العشرون الأولى من المائة العاشرة تمام الألف
[الاعلام]
٤٣٦٤ - [أبو القاسم الشرياني] (١)
أبو القاسم الشرياني التهامي.
كان مشهورا بالشجاعة، خالف على السلطان وشق العصا، ونهب الأموال، وأتلف الأنفس، ثم قدم إلى زبيد هو وولده وابن راسين على الذمة صحبة الشيخ العفيف ابن مرزوق في جمادى الأولى من سنة إحدى وتسع مائة، ثم توجهوا إلى تعز، فواجهوا الملك الظافر عامر بن عبد الوهاب بها، فعفا عنهم سالف جناياتهم، وأكرمهم، وألزمهم سكنى زبيد بأهليهم، فرجعوا إلى زبيد.
وتوعك الشرياني قبل دخوله إلى زبيد، وتوفي بزبيد عقب دخولها، ودفن بمقبرة بني مرزوق.
٤٣٦٥ - [السلطان قايتباي] (٢)
الملك الأشرف أبو النصر قايتباي، سلطان مصر والشام والحجاز.
تولى يوم خلع الطاهر أبو سعيد تمربغا، وذلك يوم الاثنين سادس رجب سنة اثنتين وسبعين وثمان مائة باتفاق من الأمراء ووجوه الناس بعد امتناعه من ذلك، فألحوا عليه ولم يعذروه.
وحج وزار في سنة أربع وثمانين، وبنى بمكة مدرسة عظيمة، وأوقف عليها وقفا جزيلا بمكة.
ولما بلغ المدينة الشريفة للزيارة، وتوجه راجعا إلى مصر .. أخذ حاصل الحرم النبوي من قناديل الذهب والفضة وغير ذلك، فنقم ذلك عليه من لم يعرف مقصده، فلما بلغ
стр. 3222
مصر .. اشترى بذلك أراضي مزدرعة بمصر، وكان يحمل مغلها كل سنة إلى المدينة، فيقسم على كل من بها من متوطن ومجاور؛ من رجل وامرأة، وصبي وبالغ، وحر وعبد بحيث يصل إلى كل واحد من أهل المدينة كفايته من الحنطة، فحصل بذلك النفع العام لأهل المدينة، وحمدوه في فعله، وأراد أن يجعل ذلك كسماط الخليل المستمر بالقدس، ولم يزل جاريا إلى أن توفي.
ولم يزل بعد وفاته تارة يسبرونهم، وتارة يقطعونهم، وتارة يسبرونهم بالبعض؛ وذلك لاستيلاء أيدي الخونة على الأراضي المذكورة.
واحترق الحرم الشريف النبوي في زمنه في سنة ست وثمانين وثمان مائة، فعمره على يد الخواجا بن الزمن عمارة جيدة على ما هو عليه الآن، وصرف عليه مالا جزيلا.
وبالجملة: فلم يل بعده مثله.
وتوفي سنة إحدى وتسع مائة في ذي الحجة.
٤٣٦٦ - [أبو شكيل ابن الطاهر] (١)
محمد بن الطاهر بن عبد الرحمن بن القاضي محمد بن مسعود أبو شكيل الأنصاري.
ولد بعد وفاة جده بقليل في سنة اثنتين وسبعين وثمان مائة، وتوفي والده وهو ابن سنة، فنصب عليه والدي الفقيه عبد الله بن أحمد بامخرمة، فعلمه القرآن وأدبه وهذبه، ونشأ في طلب العلم وتحصيل الكتب شراء وتنسيخا، وبخطه حضر دروس الوالد.
وقرأ عليّ «صحيح البخاري» وغيره، وقرأ على الشريف حسين بن الصديق الأهدل «العدة» للجزري وغيرها، وأجازه الشريف المذكور إجازة عامة، وقرأ على الفقيه يعقوب الحبّاني.
وكان له حسن ظن، وعقيدة في متصوفة الوقت، وفيه حسن أخلاق وكرم نفس.
حج في سنة إحدى وتسع مائة، وقرأ على شيخنا الإمام عبد الله با كثير «عقيدة النسفي» يقينا وغيرها ظنا، واستجاز منه ومن الشريف السمهودي وغيره من فقهاء الحرمين الشريفين.
стр. 3223
وصدر إلى عدن في المحرم أو في صفر من سنة اثنتين وتسع مائة، فأقام بعد وصوله إلى عدن نحو سبعة أيام صحيحا، ثم مرض وحمّ، ولم تزل به الحمى إلى أن توفي أواخر شهر صفر المذكور ﵀، ودفن بتربة الشيخ جوهر في قبر جده القاضي محمد بن مسعود أبي شكيل وهو ابن خالي، وكان بيني وبينه ألفة ومودة أكيدة من الصغر إلى أن توفي رحمه الله تعالى.
٤٣٦٧ - [عبد الله بن أحمد بامخرمة] (١)
أبو الطيب عبد الله بن أحمد بن علي بن أحمد بن علي بن أحمد بن إبراهيم الشهير بأبي مخرمة، الإمام العالم العلامة، البحر الحبر الفهامة، والدي وشيخي.
ولد ببلده الهجرين ليلة الأربعاء الثاني عشر من شهر رجب سنة ثلاث وثلاثين وثمان مائة كما وجد بخطه، وذكر أنه نقله من خط الثقة وخبره، وربى يتيما في حجر أمه، وكفله خاله أبو بكر باقضام.
وكان ذكيا من صباه ﵀، سمعته ﵀ يقول: لما عرضت لوحي على المعلم في (سورة الأعراف) .. قرأت: (قال عذابي أصيب به من أساء) بالسين المهملة، وفتح الهمزة الأخيرة، من الإساءة، فرده عليه: (من أشاء) بالشين المعجمة، وضم الهمزة الأخيرة، من المشيئة، فوافق ذلك ما اتفق لإمامنا الشافعي ﵀ في صباه عند حفظه لهذه الآية؛ فإنه قرأها أيضا بالسين المهملة (٢).
وحج من بلده ماشيا مع آل باعصيّة طريق السراة في سنة ثلاث وخمسين، وأسقط فرضه.
فلما رجع من الحج .. دخل عدن لطلب العلم، فقصد القاضي محمد بن أحمد با حميش، فقرأ عليه، وسمع كثيرا من كتب الفقه ك «التنبيه» و «المنهاج» و «الحاوي» وغير ذلك، وأقبل عليه القاضي با حميش إقبالا كليا لما رأى من نجابته وذكائه، وأجاز له الفقيه با حميش إجازة عامة، وقرأ النحو على الفقيه ابن أزهر، قرأ عليه «ألفية ابن مالك»،
стр. 3224
وقرأ على القاضي محمد بن مسعود باشكيل كثيرا من كتب الحديث والتفاسير وغيرها، وأجاز له إجازة عامة في جميع أنواع العلوم، وزوجه القاضي باشكيل بابنته، وقرأ على الفقيه البرجمي كتاب «المصابيح» وأجازه فيه وفي غيره، ودخل شبام حضرموت، فأجاز له عالمها الإمام الصالح با هرمز إجازة عامة.
وولي قضاء عدن مدة يسيرة، فباشره بعفة وجد واجتهاد، فأنصف الضعيف من القوي، وكان في خلقه حدة، فخرج من عدن مختفيا متنزها من القضاء، فقصد الشحر، فأكرمه واليها يومئذ بدر بن عبد الله الكثيري، وصحبه، وكان بينهما ألفة أكيدة، ومودة شديدة، ثم رجع إلى عدن وقد تولى قضاءها القاضي عبد الرحمن بن عبد العليم البريهي، ولم يزل يتردد بين الشحر وعدن، وأكثر إقامته بعدن.
وقرأ عليه جمع واستفادوا، وصاروا أئمة، منهم: شيخنا الإمام عبد الله بن عبد الرحمن بافضل، والفقيه عمر بن أحمد با كثير، والفقيه علي بن زيد الشرعبي، والفقيه عمران بن بشر الحبلى، والفقيه محمد بن علي العفيف وغيرهم.
وله نكت على «جامع المختصرات» للنشائي، يذكر فيه المواضع التي وقعت في الكتاب على غير الصواب، وله أيضا عليه تأليف لطيف، يذكر فيه المسائل التي ذكرها في الكتاب في غير مظنتها على نمط «خبايا الزوايا» للزركشي، وله نكت على «ألفية ابن مالك»، وشرح على «ملحة الحريري»، وفتاوى مجموعة رتبها على أبواب الفقه، وشرح «منظومة ابن ياسمين» في الجبر والمقابلة.
وصحب الشريف عمر بن عبد الرحمن باعلوي، والشيخ أحمد بن محمد العمودي صاحب قيدون صحبة أكيدة، فكان لهما حسن ظن وعقيدة قوية.
عزم مع الشريف عمر بن عبد الرحمن في سنة تسع وثمانين إلى تعز، ومرضا جميعا بتعز، فتوفي الشريف عمر بها في رمضان من السنة المذكورة، ونقه الوالد من مرضه قليلا، فعزم إلى بلده طريق البر على زهراء وردمان.
ولم يزل ذلك المرض مستمرا به، تارة يقوى عليه، وتارة يهون إلى أن توفي منه في سحر ليلة الاثنين لتسع بقيت من المحرم الحرام من سنة ثلاث وتسع مائة بعدن، ودفن بتربة الشيخ جوهر الجندي نفع الله به قبالة ضريح شيخه القاضي جمال الدين محمد بن مسعود باشكيل ﵀.
стр. 3225
وكان ﵀ يصدع بالحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، يجاهر السلطان فمن دونه.
٤٣٦٨ - [الأمير محمد بن بركات] (١)
الشريف محمد بن بركات، أمير الحجاز.
ضبطه ضبطا جيدا، وحسم مادة أهل الفساد بالقتل والشنق والقطع وغير ذلك.
توفي في الليلة التي توفي فيها الوالد، وهي ليلة الاثنين الثاني والعشرين من شهر المحرم من سنة ثلاث وتسع مائة، وكانت وفاته خارج مكة بوادي الأبيار، وحمل إلى مكة، ودفن بها في تربته بالمعلاة.
وولي بعده أكبر أولاده الشريف بركات بن محمد.
٤٣٦٩ - [حسين بن الصديق الأهدل] (٢)
الشريف حسين بن الصديق بن حسين بن عبد الرحمن الأهدل، شيخنا.
كان فقيها، عارفا بمتن الحديث.
قرأ على الإمام الحافظ يحيى العامري الأمهات الستة وغيرها من كتب الحديث، ثم عزم إلى مكة ملازما لمجالس الفقه والحديث.
ثم إنه تصوف، ولبس الدلق، وحمل الزنبيل، ودار في الأسواق وعلى البيوت كعادة صوفية الوقت، فنقم على ذلك [فلم يلتفت إلى عذل عاذل] (٣)، ثم رجع إلى بلده.
وكان يسعى بين الدولة والعرب المفسدين بالصلح والذمة.
ثم دخل عدن، وصاهر الكتاب بني إسحاق، ودرس في الحديث والفقه والنحو في جامع عدن وفي بيته، وانتفع به جمع في دينهم ودنياهم.
стр. 3226
وتوفي في شهر ذي القعدة من سنة ثلاث وتسع مائة بعدن (١)، ودفن بتربة أهله بالشاذلية.
٤٣٧٠ - [محمد بن أحمد بافضل] (٢)
أبو عبد الله محمد بن أحمد ابن علي بافضل، شيخنا الإمام العالم العامل، الولي الصالح.
ولد بتريم سنة أربعين وثمان مائة-فيما أظن-ونشأ بغيل أبي وزير، وحفظ القرآن، واشتغل على الفقيه باعديل، وقرأ «الإحياء»، ثم دخل عدن قاصدا القاضي جمال الدين محمد بن أحمد با حميش، فقرأ عليه «التنبيه» وغيره من كتب الفقه، فلما توفي شيخه الفقيه با حميش .. أقيم مقامه في التدريس، وتزوج بزوجة شيخه، فعمر الله به الدين، وأحيا به معالمه.
وقرأ على القاضي محمد بن مسعود باشكيل في كتب الحديث والتفسير، وأجازه القاضيان أبو حميش وأبو شكيل، وأفتى ودرس ونشر العلم، وقصدته الطلبة من أنحاء اليمن لعلمه وفضله وصلاحه.
وبالجملة: فلم يكن في وقته مثله، وله تواليف حسنة، منها: «العدة والسلاح في أحكام النكاح» لا يستغني عنه كل من تصدى لعقود الأنكحة، و «شرح ألفية البرماوي» اختصره من شرح مصنفها، وله كتاب موضوع على تراجم «البخاري» يذكر فيه وجه مناسبة الترجمة للحديث، وفيه فوائد جمة، وله رسالة في العمل بالربع المجيّب.
وكان متفننا في جميع العلوم، حسن المذاكرة، موظف أوقاته على العبادة والطاعة، لا تلقاه إلا في طاعة؛ من تدريس أو تصنيف أو قراءة قرآن أو ذكر، ومجالسه محفوظة.
قرأت عليه «صحيح البخاري» وشرحه على «البرماوية»، وقواعده التي اختصرها من «قواعد الزركشي»، وسمعت عليه «تفسير البيضاوي» و «الحاوي» و «صحيح مسلم» وغير ذلك، وانتفعت به كثيرا جزاه الله عنا أفضل الجزاء، وانتفع به جمع كثير وصاروا فضلاء، كالفقيه إسماعيل الحرداني، وولده الفقيه عبد الله بافضل وغيرهما.
стр. 3227
وبالجملة: فلا يأتي الزمان بمثله، وغالب ظني أنه مجدد قرنه.
انتقل إلى رحمة الله في شهر شوال من سنة ثلاث وتسع مائة، ودفن بتربته المعروفة بحافة البصال شرقي الصفار.
٤٣٧١ - [يوسف بن عمر البزاز] (١)
الشريف يوسف بن عمر البزاز الزبيدي.
لما توفي أخوه بعدن .. جعل المذكور عوضه في دار صلاح وكيلا في البيع والشراء.
وكان ﵀ يفعل الخير كثيرا خصوصا لأهل تهامة، وبسط يده بالعطاء والسلف للناس من دار صلاح، فلما افتقد الظافر عامر بن عبد الوهاب الدار المذكور، واستعرض ما فيها .. وجد قد فات منها جانب كبير، شيء على اسم عبد الله العفري، وغالبه على اسم الشريف، فلزم العفري وصودر، وحمى الله الشريف ببركة سلفه ومعروفه، كما قيل: (إن صاحب الندى إذا سقط .. وقع على متكا) وبقي على وظيفته في الدار، إلا أنه أخذ على يده من إطلاق التصرف فيها، فقل بذله لقلّ موجوده، لا لقلّ جوده، ولم يتغير حاله من حسن خلقه ولين جانبه، كما قيل: [من البسيط]
قالوا تغيرت قلت الدهر غيرني ... ما قلّ جودي ولكن قلّ موجودي
إني وإن لم يكن في نبقتي ثمر ... للمجتنين ولكن ليّن العود
وتوفي ﵀ في آخر القعدة أو في شهر الحجة من سنة ثلاث وتسع مائة بعدن، ودفن بتربة الشيخ جوهر.
٤٣٧٢ - [عبد الله العمودي أبو مخرمة] (٢)
عبد الله المعروف بالعمودي بن عبد الله بن أحمد أبو مخرمة.
ولد بعدن سنة إحدى وثمانين وثمان مائة.
وحفظ القرآن غيبا وله دون عشر سنين، وكان فيه فهم وذكاء مفرط، واشتغل على أخيه
стр. 3228
الفقيه أحمد في علم الحساب، فجوده في مدة يسيرة، وقرأ على والده قليلا، وعلى أخويه الفقيه أحمد والطيب ابني عبد الله بامخرمة، وله معرفة جيدة باللغة والنحو، وله ديوان شعر، وشعره جيد جدا.
حج على قدم التجرد ورجع إلى عدن، وعزم إلى والده بالهجرين من طريق البر، فلما وصل الهجرين .. وجد والده قد خالفه راجعا إلى عدن، فأقام بالهجرين أياما، ثم رجع إلى عدن، واجتمع فيها بوالده.
ثم عزم إلى مكة طريق البر، فدخل صنعاء، وامتدح إمامها محمد بن الناصر بقصيدة فائقة، ثم تقدم إلى جازان وقد هيأ قصيدة معظمة مدح بها الشريف أحمد بن دريب صاحب جازان، فمات بحرض قبل أن يصل إلى جازان ﵀، وذلك في شهر [ربيع الثاني] (١) من سنة ثلاث وتسع مائة.
٤٣٧٣ - [محمد بن عبد الله أبو مخرمة] (٢)
محمد بن عبد الله بن أحمد أبو مخرمة، أخي لأبي.
ولد ببلده الهجرين في سنة ثلاث وسبعين وثمان مائة، وحفظ بها القرآن العظيم، ثم رحل إلى عدن لطلب العلم في سنة اثنتين وتسعين وثمان مائة، فقرأ عليّ «التنبيه» جميعه قراءة فهم وتثبت، وقرأ عليّ غير ذلك من الكتب الفقهية والنحوية، ولازم الفقيه علي الشرعبي، واشتغل عليه كثيرا في النحو وغيره، وقرأ على أخيه شيخنا الفقيه أحمد قليلا، ثم عزم إلى بلده مع شيخنا الوالد في سنة أربع وتسع مائة (٣)، فأقام بها قليلا، ثم رجع إلى عدن ملازما للاشتغال بطلب العلم الشريف، وكان له مشاركة في الفقه وغيره، وقرأ على الشريف حسين بن الصديق الأهدل في الحديث، وصحبه ولازمه.
فحدث به مبادئ الضرر ولم يتحقق أنه جذام، وظهر به مبادئ الجذام من نحول الأصابع والأطراف، فعزم إلى الهند للتداوي، فأقام بها نحو سنتين ولم يؤثر فيه الدواء، فرجع إلى عدن والضرر ظاهر عليه، فلزم البيت، وقصده الناس للتبرك والزيارة، وكان
стр. 3229
شيخه الشريف يكثر التردد إليه ويلامسه ويخالطه كثيرا.
ثم عزم إلى الشحر قاصدا زيارة والدته، فلما وصل الشحر .. وصلت إليه والدته، فمكثت عنده أياما، وكان في خلقه حدة، فلم يطب لها المقام عنده، فرجعت إلى بلدها، وعزم معها لاستعطاف خاطرها، فلما كان في أثناء الطريق .. شق عليه السفر من الألم الذي به، فرجع إلى الشحر، وأقام بها إلى أن توفي في سنة ست وتسع مائة.
وكان له كتب غالبها ورثه من والده، وشيء منها بخطه وبخط غيره، فأوقفها جميعها عند موته على طلبة العلم الشريف بثغر عدن، وجعل النظر في ذلك لأخويه شيخنا الفقيه أحمد ومسطر ذلك رحمه الله تعالى.
٤٣٧٤ - [الشريف هزاع بن محمد] (١)
الشريف هزاع بن محمد بن بركات بن حسن بن عجلان.
كان مضمر التعب من أبيه بسبب تقديم أخيه بركات عليه، ولم يظهر منه في حياة أبيه سوء، فلما توفي والده، وأسند الأمر إلى الشريف بركات، وجعل لهزاع إقطاعات معلومة .. قبلها في الظاهر وهو غير راض في الباطن، وأظهر الرضى منتهزا للفرصة، ولم يزل ملائما لأخيه في الظاهر.
فلما تولى الملك العادل طومانباي مصر بعد الأشرف جنبلاط .. طرد أميرا من أمراء جنبلاط يقال له: قانصوه البرج إلى مكة، فلما وصل البرج إلى مكة .. لم يلتفت إليه الشريف بركات ولا القاضي أبو السعود مراعاة للسلطان طومانباي، وكان هزاع يواصله ويهاديه ويكثر التردد إليه إذ ذاك.
فلما فقد طومانباي من مصر، وتولى بعده الأشرف قانصوه الغوري .. كتب لقانصوه البرج إلى مكة، وجعله نائبه بها، فلما وصلته الكتب بذلك .. جاءه الشريف بركات والقاضي أبو السعود للسلام عليه، فلم يأذن لهما؛ لما في نفسه من عدم الاحتفال به قبل ذلك، ووعد هزاع أن يجعل له ولاية مكة ويخلع أخاه بركات منها، فأمره بالخروج إلى ينبع، وأرسل لأمير الحاج المصري أن يواجه هزاع، ويطلق المراسيم السلطانية عليه،
стр. 3230
ويلبسه الخلع السلطانية، ففعل ذلك، فألبس هزاع الخلعة التي جيء بها لبركات، وألبس أخاه الجازاني الخلعة التي كان يلبسها قايتباي أخاه بركات، فتوجه هزاع مع الركب المصري إلى مكة ومعه الأشراف بنو إبراهيم في نحو مائة فارس، ومعه زبيد أخوال الجازاني، فلما علم بركات بذلك .. خرج في عسكره إلى وادي مرّ، والتقى الجمعان الشريفان بمن معهما، وكف الركب المصري نفسه وعسكره عن مساعدة أحدهما، فانكسر الشريف هزاع مرات، وقتل من أصحابه نحو الثلاثين، فعبث أصحاب بركات بالركب، ونهبوا أطرافه، فحمل الركب مع هزاع حملة رجل واحد، فهزم بركات، وقتل ولده أبو القاسم في جماعة من العسكر، واستولوا على محطة الشريف بركات بما فيها من الأموال والنساء، وانتهبت خزانته، فعزم الشريف بركات إلى جدّة، فنهبها.
ودخل هزاع مكة متوليا صحبة الركب المصري، واضطربت أحوال الناس، وكثر الخوف والنهب في الطرقات، ورجع حجاج البحر من الطريق وكان فيهم من قد أحرم فرجع قبل التحلل، وارتكبوا محظورات الإحرام جهلا، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وكان الحج ضعيفا، ولم يحج الشريف بركات.
فلما انقضى الحج .. عرف هزاع أن لا طاقة له بمقاومة أخيه بركات، وتخوف منه الهجوم عليه بمكة، فتوجه صحبة الركب الشامي إلى ينبع، وتبعه الشريف بركات، فحماه الركب الشامي منه، فرجع بركات إلى مكة، واستقر بها، وأمنت الناس في الطرقات.
وفي جمادى الأولى: جمع الشريف هزاع جيشا غالبهم بنو إبراهيم أشراف ينبع، فقصد بهم مكة، فخرج إليه الشريف بركات في عسكره، فالتقيا بموضع يقال له: طرف البرقاء، فانكسر الشريف بركات كسرة شنيعة، وقتل أخوه أبو دعلج، ومن الأشراف بني نمي نحو سبعة أنفار، وانهزم بركات حتى بلغ إلى سبخة الغراب من ناحية اليمن، ووصل هزاع إلى ظاهر جدة، ونادى الأمان للناس، وقرر أحوالهم، وأرسل أخاه الجازاني إلى مكة ليقرر أحوال أهلها، ثم خشي غادرته، فتبعه إلى مكة في عساكره.
وكان العرب والأشراف الذين مع هزاع قد شرطوا عليه نهب مكة إن ظفروا بها ثلاثة أيام، ثم لما ظفر بها .. لم يسهل عليه نهبها، فصالحهم على النهب على مال جزيل نحو سبعة آلاف أشرفي، فرضوا بذلك، فأخذ ذلك من تجار مكة بطيبة خواطرهم ليسلموا من النهب، ودفعها إلى من معه.
стр. 3231
ووصلته المراسيم والخلع من مصر، وكان رجلا حازما شهما، له تدبير ورأي، وشفقة تامة على الرعية، وهيبة قوية عند جنده؛ فإنهم الذين أقاموه وآزروه، ومع ذلك فلم يكن لأحد معه كلمة.
وكان في نفسه من القاضي أبي السعود، ويجامله كثيرا في الظاهر، ومع ذلك فلم يأمن منه القاضي حتى استجار منه بأخيه الجازاني، فأجاره.
ولم تطل مدة ولايته؛ لأنه دخل مكة وهو مريض، ولم يزل المرض مستمرا به إلى خامس عشر رجب من السنة المذكورة (١)، فتوفي ﵀ بمكة، ودفن بمقبرتهم.
٤٣٧٥ - [عبد الله بن عامر بن طاهر] (٢)
الشيخ عبد الله بن عامر بن طاهر.
توفي معتقلا بدار الأدب من رداع العرش في شوال من سنة سبع وتسع مائة والملك الظافر محاصر لصنعاء يومئذ، [وكان مرضه من الحمى المطبقة، فأقام خمسة أيام، ثم توفي في اليوم السادس من مرضه، فأحضر الموكل به أعيان البلد ورؤساءها وأشهدهم على موته، ثم جهز أحسن الجهاز، وصلي عليه في جمع، ودفن في مجنة رداع العرش، رحمه الله تعالى] (٣).
٤٣٧٦ - [القاضي أبو السعود] (٤)
القاضي أبو السعود بن القاضي إبراهيم بن علي بن ظهيرة، قاضي مكة المشرفة وابن قاضيها.
قرأ على أبيه، وأكثر قراءته على عمه القاضي أبي بكر، وولي القضاء بعد أبيه.
وكانت له حرمة عظيمة وجاه كبير عند الشريف محمد بن بركات، ثم مع ولده بركات من
стр. 3232
بعده بحيث كان أوامره في الحجاز أنفذ من أوامرهما، رغبة منهما في ذلك واختيارا، لا كراهة وإجبارا.
فلما وقعت الفتنة بين الشريف بركات وأخيه هزاع بوادي مرّ، وانكسر فيها الشريف بركات، ونهب مخيّمه وحرمه .. أمده القاضي أبو السعود بالمال والأثاث والخدم، ويقال: إنه الذي أشار عليه بنهب جدّة ليتقرر عند المصريين عجز غير بركات.
وكان القاضي أبو السعود إذ ذاك مرتابا من الشريف هزاع كثيرا، يرى أن هزاعا لو تمكن منه .. لأتلفه؛ لما كان يرى منه من الميل إلى بركات في حياة أبيه وبعد وفاته، فلما انكسر الشريف المرة الثانية، ونهب مخيمه .. تخيل للقاضي أبي السعود أن الشريف بركات قد انقضت أيامه، وأدبرت سعادته، فالتجأ القاضي إلى الشريف جازاني بن محمد بن بركات، فخفره من هزاع وحماه منه.
فلما أمن جانبه من هزاع .. أرسل الشريف بركات إلى القاضي يريد منه المساعدة كالمرة الأولى، فاعتذر إليه القاضي، فوقع في نفس الشريف منه، ووجد أعداء القاضي مدخلا عليه عند الشريف، فأوغروا صدر الشريف عليه بالحق والباطل.
فلما توفي هزاع .. شمر القاضي أبو السعود همته في تولية الجازاني على مكة وأعمالها، وكتب بذلك إلى المصريين، ورجح لهم أنه أصلح للحجاز من بركات، وأن بركات ما هو إلا راعي معزى، فتم للقاضي ما أراد، ووصلت المراسيم والخلع من مصر للجازاني.
فجمع الشريف بركات جندا عظيما من اليمن والشرق وغير ذلك، وقصد أخاه الجازاني بمكة، وعلم الجازاني أنه لا طاقة له به .. فخرج من مكة إلى ينبع، ودخل الشريف بركات بعساكره، وكان يجامل القاضي في الظاهر كثيرا ويحترمه، ويراعيه ويستشيره، وكان محتذرا من هجوم الجازاني وبني إبراهيم عليه، فلم يزل محتفظا بالعسكر بمكة، فيقال: إن القاضي أشار عليه بأنك قد أمنت من خصمك، ولا حاجة إلى جمع الجند، فقد تأذى أهل مكة من انبساطهم وفسادهم، وهذا شهر رمضان مقبل لا يحتمل ذلك، والمصلحة أنك تفسح لكل ينصرف إلى أهله وبلده، فأصغى الشريف بركات إلى مشورته، وفرق الجند، ولم يبق معه إلا خاصته ومن يلوذ به، فيقال: إن القاضي كتب إلى الجازاني أن بركات قد فرق جنده ولم يبق أحد عنده، فلا يكون أسرع من وصولك إلى مكة على غرة وغفلة لتقبض عليه، وأرسل مكتّبا بالورقة، فشاع بمكة أن القاضي أرسل قاصدا إلى ينبع، فأرصد
стр. 3233
الشريف بركات الطريق لقاصد القاضي، فظفروا به وفتشوه، فوجدوا معه الورقة، فأتوا به وبالورقة إلى الشريف بركات وهو بمكة، فلما وقف على خط القاضي .. تحقق أن القاضي ساع في هلاكه، ولم يعلم القاضي بذلك.
ويقال: إن الورقة مكيدة زورت على خط القاضي توصلا إلى هلاكه، والله أعلم بحقيقة الأمر.
فلما فرغ القاضي من التدريس بالحرم بعد طلوع الشمس، وطاف بالبيت سبوعا على جاري عادته .. أتاه رسول الشريف يستدعيه، فخرج من الحرم إلى دار الشريف قبل أن يصل إلى بيته، فدخل وأراد الجلوس بقرب الشريف على جاري عادته، فأخرج عن ذلك المجلس، ورمى إليه الشريف بالورقة وقال له: كنا نسمع ولم نصدق حتى شاهدنا خطك، فيقال: إنه أنكر أن يكون ذلك خطه، وأراد تقطيعها، فاجتذبها الشريف منه، فأراد اجتذابها من يد الشريف على ما يألفه من الانبساط والاستدلال، فلطمه الشريف قايتباي لطمة فاحشة حتى أسقط عمامته من رأسه، وأراد هسفه وضربه، فمنعه الشريف بركات من ذلك، ثم أمر به، فنقل إلى مجلس آخر، وجعل عليه الترسيم، وأرسل في الحال من احتاط على بيوته، وأخرج أولاد القاضي وحرمه من البيت مجردين ليس معهم سوى ثياب أبدانهم، وسمر على بيوت القاضي وأملاكه وحواصله جميعها، ثم جمع الفقهاء وأعيان البلاد وأوقفهم على الورقة، فقرروا أنها خط القاضي، فكتب محضرا بما اتفق من القاضي، وأخذ عليه خطوط الحاضرين من الفقهاء والأعيان والأمراء، فكتب كل منهم على قدر ما في نفسه من الضغن والإحن على القاضي، ثم أخذ في مصادرة القاضي وتعذيبه بأنواع العذاب من العصاريات وغيرها، ورسّم على كبار عياله كالقاضي صلاح الدين وغيره، ولم يزل يستجر منه المال، ثم سعي بين الشريف والقاضي على أن يبذل القاضي مبلغا جزيلا من المال، وعلى أن يخرج ولده القاضي صلاح الدين، فيبيع أملاك القاضي في تحصيل المبلغ المذكور، فأطلق القاضي صلاح الدين، فباع كتب والده وملابسه وذخائره ومصاغه وأثاثه وشيئا من عقاره بأبخس ثمن، ورهن بعض العقار حتى سلم المبلغ المشروط، ثم إن الشريف أرسل بالقاضي إلى جدّة في الترسيم، وأركب في البحر من جدة إلى جزيرة القنفدة قرب حلى، ثم أتبعه بعياله إلى الجزيرة، فتم بالجزيرة هو وعياله وعليهم الترسيم، فلما قرب الركب المصري من وصول مكة، وعلم الشريف أنهم ساعون في خلاص القاضي ..
أرسل بريدا إلى ابن ركوب أمير القنفدة بأن يغرّق القاضي حال أن يصله كتابه، فأركبه في
стр. 3234
سنبوق موهما أنه شاء يردّه إلى جدّة، فلما توسط به البحر .. غرّقه ثمّ، وذلك في أوائل شهر الحجة من سنة سبع وتسع مائة.
ومنذ لزم القاضي إلى أن غرّق .. أعرض عن كل شغل، واشتغل بتلاوة كتاب الله ، فكان كثير التلاوة، ولا يفتر عنها لا ليلا ولا نهارا، هكذا بلغني، فختم الله له بالشهادة من وجوه، مات غريقا غريبا مظلوما.
وكان ﵀ حسن الأخلاق، كثير المراعاة والمواصلة للواردين إلى مكة من الفضلاء والعلماء والأمراء وغيرهم من ذوي الأقدار ﵀ وتجاوز عنه بمنه وكرمه، آمين.
٤٣٧٧ - [محمد بن ناصر] (١)
الإمام محمد بن ناصر، صاحب صنعاء، الملقب: صلاح الدين.
كان عالما في مذهبه، حسن السياسة في مملكته، متنظّرا في حال رعيته.
كان بينه وبين الملك الظافر مواصلة ومهاداة، والحال بينهما سديد في الظاهر، فلما توجه الظافر لحصار صنعاء المرة الأولى، وأخبر صاحب صنعاء بذلك .. قال: لا يمكن أن يفعل هذا صلاح الدين؛ لأن ما بيننا وبينه ما يوجب ذلك، ولم يصدق حتى وصلت المحطة إلى تحت صنعاء، ووصل إلى قصره شيء من المدافع التي يرمى بها إلى صنعاء، لا جرم لحسن نيته وصدق سريرته لم يتمكن الظافر مع كثرة جنوده وقوته من بلده.
وتوفي سابع وعشرين شعبان من سنة ثمان وتسع مائة.
٤٣٧٨ - [الشريف جازاني] (٢)
الشريف جازاني بن محمد بن بركات.
ولد سنة اثنتين وثمانين وثمان مائة.
دخل والده جازان، ونهبها وسبى حريمها من الأشراف وغيرهم، فلذلك سمي:
جازاني، وأمه أخت مالك بن رومي شيخ زبيد الحجاز، وربى في حجر والده.
стр. 3235
ولما حصلت الفتنة بين هزاع وبركات ابني محمد في سنة ست وتسع مائة .. كان الجازاني مع أخيه هزاع، وكان الشريف هزاع يراعيه ولا يخالف كلامه لأجل أخواله زبيد، فلما توفي هزاع سنة سبع وتسع مائة .. تولى الجازاني إمرة مكة، وأقام القاضي أبو السعود همته في ذلك، وكتب إلى أهل مصر بتأهّله لذلك، فوصله الخلع والمراسيم من مصر بالولاية على مكة، وكسر الشريف بركات مرارا.
ولما لزم المصريون الشريف بركات وأخوه قايتباي، وحملاهما مقيدين إلى مصر، واستقل الجازاني بإمرة مكة .. تعسف فيها وظلم، وصادر التجار، ومن لم يعطه ما يريد ..
عذبه بأنواع العذاب من الضرب وغيره، وكان قد قتل جماعة من الترك وأهل مكة بسبب نصرتهم لبركات.
وفي رجب من سنة تسع وتسع مائة: دخل المطاف، وشرع في الطواف، فتقدم إليه تركي كأنه طائف، فلما قرب منه .. طعنه في جنبه فسقط، وكان جماعة من الترك في المسجد بالقرب من المطاف، فلما سقط الجازاني .. تواثبوا عليه بالطعن حتى ذفّفوه ولم ينتطح فيه عنزان، وبقي مرميا به في المطاف إلى آخر النهار، ثم حمل إلى المعلاة، وقبر بمقبرة والده، وولّى الترك أخاه حميضة مكانه.
٤٣٧٩ - [أحمد بن سالم الدوعني]
الفقيه أحمد بن سالم با نقيب الدوعني.
قدم من بلده إلى عدن لطلب العلم، فنقل «المنهاج»، وقرأ كثيرا من كتب الفقه والحديث والتفسير على شيخنا جمال الدين محمد بن أحمد بافضل، وانتفع به كثيرا، وقدّمه على الدرسة، وجعله ناظرا عليهم.
وحصّل كتبا كثيرة، وأفتى ودرس، وانتفع به جمع من الطلبة.
وكان لديه قليل من حطام الدنيا يتجر فيه ويعامل الناس به.
ولم يزل على التدريس والفتوى إلى أن توفي في أواخر جمادى الأولى من سنة عشر وتسع مائة.
стр. 3236
٤٣٨٠ - [أحمد بن عبد الله بلعس] (١)
الفقيه أحمد بن عبد الله بلعس (٢) اليافعي.
أكثر اشتغاله على شيخنا جمال الدين محمد بن أحمد بافضل، قرأ عليه كثيرا من كتب الفقه والحديث وغير ذلك، وقرأ على شيخنا الوالد في الحساب والفرائض.
وكان ذكيا لبيبا، حسن الأخلاق، لطيف المعاشرة.
ولما ابتنى الشريف علي بن سفيان مدرسته بعدن .. رتّب فيها مدرسا في الفقه والحديث.
وكان له نغمة حسنة وراحلة مليحة في قراءة الحديث، وكان يقرأ الحديث بدار السعادة بحضرة المجاهد علي بن طاهر، وكان يقرأ الحديث بعد صلاة الجمعة على كرسي لزق المقصورة، فكان المجاهد علي بن طاهر إذا فرغ من صلاة الجمعة .. أقام بالمقصورة يسمع الحديث، وربما أقام إلى صلاة العصر.
وحج، وأخذ بمكة عن ابن عطيف وغيره.
وأرسله المجاهد علي بن طاهر إلى المجاهد ابن سعد الدين مرارا بهدية من الخيل المسرجة وغيرها، ثم أرسله المنصور عبد الوهاب بن داود بعد عمه إلى المجاهد ابن سعد الدين بهدايا جزلة، وحصل بسبب ذلك [ ... ] (٣).
وكان لديه كتب كثيرة، وكان يبذلها لمن أراد إعارتها.
وقرأ عليه جمع من الطلبة وانتفعوا به، ثم ركن إلى البطالة ومجالسة أهل الدنيا.
ولما ثارت الفتنة بين الظافر عامر بن عبد الوهاب وأخواله، ومالت يافع مع عبد الله بن عامر .. رفع عنه إلى الشيخ محمد بن عبد الملك أنه تكلم على الدولة بما لا يليق، فأمر بإخراجه من عدن، فأخرج منها على وجه قبيح، ثم شفع فيه شيخنا جمال الدين محمد بن أحمد أبو الفضل، فأذن له في الدخول على أن يلزم بيته ويترك الفضول.
ولم يزل مقيما بعدن إلى أن توفي بها في شهر ذي الحجة من سنة عشر وتسع مائة.
стр. 3237
٤٣٨١ - [أحمد بن عبد الله مخرمة] (١)
الفقيه شهاب الدين أحمد بن عبد الله مخرمة، أخي وشيخي.
ولد في صفر سنة ست وستين وثمان مائة بعدن، وحفظ بها القرآن، وقرأ على والده في الحساب والجبر والمقابلة والفرائض حتى حقق ذلك تحقيقا شافيا، ثم سار مع والده إلى الهجرين، فأقام بها أشهرا، ورجع إلى عدن في سنة ثلاث وثمانين، ثم قدم الوالد بعده بقليل إلى عدن في سنة أربع وثمانين، فزوجه بابنة شيخنا الإمام جمال الدين محمد بن أحمد بافضل، واشتغل على الوالد في قراءة كتب الفقه، وقرأ عليه «التنبيه» وبعض «المنهاج» فيما أظن، ثم تغير حاله وترك الطلب [ ... ] (٢) شيخنا لذلك، وطيب النفس في أمر الدنيا بالتجارة، فأذن له والده على كره منه لذلك، فسافر إلى هرموز قاصدا التجارة، فعصفت عليهم الريح [ ... ] (٣) ورأوا من التعب والشدة والهلكة [ ... ] (٤) فتوّهوا في ظفار، فلما دخل ظفار وقد شاهد من أهوال البحار ما تحار معه الأفكار .. ندم على ما صدر منه، وترك العزم إلى هرموز، ورجع من ظفار إلى عدن مجدا مجتهدا في طلب العلم، فشرع في نقل «جامع المختصرات» وقراءته على والده إلى أن ختمه قراءة وحفظا، وجد واجتهد، وأعجب به والده كثيرا.
ودرس في منصورية عدن في الفقه، وفي ظاهريتها في الحديث، وقرأ على والده [ ... ] (٥) مسلم، ولما سار الوالد إلى تعز صحبة الشريف عمر بن عبد الرحمن باعلوي في سنة ثمانين [ ... ] (٦) درس [ ... ] (٧) فيه شيخنا الوالد ﵀، وقرأ على شيخنا الإمام أبي الفضل «الصحيحين» و «جامع المختصرات» وغير ذلك.
ودرس وأفتى شابا، ولم يضع خطه على فتوى إلا في الفرائض، فكان يجيب فيه خطا، وقرأت عليه «التنبيه» و «المنهاج» وكثيرا من كتب الحديث، وبه تخرجت، وعليه انتفعت
стр. 3238
رحمه الله، وكان في خلقه حدة، وفيه [ ... ] (١) من أبناء جنسه من طلبة الفقه خصوصا القراء.
وله مؤلفات: شرح على «جامع المختصرات» ونكت وأشياء في الحديث وغيره مات عنها مسوّدة، وكان ضعيف الخط جدا، ولذلك لا يكاد ينتفع بما تركه من المسوّدات.
ولم يزل مشتغلا بالعلم تدريسا وتحصيلا وتصنيفا إلى أن مرض مرض الموت، وطال مرضه أياما، وتوفي عصر الجمعة عاشر جمادى الأخرى من سنة إحدى عشرة وتسع مائة.
٤٣٨٢ - [حسن بن أحمد المزجد]
القاضي بدر الدين حسن بن شيخنا القاضي شهاب الدين أحمد بن عمر المزجّد.
ولد بزبيد، ونشأ في حجر والده، فهذبه وأدبه.
وقرأ على والده كثيرا في الفقه والحديث والنحو وغير ذلك.
وكان له في كل فن من الفنون مشاركة جيدة، وله قريحة حسنة، وشعر جيد.
ولما ولي والده قضاء ثغر عدن في سنة تسع مائة .. وصل إلى عدن صحبة والده، ولما توجه والده إلى زبيد لزيارة أهله وعياله .. ناب والده في قضاء عدن.
ثم ولي قضاء لحج في سنة إحدى وتسع مائة فيما أظن، فباشره بعفة وصيانة، وديانة وأمانة، ولم يزل قاضيا بلحج إلى أن صرف والده من قضاء عدن إلى قضاء زبيد في سنة ست وتسع مائة، فصرف القاضي حسن المذكور من قضاء لحج إلى قضاء تعز.
ولم يزل قاضيا بتعز إلى أن توفي بها في أوائل سنة إحدى عشرة وتسع مائة.
٤٣٨٣ - [أحمد بن دريب] (٢)
الأمير الكبير الشريف أحمد بن دريب صاحب جازان، المشهور بالكرم والإحسان، ما قصده قاصد فرجع خائبا.
قصده الشريف محمد بن بركات إلى بلده جازان وأخرجه منها، ونهب خزائنه وحرائمه،
стр. 3239
ثم رجع [وسالمه] (١) إلى أن توفي في شهر شوال من سنة إحدى عشرة وتسع مائة.
٤٣٨٤ - [أبو بكر العيدروس] (٢)
الشريف فخر الدين بن عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن باعلوي المعروف بالعيدروس، وهو لقب لقّب به والده بعض سياحي العجم لما دخل تريم لزيارة الشيخ عبد الله بن أبي بكر المذكور، ومعناه: زعيم الصوفية.
ولد أبو بكر المذكور ببلدة تريم في آخر سنة خمسين-أو أول إحدى وخمسين-بعد ثمان مائة، وتوفي والده في سنة خمس وستين وهو طفل.
قرأ على عمه الشيخ علي بن أبي بكر في «الإحياء» وغيره، واشتغل على غيره أيضا من فقهاء تريم وغيرهم في سنة ثمانين وثمان مائة أو إحدى وثمانين، فدخل الشحر وعدن، ثم عزم منها إلى مكة طريق البر، وحج، ورحل فدخل زيلع، ثم عدن، ثم رجع إلى بلده تريم، فأقام بها إلى سنة [ ... ] (٣)، ثم خرج منها من ضيم حصل عليه من ولاتها قاصدا الحج، وسلك طريق البر من بلده، ودخل لحج، فأكرمه الشريف عمر بن عبد الرحمن باعلوي غاية الإكرام، وعاملوه بالجلالة والاحترام، وحصل له من السلطان عبد الوهاب بن داود نهاية الإحسان والإنعام.
وتوجه إلى مكة وحج ورجع إلى اليمن، ولم يقدر له الرجوع إلى وطنه، فالتمس من موهوبات الشيخ عبد الوهاب في جهة موزع ما يقيم حاله في إكرام وافديه وقاصديه، فأنعم له بذلك، وتهيأ للمسير إلى ما هنالك، فاتفق وفاة الشريف عمر بن عبد الرحمن باعلوي، فاستقر مكانه في قرية الحمراء في إكرام الوافدين، وحصل له القبول التام عند السلطان فمن دونه، فأقام بالحمراء برهة، ولم يطب له المقام بها، فدخل عدن وتديّرها: [من الطويل]
وألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر
وكان ﵀ لا يدخر شيئا من الدنيا، يحصل له الفتوح العظيمة، فيفرقها على من يستحقها ومن لا يستحقها، ويستدين بالزيادة ويبذله.
стр. 3240
وكان للسلطان صلاح الدين عامر بن عبد الوهاب فيه اعتقاد عظيم على غيره من سائر الناس؛ لأنه لا يرد له شفاعة، ولحقه دين عظيم ينيف على عشرة آلاف دينار، وكان يظن أن يقضيها عنه السلطان عامر بن عبد الوهاب، وربما كتب إليه بذلك [ ... ] (١) ولم يفعل، فقيض الله له قضاءها من حيث لا يحتسب، وذلك أن صهره ناصر الدين باحلوان كان له فيه حسن ظن واعتقاد عظيم، فلما بلغه أنه كتب إلى الشيخ عامر في قضاء دينه ولم يساعده على ذلك .. أرسل بمال جزيل؛ من الخلع واللباس والذهب السنبرا ما ينيف على خمسة عشر ألف أشرفي، وأصحبه صهره الشريف أحمد بن أبي بكر المذكور لقضاء دين والده، فوصل الشيخ أحمد المذكور بالمال المذكور ووالده مريض، فسر الشريف أبو بكر بذلك سرورا عظيما، وأمر ولده أحمد أن يقضي عنه جميع دينه، ولا يحاسب أحدا بما قبضه من المنافع، فصالح الشيخ أحمد غرماء والده، وحاسبهم بما قبضوه من المنافع، واستبرأ منهم ذمة والده.
وله ﵀ كرامات كثيرة، وللخلق فيه اعتقاد عظيم.
وتوفي في شهر شوال من سنة أربع عشرة وتسع مائة، وقبره بعدن مشهور، بنى عليه الشيخ عامر قبة معظمة، وبنى عليه الأمير مرجان الظافري رباطا [كبيرا] (٢) ودارا كبيرة لزقه بالرباط لسكنى الشيخ القائم بالتربة، وبنى الشيخ عبد الملك بن محمد ثلاثة أروقة محيطة بالقبة، وعليه من الجلالة والاحترام ما يليق بذلك المقام.
ولكل من الإمام محمد بحرق والشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن با وزير تأليف في كراماته وفضائله ومناقبه ﵀ ونفع به وبسلفه، آمين.
٤٣٨٥ - [الشريف محمد بن حسين] (٣)
الشريف محمد بن حسين، صاحب صعدة.
لما حاصر السلطان عامر بن عبد الوهاب صنعاء الحصار الأول باقي أيام محمد بن الناصر .. كتب آل صنعاء إلى البهال مستنجدين به، وجعلوا له شيئا معلوما كل سنة، فأتى
стр. 3241
إلى صنعاء في جمع عظيم، وكسر عسكر السلطان، وارتفع السلطان من تحت صنعاء، ثم عاد السلطان لمحاصرة صنعاء بعد موت ابن الناصر، ووصل البهال في جنده إلى صنعاء لينقذهم، فوقع بينه وبين عسكر السلطان قتال انهزم فيه البهال وقتل من عسكره عالم كثير، وأسر شيخ الزيدية الوشلي، وانتهب مخيم البهال، ورجع مهزوما.
وتوفي بصعدة في رجب سنة خمس عشرة وتسع مائة.
٤٣٨٦ - [عبد الله ابن سفيان] (١)
الشريف عبد الله بن علي بن سفيان.
ولي إمرة عدن مرارا في أيام المنصور عبد الوهاب بن داود وفي أيام الظافر عامر بن عبد الوهاب، وولي إمرة لحج وأبين وزبيد، وأي موضع تولاه .. أصلحه ولمّ شعثه؛ لأنه كان ذا ملاءة ويسار، فيدفع ويداري بمال نفسه معرة المفسدين.
ولما غدر بنو الشكاعي بالرتبة التي في حصن الشريف، وقتلوا النقيب، واستقروا فيه ..
نسب ذلك إلى تقصير من الشريف المذكور ومن عبد الوهاب بن محرم العنسي، فألزمهم السلطان أن يحاصروا الحصن ويحطوا تحته، وتكون الصرفة عليهم في قبيل تقصيرهم، فخرج الشريف عبد الله بن سفيان المذكور من زبيد في رمضان من سنة سبع عشرة وتسع مائة، وحط على الحصن، ثم لحقه عبد الوهاب العنسي في جمع كثير، فلم يزالوا حاطين على الخضراء إلى أوائل سنة ثمان عشرة وتسع مائة، فلم ينالوا منه شيئا، فأضر بهم كثرة المصروف ومرض الشريف بن سفيان وهو في المحطة، وطال به المرض، فلما ثقل مرضه .. حمل من المحطة إلى بيت الفقيه ابن عجيل.
وتوفي في آخر ربيع الآخر من سنة ثمان عشرة وتسع مائة، ولم يخلف أولادا، وإنما ورثه أخواه عبد الرحمن وفلان.
٤٣٨٧ - [ريحان الصلاحي] (٢)
النقيب ريحان الصلاحي الظافري.
стр. 3242
لما توفي الشيخ عبد الوهاب، وبويع الشيخ عامر، ونزل إلى تعز .. جعله على خزائن المقرانة، فلما ثارت الفتنة والمخالفة من الشيخ عبد الله بن عامر وإخوانه بأخذهم جبن ومخالفتهم على السلطان .. ضبط ريحان المذكور المقرانة وحزم بها، وظهرت شهامته وأمانته، ثم جعله خازنا بدار صلاح بعدن أياما، وحصل بينه وبين ناظرها يومئذ القاضي عبد العزيز بن إسحاق بعض وحشة، فلما وصل السلطان إلى عدن .. رفع إليه القاضي عبد العزيز المذكور عن ريحان المذكور أمورا غيرت خاطر السلطان عليه، فعزله، وخرج به معه من عدن، ثم ولي إمرة لحج، فأقام بها مدة، فكاده خطيبها أحمد بن شكر، وشهد عليه عند السلطان بأنه تزوج عربية، وزعم أنه حر الأصل ليس بمملوك، فعزله عن لحج، وبقي معزولا مدة، ثم ولي إمرة زبيد مدة، ثم عزل عنها، ثم قدمها مستخلصا للأموال السلطانية بها في شهر رمضان من سنة تسع عشرة وتسع مائة، فمرض، ولم يزل بها مريضا بوجع السل إلى أن توفي بها في شهر المحرم من سنة عشرين وتسع مائة.
٤٣٨٨ - [محمد الصائغ] (١)
الإمام العالم العلامة جمال الدين محمد بن الصديق المعروف بالصائغ أبو النجباء.
ولد ببيت الفقيه من تهامة، ونشأ بها، وحفظ القرآن، واشتغل بطلب العلوم الشرعية والعقلية وجد فيها واجتهد، فمهر فيها، وفاق أقرانه.
ولما أخرب الشيخ عبد الوهاب بن داود بلاد بني حفيص، ونقل أهلها عنها .. نقل الفقيه المذكور إلى زبيد نقل إكرام وإعزاز، وجعل له من الأسباب الحافلة ما يزيد على القيام بحاله، فأقام بزبيد ينشر العلم تدريسا وإفتاء، وقصد بالفتوى من الجهات البعيدة، وعمي آخر عمره.
وتوفي بزبيد ليلة السبت حادي عشر ربيع الأول من سنة عشرين وتسع مائة، ودفن غربي مشهد الشيخ أحمد الصياد ﵀ ونفع به، آمين.
٤٣٨٩ - [الأمير علي العنسي] (٢)
الأمير الكبير الشيخ علي بن شجاع العنسي.
стр. 3243
توفي برداع العرش مستهل رجب من سنة عشرين وتسع مائة.
[ونعم الرجل كان؛ عقلا ورجاحة، ودينا وأمانة، آنس الله غربته، آمين] (١).
٤٣٩٠ - [الوجيه عبد الرحمن ابن سفيان] (٢)
الشريف وجيه الدين عبد الرحمن بن علي بن سفيان.
أمه من أهل زبيد، ولذلك كانت إقامته بها، ولم يخرج عنها، ولم يتعلق بخدمة الدولة، بل كان متسترا منهم بالاشتغال بطلب العلم، وله فيه بعض مشاركة.
ولما مات أخوه العفيف عبد الله بن سفيان بتهامة في سنة ثمان عشرة .. طلب السلطان من بقية إخوته أن يبيعوه أملاكهم بعدن ولحج وزبيد من الأراضي والبساتين وغير ذلك، فأجابه إلى ذلك بعضهم، وباع حصته بثمن نزر، ولوزم عبد الرحمن المذكور أن يبيع حصته بمثل ما باع إخوانه، فأبى وامتنع من ذلك، فتغير عليه خاطر السلطان، وقبض عليه شيئا من أملاكه، وطلع به صحبته إلى الجبل، ثم إلى صنعاء، فمات بها يوم الجمعة ثامن وعشرين شوال من سنة عشرين وتسع مائة.
٤٣٩١ - [أحمد بن نصير]
أحمد بن نصير بن علي بن العقرب.
أوقف مائة سهم وثمانية عشر سهما وخمس سهم من أصل مائة سهم وأربعة وأربعين سهما في ساباطين حجر بحافة محمد بن عبد الرحمن با حنان بالقرب من سوق الفارض على الرباط المعروف قديما بالشيخ جوهر بن عبد الله، ثم من بعده بالشيخ الصالح سعد بن علي الحداد، وحديثا بمحمد بن أحمد العواجي، وجعل النظر في ذلك إلى محمد بن أبي القاسم العواجي المذكور، ثم من بعده إلى من يتعين شيخا في الرباط، ثم إلى الأرشد فالأرشد من أولاد الشيخ محمد بن أبي القاسم العواجي وأولاد أولاده أبدا ما تناسلوا وتعاقبوا، وشرط الواقف أن يرصد ربع أجرة الوقف المذكور لعمارة الوقف، وباقي الأجرة-وهو ثلاثة أرباعها
стр. 3244
-يعد لإصلاح ما تشعث من الرباط المذكور ومن مقالده وترميمها، وفي سقاء الرباط المذكور، وفي شراء دليّ وحبال، وفي شراء حصر للرباط المذكور، وشرط أن يصرف في كل شهر لمن أقام بالرباط أربعة دراهم، وذلك في سنة ثماني عشرة وتسع مائة.
٤٣٩٢ - [عبد اللطيف العواجي]
الشيخ سراج الدين عبد اللطيف بن الشيخ عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الشيخ الأجل الصالح محمد بن أبي القاسم العواجي.
ومحمد بن أبي القاسم المذكور هو أول من ولي نظر التربة المذكورة من آل العواجي، وكان النظر قبله للشيخ سعد بن علي الحداد، ولم يكن للحداد المذكور إلا بنت، فزوجها على محمد بن أبي القاسم العواجي المذكور، وفوض إليه النظر على التربة بعد موته، فلم يزل نظر التربة المباركة إليه، ثم إلى أولاده وأولاد أولاده من بعده إلى وقتنا هذا.
وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
***
стр. 3245
الحوادث
السنة الأولى بعد تسع مائة
حصل بناحية بحر الهند طوفان عظيم تغير بسببه جملة مراكب، غرق ببندر الديو عشرة مراكب، وفي الباحة أربعة، وتلف فيها من الأموال والأنفس ما لا ينحصر، وغالب المراكب انكسر أدقالهم (١)، ورموا بغالب حملهم (٢).
وفيها: وصل كتاب «فتح الباري شرح البخاري» للحافظ ابن حجر، اشتراه الظافر من مكة بمائة وخمسين أشرفي، وحصلت نسخة أخرى عليه، وقفها الظافر بجامع زبيد، وعزم بالتي وصلته من مكة إلى بلاده (٣).
وفي جمادى الأولى: قدم أبو القاسم الشرياني ومعه ولده وابن راسين صحبة الشيخ عبد الله مرزوق بعد طول خلافهم، فوصلوا زبيد على الذمة، ثم توجهوا إلى تعز، فعفا عنهم الظافر سالف جناياتهم وأكرمهم، وألزمهم سكنى زبيد بأهلهم، فرجعوا إلى زبيد، وتوعك الشرياني قبل رجوعه إلى زبيد، ومات عقب دخوله زبيد، ودفن بمقبرة بني مرزوق (٤).
وفيها: مات سلطان مصر الملك الأشرف قايتباي.
***
السنة الثانية بعد تسع مائة
فيها: تحرك محمد بن علي الوشلي وأصحاب ذمار للخلاف، وخالف أهل المصنعة، ولم يظفر أحد منهم بشيء (٥).
стр. 3246
وفيها: أخذ بنو الجعد حصن الطياش، وهو فوق حصن الشريف على بني واقد، فخرج بسبب ذلك علي بن شجاع بن عمر العنسي من زبيد، فحط على الحصن المذكور، فصالحوه، وبذلوا له الرهائن، فأخذها منهم، وارتفع عنهم (١).
وفي ربيع الأول: أخذ الظافر حصن المصنعة من جهة صنعاء وسائر ما هنالك قهرا، وكان أهله قد خالفوا ونقضوا العهود (٢).
وفي جمادى الأولى: وصل الشريف عبد الله بن علي بن سفيان من الأبواب السلطانية إلى زبيد متوليا للجهات الشامية ومعه مائتا فارس وألف راجل (٣).
وفي رمضان: جهز الظافر طائفة من العسكر على الأخدور، وأمر على العسكر علي بن شجاع العنسي وعلي بن محمد النظاري، فقتلوا جماعة من الأخدور ونهبوهم، وكان الأخدور يقطعون الطريق فيما بين تعز وعدن (٤).
وفي الشهر المذكور: قيد الظافر عالم الإسماعيلية سليمان بن حسن بتعز، وأودعه دار الأدب؛ لتحدثه بما لا يعنيه من المغيبات والمستقبلات، وأمر بإحضار كتبه وبإتلافها، ولله الحمد، ثم أطلقه في شوال، وعفا عنه (٥).
***
السنة الثالثة بعد تسع مائة
في أول المحرم منها: أغزى الظافر جيشا على الأخدور لفساد حصل منهم، فقتل منهم فوق الثلاثين (٦).
وفي المحرم منها: توفي صاحب الحجاز وأميرها الشريف محمد بن بركات خارجا من مكة بوادي الأبيار، وحمل إلى مكة، ودفن بتربته بالمعلاة.
وفيه أيضا: توفي شيخنا الوالد عبد الله بن أحمد بامخرمة رحمه الله تعالى.
стр. 3247
وفي آخر جمادى الأولى: توجه الظافر إلى بلاد يافع لذنوب كثيرة سلفت منهم، منها إيواؤهم لخاله عبد الله بن عامر، فسار إليهم في جيوش عظيمة في سابع جمادى الآخرة، فلما تراءى الجمعان .. انهزمت يافع هزيمة منكرة، واستولى الظافر على حصونهم جميعا في أقرب مدة، ولم يكن منهم أمر متعب مع كثرتهم واتساع بلادهم ودعاويهم العراض، وكان استفتاح بلدهم من أسهل الفتوح، فدخلوا عليه، وأذم عليهم، وسار جماعة منهم تحت ركابه (١).
وفي تاسع عشر الشهر: لزم الشيخ عبد الباقي بن محمد بن طاهر وقيّد، وأودع دار الأدب (٢).
وفي الشهر المذكور: قدم الشجاع عمر بن محرم العنسي من البلاد الشامية إلى زبيد بعد مقادمته الرغدة وما حولها، وقبض خراج خور بني عتيبة والخبنتا وما هنالك (٣).
وفي شوال منها: توفي شيخنا العالم الصالح جمال الدين محمد بن أحمد بافضل نفع الله به.
وفي شهر القعدة: توفي شيخنا الشريف حسين بن الصديق الأهدل بعدن.
وفيه أو في الشهر الذي بعده: توفي الشريف يوسف بن عمر البزاز ﵀.
***
السنة الرابعة بعد تسع مائة
في أولها: أغار الأمير علي بن عمر العنسي من زبيد على الزعليين إلى باب الهيجة، وحط بموضع يعرف بالقناوص، فهجم الزعليون عشاء محطته، فانهزم الدولة إلى قرية الضحي، وانتهب الزعليون المحطة بما فيها، وأخذوا محمل الأمير وكاتبه، ولم يقتلوا أحدا عن قصد، بل كان صائحهم يصيح: ألا لا يقتل أحد من الناس، ثم طلبوا الصلح بعد ذلك، وردّ ما أخذوا، وسلموا شيئا من الخيل والمال (٤).
وفي أول السنة أيضا: تأخّر المطر عن إبّانه واشتد الأمر، فأمر قاضي زبيد يومئذ وهو
стр. 3248
الإمام محمد بن عبد السلام الناشري الناس بصيام ثلاثة أيام، ثم خرج بهم في الرابع صائمين بذلة وتخشع، وصلّى بهم الفقيه شهاب الدين أحمد بن الطاهر بن جعمان قاضي حيس، وخطب بهم، وكان يوما مشهودا، فحصل الفرج العظيم قبل الاستسقاء وبعده (١).
وفي شهر ربيع الأول منها: أغار الشريف محمد بن علي الوشلي على الأمير علي بن محمد البعداني عند حصن هداد، وحط بعساكره على طريق الأمير وعساكره، وضيق عليهم غاية، فاجتمع من عسكر الأمير نحو ألف، وأخذوا طريقا يعرفونها حتى هجموا محطة الوشلي، وصدق الأمير فيمن معه الحملة، فانهزم الوشلي، وأخذ مراكيبه وآلاته، ولم ينج إلا بنفسه، وقتل من أصحابه جماعة (٢).
وفي ربيع الثاني: تسلّم الظافر حصونا كثيرة من بلاد أصاب، منها نعمان وغيره، وأعطى أصحابها مالا جزيلا، وأنعم عليهم (٣).
وفي شعبان منها: تسلم الظافر حصون هداد وسائر ما هنالك (٤).
***
السنة الخامسة
في أول شهر صفر منها: أصبح ولد ابن مخارش صاحب الجوف مقتولا في مخيم السلطان برداع العرش، ولم يعلم قاتله، فتعب الملك الظافر من ذلك، وفحص عن قاتله فلم يعلم به (٥).
وفي أواخر شهر صفر: بلغ السلطان أن قاتل ابن مخارش من بني عبد، فتجهز لغزوهم، فلما علموا بذلك .. لجئوا إلى اليهودي الناقض للعهد الذي ببيحان، وكان مخالفا على السلطان، ناقضا للعهد، ناكثا للأيمان، يطعن في دين الإسلام، ويركب الخيل بالسرج المزوّقة بالذهب، ويتطاول على المسلمين، وتبعه خلق كثير من اليهود خصوصا من تهود منهم بعد إسلامه، فتجهز الظافر إلى بيحان في عساكر عظيمة من جهات المقرانة فما فوقها، وقدم عسكره إلى بيحان قوما بعد قوم موهما أن لا غرض له سوى
стр. 3249
الصيد، فتقدم الأمير علي بن محمد البعداني في جماعة من الأمراء والمتقدمين أرسالا أرسالا إلى أن وصلوا بيحان من الربع الذي هو غير مسكون، ثم تبعهم السلطان موهما أن غرضه الصيد، فما زال يقطع البلاد حتى بلغ بيحان، فدخلها، فلما علم اليهودي .. تنحى هو ومن معه إلى المكان الذي هو غير مسكون، فلقيتهم العساكر التي تقدمت إلى ذلك المكان، فانضم الجمعان، وقبض اليهودي الملعون ومن معه وما معه من [أمواله وأولاده ودوابه] (١) وسائر آلاته، وقبض بنو عبد، ولزم قاتل ابن مخارش في جمع عظيم من قومه، وأسر اليهودي، ثم توجه الظافر إلى بلد بني شريف، فأخذ حصونها، وأدوا له الطاعة، ثم عاد إلى رداع (٢).
وفي عشرين شوال: قبض الشيخ عبد الله بن عامر بن طاهر خال الملك الظافر بعد أن قبض عبده بتعز، فأخبر العبد الملك الظافر بأشياء عن الشيخ محمد بن عبد الملك، وعن بعض خواص خدم الظافر وغيرهم، وحاولوا الخديعة والمكر بالسلطان، فانعكست عليهم آمالهم، وكان رأس الفتنة-على ما ذكروا-عمار بن المعلى شيخ المخلاف عند السلطان أكثر المتهمين في ذلك، وكان قبض الشيخ عبد الله بن عامر بقرية وادي مكسب من أعمال الحجرية بقرب يفرس، والقابض له قوم ضعفاء من رعية تلك الجهة، ولم يعرفه إلا حداد كان عندهم من أهل جحاف، فأحاطوا به في بيت، ثم استنجدوا بصاحب الحجرية، فقبضه، وأرسل إلى الظافر بتعز يعلمه بذلك، فأمره بالقدوم به إلى تعز، فلما وصل الأجيناد، وتحققه السلطان .. أرسل له بقميص وعمامة ورداء، فلبسها، وأركب على بغل بسرج، ثم دخل به إلى دار الوعد، فتصافحا وتسالما، وأقعده السلطان عنده بالروشن، ثم طلعا بعد ذلك إلى دار القسطال، ثم قيّد تلك الليلة، وقعد بمقصورة في الدار مكرما منعما (٣).
وفي ذي القعدة: تصدق السلطان على الرعية [بحط البواقي] (٤) من سنة ثلاث وتسعين فما بعدها، وأبطل الزيادات المحدثة، وأمر عماله في سائر أقطار مملكته بالرفق بالرعايا والعدل والإنصاف، وتصدق بصدقات جزيلة، وفعل معروفا كثيرا (٥).
стр. 3250
وفي أثناء الشهر: جعل الشيخ محمد بن عبد الملك بعد أن قيّد في دار الأدب بحصن تعز، وطلع بخاله الشيخ عبد الله بن عامر إلى رداع العرش صحبة أخيه الشيخ عبد الملك بن داود والأمير علي بن محمد البعداني (١).
وفي آخر السنة: نزل ريحان الظافري إلى زبيد؛ لتنفيذ الصدقة التي تصدق بها السلطان لأهل زبيد على يده، ولقبض الأموال السلطانية (٢).
***
السنة السادسة
في المحرم منها (٣): دخل الظافر مدينة عدن، وهي آخر دخلة دخلها، ولم يدخلها بعد ذلك فيما أظن (٤)، وأرسل طوائف من جنده على مقدمهم الشريف عبد الله بن علي بن سفيان إلى أهل دثينة، فأسر منهم نحو مائة فيهم كبيرهم جواس، وقتل سبعة، وضيق على أهل دثينة حتى أدوا الطاعة، وأرسل بالأسراء ورءوس القتلى إلى السلطان بعدن صحبة عمر الجبني، وقدّم التجار والنواخذ (٥) إلى السلطان الهدايا النفيسة على عادة البلد، فأثابهم وأجازهم الجوائز السنية، وجهز الموسم، وتصدق بصدقة جليلة عمت أهل البلد، ثم خرج إلى لحج وأقام بها أياما، فبلغه بلحج موت قاضي زبيد الإمام محمد بن عبد السلام الناشري، فاستدعى بشيخنا القاضي شهاب الدين أحمد بن عمر المزجد من عدن، وولاه قضاء زبيد، واستدعى القاضي عبد العليم بن شيخنا محمد بن حسين القماط من تعز، وجعله قاضيا بعدن بدل المزجد، وفصل القاضي حسن بن شيخنا القاضي أحمد بن عمر المزجد من قضاء لحج، وجعله قاضيا بتعز بدل القاضي عبد العليم، وولّى قضاء لحج الفقيه شهاب الدين أحمد بن عبد الله با حسين الدوعني، ثم عزم إلى بلده المقرانة، فدخلها آخر صفر (٦).
وفي ربيع الأول: فصل بني العنسي عن ولاية زبيد، وولّى الأمير علي بن شجاع مدينة
стр. 3251
جبلة، وولّى ابنه عمر بن علي بن شجاع إمرة عدن، وولّى عمر الجبني إمرة زبيد، وجعل عبده ريحان الظافري قابضا وناظرا بزبيد (١).
وفي رجب: وقع بزبيد مرض عام، ومات منه خلائق لا يحصون، واشتد ذلك في شعبان ورمضان، فكان يموت بزبيد كل يوم نحو ستين وأكثر (٢).
وفي نصف شعبان: أخذ الظافر حصن دثينة وسائر ما هنالك قهرا بعد أن حط عليهم بنفسه ثلاثة أشهر ورماهم بالمنجنيقات وضيق عليهم أشد الضيق، فطلبوا الذمة، وبذلوا ما بأيديهم، فقبل منهم، وارتفع عنهم إلى بلده المقرانة، وانحسم بذلك مادة الخلاف، وأمنت الطرق (٣).
وفي آخر ذي القعدة منها: كانت وقعة الشريف هزاع مع أخيه بركات بالحجاز، انكسر فيها الشريف بركات وهزم هزيمة شنيعة، واستولى الركب المصري على خزائنه وأمواله ونسائه، وأصل ذلك أن الملك العادل طومانباي صاحب مصر لما تملك مصر بعد الأشرف جنبلاط .. ارتاب من أمير من أمراء جنبلاط يقال له: قانصوه المحمدي، ويعرف بالبرح، فنفاه إلى الحجاز مهانا، فلما وصل إلى مكة .. لم يلتفت إليه أحد من أكابرها لا الشريف بركات ولا القاضي؛ مراعاة للسلطان طومانباي، فلما فقد طومانباي من مصر، وتولى بعده الأشرف قانصوه الغوري ليلة عيد الفطر سنة ست وتسع مائة .. أرسل لقانصوه البرح إلى مكة، وجعله نائبا، فلما وصلته الكتب بذلك .. جاءه الشريف بركات والقاضي أبو السعود للسلام عليه فلم يأذن لهما؛ لما في نفسه منهما من عدم الاحتفال به قبل ذلك، وكان الشريف هزاع بن محمد بن بركات يومئذ بمكة، فعامله قانصوه البرح على أن يجعل له ولاية مكة ويخلع أخاه بركات منها، فأمره بالخروج إلى ينبع، وأرسل لأمير الحاج المصري أن يواجه هزاعا، ويطلق عليه المراسيم السلطانية، ويلبسه الخلعة السلطانية، ففعل ذلك، فلبس الخلع التي جيء بها لبركات، وألبس أخاه الجازاني الخلعة التي كان يلبسها أخوه بركات، وتوجه مع الركب المصري إلى مكة ومعه أشراف ينبع بنو إبراهيم في نحو مائة فارس، فلما علم بركات بذلك .. خرج في عسكره إلى وادي مرّ، فالتقى الجمعان هنالك، فتقاتلا، فانكسر الشريف هزاع مرات، وقتل من أصحابه نحو الثلاثين، ونهبت أطراف
стр. 3252
القافلة، فلما رأى الركب ذلك .. حملوا مع هزاع حملة رجل واحد، فهزم بركات، وقتل ولده أبو القاسم في جماعة من العسكر، واستولوا على محطة بركات بما فيها من الأموال والنساء، وانتهبت حرمه، وعزم الشريف بركات إلى جدّه فنهبها نهبا فاحشا، ودخل هزاع مكة صحبة الركب المصري، واضطربت أحوال الناس، وكثر الخوف والنهب في الطرقات، ورجع حجاج البحر من الطريق، وكان الحج ضعيفا، ولم يحج الشريف بركات، فلما انقضى الحج .. عرف هزاع أنه لا طاقة له بمقاومة أخيه بركات، فتخوف منه الهجوم عليه، فتوجّه صحبة الركب الشامي إلى ينبع وتبعه الشريف بركات، فحماه الركب الشامي منه، فرجع بركات إلى مكة واستقر بها، وأمنت الناس والطرقات (١).
***
السنة السابعة
في ربيع الأول: أخذ عسكر الظافر ومقدمهم الفقيه محمد النظاري حصن أكمة الجود، ثم حط النظاري على القداسي المفسد وكان في حصن قدس، تحصن به ومعه جماعة يخيفون السبل، فقتل القداسي المذكور في خمسة من أصحابه، وأسر منهم أربعون، فأمنت البلاد، وانقطع الفساد (٢).
وفي جمادى الأولى: التقى الشريفان بركات وهزاع ابنا محمد بن بركات بموضع يقال له: طرف البرقاء انكسر فيها الشريف بركات كسرة شنيعة، وقتل أخوه أبو دعلج، ومن الأشراف بني نميّ سبعة نفر، وانهزم بركات حتى بلغ سبخة الغراب، ووصل هزاع إلى ظاهر جدّة ونادى بالأمان للناس، وقرر أحوالهم، وأرسل أخاه الجازاني إلى مكة ليقرر أحوال أهلها، ولم يأمن بادرته فلحق بعساكره، ولم تسر العرب وأشراف ينبع مع هزاع حتى وعدهم بنهب مكة ثلاثة أيام إن هم ظفروا بها، فلما ظفروا بها .. لم يسهل عليه نهبها، فلم يزل بمن معه من العرب حتى رضوا منه بمال في قبيل النهب، فأخذ من التجار ذلك المال بطيبة خواطرهم، وسلمه إلى العرب حتى تركوا النهب (٣).
وفي آخر جمادى الأخرى: جهّز الملك الظافر إلى ذمار في جمع عظيم من العساكر،
стр. 3253
فقدّم العساكر، ثم لحقها في رجب، فأقام بذمار أياما، وجرد العساكر إلى جمعة الخزع، فأخذها قهرا بعد أن قتل من أهلها جماعة وقبضت حصونهم، ثم توجه إلى صنعاء في التاسع والعشرين من شهر رجب، فحط عليها ثاني شعبان (١).
وفي خامس عشر رجب: توفي الشريف هزاع بن محمد بن بركات بمكة ﵀، وتولى مكة بعده أخوه جازاني بمساعدة من القاضي أبي السعود بن إبراهيم بن ظهيرة وتدبيره، وكان ذلك سبب تدميره.
وفي شوال: توفي الشيخ عبد الله بن عامر بدار الأدب من رداع العرش والظافر محاصر لصنعاء، وكتب أهل صنعاء إلى البهّال، وبذلوا له أشياء، منها حصن ذي مرمر-فيما يقال- على أن ينصرهم بالعساكر، فأجمعت الزيدية على نصرة أهل صنعاء، وخالفت على الظافر، فوصلوا في جموع لا تحصى، فتقدم إليهم الأمير محمد بن علي البعداني في طائفة من العسكر، ووقعت بينهم وقعة نال منهم ونالوا منه، ثم انهزم عسكر الأمير، فجمع الظافر المحاط كلها، وجعلها محطة واحدة، وانقطعت الطرق إلى محطة السلطان بشيء من الزاد والأقوات، فعزم الظافر على الرجوع وعند الزيدية أنه قد صار في قبضتهم؛ لتوفرهم وكثرتهم وانقطاع المواد من السلطان ومن معه، ولكن الله سلم، إنه عليم بذات الصدور (٢).
***
السنة الثامنة
في سابع شهر المحرم منها: سار الملك الظافر من تحت صنعاء، ونقض المحطة بعد أن جمع عسكره وآلاته وأحرق ما ثقل عليه حمله من الخيم وغيرها، فلحقته جموع الزيدية، فحملت العساكر الظافرية حملة واحدة، فانهزمت الزيدية، وتعقب الظافر في خاصته على المتخلفين من العسكر حتى سار بسير آخرهم، ودخل ذمار سالما، وكانت مدة هذه المحطة الأولى خمسة أشهر (٣).
стр. 3254
وفي هذه السنة: ظهرت مراكب الفرنج في البحر بطريق الهند وهرموز وتلك النواحي، وأخذوا نحو سبعة مراكب، وقتلوا أهلها، وأسروا بعضهم (١).
وفي شعبان: كانت وقعة بين الشريف بركات وأخيه جازاني بن محمد بالمنحنى شرقي مكة انكسر فيها الشريف بركات كسرة شنيعة، وقتل أعيان أمرائه، وأبان عن نجدة وشهامة وقوة نفس، حتى قال بعض بني إبراهيم الذين يقاتلونه في تلك الوقعة: لو في عسكره اثنان مثله .. ما قربنا مكة، والفضل ما شهدت به الأعداء، وفي أثناء المعركة انقطع حزام فرس الشريف بركات، فنزل عنه ليشد حزامه، فحملت عليه الفرسان من كل جهة، فكان يذودهم عن نفسه بسيفه، فلم يقدر أحد منهم يقرب إليه حتى شد حزام فرسه وعلا على ظهره، فانقطع طمعهم عنه، ونجا بنفسه في جمع قليل، وخرج الجازاني من مكة، وعاد بركات إليها (٢).
وفي شعبان: توفي محمد بن الناصر صاحب صنعاء.
وفي ذي القعدة: هجم الشريف الجازاني مكة على أخيه بركات، فخرج إليه بركات ومعه أهل مكة والترك الذين بها، فقاتلوا الجازاني، وبذل أهل مكة جهدهم مع بركات، فقتل من أهل مكة جمع عظيم، وصوّب غالبهم، ونهبت مكة نهبا ذريعا، وفرّ بركات طريق اليمن حتى استقر بمكانه الأول (٣).
وفي الشهر المذكور: قدم أمير الركب المصري بالحاج في جند عظيم، فتغيب عنه الجازاني، وواجهه الشريف بركات، فخلع عليه وعلى أخيه شرف الدين قايتباي وابن عم أبيه العنقاء بن حسن، فلما دخلوا مكة .. استدعاهم إلى مدرسة السلطان قايتباي، فأمسكهم وقيدهم وزنجرهم (٤)، وساروا معه إلى عرفات على تلك الحال، ثم توجه بهم بعد الحج إلى مصر (٥).
***
стр. 3255
السنة التاسعة
في أولها: نزل السلطان الملك الظافر إلى عدن، فجهّز على الطوالق الذين كانوا يخيفون الطريق إلى عدن، وقتل منهم جماعة، وهي آخر نزلة نزلها إلى عدن (١).
وفي شهر صفر: كان ظهور إبراهيم الخواص من بني الأكسع أحد فقراء المشرع، وتبعه جماعة من الفرس كانوا يعتقدونه ويزعمون أنه يخبرهم ببعض المغيبات فيصدق فيها، ثم إنه كثر الكلام عليه ممن بينه وبينه وحشة، فتخوف من الدولة، فانتقل إلى مكان العبيد العامريين، وهو مكان وعر، وأطاعه من هنالك من أهل الجبال ومن المفسدين (٢).
وفي ربيع الآخر: وصل من الجبل إلى زبيد جيش عظيم بسبب الخروج للخواص، فخرج العسكر ومقدمهم ريحان الظافري أمير زبيد وابن حتروش، فوقع بينهم وبينه قتال عظيم، وثبت فيه ريحان ثبوتا عظيما كانت سلامة الناس ببركته، ثم توجه لحربه الفقيه محمد النظاري وعمر الجبني في عساكر عظيمة، فحصروه مدة، ثم أصلح العبيد ومن كان مع الخواص من الفرس وغيرهم، وامتنع هو، وتحصن في حصن جحوان، وقام معه بنو القحرى (٣).
وفي رجب: قتل الشريف جازاني بن محمد بن بركات بمكة.
وفي آخر السنة المذكورة: خرج الشريف محمد بن بركات بن محمد من مصر هاربا بمواطأة من الدويدار في ثلاثة أو أربعة من أصحابه، فكان من دلائل سعادته أن وجد خصمه بطاحا في الطريق على راحلة عليها خرج فيه أوراق ومال إلى أمراء مصر وأعيانها بأنهم يحسّنون للسلطان تقرير حميضة على ولاية مكة واعتقال الشريف بركات عنده، فقتل بطاحا، واستولى على ما معه، وجمع جمعا كثيرا من الشرق وبني لام وغيرهم، ووصل بهم إلى مكة يوم التروية، ومنع الناس من الصعود إلى عرفات حتى صالحه أمراء الحج على أربعة آلاف أشرفي يسلمونها له، وتمكن الناس من الوقوف، ففعل، ووقف مع الناس
стр. 3256
بعرفة ومزدلفة ومنى، ونهب أصحابه قافلة جاءت من جدة على باب مكة معظمها لأهل زبيد ولا قوة إلا بالله (١).
***
السنة العاشرة بعد تسع مائة
فيها: استعادت الدولة حصن الضامر بعد استيلاء أهله عليه (٢).
وفي شهر صفر: تحرك الظافر للعود إلى حصار صنعاء، فنزل بعض ولاته إلى تهامة، فجمع منها جمعا من العرب، وتوجهت فرسان العرب؛ من الزعليين والصميين والمناسكة والرقاة واللاميين والكعبيين والقحرة والمعازبة والقرشيين إلى الأبواب السلطانية، فتوجه السلطان إلى صنعاء في الشهر المذكور، فأقام برداع العرش أياما، ثم تقدم إلى ذمار، ثم إلى صنعاء، فحط عليها في الثاني والعشرين من الشهر في جموع كثيرة وآلات خطيرة، فلازم حصارهم إلى أن افتتحها بالأمان في شهر شوال كما سيأتي (٣).
وفي شعبان منها: وصل جمع من بني إبراهيم معهم الشريف حميضة بن محمد بن بركات والقائد ملحم، فدخلوا جدة قاصدين نهب محمد بن يوسف القاري وكان يحيى بن سبيع قد كتب إلى القاري يعلمه بقصدهم فيه، فشحن جميع ما معه في البحر، فلما دخلوا جدة .. لم يحصلوا على مقصودهم، فتوجهوا إلى مكة وبها الشريف قايتباي بن محمد بن بركات، فخرج الشريف قايتباي عن مكة، وواجه الترك المقيمون بها بني إبراهيم، وقرروا أحوالهم، وأنزلوهم في بيوت الأشراف، ثم ثاروا عليهم بعد ثلاثة أيام، فقتلوا في بني إبراهيم نيفا وثلاثين، وانهزم باقيهم إلى جدة، فنهبوها (٤).
وفي ثامن وعشرين رمضان: كانت الوقعة المشهورة بين الملك الظافر وبين الشريف محمد بن الحسين البهّال صاحب صعدة بموضع يقال له: قفل على نحو ثلاثة أميال من صنعاء، انهزم فيها البهّال وعسكره هزيمة ما سمع بمثلها، وأسر فيها إمام الزيدية محمد بن علي الوشلي رئيس أهل البدعة ومؤسس الفتنة، وقتل معهم جمع كثير، وأخذت خيولهم
стр. 3257
وآلاتهم، واستولى السلطان على مخيم البهّال وما احتوى عليه من السلاح والأموال، وكان السلطان عند توجهه لمحاربة البهّال ترك أخاه الشيخ عبد الملك على المحطة ومعه جمع من الجند، فلما شبت الحرب بين السلطان والبهّال .. خرج أهل صنعاء قاصدين المحطة ليشغلوا خاطر السلطان عما هو فيه، فانهزم أهل صنعاء، وقتل منهم ثلاثة نفر، ولما تحقق أهل صنعاء هزيمة البهّال وقبض إمامهم الوشلي .. أرسلوا إلى السلطان يطلبون الذمة، ويسلمون إليه البلد، فأذم عليهم، وخرج إليه أحمد بن الناصر وعبد الله بن مطهر ثاني يوم الوقعة، فأكرمهما، ثم سألاه الذمة لمحمد بن عيسى شارب، فأذم عليه، ثم خرج إليه، ثم تسلم الظافر البلد بجميع ما فيها، وأذعن كافة أهل صنعاء بالسمع والطاعة، وسلموا أنفسهم لأهل السنة والجماعة، ثم دخلها السلطان سابع شوال، وأقام بها أشهرا قرر أحوالها (١).
وفيها: توفي الفقيه أحمد بن عبد الله بلعس، والفقيه أحمد بن سالم با نقيب.
***
السنة الحادية عشرة
في ثامن المحرم منها: خرج الظافر من صنعاء إلى ذمار، واستخلف بصنعاء الفقيه محمد النظاري، فضبطها وأحسن تدبيرها، وتقدم الظافر إلى ذمار بجميع بني أسد وسائر المأسورين مع نسائهم وأولادهم، وأمر أحمد بن الناصر بإنزال جميع ما معه من أولاده وحشمه وأمواله وذخائره إلى مدينة تعز، وسكناها مجللا محترما (٢).
وفيها: توفي الشريف أبو الغارات أحمد بن دريب صاحب جازان.
***
السنة الثانية عشرة
في شهر المحرم: تسلم السلطان حصن نعمان أصاب على يد الفقيه علي بن محمد النظاري والفقيه محمد بن يحيى الجهمي المعروف بصاحب المصباح بعد طول المحطة عليه، ورتب فيه من يثق به (٣).
стр. 3258
وفي جمادى الأخرى: أخذ السلطان حصن صيرة من بلاد شرعب على يد الفقيه علي بن محمد النظاري (١).
وفي الشهر المذكور: قدم المهدي بن أحمد بن دريب رسولا من أخيه العزيز صاحب جازان بهدية إلى السلطان (٢).
وفي شعبان: فصل ريحان عن ولاية زبيد بالشريف عبد الله بن علي بن سفيان (٣).
وفيه أو في رمضان: قبض السلطان حصن ذي مرمر (٤).
وفي هذه السنة: قويت شوكة الفرنج، وحصل على المسلمين منهم ضرر عظيم في ناحية الهند وهرموز أهلكهم الله (٥).
***
السنة الثالثة عشرة
فيها: وصل حسين الكردي أمير صاحب مصر من جدة في ثلاثة أغربة وثلاث برشات قاصدا الهند، ولم يعلم أحد قصده حتى مرّ بباب المندب، فلما وصل عدن .. استأذن أميرها مرجان الظافري في الدخول إلى حقّات، فأذن له، فدخل حقّات متأدبا، وأضافه الأمير مرجان بضيافة عظيمة، وأذن له في شحنة ما يحتاج إليه من ماء وحطب وغير ذلك، وقصده من أهل عدن [جماعة] منهم محمد باجعيدان مترفدين، فلم يخيب قصدهم، ونزل جماعة من أصحابه إلى البلد يقضون حوائجهم، ونادى [ ... ] (٦) في البلد بأن الناس في أمان الله وأمان السلطان قانصوه الغوري، فنقم على ذلك الأمير مرجان حيث مكنهم من هذا النداء، ثم توجه بجيشه إلى الديو لقتال الإفرنج الذين ظهروا في البحر وقطعوا طرق المسلمين (٧).
وفي هذه السنة: استولت الفرنج على هرموز، وآمنوا من بها من المسلمين من التجار
стр. 3259
وغيرهم، وبنوا بها حصنا، وشرطوا على صاحبها قطعة معلومة في كل سنة من المعشّر والمغاص وغير ذلك (١).
وفي ذي الحجة: أخذ الشيخ عبد الملك بن عبد الوهاب حصون أصاب قهرا بعد أن قتل من أهلها جمعا كثيرا، حاربهم في بعض الأيام إلى أن غربت الشمس، وأمسى تحت الحصن، فلما أظلم الليل .. هرب أهلها بأولادهم ونسائهم، فلما أصبح الشيخ عبد الملك .. طلع الحصن، فلم يجد به أحدا، ونادى لمن رجع بالأمان، ورتب فيه من يثق به، ثم توجه إلى أخيه السلطان (٢).
***
السنة الرابعة عشرة
في أولها: توجه السلطان من ذمار إلى صنعاء ليتفقد تلك الجهات ويجدد العهد بها، فأقام بها مدة، وحصر أبا ريحان بن شارب في حصن ذي مرمر مدة طويلة حتى أخذ الحصن، وقبض على أبي ريحان، وأخذ حصن النصر (٣) والعروس والظبة والرقبة.
وفي ربيع الثاني: نزل إبراهيم الخواص من الهيجا في جمع كثير من العبيد وبني القحرى في محمل على جمل، وتقدم إلى بيت ابن عجيل، وزار قبر الفقيه أحمد بن موسى، وقرأ عند الضريح المبارك مقدمة من القرآن، ثم رجع إلى مكانه، وتعرض له جماعة من الدولة، فقتل منهم فئة (٤).
وفي شوال: توفي الشيخ أبو بكر بن عبد الله العيدروس باعلوي بعدن.
***
السنة الخامسة عشرة
في رجب منها: مات محمد بن حسين البهال صاحب صعدة.
وفيها: وقع حريق عظيم بعدن لم يعهد مثله، ابتدأ من قرب تربة الشريف أبي بكر، وأخذ في جهة الشرق إلى مسجد مسعود كبير محمد ومظلة باشكيل الكبيرة، وفي جهة القبلة
стр. 3260
إلى جهة الشيخ جوهر، ثم إلى مسجد ابن حيس وحافة المقادشة، ثم رجع شرقا إلى سوق الجريد، وذلك أنه صادف شمالا قوية.
ثم بعد ذلك بأيام حصل بعدن مطر عظيم امتلأت منه السبل وغيرها (١).
وفي هذه السنة: تغورت مراكب السلطان على [أثر] خروجها من الهند، ولم يسلم منها إلا مركب واحد (٢).
وفي ذي الحجة: رجع حجاج اليمن من الواديين، وذلك أنه بلغ الشريف بركات أنهم في العام الذي قبله دخلوا إلى مكة من ناحية البر بمعشر كثير لم يطلع عليه نوابه، فمنع الناس من الوصول إلى مكة من ناحية البر، فرجعوا من المكان المذكور ولم يكن بينهم وبين مكة إلا أيام يسيرة (٣).
***
السنة السادسة عشرة
فيها: قبض السلطان حصون ابن مناع ومعاقله المنيعة، وهي: الظاهرة والطاحن وتنعم والجميمة (٤) والمصنعة، وهرب سليمان المتاعي في الجبال، ونزل من كان معه من الزيديين، واستجاروا بتربة الشريف القديمي (٥).
***
السنة السابعة عشرة
في جمادى: افتتح السلطان جهات مغارب صنعاء على يد الأمير علي بن محمد البعداني، وتوغل فيها حتى أشرف على مأرب، وتسلم حصون أهل المغارب، وتسلم حصن ثلا، وحصون الشيخ، وكوكبان بعد أمور عظيمة وجهد شديد (٦).