من الشاميين، فحملوا عليهم وهزموهم، فأسر نائب الملك الناصر، وهو شمس الدين لؤلؤ، فذبحوه وحملوه على طلب الناصر (١)، وكسروا سناجقه (٢)، ونهبوا خزائنه، وساقوا إلى غزة، ودخلت الصالحية بأعلام الناصر منكسة وبالأسارى، وهم: ولد السلطان الكبير صلاح الدين، والملك الأشرف موسى بن صاحب حمص، والملك الصالح إسماعيل بن العادل، وطائفة، وقتل عدة أمراء (٣).
وفيها: توفي أبو الجيش إسماعيل بن العادل الملقب بالملك الصالح، خطب بعده على منابر الإسلام لشجر الدر أم خليل، حظيّة أبيه وزوجته.
***
السنة التاسعة والأربعون
فيها: أقامت عساكر الشام على غزة نحوا من سنتين؛ خوفا من المصريين، وترددت الرسل بين الناصر والمعز (٤).
وفيها: تملك المغيث بن الملك العادل بن الملك الكامل الكرك والشّوبك، سلمها إليه متوليها الطواشي صواب (٥).
وفيها: ثارت الحرب بين عمر بن مسعود ومحمد بن كليب، وافترقت بنو حرام فرقتين، وجرت لقية بينهم في قصعان، ثم التقوا عند مدورة، فقتل عمر بن عيسى (٦).
وفيها: كان سيل جاحش (٧).
стр. 2452
وفيها: قدم النووي دمشق لطلب العلم (١).
وفيها: توفي العلامة علي بن هبة الله اللخمي المعروف بابن الجميزي، والصاحب جمال الدين ابن مطروح يحيى بن عيسى المصري.
***
السنة الموفية خمسين بعد الست مائة
فيها: توفي الكمال إسحاق بن أحمد المغربي، والإمام اللغوي الحسن بن محمد الصغاني، وسعد الدين ابن حمويه محمد بن المؤيد الجويني.
***
السنة الحادية والخمسون
فيها: توفي شيخ الشيوخ أبو الغيث بن جميل نفع الله به، والملك الصالح صلاح الدين بن الملك الظاهر غازي بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، والإمام عبد الواحد بن عبد الكريم المعروف بابن الزملكاني، والشيخ محمد بن عبد الله اليونيني.
وفيها: توفي السبط في شوال، وصالح المدلجي، وابن النجار الكاتب.
***
السنة الثانية والخمسون
فيها: تسلطن الملك المعز عزّ الدين (٢).
وفيها: توفي الأمير فارس الدين التركي الصالحي أقطايا، ومجد الدين أبو البركات عبد السلام بن عبد الله الحراني الحنبلي، والكمال محمد بن طلحة النّصيبيني الشافعي.
وفيها: توفي [السديد] مكي، و [الرشيد] العراقي، وبدرة زوجة المجد ابن تيمية، وفرج الحبشي، والشمس الخسروشاهي، وعيسى الخياط.
***
стр. 2453
السنة الثالثة والخمسون
فيها: توفي إسماعيل بن حامد، عرف بالشهاب القوصي، والإمام المفتي المعمر ضياء الدين الكلبي الشافعي، كذا في «تاريخ اليافعي» ولم يسمه (١)، والنّظام البلخي محمد بن محمد الحنفي نزيل حلب، كان فقيها مفتيا بصيرا بالمذهب، وأبو الحجاج يوسف بن محمد الأنصاري أحد فضلاء الأندلس، وعلي بن معالي الرصافي.
وفيها: وقعت الفتنة بين عمر بن مسعود وأحمد بن لبيد، وأقبل أحمد ببني حنش (٢)، واجتمعوا للقتال بين بور وقارة جشيب (٣)، وهزم عمر ومن معه، وقتل خلق من البدو والقرار (٤)، كذا في «تاريخ ابن حسان» (٥).
***
السنة الرابعة والخمسون
في جمادى الآخرة منها: ظهرت نار بظاهر المدينة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام بواد يقال له: وادي أحيليين-بالحاء المهملة، وتكرير المثناة من تحت ثلاث مرات -في الحرة الشرقية تدب دبيب النمل إلى جهة الشمال، وتأكل ما أتت عليه من أحجار وجبال، ولا تأكل الشجر، وعلى عظمها وشدة ضوئها لم يكن لها حر، ومكثت أياما، وظن أهل المدينة أنها القيامة، وضجوا إلى الله تعالى، وكان نساء المدينة يغزلن على ضوئها بالليل على أسطحة البيوت، وهي التي أضاءت لها أعناق الإبل ببصرى من أقصى الشام، فلما هابها أهل المدينة .. أرسل واليها الشريف منيف بن شيحة شخصين من أصحابه ليختبرا النار؛ هل أحد يقوى على القرب منها، فذهبا إليها، وقربا منها، فلم يجدا لها حرا، فأدخل أحدهما سهما له فيها، فأكلت النصل دون العود، ثم قلبه وأدخله فيها من جهة
стр. 2454
الريش، فأكلت الريش فحسب، وذكر بعضهم أن علة عدم أكلها للشجر كونه ﷺ حرّم شجر المدينة.
قال الشيخ اليافعي: (وهذا الذي ذكره إنما يصح لو كان السهم المذكور متخذا من شجر حرم المدينة، ولم يعهد أن السهام تتخذ من الحرم المذكور، قال: والذي يظهر-والله أعلم -أن هذه النار لما كانت من آيات الله العظام .. جاءت خارقة للعادة، مخالفة في تأثيرها للنار المعتادة؛ فإن النار تأكل الخشب دون الحجر، فجاءت هذه على عكس تلك من أكل الحجر دون الخشب، وهذا أبلغ في العبر، وأقوى في الأثر) اه (١)
وكانت تذيب كل ما مرت عليه من الأحجار والجبال حتى يصير سدّا لا مسلك فيه لإنسان ولا دابة، حتى إنها سدت وادي الشطاه (٢) بسد عظيم بالحجر المسبوك بالنار، حتى قال بعض المؤرخين في معرض التعظيم له: ولا كسد ذي القرنين طولا وعرضا وارتفاعا، وانقطع بسبب ذلك سيل وادي الشطاه، وانحبس دون السد المذكور، وكان يجتمع الماء خلفه حتى يصير بحرا مد البصر عرضا وطولا، كأنه نيل مصر في زيادته، ثم انخرق هذا السد من تحته في سنة تسعين وست مائة؛ لتكاثر الماء خلفه، فجرى في الوادي المذكور سنة كاملة ملأ ما بين جنبتي الوادي، ثم انخرق مرة أخرى في العشر الأول بعد السبع مائة، فجرى سنة كاملة وأزيد، ثم انخرق في سنة أربع وثلاثين وسبع مائة، وكان ذلك بعد تواتر أمطار عظيمة بالحجاز في تلك السنة، وكثر الماء وعلا من جانبي السد ومن دونه مما يلي الجبل وغيره، فجاء سيل طام لا يوصف، ومجراه ملاصق لقبة حمزة بن عبد المطلب ﵁ قبلي جبل عنين بفتح العين المهملة، ومثناة من تحت بين نونين الأولى مكسورة.
قال الشيخ اليافعي: (ولعله الجبل الذي أمر ﷺ الرماة أن يقفوا عليه، وحفر السيل المذكور واديا آخر قبلي الجبل المذكور، وبقيت القبة والجبل المذكوران في وسط السيل، وتمادت مدة جريه قريبا من سنة) (٣).
وفي أول ليلة من شهر رمضان من السنة المذكورة: احترق المسجد الشريف النبوي بعد
стр. 2455
صلاة التراويح على يد فرّاش في الحرم يعرف بأبي بكر المراغي؛ لسقوط ذبالة من يده في المساق من غير اختيار منه، حتى احترق هو أيضا، واحترق جميع سقف المسجد الشريف، حتى لم يبق إلا السواري قائمة، وحيطان المسجد الشريفة، والحائط الذي بناه عمر بن عبد العزيز حول الحجرة الشريفة المجعول على خمسة أركان؛ لئلا يصلّى إلى الضريح الطاهر الشريف، ووقع ما ذكر من الحريق بعد أن عجز عن إطفائه كل فريق، فسقف في أيام المستعصم في سنة خمس وخمسين من تلك الحجرة الشريفة وما حولها من الحائط القبلي وإلى الحائط الشرقي إلى باب جبريل المعروف قديما بباب عثمان، ومن جهة المغرب إلى المنبر الشريف، ثم قتل الخليفة المستعصم في أول سنة ست وخمسين، فوصلت الآلات من مصر من صاحبها يومئذ الملك المنصور علي بن المعز الصالحي، ووصل أيضا من صاحب اليمن يومئذ الملك المظفر يوسف بن عمر بن علي بن رسول آلات وأخشاب، فعملوا إلى باب السلام المعروف قديما بباب مروان، ثم عزل صاحب مصر، وتولى مكانه مملوك أبيه سيف الدين قطز سنة ثمان وخمسين، فكان العمل في تلك السنة من باب السلام إلى باب الرحمة المعروف قديما بباب عاتكة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية، كانت لها دار مقابل الباب، فنسب إليها، ومن باب جبريل إلى باب النساء المعروف قديما بباب ريطة بنت أبي العباس السفاح، وتولى مصر آخر تلك السنة الملك الظاهر ركن الدين الصالحي، فعمل باقي أيامه في المسجد الشريف، وأرسل الملك المظفر صاحب اليمن في سنة ست وخمسين بمنبر عمله من الصندل، فوضع موضع منبر النبي ﷺ ، ولم يزل يخطب عليه إلى سنة ست وستين وست مائة، فأرسل الملك الظاهر ركن الدين الصالحي منبرا، فقلع منبر صاحب اليمن، وحمل إلى حاصل الحرم.
قال الشيخ اليافعي: (وهو باق إلى اليوم، ونصب منبر الظاهر مكانه) اه (١)
وقد احترق المنبران جميعا، الظاهري والمظفري في الحريق الكائن في سنة ست وثمانين وثمان مائة، كما سيأتي بيان ذلك في محله إن شاء الله تعالى (٢).
وفي السنة المذكورة-أعني سنة أربع وخمسين وست مائة-: زاد دجلة زيادة عظيمة
стр. 2456
ما سمع بمثلها، حتى حصل الغرق ببغداد، وغرق فيه خلق كثير، ووقع شيء كثير من الدور على أهلها، وأشرف الناس على الهلاك، وغرقت المراكب في أزقة بغداد، وركب الخليفة في مركب، وابتهل الخلق إلى الله تعالى بالدعاء (١).
وفيها: ملكت التتار سائر بلاد الروم بالسيف (٢).
وفيها: توفي الشيخ عبد الله بن محمد الرازي الصوفي، والشيخ عيسى بن أحمد اليونيني، والواعظ المؤرخ يوسف التركي المعروف بسبط ابن الجوزي.
وفيها: توفي الصوري، وابن النحاس الأصم، وابن وثيق، وأبو بكر ابن المقدسية.
***
السنة الخامسة والخمسون
فيها: قتل الملك المعز صاحب مصر، وزوجته أم خليل المعروفة بشجر الدر، والعلامة نجم الدين أبو محمد عبد الله بن محمد البادرائي، والعلامة شرف الدين محمد بن عبد الله بن محمد السلمي الأندلسي، واليلداني، والمرسي.
***
السنة السادسة والخمسون
فيها: دخلت التتار بغداد، ووضعوا السيف، واستمر القتل والسبي نيفا وثلاثين يوما، حتى قيل: إن القتلى ألف ألف وثمان مائة ألف وكسر، وسبب دخولهم وزير المستعصم المعروف بابن العلقمي الملقب بالمؤيد، كان رافضيا خبيثا، فجرى على إخوانه الرافضة نهب وخزي، فحمله ذلك على موادّة الكفار؛ ظنا منه أن الأمر يتم له، وأنه يبقى خليفة علويا، فكان يكاتبهم سرا، ويسهل لهم الأمر، ولا يدع المكاتبات تصل إلى الخليفة ممن يرفع إليه الإعلام، فلما وصلوا بغداد .. أشار ابن العلقمي المذكور على المستعصم بالله أني أخرج إليهم في تقرير الصلح، فخرج الخبيث، وتوثق لنفسه بالأمان ورجع، فقال للخليفة: إن الملك قد رغب في أن يزوج ابنته بابنك الأمير أبي بكر، وأن تكون الطاعة كما كان أجدادك مع الملوك السلجوقية، ثم يرتحل، فخرج إليه المستعصم في أعيان الدولة،
стр. 2457
ثم استدعى الوزير العلماء والرؤساء ليحضروا العقد بزعمه وكيده، فخرجوا، فضربت رقاب الجميع، وصار كذلك، تخرج طائفة بعد طائفة وتضرب أعناقهم، حتى بقيت الرعية بلا راع، وقتل من أهل الدولة وغيرهم ما قتل من العدد المذكور (١).
وفيها: توفي أبو الفضل زهير بن محمد المهلبي، وأبو العباس أحمد بن عمر القرطبي، والحافظ أبو علي الحسن بن محمد بن محمد ابن عمروك التيمي، والشرف الإربلي الحسين بن إبراهيم الهذباني، والملك الناصر داود بن المعظم بن العادل، والخليفة المستعصم بالله، والحافظ الكبير زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري الشامي، ثم المصري الشافعي، صاحب التصانيف، وله معجم كبير مروي، ولي مشيخة الكاملية مدة، وانقطع بها مدة نحوا من عشرين سنة مكبا على العلم والعبادة والإفادة، وكان ثبتا حجة، متبحرا في فنون الحديث، عارفا بالفقه والنحو مع الزهد والورع، والصفات الحميدة، والشيخ الكبير أبو الحسن علي بن عبد الله الشاذلي، والشيخ الصالح علي المعروف بالخباز، والمقرئ محمد بن حسن المغربي، والوزير الرافضي محمد بن محمد المعروف بابن العلقمي، والشيخ الصالح يحيى بن يوسف الصرصري، ويوسف بن الشيخ أبي الفرج عبد الرحمن المعروف بابن الجوزي، وسيف الدين المشد، وعثمان بن خطيب القرافة.
***
السنة السابعة والخمسون
فيها: قبض غلمان المعز على ابن أستاذه الملك المنصور، وتسلطن قطز، ولقب بالملك المظفر؛ لحاجة الوقت إلى ملك كاف (٢).
وفيها: توفي صاحب الموصل بدر الدين لؤلؤ، والمحدث أبو العباس أحمد بن محمد الفاسي، وأبو الحسين بن السراج، والصدر ابن المنجى.
***
стр. 2458
السنة الثامنة والخمسون
في ثاني صفر منها: نزل ملك التتار على حلب، فلم يصبح عليهم الصباح إلا وقد حفروا خندقا عمق قامة وعرض أربعة أذرع، وبنوا حائطا ارتفاع خمسة أذرع، فنصبوا عشرين منجنيقا، وألحوا بالرمي، وشرعوا في نقب السور (١).
وفي تاسع صفر: ركبوا الأسوار، ووضعوا السيف يومهم ومن الغد، فقتل أمم، واستتر خلق، وبقي القتل والسبي خمسة أيام، ثم نودي برفع السيف، وأذن المؤذن يوم الجمعة، وأقيمت الجمعة بأناس، ثم أحاطوا بالقلعة فحاصروها، ووصل الخبر يوم السبت إلى دمشق، فهرب الناصر، ثم حملت مفاتيح حماة إلى الطاغية المذكور، واسمه:
هولاكو، وحاصرت التتار دمشق، ورموا برج الطارمة بعشرين منجنيقا فتشقق، وطلب أهلها الأمان فأمنوهم، وسكنها النائب كتبغا، وتسلموا بعلبك وقلعتها، وأخذوا نابلس ونواحيها بالسيف، ثم ظفروا بالملك، وأخذوه بالأمان، وساروا إلى ملكهم، فرعى له صحبته، وبقي في خدمته أشهرا، ثم قطع الفرات راجعا، وترك في الشام فرقة من التتار، وتأهب المصريون، وشرعوا في المسير، وثارت النصارى بدمشق، ورفعت رءوسها، ورفعوا الصليب، ومروا به، وألزموا الناس القيام له من حوانيتهم، ووصل جيش الإسلام عليهم الملك المظفر، والتقى الجمعان على عين جالوت غربي بيسان، فنصر الله دينه على سائر الأديان، والحمد لله اللطيف المنان، وقتل في المصاف مقدم التتار كتبغا وطائفة من أمراء المغول، ووقع بدمشق النهب والقتل في النصارى، وأحرقت كنيسة مريم، وذلك في أواخر رمضان، وعيّد المسلمون على خير عظيم، فلما رجع الملك المظفر بعد شهر إلى مصر .. أضمر شرا لبعض أهل الدولة، وآل الأمر إلى أن رماه بهادر المعزي فقتله بقرب قطية، وتسلطن ركن الدين الملك الظاهر، وكان الظاهر قد ساق وراء التتار إلى حلب، وطمع في أخذ حلب، وكان قد وعده بها المظفر، فلما رجع .. أضمر له الشر، وحلف الأمراء بدمشق للنائب بها علم الدين الحلبي، ولقب بالملك المجاهد، وخطب له بدمشق مع الملك الظاهر (٢).
стр. 2459
وفي آخر هذه السنة المذكورة: كرت التتار على حلب، وأخذوها (١).
وفيها: توفي قاضي القضاة صدر الدين ابن سني الدولة أحمد بن يحيى بن هبة الله الدمشقي الشافعي. مذكور في الأصل، والملك المعظم بن السلطان الكبير صلاح الدين، والملك السعيد حسن بن العزيز عثمان بن العادل صاحب الصّبيبة، والملك المظفر سيف الدين قطز، والإمام الحافظ محمد بن أحمد اليونيني، والحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الله القضاعي، والملك الكامل ناصر الدين محمد بن المظفر غازي بن العادل، والشيخ الصالح أبو بكر بن قوام البالسي، وإبراهيم بن خليل، وعبد الله بن الخشوعي، والعماد عبد الحميد وأخوه محمد، ولاحق الأرتاحي، والمحب المقدسي.
***
السنة التاسعة والخمسون
اجتمع في أولها خلق من التتار، فأغاروا على حلب، ثم ساقوا إلى حمص لما بلغهم مصرع الملك المظفر، فصادفوا على حمص صاحبها الأشرف والمنصور صاحب حماة وحسام الدين في ألف وأربع مائة، والتتار في ستة آلاف، فحمل المسلمون حملة صادقة، وكان النصر ولله الحمد، ووضعوا السيف في الكفار قتلا حتى أبادوا أكثرهم، وهرب مقدمهم بأسوأ حال، ولم يقتل من المسلمين سوى رجل واحد، ودخل علم الدين الحلبي الملقب بالملك المجاهد قلعة دمشق، فنازله عسكر مصر، فبرز إليهم وقاتلهم، ثم رد، فلما كان في الليل .. هرب إلى قلعة بعلبك، فقبض عليه علاء الدين الوزيري وقيده، ثم حبسه الملك الظاهر مدة طويلة (٢).
وفيها: قدم إلى مصر أحمد بن الظاهر محمد بن الناصر لدين الله العباسي الأسود، فأثبتوا نسبه، ثم بويع، ولقب المستنصر بالله بلقب أخيه صاحب بغداد، وأول من بدأ بمبايعته الملك الظاهر، ثم الأعيان على مراتبهم، ثم صلّى بالناس يوم الجمعة وخطب، وألبس السلطان خلعة بيده، وطوقه، وأمر له بكتابة تقليد بالأمر، ورتب السلطان له أتابك وأستاذ دار وحاجبا وكاتب إنشاء، وجعل له خزانة، ومائة فرس، وثلاثين بغلا، وستين جملا، وعدة مماليك، وقدم دمشق مع السلطان، فعزل نجم الدين بن سني الدولة عن القضاء، وولي مكانه أبو العباس ابن خلكان، ثم سار المستنصر ليأخذ بغداد من التتار،
стр. 2460
ويقيم بها كسلفه، فدخل هيت، ثم التقى المسلمون والتتار، فانهزم التركمان والعرب، وأحاطت التتار بعسكر المستنصر، فنجا طائفة من عسكره، منهم الحاكم الذي عقدت له الخلافة من بعده، وقتل المستنصر، وقيل: عدم، وقيل: قتل ثلاثة من التتار، ثم تكاثروا عليه فاستشهد، وذلك في سنة ستين وست مائة كما سيأتي (١).
وفيها: توفي الإمام أبو المعالي سعيد بن المطهر الباخرزي، والملك الظاهر غازي، والحافظ ابن سيد الناس محمد بن أحمد الإشبيلي، والملك الناصر يوسف بن العزيز بن الظاهر، ومحمد بن الأنجب النعال، ومكي بن عبد الرزاق.
***
السنة الموفية ستين بعد الست مائة
فيها: أخذت التتار الموصل بخديعة بعد حصار أشهر، ثم وضعوا السيف في المسلمين تسعة أيام، وأسروا صاحبها الملك الصالح إسماعيل، ثم قتلوه بعد أيام، وقتلوا ولده علاء الدين (٢).
وفيها: عدم المستنصر بالله أحمد بن الظاهر بالعراق في وقعته مع التتار (٣).
وفيها: توفي شيخ الإسلام عزّ الدين بن عبد السلام، والصاحب ابن العديم عمر بن أحمد العقيلي الحلبي، العلامة المعروف بكمال الدين ابن العديم، من بيت القضاء والحشمة، ولي خمسة من آبائه على نسق القضاء، وسمع وهو بدمشق والقدس وبغداد وغيرها، وأجاز له المؤيد وخلق، ودرس وأفتى وصنف، وناب في سلطنة دمشق، وعلّم عن الناصر، وكان عديم النظير فضلا ونبلا، ورأيا وحزما، وذكاء وبهاء، وكتابة وبلاغة، وتوفي بمصر في سنة ستين وست مائة.
وفيها: توفي نقيب الأشراف بهاء الدين علي بن محمد.
والله سبحانه أعلم، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
***
стр. 2461
العشرون الرابعة من المائة السابعة
[الاعلام]
٣١١٩ - [سليمان بن خليل العسقلاني] (١)
سليمان بن خليل العسقلاني الإمام الجليل الشافعي، خطيب الحرم، سبط عمر بن عبد المجيد الميانشي، وهو الذي جمع المنسك الكبير المفيد، المعروف بين فقهاء مكة ب «منسك الفقيه سليمان».
توفي سنة إحدى وستين وست مائة.
٣١٢٠ - [محمد بن إبراهيم الفشلي] (٢)
محمد بن إبراهيم بن علي بن عبد العزيز بن عبد الرحمن المعروف بالفشلي.
ولد رابع شهر شعبان سنة خمس وست مائة (٣)، وأخذ عن جماعة من الأكابر كالشريف أبي جديد، وابن حروبة الموصلي وغيرهما.
وارتحل إلى مكة والمدينة، فأخذ عن ابن أبي الصيف، وعمر بن عبد المجيد القرشي وغيرهما.
وكان فقيها عارفا محدثا، غلب عليه علم الحديث، وكان فيه إماما.
وأخذ عنه جمع كثير من أهل اليمن، منهم أحمد بن علي السرددي شيخ الجندي، والإمام علي بن محمد بن حجر الأزدي الهجراني ثم العدني، وغيرهما.
وكانت له مكانة عند المنصور وولده المظفر، وسمع عليه عدة من كتب الحديث في جمع كثير.
стр. 2462
ركب دابته يوما بزبيد لبعض حوائجه، فمرت الدابة على كلب فنبحها، فجفلت بالفقيه عن ظهرها، فوقع على الأرض ميتا رحمه الله تعالى، وذلك في عاشر شهر رمضان سنة إحدى وستين وست مائة.
٣١٢١ - [محمد القيقل] (١)
محمد بن سليمان القيقل-بقافين مفتوحتين بينهما مثناة من تحت ساكنة، وآخره لام- وأصله من محل ماتع، قرية من قرى وادي زبيد على جانبه الأيمن.
كان فقيها محدثا فاضلا، وهو الذي سمع المظفر الحديث بقراءته على الفقيه محمد بن إبراهيم الفشلي المذكور قبله.
ولم أقف على تاريخ وفاته، فذكرته في طبقة شيخه الفشلي رحمهما الله تعالى آمين.
٣١٢٢ - [سعيد الفراوي] (٢)
أبو محمد سعيد الأديب، نزيل قرية الفراوي.
وكان عابدا صالحا زاهدا، مشهورا بالخير في تلك الناحية، لازما طريقة التنسك، وله بعض اشتغال بالكتب إلى أن توفي في سنة إحدى وستين وست مائة، وحضر دفنه عالم لا يحصون كثرة، فيهم الفقيه عمر بن سعيد، والشيخ علي بن عبد الله صاحب المقداحة.
وكان دفنه آخر النهار، فبات في قريته جماعة من الذين حضروا دفنه، فيروى أنه حصل لهم من بعض جيرانهم تورة مملوءة لحوحا وإناء من الزّوم (٣)، فتقلد أحد الرجلين بكفاية الحاضرين من اللحوح، وتقلد الآخر بكفايتهم من ذلك الزوم، ففعلا ذلك حتى صدر الحاضرون شباعا، ثم بعد أيام وصل الفقيه حسين بن الفقيه أبي السعود، فأقام في الموضع وأحياه، رحمة الله عليهم أجمعين.
стр. 2463
٣١٢٣ - [الأديب ابن الرفاء] (١)
عبد العزيز بن محمد الأنصاري الدمشقي ثم الحموي شرف الدين، شيخ الشيوخ الأديب، كان أبوه قاضي حماة، ويعرف بابن الرّفّاء.
له محفوظات كثيرة، وفضائل شهيرة، وحرمة وجلالة.
توفي سنة اثنتين وستين وست مائة.
٣١٢٤ - [الملك المغيث بن العادل] (٢)
الملك المغيث عمر بن العادل بن الكامل بن العادل بن أيوب الأيوبي.
حبس بعد موت عمه الصالح بالكرك، فلما قتلوا ابن عمه المعظم .. أخرجه معتمد الكرك الطواشي، وسلطنه بالكرك.
وكان كريما مبذرا لأمواله، فقلّ ما عنده حتى سلّم الكرك إلى الظاهر صاحب مصر، ونزل إليه فخنقه، وكذلك خنق عمّه أباه العادل.
توفي المغيث سنة اثنتين وستين وست مائة.
٣١٢٥ - [محيي الدين ابن سراقة] (٣)
أبو بكر محمد بن محمد الأنصاري الشاطبي الإمام محيي الدين ابن سراقة، شيخ دار الحديث الكاملية بالقاهرة.
سمع من جماعة، وله مؤلفات.
توفي سنة اثنتين وستين وست مائة.
стр. 2464
٣١٢٦ - [أبو القاسم القباري] (١)
أبو القاسم بن المنصور الإسكندراني القباري.
كان صالحا قانتا مخلصا مع زهد وورع بالغ، حتى كان له بستان يعمله، ويتبلغ منه.
وله ترجمة مفردة، جمعها ناصر الدين ابن المنيّر.
توفي سنة اثنتين وستين وست مائة.
٣١٢٧ - [أبو عبد الله الرجيلي] (٢)
أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن رشيد البغدادي الفقيه الشافعي الواعظ، ناظم الوترية.
كان عارفا بالفقه والخلاف، أعاد بنظامية بغداد، ووعظ بمصر والإسكندرية.
وسمع منه جماعة، منهم العلامة شرف الدين أحمد بن عثمان السخاوي إمام الأزهر، وسمع منه قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة قصائده الوتريات، ورافقه في الحج، ودخل إفريقية، وجال في بلاد المغرب، وكان ظاهر الدين والصلاح.
توفي سنة اثنتين وستين وست مائة.
٣١٢٨ - [أحمد بن عبد الله المري] (٣)
أحمد بن عبد الله بن أسعد بن إبراهيم أبو العباس الوزيري-نسبة إلى وزيرة، قرية من بلد شرعب في ناحية المداد، مطلة على تهامة، تزيد على مرحلة من تعز في جهة القبلة- الأنصاري الأوسي، المعروف بالمري، نسبة إلى جد له اسمه مري، بضم الميم، وفتح الراء، وسكون الياء آخر الحروف.
كان فقيها فاضلا، عارفا كاملا، تفقه بأبيه، ودرس بعد ابن مضمون بوزيرية تعز، وبه سميت الوزيرية؛ لطول إقامته بها، وحج ورجع، فأقام بزبيد.
стр. 2465
وأخذ عنه فقهاء بزبيد وغيرهم، كالفقيه عمر بن عاصم، ويحيى بن زكريا وغيرهما.
وتوفي بزبيد في رجب سنة اثنتين وستين وست مائة، وقبر بباب القرتب.
وخلف أولادا أفقههم سليمان، تفقه في بدايته بالفقيه إسماعيل بن محمد الحضرمي، وأخذ عن أبي الخير بن منصور الشماخي وغيره.
وكان فقيها صالحا زاهدا، يقول الشعر، غالبه في مديح النبي ﷺ وفي الزهد، ومنه: [من الطويل]
سبيلك في الدنيا سبيل مسافر ... ولا بد من زاد لكل مسافر
ولا بد في الأسفار من حمل عدة ... ولا سيما إن خفت سطوة قاهر
ولم أقف على تاريخ وفاته، فذكرته في طبقة أبيه.
٣١٢٩ - [أحمد بن محمد الوزيري] (١)
أحمد بن محمد بن الفقيه إبراهيم بن أسعد، الوزيري بلدا، الأنصاري الأوسي.
ولد سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة، ونشأ بالبادية، ولم يشتغل بشيء من العلوم حتى بلغ أربعين سنة، فوصل إلى ابن عمه أحمد بن عبد الله المذكور قبله، فلم يتركه يصافحه ولا يدنو منه، وطوى عنه حصير الصلاة، فقال: لم تفعل هذا يا بن عمي؟ فقال: لأنك جاهل لا تتحرز من نجاسة، ولا تجتنب ما ينبغي لك اجتنابه، فداخله من ذلك غيظ عظيم، فلحق بعبد الله بن محمد الجبائي بناحية جبا، فتفقه به، ثم عاد إلى ابن عمه، فأكمل عليه قراءته، وظهرت فائدته، فلما حج ابن عمه .. استنابه في تدريس الوزيرية كما تقدم، فأخذ عنه جماعة كابن النحوي، وابن البانة، وحسن بن علي الإبّي وغيرهم، وكان فقيها فاضلا.
ولم أتحقق تاريخ وفاته، وإنما ذكرته في هذه الطبقة؛ تبعا لابن عمه وشيخه (٢).
стр. 2466
٣١٣٠ - [علي بن حاتم الكناني] (١)
علي بن حاتم الكناني.
كان فقيها فاضلا، عالما عاملا، وكان له ولدان خيّران تفقها بأبيهما، وأحكما القراءات السبعة.
وكان يسكن النادرة، قرية من صعيد لحج، فغزاهم جمع من العجالم والأجعود ليلا (٢)، وأرادوا نهب القرية، فخرج الفقيه وولداه ليصدوا الناس عن النهب، فوقعوا مع من لا يعرفهم، فقتلوهم؛ جهلا بهم لنيف وستين وست مائة.
قال الجندي: (ومن يومئذ خربت القرية، فهي خراب إلى الآن) (٣).
٣١٣١ - [محمد بن عبد الله الجزري] (٤)
أبو عبد الله محمد بن عبد الله الجزري الملقب شمس الدين.
أصله من أهل الجزيرة؛ أي: جزيرة الموصل، وكان من أبناء أعيانها، متأدبا ظريفا، فقدم عدن، فجعله المظفر على ديوان النظر بالثغر.
وكان فيه مكارم أخلاق، ما قصده قاصد .. فخاب، وكان يعمل كل يوم سماطا يحضره جمع كثير من التجار والفقراء، لا يمنع منه أحد.
ولديه مشاركة في العلوم، فكان يقرئ جمعا من الطلبة تارة في بيته، وتارة في الفرضة (٥).
قال الجندي: (ولولا أنه كان عسوفا .. لكان من أفاضل الناس ظاهرا وباطنا.
стр. 2467
قال: وحكى والدي عن الفقيه أبي بكر السرددي قال: كنت بلحج أعلّم لبعض أعيانها، فجرى ذكر أبي نواس وأبياته الكافيّة التي يقول فيها: [من الرمل]
أنعمي بالوصل يا سيدتي ... وانحلينا عسلا من عككك
ما على أهلك بل ما ضرهم ... لو مشينا ساعة في سككك
ليتني جارك بل يا ليتني ... تكة منقوشة من تككك
قال: فحاول جماعة ممن يتعانى الأدب التذييل عليها بأبيات على لفظها، فلم يقدروا، فقلت في ذلك أبياتا، منها:
ليتني يا دار سلمى ليتني ... دكة مفروشة من دككك
ثم ساقني المقدور إلى عدن، وعرضت لي حاجة إلى الجزري، فكتبت إليه في حاجتي، فلما وقف على رقعتي .. استدعاني ورحب بي وأكرمني، واستنشدني الأبيات، فرويتها له، وعمل غالب أهل عدن كل منهم أرجوحة، وهي المدروهة، وتسمى في عرف الناس اليوم: المدراهة، وهو ما يعتاد أهل اليمن عمله لمن حج أول حجة، وعند نصبها- إذا كانت لرجل ذي رئاسة-يقوم الشعراء بأشعارهم يمدحون بها من عملها ومن عملت له، وكان الجزري قد عمل واحدة باسم السلطان، فأشار إليّ أن أعمل شيئا من الشعر في ذلك المعنى، ففعلت، فلما اجتمع الناس عند ذلك، وأراد الشعراء إنشاد ما نظموا .. أمرني بإنشاد ما قد عملت، فقمت بقصيدة في السلطان، فرمى علي بكسوة جيدة، فتشبه به جماعة من التجار، ثم رمى لي بدنانير من الذهب، ففعل الحاضرون مثله، فاجتمع لي من الذهب والفضة والكسوة شيء كثير، وكله ببركات الجزري.
ولما رجع المظفر من الحج .. أقام بتعز مدة، ثم نزل إلى عدن، فاشتكى أهل عدن إليه من الجزري، فأمر القاضي البهاء أن يحاقق بينه وبينهم، فقالوا: لا نفعل ذلك حتى يكون بأيدينا ذمة من السلطان أنه لا يعود الجزري متصرفا علينا، ففعل لهم المظفر ذلك، وحاقق بينه وبينهم القاضي البهاء في الجامع، وحققوا عليه جملة مستكثرة، وهموا أن يبطشوا به لولا أن جماعة من غلمان الدولة حموه من ذلك، فصودر، ثم ضرب ثلاث ضربات، فسلّم ثلاثين ألف دينار، ثم ضرب بعد ذلك وعصر، فلم يقدر على شيء، فآل به الحال أن صار جواريه وبناته يدرن في بيوت الناس من أصحابه وغيرهم، واشتد به الضرر، فلما تحقق
стр. 2468
للمظفر حاله .. أمر بإطلاقه، ووعده الخير، فأنشد: [من الطويل]
وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل (١) ...
وتوفي ضمنا من العذاب لنيف وستين وست مائة) (٢).
٣١٣٢ - [زريع الحداد] (٣)
الشيخ الصالح زريع بن محمد الحداد، أصله من جبل بعدان، من قرية النظاري، وكان في ابتداء أمره معجبا بنفسه.
يحكى أنه خطر له خاطر في امرأة من ذوات الستر، باهية الجمال، وقد أضر بها الفقر، فأرسل لها بشيء على أن تواصله، فأبت من ذلك، ثم اشتدت بها الحاجة والفاقة، فأرسل إليها بشيء-وهي في تلك الضرورة-على أن تواصله، فقبلت، وواعدته أن يأتيها في وقت معين، فوافاها في ذلك الوقت، فلما خلا بها .. ارتعدت كالسعفة وقالت: والله؛ هذا أمر لم أعرفه ولا تعودته، ولا اعتاده أحد من أهلي، فأحلها مما أعطاها وخرج عنها، فقالت له: زحزحتني عن النار زحزحك الله عنها، فكان ذلك سبب توبته وصلاح حاله، فلزم النسك والتعبد، ولزم صحبة الفقيه سعيد بن منصور، والفقيه محمد بن مضمون وغيرهما من الصالحين، وظهرت له كرامات، منها أنه كان يمسك القطعة الحديد بيده وهي نار تشتعل، فلا تضره.
وتوفي لنيف وستين وست مائة.
٣١٣٣ - [الأمير بدر الدين الرسولي] (٤)
الأمير الكبير أبو محمد الحسن بن علي بن رسول الملقب بدر الدين.
стр. 2469
دخل اليمن صغيرا مع أبيه في سنة تسع وسبعين وخمس مائة صحبة سيف الإسلام طغتكين.
ولما وصل المسعود يوسف بن الكامل محمد بن أبي بكر بن أيوب من مصر إلى زبيد وقد تغلب على اليمن سليمان بن تقي الدين .. تحير وأراد أن يكتب إلى سليمان بأن يكون على الجبال، ويبقى هو على التهائم، فقوّى الأمير بدر الدين المذكور عزم المسعود، وحثه على الطلوع إلى تعز، وأمره أن يكتب إلى الخدام يتهددهم إن لم يلزموا سليمان، ففعل المسعود ذلك، وسار إلى تعز، وأسر سليمان بن تقي الدين، واستولى المسعود على قطر اليمن، فحظي الأمير بدر الدين، وعظم قدره عنده، ولما رجع المسعود إلى الديار المصرية في سنة عشرين وست مائة .. ترك اليمن في يد الأمير بدر الدين المذكور وأخيه نور الدين عمر بن علي، وحلف العساكر لهما، فجمع الشريف عزّ الدين محمد بن الإمام عبد الله بن حمزة جموعا كثيرة، وقصد بها صنعاء، فتوجه إليه الأمير بدر الدين وأخوه نور الدين، والتقوا بعصر، وحصلت بينهم مقتلة عظيمة، وانهزم الشريف وأصحابه، ورجع الأميران بمن معهم إلى صنعاء، وفي ذلك يقول العماد الشيزري وكان كاتب الملك المسعود: [من الطويل]
ألا هكذا للملك تعلو المراتب ... وتسمو على رغم العداة المناقب
فتوح سرت في الأرض حتى تضوعت ... مشارقها من ذكرها والمغارب
بسيف الجواد ابن الرسول توطدت ... قواعد ملك ربه عنه غائب
فولوا ومن طعن القنا في ظهورهم ... عيون ومن ضرب السيوف حواجب
فلما اتصل علم هذه الوقعة إلى الديار المصرية .. خشي المسعود على اليمن من بني رسول، فانقلب سريعا إلى اليمن، فدخل تعز في صفر سنة أربع وعشرين وست مائة، وقبض على بدر الدين وفخر الدين وشرف الدين أولاد علي بن رسول، وقيدهم في رجب من السنة المذكورة، ويقال: إن ذلك بإشارة من أخيهم نور الدين عمر بن علي بن رسول، وأرسل بهم إلى مصر، فأقام بدر الدين هناك معتقلا إلى أن ولي المظفر يوسف بن عمر، فاجتمع رأي أهل مصر على أن يطلقوه من السجن، ويستنيبوه في اليمن، ويكون تحت طاعتهم، فحلف لهم على ذلك وقال: لو وطئت اليمن .. ما تخلف عني منهم أحد، فأرسلوه، فلما وصل علمه إلى المظفر .. أمر كافة النواب بإكرامه، وأنه الكبير، وأن كل من في البلاد تحت طاعته، فنزل من السواحل الشامية، وتلقته العساكر، وساروا في
стр. 2470
خدمته، فدخل زبيد، وخرج منها إلى حيس، وخرج المظفر من تعز في لقائه، فاجتمعا بحيس، فنزلا عن فرسيهما واعتنقا، ثم ركبا إلى دار السلطنة، ونزل كلّ في ناحية من الدار، فلما استقرا في موضعهما .. أمر المظفر للفور من قبض على عمه وقيده، وأرسل به إلى تعز، وأودعه دار الأدب.
ولم يزل معتقلا بها إلى أن توفي في سنة اثنتين وستين وست مائة.
٣١٣٤ - [ابن مسدي] (١)
محمد بن يوسف بن مسدي الحافظ الأزدي الغرناطي.
سمع من جمع كثير، وصنف.
وتوفي بمكة سنة ثلاث وستين وست مائة.
٣١٣٥ - [أبو المحاسن السنجاري] (٢)
أبو المحاسن يوسف بن الحسن الزرزاري (٣) بدر الدين السّنجاري الشافعي، قاضي القضاة.
كان صدرا معظما، جوادا ممدحا.
ولي قضاء بعلبك وغيرها، ثم ولاه الملك الصالح نجم الدين أيوب مصر والوجه القبلي، ثم ولي قضاء القضاة بعد شرف الدين بن عين الدولة، وباشر الوزارة، وكان له من الخيل والمماليك ما ليس لوزير مثله.
ولم يزل في الارتفاع إلى أوائل الدولة الظاهرية، فعزل، ولزم بيته.
وتوفي سنة ثلاث وستين وست مائة.
стр. 2471
٣١٣٦ - [أحمد بن علي الخلي] (١)
أحمد بن علي الخلّي أبو العباس، والد الفقيه إسماعيل الخلي.
تفقه بتهامة على الفقيه إسماعيل الحضرمي، وبه سمى ابنه: إسماعيل، وذكر أنه ببركة دعائه حصل لابنه إسماعيل ما حصل.
كان المذكور فقيها فاضلا كاملا.
توفي بمصنعة بني قيس سنة ثلاث وستين وست مائة.
٣١٣٧ - [يونس بن يحيى القصار] (٢)
ذو النون يونس بن يحيى بن أبي الحسن بن أبي بركات بن أحمد بن عبيد الله القصار البغدادي الهاشمي، الفقيه المحدث.
كان إماما بارعا، عارفا بالحديث ورجاله وطرقه، أقام بمكة إماما بالمقام مدة (٣)، وأخذ عنه بها القاضي إسحاق الطبري وغيره، وأقام بزبيد مدة، فأخذ عنه الفقيه إسماعيل بن محمد الحضرمي، وقيل: إن الآخذ عنه والده الفقيه محمد بن إسماعيل الحضرمي.
قال الجندي: (ولم أتحقق ما آل أمره إليه ﵀ (٤).
وقد قيل: إنه توفي سنة ثلاث وستين وست مائة فيما حكاه ابن نقطة وغيره (٥)، وذكرته هنا تبعا للخزرجي؛ فإنه ذكره في حرف الذال المعجمة، ولعل ذكره في حرف الياء آخر
стр. 2472
الحروف أنسب (١)، ولم يذكره الفاسي في «تاريخه» في شيء من الحرفين (٢)، والعجب أنه ذكر في ترجمة القاضي إسحاق بن أبي بكر الطبري أنه سمع بمكة «صحيح البخاري» على يونس بن يحيى الهاشمي (٣).
٣١٣٨ - [زريع بن محمد الهمداني] (٤)
زريع بن محمد بن عبد الواحد بن مسعود بن عبد الله الهمداني ثم اليامي.
تفقه بالفقيهين محمد بن إسماعيل الحضرمي، وعلي بن قاسم الحكمي.
وكان فقيها فاضلا، عارفا كاملا، صاحب روايات وأخبار مستحسنة، وأسانيد عالية، وكرامات ظاهرة، وبه تفقه ابن الرنبول في بدايته، وكان أبوه محدثا.
وتوفي سنة ثلاث وستين وست مائة.
٣١٣٩ - [القاضي الرشيد الإخميمي] (٥)
القاضي الرشيد ذو النون بن محمد بن ذي النون المصري، الإخميمي بلدا، الشافعي مذهبا، العلوي نسبا، الملقب رشيد الدين.
كان من أعيان الزمان، وفضلاء الأعيان.
قدم اليمن صحبة المسعود يوسف بن الكامل محمد بن أبي بكر بن أيوب، وولي عدن مرارا، وحسنت سيرته، واشتهرت فضيلته، وكانت حضرته موردا للعلماء، ومقصدا للفضلاء، يشبه الصاحب ابن عباد في عصره.
стр. 2473
وولي وزارة المنصور عمر بن علي بن رسول، وأنشأ المدرسة الرشيدية بتعز، ووقف عليها وقفا جيدا.
ولم يزل على الحالة المرضية من الرئاسة الكاملة، والحشمة الوافرة عند الخاص والعام إلى أن توفي بتعز في سنة ثلاث وستين وست مائة.
٣١٤٠ - [عثمان بن يحيى] (١)
عثمان بن يحيى بن الفقيه فضل.
كان فقيها صالحا، أديبا عارفا، له محفوظات جيدة، وبديهة حسنة، وكان حاضر الجواب نظما ونثرا.
يحكى أن الأمير علي بن يحيى العنسي كان يحب صحبة الفقهاء والفضلاء مع ما فيه من المروءة والإنصاف، فعمل يوما طعاما وفيه صحن مملوء لحوحا وزوما، وجمع الفقهاء عليه، ومن جملتهم الفقيه عثمان المذكور، وكان صحن اللّحوح بعيدا من الفقيه، وكان يمد يده إليه ولا يناله إلا بمشقة، فأنشد الأمير علي بن يحيى حين رآه يمد يده إليه: [من الكامل]
بعد اللّحوح عن الفقيه الأوحد ... عثمان بل خير البرية عن يد
فأجابه مرتجلا:
ترد المواسم إن أمرت بنقله ... ويطول منك الباع إن قصرت يدي
فقام الأمير بنفسه مسرعا، فاحتمل الصحن ووضعه بين يدي الفقيه، ثم قال للفقيه:
أراك تحب اللحوح، وقد وهبت لك الجربة الفلانية (٢)؛ لتكون برسمه، فقبلها الفقيه، وكانت تساوي ألف دينار.
ومن نظم الفقيه: [من مخلع البسيط]
طوبى لمن عاش فرد يوم ... ونفسه فيه مطمئنه
ولا له في الملا عدوّ ... ولا لخلق عليه منه
стр. 2474
قال الجندي: (توفي الفقيه عثمان لثلاث بقين من رمضان سنة ثلاث وستين وست مائة، وكان أبوه يحيى وأخواه أبو بكر وعلي مقبورين في فسقية (١) واحدة شرقي مسجدهم من قرية الملحمة، فقيل للفقيه عثمان: نقبرك معهم؟ فقال: لا، إني أخشى أن أؤذيهم؛ إنهم كانوا على طريق كامل من الورع، فقبر وحده قريبا منهم) (٢).
٣١٤١ - [علي الرميمة] (٣)
الشيخ الصالح أبو الحسن علي بن أحمد الرّميمة.
صحب الشيخ مدافع بن أحمد، ولزم طريق العزلة بجبل صبر.
وكان شيخا مباركا، ذا كرامات، منها ما أخبر عنه القاضي محمد بن علي قال: كان المظفر قد بعث الشيخ عبد الله بن عباس والأمير ابن الداية إلى مصر لحاجة، فاتصل العلم باليمن أن الشيخ عبد الله بن عباس توفي بمصر، وكان يصحبني، فمررت ببابه، فسمعت في بيته بكاء أزعجني، فطلعت إلى الشيخ علي الرميمة، وأخبرته بموت ابن عباس المذكور، فأطرق ساعة، ثم رفع رأسه إليّ وقال: لم يمت إلا ابن الداية، وأما ابن عباس .. ففي عافية، فأخبر أهله بذلك، فنزلت مسرعا بذلك، ثم بعد أيام وصل العلم المحقق بموت ابن الداية، وأن ابن عباس في عافية.
ولم يزل الشيخ على الطريق المرضي إلى أن توفي في يوم الجمعة خامس وعشرين شهر رمضان من سنة ثلاث وستين وست مائة.
٣١٤٢ - [أحمد بن علي الحكمي] (٤)
أحمد بن الإمام أبي الحسن علي بن قاسم الحكمي.
تفقه بأبيه، وخلفه في التدريس، واستفاد به كثير من الطلبة.
стр. 2475
وكان فقيها نبيها، ذكيا فطنا، عارفا جليل القدر.
وتوفي على الحال المرضي تاسع ربيع الآخر سنة أربع وستين وست مائة.
٣١٤٣ - [أحمد بن عبد الله الصقلي] (١)
أحمد بن عبد الله بن شعيب التميمي الصقلي ثم الدمشقي، المقرئ الأديب الإمام جمال الدين.
توفي سنة أربع وستين وست مائة.
٣١٤٤ - [عباس بن عبد الجليل] (٢)
الأمير الكبير عباس بن عبد الجليل بن عبد الرحمن التغلبي.
كان ذا مال كثير، وأكثر ماله من التجارة، وكان كثير الصدقة، معروفا بفعل الخير إذا أقبل الحجاج من الحج وهو في بلده أحسن إليهم وكساهم، وأعطاهم ما يبلغون به قصدهم، ومن كان من أهل البلد .. أعطاه ما يزيل به وعثاء السفر، وقد يتشبه بالحجاج ناس في زيهم يقصدونه، ويعطيهم ما يليق بحالهم.
وكان كثيرا ما يتولى في عدن، وتولى في زبيد أيضا، وله مسجد ومدرسة بزبيد، ومدرسة بجبل ذخر، وهو أصل بلده، ومسجد بقرية السلامة، وآخر بأبيات حسين.
وله معاملة حسنة مع الله تعالى إلى أن توفي في سنة أربع وستين وست مائة.
٣١٤٥ - [آي دغدي العزيزي] (٣)
آي دغدي العزيزي الأمير الكبير جمال الدين.
كان شجاعا مقداما، عاقلا محتشما، جليل القدر، كثير الصدقات، حسن الديانة،
стр. 2476
من جلة الأمراء ومتميزيهم، حبسه المعز مدة، ثم أخرجه المظفر يوم عين جالوت، وكان الملك الظاهر يحترمه ويتأدب معه، جهزه في سنة أربع وستين وست مائة، فأغار على بلاد سيس، ثم خرج على صفد، فتمرض.
توفي بدمشق ليلة عرفة من السنة المذكورة.
٣١٤٦ - [أحمد بن سالم المصري] (١)
الشيخ أحمد بن سالم المصري النحوي، نزيل دمشق.
كان فقيرا متزهدا، محققا للعربية.
توفي سنة أربع وستين وست مائة.
٣١٤٧ - [الحسن وعبد الرحمن ابنا صصرى] (٢)
بهاء الدين الحسن بن سالم التغلبي الدمشقي، عرف بابن صصرى، وأخوه شرف الدين عبد الرحمن بن سالم.
وليا المناصب الكبار، ونظرا للديوان، وتوفيا سنة أربع وستين وست مائة.
٣١٤٨ - [سليمان الجنيد] (٣)
سليمان الملقب بالجنيد بن محمد بن أسعد بن همدان بن يعفر أبو الربيع.
ولد بقرية العدن من بلد صهبان في سنة اثنتين وست مائة، وأخذ عن أبيه.
وكان فقيها فاضلا، رئيسا نبيلا، زاهدا عابدا، امتحن بقضاء عدن، ثم زبيد، وذكر بعضهم أنه إنما امتحن بذلك؛ لأنه عاب بعض حكام أهل زمانه في شيء مما هو به، فقيل له: سنذيقك ما ذاق، فلما امتحن بقضاء عدن .. استغفر الله وتاب، ثم عزل نفسه، وعاد
стр. 2477
إلى بلده، فقيل له: ولك قضاء زبيد، فامتحن به، ثم عزل، وعاد إلى بلده، ثم انتقل إلى ذي أشرق.
وكان مشهورا باستجابة الدعاء، مقصودا بالزيارة، له كرامات كثيرة.
وتوفي على الطريق المرضي في نصف صفر من سنة أربع وستين وست مائة بقرية ذي أشرق ﵀ ونفع به.
٣١٤٩ - [محمد بن عبد الله التباعي] (١)
محمد بن عبد الله بن علي بن ناجي بن عبد الحميد، كان فقيها فاضلا.
توفي في شوال سنة أربع وستين وست مائة.
٣١٥٠ - [عبد الله بن علي التباعي] (٢)
عبد الله بن علي بن ناجي بن عبد الحميد التباعي.
كان فقيها فاضلا، تفقه بابن سحارة، وعنه أخذ جماعة، وكان يسكن في القريعا-بضم القاف، وفتح الراء، وسكون المثناة تحت، وفتح العين المهملة، وآخره ألف-قرية بالقرب من المخادر.
قال الجندي: (ولم أتحقق له تاريخا) اه (٣)
وذكرته هنا؛ تبعا لابنه محمد المذكور قبله مع أنه كان موجودا في هذه المائة يقينا (٤).
٣١٥١ - [علي بن سير الواسطي] (٥)
علي بن سير بن إسماعيل بن الحسن الواسطي (٦).
стр. 2478
قال الجندي: (كان فقيها صالحا فاضلا، قدم تعز، فنزل في خانكة قليم السيفي.
وأخذ عنه فقهاء تعز أحاديث المعمّر رتن الهندي بروايته لها عن الشيخ الفقيه داود بن أسعد بن حامد القفال المنحروري قال: سمعت المعمّر رتن بن مندر-على وزن مفعل- ابن مندي-بفتح الميم، وسكون النون، وكسر الدال، ثم مثناة آخر الحروف-الصراف السندي قال: كنت في بدء أمري أعبد صنما ببلدي، فرأيت في منامي قائلا يقول لي:
اطلب لك دينا غير هذا، قلت: من أين أطلبه؟ قال: بالشام، قال: فأتيت الشام، فوجدتهم على النصرانية، فتنصرت، ثم رأيت بعد أيام قائلا يقول لي: اطلب لك دينا غير هذا، قلت: فأين أطلبه؟ قال: بالحجاز، فقصدت المدينة، وأسلمت على يد رسول الله ﷺ ، وسألته أن يدعو لي بطول العمر، فمسح بيده الكريمة على رأسي، ثم خرجت معه غزاة اليهود، ولما عدت معه .. استأذنته في العود إلى بلدي؛ لأجل والدتي، فأذن لي.
وذكر أن بلده كانت تسمى وكاوور-بفتح الواو والكاف، ثم ألف، ثم واو مضمومة، ثم واو ساكنة، ثم راء-بينها وبين الملتان أربعة عشر فرسخا، ثم سميت بعد ذلك: سورباه -بضم السين مهملة، وسكون الواو، وبراء ثم موحدة مفتوحتين، ثم ألف ثم هاء-برجل من ولد سامة بن لؤي اسمه سور، ثم سميت: أهراووت-بفتح الهمزة، وسكون الهاء، وفتح الراء، ثم ألف، ثم واوين الأولى مضمومة، والثانية ساكنة، ثم مثناة من فوق- وبذلك تعرف إلى الآن.
قال: وتواتر عند أهل بلده أنه بلغ من العمر نحو سبع مائة سنة ببركة دعاء رسول الله ﷺ وإمرار يده الكريمة على رأسه، قال: فأقمت ببلدي مدة، ثم خرجت إلى بلد يقال لها: بترهند-بكسر الموحدة، وسكون المثناة من فوق، وخفض الراء، وكسر الهاء، وسكون النون-بلد من أعمال السند؛ لأدعو حكيما بها اسمه: هربال-بكسر الهاء، وسكون الراء، وفتح الموحدة، ثم ألف ولام-ويعرف بالصفار، فأدركته في آخر عمره، فدعوته إلى الإسلام، فأسلم على يدي.
ثم لم تطل مدة المعمّر فتوفي بعد إسلام الحكيم بثلاثة أيام، وذلك في رجب سنة ثمان وست مائة، ودفن في بترهند.
стр. 2479
قال الواسطي: سمعت ذلك كله من تلميذ المعمّر-وهو داود المقدم ذكره-في قرية من صعيد مصر يقال لها أسيوط) (١).
قال الجندي: (ثم سافر الواسطي المذكور إلى الجند؛ لغرض الرّجبيّة (٢)، فأخذته بطنه، فلما أحس بثقل المرض .. حمل على جمل، فلما صار على باب الجند .. برك الجمل ولم يقم، وضرب ولم يقم، فقال: بخ بخ لكم يا أهل الجند، هذا علامة موتي، وقد وعدني ربي أن يغفر لي ولمن قبر حولي، ثم أعيد إلى الموضع الذي نزل فيه، وهو المدرسة الشقيرية، فتوفي مبطونا لبضع وعشرين ليلة مضت من رجب سنة أربع وستين وست مائة، وقبره عند جبل صبر مشهور، يزار ويتبرك به) (٣).
٣١٥٢ - [أحمد بن نعمة النابلسي] (٤)
أحمد بن نعمة كمال الدين النابلسي، خطيب القدس.
كان صالحا متعبدا متزهدا.
توفي سنة خمس وستين وست مائة.
٣١٥٣ - [إسماعيل الكوراني] (٥)
إسماعيل الكوراني الشيخ القدوة.
صاحب صدق وتحقيق، وورع دقيق، كان مقصودا بالزيارة.
توفي سنة خمس وستين وست مائة.
стр. 2480
٣١٥٤ - [أبو شامة] (١)
عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي ثم الدمشقي المعروف بأبي شامة-لشامة كبيرة فوق حاجبه الأيسر-الشافعي المقرئ النحوي المؤرخ.
أتقن القراءات والفقه، وبرع فيهما وفي النحو، وسمع الحديث، وشرح «الشاطبية» شرحا جيدا، واختصر «تاريخ ابن عساكر» في خمسة عشر مجلدا ضخما، ثم اختصره في خمس مجلدات، ونظم «مفصل الزمخشري»، وله «كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية»، وولي مشيخة دار الحديث الأشرفية، وكان متواضعا.
توفي في سنة خمس وستين وست مائة.
٣١٥٥ - [تاج الدين ابن القسطلاني] (٢)
الشيخ تاج الدين علي بن الشيخ القدوة أبي العباس أحمد بن علي القيسي، عرف بابن القسطلاني، المصري المالكي المفتي.
سمع بمكة من طائفة كثيرة، ودرس بمصر، وولي مشيخة الكاملية إلى أن توفي في سابع شوال (٣) سنة خمس وستين وست مائة عن سبع وسبعين سنة.
قال الشيخ اليافعي: (وقد يشتبه ذلك بالقطب ابن القسطلاني على من ليس عنده علم؛ لاشتراك أبويهما في الكنية والاسم، وكلاهما زاهد عالم، مصري مالكي، وكلا الوالدين عالم مفتي، وشيخ الحديث في الكاملية، لكن قطب الدين تأخرت وفاته إلى سنة ست وثمانين، وهو أجل الرجلين قدرا، وأشهرهما ذكرا) اه (٤)
стр. 2481
٣١٥٦ - [أحمد بن علوان الصوفي] (١)
الشيخ الصالح الولي المشهور أبو العباس شهاب الدين أحمد بن علوان (٢).
كان والده من أهل خاو-بفتح الخاء المعجمة بعدها ألف، ثم واو-بلد قريبة من رأس نقيل صيد، وكان كاتب إنشاء الملك المسعود بن الكامل، يروى أنه سار مع المسعود إلى حجّة لبعض مخارجه فحصل حرب هنالك بينه وبين العرب، وكان علوان واقفا على بغلة تحت جبل هنالك، فانقطع من الجبل كسف فوقع عليه، وكان آخر العهد به، وهو الذي دخل كتاب «البيان» العراق بخطه، فقال أهل العراق: ما كنا نظن أن في اليمن إنسان، حتى قدم علينا «البيان» بخط علوان.
ويحكى أن الإمام يحيى بن أبي الخير أراد أن يجيزه شيئا على كتابته «البيان» فقال علوان: ما أريد إجازتي، إلا أن تدعو لي أن الله يرزقني ولدا صالحا، فدعا له، فرزقه الله الشيخ أحمد المذكور، فنشأ على ما جرت به عادة أولاد الكتاب والرؤساء من التنعم والترفه، ثم قصد باب السلطان للخدمة، ففي أثناء الطريق وقع طائر على كتفه، ومد منقاره إلى فمه، ففتح الشيخ فاه، فصب الطائر فيه شيئا، فابتلعه الشيخ، ثم رجع من طريقه، فلزم الخلوة أربعين يوما، ثم خرج، فظهر منه الإشارات والكرامات، وألقي له المحبة في قلوب الخاص والعام، وله مع الشيخ أبي الغيث مخاطبات ومراسلات.
وكان مسكنه بلد من المعافر يعرف بذي الجنان، كجمع جنّة، ثم تأهل بامرأة من يفرس، وسكن معها بيفرس إلى أن توفي بها في شهر رجب من سنة خمس وستين وست مائة.
٣١٥٧ - [أبو الفضائل الصغاني] (٣)
الإمام العلامة أبو الفضائل الحسن بن محمد الصغاني.
стр. 2482
كان إماما كبيرا، عالما عاملا بارعا، فاضلا متفننا كاملا، عارفا بالنحو واللغة، والتفسير والحديث، والفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة.
وله المصنفات المفيدة: ذيل على «صحاح الجوهري» وسماه: «التكملة والذيل والصلة»، ومن مصنفاته «مشارق الأنوار»، وشرح «البخاري» شرحا مختصرا، وله كتاب «العباب» الذي لم يصنف مثله في فنه، يقال: إنه وصل فيه إلى مادة (بكم)، فقال فيه بعضهم: [من مجزوء الرجز]
إن الصغاني الذي ... حوى العلوم والحكم
صار قصارى أمره ... أن انتهى إلى بكم
وله غير ذلك من المصنفات، ودخل اليمن مرارا، وأقام بعدن، وقصده جمع من العلماء للأخذ عنه، وصحبه سليمان بن الفقيه بطال، وأقام معه بعدن مدة، ثم طلعا إلى بلدهم، فأخذ عنه الإمام بطال وغيره، وقدم تعز، فأخذ عنه بها جماعة، منهم الشيخ منصور بن حسن، والفقيه أحمد بن علي السرددي.
وفي آخر عمره أقام بمكة.
وتوفي ببغداد فجاءة سنة خمس وستين وست مائة (١)، ورثاه تلميذه أحمد بن محمد بن عمر بن إسماعيل الشهرزوري-كما رواه الجندي عن ابن أخيه علي بن الحسن (٢) بن محمد بن عمر الشهرزوري (٣) -بقصيدة يقول فيها: [من البسيط]
أقول والشمل في ذيل النوى عثرا ... يوم الوداع ودمع العين قد كثرا
أبا الفضائل قد زودتني أسفا ... أضعاف ما زدت قدري في الورى أثرا
قد كنت تودع سمعي الدر منتظما ... فخذه من جفن عيني الآن منتثرا
وأخذ هذا المعنى من قول الزمخشري في ترثيته شيخه أبا مضر: [من الطويل]
وقائلة ما هذه الدرر التي ... تساقطها عيناك سمطين سمطين
стр. 2483
فقلت هي الدر اللواتي حشى بها ... أبو مضر أذني تساقطن من عيني
وكان الصغاني شاعرا فصيحا، ومن محاسن شعره ما رواه الجندي عن شيخه أحمد بن علي السرددي قال: أخبرني والدي أنه سمع الصغاني كثيرا ما ينشد لنفسه: [من الطويل]
تعلمت أسباب القناعة يافعا ... وكهلا فكانا في حياتي ديدني
وقد كان أوصاني أبي حفّ بالرضا ... بألاّ أوافى مطعما من يدي دني
والصغاني بفتح الصاد المهملة، والغين المعجمة بعدها ألف، ثم نون، ثم ياء نسب، وفيها لغة: يقال فيه أيضا: الصاغاني بزيادة ألف بين الصاد والغين.
وذكر الخزرجي في «تاريخه» له قصيدة طويلة نحو خمسين بيتا، مشتملة على ألفاظ غريبة، ومعاني عجيبة، وجناس بديع، مستشهدا بها على أنه يقال: صاغاني، يقول في أولها: [من البسيط]
أنساني الدهر أعطاني وأوطاني ... وحطني ووهاد الخسف أوطاني
ويقول في آخرها:
فقلت يا دهر سالمني مسالمة ... فإنني عمريّ ثم صاغاني
فانصاغ ينقاد إذعانا وسالمني ... ومد ضبعي وناغاني وصاغاني (١)
وقد أوردناها بجملتها في «تاريخ عدن»، فمن أحب الوقوف عليها .. فليراجعه (٢).
٣١٥٨ - [أبو الحسن الدهان] (٣)
علي بن موسى السعدي المصري أبو الحسن الدهان، المقرئ الزاهد.
قرأ القراءات، وتصدر بالفاضلية، وكان ذا علم وعمل.
توفي سنة خمس وستين وست مائة.
стр. 2484
٣١٥٩ - [الأمير المرتضى بن أبي إبراهيم] (١)
المرتضى أبو حفص عمر بن أبي إبراهيم القيسي المؤمني، صاحب المغرب.
ولي الملك بعد ابن عمه المعتضد، وامتدت أيامه، وكان مستضعفا، دخل ابن عمه أبو دبوس الملقب بالواثق بالله إدريس مرّاكش، فهرب المرتضى، فظفر به عامل الواثق في سنة خمس وستين وست مائة، وأقام الواثق ثلاثة أعوام، ثم قامت دولة بني مرين، وزالت دولة آل عبد المؤمن (٢).
٣١٦٠ - [صالح بن إبراهيم العثري] (٣)
صالح بن إبراهيم بن صالح بن علي بن أحمد العثري.
كان فقيها صالحا، عالما عاملا، فاضلا كاملا، من أهل الدين والدنيا، وممن يضرب به المثل في الكمال، وكانت حلقته فوق مائة طالب.
ولي قضاء تهامة أجمع، وكان قضاؤه مرضيا، وكان ذا ثروة تامة، وشفقة على الأيتام، كان يصنع في نصف شعبان حلوى كثيرة، ويفرقها على الأيتام والضعفاء، ثم على خواص أصحابه، ثم على الفقهاء بأسرهم.
يحكى أنه كان ليلة نائما بالقرب من امرأته، فسمعته يقول وهو نائم: أنا أسبق، أنا أسبق، فلما استيقظ .. سألته عن موجب قوله: أنا أسبق، فغالطها في ذلك، فألحت عليه، فقال: رأيت أني أنا والفقيه عمرو بن علي التباعي والشيخ عيسى بن حجاج نستبق إلى الجنة، فقلت: أنا أسبق، أنا أسبق، فسبقتهما، ثم إن الثلاثة المذكورين ماتوا بعد نحو شهرين من الرؤيا في وعد واحد، وكان الفقيه صالح المذكور أولهم وفاة.
وتوفي في جمادى الأولى من سنة خمس وستين وست مائة.
стр. 2485
٣١٦١ - [عمر ابن رشيد] (١)
عمر بن محمد بن رشيد، بضم الراء، وفتح الشين المعجمة، وسكون المثناة تحت، ثم دال مهملة.
كان فقيها صالحا، عابدا زاهدا ورعا، قدم هو وأخوه أبو بكر رغبة في صحبة الشيخ علي بن مرتضى خليفة الشيخ ابن أبي الباطل على أصحابه، وكان قدومهما قبل قدوم الحضارم زبيد.
توفي الفقيه عمر المذكور سنة خمس وستين وست مائة، وهو جد الفقيه محمد بن عبد الله الحضرمي لأمه.
وتوفي أبو بكر قبله في سنة أربع وستين وست مائة، ولأبي بكر ولد اسمه محمد، سيأتي ذكره في أول المائة بعد هذه (٢).
٣١٦٢ - [عمرو بن علي التباعي] (٣)
عمرو-بفتح العين-بن علي بن عمرو بن محمد بن عمرو بن سعد (٤) بن أبي جعفر بن عباس-بموحدة ومهملتين-التباعي، نسبة إلى ذي تباع، أحد أذواء حمير، ووهم من نسبهم إلى همدان.
ولد المذكور سنة ثمان وثمانين وخمس مائة في بلد بني شاور من مخلاف حجة.
صحب الفقيه علي بن مسعود وتفقه به، ثم طلع الجبال، فأخذ عن أبي بكر بن يحيى «غريبي الهروي»، ثم تقدم إلى مصنعة سير، فقرأ بها على الحسن بن راشد «مسند الإمام أحمد ابن حنبل» وأخذ عن ابن أبي الصيف، وأبي جديد وغيرهما من الأئمة الكبار.
وكان إماما بارعا مشهورا، أثنى عليه شيخه علي بن مسعود، ولقبه بمظفر الدين،
стр. 2486
وأعطاه كتبه في آخر الأمر، واستخلفه على تدريس أصحابه، فتفقه به جمع كثير، وصاروا أئمة فضلاء، كالإمام علي بن إبراهيم البجلي، والإمام أحمد بن علي بن هلال وغيرهم.
حكي أن الفقيه أحمد بن إبراهيم المصبري ناظر فقهاء زبيد، فلم يجد عندهم مقنعا، فتمثل بقول الأول: [من مجزوء الرجز]
لما دخلت اليمنا ... رأيت وجهي حسنا
أفّ لها من بلدة ... أفقه من فيها أنا (١)
ثم قصد أبيات حسين، وكلما مر بفقيه .. قصده وناظره، فقصد مدرسة الفقيه علي بن مسعود لمناظرته، فكان أول من لقيه عمرو هذا، فظن أنه الفقيه علي بن مسعود، ففاتحه السؤال، فلم يزل الفقيه عمرو يجيبه ويستزيده حتى نضب ما عنده، ثم ألقى عليه الفقيه عمرو سؤالات أجاب عن بعضها وتوقف عن البعض، فقال له الفقيه عمرو: كيف رأيت وجهك الآن؟ ! -إشارة إلى البيت الذي كان يتمثل به-فقال: يا سيدي؛ المعذرة إلى الله ثم إليك يا أبا الحسن، فعلم الفقيه عمرو أنه لم يعرفه، وأنه ظن أنه الفقيه علي بن مسعود، فقال له: عند ذلك: لست الفقيه علي، بل أنا بعض تلاميذه، ها هو ذاك في محراب المسجد، فاقدم عليه، فقدم عليه، ولم يزد على السلام، وطلب الدعاء وقال في نفسه:
إذا كان هذا درسيّ من درسته .. فكيف حال المدرس؟ !
قال الجندي: (وحصل بين الفقيه عمرو وبين الشيخ أبي الغيث بن جميل ألفة، يقال:
ترك الشيخ السماع في آخر عمره بإشارة الفقيه عمرو، فلما علم الشيخ علي الشّنيني صاحب القرشية أن الشيخ أبا الغيث ترك السماع بإشارة الفقيه .. قصد أبيات حسين، فوجد الفقيه والشيخ مجتمعين، فقال للفقيه عمرو: كيف تنكر يا فقيه أحوال الفقراء؟ ! فقال الفقيه: إنما أنكر على من أنكر الله ورسوله عليه، فقال الشيخ علي الشّنيني: إن كان ما نقول حقا .. فما تقول هذه السارية؟ فاضطربت السارية، فقال الفقيه عمرو: لقد علمت أن ستر أحوال الصالحين عليهم أحرى بهم، ثم ضرب الجدار، وإذا به قد اضطرب، وكادت الخشبة تقع في الأرض، فبادر الشيخان إلى الإنصاف والاستغفار.
ولم يزل الفقيه عمرو على الحال المرضي من التدريس والفتوى ونشر العلم إلى أن توفي
стр. 2487
عصر يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة خمس وستين وست مائة) (١).
٣١٦٣ - [محمد بن عمر الذئابي] (٢)
محمد بن عمر بن أحمد بن عمر، أصله من الذئاب، القرية المعروفة بوصاب.
تفقه بالمخلافة على الفقيه عمرو بن علي التباعي.
وكان فقيها زاهدا، عابدا ورعا، مشهورا بالصلاح.
ولم أقف على تاريخ وفاته، فليذكر في طبقة شيخه التباعي إن شاء الله تعالى (٣)
٣١٦٤ - [ابن الحطاب الزوقري] (٤)
محمد بن أبي بكر بن أبي الحسن (٥) بن عبد الله الزوقري ثم الركبي، المعروف بابن الحطاب.
ولد آخر المائة السادسة، وتفقه بالإمام علي بن قاسم الحكمي، وتزوج بابنة شيخه.
وكان فقيها فاضلا كبيرا، عالما عاملا، محققا للفروع والأصول، والنحو واللغة، والحساب والحديث والقراءات.
اجتمع الفقهاء مرة في وليمة وفيهم شيخه، وتأخر حضوره، فكانوا في انتظاره، فوصل وعليه ثياب نفيسة، وقعد في صدر المجلس، فنبزوه بالعجب، فقال: كيف لا أعجب وأنا ابن عشرين علما ليس في الحاضرين من يناظرني في واحد منها؟ ! ثم أنشد قول المتنبي: [من الخفيف]
إن أكن معجبا فعجب عجيب ... لم يجد فوق نفسه من مزيد
فبلغ كلامه شيخه، فقال: شغله الله، فلم يمض غير يسير حتى اعتراه ما سنذكره.
стр. 2488
أصل بلده النّويدرة، ثم سكن زبيد، وحاز مسجد الأشاعر على الحنفية، فكان يدرس فيه، وإذا دخل الوقت .. بادر بالصلاة، فتعب من ذلك الحنفية، فلم يحفل بهم، وكان لا يوجد إلا مدرسا أو مصليا، ثم إنه في بعض الأيام استدعى أخاه أبا الحسن وهو جد بني الحطاب الموجودين في النويدرة، فقال له: إني رأيت الباري يقول لي:
يا محمد؛ أنا أحبك، فقلت: يا رب؛ من أحببته .. ابتليته، فقال لي: استعدّ للبلاء، فكن يا أخي على حذر من أمري، فلما كان آخر ذلك اليوم .. صلّى العصر بالأشاعر، ثم خرج إلى بيته، فغشي عليه في الطريق، فيقال: إن الفقيه إسماعيل الحضرمي مرّ به وهو في تلك الحالة، فقبل بين عينيه وقال له: أهلا بك يا محبوب، وهو إذ ذاك ابن خمس وعشرين سنة، ففسخ عليه شيخه نكاح ابنته، واشترى له جارية من ماله تقوم به، وخطبت زوجته فقالت: لا أريد به بدلا حيا ولا ميتا، فكانت الجارية تربيه وتحفظه، وربما ضربته، وكان غالب أحيانه مربوطا إلى شيء أكيد، وكان الطلبة وغيرهم من أصحابه يقرءون عليه في أوقات يكون فيها حاضر الذهن، ويباحثونه في العلم، فإذا تغير .. خرجوا عنه، ومن لم يعرف حاله .. صفقت الجارية فيخرج، وكان من أكثر الناس حفظا للآثار والأمثال والأخبار.
يحكى أن المظفر قال لجلسائه: أذكر بيتين كنت أحفظهما في الصغر، لا أذكر منهما غير حضني أو حضنا، أود روايتهما ولو بمال، وأخبر بحال الفقيه المذكور وأنه قد يفيق في بعض الأوقات ويسأل عن عدة مسائل فيجيب عنها، فسئلت الجارية عن وقت صفاء ذهن الفقيه، فقالت: بين المغرب والعشاء، فلما كان مع المغرب .. أرسل لها المظفر بمركوب وغلام يركبه، وأمرها أن تصل مع الفقيه إلى حضرة السلطان، وكانت الجارية قد استعدت لذلك بغسل الفقيه وتنظيفه، فحضر مجلس المظفر وهو غاص بالفقهاء والأمراء وأعيان الدولة، فسئل عن أي مكان هو فيه، فقال: مقام السلطان الملك المظفر، ثم قال:
يا يوسف؛ كان والدك صاحبي، فقال له السلطان: نعم الصاحب أنت يا فقيه، ثم سئل عن الحاضرين شخصا شخصا، وكلما سئل عن شخص .. قال: هو فلان بمعرفة شافية، حتى سئل عن ابن دعاس وكانت بينهما مكارهة فقال: هذا ابن عم أخيه فقيل له: إن السلطان كان يحفظ أيام الصغر بيتين نسيهما، غير أن في أحدهما حضني أو حضنا، فقال: هما بيتان مشهوران، يقول صاحبهما: [من مجزوء الرمل]
راحة المرء صغيرا ... بين حضني والديه
فإذا ماتا أحالا ... بشقا الدنيا عليه
стр. 2489
فقال المظفر: هما والله البيتان، وسر بهما، فخلع عليه السلطان، ثم تكلم بكلام غير منضبط، فقالت الجارية: هذا أوان تغير حاله، فأعيد إلى بيته مسرعا.
ويحكى أن المظفر قد أمر من عد له ثلاث مائة دينار، ثم استشار ابن دعاس فيما سيعطيه، فقال ابن دعاس: إنّ هذا لا يعرف ما صار إليه، وإنما يصير إلى جارية، فبينما هم في المشاورة؛ إذ قال ابن الحطاب: من هذا الذي اختصه مولانا بمشاورته، فقال السلطان: هذا الفقيه سراج الدين، فقال ابن الحطاب: ومن سراج الدين؟ ! ما نعرف سراج الدين وجمال الدين وبدر الدين وشمس الدين إلا محمدا رسول الله ﷺ ، فقال المظفر لابن دعاس: أحرقتنا بنارك، وأعطاه الثلاث مائة.
ثم إن المظفر أمر الطبيب بمباشرة ابن الحطاب، ووعده على عافيته إعطاء ما سأل، فيحكى أنه نظر إليه واستبشر له بالفرج، فقال له ابن دعاس: والله لئن تعافى لا ترك لك ولا لأحد من الفضلاء قدرا؛ فإنه في كل علم باقعة، فوقع في نفس الطبيب ما قاله ابن دعاس فقال للمظفر: هذا لا يصح إلا بالعراق، فقال المظفر: فلو بعثناه إلى العراق وتداوى ثم رجع .. هل يخشى عليه شيء؟ فقال: نعم، فأعرض السلطان عن ذلك، وأجرى على الفقيه كل يوم عشرين درهما، فلم يزل ابن دعاس بالسلطان حتى نقصها، ثم صارت بعد ذلك إلى درهمين، واستمر ذلك بعد موته على ذريته.
حكى الجندي عن والده: (أنه زار الفقيه ومعه شخص من أصحابه، قال: فسلمنا عليه، فرد السلام علينا ردا جيدا، ثم قال لصاحبي: يا محمد؛ هل جئتنا بشيء؟ فقال:
جئت بنفسي، فأنشد ابن الحطاب ارتجالا: [من الطويل]
أتانا أخ من غيبة كان غابها ... وكان إذا ما غاب ننشده الركبا
فقلنا له هل جئتنا بهدية ... فقال بنفسي قلت نطعمها الكلبا
قال: وكان بينه وبين الفقيه موسى بن أحمد التباعي شارح «اللمع» صحبة ومكاتبة، وأنه لما دخل كتابه «شرح اللمع» إلى زبيد .. كتب إليه بشعر يقول فيه: [من الطويل]
ترى دهسات الرمل من جانب الند ... على عهدها أم قد تغيرن من بعدي
منازل من مي عهدنا بها المها ... لها فتكة تربى على صولة الأسد
هنالك إذ مي على أيمن الحمى ... وهند بيسراه فيا لك من هند
سقى الله ربعا للأحبة باللوى ... على عقدات الكثب والسهل كالعقد
стр. 2490
خليلي لا تربع على الربع بعدها ... وأنفق نفيس العمر في طلب المجد
إذا كنت شهما فاترك اللهو جانبا ... ونافس على عليا المراتب بالجد
كفعل عماد الدين موسى بن أحمد ... حليف المعالي جامع المجد والحمد
فتى ترك اللذات في طلب العلا ... فأرقته همّات له قمة السعد
متى تلقه تلق ابن إدريس فقهه ... وسفيان في جمع التنسك والزهد
ويكفيه فضلا ما أبان بشرحه ... على لمع الشيخ الإمام أخي المجد
فعندي أن الشيخ لو عاين شرحه ... لقال له: أحسنت لم تعد ما عندي
لئن كان إبراهيم أدمج متنه ... لقد حل موسى كل ما فيه من عقد
وعذراء من علم الأصول تمنعت ... على كل بحّاث وكل أخي نقد
أهاب بها يوما فألقت قناعها ... وجاءته طوعا في جلابيبها تردي
توفي بزبيد سنة خمس وستين وست مائة) (١).
٣١٦٥ - [عيسى بن حجاج العامري] (٢)
الشيخ الصالح أبو محمد عيسى بن حجاج العامري-قال الجندي: نسبه في بني عامر، عرب يسكنون جبلا تحت حصن الشرف من ناحية وصاب-ويقال له: الغيثي، نسبة إلى الشيخ أبي الغيث بن جميل؛ إذ كان أحد أعيان أصحابه.
وكان الشيخ عيسى المذكور صاحب حال، ويقال: صاحب تربية وعلم من علوم الصوفية.
وله كرامات مشهورة، وكان مصاحبا للقاضي صالح بن إبراهيم بن صالح العثري، وللفقيه عمرو بن علي التباعي المتقدم ذكرهما، فتوفي الثلاثة في أسبوع واحد (٣).
وكانت وفاة الشيخ عيسى لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى من سنة خمس وستين وست مائة (٤).