٤٣٥٧ - [عبد اللطيف المشرع] (١)
عبد اللطيف بن موسى المشرع عجيل الإمام العلامة الصالح، سراج الدين.
توفي بزبيد ظنا ليلة التاسع والعشرين من شهر المحرم أول سنة تسع مائة.
٤٣٥٨ - [يحيى بن محمد الصامت] (٢)
يحيى بن محمد الصامت الناشري الفقيه العلامة، مفتي زبيد.
توفي يوم السبت ثامن عشر المحرم من سنة تسع مائة.
٤٣٥٩ - [إسماعيل المشرع] (٣)
الشيخ إسماعيل بن أحمد المشرع عجيل.
توفي بزبيد ليلة الثلاثاء سادس جمادى الآخرة من سنة تسع مائة.
٤٣٦٠ - [قاسم بن محمد العراقي] (٤)
الشيخ قاسم بن محمد بن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف العراقي الولي الصالح.
قرأ على القاضي محمد با حميش فيما أظن، وقرأ على شيخنا جمال الدين أبي الفضل كثيرا، وصحبه صحبة أكيدة، وكذلك كان بينه وبين الشريف عمر بن عبد الرحمن باعلوي صاحب الحمراء صحبة ومودة أكيدة.
وله خط حسن، ومشاركة جيدة في الفقه والنحو، واستقامة على الكتاب والسنة في غالب أحواله مع سكينة ووقار، عليه سيما الصالحين، وكان أفقه وأصلح من أبيه وجده رحم الله الجميع ونفع بهم، آمين.
توفي بعدن في جمادى الآخرة من سنة تسع مائة.
стр. 3187
٤٣٦١ - [محمد الطاهر ابن جعمان] (١)
محمد الطاهر بن أحمد بن عمر بن جعمان الإمام العلامة، الولي الصالح.
توفي بمنزله من بيت الفقيه ابن عجيل في ليلة الجمعة رابع عشر رجب من سنة تسع مائة.
قال الحافظ وجيه الدين الديبع: (ولم يخلف بعده من السادة بني جعمان مثله) (٢).
٤٣٦٢ - [حسن الهتار] (٣)
حسن بن أبي العباس الهتار، الشيخ نور الدين.
توفي بزبيد ليلة الأربعاء سادس عشر رمضان من سنة تسع مائة، وكان له مشهد عظيم.
٤٣٦٣ - [محمد بن عبد الله الناشري]
القاضي محمد بن عبد الله الناشري.
قدم عدن، وقرأ على شيخنا محمد بن حسين القماط، وولي قضاء وادي لحج مدة، ثم عزل عنه، فلزم بيته بعدن إلى أن مات في سنة تسع مائة.
وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
***
стр. 3188
الحوادث
السنة الحادية والثمانون بعد الثمان مائة
في خامس وعشرين ربيع الأول منها: توفي الشيخ الصالح يحيى بن محمد بن أفلح بقرية الزريبة من وادي زبيد.
وفي جمادى الأولى: جهز المجاهد علي بن طاهر نيفا وخمسين فرسا مكملة العدة إلى المجاهد ابن سعد الدين بالحبشة؛ إعانة في سبيل الله (١).
وفي رجب: قدم المجاهد إلى زبيد وصحبه بنو أخيه: الشيخ عبد الوهاب بن داود، والشيخ عبد الباقي بن محمد بن طاهر، والشيخ أحمد بن عامر بن طاهر، فوقفوا بها إلى رمضان، ثم طلع الشيخ عبد الوهاب والشيخ أحمد بن عامر إلى الجبل (٢).
وفي شعبان: جهز المجاهد ابن أخيه يوسف بن عامر إلى الزيدية، فاستقر بالمراوعة، وقابله بنو حفيص بالسمع والطاعة وبذل الخراج، ودخلت عليه القبائل، فأجازهم (٣).
وفي شوال: غزا الشيخ يوسف بن عامر بن سليمان بطريق تعز، وتسلم حصونهم، وأخرب معاقلهم، وقتل جماعة منهم (٤).
وفي آخر شوال: طلع المجاهد من زبيد إلى تعز وصحبته ابنا أخيه عبد الباقي بن محمد ويوسف بن عامر (٥).
وفي ثالث شهر القعدة: توفي الفقيه عمر الخامري بمدينة حيس.
***
السنة الثانية والثمانون
فيها: فصل الشرف إسماعيل بن محمد الأحمر عن ولاية زبيد بالفقيه عبد الله بن أحمد
стр. 3189
العقيلي، وطلب الشرف أحمد إلى عدن ليولى نظرها، فلم يتفق (١).
وفي ليلة الثامن من ربيع الأول: توفي شيخ الإسلام عفيف الدين عبد الله بن الطيب الناشري، واستمر عوضه أخوه شيخ الإسلام وجيه الدين عبد الرحمن بن الطيب الناشري.
وفي ربيع الأول: كانت الوقعة المشهورة بين الشريف محمد بن بركات صاحب الحجاز وبين الشريف أبي الغوائر أحمد بن دريب بن خالد صاحب جازان بسبب وحشة حصلت بينهما، وذلك أن الشريف محمد بن بركات وقع بينه وبين بعض إخوته-وأظنه إبراهيم- منافرة، فأراد إبراهيم المسير إلى مصر ليشكو أخاه، فلم يمكنه العزم إلى مصر لا من ينبع ولا من المدينة ولا من غيرهما رعاية لأجل الشريف محمد بن بركات، فتوجه إلى اليمن إلى جازان، فأركبه صاحب جازان من بندوة إلى سواكن، ثم توجه من سواكن إلى مصر، فكان ذلك سبب الوحشة بينهما، فتجهز الشريف محمد بن بركات من مكة في جمع عظيم، فوصل إلى جازان، وترددت الرسل بينه وبين صاحب جازان، فلم ينتظم بينهما صلح، فوقعت بينهما وقعة عظيمة كاد ينهزم فيها الشريف محمد بن بركات، وكان قد استعد معه جملة من المحلقة المطلية بالذهب، من رآها .. لا يشك في أنها أشرفية ذهب خصوصا العرب الذين لا يميزون بين رزن الذهب وخفة الفضة، فلما رأى الانحلال في أصحابه ..
بث ذلك في عسكر صاحب جازان، وأفسدهم عليه بالدرهم حتى تخاذلوا عنه، وانهزم صاحب جازان، وقتل من أصحابه نحو الخمسة عشر، ودخل الشريف محمد بن بركات جازان وأحرقها ونهبها، وانتهكت به الحرمات، وانكشفت به العورات، وجرى على نساء صاحب جازان من الذل والإهانة وكشف الحجاب ما لم يكن في حساب (٢).
وفي هذه السنة: قدم ولد صاحب جازان بعد الكسرة إلى زبيد وبها يومئذ الشيخ يوسف بن عامر، فكساه وأنعم عليه، وسيره إلى عمه الملك المجاهد بعدن في جملة فرسان، فلقيه المجاهد بها، وأنعم عليه، وأعطاه مالا جزيلا، ورده إلى بلده مكرما، وخاف المجاهد من تطرق الشريف محمد بن بركات إلى زبيد وأعمالها، فأرسل إلى سلطان مصر قايتباي بهدية عظيمة وكتاب فيه شفاعة لصاحب جازان بأن يقصر الشريف محمد بن بركات عن العود إلى جازان، فكتب الأشرف قايتباي إلى الشريف محمد بن بركات بأن
стр. 3190
جازان بلدنا، وأنا قد تصدقنا على الشريف أحمد بن دريب، فلا لك إليه اعتراض بعد هذا (١).
وفي ربيع الأول: توفي الفقيه الصالح يحيى بن أحمد الجهمي المعروف بصاحب المصباح ببلده في أصاب.
وفي ذي القعدة منها: نصب الملك المجاهد المنجنيقات على حصن الشيخ إدريس المعروف بالخضراء بقرب خدد، وأخرب أكثرها، ثم نزل إليه الحبيشي باذلا الطاعة، وسلم الحصن، ومضى تحت ركابه وخدمته (٢).
***
السنة الثالثة والثمانون
في ثامن وعشرين المحرم منها: قتل الشيخ إدريس بن محمد بن الجلال الحبيشي صاحب خدد بعدن.
وفي تاسع وعشرين الشهر المذكور: توفي قاضي عدن وجيه الدين عبد الرحمن بن عبد العليم المخادري.
وفي الشهر المذكور: خرج الملك المجاهد من عدن إلى بلده وقد ابتدأ به المرض، فأقام بلحج أياما، وبجبيل بدر أياما، ثم دخل جبن، واستدعى شيخنا القاضي جمال الدين محمد بن حسين القماط من تعز، فواجهه بجبن، فولاه بها قضاء عدن في آخر ربيع الأول (٣).
وفي عاشر ربيع الآخر: توفي الملك المجاهد علي بن طاهر بن معوضة بن تاج الدين ببلده جبن ﵀، وكان قد عهد إلى ابن أخيه الشيخ عبد الوهاب بن داود في مرضه القديم كما قدمناه (٤)، فبادر الشيخ عبد الوهاب بن داود ليلة وفاة عمه بعد اتفاق الكلمة عليه إلى النزول إلى عدن وفي صحبته شيخنا القاضي جمال الدين محمد بن حسين القماط، فدخلها يوم الثلاثاء ثالث عشر ربيع الآخر بغتة قبل أن يعلم أهل البلد بوفاة عمه، وأظهر
стр. 3191
لأهل الباب ورقة عليها علامة عمه في دخوله إلى عدن لتجهيز الموسم، ودخلها في عسكر قليل غالبهم من وادي لحج أقروض وعقارب وعبادل، فلما استقر بالدار، وواجهه نقباء الحصون ونقباء يافع ووجوه البلد .. أظهر وفاة عمه، وبايعهم لنفسه، ولقب بالملك المنصور، وأقام الشيخ أحمد بن عامر بجبن أياما قلائل جهز فيها عمه، وقرأ عليه، وجمع العساكر، ونزل بهم إلى عدن، وأقام الملك المنصور بعدن أياما، فدبر أمورها، وقرر قواعدها، وسار بالناس سيرة جميلة، وفرق في العساكر أموالا جزيلة وكساوي جليلة، وجدد لشيخنا القاضي محمد بن حسين القماط ولاية القضاء بعدن، وأقام بها إلى آخر الشهر، ثم خرج منها هو وابن عمه الشيخ أحمد بن عامر، وحمل أموالا جزيلة عظيمة إلى المقرانة يقال: إن مبلغه خمسة لكوك ذهب، ومن الفضة ما لا يحصى، ثم نزل من المقرانة إلى تعز، ثم إلى زبيد وابن عمه الشيخ يوسف بن عامر إذ ذاك بها منابذا للمنصور، مستعدا لقتاله ومخالفته بعد أن كتب إليه المنصور بالملاطفة ووعده بتقريره على ما كان عليه في زمن عمه المجاهد، وأرسل إليه بمال صحبة الشرف الأحمر، فلم يقبل الصلح، ونزع اليد من الطاعة، وشحن الحجارة على الدروب، وكلف أهل زبيد حمل السلاح وطلوع الدروب، وتوعد أهل زبيد بالنهب وغيره إن لم ينصروه، وأمر الخطيب أن يخطب لبني طاهر على العموم، ولما قرب الملك المنصور من زبيد .. أمر الشيخ يوسف عبيد السلطان وعبيد السيد أن يخرجوا لحراسة البلد من خارجها، فلما خرجوا .. ذهبوا إلى الملك المنصور، وقام الشيخ بحير بن محمد بن وهبان في هذا الأمر قياما عظيما، وكان باطنه مع الشيخ عبد الوهاب، وظاهره مع الشيخ يوسف، فلما علم الشيخ يوسف بذهاب العبيد إلى المنصور .. خرج ليردهم، فأغلق الشيخ بحير في وجهه أبواب زبيد، فرجع إلى المدينة، فلم يفتح له الباب، وأعلنوا بالتنصير للملك المنصور، فتوجه الشيخ يوسف إلى حصن قوارير وقد كان شحنه ما يحتاج إليه، وكانت ليلة مظلمة، ولم يجد من يرشده الطريق، فأشار عليه بعض خواصه بالرجوع إلى طاعة ابن عمه وتسليم الأمر إليه، فذهب إلى محطة المنصور تلك الليلة، فلما قرب من المحطة .. ماجت المحطة، واضطرب الناس ظنا أنه جاء لحرب، فلما ظهر الحال .. سكن الناس، فدخل على ابن عمه الملك المنصور، فعاتبه عتابا لطيفا، وقابله بالإكرام والإحسان، وأمره بالتوجه إلى خيمة أخيه أحمد والنوم عنده، ودخل صحبته إلى زبيد في ثاني عشر جمادى الأولى من السنة المذكورة في خمس مائة فارس وألف راجل، فأقام بزبيد مدة يمهد قواعدها ويقرر أمورها، ووفدت عليه قبائل العرب، فأجزل صلاتها.
وأما الشيخ يوسف بن عامر .. فلم يطب له المقام بزبيد، واشتد غمه، وتخوف من ابن
стр. 3192
عمه لما سبق منه، فاستشفع إليه بأخيه الشيخ أحمد بن عامر، وحمل إليه القرآن العظيم ليفسح له في الخروج والذهاب حيث شاء، ففعل بعد امتناع شديد حياء من أخيه الشيخ أحمد بن عامر ومراعاة له، فخرج يوم الأربعاء ثاني يوم من دخول المنصور زبيد، وخرج صحبة الحاج محمد صاحب الذراع والشيخ محرم العنسي، فكاد أن يفتك بهما لشدة غيظه، فوصل إلى البقعة وقد أعدت له هناك سفينة، فركبها يوم الخميس رابع عشر الشهر المذكور، فبلغ إلى قرب مكة المكان الذي كان فيه الشريف محمد بن بركات صاحب الحجاز نازلا به، فواجه الشريف ثمّ، فأكرم منزله، وأقام عنده مدة، ثم رجع إلى اليمن، وكان عند خروجه من زبيد قد أودع مالا عند جماعة من أهل زبيد، كالقاضي علي بن أحمد الناشري، والجمال القميري، وأشياء كثيرة ببيت الشيخ الغزالي، وأشياء عند الشيخ أحمد الشنيني صاحب القرشية، فطالبهم المنصور بما عندهم، فكلّ سلّم ما عنده إلا القاضي الناشري فإنه أنكر ذلك، فطلب منه يمينه فحلف؛ إذ يجوز للوديع أن يحلف على نفي الوديعة إذا خاف عليها ممن يأخذها، فكان ذلك سبب سقوطه عند المنصور، فعزله عن القضاء بالقاضي تقي الدين عمر بن عبد المجيد الناشري، ولم تطل مدة القاضي عمر المذكور، فتوفي رابع وعشرين شعبان من السنة المذكورة، واستمر عوضه القاضي جمال الدين محمد بن عبد السلام الناشري قاضيا بزبيد (١).
***
السنة الرابعة والثمانون
في المحرم منها: توفي الفقيه العالم إسماعيل ابن مبارز.
وفيها: رجع الشيخ يوسف بن عامر من الحجاز إلى اليمن، ودخل بلاد بني حفيص، فأكرمه الشيخ أحمد بن أبي الغيث، وأكرم نزله، وزوجه بنتا له، ولبث عندهم إلى أن نزل المنصور عبد الوهاب بن داود وصحبه الشيخ أحمد بن عامر إلى زبيد في شوال من السنة المذكورة، وخرجا مسرعين من زبيد إلى بلد بني حفيص، وحاول المنصور صلحهم فلم يجيبوه إلى ذلك، فقاتلهم يوم الخميس مستهل القعدة، فقتل الشيخ أحمد بن عامر، ثم لما علم الشيخ يوسف بن عامر بقتل أخيه .. كر هو وجند المنصور على بني حفيص، فكانت
стр. 3193
الدائرة على بني حفيص، قتل منهم أكثر من أربع مائة قتيل، وانهزموا، ثم دخل المنصور إلى زبيد وصحبه الشيخ يوسف، ثم طلعا إلى تعز (١).
وفي شهر ربيع الآخر منها: حصل في اليمن غلاء عظيم، واستدام إلى سنة ست، واشتد في جمادى الآخرة منها، وعمّ زبيد وتعز وعدن وصنعاء وصعدة والشحر ومقدشوه وزيلع وبر سعد الدين، واشتد بزيلع وبرّها، وعدم الطعام بها أياما حتى أكلوا الجلود، وتعب الناس لذلك، وماتوا موتا ذريعا، وغاية الغلاء الذي حصل بعدن بلغ قيمة الزيدي الذرة أربعة دنانير، والمكيال العدني ثلاثين دينارا، ورآه الناس غلاء عظيما.
وأمر شيخنا القاضي جمال الدين محمد بن حسين القماط الناس بالاستسقاء، ونادى فيهم بصيام ثلاثة أيام، ويخرجون صبح الرابع صائمين، وأمرهم بالتوبة والخروج من المظالم، فامتثلوا، وخرجوا في اليوم الرابع صائمين إلى حقات، وصلوا صلاة الاستسقاء، وخطب بهم الخطيب خطبة بليغة، ثم صبر أياما، وأمر الناس بالصيام والخروج ثانيا إلى حقات لصلاة الاستسقاء، وندب التجار إلى إخراج شيء على سبيل الصدقة، فأجابوه إلى ذلك، وسلم كل واحد على ما قدره الله له، فاشترى به القاضي طعاما وغنما وبقرا، ومدّ سماطا للفقراء بحقات بعد انصراف الناس من صلاة الاستسقاء، فحصل المطر في ذلك اليوم في البلد، ثم حصل عقب ذلك أمطار كثيرة وسيول عظيمة بوادي لحج وبوادي زبيد تفجرت منه الأعين، وزاد زيادة بالغة، ونزل سعر الطعام، فبلغ المكيال بعدن عشرين دينارا، ثم نزل إلى ثمانية عشر دينارا، ثم إلى خمسة عشر دينارا فضة، واستمر على ذلك مدة إلى سنة ست، ثم لم يزل السعر يرخص حتى بلغ المكيال العدني ستة دنانير، فلله الحمد والمنة (٢).
وفي آخر هذه السنة: حج سلطان الديار المصرية الملك الأشرف قايتباي، سار من مصر بعد مسير الحاج بأيام في خمس مائة راحلة متجردا للحج، ولم يعلم الحاج بمخرجه، فحج وزار المدينة الشريفة، وأمر الناظر بفتح حاصل الحرم النبوي، ففتحه له، فحمل ما وجد فيه من الذهب والفضة من قناديل وغيرها، وعزم به صحبته إلى مصر، فلامه الناس في ذلك، ولم يعلموا ما قصد بذلك، فلما وصل إلى مصر .. اشترى بذلك أراضي مزدرعة بمصر؛ لتحمل غلتها كل سنة إلى أهل المدينة، ويقسّم على من بها من صغير وكبير وذكر
стр. 3194
وأنثى، وأراد أن يجعل ذلك كمطبخ الخليل ﷺ بالقدس، ولم يزل ذلك مستمرا أيام ولايته، وحصل به النفع العام لأهل المدينة (١).
***
السنة الخامسة والثمانون
في أولها: قيد الشيخ عبد الوهاب بن داود ابن عمه يوسف بن عامر بتعز لمكيدة ظهرت للمنصور من الشيخ يوسف، ولم يزل ينقله من سجن إلى سجن ومن بلد إلى بلد حتى استقر في رداع العرش إلى أن مات بها.
وفي صفر: أجريت عين المغرس بزبيد على نظر القاضي شرف الدين الأحمر (٢).
وفي ثالث وعشرين جمادى الآخرة: توفي الشيخ إسماعيل بن علي الحندج.
وفي مستهل رجب: توفي الطواشي كافور القاسمي خادم الحرم الشريف النبوي بزبيد.
وفي رابع عشر: وقع بزبيد حريق عظيم (٣).
وفي شهر جمادى الأولى: توفي الشيخ إسماعيل العماد المزجاجي بقرية المزجاجة.
***
السنة السادسة والثمانون
في تاسع عشر صفر منها: قتل أمير البلاد الحيسية عمر العدار بحد بني سيف (٤).
وفي ربيع الثاني: تسلم المنصور حصن خدد المشهور بالمنعة بعد طول حصاره من دولة عمه المجاهد إلى هذا التاريخ، ووجد به عددا وذخائر كثيرة (٥).
وفي تاسع رجب: توفي القاضي موفق الدين علي بن أحمد الناشري بزبيد.
وفي الشهر المذكور: وقع بزبيد حريق عظيم، وتلف فيه بعض بني آدم، ودواب، وأموال كثيرة (٦).
стр. 3195
وفي هذه السنة: تصدق المنصور بصدقة جليلة تنيف على أربعين ألف أشرفي من الذهب وخمسة وستين ألف دينار من الفضة، ووقعت من الناس موقعا عظيما؛ لحصولها في وقت الحاجة، وعمومها لجميع الناس (١).
وفيها: توفي قاضي تعز محمد بن داود الوحصي، وولي قضاء تعز بعده القاضي أبو بكر بن علي بن عمران.
وفي تاسع شعبان: قدم المنصور إلى زبيد، وجهز الأمير عمر بن عبد العزيز وسليمان بن جياش إلى الزيدية في عسكر عظيم، ثم رجعا إلى زبيد على صلح من بني حفيص والزيديين كافة، ووصل معهم جماعة من بني حفيص، والفقهاء بني حشيبر، وبني مطير، والقاضي جمال الدين محمد بن أحمد الأشخر، ووصلوا بأولاد أحمد بن أبي الغيث على سبيل الرهائن (٢).
وفي ثالث عشر رمضان: احترق الحرم الشريف النبوي، وذلك أنه حصل مطر بالمدينة، ونزلت عقبه صاعقة على المنارة التي تلي الضريح الشريف والمؤذن واقف يذكر بها، فاحترقت المنارة، ومؤذنها، والقبة الشريفة، والدرابزين في الروضة، وخزانة حاصل الحرم الشريف، واحترق في الحرم الشريف نحو ثلاثة عشر نفرا، فلما بلغ الخبر سلطان الديار المصرية الملك الأشرف قايتباي .. أرسل الخواجا محمد بن الزمن لعمارته، فعمره عمارة جيدة لم يسبق إلى مثلها (٣).
وفي الشهر المذكور أيضا: جعل الملك المنصور النظر في وقف زبيد وأعمالها لشيخ الإسلام وجيه الدين عبد الرحمن بن الطيب الناشري (٤).
وفي عاشر ذي القعدة: قدم الشريف أبو الغوائر أحمد بن دريب بن خالد صاحب جازان على الملك المنصور بزبيد في عسكر كثير من الخيل والرّجل، فلما علم المنصور بقدومه ..
احتفل به، وهيأ له الضيافة الخاصة والعامة، وخرج في جيوشه للقائه إلى ظاهر زبيد، فلما واجهه .. نزل المنصور من فرسه وترجل، ثم ترجل الشريف، وتسالما، واعتنقه، ثم ركبا معا، وقدمه المنصور عليه، وتماشيا ساعة، وتفرقا، فدخل المنصور من باب سهام الذي
стр. 3196
خرج منه للقائه، وأرسل مع الشريف طائفة من جنده وأمرائه إلى بستان حائط لبيق، وقال الشريف هناك إلى العصر، ثم دخل من باب الشبارق دخولا معظما، ودخل على المنصور في الدار الكبير الناصري، فأكرمه وعظمه، وأعلى منزلته، وطلب القضاة والعلماء والأمراء والأعيان لحضور الضيافة، وكان يوما معظما أظهر فيه الملك المنصور التواضع والبرّ لذرية رسول الله ﷺ والقيام بواجب حقهم، ثم أنزله بدار المعاصر، وأعطاه مالا جزيلا، ولم يزل عنده محترما إلى أن طلع المنصور إلى تعز سابع عشر الشهر المذكور، وخرج الشريف المذكور لوداعه، فلما رجع .. منع من دخول المدينة إلا بإشارة من المنصور، فنزل الشريف بقرية النويدرة أياما، ثم توجه إلى بلده ثالث وعشرين الشهر المذكور (١).
وفي هذه السنة: وقّع بعض الكتاب إلى المنصور أن الشرف الأحمر وأصحابه أخذوا من مال السلطان أشياء مختلفة الأنواع، فرسّم على الشرف الأحمر وأصحابه ومنهم الفقيه محمد الشجون، وأدّبهم، وعزلهم عن وظائفهم، وولى الفقيه وجيه الدين عبد الرحمن بن إبراهيم العلوي والفقيه محمد الهمام في عمالة الديوان، وقاضي حيس الفقيه أحمد البجلي الاستيفاء، ثم استدعى المنصور بالقاضي شرف الدين أبي القاسم بن محمد الجلاد من مدينة عدن، وولاه وظيفة الاستيفاء بزبيد في أوائل ذي القعدة من السنة المذكورة (٢).
وفي تاسع عشر ذي الحجة: وقع بزبيد حريق عظيم، واحترق في المدرسة العفيفية رجل يسمى بابن مجمل، وكان يوما عظيما، واحترق من شجر العنب شيء كثير، فلهذا تعرف عند أهل زبيد بحرقة العنب (٣).
***
السنة السابعة والثمانون
في عشرين المحرم منها: توفي الأمير أحمد بن فخر الدين السنبلي.
وفي ليلة الاثنين ثاني عشر صفر: توفي العالم العامل العلامة تقي الدين عمر بن محمد الفتى بن معيبد الأشعري، عالم زبيد ومفتيها.
стр. 3197
وفي ليلة الثالث من شهر رمضان: حصل بزبيد وقت الإفطار مطر عظيم كأفواه القرب، وكان فيها برق عظيم وصواعق مفزعة (١).
وفي شوال: قدم المنصور إلى زبيد وصحبته الأميران عمر بن عبد العزيز الحبيشي ومحمد بن عيسى البعداني، وكان الأمير بحير بن محمد بن وهبان قد تجهز إلى البلاد الشامية قبل قدوم المنصور بإشارته ومع الأمير بحير الأميران سليمان بن جياش السنبلي وهلال بن فهد المخلافي، والقاضي جمال الدين المحالبي، وكان الشيخ أحمد بن أبي الغيث بن حفيص قد هرب إلى قرية أبي عريش من قرى جازان، ثم ساقه القدر، فرجع إلى الزيدية مختفيا، فظفّر الله به، فأسره الأميران بحير وهلال بعد تعب عظيم وسياسة وسعي، وتوجه به الأمير هلال إلى زبيد، فدخل به زبيد عاشر عشرة من أولاده وأقاربه على جمل حاسر الرأس مقيدا في مستهل القعدة، ثم طلع بهم مقيدين صحبته إلى تعز، وقبل خروج المنصور إلى تعز أرسل جيشا إلى العبيد العامريين كانوا يقطعون الطريق ويخيفون السبيل، وأمر على الجيش أميرين: عمر بن عبد العزيز، وعلي بن محمد بن وهبان، فتوغل ابن وهبان في بلد العبيد، فحمل عليه العبيد، فقاتل قتالا شديدا حتى قتل أكثر العسكر الذين معه، وذلك في أوائل القعدة (٢).
وفي يوم الخميس رابع عشر الشهر المذكور: كان بمكة السيل المشهور، أخرب أكثر بيوتها، ودخل الحرم الشريف، فانغلق باب إبراهيم من شدة السيل، فانسد طريق الماء، وملأ الحرم الشريف، وبلغ إلى قفل باب الكعبة المشرفة، وحمل المنبر، ومات من الغرق بالحرم الشريف زهاء مائة نفس (٣).
***
السنة الثامنة والثمانون
في شهر صفر منها: توفي مؤذن مسجد الأشاعر بزبيد عبد الرحمن بن محمد المحنكل.
وفي الشهر المذكور: عدا الزيديون على الأمير هلال والشرف الأحمر ومن معهما من
стр. 3198
الدولة هنالك، فقتلوا هلالا وابنه، وأفلت منهم الشرف الأحمر وبه جراحات أصابته غير مثخنة، وكان المنصور إذ ذاك بالجبل، فجهز الأمير عمر بن عبد العزيز في عساكر عظيمة إلى الزيدية، ثم تجهز هو بنفسه إليها بعده، فقدم زبيد في جمادى الآخرة، وخرج إلى الزيدية مسرعا، ووقف بالضّحي، وأمر بنهب قرى الزيدية، وحرقت بيت الفقيه ابن حشيبر وصاعل، ثم جعل الأمير سليمان بن جياش السنبلي مقدما هنالك على عساكر كثيرة، ثم رجع إلى زبيد (١).
وفي مستهل جمادى الأولى: انقضّ كوكب عظيم من المشرق آخذا في المغرب والشام قدر أربع منازل، وحصلت بعد ذلك رجفة عظيمة (٢).
وفي هذه السنة: حج الأمير علم الدين سليمان بن جياش، وزار قبر النبي ﷺ ، وعاد إلى اليمن في التي تليها (٣).
وفيها: توفي الحافظ أبو بكر بن عبد الرحمن باشراحيل.
***
السنة التاسعة والثمانون
في ليلة الثامن والعشرين من ربيع الآخر: انقضّ كوكب عظيم الجرم من المشرق إلى المغرب، وحصل ظهر يوم الخميس زلزلة عظيمة بزبيد حتى اهتزت سقوف البيوت، وخرج أهلها منها خائفين على أنفسهم، وكذلك أهل الأسواق، واستدام ذلك إلى غروب الشمس (٤).
وفي الشهر المذكور: توفي الشيخ أحمد بن أبي الغيث بن حفيص أسيرا بحصن تعز، فغسل وكفن، ثم صلي عليه في جمع، ودفن.
وفي آخر شهر رجب: توفي الشيخ بحير بن محمد ابن وهبان.
وفيه أيضا: توفي الفقيه عبد الله بن محمد الهبي.
وفي أواخر شهر رمضان: توفي الشريف الصالح عمر بن عبد الرحمن باعلوي بتعز.
стр. 3199
وفي آخره أيضا: أخذ المنصور بلاد ذمار قهرا بالسيف، وأخرج منها ولد الشريف مطهر مقهورا (١).
وفي سابع عشر شوال: قدم المنصور إلى زبيد وصحبته بنو عمه: الشيخ عبد الله وإبراهيم ابنا عامر بن طاهر، وعبد الباقي بن محمد بن طاهر، فأقام بها ثلاثة أيام، ثم خرج إلى الزيدية، ثم رجع إلى زبيد ولم يلق كيدا (٢).
وفي ثامن الحجة: توفي الفقيه إسماعيل بن إبراهيم بن بكر.
***
السنة الموفية تسعين بعد ثمان مائة
في عاشر ربيع الأول منها: عمل المنصور سماطا معظما بزبيد في الدار الكبرى، وحشد إليه وجوه الناس، وأمر بقراءة المولد في مدرسته المباركة، فقرئ ليلة الاثنين الحادية عشرة منه، وكان القارئ قاضي زبيد محمد بن عبد السلام الناشري، وحضر القراءة الملك المنصور وقاضي القضاة شيخ الإسلام عبد الرحمن بن الطيب الناشري (٣).
وفي ليلة العشرين من رمضان: توفي الأمير علم الدين سليمان بن جياش السنبلي بزبيد.
وفي ثامن شوال: توفي الشيخ محمد بن الملك المنصور عبد الوهاب بن داود.
وفي رابع عشر شوال: قدم إلى زبيد صلاح الدين عامر بن عبد الوهاب في عسكر عظيم وصحبته الشيخ محمد وعلي ابنا الشيخ عبد الملك بن داود وولدا عمه محمد بن داود، وخرج إلى الزيدية، وحاصر الفئة الباغية منهم في حازة بلدهم، وقطع عليهم الماء حتى أدوا الطاعة، وسلموا مائة وثلاثين فرسا، وأربعين جملا من الجمال البحرية النفيسة، وأربعين ألف دينار (٤).
وفي ثاني وعشرين الشهر: توفي الفضل بن علي دغشر.
وفي ثاني عشر شوال: توفي الفقيه الصالح أحمد بن علي الفاضل.
***
стр. 3200
السنة الحادية والتسعون
في آخر ربيع الأول منها: توفي الإمام العلامة الصالح المعمر عبد الله بن عمر بن جعمان ببيت الفقيه ابن عجيل.
وفي ربيع الثاني: أمر الملك المنصور بعمارة مسجد الأشاعر وكان قد أشرف على الخراب، فعمره عمارة جيدة (١).
وفي ثامن جمادى الأولى: توفي قاضي الحديدة محمد بن عبد القادر الناشري، واستمر بعده ولده عبد الله في وظيفته.
وفي الشهر المذكور: خرج إبراهيم بن عامر بن طاهر مغاضبا لابن عمه الملك المنصور، متوجها إلى بلد بني حبيش، فلزمه النقيب محمد الحفصي، وأرسل به إلى المنصور، فقيّده، وأودعه دار الأدب عند أخيه يوسف بحصن رداع العرش (٢).
وفي هذه السنة: خرج الأمير قاسم بن وهبان إلى بلد الزيدية مقدما فيها، وتجاوز إلى مور، وقهر العرب، وعنف عليهم في الخراج، فلما خرج من مور .. قتلوه في جماعة من عسكره فيهم الفقيه علي بن الطيب النجار الذي كان يدّعي الوصول إلى علم الكيمياء، وذلك في شهر شعبان من السنة المذكورة، وكان المنصور إذ ذاك برداع، فلما علم .. أرسل الأمير عمر بن عبد العزيز في عسكر عظيم، ثم تبعه المنصور، فدخل زبيد ثامن وعشرين شعبان، فبلغ الأمير عمر بن عبد العزيز إلى واسط مور، فأذعن الرعية للطاعة، وسلموا الخراج والخيل، وأخذ الخراج من الواعظات والصميين والزعليين والزيديين، وأدوا إليه أكثر من مائة رأس من الخيل، فأرسل بذلك إلى المنصور بزبيد.
وقرئ «الشفا» بزبيد بحضرة المنصور، وكان القارئ القاضي محمد بن عبد السلام الناشري، وشيخ المجلس شيخ الإسلام وجيه الدين عبد الرحمن بن الطيب الناشري (٣).
وفي سادس عشر رمضان: توفي الشيخ أحمد بن طلحة الهتار المعروف بالمحتجب.
وفي حادي عشر شوال: طلع المنصور من زبيد إلى الجبل (٤).
стр. 3201
وفي العشرين منه: توفي الفقيه جمال الدين محمد بن علي الحداد المعروف بصاحب الذراع نفع الله به.
***
السنة الثانية والتسعون
في عاشر ربيع الآخر منها: عدا أناس من بني غبيق على الجمال محمد بن أبي الشيخ الأحمر والفقيه أبي القاسم بن علي راجح، وهما كاتبان تركهما الأمير عمر بن عبد العزيز من قبله بالبلاد الشامية، فأفحشا في الظلم والعسف، فقتلوهما والمنصور إذ ذاك بتعز، فلما بلغه الخبر .. نزل إلى زبيد، فدخلها تاسع جمادى الأولى (١).
وفي آخر جمادى الأولى: توفي الشيخ عبد الملك بن داود شقيق الملك المنصور، ولما علم الزيديون ومن معهم بدخول المنصور إلى زبيد ومعهم إذ ذاك أبو القاسم الشرياني .. حملوا هم والشرياني على الأمير عمر بن عبد العزيز ومن معه في بلد الجرابح ثاني عشر جمادى الآخرة وعسكر الأمير قليلون، فانكسر الأمير وعسكره، وهرب الأمير إلى بلد الزعليين، ووقف بها إلى أن وصل إليه المنصور في أثناء جمادى الثاني في جند عظيم، فقصد المنصور بلاد الزيدية، فلم يجد بها أحدا، فخربها ونقض أبنيتها، وحرقها، ورجع إلى زبيد، فدخلها مستهل رجب، ثم طلع إلى تعز في سادسه، ثم نزل إلى عدن، ثم رجع إلى تعز، ثم طلع إلى بلده بأهله منتقلا إلى داره التي بناها بجبن التي يضرب بها المثل، يقال: إنها اشتملت على ثلاث مائة مقصورة (٢).
وفي آخر يوم من شعبان: وقع إعصار عظيم فيما بين قريتي المدبّي وخلب من ناحية جازان بحيث يراه أهل القريتين، وفي رأسه نار تشتعل حتى وصل إلى أبيات من أعلى القريتين، فوقع فيها، وطيرها، وأحرق أهلها، وكانوا نحو أربعة وعشرين نفسا، ووقعت امرأة منهم من أعلى الإعصار محرقة مفصلة، وبقي منهم أناس احترق بعضهم، وشلّت أيدي بعضهم، ولم يبق للبيوت أثر، ثم أخذ الإعصار في المشرق، فأحرق الظباء ودواب كثيرة قطعهم أيضا، نسأل الله العافية والسلامة (٣).
стр. 3202
وفي السنة المذكورة: ألقى البحر بساحل أبين بحذاء لخبة دابة يقال لها: العنبر، طولها تسعة وعشرون ذراعا، وقيل: ثلاثة وثلاثون ذراعا، وجثتها كالسفينة العظيمة، وعرض جبهتها ستة أذرع ونصف، ووقب عينها يقعد فيه الإنسان، فسبحان الخالق ما يشاء! (١)
وفي يوم عيد الفطر: توفيت أم الملوك زوجة الملك المنصور الحرة فاطمة بنت الملك الظافر عامر بن طاهر بجبن (٢).
وفي عاشر القعدة: حصل بمدينة عدن مطر عظيم، وهاجت بعده ريح عظيمة انكسر بسببها مركبان ببندر عدن، أحدهما لسلطان كنباية، فيه أموال عظيمة وخلق كثير، هلك أكثرهم، وتلف فيهما من الأموال ما لا يحصى، وكان الأمير بعدن إذ ذاك عمر بن علي العنسي، فاعتنى بحفظ الأموال على أربابها، وبلغ الجهد في ذلك (٣).
وفي الشهر المذكور: قدم الشيخ أحمد بن محمد بن داود إلى زبيد أميرا من قبل عمه المنصور في عسكر ضليع، فأقام بزبيد، وأرسل العساكر إلى الأمير عمر بن عبد العزيز بالزيدية تقوية له (٤).
وفي ذي الحجة: توفي الأمير شهاب الدين أحمد الجبرتي بن جياش السنبلي في المقرانة.
***
السنة الثالثة والتسعون
في منتصف ربيع الأول منها: قدم المنصور إلى زبيد في عسكر عظيم، وولي الشهاب أحمد بن عبد القادر السباك المعروف بالدّبج نظر الأوقاف والمساجد والمدارس بزبيد وأعمالها من تحت نظر شيخ الإسلام وجيه الدين الناشري، وكان القاضي المذكور هو الساعي في ذلك، وتصدق بزبيد بصدقة جليلة نحو ثلاث مائة أشرفي وثلاث مائة مد طعام زبيدي (٥).
стр. 3203
وفي خامس وعشرين جمادى الأولى: عزل الفقيه أحمد البجلي عن قضاء حيس لموجبات أوجبت ذلك، وولي القضاء عيسى بن محمد الناشري عوضه، ثم رضي عن البجلي، ورده إلى وظيفته في شعبان، وقبض على محمد بن عبد اللطيف المحالبي، وطلع به مقيدا إلى تعز، ثم إلى بلده (١).
وفي شهر ربيع الثاني: توفي المحدث بزبيد الحافظ أحمد بن أحمد الشرجي.
وفي عاشر جمادى الآخرة: توفي حافظ الديار اليمنية يحيى بن أبي بكر العامري ببلده حرض.
وفي سادس وعشرين رمضان: توفي بزبيد قاضي الحنفية بها الصديق بن علي المطيّب.
وفي حادي عشر القعدة: حصلت ريح عظيمة انكسر بسببها في بندر عدن ثلاثة عشر مركبا، وفي الشحر وغيرها من البلاد (٢).
***
السنة الرابعة والتسعون
في منتصف المحرم منها: دخل السلطان صلاح الدين عامر بن عبد الوهاب زبيد وصحبته ابن عمه الشيخ أحمد بن محمد بن داود في خيل وعساكر كثيرة، وأخرج أكثر العسكر صحبة الأمير محمد بن عيسى البعداني إلى الزيدية، فسلمت الزيدية وغيرهم من العرب إلى الأمير البعداني خيلا ومالا جزيلا، فقدم به إلى زبيد، وقدم معه مشايخ العرب، ومنهم أبو القاسم الشرياني، فأكرمه السلطان صلاح الدين، وأطلق أولاد أحمد بن أبي الغيث بن حفيص من قيودهم وكان قد نزل بهم صحبته، وكساهم، وأنعم عليهم، وصرف لهم خيلا يركبونها بعد أن توثق منهم بالأيمان والرهائن من نسائهم وأولادهم (٣).
وفي مدة إقامته بزبيد: أمر القضاة والعلماء بعمارة ما تشعّث من المساجد والمدارس، ثم طلع إلى تعز سادس ربيع الأول، ثم إلى جبن، واجتمع بوالده هنالك، ثم مرض والده ولم يزل ينقص عليه إلى أن مات منه في سابع جمادى الأولى من السنة المذكورة، وكان قد عهد إلى ولده الملك الظافر صلاح الدين عامر، واتفقت كلمة أهل الحل والعقد عليه بعد
стр. 3204
موت أبيه، فبادر بإرسال ابن عمه محمد بن عبد الملك بن داود إلى عدن وصحبته الأمير علي بن محمد البعداني، فدخلها عشية ثاني أو ثالث يوم من موت عمه الملك المنصور، وأقام الملك الظافر بجبن ثلاثة أيام جهز فيها والده، وقرر أموره، ثم انتقل إلى المقرانة، وأقطع خاله عبد الله بن عامر بن طاهر البلاد الشرقية، فأظهر الرضى والتسليم، ثم عزم الملك الظافر إلى تعز، فدخلها سادس عشر الشهر.
ثم بلغه أن أخواله الشيخ عبد الله ومحمد وعمر أولاد عامر بن طاهر نقضوا العهد، ودعوا إلى أنفسهم، واستخدموا الجيوش من يافع وأهل جبن وغيرهم، وأخذوا حصن جبن، وانتهبوا الدار التي بناها المنصور بجبن، وخربوا بعضها، ونهبوا بيت علي الدرجاني وابن خلف، وبيت الشيخ عبد الملك بن داود، وبيت الأمير محمد بن عيسى البعداني والقاضي عمر بن محمد الجبني، وغيرها من البيوت، وخربوا أكثر البيوت التي بأسفل جبن، فطلع الملك الظافر من تعز ثاني وعشرين الشهر في خيل كثيرة وجمع عظيم، فحط عليهم في الحصن سادس وعشرين الشهر، فلما وصل الظافر إلى جبن .. نزل القاضي عمر بن محمد للسلام عليه، فأمر الشيخ محمد بن عامر بنهب بيته، فنهب، وانتهكت حرمه، ونهب له من الكتب النفيسة ما ينيف على ألف وخمس مائة كتاب.
وأما الشيخ عبد الله بن عامر .. فإنه لما علم بتوجه الظافر إلى جبن .. خرج منها إلى جبل حرير، ثم إلى بلد يافع، وقتل من أصحابه جملة، وأسر من بين يديه ابن أخيه الشيخ داود بن أحمد بن عامر، ونهب المال الذي في صحبته.
ولما قامت يافع في نصرة الشيخ عبد الله بن عامر .. كتب الشيخ الظافر إلى ابن عمه محمد بن عبد الملك بعدن يأمره بإخراج يافع منها، فأخرج منهم نحو خمس مائة إنسان، ثم اصطلح الملك الظافر ومن بقي من أخواله بجبن على يد الأمير عمر بن عبد العزيز الحبيشي على أن يعطيهم الملك الظافر في كل عام من مال عدن أربعين ألف دينار، ويقطعهم من البلاد جبل حرير والشعيب، فرفع المحطة عنهم، وكان قد حط عليهم خمسة وخمسين يوما (١).
وفي ثالث وعشرين شهر شعبان: توفي الفقيه عبد الله بن أبي بكر خطاب، إمام مسجد الأشاعر، وتوجه الظافر إلى المقرانة، ثم إلى رداع العرش ليتفقد أحوال تلك الجهات،
стр. 3205
فبلغه أن أخواله المذكورين نقضوا الصلح، فنزل الشيخ محمد بن عامر والمنتصر العربي وابن صاحب مرعيت إلى تعز ثالث رمضان، وكان جماعة من أهل تعز قد خامروا ورخصوا للشيخ محمد بن عامر أخذها، فوصل الشيخ محمد ومن معه على غرة إلى تعز وبها يومئذ شيخ الإسلام العلامة شمس الدين يوسف المقرئ بن يونس الجبائي، فأمر الناس بالفطر والقتال، فقاتلهم من لم يخامرهم، فهزموهم، وقتل ابن صاحب مرعيت في جماعة، ورجعوا خائبين، وكان الأمير عمر بن عبد العزيز إذ ذاك بتعز، فخرج ولم يقاتلهم، فاتهم في ذلك، ثم حصلت عليه مكائد كثيرة أفضت إلى غضب الظافر عليه والعسف والهسف، ثم قيد يوم الجمعة عشرين في شهر رمضان ببلد العربيين بعد وقعة صهبان، وسجن (١).
وفي رابع رمضان: توفي عمر قرينع.
وكان من جملة من خالف على الملك الظافر مع خاله الشيخ عبد الله بن عامر: عبد الباقي بن محمد بن طاهر، فنزل عبد الباقي المذكور إلى عدن، وأخذها للشيخ عبد الله بن عامر في الظاهر وغرضه في الباطن استخلاصها لنفسه دون غيره، فوصل إلى لحج بجمع أكثرهم من يافع، فتقدم طائفة من عسكره، فنهبوا وعاثوا، فخرج عليهم رتبة لحج، فهزموهم، ثم أقبل الشيخ عبد الباقي في بقية عسكره، فانهزم عنه رتبة لحج إلى السائلة، فلام أصحابه على النهب، ودخل الرعارع، ولم يغير على أحد شيئا، ثم تقدم إلى عدن ومعه نحو مائة سلم ليرتقي بها عسكره إلى الدروب، فوصل إلى المياه في آخر ليلة الثلاثاء عاشر رمضان، فوقع بين عسكره وبين المرتّبين بالحصون مهاوشة، وأخرب أصحابه بعض شيء من درب حوشب، فلما كان صبيحة ذلك اليوم .. خرج إليه الشيخ محمد بن عبد الملك من عدن في جمع عظيم غالبهم من عساكر المراكب البحرية؛ لأنه وصل في الموسم، وكان في البلد جملة خشب، فاستعان الشيخ محمد بن عبد الملك برجالها وآلاتها من المدافع وغيرها، فالتقى الجمعان عند جبل حديد، فنصر الله الشيخ محمد بن عبد الملك، وانهزم الشيخ عبد الباقي بن محمد بعد أن انكسرت يده وانهزم جل عسكره، وانحاز جمع من عسكره غالبهم من يافع إلى جبل حديد، فحط الشيخ محمد بن عبد الملك تحتهم ولم يتبع المنهزمين، ولو تبعهم .. لاستأصل شأفتهم ولم يبق منهم باقية، لكن رأى الأمر كما قيل: [من الكامل]
ما في قتيل فرّ مرعوبا سمن
стр. 3206
فحضر الذين بجبل حديد، فلما أيسوا عن المنقذ .. طلبوا النزول على الأمان، فآمنهم من القتل، ونزلوا إلى الشيخ محمد بن عبد الملك بعد أن سلموا ما بأيديهم من السلاح، فأسرهم، ودخل بهم إلى عدن مربوطين بالحبال، فكحل بعضهم، وقطع عراقيب بعض من السحب والعبيد، وقيّد بقيتهم من العرب والقبائل (١).
وفي مدة إقامة الظافر برداع: وصل إليه القاضي عبد العليم البريهي قاضي مدينة إبّ رسولا من قبل أهل بعدان يخبره بأن البلد مضطربة، ولا يسكنها إلا وصوله إليها، فنزل إلى إبّ، ومر في طريقه على بلد بني سيف قبلي مدينة إب، فأخذ حصنهم بعد ما قاتلوه وقتل منهم جماعة ولزم آخرين، ثم دخل إب حادي عشر رمضان، ثم خرج منها إلى بلد صهبان في منتصف الشهر، فالتقى هو وخاله الشيخ محمد بن عامر، ومع الشيخ محمد بن عامر المنتصر العربي، فوقعت بينهم وقعة عظيمة تحت النجد الأحمر من طرف بلد صبهان، انتصر الظافر عليهم، وقتل من عساكرهم ما لا يحصى، وأسر منهم خمس مائة وأربعين رجلا، وأخذ جميع ما معهم من الذخائر والعدد والأموال، وذلك يوم الخميس تاسع عشر رمضان (٢).
وفي شهر رمضان أيضا: ثارت فتنة المقرطس بزبيد، وذلك أن أحمد بن محمد المقرطس شيخ دار الضرب بزبيد وقابض أموال السلطان بها كان قد بايع جماعة من العسكر المقيمين بزبيد على قتل أميرها محمد بن عيسى البعداني، وكان له من الأمير مكانة لكونه أخا لزوجة الأمير، ولا يمنع من الدخول على الأمير أيّ وقت شاء، فدخل على الأمير في الدار الكبير صبح يوم الاثنين ثاني عشر رمضان، ودخل معه برجلين من أهل مدل ليقتلا الأمير، ولم يكن عند الأمير سوى عبد في حاشية المجلس، فلما دخل .. وثب على الأمير ليلزمه، وأشار إلى الرجلين أن يقتلا الأمير، وأشار الأمير إلى العبد الذي في حاشية المجلس أن يقتل المقرطس، فبادر العبد فضرب المقرطس بالسيف ضربة قطع بها عضده، فأفلت الأمير وهرب، وأدهش من لقيه بذهب كان ينثره لهم حتى خرج من الدار، وقتل الرجلان اللذان دخل بهما صحبته، واختفى المقرطس في دار الضرب إلى نصف النهار، فأنذروا به، فلما علم بذلك .. خرج من الدار ليستجير ببيت الشيخ حسن بن أبي العباس الهتار، فواجهه ديوانيّ-يقال له: الشوكة-في الطريق، فضربه بعود في رأسه فسقط في
стр. 3207
الطريق، وطعنه عبد آخر في صدره طعنات فمات، وسلبت ثيابه، وطرح في الطريق عريانا، ثم أرسل الأمير من ستره وحمله إلى بيته، فجهز، وصلي عليه، ودفن عصر ذلك اليوم.
وأما الأمير محمد بن عيسى البعداني .. فإنه لما خرج المقرطس مخذولا، وقتل الرجلان اللذان دخل بهما من أهل مدل .. صعد الأمير إلى سطح الدار بنفسه، واستغاث وصاح بالعساكر، فأقبلوا إليه وحموه من المفسدين، وأغلقت أبواب المدينة، وسكنت الفتنة، وقيد الأمير جماعة ممن كان بايع المقرطس، منهم غرامة بن حيان، واستجار جماعة منهم ببيت الشيخ الغزالي، فقبضت خيلهم، ثم خرجوا به بالشفاعة مطرودين مهانين إلى بلادهم، وأرسل الأمير إلى الملك الظافر يخبره بما اتفق ويستمده جندا، ولم يأمن أحدا من عساكره الذين معه، فأرسل إلى صاحب المصباح الفقيه محمد بن يحيى الجهمي، فوصله مبادرا، فسأله أن يستخدم له جندا من أهل أصاب، فطلع بسبب ذلك إلى بلده، ثم نزل بخمس مائة شفلوت، ثم دخل بهم زبيد في أبّهة عظيمة وعدّة حرب قويّة، فأقاموا بزبيد نحوا من نصف شهر حتى وصلت العساكر الظافرية من قبل السلطان، ثم فسح الأمير لأهل وصاب، فرجعوا إلى بلادهم شاكرين لمعروف الأمير وإحسانه.
واتهم الأمير في هذه القضية أيضا أحمد بن الفقيه عبد الله العقيلي، وبالغ في ذلك، وأغرى بهم حتى ضيق عليهم خاطر الملك الظافر، فأمر بقبض بيوتهم وأراضيهم، فتفرقوا شذر مذر، وتمزقوا كل ممزق، وثبت الأمير بزبيد حازما إلى أن استدعاه الملك الظافر في ذي الحجة، فواجهه بتعز، وعوضه بزبيد الشيخ عبد الباقي مكرد بن عمر العجلمي أميرا، فضبط أمورها، وأحسن تدبيرها (١).
وفي يوم الجمعة سلخ شوال: توفي النقيب الوجيه بن محمد بن إقبال.
وفي ثامن عشر ذي الحجة: توفي الشيخ الصالح محمد بن المعروف الحكمي صاحب المملكة.
وفي سابع وعشرين الشهر: توفي شيخ الإسلام وجيه الدين عبد الرحمن بن الطيب الناشري، ثم أمر الظافر محمد بن عيسى البعداني بالنزول إلى عدن، ونزل عقبه الظافر إلى
стр. 3208
عدن، فدخلها البعداني أولا، ثم دخلها الملك الظافر، وذلك في أواخر هذه السنة أو أوائل التي بعدها (١).
***
السنة الخامسة والتسعون
في أولها أو في أواخر التي قبلها: دخل الملك الظافر عدن، فأقام بها أياما قلائل، ثم بلغه أن خاله الشيخ عبد الله بن عامر أخذ حصن السدف (٢)، فتعب لذلك تعبا عظيما، ثم وصل إليه علي بن محمد النظاري في ذلك اليوم مبشرا برجوع الحصن، فسر الظافر بذلك سرورا عظيما، وأعطى البشير مالا جزيلا، ثم طلع الملك الظافر وابن عمه الشيخ محمد بن عبد الملك إلى بلادهما، وترك الأمير محمد بن عيسى البعداني أميرا بعدن، فلم تطل مدته، بل عاجلته منيته، فتوفي في أوائل شهر صفر من السنة المذكورة، ومرّ الظافر في طلوعه من عدن إلى بلده على الجند، فحصلت زلة من الشيخ أحمد بن محمد بن داود أفضت إلى تقييده وإيداعه دار الأدب بحصن تعز (٣).
وفي ليلة الاثنين سادس وعشرين صفر: توفي الفقيه عبد الله بن أحمد العقيلي.
وفي هذه السنة: حصل بين الملك الظافر وبين أخواله معارك يطول شرحها، انتصر في أكثرها عليهم، منها وقعة النّمصة؛ التقى الظافر وخاله عبد الله بموضع يقال له: النّمصة، فنصر الظافر على خاله، وقتل منهم فوق العشرة، واقتلع منهم نحو ثلاثين فرسا، ولم ينج إلا بنفسه (٤).
وفي العشر الوسطى من ربيع الأول: حط الظافر على جبن، وحصرها، ولازم حصارها، وقتل من عسكرهم طوائف، وكان الشيخ عبد الله بن عامر والشيخ عبد الباقي بن محمد بن طاهر بالربيعتين (٥) -موضع قرب جبن-بأهليهم وأموالهم وذخائرهم؛ لأنها رباط يستجار به، من دخله أمن على روحه وماله، فكانا يغيران أطراف محطة الظافر، ويأوون
стр. 3209
إلى المكان المذكور، فأرسل الظافر إليهم الأمير شداد بن محرم العنسي في عسكر، فقتل الأمير شداد بالربيعتين في أوائل ربيع الآخر.
وفي نصف ربيع الآخر: انتقى الظافر من كل قبيلة من القبائل الذين معه في المحطة جماعة، واختارهم، وغزا بهم إلى الربيعتين ومعه ابن عمه الشيخ محمد بن عبد الملك، فأمرهم بقتل من وجدوه مخالفا وألا ينهبوا من الأموال شيئا وإن ظفروا بها، فالتقى الجمعان بالربيعتين، فانتصر الظافر عليهم نصرا عظيما، وقتل منهم فوق السبعين، وطرح بعضهم نفسه في الآبار، وانهزم الشيخان عبد الله بن عامر وعبد الباقي بن محمد إلى فحال (١)، ولزم الشيخ داود بن تاج الدين بن طاهر ومحمد بن عباس بن علي بن الحسام الزاهر صاحب الشوافي خال الشيخ يوسف بن عامر، وأسرا، ورجع الظافر إلى محطة جبن منصورا، وانتهب الناس المكان المذكور نهبا عظيما، فلما علم بذلك .. أمر بجمع ما نهب، فأخذ ما وجد عليه اسم بني طاهر، وأمر برد غيره على أهله (٢).
وفي جمادى الأولى: تسلم الظافر حصن جبن، وخرج من فيه على الذمة، ولم يغير على أحد منهم سوى الحرة بنت عباس بن علي بن الحسام أم الشيخ يوسف بن عامر فإنه احتفظ بها؛ إذ قيل: إنها السبب في إثارة هذه الفتنة، وكان الشيخ عبد الله بن عامر إذ ذاك بجبل جحاف، ولم يكن منه ولا من إخوته بعد ذلك كثير نكاية (٣).
وفي رابع عشر ربيع الأول: توفي إمام مسجد الأشاعر الفقيه إسماعيل بن محمد بن ناصر.
وفي سابع عشر جمادى الأولى: توفي الفقيه سراج الدين عبد اللطيف بن محمد الشرجي الحنفي.
وفي ثالث شعبان: دخل الشيخ محمد بن عبد الملك بن داود زبيد في عسكر كثيف وصحبته الفقيه جمال الدين النظاري، وشيخ الإسلام يوسف المقرئ بن يونس الجبائي، ثم خرج الشيخ محمد إلى المعازبة، فحصرهم في حازة بلدهم وضيق عليهم حتى أدوا الطاعة وسلموا من الخيل نحو التسعين فرسا، ثم ارتفع عنهم، ودخل اللامية وبيت الفقيه ابن حشيبر، فجبى خراجها وخراج الواديين سردد ومور، ثم رجع إلى زبيد، ثم أعاد الكرة
стр. 3210
على المعازبة، فصبحهم بكرة، فقتل منهم فوق الأربعين، ثم دخل زبيد، وأقام بها إلى ثاني القعدة، وكتب إليه الظافر بقصيدة من نظم البدر الصيّاحي يشوقه إلى جبن، ويخبره بصلاح أحوالها، فطلع من زبيد إلى تعز، ثم إلى جبن (١).
وفي عاشر شعبان: توفي الشيخ عبد الله بن إبراهيم الحكمي صاحب بيت العقار بمدينة زبيد.
وفي شهر رمضان: نزل الظافر إلى عدن، وعيد بها عيد الفطر، وجهز المراكب إلى الهند، ثم طلع إلى بلده في شوال، ثم توجه منها في سابع عشر ذي القعدة لقتال أهل ذمار، ومرّ طريقه برداع، فأقام بها إلى أن اجتمعت إليه العساكر من الجهات، فتقدم بهم إلى ذمار، وحط خامس وعشرين الشهر، ولم يزل حاطا عليها إلى أن افتتحها عنوة في سابع ذي الحجة، وكان أهلها قد بنوا سورها وحصّنوها تحصينا عظيما، وكان القائم في ذلك الشريف محمد بن علي الوشلي، وخرج جماعة من أهلها لقتال عسكر الظافر، فهزمتهم عساكر الظافر هزيمة عظيمة، وقتل الشريف محمد بن الحسن من أهل الجوف في جمع عظيم، واستقلع فرسه، وخربت العساكر الظافرية دربها، ودخل الملك الظافر البلد من موضع التخريب، واستولى عليها، ورتب في حصونها من يثق به، ثم سأل أهلها الذمة فأجابهم إلى ذلك، واشترط عليهم تخريب ما بنوا من سورها، فبادروا إلى ذلك، ثم رجع إلى بلده، وأقام بها أياما، ثم نزل إلى تعز، ثم إلى زبيد (٢).
***
السنة السادسة والتسعون
في ثامن شهر صفر منها: دخل الملك الظافر زبيد وفي صحبته ابنا عميه الشيخ محمد بن عبد الملك والشيخ داود بن محمد بن داود، وهي أول دخلة دخلها، ثم خرج إلى الجهات الشامية، فقصد الزيدية، فدخل عليه جماعة من بني حفيص والزيديين وفيهم سالم بن قاسم الشرياني، فلزمهم، وقيدهم لذنوب سلفت منهم، ثم غزا المعازبة، ثم دخل زبيد، وأمر بعمارة القصر الذي على باب الشبارق المسمى بدار السّلا، فعمّر عمارة جيدة، ثم طلع إلى تعز في جمادى الأولى، واستخلف بزبيد الأمير عبد الباقي بن عمر
стр. 3211
العجلمي المعروف بمكرد، ثم إن المعازبة قتلوا الأمير مكرد المذكور في أوائل شعبان، فلما علم الظافر بقتل الأمير مكرد .. أرسل إلى زبيد أخاه الشيخ عبد الملك بن عبد الوهاب، فاستقر الشيخ عبد الملك بزبيد، وخرج الجبني إلى بيت الفقيه ابن عجيل (١).
وفي شوال: كانت المحطة تحت حصن الظفر، واستولى الظافر على جميع ما هنالك، وتقدم إلى مكان يعرف بالصفراء، وأخذ حصن ثماد قهرا، وقتل من أصحابه جماعة، ثم حط على حصن عقيان (٢) وحصره أياما، وكان به خاله الشيخ محمد بن عامر، فقبض عليه، وتسلم الحصن المذكور في أول ذي الحجة، وتسلم جميع ما كان بأيدي أخواله من الحصون، ولم يبق بأيديهم سوى حصن الساقة وحصن المعفاري، ويأتي ذكر أحدهما (٣).
وفي هذه الأيام: قدم الشهاب أحمد بن قيصر على الملك الظافر من الديار المصرية بمرسوم شريف، وخلعة شريفة، وسيف، وخاتم، ومروحة متوجة باسم أمير المؤمنين:
(من الخليفة المتوكل على الله عزّ الدين أبي العز عبد العزيز بن يعقوب بن المتوكل على الله العباسي)، فقابله بالإكرام والإنعام، وأجازه بالجوائز العظام (٤).
وفي شهر ذي القعدة: قتل الأمير أحمد بن إسماعيل السنبلي هو وولده.
وفي أوائل القعدة (٥): قبض الظافر على خاله الشيخ محمد بن عامر بجحاف، وأودعه دار الأدب برداع العرش عند إخوانه (٦).
***
السنة السابعة والتسعون
في أولها: توفي الفقيه أبو القاسم بن إبراهيم بن أبي القاسم جعمان ببيت الفقيه ابن عجيل.
وفي شهر صفر: توفي والده الإمام إبراهيم بن أبي القاسم جعمان.
стр. 3212
وفي شهر صفر: قدم الشريف رميثة بن بركات-أخو الشريف محمد بن بركات لأبيه- على الشيخ عبد الملك بن عبد الوهاب بزبيد، وأكرمه وأحسن نزله، ثم سيره إلى أخيه الملك الظافر، فأكرمه وعظمه، ثم رجع إلى زبيد، ثم إلى الجهات الشامية، وبلغ صنعاء- فيما قيل-ثم رجع إلى زبيد وبها الملك الظافر، فلم يزل عنده على الحال المرضي حتى طلع الظافر إلى تعز، فاستأذنه الشريف إلى بيلول، فأذن له، وأعطاه مركوبا حسنا ومجهزة ومالا، وتوجه إلى بيلول وإلى بلد الديالكة (١)، ثم إلى مصر (٢).
وفي جمادى الأولى: أخذ الظافر حصن الساقة بالسيف قهرا (٣).
وفي شهر ربيع الآخر: استدعى الظافر أخاه الشيخ عبد الملك من زبيد، فطلع إليه إلى تعز، فأقام عنده إلى أن نزل صحبة أخيه الظافر، فدخلا زبيد منتصف شهر رجب (٤).
وفي عاشر شعبان: مات الفقيه محمد بن أحمد الأمين عجيل بزبيد.
وفي نصف رمضان: طلع الظافر من زبيد إلى تعز، وأمّر بزبيد الشيخ طاهر بن شريف، فسار بالناس سيرة حسنة، وأمر بهدم جامع زبيد، فعمر عمارة جيدة (٥).
وفي شعبان: توجه الشيخ عبد الباقي بن محمد بن طاهر من مكان يعرف بعين بامعبد قريب ميفعة إلى بلاد بربرة، فلما علم الظافر بذلك .. أرسل إلى المجاهد بن سعد الدين، وأمره بحفظه عنده، فأرسل المجاهد من ذكر إلى بربرة من قبضه ووجه به إليه في ثالث رمضان، فأقام عند المجاهد أياما، فاتفق نزول عسكر الحطي إلى ذكر، فحضر الجهاد معهم، وقاتل، وأبان عن شجاعة وشدة بأس، فأكرمه ابن سعد الدين، وفسح له بالرجوع إلى بلده، فرجع واستقر ببلد يافع (٦).
وفي آخر السنة: حط الظافر على بيضا حصي (٧).
***
стр. 3213
السنة الثامنة والتسعون
في أول يوم من ربيع الأول: مات النقيب الصديق بن الوجيه بن إقبال تحت بيضا حصي.
وفي سابع عشر ربيع الأول: تسلم الملك الظافر حصن المعافري (١) المشهور بالمنعة، وذلك بعد أن خرج منه جمع كثير من يافع يريدون الهجوم على محطة الظافر وهو إذ ذاك ببيضا حصي، فلما علم الظافر .. أرسل طائفة من عسكره يأخذون لهم بمجامع الطرق، فلما التقى الفريقان .. كانت الصولة لعسكر الظافر، فقتل من يافع فوق المائة، وأسر مثل ذلك، وكان تسلّم حصن المعافري على يد الشيخ عبد الملك بن عبد الوهاب والفقيه محمد النظاري (٢).
وفي تاسع عشر ربيع الآخر: أخذ الظافر حصن مدينة بيضا حصي المسمى بشمر جناح قهرا بالسيف، وهو حصن عظيم مشهور بالمنعة، وبأخذه انقطعت مادة الخلاف في البلاد الشرقية، وقتل أبو بكر بن مزاحم في خلائق، وقبض على علي ابن مزاحم في آخرين، وأخربت المدينة، فلما علم أهل حصن مفلحة وحصن الكلب وحصن رداع الحرامل بقبضه لحصن البيضاء .. سلموا حصونهم بالرضا منهم (٣).
وفي سادس وعشرين جمادى الأخرى: أطلق الأمير عمر بن عبد العزيز من السجن والقيد، ورضي عليه السلطان، وأنعم عليه (٤).
وفي تاسع شعبان: قدم الأمير علي بن محمد البعداني إلى زبيد، وقلع ثمرة نخل المدبّي جميعها، ثم رجع إلى الجبل على طريق حيس (٥).
وفي عيد الفطر من هذه السنة: افترق أهل زبيد فرقتين، ففرقة أفطرت وعيدت يوم الاثنين، وهم المقرئ يوسف بن يونس الجبائي وجماعته وطائفة يسيرة من أهل البلد، وفرقة أفطرت وعيدت يوم الثلاثاء، وهم القاضي محمد بن عبد السلام وجماعته وغالب أهل
стр. 3214
البلد، وذلك لاختلاف المقرئ والقاضي ابن عبد السلام في ثبوت الشهر (١).
وفي يوم السبت تاسع عشر شوال: توفي شيخنا مفتي تعز بدر الدين حسن بن عبد الرحمن الصيّاحي.
وفي ثاني عشر القعدة: ابتدئ في عمارة ما خرب من سور زبيد بأمر الملك الظافر (٢).
***
السنة التاسعة والتسعون
في تاسع وعشرين المحرم: توفي الفقيه جمال الدين محمد الزين إبراهيم) (٣) بن عمر بن مظفر ﵀ بزبيد.
وفي ليلة الثلاثاء سلخ صفر: توفي الجمال محمد بن عبد اللطيف المحالبي.
وفي ثالث ربيع: قدم الملك الظافر إلى زبيد وصحبته الشيخ محمد بن عبد الملك، وعبد الله بن أحمد بن عامر، وداود بن محمد، وداود بن علي بن تاج الدين، والأميران عمر بن عبد العزيز الحبيشي وعلي بن محمد بن عيسى البعداني، فعرج الظافر عن دخول زبيد وغزا المعازبة، فأباد منهم جمعا، ونهب أموالهم، ودخل زبيد (٤).
وفي منتصف ربيع الأول: توفي بزبيد قاضي لحج الفقيه عيسى بن محمد الناشري.
وفي شهر ربيع الثاني: عطف الظافر على الفقيه أحمد بن عبد الله العقيلي ورضي عنه، ورد عليه جميع ما أخذ له، وآمنه (٥).
وفي ثامن جمادى الأولى: قدم الظافر من الجهات الشامية إلى زبيد (٦).
وفي ليلة قدومه: توفي الصديق بن علي الخياط وزير الشريف أحمد بن دريب صاحب جازان، وكان قدم من الشريف رسولا إلى الظافر بهدية، وهي ست رءوس من الخيل الجيدة المكملة، فمات في الطريق بين بيت الفقيه ابن عجيل وزبيد، فأسف عليه الظافر كثيرا؛ إذ
стр. 3215
كان في كتب الشريف إلى الظافر: وعلى لسان الصديق الخياط ما يحقق لكم كفاية (١).
وفي الشهر المذكور: توجه الشيخ يحيى بن الصديق بن يحيى الثابتي من بلاده الحديدة إلى عدن مسافرا، فلزمه بباب المندب ضامن البلد عمر العقد وقيده، وأرسل به إلى زبيد إلى الملك الظافر (٢).
وفي يوم الجمعة رابع عشر الشهر: عزل الفقيه الخطيب عبد المنعم الضجاعي عن وظيفة خطبة الجمعة بزبيد لهفوة حصلت من ولده موسى، واستمر في وظيفته المذكورة الفقيه أبو القاسم بن عبد الرحمن الدبر خطيب الحديدة وكان قد قدم زبيد متعرضا لمعروف السلطان، فأقره في ذلك يوم الخميس العشرين من الشهر المذكور، وخلع عليه، وأعطاه مالا جزيلا، وكتب له بالجلالة والاحترام (٣).
وفي يوم الجمعة المذكور: وقف الملك الظافر لله تعالى جميع ما دخل في مسجد الجامع من بنائه؛ من الطين والآجر والأخشاب والحديد وغير ذلك، وفوض إلى الفقيه الصالح عمر بن جعمان تدريس الفقه في الجامع المذكور، وولّى الفقيه أحمد الزبيدي- وكان قد قدم من مكة متعرضا لمعروف السلطان-تدريس القراءات السبع في الجامع المذكور (٤).
وفي ليلة الأربعاء رابع جمادى الآخرة: توفي الشيخ محمد بن جار الله العطري بزبيد.
وفي تاسع الشهر المذكور: ولّى الملك الظافر شيخنا القاضي شهاب الدين أحمد بن عمر المزجد بزبيد قضاء عدن، وعزل شيخنا القاضي جمال الدين محمد بن حسين القماط عن قضاء عدن (٥).
وفي ذلك اليوم: وقف السلطان لمصالح جامع زبيد أرضا نفيسة تعرف بأم الرزق، تغل في كل سنة مائة مد زبيدي، وأراضي أخرى غيرها، ورتب في المسجد ثلاثين درسيّا يقرءون خلف كل صلاة، ويدعون بإيصال ثواب ذلك إلى والده، ويدعون له بالتوفيق والثبات والنصر والظفر، وجعل في الجامع ثلاثة خدام يقومون فيه، وأمر أن يفرش جميع المسجد
стр. 3216
ولا تطوى فرشه، وجعل نظر ذلك إلى العفيف عبد الله بن حسين الشرعبي، وعزل الشهاب الدّبج عن النظر في الجامع المذكور (١).
وفي عاشر جمادى الآخرة: طلع الظافر من زبيد إلى تعز على طريق حيس وصحبته شيخنا القاضي أحمد بن عمر المزجد بعد أن ولاه قضاء عدن، فدخل المزجد عدن في أواخر الشهر، وأقام شيخنا القاضي جمال الدين محمد بن حسين القماط أياما قضى فيها حوائجه، ثم توجه إلى زبيد طريق البحر، وولّى بزبيد الشيخ شمس الدين علي بن شجاع العنسي الأحكام السلطانية، فضبط البلد، وأحسن تدبيرها وسياستها (٢).
وفي ثالث رجب: توفي الفقيه موسى بن أحمد الناشري ﵀ بسبب صاعقة نزلت على بيته عقب مطر في ذلك اليوم مات بها الفقيه المذكور وولده علي، ولم يعرف السابق منهما، وكانا مفترقين كل واحد منهما في مكان.
وفي ثامن عشر رجب: توفي الشريف عبد الرحمن بن أحمد باعمر باعلوي.
وفي خامس وعشرين رجب: قدم شيخنا القاضي محمد بن حسين القماط من عدن إلى زبيد (٣).
وفي سادس شوال: تسلم الملك الظافر حصون الجحادر، وهي: العروسين، والنبيلة، والذيل، والشرنمة، وذخر، والحدة، وأكمة قيراط، وقبضها وتصدق على أهلها بمال جزيل (٤).
وفي شوال: ولدت امرأة بقرية المنصورة من بلاد اللامية مولودا عجيب الخلقة؛ عيناه في جبهته، وحاجباه من تحتهما، وله مثل فم الكلب، ولم يكن له أنف إلا جحران، ويداه مثل يد السبع، وعليهما شعر أسود إلى المفصلين، وكفاه مثل كف القرد، ولا فرج له ولا ذكر ولا دبر، بل هو ممسوح، ولم يعش إلا ساعة من النهار أو دونها، فسبحان الخالق لما يشاء! (٥)
***
стр. 3217
السنة الموفية تسع مائة
في ثامن عشر المحرم: توفي الفقيه يحيى بن محمد الصامت الناشري مفتي زبيد.
وفي ليلة التاسع والعشرين من الشهر: توفي العلامة سراج الدين عبد اللطيف بن موسى المشرع عجيل.
وفي حادي وعشرين ربيع الأول: طلع من زبيد الأمير علي بن شجاع العنسي، وذلك باستدعاء الظافر له إلى تعز، واستناب بزبيد ولده الشجاع، ثم دخل الملك الظافر إلى زبيد ثاني عشر ربيع الآخر وصحبته ابن خاله الشيخ أحمد بن عامر، وداود بن علي بن تاج الدين، والأمير علي بن شجاع (١).
وفي خامس عشر الشهر: اشترى الملك الظافر برقع الكعبة المشرفة من تركة هارون وكيل وقف الحرم المكي، وأمر بتعليقه على باب محراب الجامع الذي أنشأ عمارته بزبيد، وأمر بقراءة المولد فيه، فقرئ ليلة الجمعة تاسع عشر الشهر المذكور، وجعل القراء خمسة في نواحي المسجد، وعمل للناس بركة عظيمة، وهي التي جعلها عوضا عن بركة والده في الجامع المذكور، وملئت من السكر الأبيض المذاب بالماء المطيب بالمسك والماورد، وكان السقاة يدورون بذلك ويسقون الناس عموما وخصوصا، وحضر لسماع المولد بنفسه، وأمر بعمارة مسجد ابن خراج بزبيد، وعمر مسجد السابق الذي هو غربي رحبة الدار الكبيرة، فجعله مدرسة عظيمة، وكانت المياه التي تخرج من المغتسلين بمدرسة والده بزبيد تخرج إلى مصب قريب من المدرسة، فتضرر جيران المدرسة بذلك، ورفعوا الأمر إليه، فأمر بعمارة جسر ينفذ إلى خارج المدينة للمياه المذكورة، ففعل، وأنفق في ذلك مالا جزيلا، وأمر بمباشرة المساجد والمدارس بزبيد، وإصلاح ما تشعث منها، وإحياء ما دثر من رسومها (٢).
وفي سابع وعشرين الشهر المذكور: سقطت قبة الدار الكبير الناصري العليا التي على الباب، وكانت جديدة العهد، وكان المنوّرون إذ ذاك فوقها ينورونها، فسلم بعضهم، ومات بعضهم، وكان الملك الظافر تحتها، فحسب أن قام من تحتها هو ومن معه سقطت (٣).
стр. 3218
وفي مدة إقامته بزبيد: قدم إليه بكتاب «الخادم» للزركشي، اشتري له من مكة بتسعين دينارا ذهبا، وهو أربعة عشر مجلدا، كل مجلد خمسة وعشرون كراسا خماسيات، فحصل منه جملة نسخ، أرسل بواحدة منها إلى عدن إلى شيخنا جمال الدين أبي الفضل، وأصل النسخة التي وصلت من مكة نسخة سقيمة جدا، فنقل منها على ما فيها من السقم (١).
وفي خامس جمادى الأولى: حصل في جزيرة بربرة طوفان عظيم غرق في بندرها من السفن ست وعشرون سفينة فيها من الطعام ما ينيف على ألفي طنم، ومن الرقيق جملة مستكثرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (٢).
وفي ثالث وعشرين الشهر: ولد الشيخ عبد الوهاب بن الملك الظافر عامر بن عبد الوهاب (٣).
وفي ليلة الثلاثاء سادس جمادى الآخرة: توفي الشيخ إسماعيل بن أحمد المشرع عجيل بزبيد.
وفي خامس عشر الشهر (٤): طلع الظافر من زبيد إلى تعز على طريق العقبة، وتصدق بصدقة عظيمة عميمة، ولما وصل تعز .. أمر بتخريب درب المنصورة لموجبات أوجبت ذلك، ويقال: إنه بعد ذلك ندم على تخريبه، وأمر بعمارة حصن حبّ المشهور بالمنعة (٥).
وفي الشهر المذكور: توفي بعدن الشيخ قاسم بن محمد العراقي ﵀ ونفع به وبسلفه، آمين.
وفي ليلة الجمعة رابع عشر رجب: توفي العالم الصالح محمد الطاهر بن أحمد بن عمر بن جعمان ﵀.
وفي ليلة الأربعاء سادس عشر رمضان: توفي بزبيد الشيخ حسن بن أبي العباس الهتار.
وفي يوم عيد الفطر: وقع بزبيد حريق عظيم، وكانت الريح شديدة، فتلف فيه جملة من الأموال والبهائم والبيوت ما لا يحصى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولما بلغ
стр. 3219
خبر الحريق إلى السلطان .. أمر بصدقة جليلة؛ من الذهب خمس مائة أشرفي، ومن الدراهم ستة آلاف دينار، وبخمسين مد زبيدي طعاما، وأمر بتفرقة ذلك على الضعفاء المحترقة بيوتهم الذين لا يقدرون على العمارة (١).
وفي مستهل الحجة منها: تولى الفقيه العلامة أحمد بن الإمام محمد الطاهر بن أحمد بن جعمان قضاء الأعمال الحيسية، وكانت ولايته بالمقرانة، فنزل منها إلى زبيد، ثم خرج إلى حيس، وعزل القاضي عبد الغفار بن أبي القاسم البجلي عن قضاء حيس لموجبات أوجبت ذلك (٢).
والله سبحانه أعلم، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
***
стр. 3220
طبقات المائة العاشرة
стр. 3221
العشرون الأولى من المائة العاشرة تمام الألف
[الاعلام]
٤٣٦٤ - [أبو القاسم الشرياني] (١)
أبو القاسم الشرياني التهامي.
كان مشهورا بالشجاعة، خالف على السلطان وشق العصا، ونهب الأموال، وأتلف الأنفس، ثم قدم إلى زبيد هو وولده وابن راسين على الذمة صحبة الشيخ العفيف ابن مرزوق في جمادى الأولى من سنة إحدى وتسع مائة، ثم توجهوا إلى تعز، فواجهوا الملك الظافر عامر بن عبد الوهاب بها، فعفا عنهم سالف جناياتهم، وأكرمهم، وألزمهم سكنى زبيد بأهليهم، فرجعوا إلى زبيد.
وتوعك الشرياني قبل دخوله إلى زبيد، وتوفي بزبيد عقب دخولها، ودفن بمقبرة بني مرزوق.
٤٣٦٥ - [السلطان قايتباي] (٢)
الملك الأشرف أبو النصر قايتباي، سلطان مصر والشام والحجاز.
تولى يوم خلع الطاهر أبو سعيد تمربغا، وذلك يوم الاثنين سادس رجب سنة اثنتين وسبعين وثمان مائة باتفاق من الأمراء ووجوه الناس بعد امتناعه من ذلك، فألحوا عليه ولم يعذروه.
وحج وزار في سنة أربع وثمانين، وبنى بمكة مدرسة عظيمة، وأوقف عليها وقفا جزيلا بمكة.
ولما بلغ المدينة الشريفة للزيارة، وتوجه راجعا إلى مصر .. أخذ حاصل الحرم النبوي من قناديل الذهب والفضة وغير ذلك، فنقم ذلك عليه من لم يعرف مقصده، فلما بلغ
стр. 3222
مصر .. اشترى بذلك أراضي مزدرعة بمصر، وكان يحمل مغلها كل سنة إلى المدينة، فيقسم على كل من بها من متوطن ومجاور؛ من رجل وامرأة، وصبي وبالغ، وحر وعبد بحيث يصل إلى كل واحد من أهل المدينة كفايته من الحنطة، فحصل بذلك النفع العام لأهل المدينة، وحمدوه في فعله، وأراد أن يجعل ذلك كسماط الخليل المستمر بالقدس، ولم يزل جاريا إلى أن توفي.
ولم يزل بعد وفاته تارة يسبرونهم، وتارة يقطعونهم، وتارة يسبرونهم بالبعض؛ وذلك لاستيلاء أيدي الخونة على الأراضي المذكورة.
واحترق الحرم الشريف النبوي في زمنه في سنة ست وثمانين وثمان مائة، فعمره على يد الخواجا بن الزمن عمارة جيدة على ما هو عليه الآن، وصرف عليه مالا جزيلا.
وبالجملة: فلم يل بعده مثله.
وتوفي سنة إحدى وتسع مائة في ذي الحجة.
٤٣٦٦ - [أبو شكيل ابن الطاهر] (١)
محمد بن الطاهر بن عبد الرحمن بن القاضي محمد بن مسعود أبو شكيل الأنصاري.
ولد بعد وفاة جده بقليل في سنة اثنتين وسبعين وثمان مائة، وتوفي والده وهو ابن سنة، فنصب عليه والدي الفقيه عبد الله بن أحمد بامخرمة، فعلمه القرآن وأدبه وهذبه، ونشأ في طلب العلم وتحصيل الكتب شراء وتنسيخا، وبخطه حضر دروس الوالد.
وقرأ عليّ «صحيح البخاري» وغيره، وقرأ على الشريف حسين بن الصديق الأهدل «العدة» للجزري وغيرها، وأجازه الشريف المذكور إجازة عامة، وقرأ على الفقيه يعقوب الحبّاني.
وكان له حسن ظن، وعقيدة في متصوفة الوقت، وفيه حسن أخلاق وكرم نفس.
حج في سنة إحدى وتسع مائة، وقرأ على شيخنا الإمام عبد الله با كثير «عقيدة النسفي» يقينا وغيرها ظنا، واستجاز منه ومن الشريف السمهودي وغيره من فقهاء الحرمين الشريفين.
стр. 3223
وصدر إلى عدن في المحرم أو في صفر من سنة اثنتين وتسع مائة، فأقام بعد وصوله إلى عدن نحو سبعة أيام صحيحا، ثم مرض وحمّ، ولم تزل به الحمى إلى أن توفي أواخر شهر صفر المذكور ﵀، ودفن بتربة الشيخ جوهر في قبر جده القاضي محمد بن مسعود أبي شكيل وهو ابن خالي، وكان بيني وبينه ألفة ومودة أكيدة من الصغر إلى أن توفي رحمه الله تعالى.
٤٣٦٧ - [عبد الله بن أحمد بامخرمة] (١)
أبو الطيب عبد الله بن أحمد بن علي بن أحمد بن علي بن أحمد بن إبراهيم الشهير بأبي مخرمة، الإمام العالم العلامة، البحر الحبر الفهامة، والدي وشيخي.
ولد ببلده الهجرين ليلة الأربعاء الثاني عشر من شهر رجب سنة ثلاث وثلاثين وثمان مائة كما وجد بخطه، وذكر أنه نقله من خط الثقة وخبره، وربى يتيما في حجر أمه، وكفله خاله أبو بكر باقضام.
وكان ذكيا من صباه ﵀، سمعته ﵀ يقول: لما عرضت لوحي على المعلم في (سورة الأعراف) .. قرأت: (قال عذابي أصيب به من أساء) بالسين المهملة، وفتح الهمزة الأخيرة، من الإساءة، فرده عليه: (من أشاء) بالشين المعجمة، وضم الهمزة الأخيرة، من المشيئة، فوافق ذلك ما اتفق لإمامنا الشافعي ﵀ في صباه عند حفظه لهذه الآية؛ فإنه قرأها أيضا بالسين المهملة (٢).
وحج من بلده ماشيا مع آل باعصيّة طريق السراة في سنة ثلاث وخمسين، وأسقط فرضه.
فلما رجع من الحج .. دخل عدن لطلب العلم، فقصد القاضي محمد بن أحمد با حميش، فقرأ عليه، وسمع كثيرا من كتب الفقه ك «التنبيه» و «المنهاج» و «الحاوي» وغير ذلك، وأقبل عليه القاضي با حميش إقبالا كليا لما رأى من نجابته وذكائه، وأجاز له الفقيه با حميش إجازة عامة، وقرأ النحو على الفقيه ابن أزهر، قرأ عليه «ألفية ابن مالك»،
стр. 3224
وقرأ على القاضي محمد بن مسعود باشكيل كثيرا من كتب الحديث والتفاسير وغيرها، وأجاز له إجازة عامة في جميع أنواع العلوم، وزوجه القاضي باشكيل بابنته، وقرأ على الفقيه البرجمي كتاب «المصابيح» وأجازه فيه وفي غيره، ودخل شبام حضرموت، فأجاز له عالمها الإمام الصالح با هرمز إجازة عامة.
وولي قضاء عدن مدة يسيرة، فباشره بعفة وجد واجتهاد، فأنصف الضعيف من القوي، وكان في خلقه حدة، فخرج من عدن مختفيا متنزها من القضاء، فقصد الشحر، فأكرمه واليها يومئذ بدر بن عبد الله الكثيري، وصحبه، وكان بينهما ألفة أكيدة، ومودة شديدة، ثم رجع إلى عدن وقد تولى قضاءها القاضي عبد الرحمن بن عبد العليم البريهي، ولم يزل يتردد بين الشحر وعدن، وأكثر إقامته بعدن.
وقرأ عليه جمع واستفادوا، وصاروا أئمة، منهم: شيخنا الإمام عبد الله بن عبد الرحمن بافضل، والفقيه عمر بن أحمد با كثير، والفقيه علي بن زيد الشرعبي، والفقيه عمران بن بشر الحبلى، والفقيه محمد بن علي العفيف وغيرهم.
وله نكت على «جامع المختصرات» للنشائي، يذكر فيه المواضع التي وقعت في الكتاب على غير الصواب، وله أيضا عليه تأليف لطيف، يذكر فيه المسائل التي ذكرها في الكتاب في غير مظنتها على نمط «خبايا الزوايا» للزركشي، وله نكت على «ألفية ابن مالك»، وشرح على «ملحة الحريري»، وفتاوى مجموعة رتبها على أبواب الفقه، وشرح «منظومة ابن ياسمين» في الجبر والمقابلة.
وصحب الشريف عمر بن عبد الرحمن باعلوي، والشيخ أحمد بن محمد العمودي صاحب قيدون صحبة أكيدة، فكان لهما حسن ظن وعقيدة قوية.
عزم مع الشريف عمر بن عبد الرحمن في سنة تسع وثمانين إلى تعز، ومرضا جميعا بتعز، فتوفي الشريف عمر بها في رمضان من السنة المذكورة، ونقه الوالد من مرضه قليلا، فعزم إلى بلده طريق البر على زهراء وردمان.
ولم يزل ذلك المرض مستمرا به، تارة يقوى عليه، وتارة يهون إلى أن توفي منه في سحر ليلة الاثنين لتسع بقيت من المحرم الحرام من سنة ثلاث وتسع مائة بعدن، ودفن بتربة الشيخ جوهر الجندي نفع الله به قبالة ضريح شيخه القاضي جمال الدين محمد بن مسعود باشكيل ﵀.
стр. 3225
وكان ﵀ يصدع بالحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، يجاهر السلطان فمن دونه.
٤٣٦٨ - [الأمير محمد بن بركات] (١)
الشريف محمد بن بركات، أمير الحجاز.
ضبطه ضبطا جيدا، وحسم مادة أهل الفساد بالقتل والشنق والقطع وغير ذلك.
توفي في الليلة التي توفي فيها الوالد، وهي ليلة الاثنين الثاني والعشرين من شهر المحرم من سنة ثلاث وتسع مائة، وكانت وفاته خارج مكة بوادي الأبيار، وحمل إلى مكة، ودفن بها في تربته بالمعلاة.
وولي بعده أكبر أولاده الشريف بركات بن محمد.
٤٣٦٩ - [حسين بن الصديق الأهدل] (٢)
الشريف حسين بن الصديق بن حسين بن عبد الرحمن الأهدل، شيخنا.
كان فقيها، عارفا بمتن الحديث.
قرأ على الإمام الحافظ يحيى العامري الأمهات الستة وغيرها من كتب الحديث، ثم عزم إلى مكة ملازما لمجالس الفقه والحديث.
ثم إنه تصوف، ولبس الدلق، وحمل الزنبيل، ودار في الأسواق وعلى البيوت كعادة صوفية الوقت، فنقم على ذلك [فلم يلتفت إلى عذل عاذل] (٣)، ثم رجع إلى بلده.
وكان يسعى بين الدولة والعرب المفسدين بالصلح والذمة.
ثم دخل عدن، وصاهر الكتاب بني إسحاق، ودرس في الحديث والفقه والنحو في جامع عدن وفي بيته، وانتفع به جمع في دينهم ودنياهم.