مخضرم أدرك النبي ﷺ ، وأسلم في زمنه ولم يره، فهو من كبار التابعين.
روى عن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وغيرهم.
حج مائة حجة، وقيل: سبعين، وأدى صدقته إلى عمال النبي ﷺ .
قال: قدم علينا معاذ بن جبل رسولا من عند رسول الله ﷺ مع السحر رافعا صوته بالتكبير، وكان حسن الصوت، فألقيت عليه مجني، فما فارقته حتى جعلت التراب عليه.
ثم صحب ابن مسعود، وكان صالحا قانتا ممن يذكر الله برؤيته، وهو الذي روى البخاري في «صحيحه» عنه قصة رجم القردة للقردة التي زنت في الجاهلية (١).
توفي سنة خمس وسبعين، وقيل: أربع.
٤٠٩ - [الأسود بن يزيد النخعي] (٢)
الأسود بن يزيد بن قيس بن عبد الله بن علقمة النخعي أبو عمرو أو أبو عبد الرحمن الكوفي التابعي الفقيه العابد الجليل.
خال إبراهيم بن يزيد النخعي، وابن أخي علقمة بن قيس، وكان أسن من علقمة، رأى أبا بكر وعمر، وروى عن علي، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل وغيرهم من الصحابة.
كان يصلي كل يوم وليلة سبع مائة ركعة، وحج ثمانين حجة، واعتمر كذلك مفردين في سنة.
واتفقوا على توثيقه وجلالته، وهو الذي استسقى به معاوية، فقال: اللهم؛ إنا نستسقي إليك بخيرنا وأفضلنا الأسود بن يزيد، وقال له: ارفع يديك، فرفع يديه ودعا فسقوا.
توفي سنة خمس وسبعين، ﵁.
стр. 422
٤١٠ - [زائدة بن قدامة] (١)
زائدة بن قدامة ابن عم المختار بن أبي عبيد الثقفي، الذي أخرجه الحجاج لقتال شبيب بن يزيد الخارجي، فقتله شبيب في سنة ست وسبعين.
٤١١ - [شبيب بن يزيد الخارجي] (٢)
شبيب بن يزيد بن نعيم الشيباني الخارجي، بل رأس الخوارج بالجزيرة.
وكان فارس زمانه، بعث لحربه الحجاج خمسة وعشرين جيشا، وكان قد خرج هو وأخوه فقتلهم، ويقال: إنه هزم للحجاج خمسة وعشرين جيشا.
أقبل هو وأخوه مصاد والمحلل بن وائل وإبراهيم بن حجر والفضل بن عامر الذهلي في جماعة من الخوارج إلى صالح بن مسرح العابد التميمي وأصحابه، فصاروا نحو مائة نفس، فشدوا على خيل لمحمد بن مروان، فأخذوها وقويت شوكتهم، فسار لحربهم عدي بن عدي بن عمير الكندي، فانهزم عدي، وتوفي صالح سنة ست وسبعين من جراحات، فعهد إلى شبيب فهزم العساكر، فندب الحجاج لحربه زائدة بن قدامة الثقفي، فقتل زائدة وهزم جيشه، ودخلت زوجته غزالة الكوفة، فصلت بمسجدها، ووفت بنذرها، والحجاج محصور في قصره لم يخرج له، وكانت غزالة عديمة النظير في الشجاعة، فعيّر بعضهم الحجاج بقوله: [من الكامل]
أسد عليّ وفي الحروب نعامة ... فتخاء تنفر من صفير الصافر
هلا برزت إلى غزالة في الوغى ... بل كان قلبك في جناحي طائر
وكانت أم شبيب جهيزة تشهد الحروب معه، وهزم شبيب جيوش الحجاج مرات، وقتل عدة من الأشراف، وتزلزل له عبد الملك، وتحير الحجاج في أمره فقال: أعياني هذا، وجمع له جيشا كثيفا نحو خمسين ألفا، وعرض شبيب جنده فكانوا ألفا وقال: يا قوم؛
стр. 423
إن الله نصركم وأنتم مائة، فأنتم اليوم مئون، ثم ثبت معه ست مائة، فحمل في مائتين على الميسرة فهزمها، وقتل مقدم جيش الحجاج عتاب بن ورقاء، فلما رآه شبيب صريعا ..
توجع له، فقال له خارجي: يا أمير المؤمنين؛ تتوجع لكافر، ثم نادى شبيب برفع السيف، ودعا إلى طاعته، فبايعوه ثم هربوا في الليل، ثم جاء المدد من الشام، فالتقاه الحجاج بنفسه، فكان بينهما قتال لم يعهد مثله، وثبت الفريقان، وقتل مصاد أخو شبيب وزوجته غزالة، وحجز بينهم الليل، وتقهقر شبيب وهو يخفق رأسه، والطلب في أثره، ثم رجع عنه الطلب، وسار هو إلى الأهواز، فبرز له متوليها محمد بن موسى بن طلحة، فقتله شبيب ومضى إلى كرمان، فأقام بها شهرين، ثم رجع فالتقاه سفيان بن الأبرد الكلبي وحبيب الحكمي على جسر دجيل فاقتتلوا إلى الليل، فعبر شبيب على الجسر، فقطع به فغرق، وقيل: بل نفر به فرسه فألقاه في الماء وعليه الحديد فغرق فمات، وذلك في سنة سبع وسبعين، وألقاه دجيل إلى الساحل ميتا، فحمل على البريد إلى الحجاج، فشقّ جوفه، وأخرج قلبه وشق؛ فإذا داخله قلب آخر، وعمره إحدى وخمسون سنة.
ولما أخبرت به أمه .. قالت: لما ولدته .. رأيت كأنه خرج مني شهاب نار، فعلمت أنه لا يطفئه إلا الماء، كذا في «تاريخ الذهبي» (١).
وذكر اليافعي في «تاريخه»: أن أمه قتلت قبله (٢)، والله سبحانه أعلم.
قيل: أحضر إلى عبد الملك عتبان الحروري، فقال له: أنت القائل: [من الطويل]
فإن يك منكم كان مروان وابنه ... وعمرو ومنكم هاشم وحبيب
فمنا حصين والبطين وقعنب ... ومنا أمير المؤمنين شبيب
قال: إنما قلت:
ومنا أمير المؤمنين شبيب
على النداء.
فأعجبه جوابه فأطلقه.
قلت: وجهيزة: بفتح الجيم وكسر الهاء وسكون الياء المثناة من تحت وفتح الزاي وبعدها هاء ساكنة، وهي التي يضرب بها المثل في الحمق، فيقال: أحمق من جهيزة.
стр. 424
ودجيل: بضم الدال المهملة وفتح الجيم وسكون الياء المثناة من تحت، وهو نهر عظيم بنواحي الأهواز وتلك البلاد، مخرجه من جهة أصبهان، وحفره أردشير بن بابك أول ملوك بني ساسان ملوك الفرس بالمدائن، وهو غير دجيل بغداد؛ لأن ذلك مخرجه من دجلة مقابل القادسية في الجانب الغربي بين تكريت وبغداد.
وعتبان: بكسر العين المهملة وسكون التاء المثناة من فوق وفتح الباء الموحدة وبعد الألف نون.
والحروري: بفتح الحاء المهملة وضم الراء وسكون الواو بعدها راء، هذه النسبة إلى حروراء بالمد، وهي قرية بناحية الكوفة، كان أول اجتماع الخوارج بها فنسبوا إليها، كذا ذكر ذلك ابن خلكان في «تاريخه» (١)، والله أعلم.
٤١٢ - [جابر بن عبد الله بن حرام] (٢)
جابر بن عبد الله بن حرام-بمهملتين-ابن عمرو بن سواد بن سلمة-بكسر اللام- الأنصاري السلمي-بفتحتين-أبو محمد أو أبو عبد الرحمن المدني، الصحابي ابن الصحابي.
استشهد أبوه يوم أحد، فأحياه الله وكلمه كفاحا.
قال جابر: غزوت مع رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة، لم أشهد بدرا ولا أحدا، منعني أبي، فلما قتل أبي .. لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة قط.
وقال ﵁: كنت أنا وأبي وخالي من أصحاب العقبة.
توفي سنة ثمان وسبعين-وقيل: ثلاث وسبعين، ورجحه النووي في «التهذيب» (٣) - وهو ابن أربع وتسعين سنة، وهو آخر من مات من أهل العقبة.
قلت: وفي «الكفاية» للعلامة عبد الله بن محمد بن أحمد بافضل: وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة في قول، ﵃.
стр. 425
٤١٣ - [زيد بن خالد الجهني] (١)
زيد بن خالد الجهني أبو عبد الرحمن الصحابي.
شهد الحديبية، وكان معه لواء جهينة يوم الفتح، وسكن المدينة وتوفي بها-وقيل:
بالكوفة، وقيل: بمصر-سنة ثمان وسبعين، وقيل: ثمان وستين، ورجحه النووي في «تهذيبه» (٢)، وقيل: غير ذلك.
قلت: وفي «الكفاية» للفقيه عبد الله: [ .... ] (٣) عن خمس وثمانين.
٤١٤ - [عبد الرحمن بن غنم] (٤)
عبد الرحمن بن غنم بن كريب بن هاني الأشعري.
ذكره جماعة في الصحابة، قالوا: قدم إلى رسول الله ﷺ في السفينة مع أبي موسى الأشعري وأصحابه، وأنكر آخرون صحبته، وقالوا: هو تابعي مخضرم، كان مسلما في عهده ﷺ ولم يره.
بعثه عمر ﵁ يفقه الناس، تفقه به عامة التابعين بالشام، وكانت له جلالة، سكن فلسطين وقدم مصر ودمشق.
توفي سنة ثمان وسبعين، ﵁.
٤١٥ - [شريح القاضي] (٥)
شريح القاضي بن الحارث بن قيس بن الجهم بن معاوية الكندي الكوفي التابعي أبو أمية.
стр. 426
أدرك زمن النبي ﷺ ، ولم يلقه على المشهور.
ولي القضاء بالكوفة لعمر ﵁ في سنة اثنتين وعشرين فمن بعده من الخلفاء إلى أيام الحجاج، فاستعفى الحجاج فأعفاه، وكان يوم استعفائه عمره مائة وعشرين سنة، وعاش سنة بعد ذلك؛ فمدة ولايته في القضاء ستون سنة، وتوفي سنة ثمان وسبعين.
وقال له علي ﵁: أنت أقضى العرب، واتفقوا على توثيقه ودينه وفضله وذكائه، وأنه أعلمهم بالقضاء.
وكان ﵁ أبظر؛ أي ناتئ الشفة، ولذلك قال له علي: أيها العبد الأبظر.
وكان أحد الطلس الذين لا شعر بوجوههم، ومنهم: قيس بن سعد بن عبادة.
وكانت الأنصار تقول: لو أن اللحى تشترى .. لاشتريناها لقيس والأحنف بن قيس السيد الحليم.
وكان شريح مزاحا، دخل عليه ابن أرطأة، فقال له: أين أنت أصلحك الله؟ ! قال:
بينك وبين الحائط، قال: إني رجل من أهل الشام، قال: مكان سحيق، قال: وتزوجت عندكم، قال: بالرفاء والبنين، قال: وأردت أن أرحلها، قال: الرجل أحق بأهله، قال: وشرطت لها دارا، قال: المؤمنون عند شروطهم، وفي رواية قال: الشرط أملك، قال: فاحكم الآن بيننا، قال: قد فعلت، فقال: فعلى من حكمت؟ قال: على ابن أمك، قال: بشهادة من؟ قال: بشهادة ابن أخت خالتك.
وكان لشريح امرأة تسمى زينب، يحبها حبا شديدا، فنقم عليها في شيء فضربها، ثم ندم وقال: [من الطويل]
رأيت رجالا يضربون نساءهم ... فشلّت يميني يوم أضرب زينبا
أأضربها من غير ذنب أتت به ... فما العدل في ضرب لمن ليس مذنبا
قلت: وضبط الأبظر: هو بفتح الهمزة وبعدها باء موحدة وظاء منقوطة مشالة وراء، كذا ذكره في «صحاح الجوهري» في مادة (بظر).
ولم يذكر الجد رحمه الله تعالى من الطلس إلا ثلاثة، وفي «تاريخ ابن خلكان»:
(وكان شريح أحد السادة الطلس، وهم أربعة: عبد الله بن الزبير، وقيس بن سعد بن
стр. 427
عبادة، والأحنف بن قيس الذي يضرب به المثل في الحلم، والقاضي شريح) (١)، والله أعلم.
٤١٦ - [قطري بن الفجاءة] (٢)
قطري بن الفجاءة، واسم الفجاءة: جعونة بن مازن التميمي المازني أبو نعامة البطل المشهور رأس الخوارج.
كان خطيبا بليغا فصيحا شجاعا مقداما قوي النفس لا يهاب الموت، وفي ذلك يقول مخاطبا لنفسه: [من الوافر]
أقول لها وقد طارت شعاعا ... من الأبطال ويحك لن تراعي
فإنك لو سألت بقاء يوم ... على الأجل الذي لك لن تطاعي
فصبرا في مجال الموت صبرا ... فما نيل الخلود بمستطاع
ولا ثوب الحياة بثوب عز ... فيطوى عن أخي الخنع اليراع
سبيل الموت غاية كل حي ... وداعيه لأهل الأرض داع
ومن لم يعتبط يسأم ويهرم ... وتسلمه المنون إلى انقطاع
وما للمرء خير في حياة ... إذا ما عدّ من سقط المتاع
خرج من ابن الزبير فهزم الجيوش، واستفحل أمره، وجهز إليه الحجاج جيشا بعد جيش وهو يكسرهم، وتغلب على بلاد فارس، وله وقائع مشهورة، وشجاعة لم يسمع بمثلها، حارب بضع عشرة سنة، وكان يسلم عليه بالخلافة إلى أن سار لحربه سفيان بن الأبرد الكلبي بعد قتله لشبيب، فانتصر عليه وقتله، وقيل: عثرت به الفرس فانكسرت فخذه بطبرستان، فظفروا به وحمل رأسه سنة تسع وسبعين إلى الحجاج.
стр. 428
٤١٧ - [عبيد الله الثقفي] (١)
عبيد الله-مصغرا-ابن أبي بكرة الثقفي الأمير، ولد سنة أربع عشرة، وولي قضاء البصرة، وولي إمرة سجستان سنة خمسين، ثم عزل بعد ثلاث سنين، ثم وليها في إمرة الحجاج.
روى عن أبيه وغيره، وكان جوادا ممدحا شجاعا كبير القدر، يعتق في كل عيد مائة مملوك، قيل: كان ينفق على مائة وستين دارا من جيران داره، ووصل ابن مفرّغ الشاعر بخمسين ألفا.
قيل: إن المهلب طلب منه لبن بقر، فبعث إليه سبع مائة بقرة ورعاتها، وكان أسود اللون، وله أخبار في الكرم، توفي بسجستان سنة تسع وسبعين.
٤١٨ - [عبيد الله بن عبد الله بن عتبة] (٢)
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي المدني التابعي الجليل، أحد فقهاء المدينة السبعة، وسيأتي بيانهم في ترجمة خارجة بن زيد بن ثابت، ونذكر أيضا إن شاء الله تعالى كلاما في موضعه (٣).
سمع عبيد الله جمعا من الصحابة، وسمع منه خلق من التابعين.
واتفقوا على إمامته وجلالته وعظم قدره ومنزلته، كان عالما فقيها كثير الحديث والعلم شاعرا، وكان ابن عباس يعزه ويجله، توفي سنة ثمان وسبعين.
٤١٩ - [عبد الله بن جعفر] (٤)
عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي أبو جعفر، الصحابي
стр. 429
ابن الصحابيين، والجواد ابن الجواد أخو الجواد، أخو محمد بن أبي بكر الصديق ويحيى بن علي بن أبي طالب لأمهما، أمهم: أسماء بنت عميس الخثعمية.
وكان جعفر هاجر بزوجته أسماء إلى الحبشة، فولدت له بها عبد الله، وهو أول مولود في الإسلام بالحبشة، وقدم عبد الله مع أبويه من الحبشة مهاجرين إلى المدينة.
وتوفي رسول الله ﷺ ولعبد الله عشر سنين.
وكان كريما جوادا حليما، يسمى: بحر الجود، حتى قيل: لم يكن في الإسلام أسخى منه.
روي: أنه كان أقرض الزبير ألف ألف درهم، فلما قتل الزبير .. قال ابنه عبد الله لعبد الله بن جعفر: وجدت في كتب أبي أن له عليك ألف ألف درهم، قال: هو صدوق، فاقبضها إذا شئت، ثم لقيه فقال: يا أبا جعفر؛ إني وهمت، إن المال لك على أبي، قال: هو له لا أريد ذلك، قال: فإن شئت .. فهو لك، وإن كرهت ذلك .. فلك فيه نظرة ما شئت.
وكان ابن عمر إذا سلم على عبد الله بن جعفر .. قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين.
توفي سنة ثمانين على الصحيح بالمدينة عن ثمانين، وقيل: توفي سنة تسعين.
قلت: قال السيد الشريف الفاسي في «تاريخه»: (واختلف في وفاة عبد الله بن جعفر؛ فقيل: سنة ثمانين من الهجرة، وبه جزم الزبير بن بكار، ورجحه ابن عبد البر، قال: وهو ابن تسعين سنة، وذكر النووي: أنه الصحيح، وذكر المزي: أنه الأصح) (١)، وذلك موافق لما قدمه الجد رحمه الله تعالى من أنه أول مولود ولد في الإسلام بالحبشة.
٤٢٠ - [أسلم مولى عمر بن الخطاب] (٢)
أسلم مولى عمر بن الخطاب ﵁ القرشي العدوي المدني أبو خالد وأبو زيد، من سبي اليمن، وعن سعيد بن المسيب أنه حبشي.
стр. 430
قالوا: بعث أبو بكر الصديق عمر ﵄ سنة إحدى عشرة، فأقام للناس الحج، واشترى أسلم.
سمع أسلم أبا بكر وعمر وعثمان وأبا عبيدة ومعاذ بن جبل وغيرهم من الصحابة.
وروى عنه جمع من التابعين، وحضر الجابية مع عمر، واتفق الحفاظ على توثيقه.
وتوفي بالمدينة سنة ثمانين عن مائة وأربع عشرة سنة.
وقول البخاري: (صلّى عليه مروان) (١) يخالف ما تقدم من تاريخ وفاته؛ لأن مروان مات سنة خمس وستين (٢).
٤٢١ - [جبير بن نفير] (٣)
جبير بن نفير الحضرمي أبو عبد الرحمن.
أسلم في اليمن في حياة النبي ﷺ ولم يره، وهو من كبار تابعي الشام، ولأبيه صحبة.
توفي سنة ثمانين.
٤٢٢ - [عبد الرحمن بن عبد القاري] (٤)
عبد الرحمن بن عبد القاري نسبة إلى القارة، وهو من ولد الهون بن خزيمة، أخي أسد بن خزيمة.
ولد عبد الرحمن على عهد رسول الله ﷺ وليس له منه سماع ولا رواية، وقال محمد بن عمر الواقدي: هو صحابي، وذكره في كتاب «الطبقات» في
стр. 431
جملة من ولد على عهد رسول الله ﷺ ، قال: (وكان مع عبد الله بن الأرقم على بيت المال في خلافة عمر ﵁ انتهى.
توفي سنة ثمانين.
٤٢٣ - [حسان بن النعمان الغساني] (١)
حسان بن النعمان بن المنذر الغساني من ملوك العرب، ولي المغرب فهذبه وعمره، وكان بطلا شجاعا مجاهدا، لبيبا، ميمون النقيبة كبير القدر.
وجهه معاوية في سنة سبع وخمسين فصالح البربر، ورتب عليهم الخراج، وانعمرت به البلاد، وله غزوات مشهورة بعد قتل الكاهنة.
توفي سنة ثمانين غازيا الروم، وقيل: إنه بقي إلى أيام الوليد بن عبد الملك بن مروان وأن الوليد عزله وبعث نوابا عوضه، فقدم حسان على الوليد بأموال عظيمة وتحف، وقال:
يا أمير المؤمنين؛ إنما ذهبت مجاهدا، وما مثلي من يخون، قال: إني رادك إلى عملك، فحلف أنه لا يلي شيئا أبدا، وكان يدعى: الشيخ الأمين.
قال الذهبي: (فلعل الذي عزله عبد الملك لا الوليد) (٢)، والله أعلم.
٤٢٤ - [معبد الجهني] (٣)
معبد بن عبد الله بن عويمر، وقيل: عبد الله بن عكيم الجهني، وقيل: هو معبد بن خالد الجهني.
نزيل البصرة، وأول من تكلم بالقدر في زمن الصحابة، فأنكر عليه ابن عمر وغيره من الصحابة ﵃، وكان مع بدعته من علماء الوقت ورواة الحديث.
قال الجوزجاني: كان قوم يتكلمون في القدر، احتمل الناس حديثهم لما عرفوا ما عندهم من الصدق والأمانة والاجتهاد في الدين، ولم يتوهم عليهم الكذب، وإن بلوا بسوء رأيهم، منهم: معبد الجهني وقتادة، ومعبد رأسهم.
стр. 432
وقال الأوزاعي: أول من نطق في القدر سوسن بالعراق، كان نصرانيا فأسلم ثم تنصر، فأخذ عنه معبد، وأخذ غيلان القدري عن معبد.
وكان الحسن يقول: إياكم ومعبدا؛ فإنه ضال مضل.
وقال طاوس: احذروا قول معبد؛ فإنه كان قدريا.
قال خليفة: (مات قبل التسعين) (١).
وقال سعيد بن عفير: في سنة ثمانين صلب عبد الملك معبدا الجهنيّ بدمشق.
وقال مالك بن دينار: لقيت معبدا بمكة بعد فتنة ابن الأشعث وهو جريح قد قاتل الحجاج في المواطن كلها.
وعن صدقة بن يزيد قال: كان الحجاج يعذب معبدا الجهني بأصناف العذاب ولا يجزع.
قال الذهبي: (يمكن أن يكون عبد الملك صلبه في سنة ثمانين حيا، ثم أطلقه) (٢).
قلت: ومما وقفت عليه في «تهذيب الكمال» للحافظ أبي الحجاج المزي ناقلا عن صدقة بن يزيد المذكور قال: (كان الحجاج يعذب معبدا الجهني بأصناف العذاب ولا يجزع ولا يستغيث، وكان إذا ترك من العذاب .. تقع عليه ذبابة فيصيح ويضج، فيقال له؟ ! فيقول: إن هذا من عذاب بني آدم؛ فأنا أصبر، والذباب من عذاب الله؛ فلست أصبر عليه) اهـ (٣) والله أعلم.
٤٢٥ - [شريح بن هاني] (٤)
شريح بن هاني الحارثي المذحجي الكوفي الفقيه، يكنى: أبا المقدام.
أدرك النبيّ ﷺ ودعا له، وبه كان يكني النبيّ ﷺ أباه
стр. 433
هانئا بأبي شريح، وصحب شريح المذكور عليا ﵁، وهو مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، وعاش إلى زمن الحجاج، وفي ذلك يقول: [من الرجز]
أصبحت ذا بثّ أقاسي الكبرا ... قد عشت بين المشركين أعصرا
ثمّت أدركت النبيّ المنذرا ... وبعده صدّيقه وعمرا
والجمع في صفّينهم والنّهرا ... ويوم مهران ويوم تسترا
وباجميرات مع المشقّرا ... هيهات ما أطول هذا عمرا
قال خليفة بن خياط: (وفي سنة ثمان وسبعين ولى الحجاج عبيد الله بن أبي بكرة سجستان، فوجه عبيد الله أبا بزدعة، فأخذ عليه المضيق، وقتل شريح بن هاني، وأصاب المسلمين ضيق وجوع شديد، فهلك عامة ذلك الجيش) (١).
قال أبو حاتم السجستاني: (عاش شريح بن هاني مائة وعشرين سنة) (٢).
٤٢٦ - [أبو إدريس الخولاني] (٣)
أبو إدريس الخولاني، واسمه: عائذ الله بن عبد الله، ويقال فيه: عبد الله بن إدريس بن عائذ بن عبد الله بن عتبة.
قاضي دمشق وعالمها وواعظها.
ولد عام الفتح، وحدث عن أبي ذر، وأبي الدرداء، وأبي موسى، وحذيفة، وغيرهم من الصحابة.
وحدث عنه مكحول، وابن شهاب الزهري، وخلق من التابعين.
حدث يوما عن بعض مغازي رسول الله ﷺ حتى استوعب الغزاة؟ فقال رجل من ناحية المسجد: أحضرت هذه الغزوة؟ فقال: لا، فقال الرجل: قد حضرتها مع رسول الله ﷺ ، ولأنت أحفظ بها مني.
стр. 434
وكان يقص ويقضي بدمشق، فعزله عبد الملك عن القصص، وأقره على القضاء، فقال: عزلتموني عن رغبتي، وتركتموني في رهبتي.
قال الحافظ الذهبي: (وكان القاصّ في الصدر الأول له صورة عظيمة في العلم والعمل) (١).
توفي رحمه الله تعالى سنة ثمانين؛ فيكون عمره ثنتين وسبعين، ولأبيه صحبة.
والله أعلم
***
стр. 435
ذكر الأحداث
لاستقبال سنة إحدى وستين إلى آخر أيام سنة
طبقة العشرين الرابعة من الهجرة
السنة الحادية والستون
في يوم عاشوراء: استشهد ابن البتول وسبط الرسول الحسين بن علي ﵁، قتل بكربلاء في جماعة من أهل بيته ينيفون على العشرين، وقتل من جماعته غير أهل بيته نحو الخمسين.
وفيها: توفي حمزة بن عمرو الأسلمي الصحابي، وأم سلمة هند بنت أبي أمية المخزومية أم المؤمنين، وهي آخر أزواج النبي ﷺ موتا.
وفيها: توفي المنذر بن الجارود أمير ثغر الهند به.
وفيها: ولد عمر بن عبد العزيز، وهشام بن عروة، والزهري، وقتادة، والأعمش.
وفيها: أظهر عبد الله بن الزبير الخلاف، وظفر بأخيه عمرو، فأقامه للناس؛ فكان كل من ادعى عليه ضربا أو مكروها .. أقاده منه بغير بينة، وضربه حتى مات (١).
وفيها: خرج أبو بلال مرداس بن أديّة التميمي في أربعين رجلا، فأخرج إليهم ابن زياد أسلم بن زرعة الكلابيّ في ألفين، فهزمهم أبو بلال، فبعث إليه عباد بن علقمة المازنيّ، فقتلهم غيلة وهم يصلون؛ فكان الصبيان يصيحون إذا اجتاز عليهم أسلم بن زرعة: أبو بلال وراءك، فلما عنفه ابن زياد .. قال: لأن يذمني الأمير حيا خير من أن يمدحني ميتا (٢).
***
السنة الثانية والستون
فيها: حكم نجدة الحروري باليمامة (٣).
стр. 436
وفيها: غزا عقبة بن نافع عامل إفريقية السوس الأدنى (١).
وفيها: ولد محمد بن علي بن عبد الله بن عباس أبو السفاح (٢).
وفيها: توفي بريدة بن الحصيب الأسلمي، وعبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وعلقمة بن قيس النخعي الفقيه صاحب ابن مسعود بخلف، ومسلم بن مخلد، وأبو مسلم الخولاني.
***
السنة الثالثة والستون
فيها: كانت بالمدينة وقعة الحرّة المشهورة، وذلك: أن جماعة من الأنصار أهل المدينة وفدوا إلى يزيد، فأكرمهم وأجزل صلتهم، لكن رأوا منه في أمر الدين ما لا يرتضونه، فلما أخبروهم بما رأوا من التهاون في أمر الدين .. تحالفوا وخرجوا على يزيد، وبايعوا عبد الله بن حنظلة الغسيل الأنصاري، وأخرجوا عامل يزيد على المدينة، وأخرجوا من المدينة مروان بن الحكم وجميع بني أمية، فجهز يزيد لحربهم جيشا كثيفا، وأمّر على جيشه مسلم بن عقبة المري، فخرج له أهل المدينة إلى حرّة واقم، والتقى الجيشان بها لثلاث بقين من ذي الحجة، فقتل من أولاد المهاجرين والأنصار ما ينيف على ثلاث مائة، منهم: محمد بن ثابت بن قيس بن شماس، ومحمد بن عمرو بن حزم، ومحمد بن أبي جهم بن حذيفة، ومحمد بن أبي بن كعب، ومعاذ بن الحارث أبو حليمة الأنصاري الذي أقامه عمر يصلي التراويح بالناس، ويعقوب من نسل طلحة بن عبيد الله التميمي، وكثير بن أفلح أحد كتاب المصاحف اللاتي أرسلها عثمان، وأبو أفلح مولى أبي عبيدة.
وقتل من قريش والمهاجرين والأنصار ما ينيف على سبع مائة، منهم: معقل بن سنان، وعبد الله بن حنظلة الغسيل، وعبد الله بن زيد بن عاصم المازني الذي روى وضوء النبي ﷺ وحديث الاستلقاء.
ونهبت المدينة ثلاثة أيام، ولم يصل في المسجد في هذه الأيام جماعة، وإنما كان يصلي فيه سعيد بن المسيب وحده، كان إذا دخل الوقت .. سمع النداء من الحجرة الشريفة، ولم يسلم من القتل حتى شهد له بأنه مجنون.
стр. 437
وبايع مسلم بن عقبة-بل هو مسرف-أهل المدينة على أنهم عبيد قنّ ليزيد بن معاوية؛ إن شاء .. باع، وإن شاء .. أعتق، غير علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وعلي بن عبد الله بن العباس، أما الأول: فتركه لوصية يزيد له فيه باحترامه ومراعاته، وأما الثاني:
فتركه لقرب أخواله اليمنيين عنه.
والعجب: أن مسلما المذكور شهد العقبة وعمل هذه الأعمال القبيحة وهو مريض في محفة، كأنه خرج للجهاد في سبيل الله، نعوذ بالله من سخط الله (١)!
وفي هذه السنة: توفي مسروق بن الأجدع الفقيه العابد المشهور.
***
السنة الرابعة والستون
فيها: سار مسلم بن عقبة من المدينة بعد أن فرغ منها قتلا ونهبا إلى مكة لمحاربة ابن الزبير؛ لأنه لم يبايع ليزيد، فمات مسلم بقديد لسبع بقين من المحرم بعد وقعة الحرة بخمسة وعشرين يوما، واستخلف على جيشه الحصين بن نمير بإشارة من يزيد؛ لأن مسلم بن عقبة خرج من الشام وهو مريض، فقال له يزيد: إن مت .. فأمير الجيش الحصين بن نمير، فسار الحصين بالجيش، فحاصر ابن الزبير بمكة أربعة وستين يوما، ونصبوا المنجنيق على الكعبة، ورموها بالأحجار وبالنار، وذلك في شهر ربيع الأول، فاحترقت أستار الكعبة، قيل: واحترق بها قرنا كبش إسماعيل، وقتل في الحصار بحجر المنجنيق المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري، ووقعت صاعقة فأحرقت من أصحاب المنجنيق أحد عشر رجلا، وتضعضعت الكعبة من الرمي بالمنجنيق (٢).
وفيها: مات يزيد بن معاوية بالشام لنيف وسبعين يوما من وقعة الحرة؛ تصديقا للحديث: «من أراد أهل المدينة بسوء .. أذابه الله كما يذوب الملح في الماء» (٣) فبلغ خبر موته إلى ابن الزبير وهو محصور قبل أن يبلغ الحاصرين ذلك، فقال لهم: على طاعة من تقاتلون؟ قالوا: على طاعة يزيد بن معاوية، قال: إنه قد توفي.
стр. 438
ولما تحققوا وفاته .. نقضوا الحصار، وبايع ابن الزبير أهل الحرمين وأهل العراق واليمن حتى كاد أن تجتمع الأمة عليه، وأراد الحصين بن نمير أمير جيش يزيد الدخول في طاعة ابن الزبير ومبايعته، فنفر بجيشه راجعا إلى الشام (١).
وفيها: غلب على دمشق الضحاك بن قيس الفهري، وفي صحبته خلاف، فدعا إلى ابن الزبير، ثم تركه ودعا إلى نفسه، وانحاز عنه مروان بن الحكم في بني أمية إلى أرض حوران، وهاجت الفتنة بالبصرة، فأخرجوا عبيد الله بن زياد منها، وولّوا على أنفسهم عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الملقب بببّة إلى أن يأتيهم وال من قبل ابن الزبير، وطرد أهل الكوفة واليهم عمرو بن حريث المخزومي خليفة ابن زياد، وولّوا أمرهم عامر بن مسعود بن أمية بن خلف الجمحي، وبعث ابن الزبير عماله إلى البصرة والكوفة، واستوثق له الأمر في جميع البلدان ما عدا الأردن وحوران.
ولما أخرج عبيد الله بن زياد من البصرة .. قصد الشام، فوافق مروان وبني أمية بحوران، ويقال: إن مروان كان قد هم بالوصول إلى ابن الزبير ومبايعته والدخول في طاعته، فثنى عزمه عن السداد عبيد الله بن زياد، وقال: يقبح بمثلك أن يكون شيخ قريش ثم يبايع غيرك، فقوي عزمه على طلب الملك، وبايعه على ذلك عبيد الله بن زياد وبنو أمية، فجمع العسكر وتقدم إلى دمشق لمحاربة الضحاك بن قيس الفهري، فالتقوا بمرج راهط، فقتل الضحاك في نحو ثلاثة آلاف من أصحابه، وسار أمير حمص يومئذ النعمان بن بشير الأنصاري لينصر الضحاك، فقتله أصحاب مروان (٢).
وفيها: وقع بالبصرة الطاعون، وماتت فيهم أمّ أميرهم، فلم يوجد من يحملها، مات بالطاعون المذكور الوليد بن عتبة بن أبي سفيان (٣).
وفيها: توفي ربيعة الجرشي.
وفيها: خرجت الخوارج من سجن البصرة، وهم سبع مائة، منهم: نافع بن الأزرق، ونجدة بن عويمر الحنفي، وهؤلاء رءوس الخوارج وأصحاب المقالات، ومنهم:
عبيد الله بن الماحوز، وقطري بن الفجاءة التميمي، فاعتزل عبد الله بن الحارث الذي ولاه
стр. 439
أهل البصرة، فولوا عليهم عبيد الله بن معمر التيمي (١).
قلت: قد تقدم ذكر عبيد الله بن معمر المذكور، وأنه استشهد في سنة تسع وعشرين، وذلك في أيام خلافة عمر بن الخطاب ﵁، وهو من أهل الطبقة الثانية، فربما ذلك سهو أو سبق قلم من المؤرخ، فربما المذكور هنا ولده عمر بن عبيد الله بن معمر، فلينظر ذلك، والله أعلم (٢).
وفيها: قدم المختار بن أبي عبيد الثقفي الكوفة يطلب بثأر الحسين بن علي (٣).
وفيها: نقض ابن الزبير الكعبة وبناها؛ لما حدث فيها من الوهن بسبب رمي المنجنيق، وهاب الناس خرابها؛ فكانوا يخرجون عن مكة ليالي، وباشر ابن الزبير ابتداء هدمها بنفسه هو وغلمان معه سودان، يقال: فعل ذلك بمشورة من الصحابة منهم: جابر بن عبد الله الأنصاري، وعبيد بن عمير، وعبد الله بن مطيع وغيرهم، فبناها على قواعد إبراهيم ﷺ ، وأدخل الحجر فيها، وجعل لها بابين على حكم ما سمعه من خالته عائشة ﵂ تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية .. لنقضت الكعبة، ولبنيتها على أساس إبراهيم، ولأدخلت الحجر فيها، ولجعلت لها بابين: باب يدخل الناس إليه، وباب يخرجون منه» (٤)، فلما ولي ﵁ وتمكن من ذلك .. فعله.
وكره ابن عباس ﵄ في جماعة هدمها، وأحبوا بناءها على ما كانت عليه في زمنه ﷺ (٥).
وفيها: خرج سلم بن زياد من خراسان، فعرض له عبد الله بن خازم السلمي، فأخذ منه مائة ألف درهم، واستخلفه على خراسان، فغلب عليها وكان من الشجعان المشهورين (٦).
стр. 440
السنة الخامسة والستون
فيها: توجه مروان إلى مصر فملكها، واستعمل عليها ابنه عبد العزيز، ومهد قواعدها، ثم عاد إلى دمشق، ومات بها في رمضان، فعهد بالأمر إلى ابنه عبد الملك، وكان قبل ذلك جهز مروان عبيد الله بن زياد في ستين ألفا ليأخذ له العراق، وخرج التوابون من أهل الكوفة، وقالوا: نحن جنينا جناية عظيمة بقعودنا عن أمر الحسين بن علي، وما نجد خلاصا إلا بطلب ثأره، والتوبة إلى الله تعالى، واجتمع خمسة من رؤسائهم، وهم: سليمان بن صرد، والمسيب بن نجبة الفزاري صاحب علي، وعبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي، وعبد الله بن وال التيمي، ورفاعة بن شداد البجلي، وتابعهم ستة عشر ألفا، فلما رجعوا إلى الكوفة لقتال عبيد الله بن زياد .. لم يخرج منهم إلا أربعة آلاف، وتأخر الباقون، وكانوا أصحاب ورع ودين، لا رغبة لهم في مال ولا ولاية غير الثواب، ورأّسوا عليهم سليمان بن صرد، وكان له صحبة من النبي ﷺ ، وكاتبهم أصحابهم من البصرة والمدائن ليخرجوا معهم، ثم قعدوا عنهم، وعرض عليهم عبد الله بن يزيد والي الكوفة من قبل ابن الزبير أن تكون يدهم واحدة، فأبوا ذلك وخرجوا متجردين لقتال عبيد الله بن زياد، وقد أقبل عبيد الله بن زياد من الشام حتى بلغ عين الوردة، فالتقى مقدمة العراق مقدمة عبيد الله بن زياد وعليها شرحبيل بن ذي الكلاع، فالتقوا بعين الوردة من الجزيرة، وكانت بينهم حرب عظيمة، قتل فيها جم غفير من أهل الشام، وانكسر العراقيون، وقتل من الرؤساء الخمسة أربعة، ولم يبق منهم غير رفاعة بن شداد، وجاءهم وهم في تلك الحال خمس مائة فارس من إخوانهم من المدائن، فلما حجز الليل .. عاد من بقي، وتفرقوا في بلادهم (١).
وفي هذه السنة: مات عبد الله بن عمرو بن العاصي، وكان أصغر من أبيه بإحدى عشرة سنة.
وفيها: ولّى ابن الزبير المهلب بن أبي صفرة خراسان، وحارب الخوارج، فاشتد عليهم، وقتل منهم خلقا كثيرا، وقتل نافع بن الأزرق بعد أن كانوا قد تمكنوا من البلاد، وكادوا أن يغلبوا على البصرة (٢).
***
стр. 441
السنة السادسة والستون
[فيها: ] أظهر المختار أمره بالكوفة، وأعانه إبراهيم بن الأشتر، وأخرج عبد الله بن مطيع عامل ابن الزبير عنها، ووجد في بيت المال سبعة آلاف ألف، فقسم بعضها، ووجه البعض إلى أهل البيت (١).
وفيها: قتل المختار عمر بن سعد وابنه حفصا، وقال: عمر بالحسين، وحفص بعلي بن الحسين ولا سواء، وبعث برأسه إلى محمد ابن الحنفية بن علي (٢).
وفيها: حبس ابن الزبير محمد ابن الحنفية ومن كان معه من أهل بيته ووجوه أهل الكوفة؛ لكراهتهم بيعته، وتوعدهم بالحريق، وجمع لهم الحطب، فبعث المختار إليهم من استنقذهم منه (٣).
وفيها: قتل المختار خوليّ بن يزيد الأصبحيّ، وكان استتر في المخرج، فدلت عليه امرأته.
وهرب منه شمر بن ذي الجوشن على خيول مضمرات حتى انتهى إلى ساتيدما، فنزل بقرية يقال لها: الكلتانيّة، فلم يعلم بمكانه، فثارت عليه مسلحة المختار هناك فقتلوه (٤).
وقد قدمنا أن مروان لما استوثق له الأمر بالشام .. بعث عبيد الله بن زياد ليأخذ له العراق (٥)، ويقال: إنه جعل له ما غلب عليه، وأمره أن ينهب الكوفة إذا دخلها ثلاثة أيام، فاشتغل عبيد الله بالتوابين كما تقدم، فلما هزمهم .. مرّ بأرض الجزيرة وبها قيس بن عيلان في طاعة ابن الزبير، فاشتغل بهم نحوا من سنة، ثم دخل أرض الموصل وبها عامل المختار، فبعث المختار من الكوفة يزيد بن أنس في ثلاثة آلاف، فهزمهم يزيد، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وكان مريضا لا يستطيع الحراك، فكان يؤتى بالأسرى، فيومئ إيماء فيقتلون، ومات يزيد بن أنس، وأوصى إلى ورقاء بن عازب.
ولما بلغ المختار موت يزيد بن أنس .. أرسل إبراهيم بن الأشتر في سبعة آلاف أو
стр. 442
ثمانية، فلما بلغ المدائن .. طمع فيه أهل الكوفة، فوثبوا ليحاربوه، فاستعد لهم ابن الأشتر، فحاربهم فظفر بهم، وانحلت الحرب عن سبع مائة وثمانين قتيلا من أهل الكوفة، وكر ابن الأشتر على عبيد الله بن زياد، فالتقيا بخازر من أرض الموصل، بينها وبين الموصل خمسة فراسخ، فظفر ابن الأشتر وقتل عبيد الله بن زياد وهو لا يعرفه، وقتل الحصين بن نمير الذي حاصر ابن الزبير، وشرحبيل بن ذي الكلاع، وبعث برءوسهم إلى المختار، فوضع رأس عبيد الله بن زياد في الموضع الذي وضع فيه رأس الحسين بين يدي ابن زياد، وبعث المختار برءوسهم إلى ابن الزبير، وقيل: إلى محمد بن علي، فنصبت بمكة وبالمدينة (١).
وذكر البلاذري: أن رأس ابن زياد افتقد بعد تعليقه، خرجت حية فجرته.
وقيل: إن وقعة الخازر كانت في المحرم من سنة سبع وستين (٢).
وفيها-أعني: سنة ست وستين-: مات جابر بن سمرة، وزيد بن أرقم على خلاف فيهما.
وفيها: ولد أيوب السختياني (٣).
وفيها: وادع عبد الملك الروم على أن يؤدي إليهم كل جمعة ألف دينار، فلا حول ولا قوة إلا بالله (٤).
وفيها: قويت شوكة الخوارج، واستولى نجدة الحروري على اليمامة والبحرين (٥).
***
السنة السابعة والستون
فيها: تخرق المختار وادعى النبوة، فلما تحقق ابن الزبير حاله .. بعث إليه أخاه مصعب بن الزبير على العراق، فدخل البصرة وتأهب منها، وسار على ميمنته المهلب بن
стр. 443
أبي صفرة، وعلى ميسرته عمر بن عبيد الله التيمي، فجهز المختار لحربهم جيشا عليهم أحمر بن شميط وأبو عمرة كيسان، فهزمهم مصعب، وقتل أحمر وكيسان، وقتل من عسكر مصعب محمد بن الأشعث بن قيس الكندي بن أخت الصديق، وعبيد الله بن علي بن أبي طالب، وقتل مصعب عمرة بنت النعمان بن بشير زوجة المختار، فأعظم الناس ذلك، ثم ساق عسكر مصعب حتى دخلوا الكوفة، وكان قد حصّن المختار من بقي من أصحابه بقصر الكوفة، فحصرهم مصعب أياما حتى نزلوا على حكمه، فيقال: إنه قتل منهم في يوم واحد ستة آلاف، وقيل: ستة آلاف وخمس مائة، منهم زعيمهم المختار الكذاب، كان يزعم أن جبريل ينزل عليه في رمضان من السنة المذكورة، وصفا العراق لابن الزبير (١).
وفيها: اجتمع أربعة ألوية بعرفات: لواء لمحمد بن الحنفية في أصحابه، وكانوا أربعة آلاف عند جبل المشاة، ولواء لعبد الله بن الزبير عند مقام الإمام، ولواء لنجدة بن عامر الحروري الخارجي، ولواء لبني أمية، وكان أول من دفع ابن الحنفية حين غابت الشمس.
ولم يكن ابن الحنفية يطلب الخلافة، وإنما كان يدافع عن نفسه، وبذل عبد الملك لابن الأشتر ولاية العراق ليستميله، وأرسل إليه مصعب، فمال إلى مصعب، وقال: لو لم أقتل عبيد الله بن زياد .. لأجبت عبد الملك (٢).
وفيها: توفي عدي بن حاتم الطائي.
***
السنة الثامنة والستون
فيها: توفي ابن عباس، وأبو شريح الخزاعي، وأبو واقد الليثي، وزيد بن خالد الجهني (٣).
وفيها: عزل ابن الزبير أخاه مصعبا عن العراق، وولى ابنه حمزة (٤).
***
стр. 444
السنة التاسعة والستون
فيها: كان طاعون الجارف بالبصرة، روى المدائني عمن أدرك ذلك قال: في ثلاثة أيام مات كلّ يوم نحو من سبعين ألفا، وقيل: مات فيه عشرون ألف عروس، وأصبح الناس في اليوم الرابع ولم يبق منهم إلا اليسير، وصعد ابن عامر يوم الجمعة المنبر وما في الجامع إلا سبعة، ومن النساء امرأة، فقال: ما فعلت الوجوه؟ قالت: تحت التراب أيها الأمير.
ومات فيه لأنس بن مالك سبعون أو ثمانون ابنا، ولعبد الرحمن بن أبي بكرة أربعون ابنا، قيل: وفيه مات أبو الأسود الدؤلي، وكان يموت أهل الدار فيطين عليهم الباب (١).
وفيها: مات قبيصة بن جابر الأسدي.
وفيها: عزل ابن الزبير ابنه حمزة عن العراق، وولى أخاه مصعب بن الزبير، فقصد عبد الملك بن مروان، وقصده عبد الملك، ثم فصل بينهما الشتاء.
ولما خرج عبد الملك من دمشق لقتال مصعب .. خالفه عمرو بن سعيد بن العاصي المعروف بالأشدق، فوثب على دمشق، واستولى عليها، وتبعه وجوه أهل البلد، فكر عبد الملك إليه راجعا، فحصره بها ستة أشهر (٢).
***
السنة الموفية السبعين
فيها: اصطلح عبد الملك وعمرو بن سعيد بن العاصي بعد أن حاصره عبد الملك على أن يسلم الأمر لعبد الملك، وعلى أن يلي الأمر بعده، فلما تم الصلح .. اغتاله عبد الملك، فذبحه بيده، وألقى رأسه إلى أصحابه، فشد أخوه يحيى بن سعيد بن العاصي على الوليد بن عبد الملك، فضربه بالسيف فجرحه، ودخل الوليد القصر، وأغلق دونه الباب (٣).
стр. 445
وفيها: توفي عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي، ومالك بن يخامر السكسكي صاحب معاذ.
قال ابن جريج: وفيها: ثارت الروم وقووا على المسلمين، وصالح عبد الملك ملك الروم على أن يؤدي إليه في كل جمعة ألف دينار؛ خوفا منه على المسلمين (١).
وفي «تاريخ اليافعي»: (أن هذا أول وهن دخل على الإسلام، وما ذاك إلا لاختلاف الكلمة، ولكون الوقت فيه خليفتان يتنازعان الأمر، وما شاء الله كان) (٢)، وقد تقدم نحو ذلك عن معاوية ﵁ في سنة ست وثلاثين (٣).
***
السنة الحادية والسبعون
فيها: افتتح عبد الملك قيساريّة، وسار إلى العراق لحرب مصعب بن الزبير، فأتى قرقيسيا وبها زفر بن الحارث وأصحابه القيسية يدعون إلى ابن الزبير، فحصرهم عبد الملك، وبايعه زفر وأصحابه (٤).
وفيها: غلب عبد الملك على المدينة (٥).
وفيها: توفي عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، وعبد الله بن خازم أمير خراسان.
***
السنة الثانية والسبعون
فيها: سار عبد الملك إلى العراق بجيشه، وخرج مصعب من البصرة بجيشه لملاقاته، فالتقوا بدير الجاثليق، فخان مصعبا بعض جيشه ولحقوا بعبد الملك، وكان عبد الملك قد كتب إليهم يعدهم ويمنيهم حتى أفسدهم عليه إلا المهلب؛ فإنه تم مع مصعب، وجعل مصعب كلّما قال لمقدم من أمرائه: تقدم .. لا يطيعه، فقدم أمامه ابنه عيسى في طائفة من
стр. 446
العسكر فقتلوه، واستظهر عبد الملك على مصعب، وأرسل إلى مصعب يبذل له الأمان، فقال: مثلي لا ينصرف عن هذا المكان إلا غالبا أو مغلوبا، فأثخنوه بالرمي، ثم شد عليه زياد بن عمرو، وكان من جيشه فخانه وطعنه، وقال: يا لثارات المختار، وذهب إلى عبد الملك، وقيل: إن الذي قتل مصعبا عبد الله بن زياد بن ظبيان، وقتل مع مصعب ولداه عيسى وعروة، وإبراهيم بن الأشتر الفارس المشهور، ومسلم بن عمرو الباهلي.
وبعث برأس مصعب إلى ابن خازم بخراسان، وقال: إن تبعتني .. أطعمتك خراسان عشر سنين، ودخل عبد الملك الكوفة، واستولى على العراق، وأمّر أخاه بشرا على الكوفة، وفيه يقول الشاعر: [من الرجز]
قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق
وولي البصرة خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وولي المدينة طارق بن عمر مولى عثمان بن عفان.
وبعث الحجاج بن يوسف الثقفيّ إلى مكة لحرب ابن الزبير، فحصر الحجاج عبد الله بن الزبير الهلال ذي القعدة إلى أن قتل، ورمى البيت بالمنجنيق، وجاءت صاعقة فأحرقت اثني عشر رجلا من أصحابه، فذعر أهل الشام، فقال الحجاج: أنا ابن تهامة وهي كثيرة الصواعق، وإن من كان قبلكم إذا قرب قربانا .. جاءت نار فأكلته، ومد المنجنيق بيده، فعادوا إلى حالهم (١).
وفيها: خرج أبو فديك الخارجي، فغلب على البحرين، وقيل: نجدة الحنفي (٢).
وفيها: توفي البراء بن عازب الأنصاري ﵄، وأبو بحر الضحاك بن قيس المعروف بالأحنف الحليم المشهور، وعبيدة السّلماني المرادي، ومعبد بن خالد الجهني.
***
السنة الثالثة والسبعون
فيها: قتل ابن الزبير بمكة وصلب، وقتل معه عبد الله بن صفوان بن أمية الجمحي، وعبد الله بن مطيع بن الأسود العدوي، وعبد الرحمن بن عثمان التيمي.
стр. 447
وفيها: توفي عوف بن مالك الأشجعي، وأبو سعيد بن المعلى الأنصاري، وربيعة بن عبد الله التيمي عم لمحمد بن المنكدر.
وفيها: ولى عبد الملك الحجاج اليمن واليمامة مضافا إلى مكة، ثم أضاف إليه المدينة (١).
وفيها: جمع العراقين لأخيه بشر بن مروان، وأطعم خراسان لبكير بن وشاح التميمي، وكان خليفة ابن خازم على مرو لما امتنع ابن خازم من بيعة عبد الملك، فدعا بكير إلى عبد الملك، وتبع بحير بن الوفا ابن خازم، فقتله بقرية من قرى مرو، وأخذ رأسه، ثم وثب بكير بن وشاح على بحير، فقتله وأخذ الرأس منه، وبعث بالرأسين إلى عبد الملك، فولى عبد الملك أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص خراسان (٢).
وفيها: نقض الحجاج من الكعبة ما زاده ابن الزبير فيها من جهة الحجر، فأخرج منها ما أدخله ابن الزبير من الحجر فيها، وسد بابها الغربي الذي فتحه ابن الزبير، ورفع بابها الشرقي، وصيرها على ما هي عليه الآن بعد أن كتب إليه عبد الملك في ذلك، وأخبره أن ابن الزبير بناها على أساس شهد العدول عليه، فجوب إليه عبد الملك أن يردها إلى ما كانت عليه في زمن قريش، ففعل ذلك كما تقدم، ولمّا صح عند عبد الملك صحة الحديث الذي اعتمده ابن الزبير في نقضها وبنائها .. ندم على هدم ما بناه ابن الزبير، وقال: وددت أنا حملناه وما تحمل (٣).
وفيها: توفيت أسماء بنت أبي بكر الصديق أم عبد الله بن الزبير.
***
السنة الرابعة والسبعون
فيها: توفي عبد الله بن عمر، وأبو سعيد الخدري، وسلمة بن الأكوع، وأبو جحيفة السّوائي، وقيل: تأخر إلى بعد الثمانين، ومحمد بن حاطب الجمحي، ورافع بن خديج الأنصاري، وعاصم بن ضمرة السلولي، ومالك بن أبي عامر الأصبحي جد الإمام مالك بن أنس، وعبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، وعبد الله بن عمير الليثي.
***
стр. 448
السنة الخامسة والسبعون
فيها: مات بشر بن مروان، وحج عبد الملك بن مروان، وخطب على منبر النبي ﷺ ، وعزل الحجاج عن الحجاز، وولاه العراق، فأعطى البشير ثلاثة آلاف دينار، ولما ورد الحجاج العراق .. ندب الناس لقتال الخوارج مع المهلب، وقتل عمير بن ضابئ البرجمي، ولم يبق أحد إلا لحق بالمهلب (١).
وفيها: ضرب عبد الملك الدنانير والدراهم الإسلامية، فجعل وزن الدينار عشرين قيراطا، والدرهم سبعة، ونقش عليها بالعربية، وكانت الدنانير قبل ذلك رومية، والدراهم فارسية (٢).
وفيها: توفي العرباض بن سارية السلمي، وأبو ثعلبة الخشني، وسليم بن عتر التجيبي قاضي مصر وناسكها.
***
السنة السادسة والسبعون
فيها: وجه الحجاج زائدة بن قدامة الثقفيّ ابن عم المختار لحرب شبيب بن يزيد الخارجي الشيباني، وكان خروجه في ولاية عبد الملك بن مروان، والحجاج بن يوسف يومئذ على العراق من قبل عبد الملك، فاستظهر شبيب وقتل زائدة، واستفحل أمره، وهزم العساكر مرات (٣).
وفيها: خرج عبد الله بن الجارود العبدي على الحجاج فقتل، وعقد الحجاج لعتاب بن ورقاء على محاربة شبيب الخارجي، فقتله شبيب (٤).
***
стр. 449
السنة السابعة والسبعون
فيها: وجه الحجاج لحرب شبيب الخارجيّ عتاب بن ورقاء الرباحيّ-بالموحدة-فالتقى شبيبا بسواد الكوفة، فقتل عتاب بن ورقاء وهزم جيشه، فبعث الحجاج لقتال شبيب الحارث بن معاوية الثقفي، فقتل أيضا وانهزم جيشه، فوجه الحجاج أبا الورد البصري فقتل أيضا، فوجه طهمان مولى عثمان فقتل أيضا، ويقال: إن شبيبا هزم للحجاج خمسة وعشرين جيشا.
ودخل شبيب الكوفة في سبعين رجلا ومعه زوجته غزالة، فأتى القصر وقد تحصن منه الحجاج، فقتل من أصحاب الحجاج جماعة، وكانت غزالة نذرت لتصلين في مسجد الكوفة ركعتين تقرأ فيهما (البقرة) و (آل عمران)، فصعدت المنبر فخطبت وصلت، ثم خرجت فلم يتعرض لها أحد، وفي ذلك يقول بعضهم للحجاج: [من الكامل]
هلاّ برزت إلى غزالة في الوغى ... بل كان قلبك في جناحي طائر
وانزعج الحجاج، فخرج بنفسه لقتال شبيب، واشتد القتال وتكاثر الناس على شبيب، فانهزم وقتلت زوجته غزالة وأمه، وحجز بينهم الليل، فسار شبيب إلى ناحية الأهواز وبها محمد بن موسى بن طلحة التيمي، فخرج لقتال شبيب، ثم بارزه فقتله شبيب، وسار إلى كرمان فتقوى، ورجع إلى الأهواز، فوجه عبد الملك لحرب شبيب جندا من الشام عليهم سفيان بن الأبرد، ووجه الحجاج من قبله حبيب بن عبد الرحمن الحكمي، فاجتمع جند الشام وجند الكوفة، فالتقوا بشبيب وجمعه فاقتتلوا أشد القتال، ثم حجز بينهم الظلام، ثم ذهب شبيب وعبر على جسر دجيل، فلما صار على الجسر .. قطع به فغرق، وقيل: نفر به فرسه وعليه الحديد الثقيل من درع ومغفر وغيرهما، فألقاه في الماء، فقال له بعض أصحابه: أغرقا يا أمير المؤمنين؟ ! قال: ذلك تقدير العزيز العليم، فألقاه دجيل ميتا في ساحله، فحمل على البريد إلى الحجاج، فأمر بشق بطنه، فاستخرج قلبه؛ فإذا هو كالحجر ينبو إذا ضرب به الأرض، فشق؛ فإذا داخله قلب صغير كالكرة ينبو إذا ضربت به الأرض، فشق فوجد في داخله علقة دم.
كان إليه المنتهى في الشجاعة والبأس، وأكثر ما يكون في مائتي نفس من الخوارج فيهزمون الألوف.
стр. 450
والخوارج فرقتان: فرقة مع قطري بن الفجاءة، وفرقة مع عبد ربه الكبير، وقصدوا سجستان وكان لهم مع المهلب بن أبي صفرة وقائع هائلة (١).
وفيها: غزا عبد الملك بنفسه، فدخل الروم وافتتح مدينة هرقلة (٢).
قال الشيخ اليافعي: (وسيأتي أيضا أنها فتحت في خلافة بني العباس، ويحتمل أن الروم ملكوها بعد هذا، ففتحت ثانية في الدولة العباسية) (٣).
وفيها: توفي أبو تميم الجيشاني، واسمه عبد الله، قرأ القرآن على معاذ، وكان من عباد أهل مصر وعلمائهم.
***
السنة الثامنة والسبعون
فيها: ولي خراسان المهلب بن أبي صفرة (٤).
وفيها: ولى الحجاج عبيد الله بن أبي بكرة سجستان (٥).
وفيها: توفي جابر بن عبد الله الأنصاري، والقاضي شريح بن الحارث الكندي، وشريح بن هاني المذحجي صاحب علي ﵁، وزيد بن خالد الجهني الصحابي (٦)، وعبد الرحمن بن غنم الأشعري.
***
стр. 451
السنة التاسعة والسبعون
فيها: قتل قطري بن الفجاءة التميمي الخارجي، وعبيدة بن هلال، وجميع أصحابه من الخوارج.
وفيها: توفي عبيد الله بن أبي بكرة أمير سجستان.
وفيها: غزا المهلب الصّعد، وغلب موسى بن عبد الله بن خازم على التّرمذ وعدة نواح من وراء النهر (١).
وفيها: ولي موسى بن نصير مولى لخم المغرب، فبلغت خيله السوس، وولي طارق بن زياد طنجة (٢).
وفيها: مات عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة.
***
السنة الموفية ثمانين
فيها: بعث الحجاج على سجستان عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكنديّ، فلما استقر بها .. خلع الحجاج وخرج، وكانت بينهما حروب يطول شرحها (٣).
وفيها: جاء السيل بمكة فذهب بالحاجّ والجمال وعليها الحمولة، وغرقت بيوت مكة؛ فسمي عام الجحاف (٤).
وفيها: أغار الجحاف السلمي على بني تغلب يوم البشر، وكانت تغلب قبله قد أصابت عمير بن الحباب السلمي فارس سليم في الإسلام (٥).
وفيها: توفي الكريم المشهور عبد الله بن جعفر الطيار بن أبي طالب بن هاشم، وأسلم مولى عمر، وجبير بن نفير الحضرمي، وعبد الرحمن بن عبد القاريّ، وملك عرب الشام حسان ابن المنذر الغساني غازيا للروم.
стр. 452
وفيها: حاصر المهلب بن أبي صفرة بعض بلاد العجم (١).
وفيها: ولد جعفر بن محمد الصادق، وزيد بن علي بن الحسين ﵄، وأبو حنيفة النعمان بن ثابت الإمام المشهور، وأبو حذيفة واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد بن باب المتكلمان.
وفيها: توفي أبو إدريس الخولاني.
وفيها: صلب عبد الملك بن مروان معبدا الجهنيّ المتكلم في القدر (٢).
والله سبحانه أعلم بالأمور، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
***
стр. 453
العشرون الخامسة من المائة الأولى
٤٢٧ - [محمد ابن الحنفية] (١)
محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبو القاسم، المعروف بابن الحنفية، عرف بأمه خولة بنت جعفر بن قيس، من سبي بني حنيفة يوم اليمامة، صارت لعلي فولدت له محمدا المذكور.
وقد جوز جماعة الجمع بين التسمية محمدا والتكني بأبي القاسم، فقالوا: إن النهي عن ذلك مخصوص بزمنه ﷺ ؛ إذ كان اليهود ينادون: أبا القاسم، فإذا التفت إليهم ﷺ .. قالوا: ما عنيناك.
وقد قال ﷺ لعلي ﵁: «فإنه سيظهر لك غلام وقد نحلته اسمي وكنيتي، فلا يحل لأحد بعده» (٢).
وقال أحمد بن عبد الله العقيلي الحافظ: (ثلاثة يسمون محمدا رخص في كنيتهم بأبي القاسم: محمد بن أبي بكر، ومحمد بن علي، ومحمد بن طلحة) (٣).
قلت: وفي «تهذيب الكمال» لأبي الحجاج المزي: (عن محمد ابن الحنفية عن علي ﵁ قال: قلت: يا رسول الله؛ إن ولد لي مولود بعدك .. أسميه باسمك وأكنيه بكنيتك؟ قال: «نعم») اهـ (٤)، والله أعلم.
ولد محمد بن علي المذكور لسنتين أو ثلاث بقيت من خلافة عمر، وسمع أباه وعثمان، وروى عنه جماعة من التابعين.
стр. 454
وكان ﵁ كثير العلم والورع، قالوا: لا يعلم أحد أسند عن علي عن النبي ﷺ أكثر ولا أصح مما أسند محمد ابن الحنفية.
وكان فيه قوة شديدة، يقال: إن عليا ﵁ استطال درعا له، فقال له: أنقص منها كذا وكذا حلقة، فقبض محمد إحدى يديه على ذيلها والأخرى على فضلها، ثم جذبها، فانقطع من الموضع الذي حده أبوه.
وأرسل ملك الروم إلى معاوية برجلين: أحدهما طويل جسيم، والآخر أيّد، وقال:
هل فيكم مثلهما؟ فدفع قيس بن سعد سراويله إلى الطويل، فلبسها فبلغت ثندوته، فأطرق مغلوبا، وقال محمد ابن الحنفية للأيّد: إن شاء .. فليجلس وليعطني يده حتى أقيمه أو يقعدني، وإن شاء أن يكون القائم وأنا القاعد، فاختار الرومي الجلوس فأقامه محمد، وعجز الرومي عن إقامته.
وكانت الراية بيده يوم صفين، فيقال: إنه توقف أول يوم في حملها؛ لكونه قتال المسلمين، ولم يكن شهد مثله، فقال له علي: وهل عندك شك في جيش مقدمه أبوك؟ فحملها، فقيل له: كيف كان أبوك يقحمك المهالك ويولجك المضائق دون أخويك الحسن والحسين؟ فقال: لأنهما كانا عينيه، وكنت يديه؛ فكان يقي عينيه بيديه.
قلت: قال الإمام النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» في ترجمة ابن الحنفية:
(ويقال لمحمد هذا: ابن الحنفية، ومحمد بن علي، ومحمد بن علي ابن الحنفية، فينسب إلى أبيه وأمه جميعا، فعلى هذا: يشترط أن ينون علي ويكتب ابن الحنفية بالألف، ويكون إعرابه إعراب محمد؛ لأنه وصف لمحمد لا لعلي، ولهذا نظائر وقد أفردتها في جزء، منها: عبد الله بن مالك ابن بحينة: مالك أبوه وبحينة أمه، وعبد الله بن أبي ابن سلول المنافق: أبيّ أبوه وسلول أمه، وإسماعيل بن إبراهيم ابن علية مثلهما) اهـ باختصار (١)، والله أعلم.
ولما بايع أهل الحجاز ابن الزبير بالخلافة، ودعا عبد الله بن عباس ومحمد ابن الحنفية إلى بيعته .. قالا: لا نبايعك حتى تجتمع البلاد والعباد، فتهددهما، ويقال: إنه توعدهما بالحريق، وجمع الحطب لذلك، فأرسل محمد ابن الحنفية إلى شيعته بالكوفة، فاستنقذوه من ابن الزبير.
стр. 455
وتوفي ﵁ برضوى، ودفن بالبقيع سنة إحدى وثمانين، وقيل: غير ذلك، وكانت الشيعة قد لقبوه المهدي، وزعموا أنه لم يمت، وأنه بجبل رضوى مختف، عنده عسل وماء، وإلى ذلك أشار كثير عزة وكان كيسانيا حيث يقول: [من الوافر]
ألا إن الأئمة من قريش ... ولاة الحق أربعة سواء
عليّ والثلاثة من بنيه ... هم الأسباط ليس بهم خفاء
فسبط سبط إيمان وبرّ ... وسبط غيّبته كربلاء
وسبط لا يذوق الموت حتى ... يقود الخيل يقدمها اللواء
تراه مخيما بجبال رضوى ... مقيما عنده عسل وماء
٤٢٨ - [سويد بن غفلة] (١)
سويد بن غفلة بن عوسجة بن عامر الجعفي الكوفي أبو أمية التابعي المخضرم بفتح الراء.
يقال: إنه ولد عام الفيل، وأسلم في حياة رسول الله ﷺ ولم يره، وأدى صدقته إلى مصدّق رسول الله ﷺ ، وقدم المدينة يوم دفن ﷺ .
وروى عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم من الصحابة، وروى عنه جماعة من كبار التابعين.
وحضر القادسية واليرموك وخطبة عمر بالجابية، وتوفي سنة إحدى وثمانين بالكوفة عن مائة وثمانية وعشرين سنة، وقيل: عن مائة وعشرين.
واتفقوا على توثيقه، وكان فقيها عالما عابدا كبير القدر رحمه الله تعالى.
قلت: قال شيخ الإسلام ابن حجر في «التقريب»: (وهو من كبار التابعين، وله مائة وثلاثون سنة) (٢)، والله أعلم.
стр. 456
٤٢٩ - [عبد الله بن شداد الليثي] (١)
عبد الله بن شداد بن أسامة بن عمرو بن عبد الله بن جابر، ويعرف بعبد الله بن شداد بن الهاد، والهاد لقب لأسامة، وقيل: لعمرو؛ لأنه كان يوقد النار ليهتدي بها إليه الأضياف وغيرهم.
وعبد الله هذا يكنى: أبا الوليد الكناني الليثي المدني التابعي، أمه: سلمى بنت عميس الخثعمية أخت أسماء بنت عميس، وأخت أم الفضل زوجة العباس لأمها، وكن عشر أخوات، وكانت تحت حمزة، فولدت له بنته عمارة أو فاطمة، واستشهد عنها يوم أحد، فتزوجها شداد، فولدت له عبد الله في حياة رسول الله ﷺ ولم يدركه.
وروى عن النبي ﷺ ، وسمع عمر وعليا ومعاذا وغيرهم من الصحابة، وروى عنه جماعة من كبار التابعين كطاوس والشعبي، واتفقوا على توثيقه.
وكان فقيها كثير الحديث.
قتل مع ابن الأشعث ليلة دجيل سنة إحدى وثمانين.
٤٣٠ - [أبو عبيدة الهذلي] (٢)
أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود الهذلي.
يروي عن أبيه ولم يدركه.
قتل مع ابن الأشعث ليلة دجيل إحدى وثمانين.
стр. 457
٤٣١ - [المهلب بن أبي صفرة] (١)
المهلب بن أبي صفرة-واسم أبي صفرة: ظالم بن سارق، ويقال: سراق بن صبح الأسدي-أبو سعيد أمير خراسان، وصاحب الحروب والفتوحات.
قال أبو إسحاق السبيعي: لم أر أميرا أيمن نقيبة، ولا أشجع لقاء، ولا أبعد مما يكره، ولا أقرب مما يحب من المهلب.
يقال: إنه ولد عام فتح مكة، وأدرك عمر بن الخطاب، ولم يرو عنه شيئا، وسمع عبد الله بن عمرو وابن عمر وسمرة والبراء.
قال فيه ابن الزبير: إنه سيد أهل العراق.
وكان أشجع الناس، وكانت به قوة، حمى البصرة من الشراة (٢) بعد إجلاء أهلها عنها، وله معهم وقائع مشهورة بالأهواز؛ فهي تسمى بصرة المهلب، ولي خراسان خمس سنين في ولاية عبد الملك، وكانت له كلمات لطيفة وإشارات مليحة؛ تدل على مكارمه، ومات بمرو الروذ سنة اثنتين وثمانين أو ثلاث وثمانين، وأكثر الشعراء في مراثيه، ومنه قول بعضهم: [من الطويل]
ألا ذهب الغزو المقرب للغنى ... ومات الندا والجود بعد المهلب
أقاما بمرو الرّوذ لا يبرحانها ... وقد بعدا من كل شرق ومغرب
وخلف عدة أولاد نجباء كرام أجواد أمجاد، وله آثار جميلة، وفضائل حميدة.
قلت: ومما ينبغي ذكره فوائد هنا تتعلق بالمهلب، وذلك فيما وقفت عليه من ترجمته في «تهذيب الكمال» لأبي الحجاج المزي قال: (قال محمد بن سلام الجمحي: كان بالبصرة أربعة، كل رجل منهم في زمانه لا يعلم في الأمصار مثله: الأحنف بن قيس في عفافه وحلمه ومنزلته من علي، والحسن في زهده وفصاحته وسخائه وموقعه في قلوب الناس، ولم أر أميرا أيمن، ولا أشجع لقاء، ولا أبعد مما يكره، ولا أقرب مما يحب من
стр. 458
المهلب، وسوار بن عبد الله القاضي في فضله وتحريه، وكان المهلب فيما روي عنه يقول:
ما شيء أبقى للملك من العفو، وخير مناقب الملوك العفو، وكان يقول: لأن يطيعني سفهاء قومي أحب إلي من أن يطيعني حلماؤهم) اهـ (١)
وقد أشار إلى ذلك المؤلف ﵀ قريبا من غير تصريح، والله أعلم (٢).
٤٣٢ - [زرّ بن حبيش] (٣)
زرّ بن حبيش بن أوس بن هلال الأسدي-أسد خزيمة-الكوفي التابعي المخضرم.
أدرك الجاهلية، وسمع عمر وعثمان وعليا وابن مسعود وغيرهم من كبار الصحابة، وروى عنه الشعبي والنخعي وغيرهما من التابعين.
وكان ابن مسعود وغيره يسأله عن العربية فيما قيل، واتفقوا على توثيقه وجلالته.
وتوفي سنة اثنتين وثمانين عن مائة وعشرين، وقيل: مائة وثلاث.
٤٣٣ - [جميل بثينة] (٤)
جميل بن عبد الله بن معمر الشاعر المشهور، من بني عذرة، صاحب بثينة من عذرة أيضا، أحد عشاق العرب، تعلق قلبه بها وهو غلام، فلما كبر خطبها .. فرد، فقال الشعر فيها، وكان يأتيها إلى منزلها بوادي القرى، وله ديوان شعر أكثر ذكرها فيه، فقيل له: لو قرأت القرآن .. كان أعود عليك من الشعر، قال: إن أنسا أخبرني عن النبي ﷺ أنه قال: «إن من الشعر لحكمة» (٥).
стр. 459
وكان جميل راوية هدبة، وهدبة راوية الحطيئة، والحطيئة راوية زهير بن أبي سلمى وابنه كعب بن زهير، وكان كثيّر صاحب عزة راوية جميل المذكور، ومن شعر جميل: [من الطويل]
وأخبر تماني أن تيماء منزل ... لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا
فهذي شهور الصيف عنا قد انقضت ... فما للنوى يرمي بليلى المراميا
وفيها يقول: [من الطويل]
وما زلت بي يا بثن حتى لو انني ... من الشوق أستبكي الحمام بكى ليا
وما زادني الواشون إلا صبابة ... ولا كثرة الناهين إلا تماديا (١)
ومن شعره: [من الكامل]
تقضى الديون وليس ينجز موعدا ... هذا الغريم لنا وليس بمعسر
ما أنت والوعد الذي تعدينني ... إلا كبرق سحابة لم تمطر (٢)
وكأن راويه كثيّر عزة أخذه حيث يقول: [من الطويل]
قضى كل ذي دين فوفّى غريمه ... وعزة ممطول معنّى غريمها (٣)
توفي جميل بمصر سند اثنتين وثمانين.
٤٣٤ - [عبد الرحمن بن أبي ليلى] (٤)
عبد الرحمن بن أبي ليلى-واسم أبي ليلى: يسار، أو بلال، أو بليل، أو داود- الأنصاري الأوسي الكوفي التابعي.
ولد لست سنين بقين من خلافة عمر.
وروى عن عمر وعثمان وعلي وغيرهم من الصحابة، واتفقوا على توثيقه وجلالته.
وقال عبد الملك بن عمير: رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى في حلقة فيها نفر من
стр. 460
أصحاب رسول الله ﷺ يستمعون لحديثه، وينصتون له، منهم البراء بن عازب.
توفي في فتنة ابن الأشعث سنة ثلاث وثمانين.
ووالده أبو ليلى صحابي شهد أحدا وما بعدها مع النبي ﷺ ، وشهد مع علي ﵁ مشاهده، وقتل معه بصفين.
٤٣٥ - [محمد بن سعد بن أبي وقاص] (١)
محمد بن سعد بن أبي وقاص القرشي الزهري أبو القاسم الإمام الثقة المدني.
حدث عن أبيه وعثمان بن عفان وأبي الدرداء وطائفة.
وحدث عنه ابناه إبراهيم وإسماعيل وأبو إسحاق السبيعي وغيرهم.
روى جملة صالحة من العلم، قام على الحجاج مع ابن الأشعث، فأسر يوم دير الجماجم، فقتله الحجاج في سنة اثنتين وثمانين.
٤٣٦ - [عبد الله بن الحارث] (٢)
عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي.
حنكه النبي ﷺ عند ولادته، يكنى: أبا محمد وأبا إسحاق، ويلقب (ببّه) لأن أمه كانت ترقصه وتقول له: [من مجزوء الرجز]
لأنكحنّ ببّة ... جارية خدبّة
مكرمة محبّة ... تجبّ أهل الكعبة
بايعه أهل الكوفة والبصرة لما هرب منها عبيد الله بن زياد، وأمّره ابن الزبير أياما قلائل، ثم عزله، وهرب من الحجاج إلى عمان، فمات بها في سنة أربع وثمانين.