ - [عمر بن مسعود الأبيني] (١) عمر بن مسعود بن محمد بن سالم، الحميري نسبا، الأبيني بلدا. تفقه بالفقيه محمد بن إسماعيل الحضرمي، وبعلي بن قاسم الحكمي، والإمام بطال بن أحمد الركبي، وإبراهيم بن علي بن عجيل وغيرهم. وكان فقيها مشهورا، عارفا محققا، متعففا متورعا، لزوما للسنة، معروفا بصحبة الخضر، ودرس بنظامية ذي هزيم. وبه تفقه محمد بن سالم البانة، وإبراهيم بن عيسى الجندي، وسعيد بن أنعم، وخلق سواهم، يقال: إنه خرج من أصحابه أربعون مدرسا. وتوفي على الطريق المرضي ثامن شوال سنة ثمان وخمسين وست مائة، فخلفه في التدريس بالمدرسة المذكورة تلميذه سعيد بن منصور المعروف بابن أنعم الآتي ذكره في العشرين بعد هذه (٢). ٣٠٩٢ - [أبو المعالي الباخرزي] (٣) أبو المعالي سعيد بن المطهر الباخرزي سيف الدين، الحافظ العارف، صاحب نجم الدين الكبرى، كان إماما في السنة، رأسا في التصوف. توفي سنة تسع وخمسين وست مائة. ٣٠٩٣ - [الملك الظاهر بن العزيز] (٤) الملك الظاهر غازي بن العزيز بن الظاهر بن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، شقيق الملك الناصر يوسف، أمهما تركية.

стр. 2427

كان شجاعا جوادا، قتل مع أخيه بين يدي الطاغية الكافر ملك التتار هولاكو في سنة تسع وخمسين وست مائة. ٣٠٩٤ - [ابن سيد الناس] (١) محمد بن أحمد الإشبيلي الخطيب الحافظ، المعروف بابن سيد الناس. عني بالحديث فأكثر، وحصل الأصول النفيسة، وختم به معرفة الحديث بالمغرب. توفي بتونس في رجب سنة تسع وخمسين وست مائة. ٣٠٩٥ - [محمد بن أحمد العنسي] (٢) محمد بن أحمد بن مصباح بن عبد الرحيم العنسي-بنون بين المهملتين-الأحولي، قال الجندي: (نسبة إلى ذي حوال-بضم الحاء المهملة، وفتح الواو، ثم ألف، ثم لام-قرية من وادي ذي جبلة) (٣)، قال الخزرجي: (والصواب أن يقال فيه: الحوالي) (٤). ولد المذكور سنة سبع وسبعين وخمس مائة، وأخذ عن أبي جديد، وإسماعيل بن سيف السنة، ومحمد بن مضمون وغيرهم. ولما علم بمعمر في الهند (٥) .. ارتحل إليه، فوجده قد توفي قبل قدومه بقليل، فدخل يزد، وأخذ بها عن محمد بن إبراهيم اليزدي، ثم عاد إلى جبلة، فقعد عطّارا مع الاشتغال بقراءة الكتب واستماعها، وتحصيل أسانيدها، والاجتهاد في طلب عواليها، ولما بنت الدار النجمي المسجد المنسوب إليها بجبلة .. جعلته مدرسا فيه. وكان فقيها متدينا، صالحا لما أهّل له من التدريس، وعنه أخذ جمع كثير؛ لعلو سنده وغزر روايته، منهم الفقيه عمر بن سعيد العقيبي.

стр. 2428

وتوفي لأربع بقين من ذي القعدة سنة تسع وخمسين وست مائة، وخلفه في تدريس المدرسة ابنه حسين الآتي ذكره في العشرين الأخيرة من هذه المائة (١). ٣٠٩٦ - [الملك الناصر بن العزيز] (٢) الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن العزيز بن الظاهر بن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب. سلطنوه بعد أبيه وهو ابن سبع سنين، ودبّر المملكة شمس الدين لؤلؤ، والأمر كله راجع إلى جدته الصاحبة ضيفة بنت العادل، أخت الملك الكامل، ولأجل هذا سكت [الكامل] عنه، فلما ماتت .. استقل [الملك الناصر]، واشتغل عنه الكامل بعمه الملك الصالح وعمره إذ ذاك أربع عشرة سنة، ثم أخذ عسكره له حمص، ثم سار هو وتملك دمشق، ودخل بابنة السلطان علاء الدين صاحب الروم. وكان حسن الأخلاق جوادا، يقول الشعر، ويجيز عليه، وللشعراء في أيامه دولة. وقع في قبضة التتار، فذهبوا به إلى ملكهم هولاكو، فأكرمه، فلما بلغه كسر جيشه على عين جالوت .. غضب، وأمر بقتله، فتذلل له، فأمسك عن قتله، فلما بلغه كسر جيشه مرة أخرى .. تنمّر عدو الله وأمر بقتله وقتل أخيه الظاهر، فقتلا في سنة تسع وخمسين وست مائة، وكان فيه بعض عقل مع ملابسة الفواحش على ما قيل. ٣٠٩٧ - [المستنصر بالله الأسود] (٣) المستنصر بالله أحمد بن الظاهر محمد بن الناصر لدين الله العباسي الأسود. قدم مصر في سنة تسع وخمسين وست مائة، وأثبتوا نسبه، ثم عقدوا له الخلافة في رجب، فأول من بايعه الملك الظاهر ركن الدين، ثم الأعيان على مراتبهم، وصلّى بالناس

стр. 2429

يوم الجمعة وخطب، ثم ألبس السلطان خلعة بيده وطوّقه، وأمر له بكتابة تقليد بالأمر، وركب السلطان بتلك الخلعة الخليفية، وزينت القاهرة. وهو الثامن والثلاثون من خلفاء بني العباس. وكان جسيما شجاعا، عالي الهمة، رتب له السلطان أتابكا، وأستاذ دار، وحاجبا وكاتب إنشاء، وجعل له خزانة، ومائة فرس، وثلاثين بغلا، وستين جملا، وعدة مماليك، فلما قدم دمشق وسار إلى العراق .. استماله الحاكم بأمر الله العباسي، وأنزله معه في دهليزه، ثم دخل المستنصر هيت، ثم التقى المسلمون والتتار، فانهزم التركمان والعرب، وأحاطت التتار بعسكر المستنصر، فحرقوا وساقوا، فنجا طائفة منهم الحاكم، وقتل المستنصر، وقيل: عدم ولم يعلم ما جرى له، وقيل: قتل ثلاثة من التتار، ثم تكاثروا، فاستشهد ﵀، وذلك في سنة ستين وست مائة. ٣٠٩٨ - [عزّ الدين بن عبد السلام] (١) الشيخ الفقيه الإمام العلامة المفتي المدرس القاضي الخطيب سلطان العلماء، وفحل النجباء، المقدم في عصره على سائر الأقران، بحر العلوم والمعارف، والمعظم في البلدان، ذو التحقيق والإتقان، شيخ الإسلام عزّ الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي الدمشقي الشافعي. قال أهل الطبقات: سمع من عبد اللطيف بن أبي سعد، والقاسم بن عساكر، وجماعة. وتفقه على الفقيه الإمام العلامة فخر الدين بن عساكر، وبرع في الفقه والأصول والعربية، واختلاف المذاهب والعلماء، وأقوال الناس ومآخذهم حتى قيل: بلغ رتبة الاجتهاد المطلق، ورحل إليه الطلبة من سائر البلاد. وممن أخذ عنه الإمام شرف الدين الدمياطي، والقاضي الإمام المفيد تقي الدين ابن دقيق العيد وغيرهما.

стр. 2430

قال الشيخ اليافعي: (وكان عزّ الدين المذكور ﵁ يصدع بالحق ويعمل به، متشددا في الدين، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يخاف سطوة ملك ولا سلطان، بل يعمل بما أمر الله ورسوله وما يقتضيه الشرع المطهر، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وأنكر ﵁ صلاة الرغائب، والنصف من شعبان. قال: ووقع بينه وبين شيخ دار الحديث الإمام أبي عمرو بن الصلاح ﵀ في ذلك منازعات ومحاربات شديدات، وصنف كل واحد منهما في الرد على الآخر، واستصوب المحققون مذهب الإمام ابن عبد السلام في ذلك، وشهدوا له بالبروز بالحق، وكان ظهور صوابه في ذلك جديرا بما أنشده في «عقيدته» في الاستشهاد على ظهور الحق: [من البسيط] لقد ظهرت فما تخفى على أحد ... إلا على أكمه لا يعرف القمرا ومن مصنفاته: «التفسير الكبير»، وكتاب «القواعد الكبرى»، و «مختصر النهاية»، و «العقيدة»، وغير ذلك. ولما سلّم الملك الصالح إسماعيل بن الملك العادل صفد-قلعة في بلاد الشام-ساء ذلك المسلمين، ونال منه الشيخ الإمام عزّ الدين على المنبر، ولم يدع له في الخطبة، وكان خطيبا بدمشق، فغضب الملك المذكور، وعزله وسجنه، ثم أطلقه، فتوجه إلى الديار المصرية هو والإمام ابن الحاجب بعد أن كان معه في الحبس، فتلقاه الملك الصالح نجم الدين أيوب صاحب مصر وأكرمه، وفوض إليه قضاء مصر وخطابة الجامع، فقام بذلك أتم قيام، وتمكن من الأمر بالمعروف. وتوفي ﵀ بمصر سنة ستين وست مائة، وشيعه الملك الظاهر، وكان قد ولي قضاء القضاة، وعزل نفسه ﵁ وعمره اثنتان وثمانون سنة) (١). ٣٠٩٩ - [ابن العديم الصاحب] (٢) عمر بن أحمد العقيلي الحلبي، العلامة المعروف بكمال الدين بن العديم الصاحب، من بيت قضاء وحشمة.

стр. 2431

سمع بدمشق وبغداد، والقدس والنواحي، وأجاز له المؤيد وخلق. وكان قليل المثل، عديم النظير فضلا ونبلا، ورأيا وحزما، وذكاء وبهاء، وكتابة وبلاغة، ودرس وأفتى وصنف، وجمع تاريخا لحلب في نحو ثلاثين مجلدا، وولي خمسة من آبائه القضاء على نسق، وقد ناب في سلطنة دمشق عن الناصر. وتوفي بمصر في سنة ستين وست مائة. ٣١٠٠ - [إبراهيم أبو شكيل] (١) إبراهيم بن علي بن سالم أبو إسحاق الخزرجي الأنصاري، المعروف بأبي شكيل، وبه لقب ابن أخيه الآتي ذكره إن شاء الله تعالى (٢). ونسبه في بني ساعدة بن كعب بن الخزرج كما قاله نور الدين علي بن الحسن الخزرجي (٣)، لا كما قال الجندي في تيم الله بن الخزرج (٤)؛ إذ ليس في الخزرج تيم الله بن الخزرج، وإنما تيم الله بن عمرو بن الخزرج، وهو الذي يسمى النجار، وليس أبو شكيل من بني النجار، وإنما هو من بني ساعدة بن كعب بن الخزرج، والله سبحانه أعلم. تفقه المذكور بفقهاء بلده تريم، ثم ارتحل إلى الشحر، وأخذ عن أحمد السّبتي، وامتحن بقضاء الشحر من قبل سلطانها عبد الرحمن بن إقبال، ثم عزل نفسه، وعاد إلى بلده تريم. وكان فقيها فاضلا، عارفا ورعا، عاملا بعلمه، ثم رجع إلى الشحر، فخرج السلطان وأهل البلد للقائه؛ فرحا بقدومه، فقال له السلطان: لعلك تعطفت علينا، وعزمت على معاودة بلدنا، فقال: إنما جئت من جهة حكومات حكمت بها، وأنا متردد فيها، فأحببت التحلل من أهلها، فلا أرى الأجل إلا قد قرب، ثم جعل يسأل عن القوم، وكلما اجتمع بأحد منهم .. سأله عن حكومته، واستبرأه منها ومن مأثمها، فآخر من وصله عجوز، فلما أخبرها بالأمر واستحلها .. بكت بكاء شديدا، ثم أحلته بعد أن سألته الدعاء، فمد يده ودعا

стр. 2432

لها، ثم سار من فوره راجعا إلى بلده، فبعث السلطان عبد الرحمن إلى ابن أخيه بشيء من المال يعطيه الفقيه يتزود به، فلما أخبر الفقيه بذلك .. قال: لا حاجة لي بشيء إلا منك، فالذي أريده منك كذا وكذا زادا، وكذا وكذا من الحوائج، فأخذ له حاجته بمبلغ زهيد، فلما وصل منزله .. أبرك جمله على باب بيته، ونزل منه، فانعسفت رجله، فلم يدخل إلى بيته إلا محمولا، ومرض أياما، ثم توفي على رأس ستين وست مائة (١)، وتأمل فقهاء عصره تلك الحكومات التي استبرأ منها، فوجدوه قد حكم في كلها بظاهر الشرع، إلا أن الورع يتردد في صحتها باطنا. ٣١٠١ - [علوان الجحدري] (٢) أبو منصور علوان بن عبد الله بن سعيد الجحدري، ثم المذحجي نسبا، الكردي لقبا. كان قيلا من أقيال اليمن، وأوحد أعيان رؤساء الزمن، شجاعا مقداما، مطعاما مطعانا، عزيز الجار، رحيب الدار، عفيف الإزار، منيع الذمار، ملك حجرا ونواحيها، وتغلب على حصونها: العروسين ووعل والنويرة ونعمان شرقي الجند، وحارب ملوك الغز، فلم يظفروا منه بطائل. وكان شاعرا فصيحا، وهو القائل أيام قتال المنصور: [من البسيط] من تاب عن حرب نور الدين من جزع ... فإنني عنه ما عمّرت لم أتب فلما طال عليه الحصار من المنصور .. باع حصونه عليه بمال جزيل، وأضمر المنصور أنه إذا نزل من الحصن .. أسره، واستعاد منه ما قبض من المال، فنزل متنكرا مع النساء، وترك خلفه من يجهز ما في الحصن ويتبعه به، وقد كتب له عدة علامات، فصار النائب يكتب تحتها بما شاء إلى السلطان وغيره، فلما فرغ ما في الحصن .. نزل نائبه، ثم سئل عن الشيخ فقال: هو أول من نزل مع الحريم-كما نقل عن جوهر المعظمي حين باع الدّملوة على سيف الإسلام طغتكين بن أيوب (٣) -ولم يزل المنصور يسعى في لزومه حتى اتفق له ذلك، فأتي به إليه أسيرا، فحبسه في حصن حب مدة، فكان يدعو الله تعالى ويتضرع إليه خلف كل

стр. 2433

صلاة في الخلاص من حبسه، فرأى في النوم من يقول له: ادع الله بهذه الكلمات: اللهم؛ إني أسألك بما ألهمت به عيسى من معرفتك، وما علمته من أسمائك التي صعد بها إلى سمائك، وبما علمته من ربوبيتك ووحدانيتك؛ إلا فككت أسري برحمتك، فلم يزل يكرر ذلك الدعاء حتى أطلقه الله، ورد عليه حصونه كلها. ولما توفي المنصور، ونزل المظفر من تهامة، وحط على حصن تعز .. استعان بالشيخ علوان المذكور، فأقبل إليه بنحو عشرين ألفا من مذحج، فلما أخذ المظفر حصن تعز .. جعل الجند للشيخ علوان ولمن معه نهبا، فلما علم أهل الجند بتوجه علوان إليهم لنهبها .. أغلقوا أبواب الجند، واجتمعوا في مسجدها على تلاوة القرآن والصلاة والتضرع إلى الله بكفاية شر علوان، فرأى علوان في المنام كأن مسجدا يطوف حول المدينة وفيه جماعة يصلون ويقرءون القرآن، وعلى أبوابه جماعة بأيديهم سيوف مصلتة، وهم يهمون بضرب من دنا منهم أو دنا من المدينة، قال: فقلت لبعضهم وأنا بعيد منه: ما هذا؟ فقال: مسجد الجند يطوف حولها ويحميها من تعدّي علوان عليها أو على أهلها، وهؤلاء ملائكة على بابه واقفون يصدون عنه من أراده وأهله بسوء، وهؤلاء الذين في وسطه أهله يدعون الله بكفاية شر علوان، فاستيقظ علوان، وقص الرؤيا على فقيهه عبد الله بن يحيى بن أحمد ابن أبي الليث الهمداني الآتي ذكره في العشرين بعد هذه (١)، ثم قال: ومن تكن الملائكة تحرسهم .. فكيف يليق التعرض لهم؟ ! فقال له الفقيه: لا مصلحة لك في ذلك، فارتحل عنهم، وتاب الشيخ علوان في آخر عمره، وحسنت توبته، وصلح أمره، وقال يعاتب نفسه: [من الطويل] وقد كان ظني الغيّ واللهو إنما ... يكونان في عصر الشباب الغرانق فلما أتاني الشيب وانقرض الصبا ... نظرت وذاك الغيّ غير مفارق فقال بلى لكن رأيتك ربما ... تكون بإحدى الحالتين موافقي فقلت له لا مرحبا بك بعدها ... وإنك مني طالق وابن طالق فقال سمعنا ما حلفت به لنا ... وكم مثلها قد قلتها غير صادق فقلت أمن بعد الطلاق فقال لي ... وأيّ طلاق للنساء الطوالق فقلت له لي منك جار يجيرني ... فقال ومن هو قلت ذو العرش خالقي

стр. 2434

فولّى له مني ضجيج فقلت لا ... تضجّ وبادر نحو كل منافق ومن محاسن علوان رحمه الله تعالى: كان متى بلغه أن يتيمة بلغت الزواج ولم يرغب فيها أحد .. خطبها لنفسه، وأحضر لها مالا له قدر وتزوجها، ثم يخلو بها ويطلقها، وربما يطلقها قبل الدخول بها، فيرغب فيها غيره؛ إما للمال، أو شحا على زواجته (١). ولم يزل على الطريق المرضي إلى أن توفي على رأس ستين وست مائة، وخلف ولدين ضعفا عن القيام مقامه، فباعا الحصون على الملوك. ٣١٠٢ - [الحسين بن محمد السحولي] (٢) الحسين بن محمد بن الحسين أبو عبد الله. كان فقيها صالحا، عابدا زاهدا، مشهورا باستجابة الدعوة. قال الجندي: (أخبرني الثقة أن الفقيه سعيد بن منصور أثقله الدين، فقصد زيارة الفقيه حسين المذكور من بلده، فلما اجتمع به .. سأله أن يدعو له بقضاء الدين، فدعا له الفقيه حسين: اللهم؛ اقض دينه، وفرج همه، فلما رجع إلى منزله .. وجد رسل الشيخ علوان ينتظرونه، فخرج معهم إلى الشيخ علوان، وكان باب علوان كأبواب الملوك، فلم يجتمع به إلا بعد يومين أو ثلاثة، فلما اجتمع به .. قال له: يا فقيه؛ خطر ببالي منذ مدة أن أبني مدرسة، ثم فكرت أن هذه البلدة ليست ببلد مدارس، وأن عمل المدارس فيها إضاعة للمال، فلما كان ليلة كذا، وعزمت على ما كنت نويته من قبل .. وقع في قلبي أن أجعلك مدرسها، فأرسلت إليك، ثم لم يبق عزمي على ذلك بعد ما أرسلت إليك، فبالله عليك، ما كان من فعلك تلك الليلة-يعني الليلة التي اجتمع فيها هو والفقيه حسين-فأخبره باجتماعه بالفقيه حسين، ودعاء الفقيه حسين له بقضاء الدين، فقال له الشيخ علوان: كم دينك؟ فأخبره به، فلما أخبره به .. أذن له في الرجوع إلى بلده، فخرج من عنده ولم يصله بشيء، فما وصل الفقيه سعيد إلى منزله إلا وجد فيه طعاما كثيرا، وأحمالا من الزبيب والحطب، وكيسا فيه الدين الذي ذكره لعلوان، ومثله، فقيل له: هذا أرسل به إليك الشيخ علوان،

стр. 2435

فعجب الفقيه من أدب علوان، وعلم أن ذلك ببركة الفقيه حسين) (١). وتوفي الفقيه حسين بقرية العراهد من وادي السّحول، وكان مسكنه بها، وهي بفتح العين المهملة والراء، ثم ألف بعدها هاء مكسورة، ثم دال مهملة. ولم أقف على تاريخ وفاته، وإنما ذكرته هنا؛ لأنه كان حيّا في أيام الشيخ علوان الجحدري المذحجي. ٣١٠٣ - [سعيد بن منصور] (٢) سعيد بن منصور بن علي بن عبد الله بن إسماعيل بن أحمد بن أبي الخير بن الحسين بن مسكين أبو محمد. تفقه بمحمد بن مضمون، وكان فقيها صالحا، في غاية من الزهد والورع والعبادة مع الاشتغال بقراءة الكتب، ودرس بالمدرسة النجمية بذي جبلة. وكان بينه وبين الفقيه عمر بن سعيد العقيبي صحبة ومؤاخاة ومعاقدة على أن من مات منهما قبل صاحبه .. حضره الآخر، وتولى غسله والصلاة عليه، فقدر الله موت الفقيه سعيد ببلده دلال بعد أن زهد في المدرسة، وأوصى إلى من يثق به أن يرسل رسولا قاصدا متى أن مات إلى الفقيه عمر بن سعيد يعلمه بموته، وتوفي نصف الليل، فبادر الوصي، فأرسل قاصدا إلى الفقيه عمر بن سعيد، فلما بلغ نصف الطريق .. واجهه الفقيه عمر بن سعيد مقبلا، فقال له: مات الفقيه؟ قال: نعم. وكانت للفقيه سعيد كرامات ظاهرة في حياته وبعد موته، منها ما يروى أن زريعا الحداد دخل عليه عقب عيد النحر وكان بينهما صحبة متأكدة، فقال: يا سيدي الفقيه؛ رأيت ما كان أحلى الحج في هذه السنة، فنظره الفقيه بازورار، ففهم زريع كراهية الفقيه لذلك، فسكت مستحيا، ثم جعل الفقيه يعتذر له، ويغالط الحاضرين، قال المخبر: فلما خرج الحاضرون .. قلت للفقيه: يا سيدي؛ نحن محبوكم وصحبناكم، ثم يحصل لكم هذا النصيب الوافر فلا تشركوننا فيه، ولا في شيء منه؟ ! فأراد الفقيه مغالطتي وإنكار ذلك،

стр. 2436

فلم أقبل منه، فقلت: سألتك بالله يا سيدي إلا ما أخبرتني كيف تفعلون؟ هل هو طيران أم خطو أم ما ذلك؟ فقال له الفقيه: هو شيء لا أستطيع تكييفه، بل هو قدرة من قدرة الله تعالى، يختص بها من يشاء من عباده. قال: وبلغني وفاته في نحو من ستين وست مائة بعد أن بلغ عمره نحوا من ثمانين سنة، وكل ذلك على طريق التقريب، والله أعلم. ٣١٠٤ - [عبد الله الجماعي] (١) عبد الله بن عبد الرحمن بن الفقيه محمد بن أحمد بن الفقيه عمر بن إسماعيل بن علي بن إسماعيل بن يوسف بن علقمة الجماعي ثم الخولاني، وجماعة-بضم الجيم-بطن من خولان. ولد سنة إحدى وتسعين وخمس مائة، وأدرك جده محمد بن أحمد، وأخذ عنه. وعنه أخذ الفقيه محمد بن أبي بكر الأصبحي، والفقيه محمد بن عمر الزيلعي، وسمعا منه كتاب «الرقائق» لابن المبارك. وكان عارفا بالفقه والحديث والتفسير، يحفظ «تفسير النقاش» حفظا جيدا، محبوبا عند الناس، مقبول الشفاعة، وكان يتنعم في مطعمه وملبسه فيدّان، فإذا ضاق حاله من الدين .. نزل إلى منصورية الجند، وتخلى له مدرسها عن منصبه، فيدرس بها مدة بقدر ما يحصل له من معلومه قضاء دينه، ولا يأكل من معلومها شيئا، فإذا قضى دينه .. رجع إلى بلده مبادرا، ومن بقي عليه شيء من قراءته لم يتمها .. لحقه إلى بلده، فيتم قراءته هنالك. وكان صاحب كرامات ومكاشفات، ومنها قصة الهرة المشهورة، وهو أنه كان ليلة قائما يصلي ورده، وسمع من الشارع في قبالة الطاق الذي في بيته من ينادي: يا مسعودة، يا مسعودة، فأخفّ الفقيه الصلاة، ثم أشرف من الطاق، فإذا كلب على جذم حائط (٢) يحدث هرة خرجت من بيت الفقيه حين دعاها، فقالت له الهرة: من أين جئت؟ قال: من زبيد اليوم؛ لأن الملك المعز قتل، وأريد أبلّغ الخبر صنعاء، ولكني جوعان، فانظري لي

стр. 2437

شيئا آكله، فقالت له: ليس في البيت شيء إلا وقد غطي وذكر اسم الله عليه، قال: فما فيه صغير قد أكل شيئا فنام قبل أن يغسل فمه؟ قالت: بلى، ولكني أخشى أن تضره، قال: لا، ولكن إذا أصبح وعلى فيه شيء .. فاطلوه بطحلب الجرة (١)، ثم غاب الكلب عن نظر الفقيه، ورجع الفقيه إلى ورده وإذ به يسمع بكاء ابن له صغير في مهده، فاستيقظت أمه، وحركته حتى نام، فلما أصبح .. ظهر على فم الصبي بثر، فقالت أمه للفقيه: انظر هذا الذي أصبح على فم ابني، فقال: منك، تطعمينه ولا تغسلين له فمه من الطعام، فذكرت أنها لم تغسل فمه تلك الليلة من الطعام، فأخذ الفقيه طحلب الجرة، وطلا به فم الصبي فبرئ، ثم أقبلت الهرة تمشي على عادتها، فقال لها الفقيه: هكذا يا مسعودة تساعدين علينا؟ ! فنظرت إلى الفقيه ساعة ثم ولت، فقال الفقيه: قد ربينا هذه الهرة، فالله عليها خير حفظا، فنزلت الهرة إلى الدّهليز، وأرادت تخرج من طاقة، فحنبت فيها (٢)، فلما كان بعد يومين .. فقدت، فبحثوا عنها، فوجدوها قد حنبت في تلك الطاقة، فأمر الفقيه من خلصها وأتى بها إليه، فقال لها: لا بأس عليك، لا تغيري الصحبة. فلما اشتهرت هذه الحكاية .. صار كل من حصل عليه بثر حول فمه طلاه بطحلب الجرة فبرئ، وجرب ذلك مرارا. وكان الفقيه المذكور خطيب بلده وإمام جامعها. وتوفي نحوا من سنة ستين وست مائة، وحضر دفنه خلق لا يحصون. قال الجندي: (ومن غريب ما جرى يوم موته أنه كانت له بقرة-غالب إدامه من درها ودهنها-هلكت يوم وفاته، وأخرجت من الموضع قبل أن يخرجوا بالفقيه، وكان بينه وبين مؤذن مسجده مودة أكيدة، فلما توفي الفقيه .. خرج المؤذن في جملة المشيعين، وخرج معه بولد صغير له يحمله على كتفه؛ خوفا عليه من الزحام، فلما فرغ من الدفن .. جعل يطلب ولده يمينا وشمالا، فلما لم يبن .. صاح به، فأجابه الصبي وهو على كتفه، فتعجب الناس من اشتغال خاطره حتى نسي ابنه وهو على كتفه) (٣).

стр. 2438

٣١٠٥ - [علي بن عمر] (١) علي بن عمر بن علي بن مسعود بن أخي القاضي مسعود بن علي بن مسعود. كان فقيها عارفا محققا، ولي قضاء صنعاء برهة من الزمان، ثم استعفى المنصور الغساني عن القضاء فأعفاه، وولي قضاء صنعاء بعده أخوه لأمه عمر بن سعيد الآتي ذكره (٢). وحج القاضي علي بن عمر سنة تسع وخمسين وست مائة. وتوفي بعد عوده من الحج من صفر من سنة ستين وست مائة. ٣١٠٦ - [محمد بن أبي بكر العمراني] (٣) محمد بن القاضي أبي بكر بن أحمد بن محمد بن موسى بن الحسين العمراني. كان فقيها فاضلا، حسن الفقه، توفي أبوه وهو مراهق، فأضاف المنصور القضاء إلى عمه أسعد بن محمد بن موسى المتقدم ذكره (٤)، فتوقف عن القبول، فقال له المنصور: إلى أن يكمل ولد القاضي أبي بكر لمكان أبيه من القضاء، فلما كمل .. كتب القاضي أسعد إلى السلطان يخبره بكماله، فولاه السلطان قضاء الأقضية، فسلك فيه مسلك أبيه من حسن الطريقة، ولين الأخلاق المحمودة. وكان محمود السيرة إلى أن توفي على الطريق المرضي في عشر الستين وست مائة. ٣١٠٧ - [الحسين بن محمد العدني] (٥) الحسين بن محمد بن عدنان أبو عبد الله.

стр. 2439

كان فقيها فاضلا، دينا تقيا، حسن السيرة، قانعا من الدنيا باليسير، وكان إمام مسجد الزنجبيلي بعدن مدة، ثم إن أهل تانة كتبوا إلى المظفر يسألونه أن يبعث إليهم فقيها يكون حاكما بينهم، فكتب المظفر إلى نائبه بعدن يأمره أن ينظر فقيها جيدا عارفا، يصلح لما طلبوه، فعين الفقيه حسينا المذكور، فأمره السلطان أن يزوده، ويبعث به إليهم، ففعل ذلك، وسار الفقيه إليهم، فأقام عندهم إلى أن توفي، وكانوا يثنون عليه في حكمه. ولم أقف على تاريخ وفاته، وإنما ذكرته هنا؛ لأنه كان موجودا في أيام المظفر (١). ٣١٠٨ - [عبد الله ابن الضرغام] (٢) عبد الله بن محمد بن الضرغام. كان فقيها فاضلا، تفقه به جماعة، منهم علي بن أحمد الجنيد، وعمر بن محمد الجرهمي، وابن عمه سليمان وغيرهم. ولم أقف على تاريخ وفاته، فذكرته هنا؛ تبعا لابني عمه سليمان وأحمد ابني علي (٣). ٣١٠٩ - [عثمان ابن شاوح] (٤) أبو عفان عثمان بن علي بن سعيد بن شاوح. كان فقيها صوفيا، تفقه ثم تصوف وصحب الشيخ مدافع بن أحمد مقدم الذكر في العشرين الأولى من هذه المائة (٥)، ولما لزم المسعود الشيخ مدافع ونفاه عن بلده .. استخلف الشيخ مدافع الفقيه عثمان بن شاوح على أصحابه. ويحكى أن الشيخ عليّا الرّميمة قال للقاضي تقي الدين محمد بن علي: يا قاضي؛ من السلطان اليوم؟ قلت له: الملك المظفر، قال: هكذا كنت أظن، حتى كانت ليلة أمس،

стр. 2440

فقمت لوردي، فبينا أنا أصلي؛ إذ سمعت جميع البيت حتى الخشب والصرب (١) وما فيه من آلة يقول: جاء السلطان، جاء السلطان بفرح، حتى سمعت طاقيتي تقول ذلك، حتى الحيوان الذي في البيت، فغلب على ظني أن المظفر سيصل إلي، فلما أصبحت .. أمرت أهلي بتنظيف البيت، فلما دفيت الشمس .. أقبل الفقيه عثمان ابن شاوح يسير على ضعف وفي يده عصا يتوكأ عليها، وكان له بالقرب من بيتي مزرعة فيها زرع جيد، فدخل عليّ البيت، وصافحني بعد السلام، فقلت له: يا فقيه؛ ما أحسن زرع ضيعتك، فتنفس الصعداء وقال: ضيعتي آخرتي، فحين قال ذلك .. غلب على ظني أنه السلطان المعني، فقلت له: نعم أنت السلطان، فقال: وقد أعلموك؟ ! أحسن الله العاقبة والخاتمة. قال الجندي: (وأخذ الخرقة عن هذا الفقيه جماعة، منهم الشيخ عمر المسن، وله قرابة يعرفون ببني شاوح هم أولاد أخيه، وأما هو .. فلا عقب له، ولا أظنه تأهل بامرأة قط) (٢). ولم أقف على تاريخ وفاته، وإنما ذكرته هنا؛ لأنه كان موجودا في أيام المظفر. ٣١١٠ - [محمد بن علي الحكمي] (٣) محمد بن الفقيه علي بن محمد الحكمي، تقدم ذكر أبيه في العشرين قبل هذه (٤). كان المذكور فقيها بارعا، عارفا مجتهدا، درس بعد أبيه بمدرسة الميلين بزبيد، ولم تزل ذريته يتوارثون التدريس فيها مدة طويلة، وما برحوا يجللون ويحترمون ببركته. ولم أقف على تاريخ وفاته، إلا أنه كان موجودا في هذه العشرين؛ فإن الجندي ذكر أنه رأى إجازة له في إقرائه لبعض الطلبة في كتاب «المهذب» مؤرخة بجمادى الأولى من سنة خمسين وست مائة (٥).

стр. 2441

٣١١١ - [عمر بن إبراهيم الحداد] (١) عمر بن إبراهيم بن علي الحداد، أصله من سهفنة، ونسبه صعبي. تفقه بعرج على الفقيه أحمد بن مقبل الدّثيني، ثم رحل إلى تهامة، فقرأ بها على الفقيه محمد بن إسماعيل الحضرمي، ثم عاد إلى سهفنة، ثم إلى عرج إلى الفقيه أحمد بن مقبل. وكان فقيها صالحا، زاهدا عابدا، خيّرا ورعا، وكان بينه وبين الفقيه أبي بكر بن محمد بن ناصر مؤاخاة، وكثيرا ما يتزاوران. قال ابن ناصر: ما أحد هون الدنيا فهانت عليه مثل الفقيه عمر بن الحداد. وكان كثير الحج والزيارة، توفي بالمدينة. ولم أقف على تاريخ وفاته، فذكرته في طبقة ابن ناصر المذكور (٢). ٣١١٢ - [محمد السباعي] (٣) محمد بن خليفة السّباعي. تفقه بعمه علي بن مسعود مقدم الذكر (٤)، وأخذ عن الزبير، وكان فقيها عارفا. ولم أقف على تاريخ وفاته، فذكرته هنا؛ تبعا لشيخه علي بن مسعود. ٣١١٣ - [محمد بن عبد الله الحارثي] (٥) محمد بن عبد الله بن عبد المحمود الحارثي-نسبة إلى جد له اسمه الحارث-وكانت أمه من قرابة الفقيه علي بن مسعود، فلما رأى اجتهاد خاله علي بن مسعود وما ظهر عليه من

стр. 2442

بركة العلم .. جدّ المذكور في الاشتغال بطلب العلم حتى صار فقيها كبيرا، عارفا مشهورا فاضلا خصوصا في علم الفلك، وابتنى له المظفر جامع واسط، فدرس فيه. قال الجندي: (وقيل: إنما بناه لبعض بني الدليل، والله أعلم بالصواب) (١). ولم أقف على تاريخ وفاته، وغالب ظني أنه كان في هذه العشرين حيا موجودا. ٣١١٤ - [جعفر بن أبي الفهم] (٢) جعفر بن أبي الفهم الملقب عزّ الدين. كان أميرا جليلا، نبيها فاضلا أديبا، حسن المحاضرة، حضر مجلس المظفر وفيه طائر قد علم أنه إذا أشير إليه .. غرد وطرب، فأشار إليه المظفر، ففعل ما يعتاد من ذلك، فقال الأمير عزّ الدين في ذلك: [من المنسرح] أيوسف العصر أنت سلطان ... عبدك فيما يراه حيران أجابك الطير إذ أشرت له ... أيوسف أنت أم سليمان وهو الذي أرسله المظفر إلى الخليفة المستعصم بالله بن المستنصر العباسي ببغداد في سنة تسع وأربعين وست مائة، فسار طريق براقش، وسلك الرمل، واتخذ الأدلة من البادية، يحكى أنهم ساروا من براقش إلى العراق أربعة عشر يوما، فحضر مقام الخليفة، وعرض عليه الكتاب، فقرأه الخليفة، وأمر أن يكتب له منشورا، وولاّه اليمن، وقال الخليفة: كم جائزة صاحب اليمن؟ فقالوا: عشرة آلاف دينار وخلعة، فقال الأمير عزّ الدين: وكم جائزة صاحب مصر؟ قالوا: أربعون ألفا، فقال عزّ الدين: لا أقبل لمخدومي دونها، فقال له الوزير: إن إقليم مصر كبير، أكبر من إقليم اليمن، فقال عزّ الدين: ما كان في اليمن من ضعف فأوصاف مخدومي تجبره، فقال له الخليفة: لقد سررنا بمقالتك، ثم قال: أجيزوه بجائزة صاحب مصر، ففعلوا، ثم رجع عزّ الدين بن أبي الفهم إلى اليمن ومعه رسول الخليفة، فلما وصل إلى اليمن .. ألبس المظفر الخلعة، وقرأ له المنشور، وولاه العهد بوكالة المستعصم بالله.

стр. 2443

ولم أقف على تاريخ وفاة ابن أبي الفهم، وإنما ذكرته هنا؛ لأنه كان موجودا في هذه العشرين، والله أعلم. ٣١١٥ - [الحسن ابن فيروز] (١) الحسن بن أبي بكر بن فيروز. كان أميرا كبيرا، عالي الهمة، كبير النفس دينا، يحب الفقهاء والصالحين، متنسكا، كثير التلاوة، ابتنى مدرسة في إب. قال الجندي: (وبنو فيروز قوم أكراد تديروا مدينة إبّ واستوطنوها من قديم، وكانوا أهل فراسة ورئاسة، والغالب عليهم فعل الخير، وابتنوا عدة مدارس في إب، ووقفوا عليها، وفيهم جماعة يميلون إلى العبادة والتنسك، ولما قتل المماليك المنصور عمر بن علي بن رسول في قصر الجند .. تركوه مطروحا في القصر وخرجوا من الجند هاربين، وكان المظفر في المهجم، وأولاده من بنت جوزة في تعز، فاجتمع بنو فيروز، وحملوا المنصور قتيلا في محمل إلى تعز، وقاموا على غسله ودفنه والقراءة عليه كما ينبغي لمثله، ولولا عزمهم وتشميرهم يومئذ .. لم يقدم عليه أحد من الناس، فكان المظفر يعرف لهم ذلك) (٢). ٣١١٦ - [داود المكين] (٣) أبو العز (٤) داود بن عبد الله الملقب بالمكين. كان من أعيان الكتاب وفضلائهم. يحكى أنه كان بزبيد يحاسب كتابها، وبها يومئذ كاتبان يعرف أحدهما بالمكين، فكتب إليه صاحبه كتابا يخبره فيه بنصيبه من شيء اقتسماه، وربما سيره مع الرسول، وقال لغلامه: تقدم بهذه الورقة إلى المكين، فظن الرسول أنه يعني المشدّ، فأعطاه الورقة وكان

стр. 2444

في ملأ من الناس، فلما عرف ما فيها .. سكت، فلازمه الرسول بالجواب، فقال: ما لك عندي جواب، فرجع الرسول إلى أستاذه وأخبره بالقصة، فداخله من ذلك فزع عظيم، وأيقن بالعقاب الشديد من المكين، وأعيته الحيلة، فوقف في بيته يوما أو يومين، ثم سار إلى المكين لما يعتاده من الوصول إليه والانقياد لأمره، فلما دخل عليه .. بشّ به وآنسه من نفسه بخلاف ما يعتاده، فلما أراد الانصراف .. قال له: لا تعد إلى مثل ما فعلت، فما كل أحد يحتمل هذا، وكان له عند المنصور وجاهة عظيمة. قال الجندي: (وأحسبه أدرك الدولة المظفرية) (١). ولم يزل على أحسن سيرة إلى أن توفي. ولم أقف على تاريخ وفاته، والله سبحانه أعلم. ٣١١٧ - [عبد الله ابن أبي عقامة] (٢) عبد الله بن محمد بن القاضي أبي الفتوح عبد الله بن علي بن محمد بن علي بن أبي عقامة. تفقه بالفقيه حسن الشيباني، فلما ندب القاضي أثير الدين الفقيه حسن قاضي زبيد في صدر دولة طغتكين بن أيوب وامتنع من القضاء .. استشاره القاضي أثير الدين فيمن يوليه مكانه، فأشار بالقاضي عبد الله المذكور لما قد خبره من دينه وفقهه، فولي القضاء في زبيد من جهة أثير الدين. قال الجندي: (ولم يكن ثبتا في القضاء، فلما استمر الفقيه إسماعيل بن محمد الحضرمي في القضاء الأكبر، وتحقق منه ما يوجب العزل .. ترجح له عزله، فكتب إلى المظفر يخبره بذلك ويستشيره، فاستعطف المظفر قلب الفقيه إسماعيل، وكتب إليه: يا سيدي؛ هو من بيت علم أنت تعلم حالهم وسابقتهم في هذا الشأن، فتصدق عليه بالعطف والصبر؛ كرامة لسلفه، وخرج الجواب مختوما معنونا بالقاضي، فظن الرسول أنه قاضي البلد، فذهب إليه، ففضه وقرأ كتاب الفقيه إسماعيل وجواب السلطان له، ثم

стр. 2445

طواه، واعتذر وقال: اذهبوا به إلى قاضي القضاة، وأعلموه أن الرسول غلط فوصل إليّ، فظننت أنه إليّ ففتحته، وتغير خاطر الفقيه إسماعيل؛ إذ كان لا يحب وقوف القاضي عليه لو أجابه السلطان إلى عزله، فكيف مع عدم ذلك! ! قال الجندي: ولم يزل بنو أبي عقامة قضاة زبيد، وربما كانوا قضاة في غالب التهائم منذ دخل ابن زياد اليمن ومعه محمد بن هارون-أي: جدهم-إلى صدر الدولة المظفرية، حتى كان آخر من ولي القضاء منهم إبراهيم في الدولة المظفرية، ثم إن القاضي إبراهيم ابن أبي عقامة خرج يباشر أرضا له في ناحية المسلب، ثم رجع إلى زبيد، فعثرت به دابته في رجوعه، فسقط عنها، فاندقت عنقه، فمات لفوره ولم يرفع إلا ميتا، وهو آخر من ولي القضاء من بني أبي عقامة) (١). ولم يذكر الجندي تاريخ وفاة القاضي عبد الله المذكور، والظاهر أنها في صدر الدولة المظفرية، فوضع ترجمته في هذه العشرين أنسب منه في غيرها، والله سبحانه أعلم. ٣١١٨ - [عبد الله المطراني] (٢) عبد الله بن محمد بن عبد الله بن الحسن المطراني. تفقه بزبيد على القاضي عبد الله بن محمد العقامي، وعنه أخذ سعد الحديقي «التنبيه». وكان فقيها عالما عارفا مجتهدا. ولم أقف على تاريخ وفاته، إلا أنه كان موجودا في هذه المائة. وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ***

стр. 2446

الحوادث السنة الحادية والأربعون بعد ست مائة فيها: حكمت التتار على بلاد الروم، وألزم صاحبها ابن علاء الدين بأن يحمل لهم كل يوم ألف دينار ومملوكا وجارية وفرسا وكلب صيد (١). وفيها: توفي سلطان بن محمود البعلبكي صاحب الأحوال والكرامات، أحد أصحاب عبد الله اليونيني، وكريمة بنت عبد الوهاب الزبيرية، وعائشة بنت محمد الواعظة البغدادية، كانت صالحة تعظ النساء، والجواد الذي تسلطن بدمشق بعد الكامل، وكان جواد من أمرائه. *** السنة الثانية والأربعون فيها: طلب الملك الصالح الخوارزمية، واجتمعت بعسكر مصر في غزة، وجاءتهم الخلع والنفقات والثياب، وبعث الناصر داود عسكره من الكرك؛ نجدة لإسماعيل، ثم وقع المصاف بقرب عسقلان، فانتصر الخوارزمية والمصريون على الشاميين والفرنج، واستحر القتل في الفرنج، وأسرت ملوكهم، وخاف إسماعيل، فحصّن دمشق، واستعد فيها (٢). وفيها: توفي أبو البركات محمد بن الحسين المعروف بالنفيس، وشيخ الشيوخ عبد الله الجويني الصوفي. *** السنة الثالثة والأربعون فيها-وقيل: في التي قبلها-: حاصرت الخوارزمية دمشق وعليهم الصاحب معين الدين، واشتد الخطب، وأحرقت الحواصل، ورمي بالمجانيق من الفريقين، وتعب

стр. 2447

الدمشقيون في ولاية الصالح إسماعيل، وذاقوا من القحط والخوف والوباء ما لا يعبّر عنه، ودام الحصار خمسة أشهر إلى أن ضعف إسماعيل، وفارق دمشق، وتسلمها الصاحب معين الدين، فغضبت الخوارزمية من الصلح، ونهبوا داريا، وترحلوا، وراسلوا الصالح إلى بعلبك، وصاروا معه، وردوا فحاصروا دمشق، فأفرط السعر في الغلاء حتى بلغت الغرارة (١) بدمشق بألف وست مائة درهم، وأكلت الجيف، وتفاقم الأمر مع الخمور والفواحش (٢). وفيها: عمّر مقدم الجامع بشبام، وجدّد لها منبر، وذلك بأمر الملك المنصور عمر بن علي بن رسول على يد السلطان عبد الرحمن بن راشد بن إقبال في ولاية نصار (٣). وفيها: توفي أبو البقاء ابن يعيش الموصلي، والحافظ القدوة أبو العباس أحمد بن عيسى بن الموفق المقدسي الصالحي، والعلامة المفتي أبو العباس أحمد بن محمد بن الحافظ عبد الغني المقدسي، والقاضي الأشرف أبو العباس أحمد بن القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي اللخمي البيساني ثم المصري، والصاحبة ربيعة خاتون أخت صلاح الدين والعادل، ودفنت بمدرستها بالجبل، والمنتجب بن أبي العز بن رشيد الهمذاني نزيل دمشق، قرأ القراءات على غير واحد من الشيوخ، وشرح «الشاطبية» و «المفصل» للزمخشري، وتصدر للإقراء، وشيخ الإسلام أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن الصلاح، والإمام علم الدين علي بن محمد السخاوي المقرئ، والحافظ الكبير محمد بن محمود البغدادي المعروف بابن النجار. *** السنة الرابعة والأربعون فيها: اتفق الصالح إسماعيل مع الخوارزمية، واستمال الصالح أيوب صاحب حمص وأفسده على إسماعيل، ثم كتب إلى عسكر حلب يحثهم على حرب الخوارزمية وأنهم قد خربوا الشام، فبادر نائب حلب شمس الدين لؤلؤ، واجتمع معه صاحب حمص بالعرب

стр. 2448

والتركمان بعسكر دمشق، وأقبل الملك الصالح مع الخوارزمية إلى الملتقى، واتفق معهم الناصر داود، فجهز الصالح صاحب مصر جيشا، فكسروا الخوارزمية، وساقوا، فنازلوا الكرك، وتسلموا بعلبك وبصرى، وحملوا أولاد إسماعيل إلى القاهرة، والتجأ هو إلى حلب، وانقضت دولته، وصفت الشام لنجم الدين الصالح أيوب فقدمها، وقدم دمشق، ثم مر إلى بعلبك وإلى صرخد، فأخذها وأخذ الصّبيبة من الملك السعيد بن العزيز وهو ابن عمه، ثم مر ببصرى وبالقدس، فأمر بعمارة سورها وأن يصرف مغلها في سورها (١). وفيها: توفي الملك المنصور بن المجاهد، والزاهد إسماعيل بن علي الكوراني. وفيها: خرج نصار بالغز وأميرهم ابن سعد الدين، وجمع لهم مسعود بعد أن غزا بني حرام، فرجع الغز من صيف بعد أن أقاموا بها مدة (٢). *** السنة الخامسة والأربعون فيها: أخذ المسلمون من الفرنج طبرية، ثم بعدها بأيام أخذوا عسقلان (٣). وفيها: أخذ نجم الدين الصبيبة من الملك السعيد، وعوضه أموالا وخبز مائة فارس بمصر (٤). وفيها: نازل عسكر حلب مدينة حمص وأخذوها بعد أشهر (٥). وفيها: توفي إبراهيم بن عثمان الكاشغري الزركشي، وأبو علي بن محمد الأزدي الأندلسي الإشبيلي النحوي، والملك المظفر غازي بن الملك العادل، والشيخ أبو محمد بن أبي الحسن بن منصور الدمشقي الصوفي. ***

стр. 2449

السنة السادسة والأربعون فيها: توفي الإمام أبو عمرو عثمان بن عمر الكردي المعروف بابن الحاجب، والطبيب عبد الله بن أحمد المالقي المعروف بابن البيطار، وصاحب المغرب أبو الحسن علي بن إدريس المعتضد، والوزير علي بن يوسف الشيباني. *** السنة السابعة والأربعون فيها: عمل الأمجد حسن على أبيه، فراح إلى مصر، وسلم الكرك إلى الصالح أيوب (١). وفيها: نازلت الفرنج دمياط بحرا وبرا، وكان بها فخر الدين بن الشيخ في عسكر، وملكها الفرنج بلا طعنة ولا ضربة، وكان السلطان الملك الصالح أيوب على المنصورة، فغضب على أهلها كيف سيبوها! حتى إنه شنق ستين نفسا من أعيان أهلها، وقامت قيامته على العسكر بحيث إنهم خافوا منه وهموا به، فقال لهم فخر الدين بن الشيخ: أمهلوه؛ فإنه على شفا، فمات السلطان في نصف شعبان بالمنصورة، وكتم موته نحو ثلاثة أشهر، فكان يخطب باسمه وهو ميت، ثم إن مملوكه أقطايا-بالقاف، والطاء المهملة، وبين الألفين مثناة من تحت-ساق على البريد إلى أن عبر الفرات، وساق إلى أن بلغ إلى الملك المعظم بن الصالح أيوب، فجاء به معه حتى قدم دمشق، فدخلها في دست السلطنة، وجرت للمصريين مع الفرنج حروب إلى أن اتفقت وقعة المنصورة، وذلك أن الفرنج حملوا ووصلوا إلى دهليز السلطان، فركب مقدم الجيش فخر الدين بن الشيخ وقاتل إلى أن قتل، وانهزم المسلمون، ثم كروا على الفرنج، ونزل النصر بحمد الله، فقتل من الفرنج مقتلة عظيمة، ثم قدم الملك المعظم بعد أيام (٢). وفيها: كان ابتداء دولة المظفر يوسف بن عمر (٣).

стр. 2450

السنة الثامنة والأربعون استهلت والفرنج على المنصورة، والمسلمون بإزائهم مستظهرون؛ لانقطاع الميرة عن الفرنج، ووقوع المرض في خيلهم، وعزم ملكهم على السير في الليل إلى دمياط، ففهم المسلمون ذلك، وكان الفرنج قد عملوا جسرا من صنوبر على النيل ونسوا قطعه، فعبر عليه المسلمون، وأحدقوا بهم، فتحصنوا بقرية منية أبي عبد الله، وأخذ أسطول المسلمين أسطولهم أجمع، وقتل منهم خلق، فطلب ملكهم الطواشي رشيد وسيف الدين القيمري فأتياه، فكلمهم في الأمان على نفسه وعلى من معه، فعقدا له الأمان، وانهزم جلّ الفرنج، فحمل عليهم المسلمون ووضعوا فيهم السيف، وغنم الناس ما لا ينحصر، وأركب ملك الفرنج في حراقة (١)، والمراكب الإسلامية محدقة به تخفق بالكوسات والطبول، وفي البر الشرقي الجيش سائر تحت ألوية النصر، وفي البر الغربي العربان والعوام، وكانت ساعة عجيبة، واعتقل ملك الفرنج بالمنصورة، وكانت الأسرى نيفا وعشرين ألفا، فيهم ملوك وكبار الدولة، وكانت القتلى سبعة آلاف، واستشهد من المسلمين نحو مائة نفس، وخلع الملك المعظم على الكبار من الفرنج خمسين خلعة، فامتنع الكلب ملكهم من لبسها وقال: أنا مملكتي بقدر مملكة صاحب مصر، كيف ألبس خلعته؟ ! ثم بدت من المعظم خفة وطيش وأمور خرج عليه بسببها مماليك أبيه فقتلوه، وقدموا على العسكر عزّ الدين التركماني الصالحي، وساقوا إلى القاهرة بعد أن استردوا دمياط من الفرنج، وذلك أن حسام الدين بن أبي علي أطلق ملك الفرنج على أن يسلم دمياط وعلى بذل خمس مائة ألف دينار، فأركب بغلة، وساق معه الجيش إلى دمياط، فما وصلوا إلا وأوائل المسلمين قد ركبوا أسوارها، فاصفر لون ملك الفرنج، فقال حسام الدين: هذه دمياط قد ملكناها، والرأي ألا يطلق هذا؛ لأنه قد اطلع على عورتنا، فقال عزّ الدين التركماني: لا أرى الغدر، فأطلقه. ولما قتل الملك المعظم .. قصد الملك الناصر صاحب حلب دمشق، واستولى عليها، ثم بعد أشهر قصد الديار المصرية ليتملكها، فالتقى هو والمصريون بالعباسة، فانهزم المصريون ودخل أوائل الشاميين القاهرة، وخطب بها للناصر، فالتف على عزّ الدين التركماني والفارس أقطايا نحو ثلاث مائة من الصالحية، وهربوا نحو الشام، فصادفوا فرقة

стр. 2451

من الشاميين، فحملوا عليهم وهزموهم، فأسر نائب الملك الناصر، وهو شمس الدين لؤلؤ، فذبحوه وحملوه على طلب الناصر (١)، وكسروا سناجقه (٢)، ونهبوا خزائنه، وساقوا إلى غزة، ودخلت الصالحية بأعلام الناصر منكسة وبالأسارى، وهم: ولد السلطان الكبير صلاح الدين، والملك الأشرف موسى بن صاحب حمص، والملك الصالح إسماعيل بن العادل، وطائفة، وقتل عدة أمراء (٣). وفيها: توفي أبو الجيش إسماعيل بن العادل الملقب بالملك الصالح، خطب بعده على منابر الإسلام لشجر الدر أم خليل، حظيّة أبيه وزوجته. *** السنة التاسعة والأربعون فيها: أقامت عساكر الشام على غزة نحوا من سنتين؛ خوفا من المصريين، وترددت الرسل بين الناصر والمعز (٤). وفيها: تملك المغيث بن الملك العادل بن الملك الكامل الكرك والشّوبك، سلمها إليه متوليها الطواشي صواب (٥). وفيها: ثارت الحرب بين عمر بن مسعود ومحمد بن كليب، وافترقت بنو حرام فرقتين، وجرت لقية بينهم في قصعان، ثم التقوا عند مدورة، فقتل عمر بن عيسى (٦). وفيها: كان سيل جاحش (٧).

стр. 2452

وفيها: قدم النووي دمشق لطلب العلم (١). وفيها: توفي العلامة علي بن هبة الله اللخمي المعروف بابن الجميزي، والصاحب جمال الدين ابن مطروح يحيى بن عيسى المصري. *** السنة الموفية خمسين بعد الست مائة فيها: توفي الكمال إسحاق بن أحمد المغربي، والإمام اللغوي الحسن بن محمد الصغاني، وسعد الدين ابن حمويه محمد بن المؤيد الجويني. *** السنة الحادية والخمسون فيها: توفي شيخ الشيوخ أبو الغيث بن جميل نفع الله به، والملك الصالح صلاح الدين بن الملك الظاهر غازي بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، والإمام عبد الواحد بن عبد الكريم المعروف بابن الزملكاني، والشيخ محمد بن عبد الله اليونيني. وفيها: توفي السبط في شوال، وصالح المدلجي، وابن النجار الكاتب. *** السنة الثانية والخمسون فيها: تسلطن الملك المعز عزّ الدين (٢). وفيها: توفي الأمير فارس الدين التركي الصالحي أقطايا، ومجد الدين أبو البركات عبد السلام بن عبد الله الحراني الحنبلي، والكمال محمد بن طلحة النّصيبيني الشافعي. وفيها: توفي [السديد] مكي، و [الرشيد] العراقي، وبدرة زوجة المجد ابن تيمية، وفرج الحبشي، والشمس الخسروشاهي، وعيسى الخياط. ***

стр. 2453

السنة الثالثة والخمسون فيها: توفي إسماعيل بن حامد، عرف بالشهاب القوصي، والإمام المفتي المعمر ضياء الدين الكلبي الشافعي، كذا في «تاريخ اليافعي» ولم يسمه (١)، والنّظام البلخي محمد بن محمد الحنفي نزيل حلب، كان فقيها مفتيا بصيرا بالمذهب، وأبو الحجاج يوسف بن محمد الأنصاري أحد فضلاء الأندلس، وعلي بن معالي الرصافي. وفيها: وقعت الفتنة بين عمر بن مسعود وأحمد بن لبيد، وأقبل أحمد ببني حنش (٢)، واجتمعوا للقتال بين بور وقارة جشيب (٣)، وهزم عمر ومن معه، وقتل خلق من البدو والقرار (٤)، كذا في «تاريخ ابن حسان» (٥). *** السنة الرابعة والخمسون في جمادى الآخرة منها: ظهرت نار بظاهر المدينة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام بواد يقال له: وادي أحيليين-بالحاء المهملة، وتكرير المثناة من تحت ثلاث مرات -في الحرة الشرقية تدب دبيب النمل إلى جهة الشمال، وتأكل ما أتت عليه من أحجار وجبال، ولا تأكل الشجر، وعلى عظمها وشدة ضوئها لم يكن لها حر، ومكثت أياما، وظن أهل المدينة أنها القيامة، وضجوا إلى الله تعالى، وكان نساء المدينة يغزلن على ضوئها بالليل على أسطحة البيوت، وهي التي أضاءت لها أعناق الإبل ببصرى من أقصى الشام، فلما هابها أهل المدينة .. أرسل واليها الشريف منيف بن شيحة شخصين من أصحابه ليختبرا النار؛ هل أحد يقوى على القرب منها، فذهبا إليها، وقربا منها، فلم يجدا لها حرا، فأدخل أحدهما سهما له فيها، فأكلت النصل دون العود، ثم قلبه وأدخله فيها من جهة

стр. 2454

الريش، فأكلت الريش فحسب، وذكر بعضهم أن علة عدم أكلها للشجر كونه ﷺ حرّم شجر المدينة. قال الشيخ اليافعي: (وهذا الذي ذكره إنما يصح لو كان السهم المذكور متخذا من شجر حرم المدينة، ولم يعهد أن السهام تتخذ من الحرم المذكور، قال: والذي يظهر-والله أعلم -أن هذه النار لما كانت من آيات الله العظام .. جاءت خارقة للعادة، مخالفة في تأثيرها للنار المعتادة؛ فإن النار تأكل الخشب دون الحجر، فجاءت هذه على عكس تلك من أكل الحجر دون الخشب، وهذا أبلغ في العبر، وأقوى في الأثر) اه (١) وكانت تذيب كل ما مرت عليه من الأحجار والجبال حتى يصير سدّا لا مسلك فيه لإنسان ولا دابة، حتى إنها سدت وادي الشطاه (٢) بسد عظيم بالحجر المسبوك بالنار، حتى قال بعض المؤرخين في معرض التعظيم له: ولا كسد ذي القرنين طولا وعرضا وارتفاعا، وانقطع بسبب ذلك سيل وادي الشطاه، وانحبس دون السد المذكور، وكان يجتمع الماء خلفه حتى يصير بحرا مد البصر عرضا وطولا، كأنه نيل مصر في زيادته، ثم انخرق هذا السد من تحته في سنة تسعين وست مائة؛ لتكاثر الماء خلفه، فجرى في الوادي المذكور سنة كاملة ملأ ما بين جنبتي الوادي، ثم انخرق مرة أخرى في العشر الأول بعد السبع مائة، فجرى سنة كاملة وأزيد، ثم انخرق في سنة أربع وثلاثين وسبع مائة، وكان ذلك بعد تواتر أمطار عظيمة بالحجاز في تلك السنة، وكثر الماء وعلا من جانبي السد ومن دونه مما يلي الجبل وغيره، فجاء سيل طام لا يوصف، ومجراه ملاصق لقبة حمزة بن عبد المطلب ﵁ قبلي جبل عنين بفتح العين المهملة، ومثناة من تحت بين نونين الأولى مكسورة. قال الشيخ اليافعي: (ولعله الجبل الذي أمر ﷺ الرماة أن يقفوا عليه، وحفر السيل المذكور واديا آخر قبلي الجبل المذكور، وبقيت القبة والجبل المذكوران في وسط السيل، وتمادت مدة جريه قريبا من سنة) (٣). وفي أول ليلة من شهر رمضان من السنة المذكورة: احترق المسجد الشريف النبوي بعد

стр. 2455

صلاة التراويح على يد فرّاش في الحرم يعرف بأبي بكر المراغي؛ لسقوط ذبالة من يده في المساق من غير اختيار منه، حتى احترق هو أيضا، واحترق جميع سقف المسجد الشريف، حتى لم يبق إلا السواري قائمة، وحيطان المسجد الشريفة، والحائط الذي بناه عمر بن عبد العزيز حول الحجرة الشريفة المجعول على خمسة أركان؛ لئلا يصلّى إلى الضريح الطاهر الشريف، ووقع ما ذكر من الحريق بعد أن عجز عن إطفائه كل فريق، فسقف في أيام المستعصم في سنة خمس وخمسين من تلك الحجرة الشريفة وما حولها من الحائط القبلي وإلى الحائط الشرقي إلى باب جبريل المعروف قديما بباب عثمان، ومن جهة المغرب إلى المنبر الشريف، ثم قتل الخليفة المستعصم في أول سنة ست وخمسين، فوصلت الآلات من مصر من صاحبها يومئذ الملك المنصور علي بن المعز الصالحي، ووصل أيضا من صاحب اليمن يومئذ الملك المظفر يوسف بن عمر بن علي بن رسول آلات وأخشاب، فعملوا إلى باب السلام المعروف قديما بباب مروان، ثم عزل صاحب مصر، وتولى مكانه مملوك أبيه سيف الدين قطز سنة ثمان وخمسين، فكان العمل في تلك السنة من باب السلام إلى باب الرحمة المعروف قديما بباب عاتكة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية، كانت لها دار مقابل الباب، فنسب إليها، ومن باب جبريل إلى باب النساء المعروف قديما بباب ريطة بنت أبي العباس السفاح، وتولى مصر آخر تلك السنة الملك الظاهر ركن الدين الصالحي، فعمل باقي أيامه في المسجد الشريف، وأرسل الملك المظفر صاحب اليمن في سنة ست وخمسين بمنبر عمله من الصندل، فوضع موضع منبر النبي ﷺ ، ولم يزل يخطب عليه إلى سنة ست وستين وست مائة، فأرسل الملك الظاهر ركن الدين الصالحي منبرا، فقلع منبر صاحب اليمن، وحمل إلى حاصل الحرم. قال الشيخ اليافعي: (وهو باق إلى اليوم، ونصب منبر الظاهر مكانه) اه (١) وقد احترق المنبران جميعا، الظاهري والمظفري في الحريق الكائن في سنة ست وثمانين وثمان مائة، كما سيأتي بيان ذلك في محله إن شاء الله تعالى (٢). وفي السنة المذكورة-أعني سنة أربع وخمسين وست مائة-: زاد دجلة زيادة عظيمة
следующие страницы →